وطلق بن غنام بن طلق بن معاوية، وهو ابن [عم] حفص بن غياث، وكاتب شريك بن عبد الله. روى عن: عبد السلام بن حرب، وشريك ابن عبد الله، وزائدة بن قدامة، وغيرهم. روى عنه: محمد بن العلاء، والحسن بن عيسى، وأحمد بن عثمان، وغيرهم. مات في رجب سنة إحدى عشرة ومائتين. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (١) .
وأبو الجوزاء- بالجيم، والزاي- هو أوس بن عبد الله الربعي البصري، من رَبَعة الأزد، والطبعة هو ابن الغطريف الأصغر بن عبد الله ابن الغطريف الأكبر. سمع: عبد الله بن عباَس، وعبد الله بن عمر، وعائشة الصديقة. روى عنه: بديل بن ميسرة، وعمرو بن مالك، وأبو الأشهب، وغالب القطان، وغيرهم. قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (٢) .
والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، من حديث حارثه بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، وبه استدل أبو حنيفة أن المصلي بعد التكبير يستفتح به الصلاةَ، وهو قول محمد بن الحسن، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وجماعة آخرون (٣) . وقال الشافعي: يستفتح بما روى عبيد الله بن رافع، عن عليّ، وقد ذكرناه. وقال مالك: إذا كبر وفرغ من التكبير يقرأ (الحمد لله رب العالمين) . وقال أبو يوسف: أن يجمع بينه وبين " وجهت وجهي " إلى آخره، وقال: لأن الرواية جاءت بهذا وبهذا، واستحسنت أن / يقولهما (٤) المصلي جميعاً. [١/٢٥٨-ب]
ص- قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة جماعة غير واحد، عن بديل، لم يذكروا فيه شيئاً من هذا.
стр. 1437
ش- أشار به إلى أن الحديث غير قوي، وكذا قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه.
قلت: " (١) قد أخرجه الحاكم في ما المستدرك " (٢) بالإسنادين، أعني إسناد أبي داود، وإسناد الترمذي. وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ولا أحفظ في قوله: " سبحانك اللهم وبحمدك " في الصلاة أصح من هذا الحديث، وقد صح عن عمر بن خطاب أنه كان يقوله، ثم أخرجه عن الأعمش، عن الأسود، عن عمر، قال: وقد أسنده بعضهم عن عمر، ولا يصح، وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣) عن عبدة، وهو ابن أبي لبابة، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". وقال المنذري: وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه عبد الله، ويقال: إنه راعى عمر رؤية. وقال صاحب " التنقيح ": وإنما أخرجه مسلم فيه صحيحه،، لأنه سمعه مع غيره. وقال الدارقطني في كتابه " العلل ": وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن حميد ابن أبي غنية، عن أبي إسحاق الطبيعي، عن الأسود، عن عمر، عن النبي- ﵇ وخالفه إبراهيم النخعي فرواه عن الأسود، عن عمر قوله، وهو الصحيح.
وروى الطبراني في " معجمه ": نا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا أبو كريب، نا فردوس الأشعري، نا مسعود بن سليمان قال: سمعت الحكم يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: وكان رسولُ الله إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك " إلى آخره.
وروى الطبراني أيضاً: حدَّثنا محمد بن إدريس المصيصي، والحسين بن إسحاق التستري، قالا: ثنا محمد بن النعمان الفراء المصيصي، نا يحيى
стр. 1438
ابن يعلى الأسلمي، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير الشمالي، قال: " كان رسول الله يعلمنا: إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم ثم قولوا: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإن لم تزيدوا على التكبير أجزأكم ".
وروى الطبراني أيضاً (١) ، عن مكحول، عن واثلة: " أن رسول الله
﵇ كان يقول إذا استفتح الصلاة" نحوه سواء.
وروى الدارقطني في " سننه " (٢) : نا أبو محمد بن صاعد، نا الحسين بن عليّ بن الأسود، نا محمد بن الصلت، نا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس، قال: " كان رسول الله إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك "، ثم قال: إسناده كلهم ثقات.
وروى الطبراني أيضاً في كتابه المفرد في " الدعاء "، فقال: نا أبو عقيل أنس بن سلم الخولاني، نا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى، نا مخلد بن يزيد، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك: " أن النبي ﵇ كان إذا استفتح الصلاة يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ".
وروى أيضاً من طريق آخر بإسناده إلى حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: " كان رسول الله إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم " إلى آخره (٣) .
وفي " المصنف ": نا هشيم، أنا حصين، عن أبي وائل، عن الأسود
стр. 1439
ابن يزيد، قال: " رأيت عمر بن الخطاب افتتح الصلاة فكبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ونا عبد السلام، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: " أنه كان إذا افتتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم ١٠٠ " إلى آخره.
نا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، قال: " بلغني أن أبا بكر كان يقول مثل ذلك ".
[١/٢٥٩-أ] نا هشيم، / أنا جويبر، عن الضحوك في قوله تعالى: (وسبحْ بحَمْد ربِّكَ حين تَقُومُ) (١) قال: حين تقوم إلى الصلاة تقول هؤلاء اَلكلمات: سبَحانك اللهم وبحمدك " إلى آخره.
نا ابن فضيل، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال: قال ابن مسعود: ومن أحب الكلام إلى الله أن يقول الرجل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
***
١١٧- باب: السكتة عند الاستفتاح
أي: هذا باب في بيان السكتة عند استفتاح الصلاة، وفي بعض النسخ: " باب التكبير عند الافتتاح "، وفي بعضها: " باب فيما جاء في التكبير عند الافتتاح ".
٧٥٥- ص- نا يعقوب بن إبراهيم، نا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، قال: قال سمرة: " حَفظتُ سكتتين في الصلاةِ، سكتةً إذا كَبرَ الإمامُ حين (٢) يقرأ، وسكتةً إذا فًرغً من فاتحةِ اَلكتابِ وسورةٍ عند الركوع "
стр. 1440
قال: فأنكر ذلك علي عمران بن حصين، قال: فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبَي، فصدق سمرة (١) .
ش- يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وإسماعيل ابن علية، ويونس بن عبيد البصري، والحسن البصري، وسمرة بن جندل، وأبي بن كعب. قوله: " سكتة " أي: إحديهما سكتة إذا كبر الإمام، حين يقرأ، وفيه دليل لأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والجمهور أنه يستحب دعاء الافتتاح، ولأحاديث أخرى جاءت في هذا الباب. وقال مالك: لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الافتتاح، ودليل الجمهور ظاهر.
قوله: " وسكتة إذا فرغ " أي: الأخرى سكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب، وسورة، وقوله: " عند الركوع " متعلق بقوله: " وسكتة ". وقال الخطابي: " وهذه السكتة ليقرأ مَنْ خلف الإمام، ولا ينازعه في القراءة، وهو مذهب" الشافعي " (٢) ، وعند أصحابنا: لا يقرأ المقتدي خلف الإمام فتحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بحق القراءة والركوع بالتأني، وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة، ولكن حد هذه السكتة قدر ما يقع به الفصل بحق القراءة والركوع، حتى إذا طال جدا، فإن كان عمدا يكره، وإن كان سهوا يجب عليه سجدة السهو، لأن فيه تأخير الركن.
عن- قال أبو داود: وكذا قال حميد: " وسكتة إذا فرغ من القراءة ". ش- أي: حميد الطويل، والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً وقد حمل البعض هذه السكتة على ترك رفع الصوت بالقراءة دون السكوت عن القراءة.
стр. 1441
٧٥٦- ص- نا أبو بكر بن خلاد، نا خالد بن الحارث، عن أشعث، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي- ﵇: " أنه كان يسكتُ سكتتينِ إذا استفتحَ، وإذا فَرغَ من القراءةِ كلها "، ثم ذكر معنى [حديث] يونس (١) .
ش- أبو بكر بن خلاد، اسمه: محمد بن خلاد الباهلي البصري، والد أبي عمر محمد بن محمد بن خلاد ثقة. روى عن: ابن عيينة، ويحيى القطان، وآخرين. روى عنه: أبو داود، وغيره (٢) .
وأشعث بالثاء المثلثة، هو: ابن عبد الملك الحمراني، أبو هانئ البصري. روى [عن] : الحسن البصري، ومحمد بن سيرين. روى عنه: ابن أبي عدي، ويحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، وغيرهم. وقال يحيى بن سعيد: هو عندي ثقة مأمون. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة ست وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وا لنسائي (٣) .
قوله: " إذا استفتح " أي: إذا استفتح الصلاة.
قوله: " ثم ذكر معنى [حديث] يونس " أي: يونس بن عبيد المذكور. وفي " المصنف": نا حفص، عن عمرو، عن الحسن، قال: وكان لرسول الله- ﷺ ثلاث سكتات: سكتة إذا افتتح التكبير حتى يقرأ الحمد، وإذا فرغ من الحمد حتى يقرأ السورة، وإذا فرغ من السورة حتى يركع ".
قلت: أما السكتة الأولى فلأجل دعاء الافتتاح، وفيه دليل للجمهور، وإما السكتة الثانية فلأن يقول: آمين، بعد الفراغ من الفاتحة، وفيه دليل لأصحابنا، وأما السكتة الثالثة فليقع الفصل والتمييز بين الركنين.
٧٥٧- ص- نا مسدد، نا يزيد، نا سعيد، نا قتادة، عن الحسن، أن
стр. 1442
سمرة بن جندب، وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث سمرة بن جندب:
" أنه حفظَ من رسول اللهِ / سكتتين: سكتة إذا كبرَ، وسكتة إذا فرغَ من [١/٢٥٩-ب] ، قراءة: (غيْرِ المَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلا الضالّيِنَ) فحفظَ ذلك سمرةُ، وأنكرَ
عليه عمرانُ بنُ حصين، فَكتبا في ذلك إلى أبيِّ بن كعب، وكان في كتابِه
إليهما، أو في ردِهِ عليهَما: إن سمرةَ قد حَفِظَ " (١) .
ش- يزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة.
قوله: " وسكتة إذا فرغ من قراءة: (غيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا
الضّالِّينَ) هذه السكتة كانت لأجل أن يقول: " آمين "، وفيه حجة
للحنفية في إخفاء " آمين "، كما ذكرنا الآن في حديث أبي بكر بن
أبي شيبة.
٧٥٨- ص- نا ابن المثنى، نا عبد الأعلى، نا سعيد بهذا، قال: عن
قتادة عن الحسن، عن سمرة، قال: " سكتتانِ حفظتهما عن رسول الله
﵇ قال فيه سعيد: قلنا لقتادةَ: ما هاتانِ السكتتان؟ قال: إذاَ
دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعدُ: وإذا قَال: (غيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلا الضالِّينَ) " (٢) .
ش- عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وسعيد بن أبي عروبة.
قوله: "ثم قال بعدُ " أي: بعد أن قال: " وإذا فرغ من القراءة " قال:
" وإذا قال: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضالينَ) يعني: بعد قراءة
الفاتحة كانت السكتة الثانية. والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه
بنحوه. وقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن، وهو قول غير
стр. 1443
واحد من أهل العلم، يستحبون للإمام أن يسكت بعد ما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة، وبه يقول أحمد، وإسحاق، وأصحابنا.
٧٥٩- ص- نا أحمد بن أبي شعيب، نا محمد بن الفضيل، عن عمارة ح، ونا أبو كامل، عن عبد الواحد، المعنى، عن عمارة (١) ، عن أي زرعة، عن أبي هريرة، قال: " كان رسولُ الله- ﷺ إذا كبرَ في الصلاة سكتَ بين التكبير والقراءةِ، فقلتُ له: بأبي أنتم وأمي، ورأيت سكوتًَك التكبيرة والقراءة؟ أخبرني ما تقولُ، قالَ: اللهم باعدْ بيني وبن خطايايَ كما باعدْت بين المشرق والمغرب، اللهم أنقنِي من خطايايَ كالثوب الأبيضِ من الدنسِ، اللهم اغسِلَني بالثلجَ، والماءِ، وَالبَرَدِ " (٢) .
ش- أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب الحراني.
وعمارة بن القعقاع بن شبرمة، ابن أخي عبد الله بن شبرمة الضبي الكوفي. سمع: أبا زرعة، وعبد الرحمن بن أبي نعم (٣) . روى عنه: الأعمش، والثوري، وشريك، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (٤) . وأبو كامل الجحدري، وعبد الواحد بن زياد البصري، وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير البجلي.
قوله: " بأبي أنت وأمي " أنت مُفَدى بأبي وأمي، وقد ذكر هذا غير مرة. قوله: " أرأيت " بمعنى: أخبرني سكوتك.
стр. 1444
قوله: " وبين خطاياي " الخطايا جمع خطية، كالعطايا جمع عطية.
قوله: " اللهم أنقني " وفي رواية: " نقني " من التنقية.
قوله: " كالثوب الأبيض " وجه التشبيه أن الثوب الأبيض إذا نظف من
الدنس والوسخ لم يبق فيه أثر ما من آثار الدنس، ويبقى مثل ما كان
أولاً فكذلك البدن إذا نقي من الذنوب، بأن غفرت له ذنوبه، وتطهر
من آثارها عاد إلى حالته الأولى، وهي أنه كان مثل الثوب الأبيض في
عدم تلبسه بالآَثام والأوزار، وإنما شبه ذلك بالثوب الأبيض دون غيره من
الألوان، لأن ظهور النقاوة في الأبيض أشد وكمل، لصفاء أبياض،
بخلاف غيره من الألوان.
قوله: " اللهم اغسلني بالثلج " ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء
التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة، والنظافة في شيء إلا بأحدها،
تبيانا لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها، والمعنى: طهرني
من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأصول
الثلاثة في (١) إزالة الأرجاس، ورفع الجنابة والأحداث، ويحتمل ابنه
سأل الله أن يغسل خطاياه بهذه الأصول التي يستعملها المتطهرون لرفع الأحداث، والمعنى: كما جعلتها سبباً لحصول الطهارة، فاجعلها سبباً
لحصول المغفرة، وبيان ذلك في حديث أبي هريرة، عن النبي- ﵇: " إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن فغسل وجهه / خرج من [١/٢٦٠-أ] وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء "
الحديث (٢) . وقال بعضهم: معنى قوله:" بالثلج، والماء، والبرد "
أنها أمثال، ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنما أراد التقيد في التطهير،
ويقال: هذه استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب، والحديث محمول
على صلاة الليل كما ذكرناه، وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي،
وابن ماجه.
стр. 1445
وعند البزار بسند جيد من حديث خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله- ﵇ قال: فإذا صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبن خطيئتي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني بوجهك يوم القيامة، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أحيني مس" وأمتني مس" ".
وخبيب وثقه ابن حبان، وكذلك أبوه، وابن القطان رد حديثه بجهل حالهما.
***
١١٨- باب: من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
أي: هذا باب في بيان أقوال من لم ير الجهر بالتسمية في الصلاة، وفي بعض النسخ:" باب فيما جاء فيمن لم ير الجهر".
٧٦٠- ص- نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن أنس: " أن النبي- ﵇ وأبا بكر، وعمرَ، وعثمانَ كانوا يفتتحونَ القراءةَ ب (الحمدُ للهِ رَب العَالَميِنَ) (١) ".
ش- مسلم بن إبراهيم القصاب، وهشام الدَستوائي. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: " صليت خلف رسول الله، وخلف أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) "، وفي لفظ لمسلم: " فكانوا يستفتحون القراءة ب (الحمد لله رب العالمين) لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في آخرها".
стр. 1446
ورواه النسائي في " سننه "، وأحمد في " مسنده " (١) ، وابن حبان في" صحيحه " في النوع الرابع من القسم الخامس، والدارقطني في " سننه " (٢) ، وقالوا فيه: " فكانوا لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) "، وزاد ابن حبان:" ويجهرون ب (الحمد لله رب العالمين) " وفي لفظ للنسائي، وابن حبان أيضاً أفلم أسمع أحداً منهم يجهر به ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في " مسنده": "فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به ب (الحمدُ للهِ رَبَّ العَالَمينَ) "، وفي لفظ للطبراني في "معجمه "، وأبي نعيم في "الحلية "، وابن خزيمة في " مختصر المختصر " (٣) :" فكانوا يسرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) "، ورجال هذه الروايات كلهم ثقات، مخرج لهم في" الصحيح "، وفي" المصنف": نا ابن علية، عن الحريري، عن قيس بن عبادة، قال: حدَثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال:" ولم أر رجلاً من أصحاب النبي- ﵇ كان أشد علي حدث في الإسلام منه، قال: سمعني وأنا أقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، قال: يا بني، إياك والحدث، فإني قد صليت خلف رسول الله، وأبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، فلم أسمع أحداً منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: (الحمدُ لله ربَّ العَالمينَ) ". ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
ثم اعلم أن الكلام في التسمية على وجوه، الأول (٥) : في كونها من
стр. 1447
القرآن أم لا؟ ، الثاني: في أنها من الفاتحة أم لا؟ ، والثالث: أنها من أول كل سورة أم لا؟ ، والرابع: تجهر بها أم لا؟ .
أما الأول: فالصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن، لأن الأمة أجمعت على أن ما كان مكتوبا بين الدفتين نقله الوحي، فهو من القرآن والتسمية كذلك، وكذلك روى الأعلى، عن محمد، فقال:" قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ فقال: ما بين الدفتين كله قرآن "، وكذا روى الجصاص، عن محمد أنه قال:" التسمية آية من القرآن، أنزلت للفصل بين السور، وللبداية بها تبركاً وليست باقية في كل واحَدة منها ".
ويبتني على هذا أن فرض القرآن في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة،
إذا قرأها على قصد القراءة، دون الثناء عند بعض مشايخنا، لأنها آية من القرآن. وقال بعضهم: لا يتأدى، لأن في كونها آية تامة احتمال، فإنه رُوي عن الأوزاعي، أنه قال: "ما أنزل الله في القرآن (بسم الله الرحمن الرحيم) إلا في سورة النمل وحدها، ليست بآية تامة، وإنما الآية في قوله: (وإنهُ مِن سلَيْمَانَ وَإنهُ بِسْم اللهِ الرحمَنِ الرحيم) (١) " فوقع الشك في كونها / آية تامة، فلا يجور بالشك، وكذا يحرم على الجنب، والحائض، والنفساء قراءتها على قصد القرآن، أما على قياس رواية الكرخي فظاهر، لأن ما دون الآية يحرم عليهم، وكذا على رواية الطحاوي لاحتمال أنها آية تامة، فيحرم عليهم قراءتها احتياطي، وهذا القول قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة، وهو قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وقالت طائفة: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، وهو قول مالك، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة، وقالت طائفة: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية كما هو المشهور عن الشافعي، ومن وافقه، وقد نقل عن
стр. 1448
الشافعي أنها ليست من الفاتحة عند أبي حنيفة وأصحابه، ولا من رأس كل سورة. وقال الشافعي: إنها من الفاتحة قولا واحدة، وله في كونها من رأس كل سورة قولان، وعن أحمد روايتان، إحداهما: إنها من الفاتحة دون غيرها، تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة، والثانية وهي الأصح: إنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وإن قراءتها في أول الفاتحة كقراءتها في أول السور.
والرابع: أنه يجهر بها عند الشافعي حيث يجهر بالفاتحة. وقال أبو حنيفة: لا يجهر بها، وهو قول جمهور أهل الحديث، وفقهاء الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي، وقيل: يخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم، ثم الحديث الذي رواه أبو داود وغيره يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وهو حجة على من يجعلها من الفاتحة، وهذا الحديث أيضاً من أقوى الحجج لمنع الجهر بالبسملة، والحديث أخرجه جماعة من أصحاب الصحاح، والحسان.
ومنها: ما رواه النسائي في " سننه "، وأحمد في " مسنده "، وابن حبان في " صحيحه "، والدارقطني في " سننه "، وقالوا فيه: " فكانوا لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) " كما ذكرناه. وفي لفظ للطبراني في " معجمه "، وأبي نعيم في " الحلية "، وابن خزيمة في "مختصر المختصر "، والطحاوي في " شرح الآثار ": " فكانوا يسرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
ولحديث أنس طرق أخرى دون ذلك في الصحة، ومنها ما لا يحتج به، وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضاً، وهي سبعة ألفاظ، فالأول: " كانوا لا يستفتحون القراءة ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والثاني: " فلم أسمع أحداً يقول، أو يقرأ: (بسم الله الرحمن
الرحيم) ".
٢٦. شرح سنن أبي داوود ٣
стр. 1449
والثالث: " فلم يكونوا يقرءون (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والرابع: " فلم أسمع أحداً منهم يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والخامس: " فكانوا لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والسادس: " فكانوا يسرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والسابع: " فكانوا يستفتحون القراءة ب (الحمد للْه رب العالمين) ".
وهذا اللفظ هو الذي صححه الخطيب، وضعف ما سواه، لرواية الحفاظ له عن قتادة، ولمتابعة غير قتادة له عن أنس فيه، وجعل اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابها، وحمله على الافتتاح بالسورة، لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه، فكيف يجعل مناقضا لها؟ ! فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهراً، أو سرا، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب؟ ويؤكده قوله في رواية مسلم: " لا يذكرون (بسم اللْه الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في آخرها "، لكنه محمول على نفي الجهر، لأن أنسأ إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه، فانه إذا لم يسمع مع القرب علم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن فيها القراءة سرا، ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها من لم يرَ هاهنا سكوتا كمالك وغيره، لكن ثبت في " الصحيحين "، عن أبي هريرة، أنه قال: " يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول ... " كذا وكذا إلى [١/٢٦١-أ] آخره، على ما ذكرنا، وإذا كان له سكوت لم يمكن / لأنس أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر، والاستفتاح، والسماع، مرادا به الجهر بذلك، يدل علي قوله: " فكانوا لا يجهرون "، وقوله: " فلم أسمع أحداً منهم يجهر "، ولا تعرض فيه للقراءة سرا ولا على نفيها، إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها، أو ينفيها، ولذلك قال لمن سأله: " إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه "، فإن العلم بالقراءة السرية إنما
стр. 1450
يحصل بإخبار، أو سماع عن قرب، وليس في الحديث شيء منهما، ورواية من روى: " فكانوا يسرون " كأنها مروية بالمعنى من لفظ: " لا يجهرون "، وأيضا فحمل الافتتاح ب (الحمدُ لله رَب العَالَمينَ) على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة، وتمجه الأفهامَ الصحيحةَ، لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام والخاص، كما يعلمون أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن الركوع قبل السجود، والتشهد بعد الجلوس إلى غير ذلك، فليس في نقل مثل هذا فائدة، فكيف يجوز أن نظن أن أنسأ قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه؟ وإنما مثل هذا مثل من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود، أو فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر، وأيضا فلو أريد الافتتاح بالسورة لقيل: كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن، أو بفاتحة الكتاب، أو سورة الحمد، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم، وأما تسميتها (الحمدُ لله رَب العَالمينَ) فلم ينقل عن النبي- ﵇ ولا عن الصحابة وَالتابعين، ولا عن أحد يحتج بقوله، وأما تسميتها بالحمد فقط فعُرْف متأخر، يقولون: فلان قرأ الحمد، وأين هذا من قوله: " فكانوا يفتتحون القراءة ب (الحمدُ للهِ رَب العَالمينَ) ؟ فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح.
فإن قيل: فقد روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس الاستفتاح بأم القرآن، وهذا يدل على إرادة السورة. قلنا: هذا مروي بالمعنى، والصحيح عن الأوزاعي ما رواه مسلم عن الوليد بن مسلم،- عنه، عن قتادة، عن أنس، قال (١) : " صليتُ خلف أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، فكانوا يستفتحون ب (الحمدُ لله رب العَالمينَ) ، لا يذكرون (بسم الله الرحمنِ الرحيم) في أول قرَاءة، ولا في آخرها ".
стр. 1451
ثم أخرجه مسلم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، هكذا رواه مسلم في " صحيحه " عاطفا له على حديث قتادة، وهذا اللفظ المخرج في " الصحيح " هو الثابت عن الأوزاعي، واللفظ الآخر إن كان محفوظا فهو مَروي بالمعنى، فيجب حمله على (١) الافتتاح بأم القرآن.
ورواه الطبراني في" معجمه " بهذا الإسناد: " أن النبي- ﵇ وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا لا يجهرون ب (بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم) ".
ومن الأحاديث التي فيها منع الجهر حديث قيس بن عباية الذي ذكرناه عن قريب. قال الترمذي فيه: حديث حسن، والعمل علي عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي- ﵇ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومَن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يرون الجهر ب (بسم الله الرحمنِ الرحيم) في الصلاة، ويقولها في نفسه.
وقال النووي في " الخلاصة ": وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول.
قلت: رواه أحمد في " مسنده " من حديث أبي نعامة، والطبراني في
" معجمه " من طريقين: طريق من عبد الله بن شريدة، وطريق من أبي سفيان، فالطرق الثلاثة عن ابن عبد الله بن مغفل، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة كما ذكرناه، وقد رواه من طريق ابن عبد الله. وقال الخطيب: عبد الله بن بريشة أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي
стр. 1452
وإن تكلم فيه، ولكنه يعتبر به ما تابعه علي غيره من الثقات، وهو الذي
يسمى ابن عبد الله بن مغفل.
قلت: فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء
الثلاثة الأجلاء عنه، وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة، وهو وإن لم يكن / من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة [١/٢٦١-ب] الحسن، وقد حسَنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا
تعددت شواهده، وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه، وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل، واحتجوا في هذه المسألة بما
هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم هو أنه موضوع، ولم يُحْسِن
البيهقي في تضعيف هذا الحديث إذ قال بعد أن رواه في كتاب " المعرفة "
من حديث أبي نعامة: تفرد به أبو نعامة قيس بن عبادة، وأبو نعامة،
وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح.
قلت: قوله: " تفرد به أبو نعامة " ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله
ابن بريدة، وأبو سفيان السعدي.
وقوله:، وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا
الصحيح " ليس بلازم في صحة الإسناد، ولئن سلمنا فقد قلنا: إنه
حسن، والحسن يحتج به، وهذا الحديث مما يدل على أن ترك الجهر
عندهم كان ميراثا عن نبيهم- ﵇ يتوارثونه خلفُهم عن
سلفهم، وهذا وجه كان في المسألة، لأن الصواب الجهرية دائمة صباحا
ومَساء، فلو كان- ﵇ يجهر بها دائما " وقع فيه اختلاف ولا
اشتباه، ولكان معلوما بالاضطرار، و" قال أنس: " لم يجهر بها- عليه
السلام- ولا خلفاؤه الراشدون "، ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضا،ً
وسماه حَدَثاً، و" استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي- عليه
السلام- ومقامه على ترك الجهر، فتوارثه آخرُهم عن أولهم، وذلك جار
عندهم مجرى الصاع والمد، بل أبلغ من ذلك، لاشتراك جميع المسلمين
في الصلاة، ولأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة، وكم من إنسان لا يحتاج
стр. 1453
إلى صاع ولا مد، ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين، وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله- ﵇ يفعله.
ومنها: ما أخرجه مسلم في " صحيحه " (١) ، عن بديل بن ميسرة،
عن أبي الجوزاء، عن عائشة- ﵂ قالت: " كان رسول الله- ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب " الحمدُ لله رَبّ العَالمينَ " انتهى. َ
وهذا ظاهر في عدم الجهر بالبسملة، وتأويله على إرادة اسم السورة يتوقف على أن السورة كانت تسمى عندهم بهذه الجملة، فلا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل.
فإن قيل: هذا الحديث معلول بأمرين. الأول: أن أبا الجوزاء لا يعرف
له سماع من عائشة.
والثاني: أنه يروى عن عائشة: " أنه- ﵇ كان يجهر ". قلنا: يكفينا ابنه حديث أودعه مسلم في " صحيحه "، وأبو الجوزاء اسمه: أوس بن عبد الله الربعي، ثقة كبير، لا ينكر سماعه من عائشة، وقد احتج به الجماعة.
وبديل بن ميسرة تابعي، مُجمع على عدالته وثقته، وقد حدث بهذا الحديث عنه الأئمة الكبار، وتلقاه العلماء بالقبول ولم يتكلم فيه أحد منهم، وما رُوي عن عائشة من الجهر فكذب بلا شك، فيه الحكم بن عبد الله بن سعد، وهو كذاب دجال، لا يحل الاحتجاج به، ومن العجب القدح في الحديث الصحيح والاحتجاج بالباطل.
ومنها: ما رواه الإمام أبو بكر الرازي في " أحكام القرآن ": أخبرنا
أبو الحسن الكرخي، ثنا الحضرمي، أنا محمد بن العلاء، ثني معاوية بن هشام، عن محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله،
стр. 1454
قال:، ما جهر رسولُ الله في صلاة مكتوبة ب " بسم اللهِ الرحمنِ
الرحيم "، ولا أبو بكر، ولاَ عمرُ ". انتهى.
قلت: هذا الحديث وإن لم يقم به حجة، ولكنه شاهد لغيره من
الأحاديث، فإن محمد بن جابر تكلم فيه غيرُ واحد من الأئمة، وإبراهيم
لم يلق عبد الله بن مسعود، فهو ضعيف ومنقطع، والحضرمي هو:
محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين، وشيخه محمد بن العلاء
أبو كريب الحافظ، روى عنه الأئمة الستة بلا واسطة، وللقائلين بالجهر أحاديث، أجودها حديث نعيم المجمر، قال: " صليت وراء أبي هريرة
فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن، حتى قال: (غير المَغْضُوب عليهم ولا الضَّالين " قال: آمين /، وفي آخره: " ف" سلم [١/٢٦٢-أ] قال: إنيَ لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ رواه النسائي في " سننه "،
وابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما "، والحاكم في " مستدركه "،
وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني في " سننه "،
وقال: حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات، والبيهقي في (سننه "،
وقال: إسناد صحيح، وله شواهد (١) .
وقال في " الخلافيات ": رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم،
محتج بهم في الصحيح، والجواب عنه من وجوه، الأول: أنه معلول،
فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمع من بين أصحاب أبي هريرة،
وهم ثمانمائة ما بين صاحب، وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب
أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة، أنه- ﵇ كان يجهر
بالبسملة في الصلاة، ألا ترى كيف أعرض صاحبا الصحيح عن ذكر
البسملة في حديث أبي هريرة: " كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة
وغيرها " الحديث؟
стр. 1455
فإن قيل: قد رواها نعيم المجمر وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. قلنا: ليس ذلك مجمعا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمنهم من يقبلها مطلقا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة، حافظا، ثبتا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: " من المسلمين " في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، ومن حكم في ذلك حكما عاما فقد غلط، بل كل (١) زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها كزيادة سعد بن طارق في حديث: " جُعلت لي الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا ". وفي موضع يجزم بخطإ الزيادة كزيادة معمر ومن وافقه قوله:" وإن كان مائعا فلا تقربوه "، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث:" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين "، وإن كان معمر ثقة، وعبد الله بن زياد ضعيفا، فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز: " الصلاة عليه "، رواه البخاري في " صحيحه "، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه:" ولم يصل علي " فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو: عبد الرزاق، وقد اختلف علي أيضاً، والصواب أنه قال:" ولم يصل عليه ".
وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها لمن قال بالجهر، لأنه قال: " فقرأ " أو" فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وذلك أعم من قراءتها سرا أو جهرا، وإنما هو حجة على من لا يرى قراءتها.
فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة لم يعبر
стр. 1456
عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة للفاتحة والبسملة تناولا واحدا، ولقال:
" فأسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة "، والصلاة كانت جهرية بدليل تأمينه،
وتأمين المأمومين. قلنا: ليس الجهر فيه بصريح ولا ظاهر يوجب الحجة،
ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر
من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست من أم القرآن، فإنه قال: " فقرأ
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثم قرأ أم القرآن"، والعطف يقتضي المغايرة.
الوجه الثاني: أن قوله:" فقرأ " أو" قال " ليس بصريح أنه سمعها
منه إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيما بأنه قرأها سرا، ويجوز أن
يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح
وألفاظ الذكر في: قيامه، وقعوده، وركوعه، وسجوده، ولم يكن
ذلك منه دليلاً على الجهر.
الوجه الثالث: أن التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل
يكفي في غالب الأفعال، وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة،
فإن التكبير وغيره / من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان [١/٢٦٢-ب] مقصوده الرد على من تركه، وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر فينصرف
إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه من كل
وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ، لأن الشافعي روى: أخبرنا ابن محمد الأسلمي، عن ربيعة بن عثمان، عن صالح بن أبي صالح، أنه سمع
أبا هريرة:" وهو يؤم الناس، رافعا صوته في المكتوبة، إذا فرخ من
أم القرآن: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم".
فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في "الصحيحين"
عنه " فما أسمعنا- ﵇ أسمعناكم وما أخفانا أخفيناكم" (١) ،
وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عن
النبي- ﵇ قال: يقول الله تعالى:" قسمت الصلاة بيني وبين
стр. 1457
عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: ومالك يوم الدين " قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: (إياكَ نعبدُ وإياكَ نَستعينُ) قال الله: هذا بيني وبن عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهْدنَا الصراطَ المستقيمَ أو صِراطَ الذينَ أنعمت عليهم غير المغضوبِ عليهم ولا الضالينَ) قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سألَ " أخرجه مسلم في " صحيحه "، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره (١) .
وعن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب (٢) ، عن أبي هريرة (٣) ، وعن ابن جريج، عن العلاء بن عبد الرحمن [به] (٤) ، وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلا لابتدأ بها، لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، حتى إنه لم يخل منها بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمَس ليرتفع الإشكال. قال ابن عبد البر: حديث العلاء هذا قاطعُ تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين، أحدهما: لا يعتبر بكون هذا الحديث في مسلم، فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين، فقال: ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث ليس بذاك، هو ضعيف، رُوي عنه هذه الألفاظ جميعها. وقال ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به.
стр. 1458
الثاني: قال: وعلى تقدير صحته فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر
التسمية، كما أخرجه الدارقطني، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله
﵇ يقول: " قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين،
فنصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: (بسم الله الرحمن الرحيم)
فيذكرني عبدي، ثم يقول: (الحمد لله رب العالمين) فأقول: حمدني عبدي ... " إلى آخره (١) ، وهذه الرواية وإن كان فيها ضعف، ولكنها
مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية.
قلت: هذا القائل حمله الجهل، وفرط التعصب، ورداءة الرأي
والفكر، على أنه ترك الحديث الصحيح، وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه
وقال: لا يعتبر بكونه في مسلم، مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمةُ الثقات
الأثبات: كمالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وشعيب،
وعبد العزيز الدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، ومحمد بن إسحاق،
والوليد بن كثير، وغيرهم، والعلاء نفسه ثقة صدوق، وهذه الرواية مما
انفرد بها عنه ابن سمعان وهو كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب
الكتب الستة، ولا في المصنفات المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، وإنما
رواه الدارقطني في " سننه " التي يروي فيها غرائب الحديث. وقال عمر
ابن عبد الواحد: سألت مالكا عنه، أي: عن ابن سمعان، فقال:
كان كذابا. وقال يحيى بن بكير: قال هشام بن عروة / فيه: لقد كذب [١/٢٦٣-أ] علي، وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها، وعن أحمد بن حنبل:
متروك الحديث، وسئل ابن معين عنه؟ فقال: كان كذابا، وقيل لابن
إسحاق: إن ابن سمعان يقول: سمعت مجاهدا، فقال: لا إله إلا الله،
أنا والله أكبر منه، ما رأيت مجاهداً ولا سمعت منه. وقال ابن حبان:
كان يروي عمن لم يره، ويحدث بما لم يسمع. وقال أبو داود: متروك
الحديث، كان من الكذابين. وقال النسائي: متروك.
стр. 1459
وكيف يعل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في " صحيحه " بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني عن كذاب متروك لا شيء؟ ! وهلا جعلوا الحديث الصحيح علة للضعيف ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات الأثبات لنعيم موجبا لرده؟ إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح، كما فعلنا نحن.
ومنها: ما أخرجه الخطيب، عن أبي أويس، واسمه: عبد الله بن أويس، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة
" أن النبي- ﵇ كان إذا أم الناس جهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
ورواه الدارقطني في " سننه " (١) ، وابن عدي في " الكامل " (٢) فقالا فيه: " قرأ " عوض " جهر "، وكأنه رواه بالمعنى، والجواب: أن هذا غير محتج به، لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، وكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه؟ ! مع أنه متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفهْ آخرون، وممن ضعفه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، وممن وثقه: الدارقطني، وأبو زرعة. وقال ابن عدي: يكتب حديثه.
فإن قيل: أبو أويس قد أخرج له مسلم في " صحيحه ". قلت: صاحبا الصحيح إذا أخرجا لمن تكلم فيه إنما يخرجان بعد انتقائهما من حديثه ما توبع علي، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلا، ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على " الصحيحين"، فتساهلوا في استدراكهم، وفي أكثرهم تساهلا الحاكم أبو عبد الله في كتابه " المستدرك " فإنه يقول: هذا على شرط الشيخين، أو أحدهما، وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون
стр. 1460
الراوي محتجا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث كان يكون ذلك
الحديث على شرطه، ولهذا قال ابن دحية في كتابه " العلم المشهور ":
ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه
كثير الغلط، ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده،
وقلده في ذلك، والمقصود أن حديث أبي أويس هذا لم يترك لكلام الناس
فيه، بل لتفرده به، ومخالفة الثقات له، وعدم إخراج أصحاب المسانيد،
والكتب المشهورة، والسنن المعروفة، ولرواية مسلم الحديث في " صحيحه "
من طريقه، وليس فيه ذكر البسملة.
فإن قيل: قد جاء من طريق آخر، أخرجه الدارقطني (١) ، عن خالد
ابن إلياس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله: " علمني جبريل الصلاة، فقام فكبر لنا، ثم قرأ: (بسم الله
الرحمن الرحيم) فيما يجهر به في كل ركعة ".
قلت: هذا إسناد ساقط، فإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه.
قال البخاري، عن أحمد: إنه منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس
بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: منكر الحديث
وقال النسائي: متروك الحديث. وقال البخاري: ليس بشيء. وقال ابن
حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. وقال الحاكم: روى عن المقبري،
ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة أحاديث موضوعة.
فإن قيل: قد جاء آخر رواه الدارقطني (٢) أيضاً، عن جعفر بن مكرم،
نا أبو بكر الحنفي، نا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال،
عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله- ﵇: " إذا قرأتم الحمد، فاقرءوا (بسم الله الرحمن الرحيم) إنها
أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و (بسم الله الرحمن الرحيم)
أحد آياتها ". قلت: قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحا / فحدثني [١/٢٦٣-ب] " عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مثله، ولم يرفعه.
стр. 1461
فإن قيل: قال عبد الحق في " أحكامه الكبرى ": رفع هذا الحديث
عبد الحميد بن جعفر، وهو ثقة، وثقه ابن معين. قلت: كان سفيان الثوري يضعفه، ويحمل عليه، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على الجهر، ولئن سلم، فالصواب فيه الوقف كما قال الدارقطني: اختلف فيه على نوح بن أبي بلال، فرواه عبد الحميد عنه، واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران، عن عبد الحميد، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا، ورواه أسامة بن زيد، وأبو بكر الحنفي، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة موقوفا، وهو الصواب.
فإن قيل: هذا موقوف، في حكم المرفوع، إذ لا يقول الصحابي:
إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف، أو دليل قوي ظهر له، وح (١) يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر، والإسرار. قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي- ﵇ يقرأها فظنها من الفاتحة، فقال: إنها إحدى آياتها، ونحن لا ننكر أنها من القراَن، ولكن النزاع في موضعين، أحدهما: أنها آية من الفاتحة، والثانية: أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهراً وسرا، ونحن نقول: إنها آية مستقلة قبل السورة، وليست منها، جمعا بين الأدلة، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي- ﵇ أنه قال: هي إحدى آياتها، وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة قراءة النبي- ﵇ لها وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة، وأيضا فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في "صحيحه " من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: " والحمد لله " هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم "، ورواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح (٢) على أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه، ولكن وثَّقه أكثر
стр. 1462
العلماء، واحتج به مسلم في " صحيحه "، وليس تضعيف مَن ضعفه مما يوجب رد حديثه، ولكن الثقة قد يغلط، والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث، والله أعلم.
ومنها: ما رواه الحاكم في " مستدركه " (١) : عن سعيد بن عثمان الخراز
ثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن، ثنا فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي، وعمار: " أن النبي- ﵇ كان يجهر في المكتوبات ب (بسم الله الرحمن الرحيم) "، وقال: صحيح الإسناد، لا أعلم في راويه منسوبا إلى الجرح، والجواب: قال الذهبي في " مختصره ": هذا خبر واهي، كأنه موضوع، لابن عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعفه ابن معين، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول.
وعن الحاكم رواه البيهقي في " المعرفة " بسنده ومتنه، وقال: إسناده ضعيف، إلا أنه أمثل من حديث جابر الجعفي. قلت: وفطر بن خليفة قال السعدي: غير ثقة، روى له البخاري مقرونا بغيره والأربعة، وتصحيح الحاكم لا يعتد به سيما في هذا الموضع، فقد عرف تساهله في ذلك. قال ابن عبد الهادي: هذا حديث باطل، ولعله أدخل علي. وروى الدارقطني هذا الحديث في " سننه " (٢) ، عن أسيد بن زيد،
عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار نحوه، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفيان كلاهما لا يجوز الاحتجاج به، لكن عمرا أضعف من جابر. قال الحاكم: عمرو بن شمر كثير الموضوعات عن جابر وغيره. وقال الجُوزجاني: عمرو بن شمر زائغ كذاب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي، والدارقطني، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان رافضيا يسب الصحابة، وكان يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. وأما جابر الجعفي فقال فيه الإمام أبو حنيفة: ما رأيت أكذب
стр. 1463
من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي إلا أتاني فيه بأثر، وكذبه أيضاً: أيوب، وزائدة، وليث بن أبي سليم، والجُوزجاني، وغيرهم. ورواه الدارقطني [١/٢٦٤-أ] (١) أيضاً / عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب، حدَثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: قال: " كان- ﵇ يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في السورتين جميعا الفاتحة ".
والجواب: أن عيسى هذا والد أحمد بن عيسى المتهم بوضع حديث ابن عمر. قال ابن حبان، والحاكم: روى عن آبائه أحاديث موضوعة، لا يحل الاحتجاج به.
ومنها: ما رواه الحاكم في " المستدرك " (٢) ، عن عبد الله بن عمرو ابن حسان، َ ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) . قال الحاكم: إسناده صحيح وليس له علة.
والجواب: أن هذا الحديث غير صريح ولا صحيح، أما كونه غير صريح فإنه ليس فيه أنه في الصلاة، وأما غير صحيح فإن عبد الله بن عمرو بن حسان كان يضع الحديث، قاله إمام الصنعة علي بن المديني. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس بشيء، كان يكذب. وقال ابن عدي: أحاديثه مقلوبات. ورواه الدارقطني (٣) عن أبي الصلت الهروي، واسمه: عبد السلام بن صالح، ثنا عباد بن العوام، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:" كان النبي- ﵇ يجهر في الصلاة ب (بسم الله الرحمن
стр. 1464
الرحيم) ، وهذا أضعف من الأول، فإن أبا الصلت متروك. قال أبو حاتم: ليس عندي بصدوق. وقال الدارقطني: رافضي خبيث. ومنها: ما رواه البزار في " مسنده " عن المعتمر بن سليمان، ثنا إسماعيل، عن أبي خالد، عن ابن عباس: " أن النبي- ﵇ كان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة. قال البزار: وإسماعيل لم يكن بالقوي في الحديث.
قلت: هذا الحديث رواه أبو داود في " سننه " (١) ، والترمذي في " جامعه " بهذا السند (٢) ، والدارقطني في
"سننه " (٣) ، وكلهم قالوا فيه: " كان يفتتح صلاته ب (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقال أبو داود: حديث ضعيف. ورواه العقيلي في " كتابه " (٤) ، وأعله بإسماعيل هذا، وقال: حديثه غير محفوظ، ويرويه عن مجهول، ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند. انتهى.
ورواه ابن عدي، وقال: حديث غير محفوظ، وأبو خالد مجهول (٥) وله طريق آخر عند الدارقطني (٦) ، عن عمر بن حفص المكي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: " أن النبي- ﵇ لم يزل يجهر في السورتين ب (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى قبض " انتهى. وهذا لا يجوز الاحتجاج به، فإن عمر بن حفص " ضعيف. قال ابن الجوزي في " التحقيق": أجمعوا على ترك حديثه.
ومنها: ما رواه الدارقطني (٧) : ثنا عمر بن الحسن بن عليّ الشيباني، ثنا جعفر بن محمد بن مروان، لنا أبو طاهر أحمد بن عيسى، ثنا ابن
стр. 1465
أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " صليت خلف النبي- ﵇ وأبي بكر، وعمر، فكانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والجواب: إن هذا باطل من هذا الوجه، لم يحدث به ابن أبي فديك قط، والمتهم به أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد أبو طاهر الهاشمي، وقد كذبه الدارقطني، فيكون كاذبا في روايته عن مثل هذا الثقة، وعمر ابن الحسن شيخ الدارقطني، تكلم فيه الدارقطني أيضاً، وقال: هو ضعيف، وقال الخطيب: سألت الحسن بن محمد الخلال عنه، فقال: ضعيف، وجعفر بن محمد بن مروان ليس بمشهور بالعدالة، وقد تكلم فيه الدارقطني أيضاً، وقال: لا يحتج به، وله طريق آخر عند الخطيب، عن عَبادة بن زياد الأسدي، ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي، عن المعتمر ابن سليمان، عن ابن أبي عبيدة، عن مسلم بن حبان، قال:، صليت خلف ابن عمر، فجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في السورتين، فقيل له، فقال: صليت خلف رسول الله حتى قبض، وخلف أبي بكر، حتى قبض، وخلف عمر حتى قبض، فكانوا يجهرون بها في السورتين، فلا أدع الجهر بها حتى أموت" انتهى.
وهذا أيضاً باطل، وعَبادة بن زياد بفتح العين. قال أبو حاتم: كان
[١/٢٦٤-ب] من رؤساء الشيعة. / وقال الحافظ محمد النيسابوري: هو مجمع على كذبه، وشيخه يونس بن أبي يعفور فيه مقال، ضعفه النسائي، وابن معين. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجور الاحتجاج عندي بما انفرد به، ومسلم بن حبان غير معروف. ومنها: ما رواه الدارقطني في " سننه " (١) ، عن يعقوب بن يوسف
ابن زياد الضبي، ثني أحمد بن حماد الهمداني، عن فَطر بن خليفة، عن أبي الضحى، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله- عليه
стр. 1466
السلام-: " أمني جبريل- ﵇ عند الكعبة، فجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والجواب: إن هذا حديث منكر، بل موضوع. وقال الشيخ جمال الدين الزيلعي: يعقوب بن يوسف الضبي ليس بمشهور، وقد فتشت علي في عدة كتب من الجرح والتعديل فلم أر له ذكرا أصلاً، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني، وسكوت الدارقطني، والخطيب، وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدا.
ومنها: ما رواه الدارقطني (١) : ثنا أبو القاسم الحسن (٣) بن محمد ابن بشر الكوفي، ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار، ثنا إبراهيم ابن حبيب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن الحكم بن عمير، وكان بدريا، قال: " صليت خلف النبي- ﵇ فجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الجمعه. والجواب: إن هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة، بل هو حديث باطل لوجوه، الأول: أن الحكم بن عمير ليس بدريا، ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير، بل لا يعرف له صحبة، فإن موسى بن [أبي] حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيا، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه. وقال ابن أبي حاتم في كتاب " الجرح والتعديل "، الحكم بن عمير روى عن النبي ﵇ أحاديث منكرة، لا يذكر سماعا ولا لقاء. روى عنه: ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو ضعيف الحديث، سمعت أبي يذكر ذلك، وقد ذكر الطبراني في " معجمه الكبير " الحكم بن عمير، وقال في نسبته الثمالي، ثم روى له بضعة عشر حديثا منكرا، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه. وروى له ابن عدي في، الكاملة قريبا من عشرين حديثاً ولم يذكرا فيها هذا الحديث، والراوي عن موسى هو: إبراهيم بن إسحاق الصيني الكوفي. قال الدارقطني: متروك الحديث،
стр. 1467
ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته، فإن الذين رووا نسخة موسى عن الحكم، لم يذكروا هذا الحديث فيها، كبقي بن مخلد، وابن عدي، والطبراني، وإنما رواه فيما علمنا الدارقطني، ثم الخطيب، ووهم الدارقطني، فقال: إبراهيم بن حبيب، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق، وتبعه الخطيب، وراد وهما ثانيا، فقال الضبي- بالضاد المعجمة والباء الموحدة وإنما هو الصيني- بالصاد المهملة والنون-.
ومنها: ما رواه الدارقطني (١) : ثنا أحمد بن محمد بن سعيد،
ثنا أحمد بن رشد بن خثيم، ثنا عمي سعيد بن خثيم، ثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن ابن عمر: " أنه كان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وذكر أن رسول الله كان يجهر بها "
والجواب: إن هذا لا يصح، وسعيد بن خثيم تكلم فيه ابن عدي وغيره، والحمل فيه على ابن أخيه أحمد بن رشد بن خثيم، فإنه متهم، وله أحاديث بواطيل، ذكرها الطبراني وغيره، والراوي عنه هو: ابن عبدة الحافظ، وهو كثير الغرائب والمناكير، روى في الجهر أحاديث كثيرة عن ضعفاء، وكذابين، ومجاهيل، والحمل فيها عليهم لا عليه، وروى له الخطيب في أول " تاريخه " حديثا موضوعا، هو الذي صنعه بسنده إلى العباس، أنه- ﵇ قال له:" أنت عمي، وصنو أبي، وابنك هذا أبو الخلفاء من بعدي، منهم السفاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهدي"
ومنها: ما رواه الحاكم في" المستدرك " (٢) ، عن عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة أن رسول الله- ﵇ قرأ في الصلاة: (بسم الله الرحمن الرحيم) فعدها آية [١/٢٦٥-أ] / (الحمد لله رب العالمين) آيتين، (الرحمن الرحيم) ثلاث آيات " إلى آخره.
стр. 1468
والجواب: إن هذا ليس بحجة لوجوه، الأول: إنه ليس بصريح في الجهر، ويمكن أنها سمعته سرا في بيتها، لقربها منه.
الثاني: إن مقصودها الإخبار بأنه كان يرتل قراءته، ولا يسردها. الثالث: إن المحفوظ فيه والمشهور أنه ليس في الصلاة، وإنما قوله: "في الصلاة " زيادة من عمر بن هارون، وهو مجروح تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال أحمد بن حنبل: لا أروي عنه شيئاً. وقال ابن معين: ليس بشيء، وكذبه ابن المبارك. وقال النسائي: متروك الحديث. وسئل عنه ابن المديني فضعفه جدا.
ومنها: ما رواه الحاكم في " مستدركه " (١) ، والدارقطني في
" سننه " (٢) من حديث محمد بن المتوكل (٣) بن أبي السرى، قال: " صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها: الصبح، والمغرب، فكان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) قبل فاتحة الكتاب، وبعدها، وقال المعتمر: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما لو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﵇ ". قال الحاكم: رواته كلهم ثقات.
والجواب: إن هذا معارض بما رواه ابن خزيمة في " مختصره " (٤) ، والطبراني في " معجمه "، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس: " أن رسول الله كان يسرب (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة، وأبو بكر، وعمر "، " وفي الصلاة "، زادها ابن خزيمة.
ومنها: ما رواه الحاكم (٥) من طريق آخر عن محمد بن أبي السري:
стр. 1469
ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا مالك، عن حميد، عن أنس، قال: "صليت خلف النبي، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فكلهم كانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
قال الحاكم: وإنما ذكرته شاهداً. وقال الذهبي في " مختصره ": أمَا استحَى الحاكمُ؟ ! يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع! فأنا أشهد بالله والله إنه لكذب. وقال ابن عبد الهادي: سقط منه " لا"
ومنها: ما رواه الخطيب، عن ابن أبي داود، عن ابن أخي ابن وهب، عن عمه، عن العمري، ومالك، وابن عيينة، عن حميد، عن أنس " أن رسول الله كان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) في الفريضة ".
والجواب: ما قاله ابن عبد الهادي: سقط منه " لا " كما رواه الباغندي، وغيره، عن ابن أخي ابن وهب، هذا هو الصحيح، وأما الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط، ويوضحه أن مالكا رواه في "الموطأ" (١) : عن حميد، عن أنس، قال: " قمت وراء أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، فكلهم لا يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) إذا افتتحوا الصلاة ".
قال ابن عبد البر في " التقصي ": هكذا رواه جماعة موقوفا، ورواه ابن أخي ابن وهب، عن مالك، وابن عيينة، والعمري، عن حميد، عن أنس مرفوعا، فقال: " إن النبي- ﵇ وأبا بكر، وعمر، وعثمان لم يكونوا يقرءون "، قال: وهذا خطأ من ابن أخي ابن وهب في رفعه ذلك، عن عمه، عن مالك، فصار هذا الذي رواه الخطيب خطأ على خطإ، والصواب فيه عدم الرفع وعدم الجهر.
стр. 1470
ومنها: ما رواه الحاكم في " المستدرك " (١) : عن عبد الله بن عثمان بن
خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك قال:
، صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فبدأب (بسم الله
الرحمن الرحيم) لأم القراَن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى
تلك الصلاة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، ف" سلم
ناداه من سمع ذاك من المهاجرين، والأنصار، ومن كان على مكان:
يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟ أين (بسم الله الرحمن
الرحيم) ؟ وأين التكبير إذا خفضت، وإذا رفعت؟ ف" صلى بعد ذلك
قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين
يهوي ساجد ". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ورواه الدارقطني (٢) ، وقال: رواته / كلهم ثقات، وقد اعتمد [١/٢٦٥-ب] ، الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر. وقال الخطيب: هو
أجود ما يعتمد علي في هذا الباب. والجواب عنه من وجوه، الأول: أن
مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو وإن كان من رجال مسلم،
لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قال: أحاديثه غير قوية.
وقال النسائي: لين الحديث، ليس بالقوي فيه. وقال الدارقطني: لَينوه.
وقال ابن المديني: منكر الحديث. وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما
تفرَّد به، مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضاً من أسباب الضعف، أما في إسناده فإن ابن خثيم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص،
عن أنس، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، وقد
رجح البيهقي الأولى في " المعرفة "، لجلالة رواتها، وهو ابن جريج،
ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية.
ورواه ابن خثيم أيضاً عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن
جده، فزاد ذكر الجد، كذلك رواه عن إسماعيل بن عياش،
стр. 1471
وهي عند الدارقطني، والأولى عنده، وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي.
وأما الاضطراب في متنه فتارة يقول: " صلى فبدأب (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها " كما تقدم عند الحاكم، وتارة يقول: " فلم يقرأ ب (بسم الله الرحمن الرحيم) حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب "، كما هو عند الدارقطني في رواية إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: " فلم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها " كما هو عند الدارقطني في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند، والمتن مما يوجب ضعف الحديث، لأنه مشعر بعدم ضبطه.
الوجه الثاني: إن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذا، ولا معللاً، وهذا شاذ ومعلل، فإنه مخالف " رواه الثقات الأثبات، عن أنس، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجا به وهو مخالف " رواه، عن النبي- ﵇ وعن خلفائه الراشدين؟ ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنسأ كان مقيما بالبصرة، ومعاوية " قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسأ كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه.
الوجه الثالث: إن مذهب أهل المدينة قديما وحديثا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً. قال عروة بن الزبير- أحد الفقهاء السبعة-: " أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) ".
وقال عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها. وقال
عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) ، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلا شيء يسير وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟ هذا باطل.
стр. 1472
الرابع: إن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة، كما نقلوه لكان هذا
معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم،
بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم، وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها،
وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل، لا أصل له، والأوزاعي إمام الشام، ومذهبه في ذلك مذهب مالك: لا يقرأها سرا
ولا جهرا، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد
صلى مع النبي- ﵇ فلو سمع النبي- ﵇ يجهر
بالبسملة " تركها حين يُنكر علي رعيتُه أنه لا يحسن يصلي، وهذه الوجوه
من تدبرها علم أن حديث معاوية باطل، ومغير عن وجهه، وقد يتمحل
فيه، ويقال: إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظا فإنما هو إنكار لترك
إتمام التكبير / لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان [١/٢٦٦-أ] مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد، حتى أنه كان مذهب
عمر بن عبد العزيز وهو: عدم التكبير حين يهوي ساجدا بعد الركوع،
وحين يسجد بعد القعود، وإلا فلا وجه لإنكارهم علي ترك الجهر بالبسملة، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، وغيرهم من أكابر الصحابة،
ومذهب أهل المدينة أيضاً، وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عَدمهما، أو عدم أحدهما وكيف تكون صحيحة
وليست مخرجة في الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي
رواتها: الكذابون، والضعفاء، والمجاهيل الذين لا يوجدون في
التواريخ، ولا في كتب الجرح والتعديل كعمرو بن شمر، وجابر الجعفي،
وحصين بن مخارق، وعمر بن حفص المكي، وعبد الله بن عمرو بن
حسان الواقعي، وأبي الصلت الهروي الملقب " بجراب الكذاب "،
وعمر بن هارون البلخي، وعيسى بن ميمون المدني، وآخرون وكيف
يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري، ومسلم في " صحيحيهما "
من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الأثبات، ومنهم:
قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في
стр. 1473
الحديث، وتلقاه الأئمة بالقبول، ولم يضعفه أحد بحجة إلا ركب هواه، وحمله فرط التعصب على أن علله، ورده باختلاف ألفاظه، مع أنها ليست مختلفة، بل يصدق بعضها بعضا- كما بيناه- وعارضه بمثل حديث ابن عمر الموضوع، أو بمثل حديث عليّ الضعيف، ومتى وصل الأمر إلى مثل هذا، فجعل الصحيح ضعيفاً، والضعيف صحيحا، والمعلل سالماً من التعليل، والسالم من التعليل معللاً سقط الكلام، وهذا ليس بعدل، والله أمر بالعدل، ولكن كل هذا من التعصب الفاسد، والغرض الكاسد، وهذا تَمْشِية للباطل، والله يحق الحق ويبطل الباطل، ويكفينا في تضعيف أحاديث الجهر إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة، والسنن المعروفة، والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في حجج العلم، ومسائْل الدين، فالبخاري مع شدة تعصبه، وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة لم يودع صحيحه منها حديثا واحدة، والله تعالى يدري، ويعلم ما جهد وتعب في تحصيل حديث صحيح في الجهر، حتى يخرجه في " صحيحه " فما ظفر به، ولو ظفر به ما تركه أصلاً، وكذلك مسلم ﵀ لم يذكر شيئاً من ذلك، ولم يذكرا في هذا الباب إلا حديث أنس الدال على الإخفاء.
فإن قيل: إنهما لم يلتزما أن يودعا في " صحيحيهما " كل حديث صحيح، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة. قلت: هذا لا يقوله إلا كل سخيف، أو مكابر، فإن مسألة الجهر بالبسملة من أعلام المسائل، ومعضلات الفقه، ومن أثرها دورانا في المناظرة، وجولانا في المصنفات، والبخاري كثيرا ما يتتبع " يرد على أبي حنيفة من السُّنَّة، فيذكر الحديث، ثم يعرض بذكره فيقول: قال رسول الله كذا وكذا، ثم يقول: وقال بعض الناس كذا وكذا، يشير به إليه، وشنع به علي، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة وهو يقول في أول كتابه: " باب الصلاة من الإيمان "، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة قوله: " إن الأعمال ليست من
стр. 1474
الإيمان، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء؟ ومسألة الجهر يعرفها
عوام الناس، ورعاعهم، ولو حلف الشخص بالله أيمانا مؤكدة أنه لو
اطلع على حديث منها موافق لشرطه، أو قريب من شرطه لم يخل منه
كتابه، ولا كذلك مسلم، ولئن سلمنا فهذا أبو داود، والترمذي، وابن
ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة، والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا / منها شيئاً، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية " تركوها، وقد [١/٢٦٦-ب] تفرد النسائي منها بحديث أبي هريرة، وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد
بينا ضعفه من وجوه، وأخرج الحاكم منها حديث عليّ، ومعاوية، وقد
عرف تساهله، وباقيها عند الدارقطني في" سننه " التي هي مجمع الأحاديث المعلولة، ومنبع الأحاديث الغريبة، وقد بيناها حديثا حديثا.
* الآثار في ذلك:
منها: ما رواه البيهقي في " الخلافيات "، والطحاوي في كتابه من
حديث عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى،
عن أبيه، قال:" صليت خلف عمر- ﵁ فجهر ب (بسم
الله الرحمن الرحيم) ، وكان أبي يجهر بها".
والجواب عنه: إن هذا الأثر مخالف للصحيح الثابت، عن عمر أنه
كان لا يجهر، كما رواه أنس، فإن ثبت هذا عن عمر فيحمل على أنه
فعله مرة، أو بعض أحيان، لأحد الأسباب المتقدمة.
ومنها: ما أخرجه الخطيب من طريق الدارقطني بسنده، عن عثمان بن
عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب:" إن أبا بكر،
وعمر، وعثمان، وعلى، كانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا باطل، وعثمان بن عبد الرحمن، هو: الوقاصي
أجمعوا على ترك الاحتجاج به. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟
فقال: كذاب، ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات
الأشياء الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به. وقال النسائي: متروك الحديث.
стр. 1475
ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً، عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن أبيه، قال، " صليت خلف علي بن أبي طالب، وعدة من أصحاب رسول الله، كلهم يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا لا يثبت، وعطاء بن أبي رباح لم يلحق عليا، ولا صلى خلفه قط، والحمل فيه على ابنه يعقوب، فقد ضعفه غير واحد من الأئمة. قال أحمد: منكر الحديث. وقال أبو زرعة، وابن معين: ضعيف. وأما شيخ الخطيب فيه فهو أبو الحسن محمد بن [الحسن بن] أحمد الأصبهاني الأهوازي، ويعرف بابن أبي علي، فقد تكلموا فيه، وذكروا أنه كان يُركبُ الأسانيد، ونقل الخطيب عن أحمد بن علي الجصاص، قال: كنا نسمي ابن أبي علي الأصفهاني: " جراب الكذب ". ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً من طريق الدارقطني عن الحسن بن [محمد بن] عبد الواحد، ثنا الحسن بن الحسين، ثنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن صالح بن نبهان، قال: " صليت خلف أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي قتادة، وأبي هريرة، فكانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والجواب: إن هذا لا يثبت، والحسن بن الحسين هو: العرني إن شاء الله، وهو شيعي ضعيف، أو هو: حسين بن الحسن الأشقر، وانقلب اسمه، وهو أيضاً شيعي، ضعيف مجهول، وإبراهيم بن أبي يحيى قد رمي بالرفض والكذب، وصالح بن نبهان مولى التوأمة قد تكلم فيه مالك، وغيره من الأئمة، وفي إدراكه للصلاة خلف أبي قتادة نظر، وهذا الإسناد لا يجوز الاحتجاج به، وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر على النبي- ﵇ وأصحابه، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في الجهر بها ما صار من شعار الروافض، وغالب أحاديث الجهر تجد في روادها من هو منسوب إلى التشيع.