← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 123–162 · переход к 128.

стр. 123

قال السندي (١): قوله: "باب إذا قال أحدكم: آمين" لعل مراده أن من جملة الأدلة على وجود الملائكة هذا الباب، أي: ما ذكر فيه وما يتعلق به من الأحاديث، فلم يأت بالباب ليذكر أحاديثه، والله أعلم، نعم ذكر بعض أحاديثه ليستدل به على وجود الملائكة فيما بعد أيضًا في جملة سائر الأحاديث لهذا المطلوب، والله تعالى أعلم، انتهى. وحينئذ فلم يبق لي مانع أن أذكره أصلًا مستقلًّا، ولذا ذكرته أصلًا مستقلًّا كما سيأتي في الأصل الستين، وسيأتي هناك بعض أمثلته. ٨ - الثامن: الحديث بضد الترجمة: أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، وبما كان يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك، انتهى. كذا في مبدأ تراجم الشيخ قدِّس سرُّه ولم يمثل له بمثال، وما ذكر هذا الأصل في موضع من تراجمه المفصلة، ومع ذلك هذا أصل مشهور على ألسنة المشايخ. ويمكن عندي أن يمثل له بـ "باب إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وهو قطعة من حديث معروف، وذكر بعده الإمام البخاري: "وصلى النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس"، ثم أورد في الباب حديثًا (٢) طويلًا في مرضه ﷺ ، وفيه: "فجعل أبو بكر ﵁ يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ وهو قاعد"، قال الشيخ في "التراجم": قوله: "وصلى النبي ﷺ . . ." إلخ، أشار بإيراد هذا القول في تعاليق الباب إلى نسخ هذا القدر من الحكم، انتهى.

стр. 124

ويمكن أيضًا أن يمثل له بـ "باب جهر المأموم بالتأمين"؛ إذ أورد فيه حديث تأمين المأموم (١) مطلقًا بدون قيد الجهر، فكأنه لم يجهر المأموم بالتأمين على إحدى التوجيهات العديده في توافق الحديث بالترجمة. وهكذا ترجم بـ "باب بيع العبد الزاني"، وأورد فيه حديث (٢) زنا الأَمَة، على إحدى التوجيهات. وكذا ترجم بـ "باب [وقت] الجمعة إذا زالت الشمس"، وأورد فيه حديث (٣) التبكير بها والقيلولة بعدها. وترجم بـ "باب من كفن بغير قميص"، وأورد فيه حديث (٤) ابن أُبَي المنافق الدال على القميص. وترجم بـ "باب تحري ليلة القدر في الوتر"، وأورد فيه عن ابن عباس (٥): "التمسوا في أربع وعشرين". وهذا الأصل غير الأصول الآتية في ٤٣ و ٥٥ و ٦٤، فلا تلتبس الأربعة، وكذلك هذا الأصل بمعزل من الأصل الثالث كما لا يخفى. ٩ - التاسع: استنباط الأحوال التاريخية: يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طرق الحديث، وربما يتعجب الفقيه من ذلك. . .، إلى آخر ما قال. ويوضح كلامه هذا ما تقدم من كلامه مبسوطًا في آخر الفائدة الثالثة عشرة في "باب ذكر قحطان". ويمكن عندي أن يمثل له بـ "باب كيف كان بدء الحيض"؛ إذ

стр. 125

استنبط الإمام ﵁ كونه من زمن آدم ﵇ بحديث (١) عائشة ﵂ في الحج. وهذا الأصل بمعزل من الآتي في الرابع والخمسين والتاسع والخمسين. ١٠ - العاشر: التمرن: ما قال قُدِّس سرُّه: قد يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع. مثاله ذكر الصوَّاغ في "باب ذكر الحناط"، هكذا أفاد الشيخ، ولا ريب في قصد التمرن من الإمام البخاري في جميع كتابه، ومع ذلك لم أجد هذا الباب فيما عندي من نسخة "الجامع الصحيح"، فلعله يكون في نسخة الشيخ قُدِّس سرُّه. ١١ - الحادي عشر: الاشارة إلى بعض طُرق الحديث: قد يذكر حديثًا لا يدل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أن له أصلًا يتأكد به ذلك الطريق. ومثل هذا لا ينتفع به إلا المهرة من أهل الحديث، انتهى. هكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه، وجعل كله أصلًا واحدًا، وإلا ففي الحقيقة هما أصلان مطَّردان كثيرا الوقوع في "الجامع": الأول: أنه يشير به إلى بعض طرقه الواردة في "الصحيح" في الموضع الآخر، وأشار إلى ذلك الشيخ بأول كلامه. والثاني: أن يشير بذلك إلى بعض طرقه الواردة في الكتب الأخر

стр. 126

من غير "الجامع"، وإليه أشار الشيخ بآخر كلامه بقوله: أشار على أن له أصلًا صحيحًا. . . إلخ. وجعلهما شيخ الهند ﵀ أيضًا في أصول تراجمه أصلًا واحدًا، وباتّباعهما قُدِّس سرُّهما جعلته أصلًا واحدًا، وإلا فهما أصلان متغايران جدًّا، جديران بأن يُفْرَدَ كلُّ واحد منهما عن الآخر. وبسَطَ الكلام على ذلك شيخ الهند ﵀ في الأصل السادس من أصول تراجمه إذ قال: قد يذكر المصنف في الباب حديثًا لا تعلق له بالترجمة أصلًا، لكنه ﵀ يذكر هذا الحديث في باب آخر من "صحيحه"، ويكون فيه ما يثبت الترجمة الأولى صريحًا، ومن لم يعرف ذلك يتكلف في التطبيق بين الترجمة الأولى وحديثها تكلفات باردة. مثاله: أنه ترجم في أول كتابه "باب السمر في العلم"، وأورد فيه حديث ابن عباس (١): "بِتُّ في بيت خالتي ميمونة ﵂. . ." إلخ، ولا ذكر فيه للسمر أصلًا، فاضطر الشرَّاح في ذلك إلى تأويلات باردة كلها بمعزل من الحقيقة. وأجاد في ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في "شرحه" إذ قال: إن المصنف أخرج الحديث في كتاب التفسير، وفيه زيادة وهي قوله: "فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة" (٢)، وهذه الجملة نص في إثبات الترجمة الأولى، انتهى. قلت: وتمام كلام الحافظ (٣) في الباب المذكور بعد ذكره التوجيهات العديدة عن الشرَّاح الأخر، وكل ذلك معترض، والأَولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على

стр. 127

الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواة؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن. وإنما أراد البخاري ههنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحًا على حقيقة السمر، وهو ما أخرجه في التفسير بلفظ: "تحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة، ثم رقد. . ." الحديث، فصحَّت الترجمة صريحًا - بحمد الله - من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن، انتهى مختصرًا. قلت: هو كذلك فإن الإمام البخاري ﵀ أخرج بهذه الزيادة في باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ثم قال شيخ الهند ﵀ في هذا الأصل السادس المذكور: وتارة يكون الحديث الذي فيه جملة مثبتة للترجمة لا يكون على شرط المؤلف وإن كان صحيحًا، لكنه لمَّا لم يكن على شرطه لا يذكره المؤلف في "صحيحه"، ولا يظفر بذلك إلا من تتبع كتب الحديث، انتهى مختصرًا. وهذان الأصلان مطَّردان في "صحيحه" قد أخذ بهما الحافظ ابن حجر في المواضع التي لا تحصى من "شرحه"، منها: ما قال في "باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان": الذي يظهر لي من تصرُّف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا (١)، ثم ذكر الطرق المصرِّحة بذلك، وقال في "باب دلك المرأة. . ." إلخ: جرى على عادته في الترجمة بما تضمَّنه بعض طرق الحديث (٢)، وقال في "باب أمور الإيمان، وقول الله ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ الآية [البقرة: ١٧٧] ": وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق (٣) وغيره، ورجاله ثقات، ولم يسقه

стр. 128

المصنف؛ لأنه ليس على شرطه، فإن قيل: ليس من المتن ذكر التصديق، أجيب: بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه مسلم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله ولم يسقه تامًّا (١)، انتهى ملخصًا، وهذا من الأصل الثاني من هذين الأصلين. وقال أيضًا في "باب الفتيا وهو واقف على الدابة" في "كتاب العلم": فإن قيل: ليس في سياق الحديث ذكر الركوب، فالجواب أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج (٢) فقال: "كان على ناقته" ترجم له: "باب الفتيا على الدابة" (٣)، انتهى، وهذا من الأصل الأول من الأصلين المذكورين. والعجب من العلَّامة العيني قُدِّس سرُّه أنه أورد على الحافظ في الباب المذكور، إذ قال (٤): وأجاب بعضهم بأنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج، وبُعد هذا الجواب كبُعد الثرى من الثريا، فكيف يعقد باب بترجمة ثم يحال ما يطابق ذلك على حديث يأتي في باب آخر؟ انتهى. وأشد التعقب على الحافظ في "باب السمر في العلم" فقال رادًّا على كل جزء من كلامه (٥): وأما قوله: والأَولى من هذا كله إلى آخره، فكلام ليس له توجيه أصلًا، فضلًا عن أن يكون أولى من غيره، لأن من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثًا هل يقال: مناسبة الترجمة في هذا الباب تستفاد من ذلك الحديث الموضوع في باب آخر؟ فما أبعد هذا الكلام، وأبعد من هذا البعيد أنه علَّله بقوله: لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، فسبحان الله، هؤلاء ما فسَّروا الحديث، بل ذكروا مطابقة الحديث بالترجمة، وما ذكره هو الرجم بالظن، انتهى ملخصًا.

стр. 129

ومع هذا كله، فقد أخذ بهذا الأصل بنفسه أيضًا، إذ قال في "باب من حمل جارية صغيرة على عنقه": وقد أخرج فيه البخاري حديث أبي قتادة في صلاته ﷺ حاملًا أُمامة بنت زينب، فقال العيني (١): مطابقته ظاهرة، فإن قلت: أين الظهور وقد خص الحمل بكونه على العنق، ولفظ الحديث أعم من ذلك؟ قلت: كأنه أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى، منها لمسلم (٢) من طريق بكر، وصرَّح فيه "على عنقه"، وكذا لأبي داود وأحمد (٣) من طريق أخرى، انتهى مختصرًا. وهكذا أخذ العلامة العيني بذلك في "باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها" إذ قال (٤): مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة وليس فيه ما يطابق بقوله: "عند الإقامة وبعدها"، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك. وقال في "باب التقاضي والملازمة": وجه مطابقة الحديث للترجمة في التقاضي ظاهر (٥)، وأما في الملازمة فبوجهين، ثانيهما: أنه أخرج هذا الحديث (٦) في عدة مواضع، منها في "باب الصلح" و"باب الملازمة" بلفظ: "فلزمه" فكأنه أشار بالملازمة إلى الحديث المذكور على أن ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التراجم بهذه الطريقة، انتهى ملخصًا. فجُملة الكلام أن هذين الأصلين مطَّردان في "صحيحه"، أخذهما الشرَّاح قاطبةً، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الثامن والثلاثين ولا الحادي والأربعين.

стр. 130

١٢ - الثاني عشر: [ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى]: وكثيرًا ما يترجم لأمرٍ ظاهر قليل الجدوى، لكنه إذا تحقق المتأمل أجدى. كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الردِّ على من كره ذلك، انتهى. قلت: أخذ الشيخ قُدِّس سرُّه هذا الأصل من كلام الحافظ المذكور فيما سبق عن المقدمة (١)، ورقمت عليه "الثامن"، وزاد الحافظ في مثاله: ومنه قوله: "باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا القول، انتهى. وتبعه القسطلاني في "مقدمة شرحه" (٢) في ذكر هذا الأصل، وهو أصل مطَّرد، ويظهر بالتأمل وتفتيش المذاهب والآثار الواردة في ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهما. وذكر هذا الأصل شيخ الهند ﵀ أيضًا في الأصل الحادي عشر، ووجَّهه بوجوه كما سيأتي في محله. الثالث عشر: [تعقبات على مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة]: ما قال: وأكثرها تعقبات على مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم مصنفَيهما، ومثله لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين واطَّلع على ما فيهما، انتهى. قلت: وهو كذلك، ويظهر ذلك بمطالعة "فتح الباري" والعيني، فإنهما يصرِّحان بذلك في كثير من التراجم أن غرضه الرد على قول فلان، أخرجه فلان، وذكره شيخ الهند ﵀ أيضًا، لكنه لم يذكره أصلًا مستقلًّا،

стр. 131

بل أدمجه في الأصل الثاني عشر المذكور فيما سبق، وذكره شيخ الهند ﵀ في الأصل الحادي عشر من أصوله، وأضاف فيه احتمالات أُخر أيضًا. وقال الحافظ في "باب السترة بمكة" بعد ذكر توجيه ابن المنيّر: والذي أظن أنه أراد أن يُنَكِّتَ على ما ترجم به عبد الرزاق حيث قال: "باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء"، إلى آخر ما بسط الحافظ (١). وقال أيضًا في "باب الصلاة على الحصير" (٢): النكتة في ترجمة الباب: الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شُريح بن هانئ أنه سأل عائشة ﵂: "أكان النبي ﷺ يصلِّي على الحصير، والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، فقالت: لم يكن يصلي على الحصير" (٣)، فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًّا مردودًا لمعارضة ما هو أقوى منه، إلى آخر ما قال. وقال العيني (٤) في "باب الاستنجاء بالماء": قصد بهذه الترجمة الرد على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من النبي ﷺ لما رواه ابن أبي شيبة (٥) بأسانيد صحيحة إلى آخر ما ذكر. وقال الحافظ (٦) في "باب أذان الأعمى": روى ابن أبي شيبة

стр. 132

وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى. وقال الحافظ (١) في "باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد": كأنه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق (٢) بإسناد صحيح: "أن ابن عمر ﵄ كان يؤذن للصبح في السفر أذانين". وقال (٣) في "باب الأذان للمسافرين. . ." إلخ: وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أمير، فينادى بالصلاة ليجتمعوا لها، وأما غيرهم فإنما هي الإقامة، وحكي نحو ذلك عن مالك، انتهى. وهذا الأصل يختصُّ بالكتابين المذكورين، بل الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم في "صحيحه" على رد الروايات التي لا تصح عنده، سواء كانت في الكتابين المذكورين أو غيرهما من كتب السنن وغيرها، وخصَّ الشيخ قُدِّس سرُّه الكتابين المذكورين لكثرة التعقبات عليهما، ولا يمتري في ذلك من مارس التراجم، وأمعن النظر في الكتابين المذكورين. قال الحافظ (٤) في "باب الدفن بالليل": أشار بهذه الترجمة إلى الرد على منع ذلك محتجًا بحديت جابر: "أن النبي ﷺ زجر أن يقبر الرجل ليلًا، إلا أن يضطر إلى ذلك"، أخرجه ابن حبان (٥)، إلى آخر ما قال. قلت: ويدخل في ذلك الأصل: "باب موت الفجأة" على ما قال ابن رُشيد كما حكاه عنه في "الفتح" (٦).

стр. 133

١٤ - الرابع عشر: الآداب والعادات المسلوكة: ما قال: وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل من الكتاب والسُّنَّة والعادات الكائنة في زمانه ﷺ ، ومثل هذا لا يدرك حُسنه إلا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة، انتهى. قلت: وهو كذلك، لا مراء في ذلك ولا امتراء، ويتضح ذلك بمطالعة الأبواب مفصلًا، لا سيما في كتاب العلم والجهاد والنكاح والأطعمة والآداب وغيرها، ويمثل له بالأبواب المسلسلة في "كتاب العلم" من "باب من سئل علمًا وهو مشتغل. . ." إلخ، و"من رفع صوته بالعلم"، و"طرح الإمام المسألة"، و"القراءة [والعرض] على المحدث"، و"من قعد حيث ينتهي به المجلس"، و"ما كان النبي ﷺ يتخوَّلهم بالموعظة"، و"من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة"، و"الفتيا على الدابة"، و" [من أجاب] الفتيا بإشارة اليد والرأس"، و"الغضب في الموعظة"، و"من برك على ركبتيه"، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة في الكتب المتفرقة. ١٥ - الخامس عشر: ذكر الشواهد من الآيات لإرادة الخصوص من العموم: ما قال: وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية من الأحاديث تظاهرًا، ولتعيُّن بعض المجملات دون البعض، فيكون كقول المحدث: المراد بهذا العام المخصوص، أو بهذا الخاص العموم ونحو ذلك. ذكره شيخ المشايخ قُدِّس سرُّه أصلًا واحدًا، وإلا ففي الحقيقة هي ثلاثة أصول مختلفة:

стр. 134

أحدها: التظاهر. والثاني: إرادة العام بالخصوص. والثالث: عكسه. وقد تقدم نحو ذلك في كلام الحافظ (١) المذكور في الفائدة الثانية، ورقمت عليه (١) و (٢)، لكنه خصَّه بالترجمة، ولذا أدخلته في الأصل الثلاثين. ولا يلتبس هذا بالأصل الأربعين لجزم الحكم ههنا، وعدم جزمه في الأربعين لإظهار اختيار المؤلف، والشواهد ههنا لتعيين محتملات الحديث، وفي الأربعين لإظهار اختيار المؤلف، وكذا الفرق بينه وبين الثامن عشر واضح، لإرداة الخصوص بالعموم ههنا وعكسه في الثامن عشر، فالجملة ههنا عدة أصول متقاربة يظهر الفرق بينها بالتأمل، وهي (١٨) و (٢٤) و (٤٠) و (٥٣)، والمقصود ههنا ذكر الشواهد من الآيات للتظاهر أو لتعيين بعض المحتملات. فهذه خمسة عشر أصلًا (٢)، ذكرها شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي قُدِّس سرُّه في مبدأ تراجمه. وأخذ في ذيل تراجمه عدة أصول أُخر، نُلحقها بكلامه، منها: ١٦ - السادس عشر: الترجمة بكلِّ محتمل: أن من دأب الإمام البخاري الاستدلال بكل المحتمل. قال شيخ المشايخ (٣) في "باب الرجل يأتم بالإمام. . ." إلخ: هذا يحتمل معنيين، وذهب المؤلف إلى كلا الاحتمالين. . . إلخ.

стр. 135

وقال في "باب الْعَلَم بالمصلى": ولما كان ظاهر لفظ الحديث يحتمل أن يكون العلم في زمانه ﷺ بنى المؤلف عقد الباب عليه، انتهى (١). وقال في "باب إذا قيل للمصلي: تقدم. . ." إلخ: استنباط المؤلف مستصعَب عند الشرَّاح غاية الصعوبة، وحله عندي أن دأب البخاري أن يستدل بكلا احتماليه، وهذا في كتابه كثير، انتهى. وكذا قال في "باب العرض في الزكاة": من أن قوله: "وأما خالد. . ." إلخ (٢)، استدلال ببعض محتملاته. . . إلخ. قال الشيخ أيضًا في "باب من نام عند السحر": استدل المؤلف بقول عائشة على ترجمة الباب استدلالًا ببعض محتملاته، وهذا من دأبه، يفعله كثيرًا في كتابه، وأخذ الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا بهذا الأصل في "باب العرض في الزكاة" إذ قال: واستدلال المؤلف بقول النبي ﷺ : "وأما خالد. . ." إلخ، استدلال ببعض محتملاته، إلى آخر ما أفاده، وهذا الأصل جارٍ على ألسنة المشايخ كثيرًا. ١٧ - السابع عشر: تعدد الطرق: ما قال في "باب حك المخاط بالحصى": وههنا توجيه آخر مطَّرد في أكثر المواضع، وهو أجود التوجيهات عندي، وهو: أنه من دأب المصنف أن يورد حديثًا واحدًا متعدد الطرق مرارًا متعددة، ويعقد كل ترجمة بلفظ آخر واقع في ذلك الحديث، ومقصوده ليس إلا إكثار طرق الحديث، كما وقع في هذا المقام، انتهى.

стр. 136

وأخذ بذلك الأصل في "باب صلاة التطوع على الحمار" أيضًا. قلت: ويستأنس هذا الأصل مما قالت الشرَّاح في "باب طرح الإمام المسألة على أصحابه": فإن مؤدَّى كلام الكرماني (١) وتبعه العيني وغيره، أن المقصود ذكر الحديث بطريقيه اللتين سمعهما عن شيخيه. ويستأنس ذلك أيضًا عمَّا قال الحافظ في "باب الصلاة على الخُمرة" (٢)، أفردها بترجمة لكون شيخه أبي الوليد حدَّثه بالحديث مختصرًا، وبذلك جزم العيني (٣) في "باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا": لو قلنا: إفراد هذه الترجمة لبيان تعدد سنده لكان فيه الكفاية، انتهى. وإلى ذلك الأصل أشار الحافظ في "مقدمته" (٤) مجيبًا عن تكرار الروايات: أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى، وحدَّث آخر، فعبَّر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر، فيورده بطرقه إذا صحَّت على شرطه، ويفرد لكل لفظ بابًا مفردًا، انتهى. ١٨ - الثامن عشر: إرادة العام بالترجمة الخاصة: ما قال في "باب رفع البصر إلى الإمام": عقد هذا الباب لما تقرر أن الأولى أن ينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده، ومع ذلك لو رأى إلى إمامه ولم ينظر إلى ذلك الموضع لم تفسد عليه صلاته. وقد مر غير مرة أن البخاري ربما يعقد الترجمة لأمر خاص من بين

стр. 137

العام، مع أن مراده إثبات ذلك العام، وذلك لتعيين صورة من بين صوره المحتملة كما قلنا ههنا، فإن مراده ﵀ نفي لزوم النظر إلى موضع السجود وهو عام، ومن صوره المحتملة اختيار صورة خاصة وهي حالة النظر إلى الأمام مع أن الغرض إثبات العام، فاحفظ هذا التحقيق فإنه مما ينفعك في مواضع شتّى من هذا الكتاب، انتهى. وإلى ذلك الأصل أشار الحافظ في "الفتح" (١) في "باب غسل المرأة أباها الدم"، إذ قال: هذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها يجوز الاستعانة فيها، وبهذا يظهر مناسبة أثر أبي العالية، انتهى. وبذلك الأصل أخذ شيخ المشايخ في "باب من دعي لطعام في المسجد" إذ قال: غرضه من عقد هذا الباب جواز الكلام المباح في المسجد، إلى آخر ما قاله. وكذا في "باب هل يَتَتَبَّعُ المؤذِّن فاه؟. . ." إلخ إذ قال: غرضه أن الأذان غير ملحق بالصلاة في الأحكام، ولا يشترط فيه الاستقبال، وبهذا تتحقق المناسبة بين الترجمة والآثار، انتهى (٢). وبذلك أخذ في "باب الرجل ينعى إلى أهل الميت" إذ قال: ذكر الأهل لمجرد تصوير صورة، والمقصود إثبات جواز النعي مطلقًا. وبذلك أخذ في "باب الصدقة باليمين" إذ قال: مقصود الترجمة الإعطاء بنفسه، فلا خفاء لمناسبة الحديث الثاني، انتهى. والأوجه عندي أن هذا الباب من الأصل السادس والخمسين، وقد عرفت في الخامس عشر أن ههنا عدة أصول متقاربة فلا تلتبس عليك، لا سيما هذا الأصل بالأصل الثلاثين.

стр. 138

١٩ - التاسع عشر: الإثبات بالأولوية: أن الإمام البخاري يذكر في الترجمة أمرين، يثبت أحدهما بالنص، والآخر بالأولوية، كما أفاده شيخ المشايخ في "باب ما يذكر في المناولة. . ." إلخ، إذ قال: ذكر في الترجمة أمرين: المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، وأثبت بحديثي الباب الأمر الثاني، فثبوت الأمر الأول بالطريق الأَولى فافهم، انتهى. قلت: قد أخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في عدة مواضع من تراجمه فقال في "باب التيمُّن في الوضوء والغسل": ثبت بأول حديث الباب التيمُّن في غسل الميت، فثبت التيمُّن في غسل الحي بالطريق الأولى لكونه الأصل. وذكره في "باب البول قائمًا وقاعدًا": أثبت بالحديث الأَولَ، والثانيَّ بالطريق الأولى، وهكذا قرره الشرَّاح، ثم ذكر توجيهًا آخر، واختاره ههنا خاصّةً. وما حكاه الشيخ عن الشرَّاح حكاه الحافظ في "الفتح" (١) عن ابن بطَّال: دلالة الحديث على القعود بالطريق الأولى؛ لأنه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز، وأخذ شيخ المشايخ بهذا الأصل في "باب التسمية على كل حال. . ." إلخ، إذ قال: لمَّا لم يكن الحديث الذي روى في باب التسمية قبل الوضوء على شرط المؤلف، أثبت التسمية للوضوء بالحديث الذي أورده في الباب لدلالته على الاستحباب في الوضوء بالطريق الأَولى، انتهى مختصرًا ملخصًا. وأخذ العيني (٢) هذا الأصل في الباب المذكور بوجه آخر، وهو أن إثبات التسمية عند الوقاع نص، وعلى كل حال بالأَولى، وحكاه الحافظ في

стр. 139

"باب وجوب القراءة" تحت حديث قصة سعد عن الكرماني إذ قال (١): وأبدى الكرماني لتخصيص العشاء بالذكر حكمة، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأولى، انتهى. وذكر شيخ الهند ﵀ أيضًا في مبدأ تراجمه هذا الأصل، لكنه ﵀ ذكر له وجهًا آخر، إذ قال في الأصل الثالث عشر: إنه قد يذكر في الترجمة أمران، والوارد فيه مُثْبِت للواحد فقط، فيتوهم منه أن الأمر الثاني لم يثبت، وليس كذلك، بل يكون مقصود المؤلف جزءًا واحدًا لا الآخر، لظهوره واتفاق العلماء عليه، فيذكره تبعًا واستطرادًا، انتهى ما قاله معربًا مختصرًا. وأخذ شيخ الهند قُدِّس سرُّه عن العيني إذ اختاره في الباب المذكور، أي: "البول قائمًا وقاعدًا" بعد التعقب على توجيه ابن بطال: والأحسن أن يقال: لما ورد في الباب جواز البول قائمًا وقاعدًا بأحاديث كثيرة، أورد البخاري حديث الفصل الأول، وفي الترجمة أشار إلى الفصلين، إما اكتفاءً بشهرة الفصل الثاني وعمل أكثر الناس به، أو إشارة إلى أنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه (٢)، انتهى مختصرًا. وهذا الأصل غير الأصلين الآتيين في ٣٨ و ٣٩، وغير الذي تقدم في الحادي عشر كما لا يخفى. ٢٠ - العشرون: باب بلا ترجمة للفصل: ما اختاره في تراجمه مرارًا، أن الباب الخالي عن الترجمة يكون بمنزلة الفصل عن الباب السابق. ذكره الشيخ في "باب" خال عن الترجمة بعد "باب إدخال البعير في

стр. 140

المسجد"، وفي "باب" بعد "باب الصلاة بين السَّواري". وقال العيني (١): إن البخاري جرت له عادة أنه إذا ذكر لفظ "باب" مجرد عن الترجمة، يدل ذلك على أن الحديث الذي يذكر بعده ليكون له مناسبة بأحاديث الباب الذي قبله، انتهى. وقال الحافظ في الباب المذكور (٢): كذا في الأصل بلا ترجمة، وكأنه بيَّض له فاستمر كذلك، وأما قول ابن رُشيد: إن مثل ذلك إذا وقع للبخاري كان كالفصل من الباب، فهو حسن حيث يكون بينه وبين الباب الذي قبله مناسبة بخلاف مثل هذا الموضع، وكذا قال شيخ المشايخ في "باب" بعد "باب الصلاة بين السواري": إن هذا الباب لا ترجمة له فهو كفصل الباب الأول. وقال الحافظ في الباب المذكور (٣): كذا للأكثر بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، انتهى. والجملة أن هذا الأصل مطَّرد معروف في الشروح، ذكره الشرَّاح مرارًا في شروحه، وذكره شيخ الهند ﵀ أيضًا في أصول تراجمه في الموضعين، الأول في الأصل الثامن، ثم أعاده في آخر كتابه في الأصول العربية، وحكى عن الشرَّاح هذا الذي تقدم، لكنه ﵀ أبدع له وجهًا آخر أيضًا نذكره في الأصل الخامس والعشرين والسادس والعشرين، وينظر ٣٧ و ٥٧. هذه عشرون أصلًا ذكرها شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي في تراجمه. وذكر شيخ الهند ﵀ في مبدأ رسالته في التراجم في اللغة الأردية خمسة عشر أصلًا نذكرها على ترتيبها، إلا أن بعضًا منها تقدم في كلام شيخ المشايخ، فلا نذكره إلا مجملًا تكميلًا لعدده، وإبقاءً لترتيب كلامه،

стр. 141

ولا نذكر له رقم العدد في عدادنا للتكرار، فالعدد الأول يكون لشيخ الهند، والثاني لعدادنا. وسيأتي قريبًا في الأنواع الثلاثة من الأبواب المجردة في كلام شيخ الهند ﵀ أنه جعل مثل هذه الأبواب ثلاثة أنواع سيأتي تفصيلها في محلها. ١/ ٢١ - الحادي والعشرون: المدلول اللفظي: أن الإمام البخاري ﵀ كثيرًا ما يترجم بجزء من الحديث أو بكلام آخر، ولا يريد بلفظ الترجمة مدلوله الأصلي اللفظي الصريح، بل يريد مدلوله الالتزامي الثابت بالإشارة والإيماء. فما يورد في الباب يكون موافقًا للثاني، ومن أراد تطبيقه بالأول، أي: المدلول اللفظي يقع في التخبط، كما يظهر من أول أبوابه "باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ "، فإنه ﵀ ذكر فيه ستة أحاديث ليس في بعضها ذكر الوحي أصلًا، وليست كيفية البدء إلا في حديث واحد، وهو حديث حِراء، ولذا اضطر بعض الشرَّاح إلى قولهم: إن كثيرًا من أحاديث الباب لا يتعلق إلا بالوحي لا ببدء الوحي، فكيف جعل الترجمة "باب بدء الوحي"، وتكلف بعضهم في التوجيهات الباردة. والحق أن غرض الترجمة لم يكن ما هو ظاهر من اللفظ، بل الغرض كان بيان عظمة الوحي، وكونه واجب الاتباع، وخلوَّه عن الخطأ والسهو، وغير ذلك من الأمور التي تناسب عظمة الوحي، انتهى. قلت: وبسط الشيخ الكلام على ذلك في ذيل تراجمه أيضًا، وبسطه أشد البسط، وذكر الأصل المذكور في آخر كتابه أيضًا كما تقدم كلامه العربي في الفائدة الثانية مفصلًا، ومثَّل له هناك بـ "باب من أدرك ركعة من العصر"، وغير ذلك كما تقدم كلامه بلفظه.

стр. 142

٢/ ٢٢ - الثاني والعشرون تكرار الترجمة: أن من المسلَّمات المجمع عليها، أن الإمام البخاري لا يكرِّر عمدًا في "صحيحه" حديثًا ولا ترجمة، ومع ذلك فإن ظهر في موضع تكرار الترجمة - مثلًا ذَكَرَ "باب فضل العلم" في الموضعين من "كتاب العلم" -، فلا بد من أن يجعل لهما محملًا يميزهما. ولذا أجمعوا على أن المراد بالفضل في أحدهما غير المراد في الثاني. وأيضًا لا يخرج عن التكرار تغير السياق والألفاظ، كما ترجم بـ "باب كيف كان بدء الوحي. . ." إلخ في أول كتابه، وبـ "باب كيف نزول الوحي"، و"أول ما نزل" في "كتاب فضائل القرآن"، فهذا تغير السياق لا يخرجه عن التكرار حتى يفرق بينهما بغرض الترجمة ومقصودها، انتهى ملخَّصًا معربًا. وهذا واضح، ولذا اضطر الشرَّاح في شروحهم، والمشايخ في دروسهم، إلى بيان الفرق بين التراجم المكررة لفظًا، وهي كثيرة في "الصحيح"، مثلًا: ترجم بـ "السمر بالعلم" في "كتاب العلم"، ثم ترجم بـ "السمر في الفقه والخير" قبيل "كتاب الأذان". وترجم بـ "السؤال والفتيا عند رمي الجمار" في "كتاب العلم"، ثم ترجم بـ "الفتيا على الدابة عند رمي الجمار" في "كتاب الحج". وترجم بـ "المرأة تحيض بعد الإفاضة" في "كتاب الحيض"، ثم ترجم في الحج "إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت". وترجم بـ "شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين"، ثم ترجم في العيد "خروج النساء الحيَّض إلى المصلى".

стр. 143

وترجم بـ "الصلاة بمنى" في "أبواب تقصير الصلاة"، ثم ترجم بذلك اللفظ في "الحج". وترجم بـ "الصلاة" على النفساء وسُنَّتها" في "الحيض"، ثم ترجم بـ "الصلاة على النفساء" في "الجنائز". وترجم بـ "التكبير أيام منى"، و"إذا غدا إلى عرفة" في "العيدين"، ثم ترجم في "الحج" بـ "التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة". وترجم في "الصلح" بـ "قول الإمام: اذهبوا بنا نُصْلِح"، ثم ترجم في "الأحكام" بـ "الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم". وترجم في "الجمعة" "لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه"، ثم ترجم في "الاستئذان" بـ "باب لا يُقيم الرجل الرجل من مجلسه. . ." إلخ، وترجم بلفظ: "لا هامة" في موضعين من "كتاب الطب"، وترجم فيه أيضًا بـ "باب السحر" في موضعين. قال الحافظ (١): كذا وقع للكثير، وسقط لبعضهم وهو الصواب. . . إلخ. وغير ذلك من الأبواب الكثيرة المكررة ظاهرًا. ويستأنس ذلك الأصل من كلام شيخ المشايخ في "باب صلاة التطوع على الحمار"، إذ قال: إنه ترجم بذلك لزيادة الاهتمام. ٣/ ٢٣ - الثالث والعشرون: الترجمة الشارحة: أن الأصل في التراجم أن تكون دعاوى والأحاديث الواردة في الباب تكون دلائلها مثبتة للترجمة، لكن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بما يكون بمنزلة شرح للحديث، كما تقدم بسط ذلك في الفائدة الثانية من كلام

стр. 144

السِّندي إذ قال: إن تراجم "الصحيح" على قسمين: قسمٌ يذكره للاستدلال بحديث الباب، وقسمٌ يذكره ليجعل كالشرح لحديث الباب، والشرَّاح جعلوا الأحاديث كلها دلائل للترجمة، فأشكل عليهم الأمر، إلى آخر ما تقدم في كلام السندي. وذكر السندي أيضًا في "باب أحب الأسماء إلى الله "، ومثَّل له شيخ الهند ﵀ بـ "باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض" فقال: إن زيادة لفظ "غير أيام الحيض" بمنزلة الشرح للحديث جمعًا بينه وبين حديث عائشة ﵂: "لا، حتى ترين القصة البيضاء"، انتهى. قلت: كون بعض التراجم شارحة معروفة مطَّردة عند الشرَّاح، كثيرة الوقوع في "الصحيح"، ومع ذلك المثال الذي أفاده شيخ الهند قُدِّس سرُّه من "باب الصفرة" لو جعل داخلًا في الأصل الخامس لكان أوضح. وشيخ الهند قُدِّس سرُّه لما أدخل المذكور في هذا الأصل تبعًا للسندي صحَّ تمثيله قُدِّس سرُّه بذلك على أصله. ويمثّل لذلك الأصل بـ "باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى"، فقوله: "لتكون أنقى" بيَّن بذلك علة مسح اليد بالتراب مع الإشارة إلى الاختلاف في ذلك. وكقوله: "باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض"، أشار بذلك إلى عدم التخصيص بالمسك. وكقوله: "باب الإقامة واحدة. . ." إلخ، شرح بذلك قوله في الحديث: "يوتر الإقامة". وكقوله: "باب الذكر بعد الصلاة"، شرح بذلك لفظ "الدبر" الوارد في أحاديث الأدعية ردًّا على من قال بأن هذه الأدعية في التشهد قبل السلام للفظ الدبر.

стр. 145

وترجم بـ "باب كلام الميت على الجنازة" شرح بذلك لفظ الجنازة الواردة في الحديث. وكقوله: "باب بركة السحور من غير إيجاب"، فإن هذا القيد نبّه على أن الأوامر الواردة فيه للاستحباب. وكقوله: "باب رفع معرفة ليلة القدر"، فإن لفظ المعرفة نبّه على معنى قوله ﷺ : "رفعت" ردًّا على من قال: "إن ليلة القدر رفعت". ٤ - * المعنى الخفيّ للترجمة: ذكر شيخ الهند ﵀ أصلًا رابعًا: أن الترجمة قد يكون لها معنى ظاهر واَخر خفي. فالشرَّاح لما حملوها على الأول اضطربوا في التطبيق. والحق أن مراد المصنف كان معنًى خفيًّا، ومثَّل له بـ "باب ما يقول بعد التكبير"، فإنهم لما حملوا الترجمة على الدعاء بعد تكبير الافتتاح تكلفوا في ذلك، والحق أن مراد المؤلف ﵀ كان التوسع في الدعاء، وبسط في ذلك، وبسطه أيضًا في كلامه العربي في آخر التراجم، كما تقدم مفصلًا في الفائدة الثانية. ولما لم يظهر لي فرق واضح بينه وبين ما تقدم في (١/ ٢١) الأصل الأول من أصوله، لم أجعل له عددًا مستقلًا. وهذا الأصل والذي بعده مأخوذان من كلام العلَّامة السندي، كما تقدم في كلامه من قوله: وكثيرًا ما يكون لظاهر الترجمة معنًى فيحملون الترجمة عليه، والحديث لا يوافقه فيعدون ذلك إيرادًا على صاحب "الصحيح"، مع أنه قصد معنًى يوافقه الحديث، وقد يكون معنى الترجمة ما فهموا ولكن تطبيق الحديث به يحتاج إلى فضل تدقيق، انتهى. ٥ - * الترجمة بإشارة خفية: وهكذا ذكر شيخ الهند قدِّس سرُّه أصلًا خامسًا، وهو: أن يكون معنى الترجمة ظاهرًا، لكن الاستدلال بالحديث يكون بإشارة خفية.

стр. 146

ومثَّل له بـ "باب ما يذكر في الفخذ"، والاستدلال فيه بحديث زيد بن ثابت. ولما دخل هذا الأصل في الأصل الثاني من أصول شيخ المشايخ لم أجعل له عددًا مستأنفًا. ٦ - * قد يذكر في الباب حديثًا لا يوافق الترجمة: وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه أصلًا سادسًا أنه قد يذكر في الباب حديثًا لا يوافق الترجمة، لكن يأتي في باب آخر ما يثبت به الترجمة. ومثَّل له بـ "باب السمر في العلم"، ولما تقدم هذا الأصل في الأصل الحادي عشر من أصول شيخ المشايخ لم أجعل له أيضًا عددًا مستقلًا. ٧/ ٢٤ - الرابع والعشرون: ذكر الآثار لأدنى مناسبة: ما ذكره شيخ الهند ﵀ في الأصل السابع أن الإمام البخاري ﵀ كثيرًا ما يذكر في الترجمة آثار الصحابة وغيرها، فمنها ما يكودن مثبِتًا للترجمة، ومنها ما يذكر لأدنى مناسبة، فإن الشيء بالشيء يذكر، فمن جعل كلها دلائل وقع في التكلفات الباردة، انتهى. قلت: أخذه الشيخ قُدِّس سرُّه من كلام السِّندي كما تقدم في الفائدة الثانية إذ قال: وأيضًا كثيرًا ما يذكر بعد الترجمة آثارًا لأدنى خاصيَّة بالباب، وكثير من الشرَّاح يرونها دلائل للترجمة، فيأتون بتكلُّفات باردة لتصحيح الاستدلال بها على الترجمة، فإن عجزوا عن وجه الاستدلال عدوُّه اعتراضًا على صاحب "الصحيح"، والاعتراض في الحقيقة متوجه عليهم حيث لم يفهموا المقصود، انتهى. وأخذ الإمام الكَنكَوهي هذا الأصل بمواضع من "تقريره"، منها في

стр. 147

"باب تقضي الحائض المناسك كلها"، إذ قال (١): ويمكن إيرادها - أي: الآثار - ههنا لمناسبة ما جرى من ذكر صوم الحائض وصلاتها. . . إلخ. وبذلك جزم شيخ المشايخ في تراجمه في الباب المذكور، إذ قال: أورد تعليقات الباب لأدنى مناسبة كما لا يخفى، ومثل هذا كثير عند المؤلف، انتهى. وبذلك أخذ العيني في الآثار المذكورة في هذا الباب إذ قال (٢): وإذا وجد التطابق بأدنى شيء يكتفى به، والتطويل فيه يؤول إلى التعسف، انتهى. قلت: وهكذا قال بعضهم في الآثار الواردة في "باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره"، وإلى ذلك أشار الكرماني في الآثار الواردة في "باب وضوء الرجل مع امرأته" إذ قال (٣): غرض البخاري ليس منحصرًا في ذكر المتون. . .، إلى آخر ما قال، [فقصد ههنا بيان التوضؤ بالماء الذي مسَّته النار دفعًا لما قال مجاهد، وبالماء الذي من بيت النصرانية ردًّا لما قال: إن الوضوء بسؤرها مكروه]. وقال العيني (٤) في الآثار الواردة في "باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا": وأدنى المناسبة كافٍ؛ لأن المقام إقناعيٌّ غير برهاني، انتهى. وقال شيخ المشايخ في "الصلاة في مسجد السوق": ولهذا القدر من المناسبة أورد المؤلف تعليقات الأبواب بل بأدنى من ذلك، انتهى. ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالخامس عشر الماضي، ولا بالأربعين الآتي.

стр. 148

٨/ ٢٥ - الخامس والعشرون: حذف الترجمة تشحيذًا للأذهان: ما ذكره شيخ الهند ﵀ في الأصل الثامن، وأعاده في آخر رسالته في العربية أيضًا، إذ قال: إن المصنف قد يذكر الباب بلا ترجمة، والشرَّاح يذكرون في ذلك احتمالات أكثرها بعيدة عن شأن المؤلِّف والمؤلَّف كليهما، وأكثر أعذارهم أنه كالفصل من الباب السابق، لكن هذا لا يتمشَّى في بعض المواضع، إلى آخر ما تقدم من كلامه مفصلًا في آخر الفائدة الثانية، ورقمت عليه (٢). فقال مثلًا: ترجم بـ "باب" بلا ترجمة بعد "باب ما جاء في غسل البول"، وذكر فيه الحديث المذكور سابقًا، فكيف يقال: إنه كالفصل من الباب السابق؛ لأن هذا يمكن إذا كان الثاني مغايرًا للأول بوجه، وههنا لا تغاير أصلًا. وعندنا لا بد أن يقال: إن المؤلف أحيانًا يترك الترجمة عمدًا، ومقصوده: أني أخرجت من هذا الحديث حكمًا أو أحكامًا، فينبغي أن تخرجوا منه حُكمًا غير ذلك مناسبة لتلك الأبواب، ويفعل هكذا تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين، كما هو دأبه في أمور كثيرة، فعندنا هذا الاحتمال أقوى وأليق وأنفع. مثلًا: تكون الترجمة ههنا "كون البول موجبًا لعذاب القبر وما يماثلها"، وكذلك في "باب" بلا ترجمة في آخر أبواب التيمم، ينبغي أن تكون الترجمة: "إذا لم يجد الجنب ماءً وتيمم"، انتهى ملخصًا. واقتصرت التلخيص؛ لأن كلامه هذا تقدم في الفائدة الثانية بلفظه، وزاد في هذا الأصل الثامن في الأردية، فمهما يوجد "باب" بلا ترجمة، ننظر أولًا: هل له مناسبة بالباب السابق؟ فإن كان فهو المرام، وإلا فنجعل له ترجمة مستقلة بشرطين:

стр. 149

أحدهما: أنها لا تتكرر بترجمة المصنف. والثاني: أن تكون مناسبةً للمقام، وطالما يظهر بالتدبر أن الحديث محتمل لعدة تراجم جديدة، فحينئذ يحتمل أن المؤلف حذفها تكثيرًا للفائدة، انتهى ملخصًا. وهذا الأخير أجعله أصلًا مستأنفًا كما سيأتي، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالعشرين الماضي، فإن حذف الترجمة فيه كان على ما هو المشهور عند الشرَّاح والمشايخ لكونه فصلًا من الباب السابق في هذا الأصل تشحيذًا للأذهان، تنبيهًا على وضع الترجمة الجديدة، وفي الآتي تكثيرًا للفائدة، ووضعًا لعدة تراجم، فتميز الأصول الثلاثة. ٨/ ٢٦ - السادس والعشرون: حذف الترجمة لتعدد الفوائد: ذكره شيخ الهند ﵀ استطرادًا في الأصل الثامن، وهو أجدر أن يُعَدَّ أصلًا مستأنفًا، وهو: أن الإمام البخاري قد يحذف الترجمة تكثيرًا للفوائد، فإن الحديث الوارد في الباب تستنبط منه مسائل عديدة مناسبة لهذا المحل، فيحذف الترجمة تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين أن يُخرجوا منه تراجم عديدة مناسبة لهذه الأبواب. وأخذ شيخ الهند ﵀ بهذا الأصل في تراجمه أيضًا، وما في "باب" بلا ترجمة بعد "باب سؤال جبرئيل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام. . ." إلخ، فقال بعد بسط التقرير في ذلك: إنه يحتمل أن حذف المصنف الترجمة يكون لتعدد الفوائد. ٩/ ٢٧ - السابع والعشرون: حذف الحديث لذكره قريبًا: ما ذكره شيخ الهند ﵀ في الأصل التاسع، وذكره في آخر رسالته في العربية أيضًا، وتقدم في آخر الفائدة الثانية، ورقمت عليه (٣).

стр. 150

إذ قال: وتارة يذكر بابًا مع الترجمة، لكن لا يذكر فيه حديثًا. وفيه وجهان: مرة يذكر تحت الترجمة آية، أو حديثًا، أو قولًا من الصحابة والتابعين، دالًّا على الترجمة، فالترجمة مثبتة بذلك. واكتفى المصنف بذلك، إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده، أو لقصد التمرين. ومرة لا يذكر في الباب شيئًا منها ولا حديثًا فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين أو سهو المصنف، أو عدم تيسر إرادته بوجه من الوجوه، ولا يخفى استبعاده. والتحقيق عندنا أن المؤلف لا يفعل ذلك إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، مع أن هذه الصورة قليلة جدًا، فلا تكون الترجمة غير ثابتة، بل ثابتة بالدليل المذكور وإن لم يذكره مع الترجمة لقصد التمرين، انتهى مختصرًا، تقدم كلامه بلفظ في الفائدة الثانية، وبسطه في الأصل التاسع في الأردية، وذكر أن مثل هذه المواقع قريب من عشرة فقط. ويستأنس هذا الأصل من كلام الحافظ المذكور في الفائدة الثانية، ورقمت عليه (٥). قلت: وعلى هذا الأصل يحمل ما قال شيخ المشايخ في تراجمه: قوله: قال إبراهيم: اكتفى في هذا الباب بإيراد الحديث المعلق؛ لأنه سيذكر في موضع آخر يتعلق به هذا الحديث تعليقًا شديدًا، وإنما قلنا: هذا معلق؛ لأن إبراهيم بن طهمان ليس من شيوخ المؤلف، ومثل هذا يفعل المؤلف كثيرًا، انتهى. ومما يجب التنبيه عليه أن مراد الشيخ من قوله: سيذكره، هو حديث مال البحرين (١)؛ فقد أخرجه البخاري في المغازي (٢)، وأما تعليق البخاري

стр. 151

فلم يصله المصنف، بل وصله الحاكم وغيره كما في "الفتح" (١) ومقدمته، وعلى ذلك حمل شيخ المشايخ "باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها" إذ قال: والمؤلف اكتفى بحديث الباب؛ لأن راتبة قبل الجمعة قد علم سنِّيتها سابقًا صريحًا عن حديث جابر ﵁ أنه دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، انتهى، وبنحو ذلك استدل في "باب حمل الرجال الجنازة"، والفرق بين هذا الأصل والآتي في الثاني والخمسين ظاهر، فتأمل. ١٠/ ٢٨ - الثامن والعشرون: تكرار التراجم لفوائد شتى: منها: إثبات دعوى واحد: ما ذكره شيخ الهند ﵀ في الأصل العاشر: أن الإمام البخاري ﵀، طالما يكرر التراجم لفوائد شتى، كالإجمال في ترجمة سابقة، والتفصيل في أخرى، أو إثباتها في الأولى بغير حديث مسند، وفي الثانية بحديث مسند، وتارة ما يكرر التراجم لإثبات دعوى واحدة، وقد يكون في إثبات المدعى بالحديث الوارد في الترجمة الأولى نوع تقصير فيتداركه بالترجمة الثانية، وقد يكون في الحديث الوارد في الترجمة الأولى مسألة مستأنفة يترجم لها الثانية ولا يذكر الحديث اكتفاء بالأولى، وقد يذكر في الترجمة أمورًا متعددةً، ويذكر الحديث متعلقًا ببعضها اكتفاءً بالآثار الواردة في الباب، أو إشارةً إلى إثباتها بالقياس، وقد يكون في الترجمة بعض إجمال يوضحه الحديث الوارد فيها، انتهى ملخصًا معربًا. وأنت خبير بأن هذا الأصل يتضمَّن أصولًا عديدةً يأتي بيان بعضها في الأصول الآتية، ونأخذ من هذا كله أصلًا واحدًا، وهو: أن الإمام كثيرًا ما يعالج لإثبات مسألة واحدة مهمَّة عنده بالتراجم العديدة المختلفة، كما فعل في أبواب الخُمس في أن النبي ﷺ لم يكن مالكًا لخُمسه، بل كان له

стр. 152

قسمه، وكما فعل في آخر الكتاب في مسألة خلق القرآن، ويستأنس ذلك بمسألة طهارة بول ما يؤكل لحمه، وهذا غير الأصل المتقدم في السابع عشر. ١١ - * القليل الجدوى: ذكر شيخ الهند ﵀ في الأصل الحادي عشر: أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بأمر قليل الجدوى، لا فائدة في ذكرها على الظاهر. ويكون ذلك لعدة وجوه، منها: ما أفاده الشاه ولي الله ﵀ أنه أراد الرد على "مصنف ابن أبي شيبة" و"عبد الرزاق"، وطالما يكون الغرض دفع توهم ناشٍ في ذلك المحل، أو تكون الإباحة ظاهرًا، لكنه يشير إلى ندبه أو إثبات الحكم بالنص فقط، ولم أذكر ذلك مستقلًا؛ لأنه تقدم في الأصل الثاني عشر والثالث عشر من كلام شيخ المشايخ. ١٢ - * لا تكفي لإثبات المقصود: وذكر شيخ الهند ﵀ الأصل الثاني عشر: أن الإمام البخاري قد يترجم مقصودةً له، لكن الروايات الواردة فيها لا تشفي الغليل، ولا تكفي لإثبات المقصود، فيكرر الترجمة. قلت: وهذا داخل في الأصل العاشر من كلامه ﵀ فلم أذكر له عددًا. ١٣ - * لا يورد الحديث إلا لواحد منهما: وذكر شيخ الهند ﵀ الأصل الثالث عشر: أن البخاري قد يذكر في الترجمة أمرين، ولا يورد الحديث إلا لواحد منهما. وتقدم ذلك في الأصل التاسع عشر. ١٤/ ٢٩ - التاسع والعشرون: الاستطراد للحديث الأول: ما ذكره شيخ الهند ﵀ في الأصل الرابع عشر: أن الإمام البخاري

стр. 153

قد يورد بعد الترجمة حديثًا يوافقها، ثم يذكر بعد ذلك حديثًا لا يوافقها، بل قد يخالفها، ويكون ذكر هذا الحديث الثاني لمصلحة الحديث الأول، كتوضيح إجمال ما في الحديث الأول. وذكر هذا الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه أيضًا في مبدأ "تقريره" كما سيأتي في أول باب منه، إذ قال (١): إن المؤلف كثيرًا ما يورد من الروايات ما لها أدنى مناسبة بالحديث الوارد في الباب، وإن لم يكن لها مناسبة بالباب والترجمة، انتهى. وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في تراجمه كثيرًا، كما أوضحت أمثلته في حاشية "اللامع"، منها: ما قال في "باب ترك القيام للمريض" من أن حديث أبي نعيم الذي أورده أولًا في هذا الباب يدل صريحًا على الترجمة، وأما الحديث الثاني، أي: حديث محمد بن كثير، فليس له دلالة ظاهرة على ما يناسب الترجمة، وإنما أورده ههنا إشارةً إلى أن الرواة اختلفوا على سفيان، إلى آخر ما قال. وإلى ذلك أشار الحافظ في "الفتح" (٢) إذ قال: استشكل أبو القاسم بن الورد مطابقة حديث جندب للترجمة، وتبعه ابن التين فقال: احتباس جبرئيل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، انتهى. قال الحافظ: وقد ظهر بسياق تكملة المتن وجه المطابقة، وذلك أنه أراد أن ينبه على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه، إلى آخر ما قال. وكذلك قال العيني (٣): إن المطابقة للترجمة من حيث إن هذا من تتمة الحديث السابق، ويدفع بهذا ما قاله ابن التين. . . إلخ. وكذلك أخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في "باب النهي عن تلقي الركبان" إذ قال: قوله: "عياش بن الوليد" إنما أتى بهذا

стр. 154

الحديث في هذا الباب، إشارةً إلى مسألة حديثية في حديث ابن عباس المذكور سابقًا، وهي: أنه اختُلف في هذا الحديث على معمر، فعبد الواحد عنه يذكر: "لا تلقوا الركبان"، وعبد الأعلى عنه لا يذكره. وذكر الاختلاف من مهمات مسائل المحدثين، والبخاري يعتني به في هذا الكتاب كثيرًا، انتهى. وقال الحافظ في "الفتح" (١): وليس فيه للتلقي ذكر، وكأنه أشار - على عادته - إلى أصل الحديث، فقد سبق قبل بابين من وجه آخر عن معمر، وفي أوله: "ولا تلقوا الركبان"، انتهى. قلت: وعلى ما قاله الحافظ يكون الحديث من الأصل الحادي عشر بخلاف ما أفاده شيخ المشايخ. ١٥/ ٣٠ - الثلاثون: الترجمة مطلقة والحديث مقيد: ما ذكره شيخ الهند في الأصل الخامس عشر: أن الإمام البخاري كثيرًا ما يأتي بالترجمة مطلقة، ويذكر الحديث مقيدًا، فطالما يظهر ذلك وضوحًا، وقليلًا ما يخفى ذلك على الناظرين، فيوردون على البخاري عدم انطباق الحديث بالترجمة، فينبغي إذ ذاك أن يلاحظ في الترجمة قيدًا مناسبًا للحديث، انتهى. قال الكرماني (٢) في "باب ليبصق عن يساره": فإن قلت: الترجمة مطلقة والحديث مقيَّد بكونه في الصلاة عكس الباب المتقدم، فإن ترجمته مقيدة بالصلاة، والحديث الذي فيه مطلق! قلت: المطلق محمول على المقيد في الموضعين عملًا بالدليلين. فإن قلت: لفظة الترجمة مقيدة بالقدم إليسرى، ولفظ القدم في الحديث لا تقييد فيه! قلت: تقيد به عملًا بالقاعدة المقررة من تقييد المطلق. فإن قلت: كان المناسب أن يذكر هذا الحديث

стр. 155

في ذلك الباب، وذلك الحديث في هذا الباب! قلت: لعل غرضه بعد معرفة نفس الأحكام بيان استخراج الأحكام ومعرفة طرق استنباطها أيضًا تكثيرًا للفائدة، إلى آخر ما قاله. وطرق الاستنباط من أهم أصول البخاري كما تقدم في الأصل الثاني. قلت: ولم يمثل شيخ الهند قُدِّس سرُّه لأصله هذا بمثال، ويمكن عندي أن يمثل بـ "باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، فأتى بالترجمة مطلقة، وذكر الحديث فيه مقيدًا بصلاة الفجر، ولذا أشكل على الشرَّاح التطابق، ووجَّهوه بوجوه، وعلى الأصل المذكور ينبغي أن يلاحظ القيد في الترجمة. ويستأنس ذلك من كلام الحافظ إذ قال (١): ويحتمل أن تكون اللام في الترجمة عهدية فيتفقان، انتهى، أي: يتفق الحديث مع الترجمة، إذ أريدت في الترجمة أيضًا صلاة الفجر. قلت: وأشار إلى ذلك الأصل الحافظ في مقدمة "الفتح" (٢) أيضًا كما حكيت كلامه في الفائدة الثانية، ورقمت عليه (١)، وحاصله: الاحتمال في الترجمة، والتقييد في الحديث. وهذا آخر الأصول التي ذكرها شيخ الهند قُدِّس سرُّه في مبدأ تراجمه، وقد وجد في كلام الشرَّاح والمشايخ العظام قُدِّست أسرارهم أصول كثيرة غير ما سبق بها. ٣١ - الحادي والثلاثون: الاستدلال بالمجموع على المجموع: ما أفاده شيخ الشيوخ الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في مبدأ تقريره هذا: أن المقصود كثيرًا ما يحصل بالنظر إلى مجموع الروايات الموردة في الباب، ولا تستقل كل رواية بإفادة ما وضعت عليه الترجمة، وعلى هذا

стр. 156

فلا إشكال فيما يورده المؤلف من الروايات التي لا تنطبق على الترجمة، بأسرها (١)، انتهى. قلت: وهذا أصل مطَّرد معروف عند الشرَّاح، أخذوا به في كثير من التراجم. قال الكرماني في "باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟. . ." إلخ (٢): ولا يخفى أنه لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دل البعض بحيث تُعلم كل الترجمة من كل ما في الباب لكفاه، انتهى. وبه أخذ في حديث هرقل في أول الكتاب إذ قال (٣): فإن قلت: هذا في آخر عهد البعثة، فما مناسبته لما ترجم عليه الباب وهي كيفية بدء الوحي! قلت: المراد منه أن يعلم من جميع ما في الباب لا من كل حديث منه، انتهى مختصرًا. وبه أخذ في "باب من قال: إن الإيمان هو العمل" مجيبًا عن إشكال عدم التطابق، قلت: المراد به المجموع، والاستدلال عليه بمجموع الآيات والحديث، إذ يدل كل واحد من القرآن والسُّنَّة على بعض الدعوى بحيث يدل الكل على الكل، انتهى (٤)، ونظائره في شرحه كثيرة. وذكره العلامة العيني بحثًا في أول باب "الصحيح" (٥): أو المراد بالباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي، لا من كل حديث منه، فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به صحَّت الترجمة، انتهى.

стр. 157

وأخذ بذلك الأصل في مواضع من "شرحه"، منها: ما قال في حديث هرقل في الأسئلة والأجوبة: الأول ما قيل: إن قصة أبي سفيان مع هرقل إنما كانت في أواخر عهد البعثة، فما مناسبة ذكرها لما ترجم عليه الباب وهو كيفية بدء الوحي؟ أجيب: بأن كيفية بدء الوحي تعلم من جميع ما في الباب، وهو ظاهر لا يخفى، انتهى. وبذلك جزم الحافظ في "باب من قال: إن الإيمان هو العمل" (١) إذ قال: مطابقة الآيات والحديث لما ترجم له بالاستدلال بالمجموع على المجموع؛ لأن كل واحد منها بمفرده دالٌّ على بعض الدعوى، ثم بسط في تطابق الأجزاء بالأجزاء، وإلى ذلك أشار في "باب ما يقع من النجاسات. . ." إلخ، إذ قال (٢): وهذا الذي يظهر من مجموع ما أورده في الباب من أثر وحديث، وبذلك جزم في "باب الحلوى والعسل"، إذ قال (٣): ولا يشترط أن يشتمل كل حديث في الباب على جميع ما تضمَّنته الترجمة، بل يكفي التوزيع، انتهى. وبذلك طابق السندي روايات "باب فضل صلاة الفجر في جماعة" إذ قال: هذا الحديث يدل على عظم فضل الجماعة، فإذا ضم ذلك إلى فضل صلاة الفجر المعلوم بالحديث المتقدم، يلزم أن لصلاة الفجر في الجماعة فضلًا عظيمًا، انتهى، والجملة أن هذا الأصل أخذه جميع الشرَّاح مرارًا في شروحه. ٣٢ - الثاني والثلاثون: الترجمة بقوله: هل: ما تقدم من كلام الحافظ في "مقدمته" (٤)، ورقمت عليه (٦): أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام، كقوله: "باب هل يكون

стр. 158

كذا (١)، أو من قال: كذا"، ونحو ذلك، وذلك حينئذ لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه: بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت؟ فيترجم على الحكم ومراده ما يفسر بعد من إثباته أو نفيه، أو أنه محتمل لهما، انتهى. وأخذ بذلك الأصل الحافظ في شرحه كثيرًا، كما قال في "باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟ " (٢): إنما ترجم بلفظ الاستفهام ليُنَبِّهَ على أن فيه احتمالًا كعادته؛ لأن النفخ يحتمل أن يكون لشيء علق بيده. وقال في "باب هل يقال: مسجد بني فلان؟ " (٣): إنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ليُنَبِّهَ على أن فيه احتمالًا، إلى آخر ما بسطه. وقال في "باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل؟ " (٤): كأنه استعمل الاستفهام في الترجمة للاحتمال. وقال في "باب هل تكفن المرأة في إزار رجل؟ " (٥): قال ابن رُشيد: أشار بقوله: "هل" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي ﷺ . . .، إلى آخر ما بسطه من الاحتمالات العديدة. وترجم البخاري "باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة؟ "، وبسط الحافظ في الاحتمالات الكثيرة في هذه المسألة، تظهر بمراجعة "الفتح" (٦). وترجم بـ "باب هل يشتري الرجل صدقته؟ "، قال الزين بن المنير: أوردها بالاستفهام؛ لأن تنزيل [حديث] الباب على سببه يضعف معه تعميم المنع؛ لاحتمال تخصيصه بالشراء بدون القيمة؛ لقوله: "وظننت أنه يبيعه برخص"، إلى آخر ما في "الفتح" (٧).

стр. 159

وترجم بـ "باب من أين تؤتى الجمعة. . ." إلخ، قال الحافظ (١): يعني أن الآية ليست صريحة في بيان الحكم المذكور، فلذلك أتى في الترجمة بصيغة الاستفهام. ويدخل في هذا الأصل عندي "باب هل ينبش قبور مشركي الجاهلية، وتتخذ مكانها مساجد؟ "، فإن الشرَّاح قاطبة جعلوا لفظ "هل" ههنا بمعنى "قد"؛ لأن الرواية الواردة في الباب نصٌّ في نبش قبور المشركين، والأوجه عندي أن لفظ "هل" ههنا بمعناه، وزاده الإمام البخاري على هذا الأصل الذي نحن بصدده، وذلك لأن مقتضى حديث الباب وهو نبش القبور ظاهر، لكن القصة لمبدأ الهجرة، السنة الأولى منها، وما سيأتي قريبًا من "باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب" وقعت السَّنَة التاسعة في غزوة تبوك، فالظاهر عندي أن الإمام البخاري لَمَحَ بلفظ "هل" إلى ذلك؛ فإن قبور المشركين محل العذاب لا محالة. ٣٣ - الثالث والثلاثون: فيه عن فلان: ما قال القسطلاني في مقدمة شرحه (٢) في بيان موضوعه وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، والمنيعة المنال: إنه رحمة الله عليه التزم مع صحة الأحاديث استنباط الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة فرّقها في أبوابه بحسب المناسبة، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السبل الوسيعة، ومن ثَمَّ أخلى كثيرًا من الأبواب عن ذكر إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلان عن النبي ﷺ ، ونحو ذلك؛ انتهى مختصرًا. قال الشارح: قوله: و"من ثم أخلى" أي: من كون غرضه الاستنباط منها، والاستدلال لأمور أرادها، لا خصوص ذكر الأحاديث فقط، انتهى.

стр. 160

قلت: أخذ القسطلاني هذا من كلام الحافظ كما تقدم من كلامه في أول الفائدة الثالثة من الفصل الثاني، وهذا الأصل مطَّرد معروف في "الصحيح" كثير الشيوع في كتابه؛ فإنه ﵀ اقتصر في "باب استواء الظهر في الركوع" على قوله: "وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي ﷺ (١)، ثم هصر ظهره" فقط، واقتصر في "باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة" على قوله: "قال أبو حميد: عن النبي ﷺ " (٢)، وقال في "باب الصلح مع المشركين": "فيه عن أبي سفيان" (٣)، انتهى. واقتصر في "باب من غزا وهو حديث [عهد] بعرسه" على قوله: "فيه جابر عن النبي ﷺ " (٤)، وفي "باب من اختار الغزو بعد البناء" على قوله: "فيه أبو هريرة عن النبي ﷺ " (٥)، وقال في "باب تزويج اليتيمة": "فيه سهل عن النبي ﷺ " (٦)، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة. ٣٤ - الرابع والثلاثون: زيادة لفظ: "أو غيرها ": ما قال حافظ الحديث مولانا السيد أنور شاه في "فيض الباري" في "باب الفتيا وهو واقف على ظهر الدابة أو غيرها" (٧): قد استفدت من عادة البخاري أن الحديث إذا اشتمل على جزء مخصوص، ويكون الحكم عامًّا

стр. 161

عنده، فيصنع البخاري هناك هكذا، ويضع لفظ "أو غيرها" دفعًا لإيهام التخصيص، وإفادةً للتعميم، ثم لا يخرج له دليلًا فيما بعد. فالمصنف رحمة الله عليه ههنا أخرج من الحديث مسألة الدابة فقط، وإنما أضاف "أو غيرها" إفادة لتعميم الحكم، فهذا فقه وبيان مسألةٍ احتراسًا، فطلب الدليل على هذا الجزء في كلامه بعيد عندي، انتهى. قلت: وهذا الأصل قريب مما تقدم في الأصل الثالث والعشرين، وأفردته بالذكر؛ لأن تبويب الإمام البخاري بلفظ "غيره" مطَّرد شائع في كتابه، وأيضًا فرق ما بين شرح الحديث بالترجمة وبين الإشارة إلى عدم التخصيص بلفظ "غيره" في الترجمة، وهذا السياق كثير الشيوع في البخاري. مثلًا: ترجم "إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره" قال الحافظ (١): استدل البخاري على أن بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النجاسة وغيرها لا يضر، فلذا ترجم: "إذا غسل الجنابة أو غيرها. . ." إلخ. وترجم "باب الإهلال من البطحاء وغيرها. . ." إلخ، إشارةً إلى عدم التخصيص بالبطحاء. وترجم: "هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم. . .؟ " إلخ، إشارة إلى عدم التخصيص بأصحاب السقاية. وترجم "باب العمرة ليلة الحسبة وغيرها"، إشارة إلى عدم التخصيص بليلة الحسبة، وإن كانت عمرة عائشة ﵂ فيها. وكقوله: "باب الفطر بما تيسر بالماء وغيره". ٣٥ - الخامس والثلاثون: عدم الجزم لاختلاف العلماء: ما قال الحافظ في "الفتح" (٢) في "باب كتابة العلم": طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف، أن لا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على

стр. 162

الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركًا، وإن كان الأمر استقر، والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم إلى آخره. وقال في "باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا": قال الزين ابن المنيِّر: لم يذكر جوابَ "إذا" جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه (١)، انتهى. وقال في "باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة"، أي: هل يجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ في المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط (٢)، انتهى. ويمثل هذا أيضًا بـ "باب الوضوء من غير حديث" لمكان الاختلاف فيه في السلف، كما بسطه الحافظ (٣): وإن استقر الإجماع بعدُ على عدم الوجوب. وهذا الأصل مطَّرد كثير الشيوع في "الصحيح"، وهذا غير الأصل الرابع، كما لا يخفى؛ فإنه تقدم فيه أنه ﵀ لا يجزم بالحكم لاختلاف العلماء، ولا يأتي بالروايات المختلفة، كما ترى في هذه الأمثلة، فإنه لم يذكر في هذه الأبواب إلا روايةً واحدةً، كما في "باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا". وكتب مولانا الشيخ محمد حسن المكي عن شيخه الإمام الكَنكَوهي قَدَّس الله أسرارهما: إن الدأب الشائع للبخاري الروايات، فيأتي بالروايات على اختلافها، وها هنا عدم الجزم إشارة إلى اختلاف أنه يضع الترجمة ولا يذكر معها الحكم، إما لاشتباه الحكم عليه، أو للإحالة إلى فهم الناظر، ثم يورد لها أحاديث متفقة على حكم واحد، أو متعارضة من غير تطبيق بينها، فيذكرها على سبيل التعداد، ويحيل التطبيق إلى فهم الناظر،
следующие страницы →