← Фикх общий

Фикх общий · id 854

أحكام الجنائز

ناصر الدين الألباني

Полный текст (274 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حقوق الطبع محفوظة للمكتب الاسلامي لصاحبه زهير الشاويش الطبعة الرابعة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م المكتب الاسلامي بيروت: ص. ب ٣٧٧١/ ١١ هاتف ٤٥٠٦٣٨ - برقيا: اسلاميا دمشق: ص. ب ٨٠٠ هاتف ١١١٦٣٧ - برقيا: اسلامي

стр. 2

- أ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد، فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وقد قال الله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١، ٢]

стр. 3

- ب - وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال رسول الله ﷺ : " مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها " (١). ثم إنه " لما كان هديه ﷺ في الجنائز خير الهدي مخالفا لهدي سائر الامم، مشتملا على الاحسان لسيت، ومعاملته بما ينفعه في قبره، ويوم معاده، وعلى الاحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي، فيها يعامل به، الميت، وكان من هديه في (لجنائز، إقامة العبودية للرب تبارك وتعالي على أكمل الاحوال والاحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفه، ووقوف أصحابه صفوفا يحمدون الله، ويستغفرون له ويسألونه المغفرة والرحمة، والتجاوز عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يودعه حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره، سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه. ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره، والسلام عليه، والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا. فأول ذلك، تعاهده في مرضه وتذكيره الآخرة، وأمره

стр. 4

- ج - بالوصية والتوبة، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه. ثم النهي عن عادة الامم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشق الثياب، وحلق الرؤوس، ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك. وسن الخشوع للميت، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، وكان يفعل ذلك، ويقول: " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ". وسن لأمته الحمد والاسترجاع، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين، وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق في قضائه وأعظمم له حمدا، وبكى مع ذلك يوم مات ابنه إبراهيم، رأفة منه ورحمة للولد، ورقة عليه، والقلب ممتلى بالرضى عن الله وشكره، واللسان مشتغل بذكره وحمده " (١). ولما كان كثير من الناس اليوم بعيدين كل البعد عن

стр. 5

- د - هديه الله ﷺ في العبادات كلها، ومنها (الجنائز) بسبب انصرافهم عن دراسة العلم، ولا سيما علم الحديث والسنة، وانكبابهم على العلوم المادية، والعمل لجمع المال، فقد طلب مني بعض الاعزاء بمناسبة وفاة إحدى قريباته يوم الجمعة الواقع في ١١ ربيع الآخر سنة ١٣٧٣ هـ، أن أضع رسالة مختصرة في " آداب الجنائز في الإسلام "، ليقوم هو أو غيره بطبعها وتوزيعها على المجتمعين للتعزية في أيامها المعتادة عندهم، مغتنما فرصة اجتماعهم لتعريفهم بسنة نبهيم حتى يستنوا بها، ويهتدوا بهديها ويستنيروا بنورها. ومع أنني كنت قد باشرت تأليف بعض المصنفات الأخرى، فقد وعدته خيرا، لما في ذلك من التعاون على إحياء السنة، وإماتة البدعة، فسارعت إلى تحقيق رغبته، وإنجاز طلبته. ولكني ما كدت أشرع في ذلك، حتى تبين لي أن الامر أبعد من أن يتحقق بتلك السرعة، وأوسع من أن يجمع في رسالة توزع على الناس في مثل تلك المناسبة، ذلك لأن آداب الجنائز وأحكامها كثيرة جدا، وقسم كبير منها مما اختلفت فيه أقوال العلماء، وتضاربت حوله الآراء، فمنهم من يحرم شيئا، والآخر يبيحه، ومنهم من يوجب شيئا، والآخر لا يجيزه، ومنهم

стр. 6

- هـ - من يراه سنة، وآخر يراه بدعة، وهكذا ... كما هو الشأن في كثير من المسائل الاخرى، في أكثر أبواب الشريعة، مصداقا لقول الله تعالى ﴿ .. وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ .. ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]. لذلك كان لابد قبل كل شئ من جمع مفردات مسائل " الجنائز " ثم دراستها دراسة دقيقة، وتتبع أدلة المختلف عليه منها، ونقدها على ضوء علمي " أصول الحديث " و " أصول الفقه "، واختيار الراجح منها، دون أي تحيز لمذهب معين، أو تأثر بعادة سيطرت حتى صارت كأنها دين يجب أن يتبع! ومما لا يخفى على أهل العلم الذين مارسوا التأليف أن تحقيق مثل هذا العمل، يتطلب سعيا حثيثا، وجهدا بليغا وصبرا جميلا، وزمنا مديدا، وبعد إنجازه يمكن تأليف الرسالة المطلوبة بصورة تطمئن إليها النفس وينشرح لها الصدر، ويعظم بها النفع. لذلك فقد ذكرت للاخ المشار إليه خلاصة هذا معتذرا، فقبل عذري جزاء الله خيرا، ولكنه عاد يطلب مني الشروع في هذا العمل، وحضني عليه، وبالغ فيه راجيا منه خيرا كثيرا. فاستخرت الله تعالى، وانكببت على الدراسة، والمراجعة، قرابة ثلاثة أشهر، أعمل فيها ليلا نهارا، إلا ما لابد منه من العمل في مهنتي، والنوم الذي لا غنى عنه لراحة جسمي، حتى تمكنت من إعداد هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم. ولقد كان يتطلب من الوقت أكثر مما قدر له، لولا أن قسما كبيرا من مسائله وأحاديثه قد كان محققا عندي في بعض تصانيفي، ولذلك تراني أحيل عليها في بعض المواطن منه.

стр. 7

- و - ولقد حاولت أن أستقصي فيه كل ما له علاقة بموضوعه من المسائل التي لها دليل من الكتاب والسنة، وأعرضت مما كان مستنده مجرد الرأي، لان الموضوع تعبدي محضى، لا مجال للقياس فيه، إلا ما لا بد منه من القياس الجلي. وأوردت في أوله بعض الفصول والمسائل التي لا تذكر عادة في " باب الجنازة " من عامة كتب الفقه، مثل الوصية، وعلامات حسن (خاتمة، ونحو ذلك، وبعضه قد لا يذكر فيها أصلا، مثل الفصل (٥ و ٨ و ٩)، والمسألة (٣٠)، والفقرة (ج ود) من المسألة (٧٤) والمسألة (٩٨ و ١٠٥ ٩٩ و ١٠٧ و ١١٣ و ١٢٥) والفقرة (٧) من مسألة (١٢٨) مع أهميتها وكثرة ابتلاء الناس بها، وتواتر الاحاديث فيها، والفقرة (١٠) منها. واستوحيت ترتيبه من الواقع، فافتتحته بفصل: (١ - ما يجب على المريض) من الرضى بالقضاء والصبر على القدر وترك تمني الموت وأداء الحقوق والوصية والاشهاد عليها ... ثم: (٢ - تلقين المحتضر) وما على من حضره من التلقين وأمره بالشهادة. ثم (٣ - ما على الحاضرين بعد موته) من غمض عينيه. والدعاء له وتغطيته. والتعجيل بتجهيزه. والمبادرة لقضاء دينه. ثم (٤ - ما يجوز للحاضرين وغيرهم) من كشف وجهه وتقبيله والبكاء عليه.

стр. 8

- ز - ثم (٥ - ما يجب على أقارب الميت) من الصبر والرضا بالقدر، والا سترجاع، وإحداد المرأة على زوجها. ثم (٦ - ما يحرم عليهم) من النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب، وغير ذلك كنعيه على المنائر. ثم (٧ - النعي الجائز). ثم (٨ - علامات حسن الخاتمة). ثم (٩ - ثناء الناس على الميت). ثم (١٠ - غسل الميت). وهكذا إلى الدفن وزيارة القبور. وختمته بفصل خاص ببدع الجنائز. أستوعبت فيه جميع ما وقفت عليه من البدع منصوصا عليه في كتاب من كتب أهل العلم قديما وحديثا. عازيا كل بدعة إلى موضعها من كتبهم. وما لم يعز إليهم. فهو مما يحكم المنهج العلمي في أصول البدع أنه منها. ولكني لم أر من نص، منهم عليها. وكثير منها من بدع العصر الحاضر. وإني لأسأل الله ﵎ أن ينفع بهذا الكتاب كل من قرأه. ويكتب لي أجره ومثله لمن كان سبب تأليفه ولمن قام على طبعه. إنه سميع مجيب. دمشق ٢٤ محرم سنة ١٣٨٨ هـ (١). محمد ناصر الدين الألباني

стр. 9

أحكام الجنائز وبدعها تأليف: محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي

стр. 10

(١) ما يجب على المريض ١ - على المريض أن يرضى بقضاء الله، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه، ذلك خير له، قال رسول الله ﷺ : " عجبا لامر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لاحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". وقال ﷺ : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى ". رواهما مسلم والبيهقي وأحمد. ٢ - وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله على ذنوبه، ويرجو رحمة ربه، لحديث أنس: " أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يارسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف ". أخرجه، الترمذي وسنده حسن، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٢٤/ ٢٥) وابن أبي الدنيا كما في " الترغيب " (٤/ ١٤١).

стр. 11

٣ - ومهما اشتد به المرض، فلا يجوز له أن يتمنى الموت، لحديث أم الفض ﵂: " أن رسول الله ﷺ دخل عليهم، وعباس عم رسول الله يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله ﷺ : يا عم! لا تتمن الموت، فانك إن كنت محسنا، فأن تؤخر تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلاتتمن الموت ". أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٩) وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي. وإنما هو على شرط البخاري فقط، وأخرجه الشيخان والبهقي (٣/ ٣٧٧) وغيرهم من حديث أنس مرفوعا نحوه، وفيه: " فإن كان لا بد فاعلا فليقل: الهم أحيي ما كانت الحياة خيرا لي: وتوفي إذا كانت الوفاة خيرا لي ". ٤ - وإذا كان عليه حقوق فليؤدها إلى، أصحابها، إن تيسر له ذلك. وإلا أوصى بذلك، فقد قال ﷺ : " من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه (١) أو ماله، فليؤدها إليه، قبل أن يأتي يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم " إن كان له عمل صالح أخذ منه، وأعطي صاحبه، وإن لم يكن له عمل صالح، أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه ". أخرجه البخاري والبيهتي (٣/ ٣٦٩) وغيرهما. وقال ﷺ : " أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا دراهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف، هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا، من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ". رواه مسلم (٨/ ١٨)

стр. 12

وقال ﷺ أيضا: " من مات وعليه دين، فليس ثم دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات ". أخرجه الحاكم (٢/ ٢٧) والسياق له وابن ماجه وأحمد (٢/ ٧٠ - ٨٢) من طريقين عن ابن عمر، والأول صحيح كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، والثاني حسن كما قال المنذري (٣/ ٣٤)، ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: " الدين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه، فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم (١) ". وقال جابر بن عبد الله ﵄: " لما حضر أحد، دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز على منك غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن على دينا فاقض، واستوص باخوتك خيرا. فأصبحنا، فكان أول قتيل .. " الحديث. أخرجه البخاري. ٥ - ولا بد من الاستعجال بمثل هذه الوصية لقوله ﷺ : " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شئ يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ". قال ابن عمر: " ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي ". رواه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم. ٦ - ويجب أن يوصي لأقربائه الذين لا يرثون منه، لقوله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ٧ - وله أن يوصي بالثلث من ماله، ولا يجوز الزيادة عليه، بل الافضل أن ينقض منه لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:

стр. 13

" كنت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمرضت مرضا أشفيت منه على الموت، فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليس يرثي إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: قلت: بشطر مالي؟ قال: لا. قلت: فثلث مالي؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك يا سعد! أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (وقال بيده)، إنك يا سعد لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك. (قال: فكان بعد الثلث جائزا) ". أخرجه أحمد (١٥٢٤) والسياق له والشيخان والزيادتان لمسلم وأصحاب السنن. وقال ابن عباس ﵁: " وددت أن الناس عضوا من الثلث إلى الربع في الوصية، لأن النبي ﷺ قال: الثلث كثير ". أخرجه أحمد (٢٠٢٩، ٢ ٠٧٦) والشيخان والبيهقي (٦/ ٢٦٩) وغيرهم. ٨ - ويشهد على ذلك رجلين عدلين مسلمين، فان لم يوجدا فرجلين من غير المسلمين على أن يستوسق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه، في قول الله تبارك تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا (١) فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ

стр. 14

فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨] ٩ - وأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي، فلا تجوز، لأنها منسوخة بآية الميراث، وبين ذلك رسول الله ﷺ أتم البيان في خطبته في حجة الوداع فقال: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " (١) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي (٦/ ٢٦٤) وأشار لتقويته، وقد أصاب، فإن إسناده حسن، وله شواهد كثيرة عند البيهقي و " مجمع الزوائد " (٤/ ٢١٢ ". ١٠ - ويحرم الاضرار في الوصية، كأن يوصي بحرمان بعض الورثة من حقهم من الارث، أو يفضل بعضهم على بعض فيه، لقوله ﵎: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون ... مما قل أو كثر نصيبا مفروضا .. ) (٦ - ١٢) وفي الاخيرة منها: (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار، وصية من الله، والله عليم حليم). ولقوله ﷺ : " لا ضرر، من ضار ضاره الله، ومن شاقه الله ". أخرجه الدارقطني (٥٢٢) والحاكم (٢/ ٥٧ - ٥٨) عن أبي سعيد الخدري، ووافق الذهبي الحاكم: على قوله " صحيح على شرط مسلم " والحق أنه حديث حسن كما قال النووي في " الاربعين " وابن تيمية في " الفتاوى " (٣/ ٢٦٢) لطرقه وشواهده الكثيرة، وقد ذكرها الحافظ ابن رجب في " شرح الاربعين " (ص ٢١٩، ٢٢٠) ثم خرجتها في " إرواء الغليل " رقم ٨٨٨)

стр. 15

١١ - والوصية الجائرة باطلة مردودة، لقوله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " وأحمد وغيرهم. ولحديث عمران بن حصين: " أن رجلا أعتق عند موته ستة رجلة (١) فجاء ورثته من الاعراب، فأخبر وارسول الله ﷺ بما صنع، قال: أو فعل ذلك!؟ قال: لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه، قال: فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين، ورد أربعة في الرق ". أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٦) ومسلم بنحوه وكذا الطحاوي والبيهقي وغيرهم. ١٢ - ولما كان الغالب على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداع في دينهم، ولا سيما فيما يتعلق بالجنائز، كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهز ويدفن على السنة عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يوصون بذلك، والاثار عنهم بما ذكرنا كثيرة، فلا بأس من الاقتصار على بعضها: أ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن أباه قال في مرضه الذي مات فيه: " ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله ﷺ ". أخرجه مسلم والبيهقي (٣/ ٤٠٧) وغيرهما. ب - عن أبي بردة قال: " أوصى إبو موسى ﵁ حين حضره الموت قال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تتبعوني بمجمر، ولا تجعلن على لحدي شيئا يحول بيي وبين التراب، ولا تجعلن على قبري بناء، وأشهدكم أني برئ من كل حالقة، أو سالقة، أو خارقة، قالوا، سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم، من رسول الله ﷺ ".

стр. 16

أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٧) والبيهقي (٣/ ٣٩٥) بهذا التمام، وابن ماجه بسند حسن. ج - عن حذيفة قال: " إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا، فإني أخاف أن يكون نعيا، وإني سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن النعي ". أخرجه الترمذي (٢/ ١٢٩) وقال: " حديث حسن "، ورواه غيره بنحوه وسيأتي في " النعي " وفي الباب آثار أخرى تأتي في المسألة (٤٧). ولما سبق قال النووي رحمه الله تعالى في " الاذكار ": " ويستحب له استحبابا مؤكدا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويؤكد العهد بذلك ".

стр. 17

(٢) تلقين المحتضر ١٣ - فإذا حضره الموت، فعلى من عنده أمور: أ - أن يلقنوه الشهادة، لقوله ﷺ : " لقنوا موتا كم لا إله إلا الله، (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) ". وكان يقول: " من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة "، وفي حديث آخر: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". أخرجها مسلم في صحيحه، والزيادة في الحديث الأول عند ابن حبان (٧١٩ موارد) (١) ب، ج - أن يدعوا له، ولا يقولوا في حضوره إلا خيرا، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " أخرجه مسلم والبيهقي (٣/ ٣٨٤) وغيرهما. ١٤ - وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه، بل هو أمره بأن يقولها خلافا لما يظن البعض، والدليل حديث أنس ﵁:

стр. 18

" أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من الانصار، فقال: يا خال! قل: لا إله إلا الله، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﷺ : نعم ". أخرجه الامام أحمد (٣/ ١٥٢، ١٥٤، ٢٦٨) بإسناد صحيح على شرط مسلم. ١٥ - وأما قراءة سورة (يس) عنده، وتو جيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: " أليس الميت امرأ مسلما!؟ " وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة. فأفاق، فقال: حولتم فراشي!؟ فقالوا نعم، فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك (١)؟ فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه. أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/ ٧٦) بسند صحيح عن زرعة. ١٦ - ولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الاسلام عليه، رجاء أن يسلم، لحديث أنس ﵁ قال: " كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار، (فلما مات، قال: صلوا على صاحبكم) ". أخرجه البخاري والحاكم والبيهقي وأحمد (٣/ ١٧٥، ٢٢٧، ٢٨٠ ٢٦٠) والزيادة له في رواية.

стр. 19

(٣) ما على الحاضرين بعد موته ١٧ - فإذا قضى وإسلم الروح، فعليهم عدة أشياء: أ، ب - أن يغمضوا عينيه، وبدعوا له أيضا لحديث أم سلمة قالت: " دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فان الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه ". أخرجه مسلم وأحمد (٦/ ٢٩٧) والبيهقي (٣/ ٣٣٤) وغيرهم. ج - أن يغطوه بثوب يستر جميع بدنه لحديث عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببردة حبرة" أخرجه الشيخان في صحيحهما والبيهقي (٣/ ٣٨٥) وغيرهم. د - وهذا في غير من مات محرما، فإما المحرم، فإنه لا يغطى رأسه ووجهه لحديث ابن عباس قال: " بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال: فأقعصته، فقال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين (وفي رواية: في ثوبيه) ولا تحنطوه

стр. 20

(وفي رواية: ولا تطيبوه)، ولا تخمروا رأسه (ولا وجهه)، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ". أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " وأبو نعيم في " المستخرج " (ق ١٣٩ - ١٤٠) والبيهقي (٣/ ٣٩٠ - ) وليست الزيادة عند البخاري هـ - أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: " أسرعوا بالجنازة .. " الحديث، وسيأتي بثمامه في الفصل (٤٧). وفي الباب حديثان آخران أصرح من هذا، ولكنهما ضعيفان ولذلك أعرضنا عنهما.

стр. 21

و - أن يدفنوه في البلد الذي مات فيه، ولا ينقلوه إلى غيره، لانه ينافي الاسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدم، ونحوه حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: " لما كان يوم أحد، حمل القتلى ليدفنوا بالبقيع، فنادى منادي رسول الله ﷺ : إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم - بعدما حملت أمي أبي وخالي عديلين (١) (وفي رواية: عادلتهما) (على ناضح) لتدفنهم تفي البقيع - فردوا (وفي رواية قال: فرجعناهما مع القتلى حيث قتلت) ". أخرجه أصحاب السنن الاربعة وابن حبان في صحيحه (١٩٦ - موارد) والرواية الاخرى له، وأحمد (٣/ ٢٩٧ - ٣٨٠) والبيهقي (٤/ ٥٧) بإسناد صحيح، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح " والزيادة لاحمد في رواية يأتي لفظها في المسألة الفصل (٨٠). ولذلك قالت عائشة لما مات أخ لها بوادي الحبشة فحمل من مكانه: " ما أجد في نفسي، أو يحزني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه " (٢) أخرجه البيهقي بسند صحيح. ز - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه، فإن لم تفعل، وتطوع بذلك بعضهم جاز، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن سعد بن الأطول ﵁: =

стр. 22

" أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي ﷺ : إن أخاك محبوس بدينه (فاذهب) فاقض عنه (فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت) قلت: يارسول الله، قد قضيت عنه إلا دينار ين ادعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال أعطها فإنها محقة، (وفي رواية: صادقة) ". أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٢) وأحمد (٤/ ١٣٦، ٥/ ٧) والبيهقي (١٠/ ١٤٢) وأحد إسناديه صحيح، والاخر مثل إسناد ابن ماجه، وصححه البوصيري في " الزوائد "! وسياق الحديث والرواية الثانية للبيهقي وهي والزيادات لاحمد في رواية. الثاني: عن سمرة بن جندب. " أن النبي ﷺ صلى على جنازة (وفي رواية: صلى الصبح) فلما انصرف قال: أههنا من آل فلان أحد؟ (فقال رجل: هو ذا)، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس (ثلاثا لا بحيبه أحد)، (فقال له النبي ﷺ : ما منعك في المرتين الأولين أن تكون أجبتني؟) أما إني لم أفوه باسمك إلا لخير، إن فلانا - لرجل منهم - مأسور بدينه (عن الجنة، فان شئتم فافدوه، وإن فأسلموه إلى عذاب الله)، فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه، (حتى ما أحد يطلبه بشئ) " (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٤) والنسائي (٢/ ٢٣٣) والحاكم (٢/ ٢٥، ٢٦) والبهقي (٦/ ٤ / ٧٦) والطيالسي في مسنده (رقم ٨٩١، ٨٩٢) وكذا أحمد (٥/ ١١، ١٣، ٢٠) بعضهم عن الشعبي عن سمرة، وبعضهم أدخل بينهما سمعان بن مشنج، وعلى الوجه الثاني صحيح فقط. والرواية الاخرى للمسندين، والزيادة الأول والثانية للحاكم، وكذا الثالثة والخامسة، وللبيهقي الثانية، ولاحمد الثالثة والرابعة، وللطيالسي الخامسة، وله ولاحمد وأبي داود السادسة.

стр. 23

الثالث عن جابر بن عبد الله قال: " مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، (فتخطى) خطى، ثم: قال لعل على صاحبكم دينا؟ قالوا نعم ديناران، فتخلف، (قال: صلوا على صاحبكم)، فقال له رجل منا يقال له إبو قتادة: يا رسول الله هما علي، فجعل رسول الله ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما برئ؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي إبا قتادة يقول: (وفي رواية ثم لقيه من الغد فقال:) ما صنعت الديناران؟ (قال: يارسول الله إنما مات أمس) حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الاخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟) قال: قد فضيتهما يا رسول الله، قال الان حين بردت عليه جلده ". (١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٨) والسياق له والبيهقي (٦/ ٧٤ - ٧٥) والطيالسي (١٦٧ ٣) وأحمد (٣/ ٣٣٠) بإسناد حسن كما قال الهيثمي (٣/ ٣٩) وأما الحاكم فقال: " صحيح الاسناد "! ووافقه الذهبي! والرواية الاخرى مع الزيادات عندهم جميعا إلا الحاكم، إلا الزيادة الثانية فهي للطيالسي وحده.

стр. 24

تنبيهان: ١ - أفاد هذا الحديث أن قضاء أبي قتادة للدين كان بعد صلاة النبي ﷺ على الميت. وهذا مشكل، فقد صح عن أبي قتادة نفسه أنه قضاه قبل الصلاة كما سيأتي ذكره في المسألة (٥٥) فقرة (و)، فان لم تحمل القصة على التعدد فرواية أبي قتادة أصح من حديث جابر، لان فيه عبد الله بن محمد عقيل، وفيه كلام، وهو حسن الحديث فيما لم يخلف فيه، وأما مع المخالفة فليس بحجة، والله أعلم. ٢ - أفادت هذه الاحاديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه، بولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المخصصات لعموم قوله ﵎: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ولقوله ﷺ : " إذا مات الانسان النقطع عمله إلا من ثلاث .. " الحديث رواه مسلم والبخاري في الادب المفرد وأحمد، ولكن القضاء عنه شئ والتصدق عنه شئ آخر، فانه أخص من التصدق، وإلا فالاحاديث التي وردت في التصدق عنه، إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو من كسبهما بنص الحديث، فلا يحوز قياس الغريب عليهما، لانه قياس مع الفارق مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء، لانها أعم منه كما ذكرنا، ولعلنا نتكلم عن هذه المسألة بشئ من التفصيل في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. الحديث الرابع: عن جابر أيضا. " أن أباه استشهد يوم أحد، وترك ست بنات، وترك عليه دينا (ثلاثين وسقا)، (فاشتد الغرماء في حقوقهم)، فلما حضره جداد النخل، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يارسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا، وإني أحب أن يراك الغرماء، قال: اذهب فبيدر كل تمر على حدة، ففعلت، ثم دعوت، (فغدا علينا حين أصبح)، فلما نظرو إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاثا (ودعا في ثمرها بالبركة)، ثم جلس عليه، ثم قال:

стр. 25

ادع أصحابك، فما زال يكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي، (١) وانا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلمت والله البيادر كلها حتى اني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقص تمرة واحدة، (فوافيت مع رسول الله ﷺ اللمغرب، فذكرت ذلك له فضحك، فقال: ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما، فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون ذلك ". أخرجه البخاري (٥/ ٤٦، ١٧١، ٣١٩، ٦/ ٤٦٢، ٤٦٣) والسياق مع الزيادات له، ورواه بنحوه أبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٢٧، ١٢٨) والدارمي (١/ ٢٢ - ٢٥) وابن ماجه (٢/ ٨٢ - ٨٣) والبيهقي (٦/ ٦٤) وأحمد (٣/ ٣١٣، ٣٦٥ ٣٧٣، ٣٩١، ٣٩٧) مطولا ومختصرا. وفيه عند أحمد زيادات كثيرة، لم أوردها خشية الاطالة. الخامس عنه أيضا قال: " كان رسول الله صلى عليه وسلم يقوم فيخطب، فيحمد الله، ويثي عليه بما هو أهل له، ويقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة (وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، وكان إذا ذكر الساعة احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه، كأنه منذر جيش (يقول): صبحكم ومساكم، من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ضياعا (٢) أو دينا فعلي، وإلي، وأنا (أ) ولى (ب) المؤمنين (وفي رواية: بكل مؤمن من نفسه) ". أخرجه مسلم (٣/ ١١) والنسائي (١/ ٢٣٤) والبيهقي في " السنن " (٣/ ٢ ١٣ - ٢١٤) وفي " الاسمائك والصفات " (ص ٨٢) وأحمد (٣/ ٢٩٦، ٣١١، ٣٣٨ - ٣٧١) والسياق له، وإبو نعيم في " الحلية " (٣/ ١٨٩)، والزيادة الأولى له، وللنسائي والبيهقي

стр. 26

وإسنادها صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية له وللبيهقي، والثالثة والرابعة لاحمد، والرواية الثانية لمسلم. وفي الباب عن أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما، وسيأتي حديثه في المسألة (٥٥) فقرة (و) الحديث الثاني. السادس: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من حمل من أمتي دينا، ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه ". أخرجه أحمد (٦/ ٧٤) وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال المنذري (٣/ ٣٣): " رواه أحمد بإسناد جيد وأبو يعلى والطبراني في الاوسط " ونحوه في " المجمع " (٤/ ١٣٢) إلا أنه قال: " ورجال أحمد رجال الصحيح " (١).

стр. 27

(٤) ما يجوز للحاضرين وغيرهم ١٨ - ويجوز لهم كشف وجه الميت وتقبيله، والبكاء عليه ثلاثة أيام، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " لما قتل أبي، جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي، ونهوني، والنبي ﷺ لا ينهاني، (فأمر به النبي ﷺ فرفع)، فجعلت عمي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ تبكين، أولا تبكين، مازالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه". أخرجه الشيخان والنسائي والبيهقي وأحمد (٣/ ٢٩٨) والزيادة لمسلم والنسائي. الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: " أقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه ب (السَنْح) حتى نزل فدخل على المسجد، (وعمر يكلم الناس) فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂، فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببردة جرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله (بين عينيه)، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله " لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها، وفي رواية: لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها".

стр. 28

أخرجه البخاري (٣/ ٨٩) والنسائي (١/ ٢٦٠ - ٢٦١) والزيادة له في رواية، وابن حبان في صحيحه (٢١٥٥) والبيهقي (٣/ ٤٠٦) وغيرهما. الثالث: عن عائشة أيضا: " أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فكشف في وجهه، ثم أكب عليه فقبله، وبكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه ". أخرجه الرمذي (٢/ ١٣٥) وصححه والبيهقي وغيرهما، وله شاهد بإسناد حسن يراجع في " مجمع الزوائد " (٣/ ٢٠). الرابع عن أنس رضى الله عنه قال: " دخلنا مع رسول الله ﷺ أبي سيف - وكان ظئرا (١) الابراهيم ﵇، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". أخرجه البخاري (٣/ ٣٥) ومسلم والبيهقي (٤/ ٦٩) بنحوه. الخامس: عن عبد الله بن جعفر ﵁: " أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم .. " الحديث. رواه أبو داود (٢/ ١٢٤) والنسائي (٢/ ٢٩٢) وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد بأتم منه، وسيأتي لفظه في " التعزية ".إن شاء الله تعالى.

стр. 29

(٥) ما يجب على أقارب الميت ١٩ - ويجب على أقارب الميت يبلغهم خبرو وفاته أمران: الأول: الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: " مر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فانك لم تصب بمصيبتي! قال: ولم تعرفه! فقيل لها: هو رسول الله ﷺ ! فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: أخرجه البخاري (٣/ ١١٥ - ١١٦) ومسلم (٣/ ٤٠ - ٤١) والبيهقي (٤/ ٦٥) والسياق له. والصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة أذكر بعضها: أولا: " لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من تالولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ".

стр. 30

أخرجه الشيخان والبيهقي (٦٧/ ٤) عن أبي هريرة. ثانيا: " مامن مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته، قال: ويكونون على باب من أبواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يجئ أبوانا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبوا كم بفضل رحمة الله ". أخرجه النسائي (١/ ٢٦٥) والبيهقي (٤/ ٦٨) وغيرهما عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين. ثالثا: " أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا حجابا من النار، قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان ". أخرجه البخاري (٣/ ٩٤) ومسلم والبيهقي (٤/ ٦٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁. رابعا: " إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الارض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة ". أخرجه النسائي (١/ ٢٦٤) عن عبد الله بن عمرو بسند حسن. الامر الثاني: مما يجب على الاقارب: الاسترجاع، وهو أن يقول: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) كما جاء في الآية المتقدمة، ويزيد عليه قوله: " اللهم اجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها " لحديث أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من مسلم تصبه مصيبة فيقول ما أمره الله (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللهم اجرني في معيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب با الغيرة ". أخرجه مسلم (٣/ ٣٧) والبيهقي (٤/ ٦٥) وأحمد (٦/ ٣٠٩).

стр. 31

٢٠ - ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها، حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فتحد أربعة أشهر وعشرا، لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: " دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر (أن) تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ثم دخلت على زينب بنت جحش - حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست، ثم قالت: مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول .. " فذكرت الحديث. أخرجه البخاري (٣/ ١١٤، ٩ ٤٠٠/ ٤٠٠ - ٤٠١). ٢١ - ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها، إرضاء للزوج وقضاء لوطره منها، فهو أفضل لها، ويرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لام سليم وزوجها أبي طلحة الانصاري ﵄، ولا بأس من أن أسوق هنا قصتهما في ذلك - على طولهما - لما فيها من الفوائد والعظات والعبر، فقال أنس ﵁: " قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم - وهي أم أنس -: إن هذا الرجل - يعني النبي ﷺ يحرم الخمر - فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك فجاء أبو طلحة، فخطب أم سليم، في كلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة! ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصلح لى أن أتزوجك! فقال: ما ذاك دهرك، قالت: وما دهري قال: الصفراء والبيضاء! قالت: فإني لا أربد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الاسلام، (فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره)، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله ﷺ ، فانطلق أبو طلحة يريد النبي ﷺ ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غرة الاسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذالك، قال ثابت (وهو البناني أحد رواة القصة عن أنس) فما بلغنا أن مهرا كان أعظم منه أنها رضيت الاسلام مهرا، فتزوجها وكانت امرأة مليحة العينين، فيها صغر، فكانت معه حتى ولد له بني، وكان يحبه أبو طلحة حبا شديدا. ومرض الصبي (مرضا شديدا)، وتواضع أبو طلحة لمرضه أو تضعضع له،

стр. 32

(فكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي ﷺ فيصلى معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجئ يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة) فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي ﷺ (وفي رواية: إلى المسجد) ومات الصبي فقالت أم سليم: لا يتعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي (فسجت عليه)، ووضعته (في جانب البيت)، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله ﷺ حتى دخل عليها (ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه) فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ماكان منذ اشتكى أسكن منه الساعة (وأرجو أن يكون قد استراح!) فأتته بعشائه (فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم)، (قال فقال إلى فراشه فوضع رأسه)، ثم قامت فتطيبت، (وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك)، (ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل إلي أهله)، (فلما كان آخر الليل) قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا قوما علية لهم، فسألو هم إياها أكان لهم أن يمنعو هم؟ فقال: لا، قالت فإن الله عزوجل كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت بما وقعت به نعيت إلي ابني! (فاسترجع، وحمد الله)، (فلما أصبح اغتسل)، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ (فصلى معه) فأخبره، فقال رسول الله ﷺ ، بارك الله لكما في غابر ليلتكما، فثقلت منت ذلك الحمل، وكانت أم سليم تسافر مع النبي ﷺ ، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله ﷺ إذا ولدت فأتوني بالصبي، (قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ ، فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، دقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أد فانطلقا قال: وضربها المخاض حين قدموا)، فولدت غلاما، وقالت لابنها أنس: (يا أنس! لا يطعم شيئا حتى تغدوا به إلى رسول الله ﷺ ، (وبعثت معه بتمرات)، قال: فبات يبكي، وبت مجنحا (١) عليه، أكالئه حتى أصبحت، فغدوت إلى رسول الله ﷺ ، (وعليه بردة)، وهو يسم إبلاء أو غنما (قدمت عليه)، فلما نظر إليه، قال لانس: أولدت

стр. 33

بنت ملحان؟ قال: نعم، (فقال: رويدك أفرغ لك)، قال: فألقى ما في يده، فتناول الصبي وقال: (أمعه شئ؟ قالوا: نعم، تمرات)، فأخذ النبي ﷺ (بعض) التمر (فمضغهن، ثم جمع يزاقه)، (ثم فغز فاه، وأوجره إياه)، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: (يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله ﷺ ، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على (١) ريق رسول اللله ﷺ فقال: انظروا إلى حب الانصار التمر، (قال: قلت: يارسول الله سمه، قال:) (فمسح وجهه) وسماه عبد الله، (فما كان في الانصار شاب أفضل منه)، قال: فحرج مننه رجل (٢) كثير، واستشهد عبد الله بفارس) ". أخرجه الطيالسي (رقم ٢٠٥٦) والسياق له، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٦٥ - ٦٦ - وابن حبان (٧٢٥) وأحمد (٣/ ١٠٥ - ١٠٦، ١٨١، ١٩٦، ٢٨٧، ٢٩٠) والزيادات كلها له كما سيأتي، ورواه البخاري (٣/ ١٣٢ - ١٣٣) ومسلم (٦/ ١٧٤ - ١٧٥) مختصرا مقتصرا على قصة وفاة الصبي، وروى النسائي (٢/ ٨٧) قسما من أوله، والزيادة الأولى له، والسادسة والثامنة والخامسة عشر والسادسة عشر للبخاري، والتاسعة عشر والثانية والعشرون لمسلم، وسائرها لاحمد كما سبق. وقد عنيت عناية خاصة بجمع روايات هذه القصة وألفاظها، لما فيها من روعة وجلالة، وليأخذ القارئ عنها فكرة جامعة صادقة، وذلك تتم العبرة والفائدة.

стр. 34

(٦) ما يحرم على أقارب الميت ٢٢ - لقد حرم رسول الله ﷺ أمرا كان ولا يوال بعض الناس يرتكبونها إذا مات لهم ميت، فيجب معرفتها لا جتنابها، فلا بد من بيانها: أ - النياحة (١)، وفيها أحاديث كثيرة: ١ - " أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الاحساب، والطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب ". رواه مسلم (٣/ ٤٥) والبيهقي (٤/ ٦٣) من حديث أبي مالك الاشعري. ٢ - " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنايحة على الميت ". رواه مسلم (١/ ٥٨ ٤٥) والبيهقي (٤/ ٦٣) وغيرهما من حديث هريرة. ٣ - " لما مات ابراهيم ابن رسول الله ﷺ صاح أسامة بن زيد، فقال رسول الله ﷺ ليس هذا مني، وليس بصائح حق، القلب يحزن، والعين تدمع، ولا يغضب الرب " رواه ابن حبان (٧٤٣) والحاكم (١/ ٣٨٢) عن أبي هريرة بسند حسن.

стр. 35

٤ - عن أم عطية قالت: " أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح، فما وفت منا امرأة (تعني من المبايعات) إلا خمس، أم سليم، أم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ ". رواه البخاري (٣/ ١٣٧) ومسلم (٣/ ٤٦) واللفظ له، والبيهقي (٤/ ٦٢) وغيرهم. ٥ - عن أنس بن مالك: " أن عمر بن الخطاب لما طعن عولت عليه حفصة، فقال: يا حفصد أما حفصة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: المعول عليه يعذب؟! وعول عليه وفي أخرى: (في قبره) بما نيح عليه ". أخرجه البخاري ومسلم والسياق له والبيهقي (٤/ ٧٢ - ٧٣) وأحمد (رقم ٢٦٨، ٢٨٨، ٢٩٠، ٣١٥، ٣٣٤، ٢٥٤، ٣٨٦) من طرق عن عمر مطولا ومختصرا، وروى ابن حبان في " صحيحه " (٧٤١). قصة حفصة فقط. ٦ - " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ". أخرجه الشيخان وأحمد من حديث ابن عمر، والرواية الاخرى لمسلم وأحمد ورواه ابن حبان في صحيحه (٧٤٢) من حديث عمران بن حصين نحو الرواية الأولى. ٧ - " من ينح عليه يعذب بما نيح عليه (يوم القيامة) " (١)

стр. 36

أخرجه البخاري (٣/ ١٢٦) ومسلم (٣/ ٤٥) والبيهقي (٤/ ٧٢) وأحمد (٤/ ٢٤٥، ٢٥٢، ٢٥٥). ٨ - عن النعمان بن بير قال: " أغمي على عبد الله بن رواحة ﵁، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي، كذلك!؟ فلما مات لم تبك عليه ". أخرجه البخاري والبيهقي (٤/ ٦٤). ب، ج - ضرب الخدود، وشق الجيوب لقوله ﷺ : " ليس منا من تلطم الخدود، وشق الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية ". رواه البخاري (٣/ ١٢٧ - ١٢٨، ١٢٩) ومسلم (١/ ٧٠) وابن الجارود (٢٥٧) والبيهقي (٤/ ٦٣ - ٦٤) وغيرهم من حديث ابن مسعود.

стр. 37

د - حلق الشعر، لحديث أبي بردة بن أبي موسى قال: " وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما أفاق قال: إنا برئ ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، فان رسول الله ﷺ برئ من الصالقة، (١) والحالقة، والشاقة ". أخرجه البخاري (٣/ ١٢٩) ومسلم (١/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٦٣) والبيهقي (٤/ ٦٤). هـ - نشر الشعر، لحديث امرأة من المبايعات قالت: " كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه، وأن لانخمش وجها ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، وأن لا ننشر شعرا ". أخرجه إبو داود (٢/ ٥٩) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٦٤) بسند صحيح. وإعفاء بعض الرجال لحاهم أياماً قليلةً حزناً على ميتهم، فإذا مضت عادوا إلى حلقها! فهذا الاعفاء في معنى نشر الشعر كما هو ظاهر، يضاف إلى ذلك أنه بدعة، وقد قال ﷺ : " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". رواه النسائي والبيهقي في " الاسماء والصفات " بسند صحيح عن جابر ر - الاعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها، لانه من النعي، وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنه: " كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي ".

стр. 38

أخرجه الترمذي (٢/ ١٢٩) وحسنه، وابن ماجه (١/ ٤٥٠) وأحمد (٥/ ٤٠٦) والسياق له والبيهقي (٤/ ٧٤)، وأخرج المرفوع منه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/ ٩٧) وإسناده حسن كما قال الحافظ في " الفتح ". والنعي لغة: هو الاخبار بموت الميت، فهو على هذا يشمل كل إخبار، ولكن قد جاءت أحاديث صحيحة تدل على جواز نوع من الاخبار، وقيد العلماء بها مطلق النهي، وقالوا: إن المراد بالنعي الاعلان الذي يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية من الصياح على أبواب البيوت والاسواق كما سيأتي، ولذلك قلت:

стр. 39

(٧) النعي الجائز ٢٣ - ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك، وفيه أحاديث: الأول: عن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربعا ". أخرجه الشيخان وغيرهما، وسيأتي ذكره بجميع زياداته من مختلف طرقه في المسألة (٦٠) الحديث السابع. الثاني: عن أنس قال: قال النبي ﷺ : " أخذ الرواية زيد فأصيب، بثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب - وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان - ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له". أخرجه البخاري وترجم له والذي بنفسه ". وقبله بقوله: " باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه". وقال الحافظ: " وفائدة هذاه الترجمة الاشارة إلى أن النعي ليس ممنوعا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور

стр. 40

قلت: وإذا كان هذا مسلما، فالصياح بذلك رؤوس المنائر يكون نعيا من باب أولى، ولذلك جز منابه في الفقرة التي قبل هذه، وقد يقترن به أمور أخرى هي في ذاتها محرمات أخر، مثل أخذ الاجرة على هذا الصياح! ومدح الميت بما يعلم أنه ليس كذلك، كقولهم: " الصلاة على فخر الاماجد المكرمين، وبقية السلف الكرام الصالحين .. "! ٢٤ - ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت لحديث أبي قتادة ﵁ قال: " بعث رسول الله ﷺ جيش الامراء عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الانصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يارسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدا، قال: امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر، وأمر أن ينادي الصلاة ب جامعة، فقال رسول الله ﷺ : ناب خير، أو ثاب خير - شك عبد الرحمن - يعني ابن مهدي) -، ألا أخبر كم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيدا، فاستغفروا له - فاستغفر له الناس - ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيدا، أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا، فاستغفروا له، ثم أخذا اللواء خالد بن الوليد - ولم يكن من الامراء، بهو أمر نفسه - ثم رفع رسول الله ﷺ أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره - فمن يومئذ سمي خالد سيف الله - ثم قال: انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد: فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا ". أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٩، ٣٠٠ - ٣٠١) وإسناده حسن. وفي الباب عن أبي هريرة وغيره في قوله ﷺ لما نعي للناس النجاشي: " استغفروا لاخيكم " وسيأتي في المسألة (٦٠) ص ٨٧ - ٨٨ (١)
следующие страницы →