كذا (١)، أو من قال: كذا"، ونحو ذلك، وذلك حينئذ لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه: بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت؟ فيترجم على الحكم ومراده ما يفسر بعد من إثباته أو نفيه، أو أنه محتمل لهما، انتهى.
وأخذ بذلك الأصل الحافظ في شرحه كثيرًا، كما قال في "باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟ " (٢): إنما ترجم بلفظ الاستفهام ليُنَبِّهَ على أن فيه احتمالًا كعادته؛ لأن النفخ يحتمل أن يكون لشيء علق بيده.
وقال في "باب هل يقال: مسجد بني فلان؟ " (٣): إنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ليُنَبِّهَ على أن فيه احتمالًا، إلى آخر ما بسطه.
وقال في "باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل؟ " (٤): كأنه استعمل الاستفهام في الترجمة للاحتمال.
وقال في "باب هل تكفن المرأة في إزار رجل؟ " (٥): قال ابن رُشيد: أشار بقوله: "هل" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي ﷺ . . .، إلى آخر ما بسطه من الاحتمالات العديدة.
وترجم البخاري "باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة؟ "، وبسط الحافظ في الاحتمالات الكثيرة في هذه المسألة، تظهر بمراجعة "الفتح" (٦).
وترجم بـ "باب هل يشتري الرجل صدقته؟ "، قال الزين بن المنير: أوردها بالاستفهام؛ لأن تنزيل [حديث] الباب على سببه يضعف معه تعميم المنع؛ لاحتمال تخصيصه بالشراء بدون القيمة؛ لقوله: "وظننت أنه يبيعه برخص"، إلى آخر ما في "الفتح" (٧).
стр. 159
وترجم بـ "باب من أين تؤتى الجمعة. . ." إلخ، قال الحافظ (١): يعني أن الآية ليست صريحة في بيان الحكم المذكور، فلذلك أتى في الترجمة بصيغة الاستفهام.
ويدخل في هذا الأصل عندي "باب هل ينبش قبور مشركي الجاهلية، وتتخذ مكانها مساجد؟ "، فإن الشرَّاح قاطبة جعلوا لفظ "هل" ههنا بمعنى "قد"؛ لأن الرواية الواردة في الباب نصٌّ في نبش قبور المشركين، والأوجه عندي أن لفظ "هل" ههنا بمعناه، وزاده الإمام البخاري على هذا الأصل الذي نحن بصدده، وذلك لأن مقتضى حديث الباب وهو نبش القبور ظاهر، لكن القصة لمبدأ الهجرة، السنة الأولى منها، وما سيأتي قريبًا من "باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب" وقعت السَّنَة التاسعة في غزوة تبوك، فالظاهر عندي أن الإمام البخاري لَمَحَ بلفظ "هل" إلى ذلك؛ فإن قبور المشركين محل العذاب لا محالة.
٣٣ - الثالث والثلاثون: فيه عن فلان:
ما قال القسطلاني في مقدمة شرحه (٢) في بيان موضوعه وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، والمنيعة المنال: إنه رحمة الله عليه التزم مع صحة الأحاديث استنباط الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة فرّقها في أبوابه بحسب المناسبة، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السبل الوسيعة، ومن ثَمَّ أخلى كثيرًا من الأبواب عن ذكر إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلان عن النبي ﷺ ، ونحو ذلك؛ انتهى مختصرًا.
قال الشارح: قوله: و"من ثم أخلى" أي: من كون غرضه الاستنباط منها، والاستدلال لأمور أرادها، لا خصوص ذكر الأحاديث فقط، انتهى.
стр. 160
قلت: أخذ القسطلاني هذا من كلام الحافظ كما تقدم من كلامه في أول الفائدة الثالثة من الفصل الثاني، وهذا الأصل مطَّرد معروف في "الصحيح" كثير الشيوع في كتابه؛ فإنه ﵀ اقتصر في "باب استواء الظهر في الركوع" على قوله: "وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي ﷺ (١)، ثم هصر ظهره" فقط، واقتصر في "باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة" على قوله: "قال أبو حميد: عن النبي ﷺ " (٢)، وقال في "باب الصلح مع المشركين": "فيه عن أبي سفيان" (٣)، انتهى.
واقتصر في "باب من غزا وهو حديث [عهد] بعرسه" على قوله: "فيه جابر عن النبي ﷺ " (٤)، وفي "باب من اختار الغزو بعد البناء" على قوله: "فيه أبو هريرة عن النبي ﷺ " (٥)، وقال في "باب تزويج اليتيمة": "فيه سهل عن النبي ﷺ " (٦)، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة.
٣٤ - الرابع والثلاثون: زيادة لفظ: "أو غيرها ":
ما قال حافظ الحديث مولانا السيد أنور شاه في "فيض الباري" في "باب الفتيا وهو واقف على ظهر الدابة أو غيرها" (٧): قد استفدت من عادة البخاري أن الحديث إذا اشتمل على جزء مخصوص، ويكون الحكم عامًّا
стр. 161
عنده، فيصنع البخاري هناك هكذا، ويضع لفظ "أو غيرها" دفعًا لإيهام التخصيص، وإفادةً للتعميم، ثم لا يخرج له دليلًا فيما بعد.
فالمصنف رحمة الله عليه ههنا أخرج من الحديث مسألة الدابة فقط، وإنما أضاف "أو غيرها" إفادة لتعميم الحكم، فهذا فقه وبيان مسألةٍ احتراسًا، فطلب الدليل على هذا الجزء في كلامه بعيد عندي، انتهى.
قلت: وهذا الأصل قريب مما تقدم في الأصل الثالث والعشرين، وأفردته بالذكر؛ لأن تبويب الإمام البخاري بلفظ "غيره" مطَّرد شائع في كتابه، وأيضًا فرق ما بين شرح الحديث بالترجمة وبين الإشارة إلى عدم التخصيص بلفظ "غيره" في الترجمة، وهذا السياق كثير الشيوع في البخاري.
مثلًا: ترجم "إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره" قال الحافظ (١): استدل البخاري على أن بقاء الأثر بعد زوال العين في إزالة النجاسة وغيرها لا يضر، فلذا ترجم: "إذا غسل الجنابة أو غيرها. . ." إلخ. وترجم "باب الإهلال من البطحاء وغيرها. . ." إلخ، إشارةً إلى عدم التخصيص بالبطحاء. وترجم: "هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم. . .؟ " إلخ، إشارة إلى عدم التخصيص بأصحاب السقاية. وترجم "باب العمرة ليلة الحسبة وغيرها"، إشارة إلى عدم التخصيص بليلة الحسبة، وإن كانت عمرة عائشة ﵂ فيها. وكقوله: "باب الفطر بما تيسر بالماء وغيره".
٣٥ - الخامس والثلاثون: عدم الجزم لاختلاف العلماء:
ما قال الحافظ في "الفتح" (٢) في "باب كتابة العلم": طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف، أن لا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على
стр. 162
الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركًا، وإن كان الأمر استقر، والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم إلى آخره.
وقال في "باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا": قال الزين ابن المنيِّر: لم يذكر جوابَ "إذا" جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه (١)، انتهى.
وقال في "باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة"، أي: هل يجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ في المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط (٢)، انتهى.
ويمثل هذا أيضًا بـ "باب الوضوء من غير حديث" لمكان الاختلاف فيه في السلف، كما بسطه الحافظ (٣): وإن استقر الإجماع بعدُ على عدم الوجوب.
وهذا الأصل مطَّرد كثير الشيوع في "الصحيح"، وهذا غير الأصل الرابع، كما لا يخفى؛ فإنه تقدم فيه أنه ﵀ لا يجزم بالحكم لاختلاف العلماء، ولا يأتي بالروايات المختلفة، كما ترى في هذه الأمثلة، فإنه لم يذكر في هذه الأبواب إلا روايةً واحدةً، كما في "باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا".
وكتب مولانا الشيخ محمد حسن المكي عن شيخه الإمام الكَنكَوهي قَدَّس الله أسرارهما: إن الدأب الشائع للبخاري الروايات، فيأتي بالروايات على اختلافها، وها هنا عدم الجزم إشارة إلى اختلاف أنه يضع الترجمة ولا يذكر معها الحكم، إما لاشتباه الحكم عليه، أو للإحالة إلى فهم الناظر، ثم يورد لها أحاديث متفقة على حكم واحد، أو متعارضة من غير تطبيق بينها، فيذكرها على سبيل التعداد، ويحيل التطبيق إلى فهم الناظر،
стр. 163
فكأنه يختبره، فلذلك ذكر "باب سؤر الكلب" مطلقًا، ثم أورد فيه مذهب الزهري، ثم أورد حديثًا منابذًا له؛ وهو قوله ﷺ : "فليغسله سبعًا"، ثم أورد حديثين معارضين لذلك الحديث مؤيدين لمذهب الزهري، وهما: حديث الخف، وقوله ﷺ : "فكل. . ." إلخ، يعني حديث الصيد الآتي في الباب الثاني، وكلامه قُدِّس سرُّه هذا يشتمل أصولًا، منها هذا الأصل والأصل الرابع، لقوله: ثم يأتي لها أحاديث متفقة أو متعارضة، فتأمل.
وأدخل شيخ المشايخ في هذا الأصل "باب الصلاة على الشهيد"، إذ قال: فيه اختلاف العلماء، وإنما عقد المؤلف الباب للإشارة إلى أن الدلائل في هذا الباب متعارضة، فمن مثبت ومن ناف، ومن دأبه الإشارة إلى تعارض أدلة المسألة أيضًا، وعقد الباب لمجرد ذلك، كما لا يخفى على متتبع كتابه حق التتبع، انتهى.
والأوجَه عندي أن هذا الباب من الأصل الرابع لذكر الروايتين المختلفتين في ذلك، وإن كان فيه اختلاف العلماء أيضًا.
٣٦ - السادس والثلاثون: التعليل بالعلة البعيدة تاركًا العلةَ القريبةَ:
ما أفاده شيخ المشايخ في تراجمه في "باب الوضوء من النوم".
وحاصله: أن التعليل بالعلة البعيدة تاركًا العلةَ القريبةَ، دليل على أن العلة القريبة غير مؤثرة، قال: وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة، فاحفظ فإنه ينفعك، انتهى.
وسيأتي تمام كلام الشيخ في هامش "التقرير" (١) في هذا الباب.
стр. 164
٣٧ - السابع والثلاثون: باب بلا ترجمة، تنبيه على اختلاف طرق الرواية:
ما قال العيني (١) في "باب" بلا ترجمة بعد "باب ما جاء في غسل البول"، وقد ذكر فيه البخاري حديث الرجلين يعذبان في القبر: هذا الحديث في نفس الأمر هو الحديث الذي ترجم له البخاري بقوله: "باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله"؛ لأن مخرجهما واحد، غير أن الاختلاف في السند وبعض المتن؛ لأن هناك عن مجاهد عن ابن عباس، وها هنا عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. . . إلى آخر ما قال.
وحاصله: أنه ذكر الباب بلا ترجمة تنبيهًا على الاختلاف في الرواية، والفرق بينه وبين الأصول العشرين، والخامس والعشرين، والسابع والخمسين لا يخفى، وهكذا هذه كلها بمعرض من الأصل السابع.
٣٨ - الثامن والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى ما ورد:
إن من دأب البخاري المطَّرد في كتابه أنه طالما يترجم بترجمتين، ولا يذكر الحديث إلا لواحد منهما، ويترك الأخرى سدى.
وميل الحافظ في هذه الأبواب: أنه ﵀ أشار بالترجمة الثانية إلى روايات ليست على شرطه؛ فقد قال في "باب غسل المني وفركه. . ." إلخ: لم يُخرِّج البخاري حديث الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته (٢)، انتهى.
وقال في "باب البول قائمًا وقاعدًا"، ولم يذكر البخاري حديث الجزء الثاني، فقال (٣): ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث
стр. 165
عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما، انتهى. وقد حمله ابن بطَّال على الأصل التاسع عشر، كما تقدم.
وقال الحافظ (١) في "باب إذا غسل الجنابة أو غيرها": ذكر في الباب حديث الجنابة، وألحق غيرها بها قياسًا، أو أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود (٢) وغيره من حديث أبي هريرة في سؤال خولة عن ثوب الحيض.
وقال (٣) في "باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان": والذي يظهر لي من تصرُّف البخاري، أنه أشار بكل ذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا - ثم ذكر الروايات المصرحة بهذه الأجزاء - وقال في آخره: وتكلف من لم يطلع على ذلك، فزعم أن حكم الترجمة يؤخذ من إتيان النبي ﷺ القبر حتى صلى عليه، قال: فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد.
وقال في "باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها": ولم يذكر البخاري حديثًا قبلها، فقال الحافظ (٤) بعد ذكر توجيهات الشرَّاح الأخر: والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب، وهو ما رواه أبو داود وابن حبان، فذكر الحديث.
ونظائرها كثيرة في "الفتح"، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الحادي عشر، والتاسع عشر، فإن الفرق بينها واضح.
٣٩ - التاسع والثلاثون: عدم الذكر لأحد جزئي الترجمة إشارة إلى عدم الثبوت:
ما قالوا في النوع المذكور - يعني: إذا ذكر جزئين في الترجمة ولم
стр. 166
يذكر الحديث إلا لواحد منها -: أن الإمام البخاري يشير بذلك إلى أن أحد الجزئين ثابت والثاني لا يثبت، فكأن البخاري رد عليه بالترجمة وأنكره.
جزم بذلك الكرماني في "باب غسل المني وفركه"، إذ قال (١): فإن قلت: الحديث لا يدل على الفرك، قلت: عُلم من الغسل عدم الاكتفاء بالفرك، والمراد من الباب حكم المني غسلًا وفركًا في أن أيهما ثبت في الحديث وما الواجب منهما، انتهى.
وعلى ذلك حمل الشيخ ابن القيم في "الهدي" (٢) ترجمة البخاري "باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها"، وبسط الكلام على أن لا صلاة قبل الجمعة، قال: ولم يرد البخاري إثبات السُّنَّة قبل الجمعة، وإنما مراده: هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يرو عنه فعل السُّنَّة إلا بعدها، ولم يرد قبلها شيء، انتهى.
ويدخل في ذلك "باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد"، إذ أورد الحديث للأول دون الثاني، وأشكل على الشرَّاح إثبات الثاني.
وقال العيني (٣): لعل غرض البخاري ﵀ أن لا يصلى عليها في المسجد. . . إلى آخر ما قال.
وإلى ذلك الأصل أشار العيني في "باب البول قائمًا وقاعدًا" احتمالًا، إذ قال (٤): وإما إشارة إلى أنه وقف على أحاديث الفصلين، ولكنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه، انتهى.
يعني: أحاديث الفصل الثاني لم تكن على شرطه، ولا يلتبس هذا بالأصل الخامس والخمسين.
стр. 167
٤٠ - الأربعون: يؤخذ مختار البخاري من الآثار:
ما يستنبط من كلام الحافظ في باب "في كم تصلي المرأة من الثياب؟ ": أن من عادة البخاري أنه طالما لا يذكر في الترجمة حكمًا، لكن مختاره يظهر عمَّا ذكر في الباب من الآثار.
إذ قال بحثًا: إنه لم يصرح بشيء، إلا أن اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يودِعها في الترجمة (١)، انتهى.
وتبعه القسطلاني (٢) في ذلك، وبذلك الأصل أخذ العيني (٣) في الباب المذكور، إذ قال: واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، انتهى.
وإلى ذلك أشار الحافظ في "باب سؤر الكلب"، إذ قال (٤): والظاهر من تصرُّف المصنف أنه يقول بطهارته، انتهى.
وقريب من ذلك ما قال (٥) في "باب أبواب الإبل والدواب": لم يفصح المصنف بالحكم كعادته في المختلف فيه، لكن ظاهر إيراده حديث العُرنيين يشعر باختياره الطهارة، انتهى.
وقلت: قريب من ذلك؛ لأنه ليس فيه الأثر بل الحديث، لكنه مُشعر إلى الأصل المذكور، ويدخل في ذلك عندي "باب الصلاة في الجبة الشامية. . ." إلخ؛ فإنه يحتمل مسألة النجاسة ومسألة التشبه، لكن الآثار التي أوردها في الباب تؤيد الثاني، قال الحافظ (٦): هذه الترجمة معقودة لجواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم يتحقق نجاستها، انتهى.
قلت: ويؤيده أثر معمر، وبذلك الأصل أخذ الحافظ في "باب وجوب
стр. 168
صلاة الجماعة"، إذ قال (١): أطلق الوجوب، وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يُشعر بكونه يريد أنه وجوب عين، انتهى.
وهذا اللفظ - أي: تعيين المراد بالوجوب - عنده غرضي ههنا بذكر كلامه، وإلَّا فقد تقدم كلامه في الخامس عشر لأصل آخر.
وقال الكرماني (٢) في "باب هل يتتبع المؤذن فاه. . ." إلخ في قول البخاري: "ويُذْكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه"، وكان ابن عمر لا يجعل: ميل البخاري إلى عدم الجعل؛ لأن التعليق الأول ذكره بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح، انتهى.
وسيأتي قول الكرماني هذا في الأصل الخامس والأربعين لغرض آخر.
وهكذا قال العيني (٣): يعني ذكر الأول بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح، فكان ميله إليه.
وقال الحافظ في "باب كيف الإشعار للميت"، وقال الحسن. . . إلخ: وبقول الحسن قال زفر. وكأن المصنف أشار بذلك إلى موافقة قول زفر (٤)، انتهى.
وقال الحافظ (٥): عادة البخاري في موضع الاختلاف مهما صدَّر به من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره، انتهى.
والفرق بين هذا الأصل وبين الأصول التي ذكرت في الأصل الخامس عشر واضح لا يخفى.
стр. 169
نعم، الفرق بين ذلك وبين ما تقدم في الخصيصة السادسة من خصائص البخاري في الفائدة الثانية من الفصل الثاني دقيق، ذُكر هناك.
٤١ - الحادي والأربعون: يقوي حديثًا بالترجمة ليس على شرطه:
من عادته المستمرة المعروفة أنه ﵀ كثيرًا ما يقوي بالترجمة معنى حديث ليس على شرطه، لكن معناه صحيح عنده، فيستدل بالرواية التي هي على شرطه على صحة معنى حديث ليس على شرطه.
والفرق بين هذا الأصل وبين الأصل الأول من هذه الأصول، أن المذكور في الترجمة هناك كان لفظ الحديث، وههنا الترجمة ليست بلفظ حديث، بل ههنا أشار بالترجمة إلى صحة معناه.
وتقدمت الإشارة إلى ذلك الأصل في كلام الحافظ في "مقدمته" (١) الذي حكيته في الفائدة الثانية، ورقمت عليه العاشر، إذ قال: وكثيرًا ما يُترجم بلفظ يُومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه، إلى آخر ما قال: فهذا الثاني تقدم في الأصل الأول، والأول من نوعي الحافظ.
هذا، ويمثل لذلك بما قاله شيخ المشايخ في تراجمه في "باب صيام أيام البيض": ثبت حديث الترجمة في السنن، وليس على شرط البخاري، فاستخرج له حديثًا على شرطه يشهد له، كذا للزركشي، انتهى.
قلت: ولفظ الترجمة مروي بألفاظ مختلفة ذكرها الحافظ في "الفتح" (٢).
قلت: ويمثل لذلك الأصل بـ "باب كم بين الأذان والإقامة"، فإن المعروف أنه ﵀ أشار بذلك إلى رواية جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لبلال: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله"،
стр. 170
الحديث أخرجه الترمذي والحاكم (١)، لكن إسناده ضعيف، وله شواهد ذكرها الحافظ (٢).
ويمثل لذلك أيضًا بـ "باب الصلاة في النعال"، قال الحافظ (٣): روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعًا (٤): "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم. . ." إلخ، ثم ترجم الإمام البخاري بـ "باب الصلاة في الخفاف"، قال الحافظ (٥): يحتمل أنه أراد الإشارة إلى حديث شدَّاد بن أوس المذكور لجمعه بين الأمرين.
وترجم الإمام البخاري بـ "باب المساجد في البيوت" وهو عندي إشارة إلى حديثي عائشة وسمرة ﵄ أخرجهما أبو داود في "سننه" (٦)، وترجم عليهما بـ "باب اتخاذ المساجد في البيوت"، فيهما الأمر ببنائها في الدور.
وترجم البخاري بـ "باب يلبس أحسن ما يجد"، وقد ورد في معنى ذلك عدة روايات ذكرها الحافظ في "الفتح" (٧).
وترجم "باب من تمطر في المطر. . ." إلخ، قال الحافظ (٨): لعله أشار إلى ما أخرجه مسلم (٩) عن أنس قال: "حسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه المطر، وقال: لأنه حديث عهد بربه".
وترجم بـ "باب الثياب البيض للكفن"، قال الحافظ (١٠):
стр. 171
كأن البخاري لم يثبت على شرطه الحديث الصريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السنن (١) من حديث ابن عباس، بلفظ: "البسوا ثياب البيض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم"، صحَّحه الترمذي والحاكم، وله شاهد من حديث سمرة، ذكره الحافظ.
وترجم "باب حمل الرجال الجنازة دون النساء"، قال الحافظ (٢): لعله أشار إلى ما أخرجه أبو يعلى (٣) من حديث أنس فذكره.
وترجم بـ "باب ما ذكر في الحجر الأسود"، قال الحافظ (٤): أورد فيه حديث عمر ﵁، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد ورد فيه أحاديث فبسطها.
وترجم بـ "باب ما جاء في زمزم"، قال الحافظ (٥): كأنه لم يثبت عنده في فضلها حديث، إلى آخر ما قال.
والفرق بين هذا الأصل، وبين الحادي عشر، واضح لا يخفى.
٤٢ - الثاني والأربعون: ترجمة غير متعلقة بالكتاب:
أن من دأبه المعروف المطَّرد، أنه قد يُنَبِّه بالترجمة على مسألة مهمة غير متعلقة بالكتاب استطرادًا، فيشكل على الناظرين توفيق هذه الترجمة بالكتاب.
مثلًا: ترجم في أبواب المساجد "باب الاغتسال إذا أسلم"، وأشكل على الشرَّاح قاطبة إدخاله في "أبواب المساجد".
стр. 172
قال الحافظ (١): الاغتسال إذا أسلم لا تعلق له بأحكام المساجد إلا على بُعْدٍ، وهو أن يقال: الكافر جُنُب غالبًا، وهو ممنوعٌ من المسجد إلا لضرورة، فلما أسلم لم تبق ضرورة للُبثه في المسجد جنبًا، فاغتسل لتسوغ له الإقامة في المسجد، إلى آخر ما بسط من التوجيهات البعيدة، حتى قال: يحتمل أن يكون بيَّض للترجمة فَسَدَّ بعضهم البياض بما ظهر له، وحكى عن بعضهم ههنا التراجم، ولو أمعنوا النظر في عادات المصنف تخلصوا عن الإشكال.
فالأوجه عندي أن يقال: إن الحديث من الباب السابق، ولذا نبَّه عليه بربط الأسير أيضًا، وذكر مسألة الاغتسال استطراد اهتمامًا بشأنها لشدة اختلاف الأئمة الأربعة في تلك المسألة حتى لم يتفق اثنان منهم على قول واحد، بل لكل واحد من الأربعة مسلك مستقل في تلك المسألة.
ولما كانت المسألة مستنبطة بحديث الباب، نَبَّهَ عليها بالترجمة كالتنبيه، ثم رأيت أن هذا الأصل أخذه مولانا السيد أنور شاه نوَّر الله مرقده أيضًا، فللَّه الحمد والمنة، فقد قال في "فيض الباري" (٢) في "باب فضل صلاة الفجر والحديث": هذا من عادات المصنف رحمه الله تعالى: أن الحديث إذا اشتمل على فائدة ويريد أن ينبِّه عليها، فإنه يذكرها في الترجمة وإن لم يناسب سلسلة التراجم، أعني به: أن التراجم إذًا تكون عنده مسلسلة، ثم تبدو له فائدة في الأحاديث المستخرجة ويراها مهمة، فلا ينتظر أن يبوِّب لها [بابًا] مستقلًّا، ولكن يفرِّغ عنها في ذيول هذه التراجم، وأسمِّيه: إنجازًا.
فقوله: "والحديث"، أي: الحديث بعد العشاء وإن لم يناسب ذكره ههنا؛ لأنه عقد الترجمة لفضل صلاة الفجر، ولا مناسبة بينه وبين الحديث بعد العشاء، إلا أنه لما كان مذكورًا في الحديث المترجم له ذكره إنجازًا، وقد اضطرب في توجيهه الشارحون، ولم يأتوا بشيء، انتهى.
стр. 173
قلت: وما وجَّه - أي: الشيخ الكشميري رحمة الله عليه - للفظ الحديث، يأتي الكلام عليه في محله من "اللامع" (١)، وما اختاره في توجيهه هو أقرب التوجيهات عند هذا العبد الضعيف أيضًا، لكن مع التفحُّص الكثير لم أجد بعدُ في رواية نصًّا بأن هذا الكلام كان بعد العشاء فليتفحَّص، وعلى هذا الأصل حمل شيخ المشايخ في تراجمه "باب نفض اليدين من الغسل"، إذ قال: وغرضه عندي إثبات طهارة الغسالة، إذ النفض لا يخلو عن إصابة الرشاش بالبدن، انتهى.
٤٣ - الثالث والأربعون: الترجمة بخلاف لفظ الحديث:
أن من دأبه المعروف أنه كثيرًا ما يذكر الترجمة بخلاف لفظ الحديث، ويكون الغرض منه الإشارة إلى اختلاف ألفاظ الرواية الواردة في الباب.
وهذا مطَّرد في كتابه، وأمثلته كثيرة في "الصحيح"، منها: أنه ترجم بـ "باب من أدرك من الصلاة ركعة"، وأورد فيه حديث أبي هريرة بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة"، قال الحافظ (٢): أخرجه البيهقي وغيره (٣) بلفظ ترجمة الباب، قدّم قوله: "من الصلاة" على قوله: "ركعة".
وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مما يترجم بلفظ الحديث، لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده، إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك اللفظ المغاير، فللَّه درُّه ما أكثر اطلاعه، انتهى.
стр. 174
قلت: ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الآتي: الرابع والستين.
٤٤ - الرابع والأربعون: التوافق بجزء من الترجمة:
ما اختاره العيني في "شرحه" (١) في كثير من التراجم أن التوافق بجزء من الترجمة يكفي للمطابقة، كما قال في "باب فضل صلاة الفجر في الجماعة" في ذيل حديث أم الدرداء.
فإن قلت: الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر: والذي يفهم من الحديث أعم من ذلك، فكيف يكون التطابق؟
قلت: إذا طابق جزء من الحديث الترجمة يكفي، ومثل هذا وقع له كثيرًا في هذا الكتاب، انتهى.
وقال في "باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره" (٢): مطابقة حديث ابن عمر للترجمة في أحد جزئيها، واكتفى البخاري بدلالته على بعض الترجمة حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها، ثم قال بعد ذلك في حديث أبي موسى: مطابقته للترجمة في أحد جزئيها، كما قلنا في حديث ابن عمر ﵄، انتهى.
وقال في "باب الأذان للمسافرين. . ." إلخ، بعد حديث أبي ذر (٣): إن قلت: لا دلالة ههنا على الإقامة، والترجمة مشتملة على الأذان والإقامة معًا! قلت: المقصود هو الدلالة في الجملة، ولا يلزم الدلالة صريحًا على كل جزء من الترجمة، انتهى.
وبهذا الأصل أثبت مناسبة حديث ابن عباس بـ "باب الخطبة بعد العيد"، إذ قال (٤): مطابقته للترجمة تأتي بالتكلف من حيث إن الترجمة
стр. 175
مشتملة على العيد، والمراد منه صلاة العيد، وأشار بالحديث إلى أن صلاة العيد ركعتان، انتهى.
وإن كان عندي في وجه المطابقة ههنا ما قاله الكرماني (١) من أن الأمر للنساء بالصدقة من تتمة الخطبة أوجه مما قاله العيني، لكن العيني طابق الحديث بجزء الترجمة.
وقال الحافظ في "باب هل يصلي الإمام بمن حضر. . ." إلخ (٢): وحديث أنس ﵁ لا ذكر للخطبة فيه، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة، انتهى.
وأخذ بذلك أيضًا في "باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء" إذ قال (٣): وحاصله: أن حديث ابن عمر يدل على بعض الترجمة، وحديث عائشة على جميعها، انتهى.
وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في "باب مسح الرأس كله"، إذ قال: وتعلق قول ابن المسيب بالباب إنما هو لمجرد ذكر المسح فيه، ولا تعلق له بخصوص الترجمة، ومثل ذلك في تعاليق البخاري كثير، انتهى.
٤٥ - الخامس والأربعون: ما يذكر بصيغة التمريض:
ما هو المعروف في الشروح جُلَّة، وعلى ألسنة المشايخ قاطبةً: أن ما يذكره البخاري في تراجمه بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه.
قال النووي في مبدأ شرحه: قال العلماء المحققون من المحدثين وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفًا لا يقال فيه: قال رسول الله ﷺ ، أو فعل،
стр. 176
أو أمر، أو نهى، أو شبه ذلك من صيغ الجزم، وكذا لا يقال: روى أبو هريرة، أو ذكر، أو قال شبه ذلك، وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفًا، فلا يقال شيء من ذلك بصيغة الجزم، وإنما يقال في الضعيف بصيغة التمريض، فيقال: روي عنه، أو نُقِلَ، أو ذُكِرَ، أو يُروى، أو يحكى، أو جاء عنه، أو بلغنا عنه.
قالوا: وإذا كان الحديث أو غيره صحيحًا أو حسنًا، عيّن المضاف إليه بصيغة الجزم، ودليل ذلك: أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه، فلا يطلق إلا على ما صح وإلا فيكون في معنى الكاذب.
وهذا التفصيل مما يتركه كثير من المصنفين في الفقه والحديث وغيرهما، وقد اشتد إنكار الإمام البيهقي فيمن خالف هذا من العلماء: هذا التساهل من فاعله قبيح جدًا، فإنهم يقولون في الصحيح بصيغة التمريض، وفي الضعيف بالجزم، وهذا حيدٌ عن الصواب.
وقد اعتنى البخاري ﵀ بهذا التفصيل في "صحيحه"، فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض، وبعضه بجزم، مراعيًا ما ذكرنا، وهذا مما يزيدك اعتقادًا في جلالته وتحرِّيه، وورعه واطلاعه، وتحقيقه وإتقانه، انتهى.
قلت: هذا هو المعروف في عامة الشروح، لكن الحافظ في "مقدمته" (١) بسط الكلام على ذلك الأصل بسطًا كثيرًا لا يسعه هذا المختصر، وذكر عدة أمثلة للأنواع المختلفة من الجزم والتمريض، وبسط الكلام عليهما.
стр. 177
وقال في "باب الرجل يأتم بالإمام" (١): قوله: ويذكر عن النبي ﷺ : "ائتموا بي"، الحديث، هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدري قال: "رأى رسول الله ﷺ في أصحابه تأخرًا. . ." الحديث، أخرجه مسلم وأصحاب السنن (٢)، قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه.
وهذا عندي ليس بصواب، لأنه لا يلزم من كونه على شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط "صحيحه" الذي هو أعلى شروط الصحة. والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح، انتهى.
وتعقب العيني إذ قال (٣): قال الكرماني: "ويُذكر" تعليق بلفظ التمريض. . .، ثم ذكر العيني قول الحافظ، ثم قال: قلت: وهذا الذي ذكره يخرم قاعدته؛ لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به؟ وإلا فلا فائدة لذلك الشرط، إلى آخر ما ذكره.
والجملة أن المعروف عند الشرَّاح ما يذكره البخاري بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه، ولا أقل من أنه إشارة إلى أنه ليس على شرطه.
وأخذ الحافظ أيضًا بهذا الأصل في مواضع من شرحه، قال في "باب الجمع بين السورتين في ركعة" في قوله: "ويُذكر عن عبد الله بن السائب" بعد ما ذكر الاختلاف في إسناده على ابن جريج: وكأن البخاري علقه بصيغة "ويذكر" لهذا الاختلاف (٤)، انتهى.
стр. 178
ولذلك جزم العيني إذ قال (١): وذكره البخاري على صيغة المجهول، وهو صيغة التمريض؛ لأن في إسناده اختلافًا، ثم ذكر الاختلاف، وأمثلة ذلك في الشروح كثيرة.
قال الكرماني: في "باب هل يتبع المؤذن فاه ههنا"، ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه في أذنيه، وكان ابن عمر ﵄ لا يجعل. . . إلخ: ميل البخاري إلى عدم الجعل؛ لأن التعليق الأول ذكره بصيغة التمريض، والثاني بصيغة التصحيح (٢)، انتهى.
تقدم قول الكرماني هذا في الأصل الأربعين لغرض آخر، وهو بيان ميل البخاري، وههنا بصيغتي التمريض والتصحيح.
ويقرب منه ذكر الإمام البخاري التراجم بصيغة التمريض، كما في قوله: "باب ما يذكر في المناولة"، وله نظائر كثيرة في التراجم، والفرق بين هذا وبين ما تقدم: أن التمريض فيما تقدم كان في ذكر الحديث وههنا في الترجمة.
٤٦ - السادس والأربعون: بتّ الحكم مع الاختلاف:
أن الإمام البخاري طالما يبتّ الحكم في الترجمة في مسألة خلافية شهيرة أيضًا، لثبوت الجزم عنده في هذه، كما قالوا في "باب وجوب صلاة الجماعة".
قال الحافظ (٣): هكذا بتّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده.
стр. 179
وقال في "باب التيمم للوجه والكفين" (١): أتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الاختلاف؛ لقوة دليله.
وقال في "باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس" (٢): جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيه؛ لضعف دليل المخالف عنده.
وهكذا قالوا في "باب التكبير على الجنازة أربعًا"، قال الزين ابن المنيِّر: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى، ولا خبرًا بالباب، وقد اختلف السلف في ذلك، كما حكى أقوالهم الحافظ في "الفتح" (٣).
وقد أكثر الحافظ بهذا الأصل في شرحه.
٤٧ - السابع والأربعون: عدم الجزم للتوسع:
أن الإمام البخاري كثيرًا لا يجزم بالحكم في الترجمة إشارة إلى التوسع في ذلك، فيذكر الروايات المختلفة في الباب إشارةً إلى جواز كل ذلك، ذكر هذا الأصل مولانا الشيخ محمد حسن المكي عن شيخه الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّهما في "باب ما يقرأ بعد التكبير"، كما سيأتي في محله (٤).
وعلى هذا الأصل يُحمل قول ابن المنذر في "باب ما يقول إذا سمع المنادي"، قال الحافظ (٥): قال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول: تارة كذا وتارة كذا، انتهى.
قلت: ويدخل في ذلك "باب ما جاء في الوتر"، لم يجزم في الترجمة بحكم وارد في الباب ما يدل على الوصل والفصل معًا، وأخذ بذلك الأصل شيخ الهند - رحمة الله عليه - أيضًا في أصوله، كما
стр. 180
تقدم في الأصل الرابع من أصوله، إلا أنه جعل عنوان الأصل معنى خفيًا للترجمة، كما تقدم في كلامه، ولا يلتبس هذا بالأصل الثامن والستين.
٤٨ - الثامن والأربعون: الإشارة إلى حديث آخر لهذا الصحابي:
ما قالوا: إن الإمام البخاري قد يشير بذكر حديثٍ لصحابي لا يناسب الترجمة إلى حديث آخر لذلك الصحابي مناسب للترجمةِ، وهذا من أشد تشحيذاته للأذهان.
فقد ترجم البخاري في "صحيحه" "باب طول القيام في صلاة الليل"، وأورد في آخره حديث حذيفة ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك"، وأشكل على الشرَّاح قاطبةً مناسبة هذا الحديث بالباب.
قال الحافظ (١): استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب فقال: لا مدخل له ههنا؛ لأن التسوك بالليل لا يدل على طول الصلاة، قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ، فكتبه في غير مواضعه، أو أن البخاري أعجلته المنية قبل تهذيب كتابه، فإن فيه مواضع مثل هذا تدل على ذلك.
ثم قال الحافظ بعد ذكر عدة توجيهات عن الشرّاح: وقال بدر بن جماعة: يظهر لي أن البخاري أراد بهذا الحديث استحضار حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم (٢) "أنه صلى مع النبي ﷺ ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وكان إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، أو سؤال سأل، أو تعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع نحوًا مما قال. . ." إلى آخر الحديث، قال: وإنما لم يخرجه البخاري لكونه على غير شرطه، فإما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نَبَّهَ بأحد حديثي حذيفة على الآخر، انتهى.
стр. 181
قلت: وعلى هذا الأصل يمكن أن يقال: إن الإمام البخاري نَبَّهَ بذكر حديث أنس "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين"، في "باب ما يقرأ بعد التكبير"، إلى حديث أنس في "الاستفتاح بسبحانك اللهم"، قال العيني (١): وفي الباب عن أنس أخرجه الدارقطني، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم قال - أي: الدارقطني -: ورجال إسناده كلهم ثقات، انتهى.
وفي "المغني" (٢) في ذكر تخريج هذا الحديث: ورواه أنس، ورجال إسناد حديثه كلهم ثقات، رواه الدارقطني، انتهى، ولا فرق بين هذا وبين ما اختاره البدر بن جماعة.
٤٩ - التاسع والأربعون: الإثبات بالعادة:
أن الشرَّاح كثيرًا ما يثبتون الترجمة بالعادة المعروفة عنه ﷺ .
وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في التراجم في "باب دفع السواك إلى الأكبر"، إذ قال: وجه الدلالة من الحديث: أن عادته ﷺ إذا أتي بشيء يسير أن يعطيه صغير السن، وإذا أهدي إليه شيء ذو خطر أن يعطيه الكبير، وأعطى السواك أولًا نظرًا إلى الظاهر الصغير، فقيل له: كَبِّر، ففهم منه فضيلة السواك وكونه ذا خطر، انتهى.
وقال الحافظ تحت حديث ابن مسعود في "باب طول القيام في صلاة الليل" (٣): كذا للأكثر، وللحموي والمستملي: "باب طول الصلاة في قيام
стр. 182
الليل"، وحديث الباب موافق لهذا؛ لأنه دال على طول الصلاة لا طول القيام بخصوصه، إلا أن طول الصلاة يستلزم طول القيام؛ لأن غير القيام - كالركوع مثلًا - لا يكون أطول من القيام، كما عُرف بالاستقراء من صنيعه ﷺ ، انتهى، هكذا أفاد الحافظ رحمة الله عليه.
والأوجه عندي: أنَّ الترجمة ههنا واضحة، والغرض: أن الحافظ استعمل الأصل المذكور ههنا، وقال أيضًا في حديث حذيفة في هذا الباب: استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب، فقال: لا مدخل له ههنا.
ثم حكى الحافظ التوجيهات العديدة من الشرَّاح، ومن جملتها: قال ابن رُشيد: الذي عندي أن البخاري إنما أدخله لقوله: "إذا قام للتهجد"، أي: إذا قام لعادته، وقد تبيَّنت عادته في الحديث الآخر.
ثم قال الحافظ بعد ذكر التوجيهات الأخر: وأقربها توجيه ابن رُشيد، انتهى.
وقال العيني (١) في حديث جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر ﵁. . . الحديث، أخرجه البخاري في "باب وجوب القراءة": قال: قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: وجهه أن ركود الإمام يدل على قراءته عادة، انتهى.
وتبعه القسطلاني (٢) في ذلك، إذ قال: والركود يدل على القراءة عادة، كما سيأتي في هامش "اللامع" (٣).
وقال الحافظ (٤) في "باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ ": أما مطابقة حديث أبي سعيد فمن جهة أن العادة في يوم المطر أن يتخلف بعض الناس. . . إلخ.
стр. 183
وقال العيني (١) في "باب كيف حَوّل النبي ﷺ ظَهرَه إلى الناس" بعد ذكر توجيهات الشرَّاح الأخر: قلت: يمكن أن تؤخذ الكيفية من حال النبي ﷺ ؛ فإنه كان يعجبه التيمن في شأنه كله. . . إلخ.
وأخذ بذلك الأصل شيخ المشايخ في "باب التماس الوضوء. . ." إلخ، وابن بطال في "باب يلبس أحسن ما يجد، أي: في الجمعة".
٥٠ - الخمسون: الاستدلال بالعموم:
ما هو معروف مطَّرد عند الشرَّاح والمشايخ أن الإمام البخاري ﵀ كثيرًا ما يستدل على الترجمة بالعموم، وأخذ بذلك الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه بمواضع من "تقريره"، منها: ما قال في "باب وجوب القراءة للإمام": استدل على مدعاه بأن الوارد مطلق عن تقييد بشيء من الصلوات أو المصلين، (٢) انتهى.
وأخذ بذلك الأصل الحافظ ابن حجر أيضًا في الباب المذكور، إذ قال (٣): وقد يؤخذ السفر والحضر من إطلاق قوله ﷺ : "فإنه لم يفصل بين الحضر والسفر"، انتهى.
وأخذه الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا في "باب التشهد في الآخرة"، إذ قال (٤): دلالة الرواية عليه من حيث إن المذكور فيها غير مقيد بالأولى والآخرة فلا يتقيد بشيء منهما. . . إلخ.
وقال العيني (٥) في "باب التيمن في دخول المسجد في حديث
стр. 184
عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع"، الحديث: مطابقته للترجمة من حيث عمومه؛ لأن عمومه يدل على البداية باليمين في دخول المسجد، انتهى.
وبذلك الأصل أخذ النووي أحاديث "باب الدعاء قبل السلام"، كما حكى عنه الحافظ (١)، إذ قال بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأخر: وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: "في صلاتي" يعم جميعها، ومن مظانه هذا الموطن، انتهى.
وقال الحافظ (٢) في "باب فضل صلاة الفجر في جماعة": تفنَّن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص، ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم، ومن حديث أبي موسى بطريق استنباط، انتهى.
وقال شيخ المشايخ (٣) في "باب ما جاء في غسل البول": قوله: "إذا تبرز لحاجته. . ." إلخ، التبرز وإن كان في متفاهم العرف يحمل على الغائط، لكن الصحابي لما حكى فعله وهو الذهاب إلى الفضاء، والذهاب إليه قد يكون للبول أيضًا، فبالنظر إلى هذا العموم استدل البخاري بالحديث على ثبوت الغسل من البول، ومثل هذا الاستدلال كثير شائع عند المؤلف، كما نبَّهناك مرارًا، انتهى.
ويدخل في هذا الأصل أيضًا، ما قال في "باب ذكر البيع والشراء في المسجد": إذ استدل بذكرهما النبي ﷺ على جواز البيع في المسجد بدون إحضار المبيع بعموم اللفظين، وقال: مثل هذه الاستدلالات كثيرة في "البخاري"، كما مر غير مرة، انتهى.
стр. 185
٥١ - الحادي والخمسون: المبدوء بباب كيف كان:
أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم في "صحيحه" بـ "باب كيف كان" أصالة: ثلاثون ترجمة، عشرون منها في النصف الأول، وعشر في النصف الثاني.
والمراد بقولي: أصالةً: أن المترجم بذلك تبعًا في الأبواب الأخر، وراء من ذلك، ولا تثبت الكيفية في أكثر هذه التراجم، واضطربت أقوال الشرَّاح في إثبات الكيفية من أحاديث هذه الأبواب.
والأوجه عندي في هذه الأبواب الخالية عن بيان الكيفية أن الإمام البخاري لم يرد في هذه الأبواب إثبات الكيفية، بل أراد إثبات ما بعد لفظ كيف، نَبَّهَ بلفظ كيف على الاختلاف الوأرد في كيفية هذه الأمور.
مثلًا ترجم بـ "باب كيف كان بدء الحيض؟ " وليس في الحديث بيان كيفية بدئه، بل الوارد فيه الاختلاف في وقت بدئه، وعلى ذلك حمل عامة المشايخ الترجمة، والأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم في كيفية البدء، هل كان بدؤه مصلحة أو عذابًا.
واستنبط ذلك من كلام شيخ المشايخ في تراجمه أيضًا، إذ قال: قوله: "كتبه الله. . ." إلخ: أنه شيء كتبه الله على بنات آدم تغذية لأجنَّتهن. خلافًا لبعضهم، إذ قالوا: أول ما أرسل الحيضر على نساء بني إسرائيل ابتلاء لهن. . . إلخ.
وترجم "كيف تهل الحائض بالحج والعمرة؟ "، قال شيخ المشايخ في "التراجم": قال الشارح القسطلاني (١) في معناه: ليس المراد بالكيفية الصفة، بل بيان صحة إهلال الحائض، وعندي أنه على الظاهر، والغرض إثبات صفة الإهلال إذا أهلت الحائض، وهي أن يكون إهلالها مقرونًا
стр. 186
بالغسل، وإن كان ذلك الغسل في أثناء الحيض، وغسل عائشة ﵂ يحتمل ذلك، انتهى.
قلت: ما حكاه الشيخ قُدِّس سرُّه عن الشارح أخذه الشارح المذكور عن "الفتح" (١)، إذ قال: مراده بيان صحة إهلال النبي ﷺ ، ومعنى "كيف" في الترجمة: الإعلام بالحال بصورة الاستفهام، لا الكيفية التي يراد بها الصفة.
وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيها ذكر صفة الإهلال، انتهى.
وقال العيني (٢): المراد من الكيفية الحال من الصحة والبطلان والجواز وغير الجواز، فكأنه قال: باب صحة إهلال الحائض بالحج. . . إلخ.
ومؤدَّى كلام هؤلاء المشايخ كلهم أن لفظ "كيف" حشو في كلام الإمام الهمام، وأنت خبير بأن هذا بعيد كل البعد عن جلالة شأنه ودقائق تدبُّره.
فالأوجه عندي على الأصل المذكور أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى نَبَّهَ بذلك على الاختلاف الواقع في كيفية هذا الغسل باعتبار الحكم، هل هو سُنَّةٌ مؤكدةٌ كما عند مالك، أو مستحب كما عند بقية الأئمة الثلاثة.
ففي "الأوجز" (٣): هذا الغسل سُنَّة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا يرخص في تركه إلا لعذر، وهو آكد اغتسالات الحج إلى آخر ما بسط فيه، ومال ابن حزم إلى أن هذا الغسل فرض للحائض المتمتع والنفساء، قال العيني (٤): قال ابن حزم: لا يلزم الغسل فرضًا في الحج إلا المرأة تُهِلُّ بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذه تغتسل، ولا بدّ والمرأة
стр. 187
تلد قبل أن تهل بالعمرة أو بالقران، ففرض عليها أن تغتسل وتُهل، انتهى.
وترجم بـ "باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة؟ "، وليس في حديث الباب بيان كيفية الاعتماد، ولذا تكلف الشرَّاح في إثبات الكيفية من الحديث ولا يثبت، فالأوجه عندي أن الإمام البخاري لم يُرد بالباب إثبات الكيفية، بل أراد إثبات الاعتماد على الأرض فقط، وأما لفظ "كيف" فلمجرد التنبيه على اختلاف العلماء في كيفية الاعتماد.
وهكذا ترجم الإمام البخاري "باب كيف حوَّل النبي ﷺ ظهره إلى الناس؟ "، وأتى فيه بحديث لا يدل على كيفية التحويل بل فيه ذكر التحويل فقط، ولذا اضطربت أقوال الشرَّاح في إثبات الكيفية من الحديث.
والأوجه عندي أن المقصود بالترجمة هو التحويل فقط، وهو ثابت بالحديث نصًّا وأشار بلفظ "كيف" إلى الاختلاف الواقع في كيفية ذلك التحويل باعتبار وقته، فعند الصاحبين من الحنفية: بعد الخطبتين، وعند الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية، وعند المالكية في المشهور: بعد الخطبتين، وقال الباجي: اختلف فيه قول مالك فذكر القولين في ذلك، وعند الحنابلة: خطبة الاستسقاء واحدة على الأصح، ويستقبل القبلة في أثنائه، كما بسط اختلاف الأئمة في ذلك في "الأوجز" (١).
فالأوجه عندي أن البخاري لم يرد في ترجمته إثبات الكيفية، حتى يضطر إلى إثباتها بالحديث، بل نَبَّهَ بلفظ "كيف" على الاختلاف في الكيفية، هل يحوِّل ظهره في أثناء الخطبة أو بعدها عند الدعاء، أو عند الخطبة؟ وغير ذلك كما في "الأجز" (٢).
ونظير ذلك عندي قوله: "باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة" وتحير الشرَّاح في لفظ "متى" ههنا، وأي معنى للسؤال.
стр. 188
وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (١): أظهر تأويلات هذه الترجمة أن يقال: إن قوله: "إذا رأوا الإمام" جواب "متى" يعني: يقومون إذا رأوا الإمام عند الإقامة، انتهى.
ولا مراء في أن ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أقرب مما قالت الشرَّاح في ذلك.
وعند هذا المبتلى بالسيئات، والمعترف بالتقصيرات، الراجي واهب الحسنات بدل السيئات، أن لفظ "متى" ليس للإثبات حتى يحتاج إلى التوجيهات، بل الترجمة "يقوم الناس. . ." إلخ، وزاد لفظ "متى" كزيادة لفظ "كيف" تنبيهًا على الاختلاف الوارد في أنهم متى يقومون؟ مع الإقامة ومع رؤية الإمام أيضًا، فالمعروف عند المالكية من أول الإقامة، وعند الشافعية بعد تمام الإقامة، وعند الحنفية على قول المؤذن: "حي على الصلاة"، وعند الحنابلة على قوله: "قد قامت الصلاة". كما بسطت تلك الأقوال في "الأوجز" (٢)، عند قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: لم أسمع فيه بحد [يقام له] إلا أَنِّي أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد، انتهى.
وهكذا ترجم "باب كيف الإشعار للميت"، وذكر فيه: قال الحسن: الخرقة الخامسة، قال الحافظ (٣): وقول الحسن في الخرقة الخامسة، قال به زفر، وقالت طائفة: تُشَدُّ على صدرها لتضم أكفانها، وكأن المصنف أشار إلى موافقة قول زفر، انتهى.
وذكر ابن عابدين (٤) الاختلاف في ذلك، ثم قال: ومفاد هذه العبارات الاختلاف في عرضها، وفي محل وضعها، وفي زمانه، فتأمل، انتهى.
стр. 189
وهكذا ذكر الاختلاف فيه غير الحنفية أيضًا، قال الموفق (١): فعلى قول الخرقي: تُشَدُّ الخرقة على فخذيها أولًا، ثم تؤزّر بمئزر،. . . إلخ.
فالأوجه عندي أن الإمام البخاري نَبَّهَ بلفظ "كيف" على الاختلاف، فلا بد للتدبر في الأبواب المبدوءة بلفظ "كيف" من الوقوف على اختلاف العلماء في كيفية هذه الأمور، واختلاف الأئمة المجتهدين ﵏ وشكر سعيهم - وخاطري أبو عذرة هذا الأصل.
٥٢ - الثاني والخمسون: إثبات الأبواب العديدة بحديث واحد:
ما ظهر أيضًا لهذا الفقير المحتاج إلى رحمة ربه العليا، أن الإمام البخاري طالما يجمع الأبواب العديدة، ويأتي بعد تلك الأبواب بحديث واحد يُثبت الأبواب السابقة كلها، ويفعل ذلك تشحيذًا للأذهان.
ومن لم يُمعن النظر في ذلك يعدّ الأبواب السابقة خالية عن الحديث، ويأتي لذلك بتوجيهات بعيدة، كسهو المؤلف، أو عدم وجدانه للحديث، أو تحريف من الناسخ، وغير ذلك من التوجيهات العامة المعروفة.
ومثال ذلك: أنه رحمه الله تعالى ترجم بـ "باب الرياء في الصدقة"، ثم ترجم بـ "باب لا يقبل الله صدقة من غُلول، ولا يقبل إلا من كسب طيب"، ثم ترجم بـ "باب الصدقة من كسب طيب"، ولم يذكر حديثًا في الأولين، وذكر في الثالث؛ ولم يتعرض لذلك الشرَّاح إلا بقولهم: تخلو الترجمة عن الحديث، اقتصارًا على الاستدلال بالآية، انتهى، وهذا الذي اختاره شيخ الهند قُدِّس سرُّه في الأصل التاسع من أصوله، وتقدم في الأصل السابع والعشرين من هذه الأصول.
والأوجه عندي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى، أثبت بالحديث
стр. 190
الوارد بعد الباب الثالث البابين السابقين أيضًا، فإنه ﵀ أورد فيه حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله تعالى يتقبلها [بيمينه]، ثم يُرَبِّيها لصاحبه" (١) الحديث، فإن قوله: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب" ثالث التراجم، وقوله: "لا يقبل الله إلا الطيب" ثانيها، وقوله: "فإن الله ﵎ يربيها حتى تكون مثل الجبل"، يشير إلى أولها بالضد، فإن التربية تنافي الإبطال، والاستدلال بالأضداد من أصول التراجم، كما في التاسع والستين.
وسيأتي في أول "الجنائز" (٢) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات يشرك بالله دخل النار"، قلت: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة، فهذا ابن مسعود ﵁ استنبط الثاني لكونه ضد الأول.
ومن ذلك الأصل أن الإمام البخاري ترجم "باب صدقة العلانية"، ثم "باب صدقة السر"، وذكر فيه حديثًا معلقًا، ثم "باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم"، ولم يأت بالحديث مسندًا للأولين، وأتى في الباب الثالث بحديث أبي هريرة: "قال رجل: لأتصدقن بصدقة. . ." الحديث، وقال الحافظ وتبعه غيره في الباب الأول (٣): سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها شيء على شرطه، انتهى، وهكذا قال العيني وغيره.
والأوجه عندي: أنه ثبتت بحديث أبي هريرة المذكور التراجم الثلاثة، الصدقة على الغني ظاهر، ولما لم يكن في بعض النسخ الباب الثالث مستقلًّا وأدمجه بالباب الثاني، فوجَّه الحافظ مناسبة حديث أبي هريرة بالباب
стр. 191
الثاني؛ بقوله: إن الصدقة بالمذكورة وقعت بالليل، لقوله في الحديث: "فأصبحوا يتحدثون"، بل وقع في "صحيح [مسلم] " التصريح بذلك، لقوله فيه: "لأتصدقن الليلة"، فدل على أن صدقته كانت سرًّا، إلى آخر ما قال.
قلت: ولما أصبحوا يتحدثون صارت علانية باعتبار المآل، فثبتت التراجم الثلاث.
ولا يلتبس هذا الأصل بالأصل السابع والعشرين، فإنه ليس فيه تسلسل الأبواب وذكر الحديث بعدها.
٥٣ - الثالث والخمسون: إثبات الترجمة بالنظير والقياس:
من عادة الإمام البخاري الشائعة في كتابه، كثيرَ الوقوع في تراجمه، أنه كثيرًا ما يثبت الترجمة بالنظير والقياس.
وهذا الأصل معروف عند المشايخ والشرَّاح، أخذ بذلك الأصل الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه بمواضع من إفادته، منها: ما قال في "باب القراءة في الظهر" (١): دلالة الرواية على الترجمة على تقدير نسخة العشي ظاهرة، وعلى النسخة المكتوبة في المتن، وهو قوله: "صلاتي العشاء"، فالمدعى حاصله بالقياس، انتهى.
وقال العيني في "باب الدخول على الميت [بعد الموت] أدرج في أكفانه"، وقد ذكر فيه البخاري حديث دخول أبي بكر على النبي ﷺ ، وهو مُسَجًّى ببردةٍ.
فقال العيني (٢): مطابقته للترجمة ظاهرة؛ قيل: لا نُسَلِّم الظهور؛ لأن الترجمة في الدخول [على الميت] إذا أدرج في الكفن، ومتن الحديث: "وهو مُسَجًّى ببردةٍ"، لم يكن حينئذٍ غسل، فضلًا عن أن يكون مدرجًا في
стр. 192
الكفن!! وأجيب: بأن كشف الميت بعد تسجيته مساوٍ لحاله بعد تكفينه. . . إلخ.
وقال الحافظ في الباب المذكور (١): دلالة الحديث الأول، وهو حديث أبي بكر المذكور، والحديث الثالث وهو حديث جابر قال: "لما قتل أبي جعلت أكْشِفُ الثوبَ عن وجهه. . ." الحديث، مشكلة؛ لأن أبا بكر إنما دخل قبل الغسل فضلا عن التكفين، ولأن جابرًا كَشَفَ الثوبَ قبل تكفينه؛ فقال بعد ذكر الأجوبة المختلفة: وقال ابن رُشيد: المعنى الذي في الحديثين من كشف الميت بعد تسجيته مساوٍ لحاله بعد تكفينه، انتهى.
وقال الحافظ (٢) أيضًا في "باب القسمة وتعليق القنو في المسجد": لم يذكر البخاري في الباب حديثًا في تعليق القنو، فقال ابن بطال: أغفله، وقال ابن التين: أُنسيه. وليس كما قالا، بل أخذه من جواز وضع المال في المسجد، بجامع أن كلًّا منهما وُضِع لأخذ المحتاجين منه، انتهى.
وقال أيضًا في "باب فضل صلاة الفجر في جماعة"، وقد أورد فيه البخاري حديث أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم مشيًا. . ." الحديث (٣)، فقال الحافظ (٤): استشكل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب؛ لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذكر، بل آخره يشعر بأنه في صلاة العشاء، ووجَّهه ابن المنيّر وغيره بأنه دل على أن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشي إلى الصلاة، إلى آخر ما قال.
وأيضًا ترجم البخاري رحمه الله تعالى "باب الخطبة أيام منى"، وأورد في جملة أحاديثه حديث ابن عباس ﵄ قال: "سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات".
стр. 193
قال الحافظ (١) ناقلًا عن ابن المنير: أراد البخاري أن يبين أن الراوي قد سمَّاها خطبة، كما سمَّى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات، فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، انتهى.
وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (٢) في "باب تفريق الغسل": أي: التفريق في أفعال الوضوء والغسل، إشارة إلى جوازه، خلافًا لمن اشترط الموالاة، ويثبت بالحديث التفريق في الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة، إذ لا فرق بينهما في الأركان والآداب، انتهى.
وقال (٣): في "باب تقضي الحائض المناسك كلها": قوله: وقال الله تعالى. . . إلخ، هذا بمنزلة المقدمة الثانية للدليل، يعني أن الذبح جائز مع الجنابة، مع أنه لا يجوز بدون ذكر الله، وحكم الجنابة والحيض سواء بالإجماع، انتهى.
وحكى شيخ المشايخ في "تراجمه" في "باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها" أنه قال: يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر.
٥٤ - الرابع والخمسون: الإشارة إلى وقائع مخصوصة:
ما تقدم في كلام الحافظ في المقدمة، ورقمت عليه "التاسع": أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي، كقوله: "باب استياك الإمام بحضرة رعيته"، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي ﷺ استاك بحضرة الناس، دلَّ على أنه من باب التطيُّب لا من الباب الآخر، نبّه على ذلك ابن دقيق
стр. 194
العيد (١)، انتهى.
هكذا في مقدمة "الفتح"، وحكاه القسطلاني في مقدمته وزاد فيه (٢): قال الحافظ ابن حجر: لم أر هذا في "البخاري"، فكأنه ذكره على التمثيل، انتهى.
قلت: هو كذلك، لم أره أيضًا في "البخاري"، نعم ترجم النسائي في "سننه" "باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ "، انتهى.
ولو أدخل هذا الأصل في الأصل الثاني عشر كان كافيًا، إلا أن الحافظ في "المقدمة" ذكرهما أصلين مستقلين، كما تقدم في كلامه.
ويمثل لذلك الأصل عندي بـ "باب دفع السواك إلى الأكبر"، فإنه إشارة إلى واقعة خاصة في اليقظة أو في المنام.
وترجم البخاري "باب علامة المنافق"، وأورد فيه حديث: "آية المنافق ثلاث".
حكى الخطابي (٣) عن بعضهم: أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارة، انتهى. كذا في "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث".
ويمكن أن يدخل فيه باب "علامة المنافق"، وذكر فيه حديث أبي هريرة: "آية المنافق ثلاث".
وفي "البيان والتعريف": أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم، عن أبي هريرة، وحكى الخطابي عن بعضمهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارةً، كقوله: "ما بال أقوام يفعلون كذا"، انتهى.
стр. 195
وترجم الإمام البخاري "باب الأرواح جنود مجندة"، وذكر فيه حديث عائشة ﵂ مرفوعًا بذلك اللفظ، ويمكن التلويح بذلك إلى ما في "البيان والتعريف"، إذ قال: أخرجه الحاكم عن سلمان، والشيخان بلفظ "الأرواح جنود مجندة. . ." الحديث، وسببه عنه أن امرأة كانت تُضحك النساء بمكة قدمت المدينة، فنزلت على امرأة تُضحك النساء بالمدينة، فأُخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "الأرواح. . ."، فذكره، انتهى.
ويشكل عليه أن الحافظ في "الفتح" (١) ذكر قصة المرأة هذه بلفظ آخر، برواية "مسند أبي يعلى" (٢) عن عمرة قالت: كانت امرأة بمكة مزَّاحة فنزلت على امرأة مثلها بالمدينة، فبلغ ذلك عائشة قالت: "صدق حِبِّي، سمعته ﷺ "، فذكر مثله، انتهى. وفيه أن الأول من حديث سلمان، والثاني من حديث عائشة.
ولا يبعد عندي أيضًا، أن يمثَّل هذا الأصل بـ "باب المؤمن يأكل في مِعًى واحد"، فإن هذه الترجمة بوَّب لها البخاري بابين، ويشكل على الشراح تكرار الترجمة، واختلفت التوجيهات في التكرار، حتى مال كثير منهم إلى غلط النساخ، ولا يبعد عندي أن الإمام أشار بإحدى الترجمتين إلى أمر مختص ببعض الوقائع.
قال الحافظ (٣): وقع في "مسلم" (٤) عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف وهو كافر، فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له بشاة فشرب حلابها، ثم بأخرى فلم يستتمّها. . ." الحديث، وهذا الرجل يُشبه أن يكون جهجاه الغفاري.
стр. 196
فأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى (١) وغيرهما عنه أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله ﷺ [المغرب]، فلمَّا سلَّم قال: "ليأخذ كل رجل بيد جليسه"، فلم يبق غيري، وكنت رجلًا عظيمًا طويلًا لا يقدم عليَّ أحدٌ، فذهب بي رسول الله ﷺ إلى منزله، فحلب لي عنزًا فأُتيتُ عليه، ثم [حلب لي] آخر، حتى حلب لي سبعة أعنز؛ فأُتيتُ عليها، ثم أُتيت بصنيع بَرمة فأَتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله ﷺ ، فقال: "مه يا أم أيمن، أكَلَ رزقه، ورِزقُنا على الله".
فلما كانت الليلة الثانية وصلّينا المغرب صنع ما صنع في التي قبلها، فحلب لي عنزًا ورويت وشبعت، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: "إنه أكل في مِعًى واحد الليلة وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحد"، ثم ذكر قصة أخرى بنحوها. فلا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بإحدى الترجمتين إلى وقعة مخصوصة في ذلك.
٥٥ - الخامس والخمسون: الترجمة بحديث لا يثبت إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثًا:
ما تقدم أيضًا في كلام الحافظ عن "المقدمة" (٢)، ورقمت عليه الحادي عشر، ولفظه: وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية، فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.
وللغفلة من هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، انتهى.
стр. 197
قلت: وبذلك جزم في "باب فضل العلم، وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ﴾ الآية" [المجادلة: ١١]، إذ قال بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأُخر: وعن بعض أهل العراق: أنه تعمَّد بعد الترجمة عدم إيراد الحديث؛ إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شيء على شرطه.
والذي يظهر لي أن هذا محله حيث لم يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد [آية أو أثرًا] فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كاف في الباب (١)، انتهى.
وقريب من ذلك: ما قال الحافظ في "باب صدقة العلانية، وقوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] "، قال: سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء (٢)، انتهى.
وقلت: قريب من ذلك؛ لأن لفظ الترجمة ليس لفظ حديث، وكذا قوله: "باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] "، ولم يذكر فيه حديثًا؛ كأنه لم يجده على شرطه، وترجم بـ "باب زكاة البقر"، ولم يذكر في الباب حديثًا نصًّا على ذلك.
حكى الحافظ عن الزين بن المنيِّر (٣): لم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، انتهى.
وترجم "باب العدل بين النساء: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ١٢٩] "، ولم يذكر فيه حديثًا، كأنه لم يجده على شرطه.