وفي هامش النسخة "الهندية" (١): قوله: "وقال بعض الناس. . ." إلخ، أراد به الحنفية، وليس غرضه من هذا إلا التشنيع عليهم، وحاصل غرض البخاري إثبات المناقضة فيما قاله الحنفية، فإنهم قالوا: كتاب القاضي جائز إلا في الحدود، ثم قالوا: إن كان القتل خطأ يجوز فيه؛ لأن قتل الخطأ في نفس الأمر لعدم القصاص فيه ملحق بسائر الأموال، والجواب أن يقال: لا نسلم أن الخطأ والعمد واحد فإن مقتضى العمد القصاص، ومقتضى الخطأ عدم القصاص ووجوب المال، وأي نسبة بين المال وبين القصاص، انتهى مختصرًا.
قوله: (يجيزون كتب القضاء بغير محضر من الشهود. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض" (٢): وهذا غير مختار عندنا، بل لا بد من شهود الكتابة عندنا، انتهى.
(١٦ - باب متى يستوجب الرجل القضاء. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: متى يستحق أن يكون قاضيًا، قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب "آداب القضاء" له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافًا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئًا لكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله حافظًا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالمًا بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن، فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسُّنَّة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة بهم، ويكون حافظًا للسانه وبطنه وفرجه، فهمًا بكلام الخصوم، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه
стр. 3694
ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم.
قال ابن العربي: واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيًا، والأصل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير، وحجة الجمهور الحديث الصحيح: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، انتهى.
وفي "حاشية البجيرمي" (١) من فروع الشافعية: ولا يجوز أن يلي القضاء إلا من استكمل فيه خمس عشرة خصلة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعدالة، ومعرفة أحكام الكتاب والسُّنَّة، ومعرفة الإجماع والاختلاف، ومعرفة طرق الاجتهاد، ومعرفة طرف من لسان العرب، ومعرفة تفسير كتاب الله تعالى، وأن يكون سميعًا، وبصيرًا، وأن يكون كاتبًا، والخامسة عشرة أن يكون متيقظًا، انتهى.
وفي "البدائع" (٢) من فروع الحنفية: الصلاحية للقضاء لها شرائط: منها: العقل، ومنها: البلوغ، ومنها: الإسلام، ومنها: الحرية، ومنها: البصر، ومنها: النطق، ومنها: السلامة عن حد القذف؛ لأن القضاء من باب الولاية بل هو أعظم الولايات، وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات، وهي الشهادة، فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى، وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة.
وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز بل شرط الندب والاستحباب، وعند
стр. 3695
أصحاب الحديث كونه عالمًا بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك شرط جواز التقليد، كما قالوا في الإمام الأعظم، وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا في القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، وكذا العدالة عندنا ليست بشرط الجواز لكنها شرط الكمال، انتهى مختصرًا.
قوله: (وقرأ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ. . .﴾ [المائدة: ٤٤]) إلخ، قال صاحب "الفيض" (١): ذكر ابن خلدون في مقدمته: أن اليهود كانوا تفرقوا فرقتين: منهم من كان يعمل بالقياس، ويسمى بالربانيين، ومنهم من كان ينكره، ويقال لهم: الأحبار، وأبعد ابن حزم حيث شدد الكلام في القائسين ومن دان دينهم، انتهى.
(١٧ - باب رزق الحاكم والعاملين عليها. . .) إلخ
هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين، وقال المطرزي: الرزق ما يخرجه الإمام كل شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يخرجه كل عام، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ عطفًا على الحاكم، أي: ورزق العاملين عليها، أي: على الحكومات، ويحتمل أن يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات، وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]، قال الطبري: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرمه، قال
стр. 3696
المهلب: وجه الكراهة أنه محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١) في شرائط الأخذ إذا كانت في مال بيت المال شبهة.
(١٨ - باب من قضى ولاعن في المسجد)
قال الحافظ (٢): الظرف يتعلق بالأمرين، فهو من تنازع الفعلين، ويحتمل أن يتعلق بـ "قضى" لدخول "لاعن" فيه، فإنه من عطف الخاص على العام، قال ابن بطال: استحب القضاء في المسجد طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم؛ لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف، وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان الاحتجاب، قال: وبه قال أحمد وإسحاق، وكرهت ذلك طائفة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك، وقال الشافعي: أحب إليّ أن يقضى في غير المسجد لذلك، انتهى.
وفي "الهداية" (٣): ويجلس للحكم جلوسًا ظاهرًا في المسجد، كيلا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين، والمسجد الجامع أولى لأنه أشهر، وقال الإمام الشافعي: يكره الجلوس في المسجد للقضاء إلى أن قال: وكان رسول الله ﷺ يفصل الخصومة في معتكفه، وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد، لفصل الخصومات، ولأن القضاء عبادة، إلى آخر ما ذكر.
قلت: وقد تقدم نحو هذا الباب في أبواب المساجد بلفظ "باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء"، ذكر صاحب "الفيض" (٤) ههنا تحت ترجمة الباب: وافق أبا حنيفة في أن القضاء عبادة، فيصح في
стр. 3697
المسجد، فإن كان المدعى عليه ممن لا يجوز له الدخول في المسجد كالحائض يخرج إليه أو يرسل نائبه، وقال الشافعية: إنه ليس بعبادة فلا يقضى في المسجد، انتهى.
(١٩ - باب من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حدٍّ أمر أن يخرج. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كأنه يشير بهذه الترجمة إلى من خصّ جواز الحكم في المسجد بما إذا لم يكن هناك شيء يتأذى به من في المسجد أو يقع به للمسجد نقص كالتلويث، انتهى.
وتعقب عليه العلامة العيني (٢) فارجع إليه لو شئت، وقال تحت حديث الباب: قوله: "كنت فيمن رجمه بالمصلى. . ." إلخ، مطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.
وقال القسطلاني (٣) تحت قوله: "اذهبوا به فارجموه. . ." إلخ، وإنما أمر بإخراجه من المسجد؛ لأن الرجم فيه يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يناسب المسجد، فلا يلزم من تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود، فليتأمل مع الترجمة، ثم ذكر اختلاف العلماء في إقامة الحدود في المسجد.
قال الحافظ (٤) تحت شرح حديث الباب: قال ابن بطال: ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق، وأجازه الشعبي وابن أبي ليلى، وقال مالك: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود فليكن ذلك خارج المسجد، وفي الباب حديثان ضعيفان في النهي عن إقامة الحدود في المساجد، انتهى.
والمشهور فيه حديث مكحول عن أبي الدرداء وواثلة وأبي أمامة
стр. 3698
مرفوعًا: "جنبوا مساجدكم صبيانكم" الحديث، وفيه: "وإقامة حدودكم" أخرجه البيهقي في "الخلافيات"، وأصله في ابن ماجه من حديث واثلة، وليس فيه ذكر الحدود، وسنده ضعيف، انتهى من "الفتح".
وفي "الفيض" (١): قوله: "كنت فيمن رجمه بالمصلى. . ." إلخ، كتب بين السطور: أن مصلى الجنائز هو البقيع، قلت: وهو غلط بل البقيع غيره كما عرف، انتهى.
قلت: وهو كذلك فقد تقدم في "باب الرجم بالمصلى" قول القسطلاني (٢): أي: عند مصلى العيد والجنائز وهي من جهة بقيع الغرقد، انتهى.
(٢٠ - باب موعظة الإمام للخصوم)
قال القسطلاني (٣): ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، فينبغي للحاكم أن يعظ الخصمين ويحذرهما من الظلم وطلب الباطل اقتداء به ﷺ ، انتهى.
(٢١ - باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء)
وفي "الفيض" (٤): يعني: إذا كانت عند القاضي شهادة في أمر لا يسع [له] أن يقضي بها بنفسه، ولكنه يؤديها بمحضر قاض آخر أو نائبه، ثم يحق بها ذلك القاضي، انتهى.
قال الحافظ (٥): أي: هل يقضي له على خصمه بعلمه ذلك أو يشهد له عند حاكم آخر؟ هكذا أورد الترجمة مستفهمًا بغير جزم لقوة الخلاف في المسألة، وإن كان آخر كلامه يقتضي اختيار أن لا يحكم بعلمه فيها، انتهى.
стр. 3699
قلت: وقد تقدم مذاهب الأئمة في قضاء القاضي بعلمه قريبًا في "باب من رأى القاضي أن يحكم بعلمه. . ." إلخ، وقال الحافظ (١): اتفقوا على أنه يقضي في قبول الشاهد وردّه بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية، ومحصل الآراء في هذه المسألة سبعة، إلى آخر ما ذكرها.
قوله: (قال عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر. . .) إلخ، بسط العلامة السندي (٢) في شرح هذا الكلام وتوجيهه فارجع إليه لو شئت.
قوله: (ولم يذكر أن النبي ﷺ أشهد من حضره) في "الفيض" (٣): وهذه مسألة أخرى، وهي أنه لا يجب على القاضي أن يعيد جميع قصة المتخاصمين بين يدي الشاهدين، انتهى.
(٢٢ - باب أمر الوالي إذا وجّه أميرين إلى موضع)
قال ابن بطال (٤) وغيره: في الحديث الحضّ على الاتفاق لما فيه من ثبات المحبة والألفة والتعاون على الحق، وفيه جواز نصب قاضيين في بلد واحد، فيقعد كل منهما في ناحية، وقال ابن العربي: كان النبي ﷺ أشركهما فيما ولاهما، فكان ذلك أصلًا في تولية اثنين قاضيين مشتركين في الولاية، كذا جزم به، قال: وفيه نظر لأن محل ذلك فيما إذا نفذ حكم كل منهما فيه، لكن قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون ولاهما ليشتركا في الحكم في كل واقعة، ويحتمل أن يستقل كل منهما بما يحكم به، ويحتمل أن يكون لكل منهما عمل يخصه، والله أعلم كيف كان.
وقال ابن التِّين: جاء في غير هذه الرواية أنه أقرّ كلًا منهما على مخلاف، والمخلاف الكورة، وكان اليمن مخلافين، قال الحافظ: وهو المعتمد، والرواية التي أشار إليها تقدمت في غزوة حنين باللفظ المذكور،
стр. 3700
انتهى من "الفتح" (١).
وفي "منهاج الطالبين" (٢) للإمام النووي: ولو نصب قاضيين في بلد وخصّ كلًا بمكانٍ أو زمان أو نوع جاز، وكذا إن لم يخصّ في الأصح إلا أن يشترط اجتماعهما على الحكم، انتهى.
(٢٣ - باب إجابة الحاكم الدعوة)
الأصل فيه عموم الخبر وورد الوعيد في الترك، قال العلماء: لا يجيب الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما في ذلك من كسر قلب من لم يجبه، إلا إن كان له عذر في ترك الإجابة كرؤية المنكر، قال ابن بطال: عن مالك: لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة خاصةً، ثم إن شاء أكل وإن شاء ترك، والترك أحبّ إلينا لأنه أنزه، إلا أن يكون لأخٍ في الله أو خالص قرابة أو مودة، وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم، انتهى من "الفتح" (٣)، وقد تقدمت المذاهب في إجابة الدعوة في الوليمة وغيره من "كتاب النكاح".
(٢٤ - باب هدايا العمال)
قال الحافظ (٤): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وأبو عوانة بسنده عن أبي حميد رفعه: "هدايا العمال غلول"، ثم تكلم الحافظ على سند الحديث، وأثبت ضعفه، وقال: يقال: إنه اختصره إسماعيل بن عياش من حديث الباب، انتهى.
قال العيني (٥) تحت حديث الباب: وفيه أن ما أهدي إلى العمال وخدمة السلطان بسبب السلطنة أنه لبيت المال، إلا أن الإمام إذا أباح له
стр. 3701
قبول الهدية لنفسه فهو يطيب له، كما قال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "قد علمت الذي دار عليك في مالك، وإني قد طيبت لك الهدية"، فقبلها معاذ وأتى بما أهدي إليه رسول الله ﷺ ، فوجده قد توفي، فأخبر بذلك الصديق ﵁ فأجازه، وقال ابن التِّين: هدايا العمال رشوة وليست بهدية، انتهى.
قلت: وفي "الدر المختار" (١): "ويرد هديته" ولو تأذى المهدي بالردّ يعطيه مثل قيمتها، ولو تعذّر الرد لعدم معرفته أو بعد مكانه وضعها في بيت المال، ومن خصوصياته ﵊ أن هداياه له، "تتارخانيه"، ومفاده أنه ليس للإمام قبول الهدية وإلا لم تكن خصوصيته، وفيها يجوز للإمام والمفتي والواعظ قبول الهدية لأنه إنما يهدى إلى العالم لعلمه بخلاف القاضي إلا من أربع السلطان والباشا وقريبه المحرم أو ممن جرت عادته بذلك بقدر عادته، انتهى.
(٢٥ - باب استقضاء الموالي واستعمالهم)
أي: توليتهم القضاء "واستعمالهم" أي: على إمرة البلاد حربًا أو خراجًا أو صلاة، قاله الحافظ (٢).
وقال تحت شرح الحديث: ومناسبة الحديث للترجمة من جهة تقديم سالم - وهو مولى - على من ذكر من الأحرار في إمامة الصلاة، ومن كان رضى في أمر الدين فهو رضىً في أمور الدنيا، فيجوز أن يولى القضاء والإمرة على الحرب وعلى جباية الخراج، وأما الإمامة العظمى فمن شروط صحتها أن يكون الإمام قرشيًا، ويدخل في هذا ما أخرجه مسلم من طريق أبي الطفيل: أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة فقال: من استعملت عليهم؟ فقال: ابن أبزى - يعني:
стр. 3702
ابن عبد الرحمن - قال: استعملت عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: إن نبيكم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين"، انتهى.
وفي "الفيض" (١) تحت الترجمة: يجوز للعبد أن يقضي في بعض الأمور، أما إذا عتق فالأمر ظاهر، انتهى.
(٢٦ - باب العرفاء للناس)
جمع عريف بوزن عظيم، وهو القائم بأمر طائفة من الناس، قال ابن بطال (٢): في الحديث مشروعية إقامة العرفاء؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه.
ثم قال الحافظ: وفيه أن الخبر الوارد في ذمّ العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء؛ لأنه محمول - إن ثبت - على أن الغالب على العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك الإنصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية، والحديث المذكور أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معديكرب رفعه: "العرافة حق، ولا بدّ للناس من عريف، والعرفاء في النار"، ولأحمد عن أبي هريرة رفعه: "ويل للأمراء، ويل للعرفاء"، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٣).
(٢٧ - باب ما يكره من ثناء السلطان وإذا خرج قال غير ذلك)
الإضافة فيه للمفعول، أي: من الثناء على السلطان بحضرته بقرينة قوله: "وإذا خرج - أي: من عنده - قال غير ذلك"، وقد تقدم معنى هذه الترجمة في أواخر "كتاب الفتن"، "إذا قال عند قوم شيئًا، ثم خرج فقال بخلافه"، وهذه أخصّ من تلك، ثم ذكر الحافظ تحت حديث: "إن شر
стр. 3703
الناس ذو الوجهين": وتعرض ابن بطال (١) هنا لذكر ما يعارض ظاهره من قوله ﷺ للذي استأذن عليه: "بئس أخو العشيرة" الحديث، وتكلم على الجمع بينهما، وحاصله أنه حيث ذمّه كان لقصد التعريف بحاله، وحيث تلقاه بالبشر كان لتأليفه أو لاتقاء شره، انتهى (٢).
(٢٨ - باب القضاء على الغائب)
قال الحافظ (٣): أي: في حقوق الآدميين دون حقوق الله بالاتفاق، حتى لو قامت البينة على غائب بسرقة مثلًا، حكم بالمال دون القطع، قال ابن بطال (٤): أجاز مالك والليث والشافعي وجماعة الحكم على الغائب، وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: لا يقضى على الغائب مطلقًا، وقال ابن قدامة: أجازه الأوزاعي وإسحاق وهو أحد الروايتين عن أحمد، والثانية المنع، ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة هند.
قال القسطلاني (٥): وقد استدل جمع من العلماء من أصحاب الشافعي وغيرهم بهذا الحديث على القضاء على الغائب.
قال النووي: ولا يصحّ هذا الاستدلال لأن هذه القصة كانت بمكة وأبو سفيان حاضر، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد أو مستترًا لا يقدر عليه، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء، إلى آخر ما ذكر من توجيه استدلال المصنف في ذلك، فليرجع إليه لو شئت.
وفي مسألة القضاء على الغائب عند الحنفية تفصيل أشار إلى بعضه صاحب "الفيض" (٦) أيضًا، فليراجع إلى كتب الفقه.
стр. 3704
(٢٩ - باب من قضى له بحق أخيه)
قال الحافظ (١): أي: خصمه فهي أخوة بالمعنى الأعم وهو الجنس؛ لأن المسلم والذمي والمعاهد والمرتد في هذا الحكم سواء، انتهى.
قلت: وفي حديث الباب مسألة خلافية شهيرة وهي نفاذ قضاء القاضي ظاهرًا وباطنًا.
قال الحافظ (٢): والحديث حجة لمن أثبت أنه قد يحكم بالشيء في الظاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه، ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلًا ولا نقلًا إلى آخر ما ذكر.
وفي هامش "اللامع" (٣): قال الزرقاني تحت قوله ﷺ : "إنما أقطع له قطعةً من النار": فيه دلالة قوية لمذهب الأئمة الثلاثة، والجمهور أن الحكم فيما باطن الأمر فيه بخلاف الظاهر لا يحل الحرام ولا عكسه، فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال فحكم به القاضي لظاهر العدالة لم يحل له ذلك المال، وقال أبو حنيفة بحل الحرام في العقود كنكاح وطلاق وبيع وشراء، فإذا ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها وأقامت شاهدي زور حل له وطؤها، انتهى.
وفي "المحلى": احتج له بعضهم بما جاء عن علي ﵁: أن رجلًا خطب امرأة فأبت فادعى أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور فزوجني أنت منه، فقال: شاهداك زوجاك، وأمضى عليهم النكاح، وتعقب بأنه لم يثبت، انتهى.
قلت: وحديث الباب ليس بواردٍ على الحنفية فإنه وارد في الأموال دون العقود والفسوخ، والحنفية قالوا: بنفاذه ظاهرًا وباطنًا في الإنشاءات والعقود، لا في الأملاك المرسلة، انتهى من هامش "اللامع" بزيادة.
стр. 3705
وبسط الحافظ الكلام على هذه المسألة ههنا وعلى دلائل الفريقين.
ثم ذكر المصنف في هذا الباب حديثين، فمطابقة الأول منهما بالترجمة ظاهرة، وأما مطابقة الحديث الثاني.
فقال العيني (١): وجه إيراد هذا الحديث أن الحكم بحسب الظاهر، ولو كان في نفس الأمر خلاف ذلك، فإنه ﷺ حكم في ابن وليدة زمعة بحسب الظاهر، وإن كان في نفس الأمر ليس من زمعة، ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد، فيدخل هذا في معنى الترجمة، وهكذا يوجد في كلام الحافظ (٢) وتبعه القسطلاني (٣) أيضًا.
وأما الشيخ قُدِّس سرُّه (٤) فإنه وإن ذكر مطابقة الحديث بالترجمة على هذه الوتيرة (٥) لكن بعكس ما قال الشراح حيث قال: ودلالة الرواية الثانية على الترجمة باعتبار أن النبي ﷺ لو قضى بالولد لأخي عتبة بحسب ما يظهر له من حجة - وهي مشابهته به - هي خلاف الواقع، لم يثبت نسب ولده منه بحسب نفس الأمر، ولم يكن ابنه في الواقع، فإن الولد للفراش لا غير، انتهى.
فللّه در الشيخ قُدِّس سرُّه، فإنه جعل حكمه ﷺ بإلحاق الولد لزمعة موافقًا لما في نفس الأمر، ومطابقًا للواقع بخلاف الشرَّاح فإنهم جعلوا هذا الحكم موافقًا للظاهر دون الواقع، ففي صنيع الشيخ قُدِّس سرُّه من حسن التأدب ما ليس في صنيعهم.
(٣٠ - باب الحكم في البئر ونحوها)
قال ابن المنيِّر: وجه دخول هذه الترجمة في القصة مع أنه لا فرق بين البئر والدار والعبد حتى ترجم على البئر وحدها، أنه أراد الردّ على من زعم
стр. 3706
أن الماء لا يملك، فحقق بالترجمة أنه يملك لوقوع الحكم بين المتخاصمين فيها، انتهى.
وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يقتصر في الترجمة على البئر بل قال: "ونحوها"، والثاني: لو اقتصر لم يكن فيه حجة على من منع بيع الماء؛ لأنه يجوز بيع البئر ولا يدخل الماء، وليس في الخبر تصريح بالماء فكيف يصحّ الردّ، انتهى من "الفتح" (١).
ولم يتعرض القسطلاني لغرض الترجمة، وأما العلامة العيني (٢) فاقتصر على حكاية ما ذكره الحافظ.
(٣١ - باب القضاء في قليل المال وكثيره سواء. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: كأنه خشي غائلة التخصيص في الترجمة التي قبل هذه، فترجم بأن القضاء عام في كل شيء قلّ أو جلّ، ثم ذكر فيه حديث أم سلمة المذكور قبل بباب لقوله فيه: "فمن قضيت له بحق مسلم" فهو يتناول القليل والكثير، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: إن للقاضي أن يستنيب بعض من يريد في بعض الأمور دون بعض، بحسب قوة معرفته ونفاذ كلمته في ذلك، وهو منقول عن بعض المالكية، أو على من قال: لا يجب اليمين إلا في قدر معين من المال، ولا تجب في الشيء التافه، أو على من كان من القضاة لا يتعاطى الحكم في الشيء التافه، بل إذا رفع إليه ردّه إلى نائبه مثلًا قاله ابن المنيِّر، قال: وهو نوع من الكبر، والأول أليق بمراد البخاري، انتهى.
(٣٢ - باب بيع الإمام على الناس أموالهم. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: أضاف البيع إلى الإمام ليشير إلى أن
стр. 3707
ذلك يقع في مال السفيه، أو في وفاء دين الغائب، أو من يمتنع أو غير ذلك، ليتحقق أن للإمام التصرف في عقود الأموال في الجملة، قال: وذكر في الترجمة الضياع، ولم يذكر إلا بيع العبد، فكأنه أشار إلى قياس العقار على الحيوان، قال المهلب: إنما يبيع الإمام على الناس أموالهم إذا رأى منهم سفهًا في أموالهم، وأما من ليس بسفيه فلا يباع عليه شيء من ماله إلا في حق يكون عليه، يعني: إذا امتنع من أداء الحق، وهو كما قال، لكن قصة بيع المدبر ترد على هذا الحصر، انتهى مختصرًا.
(٣٣ - باب من لم يكترث لطعن من لا يعلم في الأمراء)
كذا في النسخة "الهندية"، زاد في نسخ الشروح بعده لفظ: "حديثًا"، قال القسطلاني (١): أي: حديثًا يعبأ به، فلو طعن بعلم اعتد به، وإن كان بأمر محتمل رجع إلى رأي الإمام، وسقط قوله: "حديثًا" لأبوي الوقت وذر والأصيلي.
قال الحافظ (٢): قوله: "لم يكترث" أي: لم يلتفت وزنه ومعناه، وهو افتعال من الكرث، وهو المشقة، ويستعمل نفيه في موضع عدم المبالاة، قال المهلب: معنى هذه الترجمة أن الطاعن إذا لم يعلم حال المطعون عليه فرماه بما ليس فيه لا يعبأ بذلك الطعن، ولا يعمل به، وأشار بقيد "من لم يعلم" إلى أن من طعن بعلم يعمل به، فلو طعن بأمر محتمل كان كذلك راجعًا إلى رأي الإمام، وعلى هذا يتنزل فعل عمر مع سعد حتى عزله مع براءته مما رماه به أهل الكوفة، إلى آخر ما في "الفتح"، وفيه (٣): قال ابن المنيِّر (٤): قطع النبي ﷺ بسلامة العاقبة في إمرة أسامة، فلم يلتفت لطعن من طعن، وأما عمر فسلك سبيل الاحتياط لعدم قطعه بمثل ذلك، انتهى.
стр. 3708
(٣٤ - باب الألدّ الخصم)
بفتح المعجمة وكسر الصاد المهملة، وقد تقدم بيان المراد به في "كتاب المظالم"، وفي تفسير سورة البقرة، وقوله: "وهو الدائم في الخصومة" من تفسير المصنف، ويحتمل أن يكون المراد الشديد الخصومة، فإن الخصم من صيغ المبالغة، فيحتمل الشدة ويحتمل الكثرة، انتهى من "الفتح" (١).
(٣٥ - باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد)
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: الإثم وإن كان ساقطًا عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم، لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف، هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال، انتهى.
وقال القسطلاني (٣) تحت حديث الباب: وإنما لم يعاقبه؛ لأنه كان مجتهدًا، واتفقوا على أن القاضي إذا قضى بجور أو بخلاف ما عليه أهل العلم فحكمه مردود، فإن كان على وجه الاجتهاد وأخطأ كما صنع خالد فالإثم ساقط والضمان لازم، فإن كان الحكم في قتل فالدية في بيت المال عند أبي حنيفة وأحمد، وعلى عاقلته عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد، انتهى.
وسيأتي في "كتاب الاعتصام" "باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. . ." إلخ، وسيأتي الفرق بين الترجمتين هناك.
стр. 3709
(٣٦ - باب الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم)
قال ابن المنيِّر: فقه الترجمة التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم، ولا يعد ذلك تصحيفًا في الحكم، وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم، إما عند عظم الخطب وإما ليكشف ما لا يحاط به إلا بالمعاينة، ولا يعدّ ذلك تخصيصًا ولا تمييزًا ولا وهنًا، انتهى من "الفتح" (١).
(٣٧ - باب ما يستحب للكاتب أن يكون أمينًا عاقلًا)
أي: كاتب الحكم وغيره، ذكر فيه حديث زيد بن ثابت في قصته مع أبي بكر وعمر في جمع القرآن، والغرض منه قول أبي بكر لزيد: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، حكى ابن بطال عن المهلب في هذا الحديث: أن العقل أصل الخلال المحمودة؛ لأنه لم يصف زيدًا بأكثر من العقل، وجعله سببًا لائتمانه ورفع التهمة عنه، قلت: وليس كما قال، فإن أبا بكر ذكر عقب الوصف المذكور: وقد كنت تكتب الوحي، إلى آخر ما ذكر الحافظ، وفي آخره: وإلا فمجرد قوله: "لا نتّهمك" مع قوله: "عاقل" لا يكفي في ثبوت الكفاية والأمانة، فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة، انتهى من "الفتح" (٢).
(٣٨ - باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه)
قوله: (عماله) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل، وهو الوالي على بلد مثلًا لجمع خراجها أو زكاتها أو الصلاة بأهلها أو التأمير على جهاد عدوّها.
قوله: (القاضي إلى أمنائه) أي: الذين يقيمهم في ضبط أمور الناس، ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة، والغرض منه قوله فيه: فكتب رسول الله ﷺ إليهم - أي: إلى أهل خيبر - به، أي: بالخبر الذي نقل إليه.
стр. 3710
قال ابن المنيِّر: ليس في الحديث أنه ﷺ كتب إلى نائبه، ولا إلى أمينه، وإنما كتب إلى الخصوم أنفسهم، لكن يؤخذ من مشروعية مكاتبة الخصوم والبناء على ذلك جواز مكاتبة النواب والكتاب في حق غيرهم بطريق الأولى، انتهى من "الفتح" (١).
(٣٩ - باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلًا وحده للنظر في الأمور ؟)
قال الحافظ (٢): والغرض من الحديث قوله ﵊: "واغد يا أنيس على امرأة هذا"، والحكمة في إيراده الترجمة بصيغة الاستفهام الإشارة إلى خلاف محمد بن الحسن، فإنه قال: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقرّ عندي فلان بكذا الشيء يقضي به عليه من قتل أو مالٍ أو عتق أو طلاقٍ، حتى يشهد معه على ذلك غيره، وادّعى أن مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاصّ بالنبي ﷺ ، قال: وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبدًا عدلان يسمعان من يقر، ويشهدان على ذلك وينفذ الحكم بشهادتهما، انتهى.
وهكذا في "العيني" (٣) وزاد: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أقرّ رجل عند القاضي بأي شيء كان وسعه أن يحكم به، وقال ابن القاسم على مذهب مالك: إن كان القاضي عدلًا وحكم به ينفذ، وبه قال الشافعي، انتهى.
(٤٠ - باب ترجمة الحكام. . .) إلخ
قال العلامة العيني (٤): الترجمة تفسير الكلام بلسان غير لسانه، قوله: "وهل يجوز ترجمان واحد. . ." إلخ، إنما ذكره بلفظ الاستفهام لأجل الخلاف، فعند أبي حنيفة وأحمد يكتفي بواحد، واختاره البخاري
стр. 3711
وابن المنذر وآخرون، وقال الشافعي وأحمد في الأصح: إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم لا يقبل فيه إلا عدلان كالشهادة، وعن مالك: يكفي ترجمة ثقة مسلم مأمون، واثنان أحبّ إليّ، والمرأة تجزئ، ولا يقبل ترجمة كافر، ولا يترجم من لا يجوز شهادته، انتهى مختصرًا.
قوله: (وقال بعض الناس. . .) إلخ، قيل: أراد به الشافعي، وقيل: أراد به بعض الحنفية؛ لأن محمد بن الحسن قال بأنه لا بدّ من اثنين.
أما مطابقة الحديث بالترجمة فبسط الحافظ الكلام عليه إذ قال (١): قال ابن بطال (٢): لم يدخل البخاري حديث هرقل حجةً على جواز الترجمان المشترك (٣)؛ لأن ترجمان هرقل كان على دين قومه، وإنما أدخله ليدلّ على أن الترجمان كان يجري عند الأمم مجرى الخبر لا مجرى الشهادة.
وقال ابن المنيِّر (٤): وجه الدليل من قصة هرقل من أن فعله لا يحتج به أن مثل هذا صواب من رأيه؛ لأن كثيرًا مما أورده في هذه القصة صواب موافق للحق، فموضع الدليل تصويب جملة الشريعة لهذا وأمثاله من رأيه وحسن تفطنه ومناسبة استدلاله وإن كان غلبت عليه الشقاوة، انتهى.
وتكملة هذا أن يقال: يؤخذ من صحة استدلاله فيما يتعلق بالنبوة والرسالة أنه كان مطلعًا على شرائع الأنبياء، فتحمل تصرفاته على وفق الشريعة التي كان متمسكًا بها، إلى آخر ما في "الفتح".
(٤١ - باب محاسبة الإمام عماله)
قال الحافظ (٥): ذكر فيه حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وقد تقدم في "باب هدايا العمال"، والمقصود هنا قوله: "فلما جاء إلى النبي ﷺ وحاسبه" أي على ما قبض وصرف، انتهى مختصرًا.
стр. 3712
(٤٢ - باب بطانة الإمام وأهل مشورته. . .) إلخ
بضم المعجمة وسكون الواو وفتح الراء: من يستشيره في أموره، وعطف "أهل مشورته" على البطانة من عطف الخاص على العام، وقد ذكرت حكم المشورة في "باب متى يستوجب الرجل القضاء"، وأخرج أبو داود في "المراسيل": أن رجلًا قال: يا رسول الله ما الحزم؟ قال: "أن تشاور ذا لبّ ثم تطيعه"، انتهى من "الفتح" (١).
ولعل الحافظ أشار بذلك إلى ما ذكره في الباب المذكور من بعض الآثار الواردة في استحباب الاستشارة، وتقدم بعض ذلك هنا.
(٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس)
برفع الإمام ونصب الناس، وفي نسخة بالعكس، كذا في هامش النسخة المصرية (٢).
قال الحافظ (٣): المراد بالكيفية الصيغ القولية لا الفعلية، بدليل ما ذكره فيه من الأحاديث الستة، وهي البيعة على السمع والطاعة وعلى الهجرة وعلى الجهاد وعلى الصبر وعلى عدم الفرار ولو وقع الموت، وعلى بيعة النساء وعلى الإسلام، وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول، انتهى.
(٤٤ - باب من بايع مرتين)
أي: في حالة واحدة.
(٤٥ - باب بيعة الأعراب)
أي: مبايعتهم على الإسلام والجهاد، قال ابن التِّين: إنما امتنع النبي ﷺ من إقالته بأنه لا يعين على معصية؛ لأن البيعة في أول الأمر كانت
стр. 3713
على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن فخروجه عصيان، وكانت الهجرة إلى المدينة فرضًا قبل فتح مكة على كل من أسلم، ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة، إلى آخر ما ذكره الحافظ (١).
(٤٦ - باب بيعة الصغير)
أي: هل تشرع أو لا؟ قال ابن المنيِّر (٢): الترجمة موهمة، والحديث يزيل إيهامها فهو دال على عدم انعقاد بيعة الصغير، انتهى من "الفتح" (٣).
قال العيني (٤): ولم يذكر الحكم فيه على عادته غالبًا، إما اكتفاءً بما بيّن في حديث الباب، وإما لمحل الخلاف فيه، فقال جماعة من العلماء: البيعة لا تلزم إلا من تلزمه عقود الإسلام كلها من البالغين، وقال بعض العلماء: إنها تلزم الأصاغر بمبايعة آبائهم، انتهى.
(٤٧ - باب من بايع ثم استقال البيعة)
ذكر فيه حديث جابر في قصة الأعرابي، وقد تقدم شرحه قبل بباب، قاله الحافظ (٥).
قال العيني (٦): ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
(٤٨ - باب من بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا)
أي: ولا يقصد طاعة الله في مبايعة من يستحق الإمامة، قاله الحافظ (٧).
وقال تحت شرح الحديث: والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على
стр. 3714
أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن جعل مبايعته لمال يعطاه دون ملاحظة المقصود في الأصل فقد خسر خسرانًا مبينًا، ودخل في الوعيد المذكور، وحاق به إن لم يتجاوز الله عنه، وفيه أن كل عمل لا يقصد به وجه الله وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم، والله الموفق، انتهى.
(٤٩ - باب بيعة النساء)
ذكر المصنف فيه أربعة أحاديث، ومطابقة تلك الأحاديث ما سوى الحديث الثاني ظاهر.
وأما الحديث الثاني فقال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر (٢): أدخل حديث عبادة في ترجمة بيعة النساء؛ لأنها وردت في القرآن في حق النساء، فعرفت بهن، ثم استعملت في الرجال، قال الحافظ: وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث عن عبادة قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء، الحديث.
(٥٠ - باب من نكث بيعة)
قال الحافظ (٣): في رواية الكشميهني "بيعته" بزيادة الضمير، وذكر فيه حديث جابر في قصة الأعرابي، وورد في الوعيد على نكث البيعة حديث ابن عمر: "لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال"، وقد تقدم في أواخر "كتاب الفتن" وجاء نحوه عنه مرفوعًا بلفظ: "من أعطى بيعةً ثم نكثها لقي الله وليست معه يمينه" أخرجه الطبراني بسند جيد، وفيه حديث أبي هريرة رفعه: "الصلاة كفارة إلا من ثلاث: الشرك بالله ونكث الصفقة" الحديث، وفيه تفسير نكث الصفقة: أن تعطي رجلًا بيعتك ثم تقاتله، أخرجه أحمد، انتهى.
стр. 3715
(٥١ - باب الاستخلاف)
أي: تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو يعين جماعة ليتخيروا منهم واحدًا.
قال النووي وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره، وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة، وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل، وخالف بعضهم كالأصم وبعض الخوارج فقالوا: لا يجب نصب الخليفة، وخالف بعض المعتزلة فقالوا: يجب بالعقل لا بالشرع، وهما باطلان، إلى آخر ما ذكره الحافظ (١).
(٥٢ - باب)
بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وسقط لفظ "باب" في بعض النسخ، وهو كالفصل من الذي قبله، وتعلقه به ظاهر، انتهى من "الفتح" (٢) مختصرًا.
قوله: (يكون اثنا عشر أميرًا. . .) إلخ، بسط الكلام على شرح هذا الحديث مع ما له وما عليه في هامش "اللامع" (٣) أشدّ البسط من كلام الشيخ الكَنكَوهي، ومن كلام الحافظ وغيره من الشرَّاح، فذكر اثني عشر قولًا في شرح هذا الحديث، فارجع إليه لو شئت.
(٥٣ - باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): تقدمت هذه الترجمة والأثر المعلق فيها والحديث في "كتاب الإشخاص"، وقال فيه: "المعاصي" بدل "أهل الريب"، انتهى.
стр. 3716
وقال العيني (١): قوله: "بعد المعرفة" أي: بعد شهرتهم بذلك، يعني: لا يتجسس عليهم، وذلك الإخراج لأجل تأذي الجيران، ولأجل مجاهرتهم بالمعاصي، قال المهلب: إخراج أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد المعرفة بهم واجب على الإمام، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن أمرهم؛ لأنه من التجسس الذي نهى الله عنه، وقيل: ليس هذا الإخراج بواجب، فمن ثبت عليه ما يوجب الحد أقيم عليه، انتهى مختصرًا.
(٥٤ - باب هل للإمام أن يمنع المجرمين. . .) إلخ
أي: هل يجوز للإمام أن يمنع المجرمين من الإجرام، وفي رواية أبي أحمد الجرجاني: "المجنونين"، والأول أولى؛ لأن المجنون لا يتحقق عصيانه.
قوله: (وأهل المعصية) من عطف العام على الخاص، قاله العينى (٢).
قلت: كذا في نسخة "العيني" التي بأيدينا، وفي نسخة "الفتح" (٣): أن في رواية أبي أحمد الجرجاني: "المحبوس" بدل "المجرمين"، قال الحافظ: وهو أوجه؛ لأن المحبوس قد لا يتحقق عصيانه، انتهى.
ثم البراعة عندي في حديث كعب في التخلف، فإنه كاف لبكاء الرجل من أحوال الآخرة (٤).
* * *
стр. 3717
٩٤ - كتاب التمني
(١ - باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة)
كذا في النسخ الهندية، وهكذا في نسخة "الفتح"، وفي نسخة "العيني" "كتاب التمني، باب من تمنى الشهادة".
قال الحافظ (١) في ذكر اختلاف النسخ: ولأبي نعيم عن الجرجاني: "كتاب التمني والأماني"، واقتصر الإسماعيلي على "باب ما جاء في تمني الشهادة"، والتمني تفعل من الأمنية والجمع أماني، والتمني إرادة تتعلق بالمستقبل، فإن كانت في خير من غير أن تتعلق بحسد فهي مطلوبة، والا فهي مذمومة، وقد قيل: إن بين التمني والترجي عمومًا وخصوصًا، فالترجي في الممكن، والتمني في أعم من ذلك، انتهى.
وتقدم توجيه تمني الشهادة مع ما يشكل على ذلك في "باب تمني الشهادة" من "كتاب الجهاد".
وقال العلامة العيني (٢): مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من لفظ "وددت" إذ التمني أعمّ من أن يكون بحرف ليت وغيرها، انتهى.
قلت: وإنما ترجم الإمام البخاري بكتاب مستقل؛ لأنه قد ورد في القرآن العظيم والأحاديث النبوية الآيات والروايات المختلفة في التمني من الإباحة والندب والنهي، فذكر البخاري "كتاب التمني"، وأورد فيه الأبواب المختلفة في ذلك؛ ليرى الناظر مواقع النهي وغيره، وقد نقل عن الإمام الشافعي أنه قال: لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون كذا، وظاهر أنه ليس على عمومه كما لا يخفى.
стр. 3718
(٢ - باب تمني الخير)
قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى أن التمني المطلوب لا ينحصر في طلب الشهادة، انتهى. وهكذا في "العيني" (٢).
(٣ - باب قول النبي ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ")
الترجمة جزء الحديث، والحديث مضى في الحج.
(٤ - باب قوله ﷺ : "اليت كذا وكذا ")
غرض الترجمة ظاهر من أنه ثابت عنه ﷺ .
(٥ - باب تمني القرآن والعلم)
ذكر فيه حديث أبي هريرة، وهو ظاهر في تمني القرآن، وأضاف العلم إليه بطريق الإلحاق به في الحكم، قاله الحافظ (٣).
وفي هامش النسخة المصرية (٤): أي: قراءة القرآن وتحصيل العلم، انتهى.
(٦ - باب ما يكره من التمني. . .) إلخ
قال ابن عطية: يجوز تمني ما لا يتعلق بالغير، أي: مما يباح، وعلى هذا فالنهي عن التمني مخصوص بما يكون داعية إلى الحسد والتباغض، وعلى هذا يحمل قول الشافعي: لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون كذا، ولم يرد أن كل التمني يحصل به الإثم، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 3719
وفيه (١) أيضًا قال النووي: في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من فاقة أو محنة بعدو أو نحوه من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررًا أو فتنةً في دينه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث، وقد فعله خلائق من السلف بذلك، وفيه: أن من خالف فلم يصبر على الضر وتمنى الموت لضر نزل به فليقل الدعاء المذكور: "اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي" الحديث.
قال الحافظ: ظاهر الحديث المنع مطلقًا، والاقتصار على الدعاء مطلقًا، لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني ليكون عونًا له على ترك التمني، انتهى.
وأورد الحافظ (٢) ههنا على المطابقة حيث قال: ذكر فيه ثلاثة أحاديث كلها في الزجر عن تمني الموت، وفي مناسبة هذه الآية غموض، إلا إن كان أراد أن المكروه من التمني هو جنس ما دلت عليه الآية وما دل عليه الحديث إلى آخر ما ذكر.
قلت: والإيراد المذكور وارد لو جعلت الآية جزءًا للترجمة، وحاصل ما أجاب به الحافظ بجعل الآية مثبتةً للترجمة لا جزءًا منها، فالترجمة ما يكره من التمني، ثم بعد ذلك أشار الإمام البخاري إلى بعض أنواعه بالآية الكريمة وإلى بعض أنواعه بالروايات.
(٧ - باب قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا)
هكذا في النسخة "الهندية"، وكذا في نسخة "الفتح" و"العيني"، وقالا (٣): هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والسرخسي: "باب قول النبي ﷺ "، انتهى.
стр. 3720
(٨ - باب كراهية تمني لقاء العدو)
قال الحافظ (١): تقدم في أواخر الجهاد "باب لا تتمنوا لقاء العدو" وتقدم هناك توجيهه مع جواز تمني الشهادة، وطريق الجمع بينهما؛ لأن ظاهرهما التعارض؛ لأن تمني الشهادة محبوب، فكيف ينهى عن تمني لقاء العدو، وهو يفضي إلى المحبوب؟
وحاصل الجواب: أن حصول الشهادة أخصّ من اللقاء لإمكان تحصيل الشهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزه بكسرة الكفار، واللقاء قد يفضي إلى عكس ذلك، فنهى عن تمنيه، ولا ينافي ذلك تمني الشهادة، أو لعل الكراهية مختصة بمن يثق بقوته ويعجب بنفسه ونحو ذلك، انتهى.
(١٠ - باب ما يجوز من الـ "لو". . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): يعني أن مطلق لفظ الـ "لو" وإن كانت للشرط غير منهي عنه، وإنما [المنهي] ما كان للتمني، وكان فيه إظهار ما لزجر أو جزع من التقدير، ودلالة الرواية على هذا المعنى لا يحتاج إلى كثير تفصيل وبيان، انتهى.
وفي هامشه: توضيح ذلك أنه ورد في بعض الروايات: "إياك واللو" فأراد البخاري بالترجمة جواز استعمال هذا اللفظ، كما أفاده الشيخ.
وبسط الحافظ في تخريج هذا الحديث: "إياك واللو، فإن اللو تفتح عمل الشيطان"، ذكره صاحب "المشكاة" برواية مسلم، وذكره الحافظ برواية مسلم والنسائي وابن ماجه والطحاوي وغيرها، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
قال الحافظ (٣): وفي قوله: "ما يجوز من اللو" إشارة إلى أنها في
стр. 3721
الأصل: لا يجوز إلا ما استثنى، وقال أيضًا: قال السبكي الكبير: مقصود البخاري بالترجمة وأحاديثها أن النطق بـ "لو" لا يكره على الإطلاق، وإنما يكره في شيء مخصوص يؤخذ ذلك من قوله: "من اللو"، فأشار إلى التبعيض، وورودها في الأحاديث الصحيحة، وقد بسط الحافظ الكلام على طريق الجمع بين هذا النهي وبين ما ورد من الأحاديث الدالة على الجواز، فارجع إليه لو شئت.
* * *
стр. 3722
٩٥ - كتاب أخبار الآحاد
(١ - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. . .) إلخ
هكذا في النسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" كتاب أخبار الآحاد، بل اقتصر فيها على الباب المذكور.
قال الحافظ (١): هكذا عند الجميع بلفظ "باب" إلا في نسخة الصغاني فوقع فيها: "كتاب أخبار الآحاد" ثم قال: "باب ما جاء" إلى آخرها، فاقتضى أنه من جملة "كتاب الأحكام"، وهو واضح، وبه يظهر أن الأولى في التمني أن يقال: باب، لا كتاب، أو يؤخر عن هذا الباب، انتهى.
وقال القسطلاني (٢) في آخر هذا الكتاب: وهذا آخر كتاب الأحكام وما بعده من التمني، وإجازة خبر الواحد، انتهى. وفيه إيماء إلى أن التمني وأخبار الآحاد ليسا بكتابين مستقلين.
ثم قال الحافظ (٣): والمراد "بالإجازة" جواز العمل به والقول بأنه حجة، و"بالواحد" هنا حقيقة الوحدة، وأما في اصطلاح الأصوليين فالمراد به ما لم يتواتر، وقصد الترجمة الردّ به على من يقول: إن الخبر لا يحتج به إلا إذا رواه أكثر من شخص واحد حتى يصير كالشهادة، ويلزم منه الردّ على من شرط أربعة أو أكثر، فقد نقل الأستاذ أبو منصور البغدادي أن بعضهم اشترط في قبول خبر الواحد أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه، واشترط بعضهم أربعة عن أربعة، وبعضهم خمسة عن خمسة، وبعضهم سبعة عن سبعة، انتهى.
стр. 3723
وكأن كل قائل منهم يرى أن العدد المذكور يفيد التواتر، أو يرى تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد ومتوسط بينهم، وفات الأستاذ ذكر من اشترط اثنين عن اثنين كالشهادة على الشهادة، وهو منقول عن بعض المعتزلة، ونسب إلى الحاكم، وأنه ادعى أنه شرط الشيخين، ولكنه غلط على الحاكم كما أوضحته في الكلام على علوم الحديث، انتهى.
وقال القسطلاني (١): والمراد بالواحد هنا حقيقة الوحدة، وعند الأصوليين ما لم يتواتر، والتقييد بالصدق لا بدّ منه، فلا يحتج بالكذوب اتفاقًا، أما من لم يعرف حاله فثالثها يجوز إن اعتضد، انتهى.
وقال الحافظ (٢) في "باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرةً" كما سيأتي في "كتاب الاعتصام": قال ابن بطال: أراد الردّ على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي ﷺ وسننه منقولة عنه نقل تواتر، وأنه لا يجوز العمل بما لم ينقل متواترًا، قال: وقولهم مردود، فقد انعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد، انتهى.
قال الحافظ (٣): قوله: "والفرائض" قال الكرماني (٤): ليعلم إنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات، انتهى مختصرًا.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٥): قوله: "كتاب أخبار الآحاد" يعني: بذلك إثبات أن أخبار الآحاد بمعنى ما ليس بمتواتر مفيدة للعلم، وإن لم يبلغ حد الجزم، انتهى.
وقال صاحب "الفيض" (٦): دخل المصنف في بعض مسائل الأصول، فذكر إجازة خبر الواحد، وحاصله أنه يفيد القطع إذا احتفّ بالقرائن كخبر
стр. 3724
الصحيحين، على الصحيح، بيد أنه يكون نظريًا، ونسب إلى أحمد أن أخبار الآحاد تفيد القطع مطلقًا، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بالترجمة أنه لا يشترط العدد في كل خبر، بل يكتفي بخبر الواحد في كثير من المواضع إذا كان عدلًا، ودلالة الروايات على هذا المدعى ظاهرة، حيث اكتفى في أكثرها بإخبار الواحد إذا كان عدلًا، وفي بعضها دلالة على قبول إخبار جماعة لم تبلغ حد التواتر، انتهى.
وفي هامشه: ثم لا يذهب عليك ما قال السندي (٢): فإن قلت: كيف يصح الاستدلال بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث على حجية خبر الآحاد مع أن كلها أخبار آحاد، والاحتجاج بها يتوقف على كون خبر الواحد حجة فهو مردود؟ فالجواب أنه أشار بإكثار الأخبار في هذا الباب إلى أن القدر المشترك متواتر، ولهذا أكثر، وإلا فدأبه في الأبواب الاقتصار على حديث أو حديثين، والله أعلم، انتهى.
يعني: الاستدلال ليس بخبر واحد بل بأخبار كثيرة وصلت إلى حد التواتر، فكأنه استدلّ على قبول خبر الواحد بخبر المتواتر معنى، انتهى.
قوله: (والأحكام) قال القسطلاني (٣): جمع حكم، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث إنهم مكلفون، وهو من عطف العام على عام أخص منه؛ لأن الفرائض فرد من الأحكام، انتهى.
قوله: (﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الآية) قال الحافظ (٤): وجه الدلالة منها يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة؛ فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد، وهذا الدليل يورد للتقوي لا للاستقلال؛ لأن
стр. 3725
المخالف قد لا يقول بالمفاهيم، واحتج الأئمة أيضًا بآيات أخرى وبالآحاديث المذكورة في الباب، واحتج من منع بأن ذلك لا يفيد إلا الظن، وأجيب بأن مجموعها يفيد القطع كالتواتر المعنوي، وقد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول، واحتج بعض الأئمة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] مع أنه كان رسولًا إلى الناس كافة، ويجب عليه تبليغهم، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاهًا، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم وهو مسلك جيد، إلى آخر ما ذكر الحافظ من الدلائل وشبهات المخالفين إلى أن قال: وكل هذا مبسوط في أصول الفقه اكتفيت هنا بالإشارة إليه، وجملة ما ذكره المصنف هنا اثنان وعشرون حديثًا.
(٢ - باب بعث النبي ﷺ الزبير طليعة وحده)
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث جابر، وهو الحديث الرابع عشر من إجازة خبر الواحد، انتهى.
(٣ - باب قول الله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٣]) إلخ
قوله: (فإذا أذن له واحد جاز) وجه الاستدلال به أنه لم يقيده بعدد فصار الواحد من جملة ما يصدق عليه وجود الإذن، وهو متفق على العمل به عند الجمهور، ثم ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث أبي موسى في الاستئذان، وهو الحديث الخامس عشر، والثاني: حديث عمر في قصة المشربة، وهو طرف من حديث طويل تقدم في تفسير سورة التحريم، وهو السادس عشر، وأراد البخاري أن صيغة ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ على البناء للمجهول
стр. 3726
تصح للواحد فما فوقه، انتهى من "الفتح" (١).
(٤ - باب كان النبي ﷺ يبعث من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد)
قال الحافظ (٢): وقد سبق إلى ذلك أيضًا الشافعي فقال: بعث رسول الله ﷺ سراياه وعلى كل سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك إلى كل ملك واحد.
قال الحافظ: فأما أمراء السرايا فقد استوعبهم محمد بن سعد في الترجمة النبوية، وعقد لهم بابًا سماهم فيه على الترتيب، ثم ذكر الحافظ أسماء أمراء البلاد التي فتحت، وكذا ذكر بعض أمراء القرى، ثم قال: وأما رسله إلى الملوك فسمى منهم دحية وعبد الله بن حذافة، وهما في هذه الترجمة، وأخرج مسلم أن النبي ﷺ بعث رسله إلى الملوك، يعني: الذين كانوا في عصره، وقد استوعبهم محمد بن سعد أيضًا، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن هذه الترجمة بظاهرها مكررة؛ لأنه قد تقدم قريبًا في مبدأ "كتاب أخبار الآحاد" وكيف بعث النبي ﷺ أمراءه واحدًا بعد واحد، ويمكن التفصي عنه بأن الأولى ليست بترجمة مستأنفة بل هي جزء للترجمة، أو يقال: إن الترجمة الأولى مثبتة - بكسر الباء - لأصل الباب، وهو إجازة خبر الواحد، وهذه الترجمة مثبتة - بفتح الباء - كما بسطت ذلك في الأصل الستين من أصول التراجم من أن بعض التراجم يكون مثبتًا، انتهى.
ثم لا يخفى عليك أن القصة المذكورة في حديث الباب غير القصة المذكورة في ترجمة الباب، لا كما توهّم بعض الشرَّاح من اتحاد القصتين.
قال القسطلاني (٣): وقد قرأت في "تنقيح الزركشي" ما نصه: عن
стр. 3727
ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى ثم قال، كذا وقع الحديث في الأمهات، ولم يذكر فيه دحية بعد قوله: بعث، والصواب إثباته، وقد ذكره البخاري معلقًا وهو الصواب، انتهى.
ونقله عنه صاحب "المصابيح" ساكتًا عليه، قال في "الفتح" بعد أن ذكره: فيه خبط، وكأنه توهم أن القصتين واحدة، وحمله على ذلك كونهما من رواية ابن عباس، والحق أن المبعوث لعظيم بصرى هو دحية، والمبعوث لعظيم البحرين عبد الله بن حذافة، وإن لم يسم في هذه الرواية، فقد سمي في غيرها، ولو لم يكن في الدليل على المغايرة بينهما إلا بعد ما بين بصرى والبحرين، فإن بينهما نحو شهر، وبصرى كانت في مملكة هرقل ملك الروم، والبحرين كانت في مملكة كسرى ملك الفرس، قال: وإنما نبهت على ذلك خشية أن يغتر به من ليس له اطلاع على ذلك، والله الموفق، انتهى.
(٥ - باب وصاة النبي ﷺ وفود العرب. . .) إلخ
الوصاة بالقصر بمعنى الوصية، والواو مفتوحة ويجوز كسرها، وقد تقدم بيان ذلك في أوائل "كتاب الوصايا"، وذكر فيه حديثين، والغرض من الحديث الثاني قوله في آخره: "احفظوهن وأبلغوهن من وراءكم" فإن الأمر بذلك يتناول كل فرد، فلولا أن الحجة تقوم بتبليغ الواحد ما حضّهم عليه، انتهى من "الفتح" (١) مختصرًا.
(٦ - باب خبر المرأة الواحدة)
الترجمة بظاهرها مكررة؛ لأنها تقدم قريبًا في "كتاب أخبار الآحاد" كيف بعث النبي ﷺ أمراءه واحدًا بعد واحد، ويمكن التفصي عنه بأن الأولى ليست بترجمة مستأنفة بل هي جزء للترجمة السابقة، ويمكن أن
стр. 3728
يقال: إن الترجمة الأولى مثبتة - بكسر الباء - لأصل الباب، وهو إجازة خبر الواحد، وهذه الترجمة الثانية مثبتة - بفتح الباء - وهو الأصل الستون من أصول التراجم، وفي "تقرير المكي" (١): قوله: "واحدًا بعد واحد" ليس المراد به الإرسال على سبيل التعاقب، بل المراد إرسال الآحادي بالكثرة، سواء كان على سبيل الاستقلال أو على سبيل التعاقب.
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث ابن عمرو، به وبما في البابين قبله تكمل الأحاديث اثنين وعشرين حديثًا، انتهى.
ثم البراعة في لفظ التوبة وأكل اللحم وهو مذبوح على أن قوله: سعد يذكر قوله عز اسمه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ الآية [هود: ١٠٥]، وقوله: سنة يذكر قوله عز اسمه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ الآية [الحج: ٤٧]، وقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢]، وأيضًا الإمساك عن الأكل لكونه من شأن الموتى (٣).
* * *
стр. 3729
٩٦ - كتاب الاعتصام
هذا الكتاب عند هذا العبد الضعيف: آخر كتاب من هذا الصحيح، فإن الإمام البخاري ﵀ بدأ كتابه ببدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، وختمه بكتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، فإنه الأصل في الدين والشريعة، وأما مبدؤه ومأخذه فهو الوحي، وما سيأتي من "كتاب الردّ على الجهمية" ليس بكتاب مستأنف عندي، فإنه بمنزلة التكملة لهذا الكتاب، فإن من عادة الإمام الهمام البخاري أن يذكر في الكتب الأضداد هذا، ولذا ذكر أبواب الكفر في "كتاب الإيمان"، وأبواب الجهل في "كتاب العلم"، وأبواب الدعاء لمنع المطر في "كتاب الاستسقاء"، وأمثاله، ولما كان أبواب البدعة من أضداد كتاب الاعتصام من الكتاب والسُّنَّة ذكرها بعده.
قال الحافظ (١): "الاعتصام" افتعال من العصمة، والمراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣].
قال الكرماني (٢): المراد "بالكتاب" القرآن المتعبد بتلاوته، و"بالسُّنَّة" ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله، والسُّنَّة في أصل اللغة: الطريقة، وفي اصطلاح الأصوليين والمحدثين ما تقدم، وفي اصطلاح بعض الفقهاء ما يرادف المستحب، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٣).
وبسط الكلام فيه على تحقيق معنى السُّنَّة فارجع إليه لو شئت.
وقد تقدم في مقدمة "اللامع" (٤) في بيان ذكر المناسبات بين الكتب
стр. 3730
والأبواب ما قال الحافظ (١): ولما كانت الأحكام كلها تحتاج إلى الكتاب والسُّنَّة، قال: الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، وذكر أحكام الاستنباط من الكتاب والسُّنَّة والاجتهاد وكراهية الاختلاف، وكان أصل العصمة أولًا وآخرًا هو توحيد الله تعالى، فختم بكتاب التوحيد، انتهى.
قلت: وما ذكره الحافظ في الغرض من هذا الكتاب قد سبق إلى ذلك الكرماني (٢) إذ قال في آخر "كتاب الاعتصام": وهذا آخر ما قصد إيراده في الجامع من مسائل أصول الفقه، انتهى.
وأما المناسبة بين كتاب الاعتصام والردّ على الجهمية فيمكن أن يقال: لما كان الاستنباط من القرآن والسُّنَّة موجبًا للهداية مرةً والضلالة أخرى، فقد قال الله تعالى في الكتاب الحكيم: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ترجم بكتاب الردّ على الجهمية احترازًا عن الاستنباط المضل، كذا في هامش "اللامع" (٣).
(١ - باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)
هكذا في النسخ الهندية، وأما في نسخ الشروح فليس فيها هذا الباب، بل فيها "كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة"، وذكر تحته أحاديث الباب.
قوله: (قال أبو عبد الله: وقع ههنا: "يغنيكم"، وإنما هو: "نَعشَكُمْ"، ينظر في أصل "كتاب الاعتصام") هذه العبارة موجودة في نسخ الشروح، وكذا على حاشية النسخة "الهندية".
قال الحافظ (٤): قوله: "ينظر. . ." إلخ، فيه إشارة إلى أنه صَنَّف "كتاب الاعتصام" مفردًا، وكتب منه هنا ما يليق بشرطه في هذا الكتاب، كما صنع في كتاب "الأدب المفرد"، فلما رأى هذه اللفظة مغايرة لما عنده أنه الصواب أحال على مراجعة ذلك الأصل، وكأنه كان في هذه الحالة
стр. 3731
غائبًا عنه، فأمر بمراجعته وأن يصلح منه، وقد وقع له نحو هذا في تفسير ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣]، انتهى.
(١ م - باب قول النبي ﷺ : بعثت بجوامع الكلم)
قال الحافظ (١): يعني أنه ﷺ كان يتكلم بالقول الموجز، القليل اللفظ، الكثير المعنى، وجزم غير الزهري بأن المراد "بجوامع الكلم" القرآن، بقرينة قوله: "بعثت"، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتساع المعاني، انتهى.
قوله: (ونصرت بالرعب. . .) إلخ، كتب في هامش النسخة المصرية عن العلامة السندي (٢): أي: على خلاف المعتاد من الرعب بسبب المال والمتاع والعبيد والأفراس كما عليه الأمراء، إذ معلوم أنه ﷺ ربما يمضي عليه شهران ولم يوقد النار في بيته ﷺ ، والرعب مسيرة شهر على هذا الحال من خواصه ﷺ ، نعم كان منه نصيب لمن كان على حاله من خلفائه ﷺ ، انتهى.
ثم اعلم أن المصنف ذكر في الباب حديثين عن أبي هريرة، أحدهما بلفظ الترجمة، وثانيهما بقوله ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات" الحديث، وتقدم أيضًا في فضائل القرآن ومرّ هناك الكلام على شرح هذا الحديث.
قال الحافظ (٣): قيل: يؤخذ من إيراد البخاري هذا الحديث عقب الذي قبله أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن، وليس ذلك بلازم، فإن دخول القرآن في قوله: "بعثت بجوامع الكلم" لا شك فيه، وإنما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن، ثم ذكر الحافظ أمثلة جوامع الكلم من الآيات والأحاديث النبوية، فارجع إليه لو شئت.
стр. 3732
(٢ - باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ -)
أي: قبولها والعمل بما دلّت عليه، فأما أقواله ﷺ فتشتمل على أمر ونهي وإخبار، وسيأتي حكم الأمر والنهي في باب مفرد، وأما أفعاله فتأتي أيضًا في باب مفرد قريبًا، قاله الحافظ (١).
قوله: (كل أمتي. . .) إلخ، أفاد العلامة السندي (٢) في هامش النسخة المصرية: لعل المراد بالأمة أمة الدعوة، والمراد بمن أبى من أبى الإيمان به، وهو المراد بالعصيان لا مطلق العصيان، والله تعالى أعلم، انتهى.
(٣ - باب ما يكره من كثرة السؤال. . .) إلخ
وقوله تعالى: (﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ. . .﴾ [المائدة: ١٠١]. . .) إلخ.
الغرض من هذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية، وهي هل ينبغي أن يسأل عن النوازل قبل وقوعها أم لا؟ وظاهر ميل البخاري إلى كراهة ذلك.
وقوله: (ومن تكلف ما لا يعنيه) كأنه بيان لقوله: "ما يكره من كثرة السؤال"، ونظير ذلك ما تقدم في "كتاب الطهارة" من "باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة"، وتقدم في "كتاب العلم" "باب الرحلة في المسألة النازلة"، وجمهور العلماء على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها.
قال الحافظ (٣): واشتد إنكار جماعة من الفقهاء منهم أبو بكر بن العربي فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلقًا بهذه الآية، وليس كذلك، قال الحافظ: وهو كما قال لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي، ويؤيده حديث سعد الذي صدر به المصنف الباب: "من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" إلى آخر ما بسطه.
وكذا بسط الكلام في "الأوجز" (٤) على حديث النهي عن قبل، وقال: