يقال: إن الترجمة الأولى مثبتة - بكسر الباء - لأصل الباب، وهو إجازة خبر الواحد، وهذه الترجمة الثانية مثبتة - بفتح الباء - وهو الأصل الستون من أصول التراجم، وفي "تقرير المكي" (١): قوله: "واحدًا بعد واحد" ليس المراد به الإرسال على سبيل التعاقب، بل المراد إرسال الآحادي بالكثرة، سواء كان على سبيل الاستقلال أو على سبيل التعاقب.
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث ابن عمرو، به وبما في البابين قبله تكمل الأحاديث اثنين وعشرين حديثًا، انتهى.
ثم البراعة في لفظ التوبة وأكل اللحم وهو مذبوح على أن قوله: سعد يذكر قوله عز اسمه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ الآية [هود: ١٠٥]، وقوله: سنة يذكر قوله عز اسمه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ الآية [الحج: ٤٧]، وقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢]، وأيضًا الإمساك عن الأكل لكونه من شأن الموتى (٣).
* * *
стр. 3729
٩٦ - كتاب الاعتصام
هذا الكتاب عند هذا العبد الضعيف: آخر كتاب من هذا الصحيح، فإن الإمام البخاري ﵀ بدأ كتابه ببدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، وختمه بكتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، فإنه الأصل في الدين والشريعة، وأما مبدؤه ومأخذه فهو الوحي، وما سيأتي من "كتاب الردّ على الجهمية" ليس بكتاب مستأنف عندي، فإنه بمنزلة التكملة لهذا الكتاب، فإن من عادة الإمام الهمام البخاري أن يذكر في الكتب الأضداد هذا، ولذا ذكر أبواب الكفر في "كتاب الإيمان"، وأبواب الجهل في "كتاب العلم"، وأبواب الدعاء لمنع المطر في "كتاب الاستسقاء"، وأمثاله، ولما كان أبواب البدعة من أضداد كتاب الاعتصام من الكتاب والسُّنَّة ذكرها بعده.
قال الحافظ (١): "الاعتصام" افتعال من العصمة، والمراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣].
قال الكرماني (٢): المراد "بالكتاب" القرآن المتعبد بتلاوته، و"بالسُّنَّة" ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله، والسُّنَّة في أصل اللغة: الطريقة، وفي اصطلاح الأصوليين والمحدثين ما تقدم، وفي اصطلاح بعض الفقهاء ما يرادف المستحب، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٣).
وبسط الكلام فيه على تحقيق معنى السُّنَّة فارجع إليه لو شئت.
وقد تقدم في مقدمة "اللامع" (٤) في بيان ذكر المناسبات بين الكتب
стр. 3730
والأبواب ما قال الحافظ (١): ولما كانت الأحكام كلها تحتاج إلى الكتاب والسُّنَّة، قال: الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، وذكر أحكام الاستنباط من الكتاب والسُّنَّة والاجتهاد وكراهية الاختلاف، وكان أصل العصمة أولًا وآخرًا هو توحيد الله تعالى، فختم بكتاب التوحيد، انتهى.
قلت: وما ذكره الحافظ في الغرض من هذا الكتاب قد سبق إلى ذلك الكرماني (٢) إذ قال في آخر "كتاب الاعتصام": وهذا آخر ما قصد إيراده في الجامع من مسائل أصول الفقه، انتهى.
وأما المناسبة بين كتاب الاعتصام والردّ على الجهمية فيمكن أن يقال: لما كان الاستنباط من القرآن والسُّنَّة موجبًا للهداية مرةً والضلالة أخرى، فقد قال الله تعالى في الكتاب الحكيم: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ترجم بكتاب الردّ على الجهمية احترازًا عن الاستنباط المضل، كذا في هامش "اللامع" (٣).
(١ - باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)
هكذا في النسخ الهندية، وأما في نسخ الشروح فليس فيها هذا الباب، بل فيها "كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة"، وذكر تحته أحاديث الباب.
قوله: (قال أبو عبد الله: وقع ههنا: "يغنيكم"، وإنما هو: "نَعشَكُمْ"، ينظر في أصل "كتاب الاعتصام") هذه العبارة موجودة في نسخ الشروح، وكذا على حاشية النسخة "الهندية".
قال الحافظ (٤): قوله: "ينظر. . ." إلخ، فيه إشارة إلى أنه صَنَّف "كتاب الاعتصام" مفردًا، وكتب منه هنا ما يليق بشرطه في هذا الكتاب، كما صنع في كتاب "الأدب المفرد"، فلما رأى هذه اللفظة مغايرة لما عنده أنه الصواب أحال على مراجعة ذلك الأصل، وكأنه كان في هذه الحالة
стр. 3731
غائبًا عنه، فأمر بمراجعته وأن يصلح منه، وقد وقع له نحو هذا في تفسير ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣]، انتهى.
(١ م - باب قول النبي ﷺ : بعثت بجوامع الكلم)
قال الحافظ (١): يعني أنه ﷺ كان يتكلم بالقول الموجز، القليل اللفظ، الكثير المعنى، وجزم غير الزهري بأن المراد "بجوامع الكلم" القرآن، بقرينة قوله: "بعثت"، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتساع المعاني، انتهى.
قوله: (ونصرت بالرعب. . .) إلخ، كتب في هامش النسخة المصرية عن العلامة السندي (٢): أي: على خلاف المعتاد من الرعب بسبب المال والمتاع والعبيد والأفراس كما عليه الأمراء، إذ معلوم أنه ﷺ ربما يمضي عليه شهران ولم يوقد النار في بيته ﷺ ، والرعب مسيرة شهر على هذا الحال من خواصه ﷺ ، نعم كان منه نصيب لمن كان على حاله من خلفائه ﷺ ، انتهى.
ثم اعلم أن المصنف ذكر في الباب حديثين عن أبي هريرة، أحدهما بلفظ الترجمة، وثانيهما بقوله ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات" الحديث، وتقدم أيضًا في فضائل القرآن ومرّ هناك الكلام على شرح هذا الحديث.
قال الحافظ (٣): قيل: يؤخذ من إيراد البخاري هذا الحديث عقب الذي قبله أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن، وليس ذلك بلازم، فإن دخول القرآن في قوله: "بعثت بجوامع الكلم" لا شك فيه، وإنما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن، ثم ذكر الحافظ أمثلة جوامع الكلم من الآيات والأحاديث النبوية، فارجع إليه لو شئت.
стр. 3732
(٢ - باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ -)
أي: قبولها والعمل بما دلّت عليه، فأما أقواله ﷺ فتشتمل على أمر ونهي وإخبار، وسيأتي حكم الأمر والنهي في باب مفرد، وأما أفعاله فتأتي أيضًا في باب مفرد قريبًا، قاله الحافظ (١).
قوله: (كل أمتي. . .) إلخ، أفاد العلامة السندي (٢) في هامش النسخة المصرية: لعل المراد بالأمة أمة الدعوة، والمراد بمن أبى من أبى الإيمان به، وهو المراد بالعصيان لا مطلق العصيان، والله تعالى أعلم، انتهى.
(٣ - باب ما يكره من كثرة السؤال. . .) إلخ
وقوله تعالى: (﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ. . .﴾ [المائدة: ١٠١]. . .) إلخ.
الغرض من هذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية، وهي هل ينبغي أن يسأل عن النوازل قبل وقوعها أم لا؟ وظاهر ميل البخاري إلى كراهة ذلك.
وقوله: (ومن تكلف ما لا يعنيه) كأنه بيان لقوله: "ما يكره من كثرة السؤال"، ونظير ذلك ما تقدم في "كتاب الطهارة" من "باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة"، وتقدم في "كتاب العلم" "باب الرحلة في المسألة النازلة"، وجمهور العلماء على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها.
قال الحافظ (٣): واشتد إنكار جماعة من الفقهاء منهم أبو بكر بن العربي فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلقًا بهذه الآية، وليس كذلك، قال الحافظ: وهو كما قال لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي، ويؤيده حديث سعد الذي صدر به المصنف الباب: "من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" إلى آخر ما بسطه.
وكذا بسط الكلام في "الأوجز" (٤) على حديث النهي عن قبل، وقال:
стр. 3733
وكثرة السؤال إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١).
(٤ - باب الاقتداء بأفعال النبي ﷺ -)
تقدمت الإشارة قبل باب إلى هذه الترجمة في كلام الحافظ، وظاهر كلامه في الترجمة المتقدمة أنها بمنزلة الكتاب للأبواب الآتية.
وعندي: يحتمل أن يكون الباب الأول لبيان سنن الهدى من الأقوال والأفعال وغيرهما، والمراد بهذا الباب سنن الزوائد من الأفعال العادية كما يدلّ عليه رواية الباب.
لكن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من الترجمتين مختلف جدًّا، فالغرض من الترجمة الأولى التأكيد والتحريض على اتباع النبي ﷺ عملًا بقوله له تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] ولقوله عزّ اسمه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وردًّا على الفرقة القرآنية القائلين بأنا لا نأخذ إلا بما في القرآن، وقد وردت في ذمهم الروايات الكثيرة، ذكر عدة منها صاحب "المشكاة" في "كتاب الاعتصام"، والغرض من هذا الباب الثاني الإشارة إلى اختلافهم في حكم أفعاله ﷺ ، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه.
قال العيني (٢): قال قوم: يجب اتباعه في فعله كما يجب في قوله حتى يقوم دليل على الندب أو الخصوصية به، قال ابن شريح وأبو سعيد الأصطخري، وقال آخرون: يحتمل الوجوب والندب والإباحة، ويحتاج إلى القرينة، وبه قال أبو بكر بن أبي الطيب، وقال آخرون: للندب إذا ظهر وجه القربة، وقيل: لو لم يظهر، وقال آخرون: ما فعله إن كان بيانًا لمجمل حكمه حكم ذلك المجمل وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، وقال الشافعي: إنه يدلّ على الندب، وقال مالك: يدلّ على الإباحة، انتهى.
стр. 3734
وهكذا في "الفتح" (١) بدون النسبة إلى قائليها، وعزا القول الثالث إلى الجمهور، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٢) فارجع إليه لو شئت.
(٥ - باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع)
قال الحافظ (٣): زاد غير أبي ذر: "في العلم" وهو يتعلق بالتنازع والتعمق معًا، كما أن قوله: "والغلو في الدين والبدع" يتناولهما.
وقوله: (لقول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. . .﴾ [النساء: ١٧١]) إلخ، صدر الآية يتعلق بفروع الدين، وهي المعبر عنه في الترجمة بالعلم، وما بعده يتعلق بأصوله.
وقال أيضًا (٤) ذيل شرح الأحاديث: قال ابن بطال (٥): في أحاديث الباب ما ترجم له من كراهية التنطع والتنازع لإشارته إلى ذمّ من استمر على الوصال بعد النهي، ولإشارة علي إلى ذمّ من غلا فيه، فادّعى أن النبي ﷺ خصّه بأمور من علم الديانة دون غيره، وإشارته ﷺ إلى ذمّ من شدّد فيما ترخص فيه، وفي قصة بني تميم ذمّ التنازع المؤدي إلى التشاجر، ونسبة أحدهما الآخر إلى قصد مخالفته، فإن فيه إلثمارة إلى ذمّ كل حالة تؤول بصاحبها إلى افتراق الكلمة أو المعادات، وفي حديث عائشة إشارة إلى ذمّ التعسف في المعاني التي خشيتها من قيام أبي بكر مقام رسول الله ﷺ ، انتهى.
قوله: (إني أعلمهم بالله. . .) إلخ، في هامش النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (٦): أشار به إلى القوة العلمية.
وقوله: (وأشدهم له خشية) أشار به إلى القوة العملية، أي: يتوهمون أن رغبتهم عما فعلته أفضل لهم عند الله تعالى، وليس كذلك إذ أنا أعلمهم بالأفضل وأولاهم بالعمل به، انتهى.
стр. 3735
قوله: (تزعمان أن أبا بكر فيها كذا. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) الكلام على شرح هذا المقام، وردّ ما استدل به طائفة الشيعة على مخترعاتهم وتوهماتهم الفاسدة، فارجع إليه لو شئت، وقد ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه توجيهًا نفيسًا لهذا الحديث.
وفي هامش النسخة المصرية (٢): قوله: "الظالم. . ." إلخ، إنما ساغ للعباس أن يقول ذلك لعلي لأنه كالوالد له، وللوالد ما ليس لغيره، أو هي كلمة لا يراد بها حقيقتها، انتهى.
(٦ - باب إثم من آوى محدثًا)
قال القسطلاني (٣): أي: مبتدعًا أو ظالمًا.
قوله: (رواه علي. . .) إلخ، قال في "الفتح": تقدم موصولًا في الباب الذي قبله، قال في "عمدة القاري": ليس في الباب الذي قبله ما يطابق الترجمة، وإنما الذي يطابقها ما تقدم في "باب الجزية" في "باب إثم من عاهد ثم غدر" قال فيه: "فمن أحدث فيه حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله"، انتهى من "القسطلاني".
(٧ - باب ما يذكر من ذمّ الرأي وتكلف القياس)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): أراد المؤلف بذكر البابين هذا وما بعده أن كل قياس غير محمود، ولا كله مذموم، فأما قياس مجتهدي الأمة، أي: ما لا يخالف أصول الشرع وقواعد الدين وكان مستندًا إلى أهل
стр. 3736
الأدلة، فهذا النوع من القياس محمود، والمذموم ما يخالف ذلك، ويلزم فيه تخصيص النص أو مخالفته أو ترك العمل به إلى غير ذلك مما هو معروف، انتهى.
وفي هامشه: وحاصله ما أفاده الشيخ أن الغرض من هذا الباب الردّ على من يزعم أن كل قياس صحيح محمود وإن لم يبن على أصل شرعي، والغرض من الباب الآتي وهو قوله: "باب من شبّه أصلًا معلومًا. . ." إلخ، الردّ على من زعم أن كل قياس باطل مذموم، فمن حكى عن الإمام البخاري أنه منكر للقياس بناءً ونظرًا على هذا الباب الأول فقط فلم يصب.
قال الحافظ (١): قوله: "باب ما يذكر من ذمّ الرأي. . ." إلخ، أي: الفتوى بما يؤدّي إليه النظر، وهو يصدق على ما يوافق النصّ وعلى ما يخالفه، والمذموم منه ما يوجد النص بخلافه، وأشار بقوله: ["من"] إلى أن بعض الفتوى بالرأي لا يذم، وهو إذا لم يوجد النصّ من كتاب أو سُنَّة أو إجماع.
وقوله: (وتكلف القياس) أي: إذا لم يوجد الأمور الثلاثة، واحتاج إلى القياس، فلا يتكلفه بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلة الجامعة واضحة فليتمسك بالبراءة الأصلية، ويدخل في تكلف القياس ما إذا استعمله على أوضاعه مع وجود النصّ، ومما إذا وجد النص فخالفه، وتأول لمخالفته شيئًا بعيدًا، ويشتد الذمّ فيه لمن ينتصر لمن يقلده مع احتمال أن لا يكون الأول اطلع على النص، انتهى.
وهكذا في "العيني" (٢)، وزاد: فإن قلت: روى البيهقي بسنده إلى عمر قال: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أغنتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا"، قلت: في صحته نظر، ولئن سلمنا فإنه أراد به الرأي مع وجود النص، انتهى. كذا في هامش "اللامع".
стр. 3737
(٨ - باب ما كان النبي ﷺ يسأل مما لم ينزل عليه الوحي. . .) إلخ
قال الحافظ (١): أي: كان له إذا سئل عن الشيء الذي لم يوح إليه، فيه حالان: إما أن يقول: لا أدري، وإما أن يسكت حتى يأتيه بيان ذلك بالوحي، ولم يذكر لقوله: "لا أدري" دليلًا فإن كلًّا من الحديثين المعلق والموصول من أمثلة الشق الثاني، وأجاب بعض المتأخرين بأنه استغنى بعدم جوابه به، والذي يظهر أنه أشار بالترجمة إلى ما ورد في ذلك، ولكنه لم يثبت عنده منه شيء على شرطه، وإن كان يصلح للحجة كعادته في أمثال ذلك، وقد وردت فيه عدة أحاديث، منها حديث ابن عمر: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أي البقاع خير؟ قال: لا أدري، فأتاه جبرئيل فسأله فقال: لا أدري؟ فقال: سل ربك فانتفض جبرئيل انتفاضة" الحديث، أخرجه ابن حبان، وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا"؟ وهو عند الدارقطني والحاكم، فقد تقدم في شرح حديث عبادة من "كتاب العلم" الكلام عليه، انتهى مختصرًا.
قلت: ومثله ما أخرجه الإمام أبو داود (٢) في "باب التخيير بين الأنبياء ﵈" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أدري أتُبّعٌ لَعِينٌ هو أم لا؟ وما أدري أعزير نبي هو أم لا"؟ قال الشيخ في "البذل" (٣): وهذا قبل أن يوحى إليه في أمره، ثم أعلمه الله بعد ذلك أنه أسلم، فقد روى أحمد (٤) من حديث سهل الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم"، وقوله: "أعزير نبي هو أم لا؟ " لعله أعلم بعد ذلك أنه نبي، انتهى من "البذل".
وفي هامش "اللامع" (٥) بعد ذكر أقاويل الشرَّاح في غرض الترجمة:
стр. 3738
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض المصنف بهذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي هل كان للنبي ﷺ حق الاجتهاد أم لا بدّ له من انتظار الوحي؟ ذكر الحافظ الإشارة إلى هذه المسألة في باب سيأتي بعد عدة أبواب من قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إذ قال: ويحتمل أن يكون مراده الإشارة إلى الخلافية المشهورة في أصول الفقه، وهي: هل كان له ﷺ أن يجتهد في الأحكام أم لا؟ انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى هذه المسألة بهذا الباب لا بالباب الآتي، ثم ذكر في هامش "اللامع" تفصيل الأقوال في هذه المسألة، وفيه: قال ابن رسلان في شرح أبي داود تحت حديث: "لولا أن أشقّ على أمتي. . ." إلخ: قد اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال، ثالثها: كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام، ورابعها: الوقف.
وقال النووي في حديث الغيلة: وفيه جواز اجتهاده ﷺ ، وبه قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز لتمكنه من الوحي، والصواب الأول.
وقال أيضًا: أما أمور الدنيا فاتفق العلماء على جواز اجتهاده ﷺ فيها ووقوعه منه، وأما أمور الدين فقال أكثر العلماء بالجواز، وحكاه العيني عن الشافعي وأحمد وأبي يوسف، قال السرخسي في "المبسوط": وهو الصحيح عندنا؛ لأنه إذا جاز لغيره فله ﷺ أولى، وقال جماعة: لا يجوز له لقدرته على اليقين، وحكاه الأبي عن الجبائي وابنه والإمامية، إلى آخر ما فيه، فارجع إليه لو شئت.
(٩ - باب تعليم النبي ﷺ أمته من الرجال والنساء)
قال المهلب: مراده أن العالم إذا كان يمكنه أن يحدِّث بالنصوص، لا يحدث بنظره ولا قياسه، انتهى.
стр. 3739
قال الحافظ (١): والمراد بالتمثيل القياس، وهو إثبات مثل حكم معلوم لآخر لاشتراكهما في علة الحكم، والرأي أعم.
قال الكرماني (٢): موضع الترجمة من الحديث قوله: "كان لها حجابًا من النار" فإنه أمر توقيفي لا يعلم إلا من قبل الله تعالى، لا دخل للقياس والرأي فيه، انتهى.
قال السندي (٣): قوله: "ولا تمثيل" أي: ولا ردّ للمثل إلى مثله، وهو حقيقة القياس، ولهذا اشتهر هذا الاسم بين المناطقة في القياس، انتهى.
(١٠ - باب قول النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ")
هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم عن ثوبان، وبعده: "لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"، وله من حديث جابر مثله، لكن قال: "يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة".
قوله: (وهم أهل العلم) هو من كلام المصنف، وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل - هو البخاري - يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث، وعن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، انتهى من "الفتح" (٤).
(١١ - باب قول الله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥])
ويردّ على ظاهر الترجمة أن محلها "كتاب الفتن".
والأوجه عندي: أن هذه الترجمة بمنزلة التكملة للباب السابق، فإن ظاهر قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" أي: أن يكونوا
стр. 3740
متفقين فيما بينهم، كما يدلّ عليه ظاهر سياق الترجمة الأولى، فنبَّه الإمام البخاري بعقد هذا الباب على أنهم مع ظهورهم على الحق وغلبتهم عليه لا يكونون متفقين فيما بينهم، فهو إشارة إلى اختلاف أهل الحق فيما بينهم؛ لأنه تعالى لم يستجب دعوته ﷺ في عدم اختلاف الأمة ورفع تنازعهم.
وقال الحافظ (١): وجه مناسبته لما قبله أن ظهور بعض الأمة على عدوهم دون بعض يقتضي أن بينهم اختلافًا حتى انفردت طائفة منهم بالوصف؛ لأن غلبة الطائفة المذكورة إن كانت على الكفار ثبت المدعى، وإن كانت على طائفة من هذه الأمة أيضًا فهو أظهر في ثبوت الاختلاف، فذكر بعده أصل وقوع الاختلاف، وأنه ﷺ كان يريد أن لا يقع فأعلمه الله تعالى أنه قضى بوقوعه، وأن كل ما قدّره لا سبيل إلى رفعه، قال ابن بطال: أجاب الله تعالى دعاء نبيه في عدم استئصال أمته بالعذاب، ولم يجبه في أن لا يلبسهم شيعًا، أي: فرقًا مختلفين، انتهى من هامش "اللامع" (٢) بزيادة من "الفتح" (٣).
(١٢ - باب من شبّه أصلًا معلومًا بأصل مبين)
وبهذا الباب استدل من قال: إن الإمام البخاري قائل بالقياس والاجتهاد، وهو الأوجه عند هذا العبد الضعيف، ولهذا ردّ المشايخ قول من عزا إلى الإمام البخاري إنكار القياس والاجتهاد.
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): التشبيه والتمثيل هو القياس عند العرب، وقد احتج المزني بهذين الحديثين اللذين ذكرهما البخاري في الباب على من أنكر القياس، قال: وأول من أنكر القياس إبراهيم النظام، وتبعه بعض المعتزلة، وممن ينسب إلى الفقه داود بن علي، وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة، فقد قاس الصحابة فمن بعدهم من التابعين، وفقها الأمصار، انتهى.
стр. 3741
وقد صرّح الكرماني وغيره من "العيني" و"القسطلاني" (١) أن غرض هذا الباب إثبات القياس.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): عنى بالمعلوم ما أريد علمه واستنباطه، وبالمبين ما هو معلوم من قبل، وقوله: "بيَّن الله حكمها" أي: في الكتاب والسُّنَّة من قبل بيان حكم ذلك الأمر المطلوب علمه، انتهى.
وقال السندي في "حاشيته" (٣): قوله: "معلومًا" أي: مطلوبًا بالعلم والبيان للمخاطب، وقوله: "بأصل مبين" أي: قد بُيِّن للمخاطب من قبل، أو المراد بالمعلوم المعلوم للمتكلم المجيب، وكذا المبين والمطلوب تشبيه المجهول على المخاطب بالمعلوم عنده، مع أن كلًّا منهما معلوم عند المتكلم بدون هذا التشبيه، وإنما يشبه لتفهيم السائل المخاطب، والتوضيح عنده لا لإثبات الحكم كما يقول به أهل القياس، فهذا جواب عن أدلة مثبتي القياس بأن ما جاء من القياس كان للإيضاح والتفهيم، بعد أن كان الحكم ثابتًا في كل من الأصلين، ولم يكن لإثبات الحكم، والله تعالى أعلم، انتهى.
هذا ما أفاده العلامة السندي في الغرض من الترجمة، وأما غيره من أكثر الشرَّاح الحافظان والقسطلاني فقد تقدم أنهم صرّحوا بأن غرض المصنف بهذا الباب إثبات حجية القياس.
(١٣ - باب مما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله. . .) إلخ
كذا في النسخة "الهندية" و"الفتح"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "القضاة". قال القسطلاني (٤): بصيغة الجمع، ولأبي ذر
стр. 3742
ولأبي الوقت: "القضاء" بفتح القاف والضاد والمد وإضافة الاجتهاد إليه، والمعنى الاجتهاد في الحكم، وفيه حذف تقديره اجتهاد متولي القضاء، والاجتهاد بذل الوسع للتوصل إلى معرفة الحكم الشرعي، انتهى.
قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): لا يجوز للقاضي الحكم إلا بعد طلب حكم الحادثة من الكتاب أو السُّنَّة، فإن عدمه رجع إلى الإجماع، فإن لم يجده نظر هل يصحّ الحمل على بعض الأحكام المقررة لعلة تجمع بينهما، فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها إلى آخر ما ذكر، وقال أيضًا: ذكر المصنف في هذا الباب حديثين: الأول للشق الأول، والثاني للثاني، انتهى.
(١٤ - باب قول النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم ")
قال ابن بطال (٣): أعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس.
قال الحافظ: قد وقع معظم ما أنذر به ﷺ ، وسيقع بقية ذلك، انتهى.
(١٥ - باب إثم من دعا إلى ضلالة. . .) إلخ
وهذا الباب عندي تكملة للباب السابق، قال المهلب: هذا الباب والذي قبله في معنى التحذير من الضلال، واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين، انتهى.
стр. 3743
ووجه التحذير أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر، ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده، ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الأصل في إحداثها، انتهى من "الفتح" (١).
وفيه أيضًا ورد فيما ترجم به حديثان بلفظ: وليسا على شرطه، واكتفى بما يؤدي معناهما، وهما ما ذكرهما من الآية والحديث، فأما حديث: "من دعا إلى ضلالة" فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي، وأما حديث: "من سَنَّ سُنَّة سيئة" فأخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي أيضًا من وجه آخر بلفظ: "من سن سُنَّة خير، ومن سن سُنَّة شر" انتهى مختصرًا من "الفتح".
(١٦ - باب ما ذكر النبي ﷺ وحضّ على اتفاق أهل العلم. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال عن المهلب: غرض البخاري بهذا الباب وأحاديثه تفضيل المدينة بما خصها الله به من معالم الدين، وأنها دار الوحي ومهبط الملائكة بالهدى والرحمة، وشرّف الله بقعتها بسكنى رسوله، وجعل فيها قبره ومنبره وبينهما روضة من رياض الجنة.
قال الحافظ: وفضل المدينة ثابت لا يحتاج إلى إقامة دليل خاص، وقد تقدم من الأحاديث في فضلها في آخر الحج ما فيه شفاء، وإنما المراد هنا تقدم أهلها في العلم على غيرهم إلى آخر ما قال.
وما اختاره الحافظ في الغرض من الترجمة به جزم القسطلاني (٣) إذ قال: ومراده من سياق أحاديث هذا الباب تقديم أهل المدينة في العلم على غيرهم في العصر النبوي، ثم بعده قبل تفرق الصحابة في الأمصار، ولا سبيل إلى التعميم كما لا يخفى، انتهى.
стр. 3744
وأما العلامة العيني (١) فإنه قد مالَ إلى رأي المهلب الذي سبق في كلام الحافظ، فإنه ذكر قول المهلب في الغرض من الترجمة، وسكت عليه، فكأنه رضي به.
ثم اعلم أنه يستفاد من كلام بعض الشرَّاح أن غرض المصنف بهذا الباب وأحاديثه بيان مسألة الإجماع، ففي "الفيض" (٢): "باب ما ذكر النبي ﷺ . . ." إلخ، شرع في بيان حجية الإجماع، لا سيما إجماع أهل الحرمين، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الباب ليس من باب الإجماع، بل يأتي مسألة الإجماع قريبًا في "باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .﴾ " إلخ [البقرة: ١٤٣]، بل الغرض عندي من هذا الباب الإشارة إلى اختلافهم في وجوه ترجيح الروايات بعضها على بعض، وإليه يظهر ميل شيخ الهند مولانا محمود الحسن قُدِّس سرُّه رئيس المدرسين في دار العلوم بديوبند ففي تقريره كما حكاه مولانا مشتاق أحمد البنجابي: لما كان غرض المؤلف من هذا الكتاب بيان قواعد الشرع كيف نعلم؟ قال: اعتصموا بالكتاب والسُّنَّة، فهو الآن في هذا الباب يبين قاعدة كلية؛ لأن المسائل إذا تعارضت فينظر إلى اتفاق أهل العلم وإجماعهم، ثم بعد ذلك ينظر إلى عمل أهل الحرمين فيرجح ما اتفقوا عليه، انتهى.
قلت: قال الحازمي (٣) في جملة وجوه الترجيح: الرابع عشر: أن يكون إسناد أحد الحديثين حجازيًا وإسناد الآخر عراقيًا أو شاميًا، سيما إذا كان الحديث مدني المخرج؛ لأنها دار الهجرة ومجمع المهاجرين والأنصار، والحديث إذا شاع عندهم وذاع وتلقوه بالقبول مَتُنَ وقوي، وكان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واهٍ، وإن تداولته الثقات، انتهى.
стр. 3745
وفي هامش "اللامع" (١): وليس هذا من وجوه الترجيح عندنا الحنفية، كما تقدم من كلام العيني من قوله: وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنهم ليسوا حجة على غيرهم لا من طريق النقل ولا من طريق الاجتهاد، إلى آخر ما فيه.
قوله (وقد زيد فيه. . .) إلخ، أي: في الصاع في زمن عمر بن عبد العزيز حتى صار مدًا وثلث مد من الأمداد العمرية، والجملة حالية، قال شيخنا: ومناسبة الحديث للترجمة أن الصاع مما أجمع عليه أهل الحرمين بعد العهد النبوي واستمر، فلما زاد بنو أمية فيه لم يتركوا اعتبار الصاع النبوي فيما ورد فيه التقدير بالصاع من زكاة الفطر وغيرها، بل استمروا على اعتباره في ذلك، انتهى.
(١٧ - باب قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨])
قال ابن بطال (٢): دخول هذه الترجمة في "كتاب الاعتصام" من جهة دعاء النبي ﷺ على المذكورين لكونهم لم يذعنوا للإيمان ليعتصموا به من اللعنة، وأن معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ معنى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، انتهى.
ويحتمل أن يكون مراده الإشارة إلى الخلافية المشهورة في أصول الفقه، وهي: هل كان له ﷺ أن يجتهد في الأحكام أو لا؟ وقد تقدم بسط ذلك قبل ثمانية أبواب، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: وهذا الغرض الأخير قد تقدم عندي في الباب الذي أشار إليه الحافظ بقوله: قبل ثمانية أبواب، وهو "باب ما كان النبي ﷺ يسأل"، وقد تقدم البسط هناك.
стр. 3746
(١٨ - باب قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. . .﴾ [الكهف: ٥٤]) إلخ
ووجه دخول هذه الترجمة عندي ههنا من حيث أنه أشار إلى أنه لا ينبغي للمرء أن يجادل في المجتهدات والمسائل الخلافية، بل ينبغي له التمسك والاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، ذكر المصنف في الباب حديثين: فالأول منهما مطابق للجزء الأول من الترجمة، والثاني للثاني.
قال العيني (١) تحت الحديث الثاني: مطابقته للجزء الثاني للترجمة من حيث إنه ﷺ بلغ اليهود ودعاهم إلى الإسلام فقالوا: بلَّغت، ولم يذعنوا لطاعته، فبالغ في تبليغهم وكرّره، وهذه مجادلة بالتي هي أحسن، انتهى.
وذكره الحافظ أيضًا في "الفتح" (٢) وعزاه إلى المهلب.
(١٩ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .﴾ [البقرة: ١٤٣]) إلخ
قد تقدم قريبًا في "باب ما ذكر النبي ﷺ وحضّ على اتفاق أهل العلم. . ." إلخ، أن غرض الإمام البخاري بهذا الباب عند هذا العبد الضعيف: إثبات حجِّية الإجماع، وهكذا في تقرير شيخ الهند إذ قال: لعل غرض البخاري من هذا الباب بيان أن هذه الأمة مرحومة، وقولهم معتبر في الدنيا كما أن شهادتهم مقبولة في العقبى، وهذا إشارة إلى حجية الإجماع الذي هو أصل رابع في الدين، والله تعالى أعلم.
قلت: وبهذه الآية استدل أهل الأصول على حجية الإجماع كما قال الكرماني (٣).
وقال القسطلاني (٤): والاستدلال بالآية على أن الإجماع حجة؛
стр. 3747
لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله، انتهى.
وفي "نور الأنوار" (١) في بحث الإجماع: وحكمه في الأصل أن يثبت المراد به شرعًا على سبيل اليقين لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وصفهم بالوسطية وهي العدالة، فيكون إجماعهم حجة، وقد ضلّ بعض المعتزلة والروافض فقالوا: إن الإجماع ليس بحجة؛ لأن كل واحد منهم يحتمل أن يكون مخطأ فكذا الجميع، ولا يدرون قوة الحبل المؤلف من الشعرات وأمثاله، انتهى.
وأثبت الرازي في "تفسيره" (٢) حجية الإجماع بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠]، وذكر الحاكم في "المستدرك" (٣) تسعة أحاديث في حجية الإجماع.
وقد بسط الشوكاني الكلام على الإجماع وإجماع أهل المدينة وغيرها في المقصد الثالث من "إرشاد الفحول" (٤)، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٥).
(٢٠ - باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. . .) إلخ
قال الحافظ (٦): في رواية الكشميهني: "العالم" بدل "العامل"، و"أو" للتنويع، وقد تقدم في "كتاب الأحكام" ترجمة إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود، وهي معقودة لمخالفة الإجماع، وهذه معقودة لمخالفة الرسول ﵊، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمة الأولى من باب القضاء، يعني: مجرد قضاء القاضي لا يعتبر، بل هو مردود إلى حكم
стр. 3748
الشرع، وأما هذه الترجمة الثانية فيه من باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة.
والحاصل: أن من اجتهد ثم علم أنه خلاف السُّنَّة فاجتهاده مردود، فقد قال الحافظ: قال ابن بطال (١): مراده أن من حكم بغير السُّنَّة جهلًا أو غلطًا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة، وترك ما خالفها امتثالًا لأمر الله تعالى بإيجاب طاعة رسوله، وهذا هو نفس الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة.
ويمكن أن يقال: إنه أشار بهذه الترجمة الثانية إلى مسألة أصولية شهيرة، وهي: هل المجتهد يخطئ ويصيب أو كل مجتهد مصيب، وإلى هذا أشار صاحب "الفيض" (٢) إذ قال: وعند الترمذي: أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، انتهى.
قال القسطلاني (٣): قال أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وأبو يوسف ومحمد: المسألة التي لا قاطع فيها، كل مجتهد فيها مصيب، ثم قال بعد ما بسط الكلام على المسألة: وقال الجمهور - وهو الصحيح -: المصيب واحد، إلى آخر ما بسطه.
وقال النووي بحثًا على المسألة: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، والمذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه، انتهى.
وفي "نور الأنوار" (٤): المجتهد يخطئ ويصيب، والحق في موضع الخلاف واحد، ولكن لا يعلم ذلك الواحد باليقين، فلهذا قلنا بحقية المذاهب الأربعة، وهذا مما علم بأثر ابن مسعود في المفوضة، انتهى.
قال الحافظ (٥) في شرح الحديث الآتي في الترجمة الآتية: قال المازري (٦): تمسّك به كل من الطائفتين من قال: إن الحق في طرفين،
стр. 3749
ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، أما الأولى فلأنه لو كان كل مصيبًا لم يطلق على أحدهما الخطأ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة، وأما المصوبة فاحتجوا بأنه ﷺ جعل له أجرًا، فلو كان لم يصب لم يؤجر، وأجابوا عن إطلاق الخطأ في الخبر على من ذهل عن النص أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه من القطعيات، انتهى.
وقال الكرماني (١): المراد بالعامل: عامل الزكاة، وبالحاكم: القاضي، وقوله: "فأخطأ" أي: في أخذ واجب الزكاة أو في قضاء.
قال الحافظ (٢): وعلى تقدير ثبوت رواية الكشميهني فالمراد بالعالم: المفتي، أي: أخطأ في فتواه، وقال: وفي الترجمة نوع تعجرف، قلت: ليس فيها قلق إلا في اللفظ الذي بعد قوله: "فأخطأ"، فصار ظاهر التركيب ينافي المقصود؛ لأن من أخطأ خلاف الرسول لا يذم، بخلاف من أخطأ وفاقه، وليس ذلك المراد، وإنما تمّ الكلام عند قوله: "فأخطأ" وهو متعلق بقوله: اجتهد، وقوله: "خلاف الرسول" أي: فقال خلاف الرسول، وحذف "قال" يقع في الكلام كثيرًا فأي عجرفة في هذا، والشارح من شأنه أن يوجه كلام الأصل مهما أمكن، ويغتفر القدر اليسير من الخلل تارةً، ويحمله على الناسخ تارة، وكل ذلك في مقابلة الإحسان الكثير الباهر ولا سيما مثل هذا الكتاب، انتهى.
(٢١ - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): يشير إلى أنه لا يلزم من ردّ حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أجر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير علم لحقه الإثم، كما تقدمت الإشارة إليه، قال ابن المنذر: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالمًا بالاجتهاد،
стр. 3750
وأما إذا لم يكن عالمًا فلا، ومال الخطابي إلى أن العالم إنما يؤجر إذا اجتهد فأصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، وكأنه يرى أن قوله: "وله أجر واحد" مجاز عن وضع الإثم، انتهى مختصرًا.
وفي هامش النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (١): مرّ حديث الباب في أواخر البيوع، وفيه دلالة على أن الحق عند الله واحد، وأن المجتهد يخطئ ويصيب، انتهى.
(٢٢ - باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرةً)
قال الكرماني وتبعه العيني (٢): قوله: "ما كان يغيب. . ." إلخ، عطف على مقول القول و"ما" نافية أو على الحجة فما موصولة، انتهى.
قال الحافظ (٣): و"ما" موصولة، وجوّز بعضهم أن تكون نافية، وأنها من بقية القول المذكور، وظاهر السياق يأباه، وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرًا من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي ﷺ أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمرّ على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية، وإذا تقرّر ذلك قامت الحجة على من قدم عمل الصحابي الكبير على رواية غيره متمسكًا بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لما خالفها.
وقال ابن بطال (٤): أراد الردّ على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي ﷺ وسننه منقولة عنه نقل تواتر، وأنه لا يجوز العمل
стр. 3751
بما لم ينقل متواترًا قال: وقولهم مردود بما صحّ أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد، انتهى.
وقال صاحب "الفيض" (١): قوله: "كانت ظاهرة" فيه ردّ على الباطنية حيث زعموا: أن المراد بالجنة والنار ليس ما يظهر من اسميها، بل هما عبارتان عن نعيم وعذاب معنويين، فردّ عليهم المصنف: أن أحكام النبي ﷺ كلها محمولة على ظاهرها، لا أن لها بواطن تخالف ظواهرها، انتهى.
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة أصولية خلافية، وهي مسألة وجوب تقليد الصحابي، قال صاحب "نور الأنوار" (٢): تقليد الصحابي واجب يترك به القياس، وقال الكرخي: لا يجب [تقليده] إلا فيما لا يدرك إلا بالقياس، وقال الشافعي: لا يقلد أحد منهم سواء كان مدركًا بالقياس أو لا؟ لأن الصحابة كان يخالف بعضهم بعضًا، وليس أحدهم أولى من الآخر فتعين البطلان، انتهى.
فلا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى هذا الأخير بناءً على أن بعضهم لا يشهدون بموضع يشهده غيره، وطالما لا يعرفون المنسوخ من الناسخ.
(٢٣ - باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة. . .) إلخ
كتب مولانا محمد حسن المكي في "تقريره" عن شيخه الكَنكَوهي (٣): قوله: "حجة" أي: في الدين كالقرآن، أما ترك النكير من غيره ﵊ كالصحابة فليس بحجة في الدين، بل هو دليل على أن ذلك مذهبه، انتهى.
стр. 3752
قال الحافظ (١): النكير المبالغة في الإنكار، وقد اتفقوا على أن تقرير النبي ﷺ لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز؛ لأن العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على الإنكار، فلا يقرّ على باطل، فمن ثم قال: "لا من غير الرسول" فإن سكوته لا يدلّ على الجواز.
وأشار ابن التِّين إلى أن الترجمة تتعلق بالإجماع السكوتي، وأن الناس اختلفوا، فقالت طائفة: لا ينسب لساكت قول؛ لأنه في مهلة النظر، وقالت طائفة: إن قال المجتهد قولًا وانتشر لم يخالفه غيره بعد الاطلاع عليه فهو حجة، وقيل: لا يكون حجة حتى يتعدد القيل به، ومحل هذا الخلاف أن لا يخالف ذلك القول نص كتاب أو سُنَّة، فإن خالفه فالجمهور على تقديم النص، واحتج من منع مطلقًا أن الصحابة اختلفوا في كثير من المسائل الاجتهادية، فمنهم من كان ينكر على غيره إذا كان القول عنده ضعيفًا، وكان عنده ما هو أقوى منه من نص كتاب أو سُنَّة، ومنهم من كان يسكت، فلا يكون سكوته دليلًا على الجواز لتجويز أن يكون لم يتضح له الحكم، فسكت لتجويز أن يكون ذلك القول صوابًا وإن لم يظهر له وجهه، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): قوله: "حجة" لأنه لا يقر أحدًا على باطل سواء استبشر به مع ذلك أم لا، لكن دلالته مع الاستبشار أقوى، وقد تمسك الشافعي في القيافة واعتبارها في النسب بكلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدلجي، وسواء كان المسكوت عنه ممن يغريه الإنكار أو لا، كافرًا كان أو منافقًا، والقول باستثناء من يزيده الإنكار إغراءً، حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة بناء على أنه لا يجب إنكاره عليه للإغراء، قال: والأظهر أنه يجب إنكاره عليه ليزول توهم الإباحة والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرًا أو منافقًا قول إمام الحرمين بناءً على أن الكافر غير مكلف بالفروع، إلى آخر ما ذكر.
стр. 3753
وفي "نور الأنوار" (١): ركن الإجماع نوعان: عزيمة: وهو التكلم منهم بما يوجب الاتفاق إن كان ذلك الشيء من باب القول، أو شروعهم في الفعل إن كان من بابه، ورخصة: وهو أن يتكلم أو يفعل البعض دون البعض، أي: يتفق بعضهم على قول أو فعل وسكت الباقون منهم، ويسمى هذا إجماعًا سكوتيًا، وهو مقبول عندنا، وفيه خلاف الشافعي، انتهى مختصرًا.
(٢٤ - باب الأحكام التي تعرف بالدلائل. . .) إلخ
قال الكرماني (٢): قوله: "بالدلائل" أي: بالملازمات الشرعية أو العقلية، قال ابن الحاجب وغيره: الأدلة المتفق عليها خمسة: الكتاب والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، وذلك كما إذا علم ثبوت الملزوم شرعًا أو عقلًا علم ثبوت لازمه عقلًا أو شرعًا، وقوله: "كيف معنى الدلالة. . ." إلخ، ومعنى الدلالة هو كإرشاد النبي ﷺ أن الخاص وهو الحمير حكمه داخل تحت حكم العام، وهو ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآية [الزلزلة: ٧]، فإن من ربطها في سبيل الله فهو عامل للخير، يرى جزاءه خيرًا، ومن ربطها فخرًا ورياءً فهو عامل للشر جزاؤه شر، وأما تفسيرها فكتعليم عائشة ﵂ للمرأة السائلة التوضوء بالفرصة، انتهى.
قال الحافظ (٣): الدلالة في عرف الشرع الإرشاد إلى أن حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نصٌّ خاصٌّ داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم، فهذا معنى الدلالة، وأما "تفسيرها" فالمراد به تبيينها، وهو تعليم المأمور كيفية ما أمر به، وإلى ذلك الإشارة في ثاني أحاديث الباب، ويستفاد من الترجمة بيان الرأي المحمود، وهو ما يؤخذ مما ثبت عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله بطريق التنصيص وبطريق الإشارة، فيندرج في
стр. 3754
ذلك الاستنباط، ويخرج الجمود على الظاهر المحض، انتهى.
وفي تقرير شيخ الهند نوَّر الله مرقده (١): قوله: "باب الأحكام. . ." إلخ، هذا أيضًا قاعدة كلية من القواعد الشرعية؛ لأن الأعمال قد تعرف بالدلالة من الحديث، وقال مولانا سلمه الله تعالى: إن البخاري لم يكتف بذكر أن مدار الدين الوحي، بل حتى القواعد أيضًا، أثبتها من الأحاديث، ولله دره، انتهى.
وما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري قد أشار في "كتاب الاعتصام" بتراجم عديدة إلى مسائل الأصول كما ترى، فهكذا أشار بهذه الترجمة إلى أمرين قد نبَّه عليهما أصحاب الأصول، الأول: ما قالوا: إن أصول الشرع أربعة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، وأشار إلى هذه الأربعة بقوله: "التي تعرف بالدلائل"، ولما كان الكلام على هذه الأربعة قد تقدم من مبدأ كتاب الاعتصام إلى ههنا، أشار إليها بقوله: "التي تعرف بالدلائل"، والأمر الثاني: هو ما ذكروه من تقسيم الاستدلال من الكتاب والسُّنَّة إلى أقسام عديدة معروفة عندهم من عبارة النص وإشارته ودلالته واقتضائه، فأشار إلى هذا الأمر الثاني بقوله: "وكيف معنى الدلالة. . ." إلخ.
(٢٥ - باب قول النبي ﷺ : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وغيره من حديث جابر: أن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به،
стр. 3755
والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني"، ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفًا، قال ابن بطال عن المهلب: هذا النهي إنما هو في سؤالهم عما لا نصّ فيه؛ لأن شرعنا مكتف بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نصّ ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة.
وأما قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] فالمراد به من آمن منهم، والنهي إنما هو عن سؤال من لم يؤمن منهم، ويحتمل أن يكون الأمر يختص بما يتعلق بالتوحيد والرسالة المحمدية وما أشبه ذلك، والنهي عما سوى ذلك، انتهى.
قلت: وقد تقدم مني أن الإمام البخاري طالما أشار في هذا الكتاب إلى المسائل الأصولية، فهكذا ههنا عندي أنه أشار إلى مسألة أخرى خلافية، وهي شرائع من قبلنا هل تلزمنا مطلقًا أو لا؟ ففي "نور الأنوار" (١): قال بعضهم: تلزم علينا مطلقًا، وقال بعضهم: لا تلزمنا قط، والمختار أن شرائع من قبلنا تلزمنا إذا قصّ الله ورسوله من غير إنكار، وهذا أصل كبير لأبي حنيفة يتفرع عليه أكثر الأحكام الفقهية، فمثال ما لم ينكر علينا بعد نقل القصة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فهذا كله باق علينا، ومثال ما أنكره علينا بعد القصة قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فعلم أنه لم يكن حرامًا علينا، إلى آخر ما قال.
وقال الحافظ ابن كثير (٢) تحت قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ الآية [المائدة: ٤٥]: وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن
стр. 3756
الجمهور، وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالًا عن الشافعي وأكثر الأصحاب، ورجّح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم، انتهى.
(٢٦ - باب نهي النبي ﷺ عن التحريم إلا ما تعرف إباحته)
هكذا هذه الترجمة ههنا في النسخ الهندية، وقد اختلفت نسخ الشروح ههنا، ففي نسخة "العيني" و"القسطلاني" ههنا: "باب كراهية الخلاف".
قال القسطلاني (١): وهذا الباب - أي: كراهية الخلاف - عند أبي ذر بعد "باب نهي النبي ﷺ عن التحريم" وقبل هذا الباب المذكور "باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الشورى: ٣٨] "، انتهى.
قلت: وبهذا الترتيب الذي أشار إليه القسطلاني وقع في نسخة "الفتح"، ففيه ذكر أولًا "باب قول الله ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ " وثانيًا "باب نهي النبي ﷺ . . ." إلخ، وثالثًا "باب كراهية الاختلاف".
قال الحافظ (٢): وقع في بعض النسخ في هذه الأبواب الثلاثة الأخيرة تقديم وتأخير، والخطب فيها سهل، انتهى.
قوله: (عن التحريم) هكذا بلفظ "عن" في النسخ الهندية، وهكذا في نسخة متن الكرماني، وفي هامش الهندية (٣) عن "الخير الجاري": متعلق بمحذوف، أي: ينبئ عن التحريم، وفي نسخ الشروح الأربعة بلفظ "على" بدل "عن"، وعليها بنوا شروحهم إذ قالوا: أي: محمول على التحريم،
стр. 3757
والمعنى أن نهيه ﷺ محمول على التحريم إلا ما يعرف كراهته بقرائن، وكذا أمره إيجاب إلا ما يعرف إباحته بالقرائن.
قال الحافظ (١): وقد أنهى بعض الأصوليين صيغة الأمر إلى سبعة عشر وجهًا، والنهي إلى ثمانية أوجه، ونقل القاضي أبو بكر ابن الطيّب عن مالك والشافعي: أن الأمر عندهما على الإيجاب والنهي على التحريم حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، وقال ابن بطال (٢): هذا قول الجمهور، وقال كثير من الشافعية وغيرهم: الأمر على الندب، والنهي على الكراهة، حتى يقوم دليل الوجوب في الأمر، ودليل التحريم في النهي، وتوقف كثير منهم، انتهى.
وفي "نور الأنوار" (٣): موجب الأمر الوجوب عند العامة لا الندب، كما ذهب إليه البعض وهم أكثر المعتزلة، ويروى عن الشافعي في قول، ولا الإباحة كما ذهب إليه بعض، كما نقل عن بعض أصحاب مالك، إلى آخر ما ذكر.
(٢٧ - باب كراهية الاختلاف)
قال الحافظ (٤): ولبعضهم الخلاف، أي: في الأحكام الشرعية أو أعم من ذلك، انتهى.
ثم لا يذهب عليك الفرق بين هذا الباب وبين ما تقدم من باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فإنه أخص منه هذا، وكذا ما تقدم قبله من "باب قول الله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ " [الأنعام: ٦٥] فإن غرضه عندي خاص كما تقدم هناك.
стр. 3758
(٢٨ - باب قول الله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. . .﴾ [الشورى: ٣٨]) إلخ
قال الحافظ (١): أما الآية الأولى فأخرج البخاري في "الأدب المفرد" وابن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن قال: "ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم"، وفي لفظ: "إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع"، وأما الآية الثانية فأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن الحسن أيضًا قال: قد علم أنه ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده، وفي حديث أبي هريرة: "ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من النبي ﷺ "، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع.
وقد اختلف في متعلق المشاورة فقيل: في كل شيء ليس فيه نص، وقيل: في الأمر الدنيوي فقط، وقال الداودي: إنما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم، قال: ومن زعم أنه كان يشاورهم في الأحكام فقد غفل غفلة عظيمةً، وقال غيره: اللفظ وإن كان عامًّا لكن المراد به الخصوص للاتفاق على أنه لم يكن يشاورهم في فرائض الأحكام، قال الحافظ: وفي هذا الإطلاق نظر، فقد أخرج الترمذي وحسّنه وصحّحه ابن حبان من حديث علي قال: "لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] قال لي النبي ﷺ : ما ترى دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]، قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة"، ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الأحكام، انتهى.
وهذا آخر "كتاب الاعتصام" الذي هو آخر كتاب من هذا "الجامع الصحيح" كما تقدم في مبدأ الكتاب، أما براعة الاختتام فعند الحافظ في قوله: "سبحانك هذا بهتان عظيم" والتسبيح مشروع في الختام، فلذلك ختم
стр. 3759
به "كتاب التوحيد"، والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما عنه مرفوعًا: "من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللَّهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك"، قاله الحافظ ابن حجر (١).
وما ظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى يذكر الرجل في آخر كل كتاب موته كما تقدم غير مرة، فهكذا ههنا في آخر "كتاب الاعتصام" تحصل هذه البراعة عندي من حديث قصة الإفك إذ في تمامه إشارات كثيرة مذكرة للموت تظهر بالتأمل لمن يعتبر.
* * *
стр. 3760
٩٧ - كتاب الرد على الجهميّة وغيرهم
يأتي قريبًا ذكر اختلاف النسخ، وقد تقدّم في مبدأ "كتاب الاعتصام" أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الكتاب ليس بكتاب مستأنف بل هو بمنزلة التكملة لكتاب الاعتصام، فكن منه على ذكر، وفي هامش النسخة "الهندية" (١) عن الكرماني: لما فرغ البخاري من مسائل أصول الفقه شرع في مسائل أصول الكلام وما يتعلق بها، وبذلك ختم كتابه، فإن قلت: الأولى تقديم الكلاميات على سائر ما في الجامع؛ لأنها الأصل والأساس والكل متفرع عنه مبني عليه، فالوضع الطبيعي أن يقدم مسائل أصول الكلام على مسائل أصول الفقه، ثم هو على مسائل الفقه ونحوها من سائر العمليات، قلت: لعله من باب الترقي إرادةً لختم الكتاب بالأشرف وختامه مسك.
ثم إنه قدّم التوحيد على غيره؛ لأنه أصل الأصول، وهو معنى كلمة الشهادة التي هي شعائر الإسلام، إلى آخر ما ذكر من تقسيم الصفات إلى عدمية ووجودية وغير ذلك.
ثم اعلم أنه اختلفت النسخ ههنا ففي النسخ الهندية "كتاب الرد على الجهمية وغيرهم التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ . . ." إلخ، وفي النسخ المصرية من المتون والشروح: "كتاب التوحيد، باب ما جاء. . ." إلخ.
قال الحافظ (٢): كذا للنسفي وحماد بن شاكر، وعليه اقتصر الأكثر عن الفربري، وزاد المستملي: "الردّ على الجهمية وغيرهم"، ووقع لابن بطال وابن التِّين: "كتاب رد الجهمية وغيرهم التوحيد" وضبطوا
стр. 3761
التوحيد بالنصب على المفعولية، وظاهره معترض؛ لأن الجهمية وغيرهم من المبتدعة لم يردوا التوحيد، وإنما اختلفوا في تفسيره، وحجج الباب ظاهرة في ذلك، انتهى.
ثم قال الحافظ (١): قال الكرماني (٢): "الجهمية" فرقة من المبتدعة ينتسبون إلى جهم بن صفوان، مقدم الطائفة القائلة أن لا قدرة للعبد أصلًا، وهم الجبرية.
قال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصةً، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات، حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق.
وقد ذكر أبو منصور عبد القاهر في كتابه "الفرق بين الفرق": أن رؤوس المبتدعة أربعة إلى أن قال: والجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال: لا فِعْلَ لأحد غير الله تعالى، وإنما ينسب الفعل إلى العبد مجازًا، وزعم أن علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، حتى قال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، قال: وأصفه بأنه خالق ومحي ومميت وموحد بفتح المهملة الثقيلة؛ لأن هذه الأوصاف خاصة به، وزعم أن كلام الله حادث، ولم يسم الله متكلمًا.
قال البخاري في "كتاب خلق أفعال العباد": بلغني أن جهمًا كان يأخذ عن الجعد بن درهم، وكان خالد القسري وهو أمير العراق خطب فقال: إني مضح بالجعد؛ لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك، وقتل جهم كان بعد ذلك بمدة، وأسند أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السُّنَّة" له: أن قتل جهم كان في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، والمعتمد ما ذكره الطبري أنه كان
стр. 3762
في سنة ثمان وعشرين، وذكر ابن أبي حاتم أن قصة جهم كانت سنة ثلاثين ومائة، ونقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال: قال عبد الله بن المبارك:
ولا أقول بقول الجهم إن له … قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا
وعن ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ونستعظم أن نحكي قول جهم، وعن عبد الله بن شوذب قال: ترك جهم الصلاة أربعين يومًا على وجه الشك، وأخرج ابن أبي حاتم في "كتاب الردّ على الجهمية" من طريق خلف بن سليمان البلخي قال: كان جهم من أهل الكوفة وكان فصيحًا، ولم يكن له نفاذ في العلم، فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، انتهى.
وأيضًا نقل عنه أنه قال: إن أسماء الله تعالى مخلوقة؛ لأن الاسم غير المسمى، وقال: لو قلت: إن لله تسعة وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا، كما سيأتي في "باب إن لله مائة اسم. . ." إلخ.
قوله: (وغيرهم) قال الحافظ (١): والمراد بقوله: "وغيرهم" القدرية، وأما الخوارج فتقدم ما يتعلق بهم في "كتاب الفتن"، وكذا الرافضة تقدم ما يتعلق بهم في "كتاب الأحكام"، وهؤلاء الفرق الأربع هم رؤوس البدعة، وقال أيضًا: قال ابن حزم في "كتاب الملل والنحل": فرق المقرين بملة الإسلام خمس: أهل السُّنَّة، ثم المعتزلة ومنهم القدرية، ثم المرجئة، ومنهم الجهمية والكرامية، ثم الرافضة ومنهم الشيعة، ثم الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضية، ثم افترقوا فرقًا كثيرة إلى أن قال: وفي مقالاتهم ما يخالف أهل السُّنَّة الخلاف البعيد والقريب، فأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط، وليست العبادة من الإيمان، وأبعدهم الجهمية القائلون بأن الإيمان عقد بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية، انتهى.
стр. 3763
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): ثم إن المقصود بالردّ هنا ليس هو طائفة مخصوصة من أهل البدع، بل كل من أدّى إليه فكر المؤلف وقت ذكر الحديث، فكن على ذكر من ذلك، انتهى.
قوله: (التوحيد) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: هذا بيان التوحيد، فإن الكتاب لما كان وضعه للردّ عليهم وهم أنكروا صفاته ﵎، وأثبتوا للخلق قوة الخلق دون الاكتساب فقط كما هو مسلك أهل السُّنَّة والجماعة، أراد أن يردّ على هؤلاء زعمهم الباطل، انتهى.
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي": قوله: "التوحيد" بالنصب ظرف للردّ، معناه كتاب الرد عليهم في التوحيد، أي: في باب التوحيد بإثبات الصفات له تعالى التي أنكرها الجهمية، انتهى.
قلت: وعلى هذا لا يرد ما أورد الحافظ كما تقدم من قوله: "ظاهره معترض. . ." إلخ، فللَّه در الشيخ قُدِّس سرُّه، وأورد العلامة العيني (٣) على قول الحافظ بقوله: لا اعتراض عليها فإن من الجهمية طائفة يردون التوحيد، انتهى.
وقال صاحب "الفيض" (٤): "التوحيد" بالنصب والرفع، أما النصب فبناء على أنه مفعول للردّ، أي: هذا كتاب في الرد على توحيدهم الذي اعتقدوه، وأما الرفع فلعطفه على كتاب الردّ، أي: الردّ عليه هو التوحيد، انتهى.
وقد تقدم في بيان اختلاف النسخ أن الواقع في أكثر النسخ من المتون والشروح بلفظ "كتاب التوحيد"، فقال صاحب "الخير الجاري" كما في "هامش النسخة الهندية" (٥): وعنوان الكتاب بالتوحيد بمنزلة عنوان
стр. 3764
المتكلمين بالإلهيات، فكما يذكرون فيها مباحث الذات والصفات والنبوات وخلق الأعمال والحشر والميزان فكذا ذكر البخاري في هذا الكتاب المعنون بكتاب التوحيد الأمور المذكورة، وليكن هذا عندك أصلًا حتى لا تحتاج في كل مقام إلى تكلف مال إليه الشرَّاح، انتهى.
فائدة: وللإمام ابن أبي حاتم أيضًا تأليف باسم "كتاب الرد على الجهمية"، وقد أكثر الحافظ في الأخذ عنه في شرح التراجم الآتية.
(١ - باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله. . .) إلخ
قال القسطلاني (١): وهو الشهادة بأن الله واحد، ومعنى أنه تعالى واحد كما قاله بعضهم نفي التقسيم لذاته، ونفي التشبيه عن حقه وصفاته، ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته، فلا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات، ولا فعل لغير حتى يكون شريكًا له في فعله أو عديلًا له، وهذا هو الذي تضمنته سورة الإخلاص من كونه واحدًا صمدًا إلى آخرها، فالحق مخالف لمخلوقاته كلها مخالفة مطلقة، انتهى.
قلت: وقد تقدم في شرح قوله: "التوحيد" بالنصب أن المقصود الردّ على توحيد المبتدعة لا ردّ التوحيد مطلقًا، ومن ههنا شرع المصنف في الردّ على تلك الفرق الباطلة المذكورة في صدر الكتاب، فابتدأ بإثبات التوحيد الذي يقول به أهل السُّنَّة والجماعة على رغم أنف هؤلاء الفرق الباطلة، وأيضًا يخطر ببالي في الغرض من الترجمة أن الإمام البخاري ترجم بذلك دفعًا لما يتوهم مما تقدم من لفظ الردّ على الجهمية التوحيد أنه أثبت في هذا الكتاب ردّ التوحيد - والعياذ بالله - فأتى بهذه الترجمة دفعًا لهذا الإيهام الموحش.
стр. 3765
(٢ - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠])
قال ابن بطال (١): غرضه في هذا الباب إثبات الرحمة، وهي من صفات الذات، قال: والمراد برحمته إرادته نفع من سبق في علمه أنه ينفعه، وأما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده فهي من صفات الفعل، وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده، وهي رقة على المرحوم، وهو منزّه عن الوصف بذلك، فتتأول بما يليق به، انتهى من "الفتح" (٢).
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي" (٣): هذا شروع في إثبات الصفات له تعالى، وكان قبل هذا إثبات توحيد الذات، انتهى.
ثم إنه قد يشكل ههنا من أن مسألة الصفات من باب الاعتقاد، وقد أثبتها المصنف بأحاديث الباب، وهي من قبيل أخبار الآحاد التي لا تنتهض حجة في الاعتقاديات، وقد تعرض لهذا الإشكال والجواب عنه الحافظ قُدِّس سرُّه فأجاد حيث قال (٤): والذي يظهر من تصرف البخاري في "كتاب التوحيد" أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة، فيدخل كل حديث منها في باب، ويؤيده بآية من القرآن للإشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسُّنَّة جميعًا، وقد أخرج ابن أبي حاتم في "كتاب الردّ على الجهمية" بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع، وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
стр. 3766
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ونحو ذلك، فلم يزل - أي: سلام بن مطيع - يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس، انتهى.
ثم إنه قد تقدم في كلام الحافظ في الغرض من الترجمة من قول ابن بطال، وهو إثبات الرحمة، ثم قال الحافظ (١) في آخر الباب: وكأن المصنف لمح في هذه الترجمة بهذه الآية إلى ما ورد في سبب نزولها عن ابن عباس: أن المشركين سمعوا رسول الله ﷺ يدعوا: يا الله يا رحمن، فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحدٍ وهو يدعوا إلهين، فنزلت، انتهى.
قلت: لعل الحافظ أراد بهذا أن المصنف أشار بهذه الآية بحسب شأن نزولها إلى إثبات التوحيد، فهذا غرض آخر غير ما تقدم عن ابن بطال، لكن روايات الباب تؤيد قول ابن بطال.
(٣ - باب قول الله: (إني أنا الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات: ٥٨])
كذا في النسخة "الهندية"، وهكذا في نسخة "القسطلاني" وفي نسخة "الفتح" والعيني بلفظ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾.
قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر والأصيلي على وفق القراءة المشهورة، ووقع في رواية القابسي: "إني أنا الرزاق. . ." إلخ، وجزم به الصغاني، وزعم أن الذي وقع عند أبي ذر وغيره من تغييرهم لظنهم أنه خلاف القراءة، قال: وقد ثبت ذلك قراءة عن ابن مسعود، وقلت: ذكر أن النبي ﷺ أقرأه كذلك، كما أخرجه أحمد وأصحاب السنن.
قال ابن بطال (٣): تضمن هذا الباب صفتين لله تعالى: صفة ذات،
стр. 3767
وصفة فعل، فالرزق فعل من أفعاله تعالى، فهو من صفات فعله، والقوة من صفات الذات، وهي بمعنى القدرة، انتهى مختصرًا.
قلت: والأوجه عندي: أن الترجمة تتعلق بالأولى فقط، فإن صفة القوة سيأتي قريبًا في "باب قل هو القادر، إذ قالوا: إن القوة والقدرة واحد"، وعلى هذا فلا يلزم التكرار في الترجمة.
(٤ - باب قول الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦])
فيه إثبات صفة العلم لله تعالى، والردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم، وأنكر الجهمية أيضًا كونه عالمًا.
قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): في هذه الآيات إثبات علم الله تعالى، وهو من صفات ذاته، خلافًا لمن قال: إنه عالم بلا علم، ثم إذا ثبت أنّ علمه قديم وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته بدلالة هذه الآيات.
وبسط الحافظ ههنا الكلام على هذه المسألة وذكر شبهات المخالفين وتأويلاتهم الباطلة مع الردّ عليهم فارجع إليه لو شئت.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): ولا يخلو أكثر أحاديث الباب - أي: كتاب الردّ على الجهمية - من إثبات شيء من الصفات أو التقدير أو غير ذلك مما هو مفيد في الردّ على فرق أهل البدع، انتهى.
قلت: وهو كذلك فإن جميع أبواب هذا الكتاب تبلغ ثمانية وخمسين، وكلّها ردّ على أحد من أهل البدع أو إثبات لصفة من صفاته ﵎، ثم ذكر في هامش "اللامع" الكلام على جميع هذه الأبواب بابًا بابًا بالإجمال، فارجع إليه لو شئت الكلام الجملي على هذه الأبواب.