وهي عند الدارقطني، والأولى عنده، وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي.
وأما الاضطراب في متنه فتارة يقول: " صلى فبدأب (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها " كما تقدم عند الحاكم، وتارة يقول: " فلم يقرأ ب (بسم الله الرحمن الرحيم) حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب "، كما هو عند الدارقطني في رواية إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: " فلم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها " كما هو عند الدارقطني في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند، والمتن مما يوجب ضعف الحديث، لأنه مشعر بعدم ضبطه.
الوجه الثاني: إن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذا، ولا معللاً، وهذا شاذ ومعلل، فإنه مخالف " رواه الثقات الأثبات، عن أنس، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجا به وهو مخالف " رواه، عن النبي- ﵇ وعن خلفائه الراشدين؟ ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنسأ كان مقيما بالبصرة، ومعاوية " قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسأ كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه.
الوجه الثالث: إن مذهب أهل المدينة قديما وحديثا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً. قال عروة بن الزبير- أحد الفقهاء السبعة-: " أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) ".
وقال عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها. وقال
عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) ، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلا شيء يسير وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟ هذا باطل.
стр. 1472
الرابع: إن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة، كما نقلوه لكان هذا
معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم،
بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم، وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها،
وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل، لا أصل له، والأوزاعي إمام الشام، ومذهبه في ذلك مذهب مالك: لا يقرأها سرا
ولا جهرا، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد
صلى مع النبي- ﵇ فلو سمع النبي- ﵇ يجهر
بالبسملة " تركها حين يُنكر علي رعيتُه أنه لا يحسن يصلي، وهذه الوجوه
من تدبرها علم أن حديث معاوية باطل، ومغير عن وجهه، وقد يتمحل
فيه، ويقال: إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظا فإنما هو إنكار لترك
إتمام التكبير / لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان [١/٢٦٦-أ] مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد، حتى أنه كان مذهب
عمر بن عبد العزيز وهو: عدم التكبير حين يهوي ساجدا بعد الركوع،
وحين يسجد بعد القعود، وإلا فلا وجه لإنكارهم علي ترك الجهر بالبسملة، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، وغيرهم من أكابر الصحابة،
ومذهب أهل المدينة أيضاً، وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عَدمهما، أو عدم أحدهما وكيف تكون صحيحة
وليست مخرجة في الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي
رواتها: الكذابون، والضعفاء، والمجاهيل الذين لا يوجدون في
التواريخ، ولا في كتب الجرح والتعديل كعمرو بن شمر، وجابر الجعفي،
وحصين بن مخارق، وعمر بن حفص المكي، وعبد الله بن عمرو بن
حسان الواقعي، وأبي الصلت الهروي الملقب " بجراب الكذاب "،
وعمر بن هارون البلخي، وعيسى بن ميمون المدني، وآخرون وكيف
يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري، ومسلم في " صحيحيهما "
من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الأثبات، ومنهم:
قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في
стр. 1473
الحديث، وتلقاه الأئمة بالقبول، ولم يضعفه أحد بحجة إلا ركب هواه، وحمله فرط التعصب على أن علله، ورده باختلاف ألفاظه، مع أنها ليست مختلفة، بل يصدق بعضها بعضا- كما بيناه- وعارضه بمثل حديث ابن عمر الموضوع، أو بمثل حديث عليّ الضعيف، ومتى وصل الأمر إلى مثل هذا، فجعل الصحيح ضعيفاً، والضعيف صحيحا، والمعلل سالماً من التعليل، والسالم من التعليل معللاً سقط الكلام، وهذا ليس بعدل، والله أمر بالعدل، ولكن كل هذا من التعصب الفاسد، والغرض الكاسد، وهذا تَمْشِية للباطل، والله يحق الحق ويبطل الباطل، ويكفينا في تضعيف أحاديث الجهر إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة، والسنن المعروفة، والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في حجج العلم، ومسائْل الدين، فالبخاري مع شدة تعصبه، وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة لم يودع صحيحه منها حديثا واحدة، والله تعالى يدري، ويعلم ما جهد وتعب في تحصيل حديث صحيح في الجهر، حتى يخرجه في " صحيحه " فما ظفر به، ولو ظفر به ما تركه أصلاً، وكذلك مسلم ﵀ لم يذكر شيئاً من ذلك، ولم يذكرا في هذا الباب إلا حديث أنس الدال على الإخفاء.
فإن قيل: إنهما لم يلتزما أن يودعا في " صحيحيهما " كل حديث صحيح، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة. قلت: هذا لا يقوله إلا كل سخيف، أو مكابر، فإن مسألة الجهر بالبسملة من أعلام المسائل، ومعضلات الفقه، ومن أثرها دورانا في المناظرة، وجولانا في المصنفات، والبخاري كثيرا ما يتتبع " يرد على أبي حنيفة من السُّنَّة، فيذكر الحديث، ثم يعرض بذكره فيقول: قال رسول الله كذا وكذا، ثم يقول: وقال بعض الناس كذا وكذا، يشير به إليه، وشنع به علي، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة وهو يقول في أول كتابه: " باب الصلاة من الإيمان "، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة قوله: " إن الأعمال ليست من
стр. 1474
الإيمان، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء؟ ومسألة الجهر يعرفها
عوام الناس، ورعاعهم، ولو حلف الشخص بالله أيمانا مؤكدة أنه لو
اطلع على حديث منها موافق لشرطه، أو قريب من شرطه لم يخل منه
كتابه، ولا كذلك مسلم، ولئن سلمنا فهذا أبو داود، والترمذي، وابن
ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة، والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا / منها شيئاً، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية " تركوها، وقد [١/٢٦٦-ب] تفرد النسائي منها بحديث أبي هريرة، وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد
بينا ضعفه من وجوه، وأخرج الحاكم منها حديث عليّ، ومعاوية، وقد
عرف تساهله، وباقيها عند الدارقطني في" سننه " التي هي مجمع الأحاديث المعلولة، ومنبع الأحاديث الغريبة، وقد بيناها حديثا حديثا.
* الآثار في ذلك:
منها: ما رواه البيهقي في " الخلافيات "، والطحاوي في كتابه من
حديث عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى،
عن أبيه، قال:" صليت خلف عمر- ﵁ فجهر ب (بسم
الله الرحمن الرحيم) ، وكان أبي يجهر بها".
والجواب عنه: إن هذا الأثر مخالف للصحيح الثابت، عن عمر أنه
كان لا يجهر، كما رواه أنس، فإن ثبت هذا عن عمر فيحمل على أنه
فعله مرة، أو بعض أحيان، لأحد الأسباب المتقدمة.
ومنها: ما أخرجه الخطيب من طريق الدارقطني بسنده، عن عثمان بن
عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب:" إن أبا بكر،
وعمر، وعثمان، وعلى، كانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا باطل، وعثمان بن عبد الرحمن، هو: الوقاصي
أجمعوا على ترك الاحتجاج به. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟
فقال: كذاب، ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات
الأشياء الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به. وقال النسائي: متروك الحديث.
стр. 1475
ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً، عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن أبيه، قال، " صليت خلف علي بن أبي طالب، وعدة من أصحاب رسول الله، كلهم يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". والجواب: إن هذا لا يثبت، وعطاء بن أبي رباح لم يلحق عليا، ولا صلى خلفه قط، والحمل فيه على ابنه يعقوب، فقد ضعفه غير واحد من الأئمة. قال أحمد: منكر الحديث. وقال أبو زرعة، وابن معين: ضعيف. وأما شيخ الخطيب فيه فهو أبو الحسن محمد بن [الحسن بن] أحمد الأصبهاني الأهوازي، ويعرف بابن أبي علي، فقد تكلموا فيه، وذكروا أنه كان يُركبُ الأسانيد، ونقل الخطيب عن أحمد بن علي الجصاص، قال: كنا نسمي ابن أبي علي الأصفهاني: " جراب الكذب ". ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً من طريق الدارقطني عن الحسن بن [محمد بن] عبد الواحد، ثنا الحسن بن الحسين، ثنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن صالح بن نبهان، قال: " صليت خلف أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي قتادة، وأبي هريرة، فكانوا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ".
والجواب: إن هذا لا يثبت، والحسن بن الحسين هو: العرني إن شاء الله، وهو شيعي ضعيف، أو هو: حسين بن الحسن الأشقر، وانقلب اسمه، وهو أيضاً شيعي، ضعيف مجهول، وإبراهيم بن أبي يحيى قد رمي بالرفض والكذب، وصالح بن نبهان مولى التوأمة قد تكلم فيه مالك، وغيره من الأئمة، وفي إدراكه للصلاة خلف أبي قتادة نظر، وهذا الإسناد لا يجوز الاحتجاج به، وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر على النبي- ﵇ وأصحابه، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في الجهر بها ما صار من شعار الروافض، وغالب أحاديث الجهر تجد في روادها من هو منسوب إلى التشيع.
стр. 1476
ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضاً، عن محمد بن أبي السرى، ثنا
المعتمر، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: " صليت
خلف عبد الله بن الزبير فكان يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) وقال:
ما يمنع أمراءكم أن يجهروا بها إلا الكبر ".
قال ابن عبد الهادي: إسناده صحيح، لكنه يحمل على الإعلام بأن
قراءتها سُنَة، فإن الخلفاء الراشدين كانوا (١) يسرونها، فظن كثير من
الناس أن قراءتها بدعة، فجهر بها من جهر بالصحابة ليُعْلموا الناس أن
قراءتها سُنَة، لا أنه فعدها دائما، وقد ذكر ابن المنذر، لن ابن الزبير
ترك الجهر، والله تعالى أعلم /، وأما أقوال التابعين في ذلك فليست [١/٢٦٧-أ] بحجة، مع أنها اختلفت، فروي عن غير واحد منهم الجهر، وروي عن
غير واحد منهم تركه، وفي بعض الأسانيد إليهم الضعف والاضطراب،
ويمكن حمل جهر من جهر منهم على أحد الوجوه المتقدمة، والواجب في
مثل هذا الرجوع إلى الدليل لا إلى الأقوال، وقد نقل الجهر عن غير
واحد من الصحابة، والتابعين، والمشهور عنهم غيره، كما نقل الخطيب
الجهر عن الخلفاء الراشدين الأربعة، ونقله البيهقي، وابن عبد البر، عن
عمر، وعلي، والمشهور عنهم تركه، كما ثبت ذلك عنهم. قال
الترمذي في ترك الجهر: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم ومَن
بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد،
وكذلك قال ابن عبد البر: لم يختلف في الجهر بها عن ابن عمر، وهو الصحيح عن ابن عباس، قال: ولا أعلم أنه اختلف في الجهر بها
عن ابن عمر، وشداد بن أوس، وابن الزبير، وقد ذكر الدارقطني، والخطيب، عن ابن عمر عدم الجهر، وكذلك روى الطحاوي، والخطيب، وغيرهما، عن ابن عباس عدم الجهر، وكذلك ذكر ابن
стр. 1477
المنذر، عن ابن الزبير عدم الجهر، وذكر ابن عبد البر، والخطيب، عن عمار بن ياسر الجهر، وذكر ابن المنذر عنه عدمه، وذكر البيهقي، وابن عبد البر، والخطيب، عن عكرمة الجهر، وذكر الأثرم عنه عدمه، وذكر الخطيب وغيره عن ابن المبارك وإسحاق: الجهر، وذكر الترمذي عنهما تركه كما ذكرناه، وذكر الأثرم، عن إبراهيم النخعي، أنه قال: " ما أدركت أحداً يجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) والجهر بها بدعة "، وذكر الطحاوي، عن عروة قال: " أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا ب (الحمد لله رب العالمين) . قال وكيع: كان الأعمش، وابن أبي خالد، وابن أبي ليلى، وسفيان، والحسن بن صالح، وعلي بن صالح، ومن أدركنا من مشايخنا: " لا يجهرون ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ". وروى سعيد بن منصور في " سننه ": حدَّثنا خالد، عن حصين،
عن أبي وائل، قال: " كانوا يسرون البسملة، والتعوذ في الصلاة ". حدَّثنا حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير، أن الحسن سئل عن الجهر بالبسملة؟ فقال: " إنما يفعل ذلك الأعراب ".
حدَّثنا عتاب بن بشير، أنا حصين، عن سعيد بن جبير، قال: " إذا صليت فلا تجهر ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، واجهر ب (الحمد لله رب العالمين) ".
فإن قيل: أحاديث الجهر تُقدمُ على أحاديث الإخفاء بأشياء، منها: كثرة الرواة، فان أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، وأحاديث الجهر رواها أربعة عشر صحابيا. ومنها: أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي، وأحاديث الجهر شهادة على إثبات، والإثبات مقدم على النفي.
ومنها: أن أنسأ قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة، فروى أحمد، والدارقطني من حديث سعيد بن يزيد (١) أبي مسلمة، قال: سألت أنساً
стр. 1478
" أكان رسول الله يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) أو (الحمد لله رب
العالمين) ؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني أحد قبلك ". قال الدارقطني: إسناده صحيح (١) .
قلنا: الجواب عن الأول: إن الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد
صحة الدليلين، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح، بخلاف
حديث الإخفاء، فإنه صحيح صريح، ثابت، مخرج في الصحيح،
والمسانيد المعروفة، والسنن المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون
الترجيح بكثرة الرواة، وأحاديث الجهر- دان كثرت رواتها- لكنها كلها ضعيفة، وكم من حديث كثرت رواته، وتعددت طرقه وهو ضعيف؟
كحديث " الطير "، وحديث " الحاجم، والمحجوم "، وحديث:" من
كنت مولاه فعلي مولاه "، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفا، وأحاديث الجهر لم يروها إلا الحاكم، والدارقطني، فالحاكم عرف
تساهله، وتصحيحه للأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، والدارقطني قد
ملأ كتابه من الأحاديث الضعيفة، والغريبة، والشاذة، / والمعللة، وكم [١/٢٦٧-ب] فيه من حديث لا يوجد في غيره، وقد حكي: أن الدارقطني " دخل
مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة، فصنف فيه جزءا
فأتاه بعض ا"لكية، فأقسم علي أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال:
" كل ما روي عن النبي- ﵇ في الجهر فليس بصحيح، وأما
عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف ".
وعن الثاني: إن هذه الشهادة- وإن ظهرت في صورة النفي- فمعناها
الإثبات، على أن هذا مختلف فيه، فالأكثرون على تقديم الإثبات،
وعند البعض هما سواء، وعند البعض النافي مقدم على المثبِت، وإليه
ذهب الآمدي، وغيره.
وعن الثالث: إن ما روي من إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه خلافه
стр. 1479
في الصحيح، ويحتمل أن يكون أنس نسي في تلك الحال لكبره، وقد وقع مثل ذلك كثيرا، كما سئل يوماً عن مسألة، فقال: عليكم بالحسن فاسألوه، فإنه حفظ ونسينا، وكم ممن حدث ونسي، ويحتمل أنه إنما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلاَ، لا عن الجهر بها وإخفائها.
فإن قيل: يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده، وأنه كان صبيا يومئذ. قلت: هذا مردود، لأنه- ﵇ هاجر إلى المدينة، ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات وله عشرون سنة، فكيف يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يوماً من الدهر يجهر؟ هذا بعيد، بل مستحيل، ثم قد روي هذا في زمن رسول الله، فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر، وعمر، وكهل في زمن عثمان مع تقدمه في زمانهم، وروايته للحديث؟ وقد روى أنس، قال: " كان رسول الله يحب أن يليه المهاجرون، والأنصار، ليأخذوا عنه".
ورواه النسائْي، وابن ماجه (١) . وقال النووي في " الخلاصة ": إسناده على شرط البخاري، ومسلم " (٢) . وقد ذهب البعض إلى أن أحاديث الجهر منسوخة " نبينه عن قريب، إن شاء الله تعالى.
٧٦١- ص- نا مسدد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: " كان رسول الله يفتتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ، والقراءةَ ب (الحمدُ لله ربَّ العَالمينَ) ، وكان إذاَ ركعَ لم يُشخصْ رأسَه، ولم يُصوِبْهُ، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفعَ رأسَه من الركوع لم يسجدْ حتى يستوي قائماً وكان إذا رفِعَ رأسَه من السجودِ لم يسجدْ حتى يستويَ قاعداً، وكان (٣) إذا جَلَسَ يفرِشُ رِجلَه اليُسرَى،
стр. 1480
ويَنصبُ رجلَه اليُمْنى، وكان يقولُ في كُلِّ رَكعتينِ: " التحياتُ "، وكان يَنهَى عنَ عَقب الشيطانِ، وعن فرشة السبع، وكان يختمُ الصلاةَ بالتسليم " (١) .
ش " - أبو الجوزاء بالجيم والزاي: أوس بن عبد الله البصري، وقد ذكر ناه.
قوله: " كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب (الحمد لله رب العالمين)
فيه حجة لأبي حنيفة، ومالك أن البسملة ليست من الفاتحة، وفيه حجة لأبي حنيفة أن البسملة لا يجهر بها، لأنه صرح أنه- ﵇ كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم بفاتحة الكتاب، وقد ثبت أنه- ﵇ كان له سكتتان: سكتة بعد التكبير، وكان فيها البسملة، ودعاء الاستفتاح على ما ذكرناه مفصلاً، وفيه إثبات التكبير في أول الصلاة. وقال الشيخ محيي الدين (٢) : " وفيه إثبات التكبير، وأنه يتعين لفظ التكبير، لأنه ثبت أنه- ﵇ كان يفعله، وأنه- ﵇ قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (٣) ، وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير هو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من السلف والخلف ". قلت: اشتراط التعيين أمر زائد، لأن المراد من التكبير التعظيم، وبكل لفظ حصل التعظيم يجوز الافتتاح به، وقد مر الخلاف في قوله- ﵇: " تحريمها التكبير "، ثم إن تكبيرة الافتتاح من أركان الصلاة، أو من شروطها؟ فيه خلاف، فقال أصحابنا: هي من الشروط. وقال مالك، والشافعي، وأحمد: من الأركان، وثمرة الاختلاف تظهر في
стр. 1481
جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز خلافا لهم، وكذا على
[١/٢٦٨-أ] الخلاف لو بنى التطوع بلا تحريمة جديدة يصير / شارعا في الثاني، وكذا على الخلاف إذا كبر مقاربا لزوال الشمس. وقال ابن المنذر: قال
الزهري: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير. قال أبو بكر: ولم يقل به
غيره. وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تكبيرة الإحرام، وذهبت طائفة إلى أنها سُنَّة، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، والزهري، والأوزاعي، وقالوا: إن تكبير الركوع
يجزئه من تكبير الإحرام، ورُوي عن مالك في ا"موم ما يدل على أنه
سُنَّة، ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنها واجبة على كل واحد
منهما، وأن من نسيها يستأنف الصلاة، وفي " المغني " لابن قدامة:
التكبير ركن لا تنعقد الصلاة إلا به، سواء تركه سهوا، أو عمدا، قال:
وهذا قول ربيعة، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور
وحكى أبو الحسن الكرخي الحنفي، عن ابن علية والأصم كقول الزهري
في انعقاد الصلاة بمجرد النية بغير تكبير. وقال عبد العزيز بن إبراهيم بن
بزيزة: قالت طائفة بوجوب تكبير الصلاة كله، وعكس آخرون فقالوا:
كل تكبيرة في الصلاة ليست بواجبة مطلقا، منهم: ابن شهاب وابن المسيب، وغيرهما، ثم تكبيرة الافتتاح مرة واحدة عند جمهور العلماء،
وعند الرافضة ثلاث مرات، وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث، من
حديث أبي أمامة: " كان- ﵇ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث
مرات " رواه أبو نعيم الدكيني، عن شريك، عن يعلى بن عطاء، عن
رجل، عنه، وفي " العلل " لابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث
كذب، لا أصل له.
قوله: " بالحمدُ لله " برفع الدال على الحكاية، والحكاية أن تجيء بالقول
بعد نقله على استبقاء صورته الأولى، كقولك: " دعني من تمرتان " في
جواب من قال: " تكفيك تمرتان "، وبدأت " بالحمدُ لله " وبدأت
ب " سورة أنزلناها "، ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيت
زيدا: من زيدا؟
стр. 1482
قوله: " وكان إذا ركع لم يشخص رأسه " من أشخص رأسه إذا رفعها، وأشخص الرامي إذا جاوز سهمه الغرض من أعلاه.
قوله: " ولم يصوبه " أي: لم يخفضه، مِن " صوَب " بالتشديد، وفيه من السُنَة للراكع أن يسوي ظهره، بحيث يستوي رأسه مع مؤخره. قوله: " ولكن بين ذلك " أي: بين الإشخاص والتصويب، والمعنى: استواء رأسه مع ظهره- كما ذكرنا-.
قوله: " حتى يستوي قائماً " أي: حال كونه قائماً، وفيه سُنَة الاعتدال في الانتصاب، وكذلك سُنَّة الاعتدال في ما إذا رفع رأسه من السجدة يعتدل قاعدا، ثم يسجد، ومن هذا أخذ الشافعي وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي يوسف، وهو خلاف مشهور، وفيه وجوب الجلوس بين السجدتين.
قوله: " وكان إذا جلس يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى "
فيه حجة لأبي حنيفة، سواء كان في القعدة الأولى، أو الثانية، وهو حجة على مالك في رؤيته التورك سُنَة فيهما، وعلى الشافعي في روْيته التورك في القعدة الثانية.
قوله: " وكان يقول في كل ركعتين التحيات " فيه: أن قراءة التشهد في كل ركعتين سُنة. وقال أحمد: هما واجبان. وقال الشافعي: الأول سُنة، والثاني: واجب، وقول مالك كقول أبي حنيفة. وقال الشيخ محيى الدين: فيه حجة لأحمد بن حنبل، ومَن وافقه مِن فقهاء أصحاب الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان.
قلت: الوجوب لا يستفاد من هذا الحديث، فافهم.
قوله: " وكان ينهى عن عقب الشيطان " بفتح العين، وكسر القاف، وفي رواية:" عن عقبة الشيطَان "، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء، وقيل: هو أن يترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء.
стр. 1483
قوله: " وعن فرشة السبُع " وهو أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض، كما يبسط السبع، والكلب، والذئب ذراعيه. قوله:" وكان يختم الصلاة بالتسليم " فيه دليل على أن السلام سنة. وقال الخطابي (١) : " وفي قولها: " كان يفتتح الصلاة بالتكبير،
[١/٢٦٨-ب] ويختمها بالتسليم " دليل على / أنهما ركنان من أركان الصلاة، ولا تجزئ إلا بهما".
قلت: لا نسلم ذلك، لأن ما فيه شيء يدل على الفرضية، وفرضية التكبير في أول الصلاة ليس بهذا الحديث، بل بقوله: (ورَبكَ فكَبِّرْ) (٢) ولئن سلمنا ذلك، فلا يلزم من كون التكبير فرضاً أن يكون التسليم فرضاً مثله، بدليل حديث الأعرابي، حيث لم يعلمه- ﵇ حين علمه الواجبات، غاية ما في الباب يكون إصابة لفظ السلام واجبا، وقد مر ما يشابهه في قوله- ﵇: " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم "، والحديث أخرجه: مسلم، وابن ماجه بنحوه.
٧٦٢- ص- نا هناد بن السري، نا ابن فضيل، عن المختار بن فُلفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسولُ الله ﷺ " أنزِلَتْ علي آنفا سُورةٌ فقرأ: (بسم الله الرحمنِ الرحيم إنا أعْطَيْنَاكً الكَوْثَرَ) حتى خَتمَهَاَ، قال: هل تدرُونَ ما الَكوثرُ؟ قالوا: الله ورسولُه أعلمُ، قال: فإنه نَهرٌ وَعَدَنِيهِ ربي في الجنةِ " (٣) .
ش- ابن فضيل هو: محمد بن فضيل الكوفي.
قوله: " آنفا " أي: قريبا، وهو بالمد، ويجوز القصر، وهو لغة قليلة وأصله من الائتناف، وهو الاستئناف، ومعناه: الابتداء. وقال ابن
стр. 1484
الأثير (١) :" وفعلت الشيء آنفا، أي: في أول وقت يقرب مني ". وقال في " الصحاح ": وقلت كذا آنفا، وسالفا.
قلت: انتصابه على الظرفية، لأنه بمعنى: الآن، وهو من الظروف
الزمانية.
قوله: " الكوثر" وزنه فوعل من الكثرة، كنوفل من النفل، وجوهر من الجهر بمعنى: الخير الكثير، وقد فسره- ﵇ بقوله: " فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة ". وقد اختلف المفسرون في تفسيره، فقال أبو بكر بن عياش: كثرة الأمة. وقال الحسن: القرآن. وقال عكرمة: النبوة. وقال المغيرة مرفوعا: الإسلام. وقال ابن عمر، وأنس مرفوعا: نهر في الجنة، ترده طير خضر، قيل: ما أنعم هذا الطائر! قال- ﵇: " الا أخبركم بأنعم منه؟ من أكل الطائر، وشرب الماء، وفاز برضوان الله ".
وعن عائشة: من أراد أن يسمع خريره فليدخل إصبعيه في أذنيه. وقال عطاء: هو حوضه لكثرة وارديه. وقال الفضل: الشفاعة في أكثر الأمة. وقيل: الصلاة وكثر المصلين، وقيل: الذكر وكثرة الذاكرين، وقيل: معجزاته- ﵇ وقيل: الفقه، وكثرة الفقهاء، وقيل: نور في قلبك قطعك عما سوى ربك، وقيل: قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فَصَل الفجر والمزدلفة، وانحر الهدي. وقال عطاء: صَل العيد وانحر الأضحية. وعن ابن عباس: ضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة. وقال سليمان التيمي: ارفع يديك بالدعاء لا تحرك. وقال ذو النون: اذبح هواك في قلبك، إن شانئك مبغضك. قال ابن عباس: عدوك الأبتر الحقير الذليل، ويقال: المنقطع عن بلوغ أمله فيك. واستدل به بعض من يقول بالجهر بالبسملة، واستدلاله غير صحيح، لأنه
стр. 1485
ليس فيه ذكر الصلاة، واستدل به أيضاً من يقول: إن البسملة [آية] من أول كل سورة سوى براءة.
والجواب: إن قراءته- ﵇ تدل على أنها آية مفردة بذاتها، ولا يدل على أنها من أول كل سورة، والدليل على ذلك ما ورد في حديث بدء الوحي: فجاءه الملك، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ ثلاث مرات، ثم قال له: (اقْرَأ باسْم ربكَ الذي خَلَقَ) (١) ، فلو كانت البسملة من أول كل سورة لقالَ: اقرأ (بسمَ الله الرحمن الرحيم) (اقرأ باسم ربك) ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أصحاب السنن الأربعة، عن شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي (٢) ، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇ قال: " إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له، وهي (تَبَارَكَ الَذي بيَده المُلكُ) . وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه أحمد في " مسَندهَ " (٣) ، وابن حبان في "صحيحه " والحاكم في " مستدركه " (٤) وصححه، وعباس الجشمي (٢) ، يقال: إنه عباس (٥) بن عبد الله، ذكره ابن حبان في " الثقات "، ولم يتكلم فيه أحد- فيما علمنا- ولو كانت البسملة في أول كل سورة لافتتحها- عليه [١/٢٦٩-أ] السلام- بها، وقد قلنا: إن مذهب المحققين / أنها من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة كما تلاها النبي- ﵇ حين أنزلت عليه: (إنا أعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ) ، وهذا قول ابن
стр. 1486
ابن المبارك، وداود، وهو المنصوص عن أحمد، وبه قالت جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة.
قلت: ولذلك قال الشيخ حافظ الدين النسفي: وهي آية من القرآن، أنزلت للفصل بين السور، وهذا القول فيه الجمع بين الأدلة، وعن ابن عباس: " كان النبي- ﵇ لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وفي رواية: " لا يعرف انقضاء السورة " رواه أبو داود، والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين (١) ، وحديث أنس: أخرجه مسلم، والنسائي.
٧٦٣- ص- نا قَطَنُ بنُ نُسَيرٍ، نا جعفر، ثنا حميد الأعرج المكي، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وذكر الإفك، قالت:" جَلسَ رسولُ الله ﷺ وكشفَ عن وجهِهِ، وقال: أعوذُ بالسميع العليم من الشيطانِ الرجيم: (إِن الذين جَاءُوا بِالإِفْكِ) الآية (٢) " (٣) .
ش- قَطَن- بالقاف والنون-: ابن نُسَير- بالنون في أوله- الغُبَري- بالغين المعجمة، والباء الموحدة- أبو عباد البصري، يعرف بالذارع. روى عن بشر بن منصور، وعدي بن أبي عمارة، وجعفر. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والبغوي. وروى الترمذي عن رجل عنه (٤) . وجعفر ابن سليمان الضبعي.
وحميد بن قيس الأعرج أبو صفوان الأسدي، مولاهم المكي. سمع: عطاء بن أبي رباح، ومجاهدا، والزهري، وغيرهم. روى عنه: جعفر ابن سليمان، وجعفر الصادق، ومالك، والثوري، وابن عيينة،
стр. 1487
وغيرهم. وقال أحمد: ثقة، وكذا قال يحيى بن معين. روى له الجماعة (١) .
قوله: " وذكر الإفك " أي: قضية الإفك، والإفك: الكذب، والافتراء، والمراد به: ما أفك به على عائشة- ﵂ حين استصحبها- ﵇ في بعض الغزوات وهي قصة مشهورة، فأنزل الله تعالى ثماني عشرة آية في براءتها، وتعظيم شأنها، وتهويل الوعيد لمن تكلم فيها، والثناء على من ظن بها خيرا، وقد اختلف العلماء كيف التعوذ قبل القراءة، فعند الجمهور: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " دون غيره، وذلك لموافقته الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله- : (فَإِذَا، قَرَأتَ القُرآنَ فَاسْتَعِدْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم) (٢) . وأما السُّنَّة: فما رواه نافع بن جبير بن مَطعم، عن أبيه، عن النبي ﵇ أنه استعاذ قبل القراءة بهذا اللفظ بعينه (٣) ، وهو قول عاصم وأبي عمرو ويعقوب، وعند أهل المدينة والشام يقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم "، وهو قول علي، وعند أهل مكة: " أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم،، وعند حمزة: " استعيذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم "، وعند سهل:" أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم "، وعن الصديق:" استعذت بالله من الشيطان الرجيم "، وعند ابن الحنفية:
стр. 1488
" أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي ". وقال صاحب " التيسير": ولا أعلم خلافا بين أهل الأداء في الجهر بها عند افتتاح القرآن وعند الإبتداء برءوس الأجزاء، وغيرها في مذهب الجماعة اتباعا للنص، واقتداء بالسُّنَة. وروى إسحاق المسيبي، عن نافع أنه كان يخفيها في جميع القرآن. وروى سليم، عن حمزة أنه كان يجهر بها في أول أم القرآن خاصة، ويخفيها بعد ذلك في سائر القراَن، كذلك قال خلف عنه، وقال خلاد عنه: إنه كان يجيز الجهر والإخفاء جميعا، ولا ينكر على من جهر، ولا على من أخفى، والباقون لم يأت عنهم في ذلك شيء منصوص، ثم حكم الاستعاذة في الصلاة فهي سُنَة عند عامة العلماء خلافا "لك، وأما وقته بعد الفراغ من الثناء قبل القراءة عند الجمهور. وقالت الظاهرية: وقته بعد الفراغ من القراءة، وأما من يسن في حقه التعوذ: الإمام، والمنفرد، دون المقتدي عند أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف هو سُنَة أيضاً في حقه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وقد عرف / بتفصيله في الفروع. [١/٢٦٩-ب]
ص- قال أبو داود: هذا الحديث منكر، قد روى هذا الحديث، عن الزهري جماعة لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة منه (١) كلامَ حميد.
ش- أشار به إلى أن حميدا اَلأعرج انفرد به مخالفا " رواه الثقات عن الزهري، أو يكون ذلك وهما منه.
قوله: " أمر الاستعاذة منه " أي: من الشيطان، وفي بعض النسخ:
" فيه " أي: أمر الاستعاذة في هذا الحديث.
قوله: " كلام حميد " منصوب على أنه خبر " أن يكون"، وهذا الحديث ليس له مناسبة في هذا الباب أصلاً، وإنما وقع هذا هاهنا اتفاقا.
***
стр. 1489
١١٩- باب: من جهر بها
أي: هذا باب في بيان قول من جهر بالبسملة، وفي بعض النسخ: " باب: ما جاء فيمن جهر بها ".
٧٦٤- ص- نا عمرو بن عون، أنا هشيم، عنِ عوف، عن يزيد الفارسي، قال: سمعت ابن عباس، قال: " قلتُ لعثمان بنِ عفانَ: ما حَمَلَكُم أن عَمَدتُم إلى" بَراءةَ "، وهي من المئين، وإلى " الأنفال " وهي من المَثَاني، فجعلتموها (١) في السَّبعْ الطوَالَ، ولم تكتُبُوا بينهَمَا سَطرَ (بسمَ الله الرحمنِ الرحيم) ؟ قال عثمانُ: كَان النبيُّ- ﵇ مما تنزلُ علي الآياتُ، فيدعو بعضَ من كان يَكتبُ له، ويقولُ: ضَعْ هذه الآية في السورة التي يُذكَرُ فيها كَذا وكَذا، وتَنزل علي الآية والآيتان، فيقولُ مثلَ ذلكَ، وِكانت " الأنفالُ " من أول ما نَزلَ علي بالمدينة، وكانت " براءة " من آخر ما نزلَ منَ القراَن، وكانت قصَتها شَبيهةً بقصَّتهَا، فظننتُ أنها منها، فمن هناك وضعتُها (٢) فَي السبعْ الطّوَالِ، ولَم أكتبَْ بينهما سَطرَ: (بسم الله الرحمن الرحيم) (٣) .
ش- هشيم بن بشير الواسطي.
وعوف هذا هو ابن أبي جميلة، واسم أبي جميلة: بندوية، ويقال: رزينة العبدي الهجري، البصري، يعرف بالأعرابي، ولم يكن أعرابيا. روى عن: أبي عثمان النهدي، وأبي العالية، والحسن، وابن سيرين، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وابن المبارك، وغيرهم. قال أحمد: ثقة صالح. وقال ابن معين: ثقة. وقيل: كان يتشيع. مات سنة ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة (٤) .
стр. 1490
ويزيد الفارسي هو ابن هرمز، أبو عبد الله الليثي مولاهم المدني،
وهو والد عبد الله بن يزيد، أحد الفقهاء بالمدينة، وهو معلم مالك بن أنس. روى عن: ابن عباس، وأبي هريرة. روى عنه: سعيد المقبري، وعوف الأعرابي، وقيس بن سعد المكي، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان ثقة- إن شاء الله- روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وا لنسائي (١) .
قوله: " أن عمدتم " أي: أن قصدتم، و" أن " في محل الرفع على أنه فاعل قوله: "حملكم ".
قوله: " وهي من المئين " أي: من السور التي تشتمل على أكثر من مائة آية. لأن البراءة مائة وتسع وعشرون آية عند الكوفيين، وعند البصريين مائة وثلاثون آية، والشئون بكسر الميم جمع مائة، وبعضهم يقول: شؤون بالضم، وأصل مائة، مأى، نحو معاً والهاء عوض عن الياء.
قوله: " وهو من المثاني " المثاني: السور التي تنقص عن المئين، وتزيد على المفصل، والأنفال خمس وسبعون آية عند الكوفيين، وسبع وسبعون عند الشاميين، وست وسبعون عند الباقين، وإنما سأل هذا السؤال، لأن المئين جعلت مبادئ، والتي تليها مثاني.
قوله: " فجعلتموها " أي: الأنفال، أي: سورة الأنفال في السبع الطوال، وهني: البقرة، وآل عمر أن، والنساء، والمائدة، وا لأنعام، والأعراف، والتوبة، والطول- بضم الطاء وفتح الواو- جمع الطولى، تأنيث الأطول، مثل: الكبر في الكبرى، وهذا البناء تلزمه الألف واللام أو الإضافة.
قوله: " بينهما " أي: بين الأنفال والتوبة.
قوله: " وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة " يعني من السنة
стр. 1491
الأولى من الهجرة، " وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن "، نزلت في سنة تسع من الهجرة.
قوله:" وكانت قصتها" أي: قصة براءة " شبيهة بقصة الأنفال "، لأن في، الأنفال " ذكر العهود، وفي " براءة " نبذها.
[١/٢٧٠-أ] قوله: " فظننت أنها منها" / أي: أن سورة براءة من سورة الأنفال، فلأجل ذلك وضعها في السبع الطُّوَلِ، ولم يكتب بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ، ويقال: تركت البسملة بينهما، لأنها نزلت لرفع الأمان، و" بسم الله " أمان، وقيل: " اختلفت الصحابة في أنهما سورة واحدة هي سابعة السبع الطُوَلِ، أو سورتان تركت بينهما فرجة، ولم يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وقيل: لم تكتب البسملة لأنها رحمة، والسورٍ، في المنافقين.
والحديث أخرجه الترمذي، وفي روايته زيادة، وهي " فقبض رسول الله ولم يبين أنها منها" (١) وقال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز، ويزيد الرقاشي هو: يزيد بن أبان الرقاشي، ولم يدرك ابن عباس، إنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي، وأخرج الترمذي هذا الحديث في أبواب تفسير القرآن، وليس في الحديث شيء مما يتعلق بالجهر والإخفاء، وليس له مناسبة للباب أيضاً ولذلك غالب النسخ ليس فيه باب من جهر بها، وهذا هو الأجدر المناسب.
ص- قال أبو داود: قال الشعبي، وأبو مالك، وقتادة، وثابت بن عُمارة:
стр. 1492
" إن النبي- ﵇ لم يكتبْ (بسم الله الرحمنِ الرحيم) حتى نَزلتْ سورةُ النملِ " هذا معناه (١) .
ش- هذا مرسل، وسورة النمل مكية بلا خلاف، وأبو مالك سعد ابن طارق، وثابت بن عُمارة الحنفي أبو مالك البصري. سمع: غنيم ابن قيس ا"زني، وخالد بن الأحدب، وربيعة بن شيبان. روى عنه: شعبة، ووكيع، ويحيى القطان، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ليس عندي بالمتن. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٢) .
٧٦٥- ص- نا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، وابن السرح، قالوا: ثنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال قتيبة: عن ابن عباس قال: " كان النبي- ﵇ لا يَعرفُ فَصْلَ السور (٣) حتى تَنزِلَ علي: (بسم الله الرحمنِ الرحيم) (٤) .
ش- أحمد بن محمد بن موسى المروزي، أبو العباس السمسار، المعروف بمردويه. سمع: ابن المبارك، وإسحاق بن يوسف، وغيرهما. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وقال: لا بأس به (٥) وسفيان الثوري.
وعمرو بن دينار، أبو محمد المكي الجمحي. سمع: عبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: ابن المسيح، وأبا سلمة، ونافع بن جبير، ومجاهداً وسعيد بن جبير، وغيرهم. روى عنه: جعفر الصادق،
стр. 1493
وأيوب، وقتادة، والثوري، وشعبة، وابن عيينة، وهو أثبت الناس فيه، والحمادان، وابن جريج، وغيرهم. قال ابن عيينة: كان ثقة ثقة ثقة. مات سنة ست وعشرين ومائة. روى له الجماعة (١) .
واستدل بالحديث أصحابنا الذين قالوا: إن البسملة آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور. والحديث أخرجه: الحاكم، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين (٢) .
ص- وهذا لفظ ابن السرح.
ش- أي: لفظ أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، وهو أحد شيوخ أبي داود، ولفظ غيره: " لا يعرف انقضاء السورة حتى تنزل علي: (بسم الله الرحمن الرحيم) .
***
١٢٠- باب: تخفيف الصلاة (٣)
أي: هذا باب في بيان تخفيف الصلاة.
٧٦٦- ص- نا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن عمرو سمعه من جابر:
" كان معاذ يُصلي مع النبي- ﵇ ثم يَرجِعُ فيؤُمنا، وقال مرة: ثم يَرجعِ فَيُصَلي بقومه، فأخرَ النبي- ﵇ ليلة الصَّلاةَ، وقال مَرة: العشاءَ، فصلى معاَذ مع النبيِّ- ﵇ ثمِ جَاءَ يَؤمُ قومَهُ فَقرأ البقَرةَ، فاعتزلَ رجل من القَوم، فصلَّى، فقيلَ: نَافقت يا فلانُ، قال: ما نَافقتُ، فأتى النبيَّ- ﵇ فقالَ: إن معاذا يُصلي، ثم يرجعُ فيؤُمنا يا رسولَ الله، إِنا (٤) نحنُ أصحابُ نَوَاضحَ، ونَعملُ بأيدينَا، وإنه جاءَ يؤُمّنا فقرأ بسَورةِ البقرةِ، فقال: نا معاذُ، أفَتان أنتَ (٥) ؟ ! اقَرأ بكذا. فقال أبو الزبير:
стр. 1494
(سبِّح اسْمَ ربِّكَ الأعْلَى) ، (واللَيْلِ إِذا يَغْشَى) فذكرنا لعمرو، فقال: أراه قد ذكرَه " (١) .
/ ش- عمرو بن دينار [١/٢٧٠-ب]
قوله: " فاعتزل رجل من القوم " قيل: هو: حزم بن أبي كعب،
وقيل: حرام بن ملحان، وقيل: حازم، وقيل: سليم.
قوله: " أصحاب نواضح " النواضح جمع ناضح، وهو: البعير الذي
يستقى عليه، والأنثى ناضحة، سميت بذلك لنضحها الماء باستقائها،
والنضح، الرش، وأراد: إنا أصحاب عمل وتعب فلا نستطيع تطويل الصلاة.
قوله: " فقرأ سورة البقرة " فيه دليل على جواز قول من جوز أن يقال:
سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة المائدة، ونحوها، ومنعه بعض السلف، وزعم أنه لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها البقرة، ونحو هذا،
والحديث الصحيح حجة عليه.
قوله: " أفتان أنت؟ ! " أي: منفر عن الدين، وصاد عنه، ففيه
الإنكار على من ارتكب ما يُنهى عنه، وإن كان مكروها غير محرم، وفيه
جواز الاكتفاء في التعزير بالكلام، وفيه الأمر بتخفيف الصلاة، والتعزير
على إطالتها، إذا لم يرض الجماعة.
قوله: " فقال أبو الزبير " محمد بن مسلم بن تدرس المكي: (سبح
اسْمَ ربكَ الأعْلَى) أي: اقرأ سورة (سبح اسْمَ ربِّكَ الأعْلَى) في
الركعة الأولى، واقرأ في الثانية: (واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ، وفي " مسند
стр. 1495
السراج، (١) : فقال النبي- ﵇: " أما يكفيك أن تقرأ ب (السمَاء وَالطَّارق) ، (والشَّمْس وَضُحَاهَا) ، وعند السفاقسي: (إذا السَمَاءُ انفًطَرَتْ) ، و (اقْرَأ بِاسْم ربكَ)
قوله: " فذكرنا (٢) لعمرو " أي: عمرو بن دينار، وقد استدل الشافعي بهذا الحديث في جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ولم يجوزه أبو حنيفة، ومالك، وربيعة، والزهري، وابن المسيب، والنخعي، وأبو قلابة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والحسن البصري، ومجاهد، وآخرون، وأجبنا عن الحديث: إما أنه منسوخ، أو كان معاذ يصلي مع النبي- ﵇ متنفلاً، ومع قومه فرضاً، واستوفينا الكلام فيه في باب ٠٠. (٣) والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم.
٧٦٧- ص- نا موسى بن إسماعيل، ثنا طالب بن حبيب، قال: سمعت عبد الرحمن بن جابر، يحدث عن حزم بن أبي كعب (٤) " أنه أتى مُعاذا وهو يُصلي بقومٍ صَلاةَ المغرب- في هذا الخبر- قال: فقالت رسولُ الله: يا معاذُ، لا تكنْ فَتَّانا، فإنه يُصَلى وراءَكَ: الكبيرُ، والضعيفُ، وذو الحَاجَة والمُسافرُ " (٥) .
ش- طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل بن قيس الأنصاري المدني الضجيعِي، ويقال: طالب ابن ضَجِيع، لأن جَده ضجيعُ حمزةَ بن عبد الَمطلب. سمع: عبد الرحمن ومحمدا ابني جابر بن عبد الله. روى عنه: موسى بن إسماعيل، وأبو داود الطيالسي، ويونس بن محمد
стр. 1496
المؤدب. قال البخاري: فيه نظر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس
به. روى له أبو داود (١) .
وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري
السلمي المدني أخو محمد. سمع: أباه، وأبا بردة بن نيار، وحزم بن
أبي كعب. روى عنه: سليمان بن يسار، وعاصم بن عمرو بن قتادة،
وطالب بن حبيب، وغيرهم. وقال ابن سعد: في روايته، ورواية أخيه ضعف، وليس يحتج بهما. وقال أحمد بن عبد الله: عبد الرحمن بن
جابر ثقة. روى له الجماعة (٢) .
وحزم بن أبي كعب الأنصاري الصحابي، روى عنه: عبد الرحمن بن
جابر، روى له أبو داود (٣) .
قوله: " في هذا الخبر " أي: الخبر المذكور الذي رواه عمرو بن دينار،
عن جابر، وقال أبو حاتم: فيه دلالة أن المغرب ليس له وقت واحد،
ورد البيهقي رواية المغرب، وقال: إن رواية العشاء أصح.
قوله: " الكبير " أي: الكبير في السن، والضعيف أعم من أن يكون
سقيما في بدنه، أو في عضو من أعضائه، وفيه من الفقه: أن الإمام لا
ينبغي أن يطول بالصلاة على الجماعة، ولا سيما إذا كان في مسجد
الشوارع والطرقات، ومسجد الأسواق، أو إمام قوم كسالى، فإذا رضي
القوم به لا يكره التطويل.
٧٦٨- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا حسين بن علي، عن زائدة، عن
سليمان، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي- ﵇ قال:
قال النبي- ﵇ / لرجل: " كيفَ تقولُ في الصلاة ِ؟ قال: [١/٢٧١-أ]
стр. 1497
أَتشهدُ، وأقولُ: اللهُمَ إني أسألُكَ الجنةَ، وأَعوذُ بك من النار، أمَا إني لا أحْسِنُ دندَنَتَكَ، ولا دَنْدَنَةَ مُعاذ، فقال- ﵇:َ حَوْلَهُمًا (١) نُدَنْدِنُ " (٢) .
ش- حسين بن علي الجعفي الكوفي، وزائدة بن قدامة، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبو صالح ذكوان الزيات.
قوله: " دندنتك " الدندنة: قراءة مبهمة- غير مفهومة، والهينمة مثلها، أو نحوها.
قوله: " حولهما " أي: حول الجنة والنار، " ندندن " أي: في طلبهما من دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحد مجيئا وذهابا. وقال ابن الأثير (٣) : " وفي رواية عنهما: " ندندن " معناه: أن دندنتنا صادرة عنهما وكائنة بسببيهما ". والحديث أخرجه: ابن ماجه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، وذكر الخطيب أن هذا الرجل الذي قال له النبي: " كيف تقول " هو سليم الأنصاري السلمي. وفيه من الفقه: أن التخفيف في الأدعية من الصلاة مطلوب، ولذلك حسن النبي- ﵇ كلام الرجل بقوله: " حولهما ندندن "، ولا سيما إذا كان إماما، حتى قال البعض: إذا عرف الإمام ملل القوم يترك الأدعية بالكلية.
٧٦٩- ص- نا يحيى بن حبيب، نا خالد بن الحارث، نا محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، ذكر قصة معاذ، قال: وقال- يعني: النبي- ﵇ للفتى: " كَيفَ تَصنعُ نا ابنَ أخي إذا صَلَّيتَ؟ قال: أَقرأ بفاتحة الكتاب، وأَسألُ الله الجنةَ، وأعوذُ به من النار، وإني لا أَدرِي ما دندنَتُكً وَدنْدًنَةُ (٤) مُعاذ، فقال رسول الله: إني ومُعاذاً حولَ هاتين، أو نحوَ هذا " (٥) .
стр. 1498
ش- الفتى: هو سليم الأنصاري.
قوله:" ومعاذا " بالنصب، عطف على اسم " إن " في قوله: " إني " وخبره محذوف، والتقدير: إني ومعاذا ندندن حول هاتين أي: الجنة، والنار، و " حول " منصوب على الظرفية، والعامل فيه الخبر المقدر. قوله: " أو نحو هذا " شك من الراوي، والحديث أخرجه: ابن خزيمة في " صحيحه " (١) .
٧٧٠- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، أن النبي- ﵇ قال: " إذا صلى أحدُكم للناسِ فَليخَففْ، فإن فيهم الضعيفَ، والسقيمَ، والكَبيرَ، وإذَا صَلَّى لنفسه فليُطَولْ مَا شَاءَ" (٢) .ً
ش- الحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وفي لفظ لمسلم: " والمريض "، وفي لفظ له: " الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة "، والفرق بين الضعيف والسقيم: أن الضعيف أعم من السقيم، لأن السقيم من استقام وهو المرض، والضعيف من الضعف، وهو خلاف القوة، فلا يلزم أن يكون ضعيف القوة سقيما كالشيخ الصحيح، فإنه ضعيف القوة غير سقيم.
قوله: " وإذا صلى لنفسه " معناه: إذا صلى منفردا فليطول ما شاء، وفي رواية عبد الرزاق: " وإذا قام وحده فليطل صلاته
"، وفي " مسند السراج ": " وإذا صلى وحده فليطول إن شاء "، وفي رواية لمسلم: " وإذا صلى وحده فليصل كيف شاء ".
стр. 1499
وفيه من الفقه: أن الإمام ينبغي أن لا يطول بالصلاة على الجماعة، بل يخففها، بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها، وأنه إذا صلى لنفسه طول ما شاء في الأركان التي تحتمل التطويل كالقيام، والركوع، والسجود، دون الاعتدال، والجلوس بين السجدتين.
٧٧١- ص- نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة (١) ، عن أبي هريرة، أن النبي- ﵇ قال: " إذَا صلى أحدُكُم للناسِ فليخفف،، فإن فيهمُ السقيمَ، والشيخَ الكَبِيرَ، وذا الحَاجَةِ " (٢) .
ش - عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن.
فإن قيل: ما حكم الأمر المذكور في هذه الأحاديث؟ قلت: أمر ندب واستحباب، وقيل: أمر وجوب، حتى أوجب على الإمام تخفيف الصلاة بمطلق الأمر، قلنا: القرينة الدالة على ما ذكرنا تنفى الوجوب، والله أعلم.
***
[١/٢٧١-ب] / ١٢١- باب: تخفيف الصلاة للأمر يحدث
أي: هذا باب في بيان تخفيف الصلاة لأجل أمر يحدث.
٧٧٢- ص- نا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا عمر بن عبد الواحد، وبشر
ابن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأقُومُ إلى الصلاة وأنا أريدُ أنْ
أطَولَ فيها، فأسْمَعُ بُكَاءَ الصبي، فأتَجَوزَ كَرَاهِيَة أنْ أشُق على أمهِ " (٣) .
стр. 1500
ش- عبد الرحمن بن إبراهيم القرشي الدمشقي، وعمر بن عبد الواحد
الدمشقي.
وبشر بن بكر التنيسي الدمشقي أبو عبد الله البجلي. سمع: الأوزاعي، وحريز بن عثمان، وعبد الرحمن بن زيد، وغيرهم. روى عنه: الإمام الشافعي، وابن وهب، وهما أقدم وفاة منه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس. مات سنة خمس ومائتين. روى له: البخاري، وأبو داود، وابن ماجه (١) .
قوله: " فأتجوز " من التجوز، والمراد به: تقليل القراء ة كما ذكره ابن سابط وغيره، كما جاء في رواية مسلم: " فيقرأ السورة الخفيفة "، واستدل بعض الشافعية بهذا على ابن الإمام إذا كان راكعا فأحس بداخل يريد الصلاة معه، ينتظره ليدرك معه فضيلة الركعة في جماعة، وذلك لأنه إذا كان له ابن يحذف من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا، كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هذا أحق وأَوْلى. وقال القرطبي: ولا دلالة فيه، لأن هذا زيادة عمل في الصلاة، بخلاف الحذف. وقال ابن بلال: وممن أجاز ذلك الشعبي، والحسن، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال آخرون: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال مالك: لا ينتظر، لأنه يضر مَن خلفه، وهو قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي. وقال السفاقسي، عن سحنون: إن صلاتهم باطلة.
قلت: هذه رواية عن بعض أصحابنا، حتى قال بعضهم: يخشى عليه
стр. 1501
الكفر، وقيل: إذا لم يعرف الداخل لا يكره، وقيل: إن كان الداخل غنيا يكره، وإن كان فقيرا لا يكره.
قوله: " كراهية " نصب على التعليل، أي: لأجل كراهية أن أشق، ومحل " أن " الجر بالإضافة، وهي مصدرية، والتقدير: كراهية الشق. وفيه من الفقه: الدلالة على الرفق بالقوم، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم، دان كان يسيراً، من غير ضرورة، وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد، وأن الصبي يجوز إدخاله في المسجد، دان كان الأولى تبرئة المسجد عمن لا يؤمن منه الحدث، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم من حديث قتادة، عن أنس بن مالك، وأخرجه النسائي، وابن ماجه أيضاً.
٧٧٣- ص- نا (١) قتيبة بن سعيد، عن بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عَنمةَ المزني، عن عمار بن ياسر، قال: سمعت رسول الله- ﵇ يقول: " إن الرجُلَ لَيَنْصَرفُ وما كُتبَ له إلا عُشرُ صلاة (٢) ، تُسعُها، ثُمُنُها، سُبُعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبُعُها، ثُلُثُها، نِصْفُها " (٣) .
ش- بكر بن مضر بن محمد المصري.
وعمر بن الحكم بن ثوبان الحجازي المدني. روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. روى عنه: سعيد المقبري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو بن علقمة. روى له الجماعة (٤) . وعبد الله بن عنمة- بفتح العن المهملة، وفتح النون- ويقال: بسكون النون، ويقال: عثمة- بالثاء المثلثة الساكنة- المدني. روى عن:
стр. 1502
عمار بن ياسر- ﵁ روى عنه: عمر بن الحكم بن ثوبان. روى له: أبو داود (١) .
قوله: " وما كتب له " الواو فيه للحال، والمعنى: أن الناس تختلف أحوالهم في ثواب صلواتهم على حسب حالاتهم في إقامتها، فمنهم من يحصل له ثواب عشر صلاة، ومنهم تسعها، ومنهم ثمنها إلى نصفها، فالرجل السعيد أن يحصل له ثواب كلها.
***
/ ١٢٢- باب: القراءة في الظهر [ ١/٢٧٢-أ]
أي: هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة الظهر.
٧٧٤- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن قيس بن سعد، وعمارة بن ميمون، وحبيب، عن عطاء بن أبي رباح، أن أبا هريرة قال: " في كُل صَلاة يُقرأُ (٢) ، فما أسمعَنَا النبيُّ- ﵇ أسمعنَاكُم، وما أَخفَى عَلَينَا أخفينا عَليكُم " (٣) .
ش- حماد بن سلمة، وقيس بن سعد المكي.
وعمارة بن ميمون، روى عن: عطاء، روى عنه: حماد بن سلمة، روى له: أبو داود (٤) .
وحبيب بن أبي قُريبة المعلم البصري، روى له: مسلم.
قوله: " في كل صلاة يقرأ " يعني: في كل صلاة لا بد من قراءة
القرآن.
стр. 1503
وقوله: " يقرأ " على صيغة المجهول، أي: يقرأ القرآن، وروي:" نقرأ " بالنون، أي: في كل صلاة نقرأ نحن القرآن.
قوله: " فما أسمعنا النبي " يعني: الذي أسمعنا النبي إياه، أراد بالذي جهر فيه بالقراءة كالمغرب، والعشاء، والصبح أسمعناكم إياه، والذي أخفاه علينا كالظهر، والعصر أخفينا عليكم، وقد أجمعت الأمة على الجهر بالقراءة في الصبح، والأولين في المغرب، والعشاء، وفي الجمعة، وعلى الإسرار في الظهر، والعصر، وثالثة المغرب والأخريين من العشاء، واختلفوا في العيد، والاستسقاء، أما العيد فإنه يجهر فيه عندنا، وعند الشافعي، وأما الاستسقاء فليس فيه صلاة عند أبي حنيفة، وإنما هو دعاء واستغفار. وقال أبو يوسف، ومحمد: يصلي الإمام بالناس ركعتن، ويجهر فيهما بالقراءة، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأما صلاة الكسوف والخسوف، فلا جهر فيها عند أبي حنيفة، ومحمد. وقال أبو يوسف: فيها الجهر، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: يسر بها نهارا، ويجهر ليلاً، وأما باقية النوافل ففي النهار لا جهر فيها، وفي الليل يتخير. وقال الشيخ محيى الدين: وفي نوافل الليل قيل: يجهر فيها، وقيل: بين الجهر، والإسرار. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، وا لنسائي.
٧٧٥- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله ح، ونا ابن المثنى، نا ابن أبى عدي، عن الحجاج- وهذا لفظه- عن يحيى، عن عبد الله ابن أبي قتادة، قال ابن المثنى: وأبي سلمة، ثم اتفقا على أبي قتادة، قال: "كان النبي- ﵇ يُصفي بنا، فَقَرأ في الظهر، والعَصرِ في الركعتين الأولَين بفاتحة الكتابِ وسورتينِ، ويُسْمعُنَا الآيةَ أحيانا، وكان يُطَولُ الرَكعةَ الأولَى منَ الظهَرِ، ويُقصرُ الثانيةَ، وكذَلك في الصبح ".
لم يذكر مسدد فاتحة الكتاب وسورة (١) .
стр. 1504
ش- يحيى القطان، وهشام بن أبي عبد الله الدَستوائي البصري،
وابن المثنى هو: محمد بن المثنى، وابن أبي عدي هو: محمد بن أبي عدي، والحجاج هو: ابن أبي عثمان الصواف، ويحمص الثاني هو: يحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة هو: عبد الله بن عبد الرحمن.
قوله، " وهذا لفظه " أي: لفظ الحجاج الصواف، عن يحيى بن
أبي كثير.
قوله: " قال ابن المثنى: وأبي سلمة " أي: قال محمد بن المثنى: يحمى عن عبد الله بن أبي قتادة، وعن أبي سلمة أيضاً، ثم اتفق كلاهما على أبي قتادة الحارث بن ربعي.
قوله: " في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب " فيه دليل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الأولين من ذوات الأربع، والثلاث، وكذلك جمع السورة إلى الفاتحة، وفيه استحباب قراءة سورة قصيرة بكمالها، وأنها أفضل من قراءة بقدرها من طويلة، وفي " شرح الهداية ": إن قراءة بعض سورة في ركعة، وبعضها في الثانية الصحيح أنه لا يكره، وقيل: يكره، ولا ينبغي أن يقرأ في الركعتين من وسط السورة، ومن آخرها، ولو فعل لا بأس به، وفي النسائي: " قرأ رسول الله من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون، ثم أخذته سعلة فركع " (١) ، وقال في " المغني ": لا يكره قراءة آخر السورة، وأوساطها في إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الثانية مكروهة.
قوله: " ويسمعنا الآية أحيانا " أي: في بعض الأحيان، أي: الأوقات، هذا محمول على أنه أراد بأن جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار
стр. 1505
ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سُنة، ويحتمل أن الجهر بالاَ ية كان
يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر.
[١/٢٧٢-ب] قوله: " وكان يطول الركعة الأولى من الظهر / ويقصر الثانية " أي: الركعة الثانية، وبه استدل محمد بن الحسن في أن تطويل الركعة الأولى
على الثانية في جميع الصلوات، وبه قال بعض الشافعية، وعند
أبي حنيفة، وأبي يوسف: يسوي بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يطول
الأولى على الثانية، وبه قال بعض الشافعية، والجواب عن الحديث: إنه
كان يطول الأولى بدعاء الاستفتاح، والتعوذ، أو استماع دخول داخل في
الصلاة ونحوه، لا في القراءة.
قوله: " وكذلك في الصبح " أي: وكذلك كان يطول الركعة الأولى في
صلاة الصبح، وهذا بالإجماع، لأنه وقت نوم وغفلة. والحديث
أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
٧٧٦- ص- نا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون أنا همام، وأبان بن
يزيد العطار، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه بعض هذا،
وزاد: " وفي الأخْرَيَين بفاتحة الكتاب "، وزاد عن همام، قال: " وكانَ
يُطَولُ في الركعة الأولَى مَا لا يُطَولُ في الثانية، وهكذا في صَلاة العصر،
وهكذا في صلاةَِ الغَدَاةِ " (١) .
ش- همام بن يحيى العوذي.
قوله: " ببعض هذا " أي: الحديث المذكور، وزاد فيه: " وفي
الأخريين " يعني: قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب. وقال الشيخ محيي
الدين (٢) : " وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في
جميع الركعات، ولم يوجب أبو حنيفة في الأخريين قراءة، بل خيره بين
القراءة والتسبيح، والسكوت، والجمهور على وجوب القراءة، وهو
الصواب الموافق للسنن الصحيحة ".
стр. 1506
قلت: إنما لم يوجب أبو حنيفة القراءة في الأخريين " روى أبو بكر، قال: نا شريك، عن أبي إسحاق، عن عليّ، وعبد الله، أنهما قالا: " اقرأ في الأولين، وسبح في الأخريين ".
ونا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، أنه قال: " يقرأ في الأوليين، ويسبح في الأخريين ".
حدثنا جرير، عن منصور، قال: قلت لإبراهيم: ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة؟ قال: " سبح، واحمد الله، وكبر ". حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن الأسود، قال: "يقرأ في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب، وسورة، وفي الأخريين يسبح، ويكبر ".
وكفى أبا حنيفة علي- ﵁ قدوة في الباب، على أن الحسن روى عن أبي حنيفة: إن القراءة في الأخريين واجبة، حتى لو تركها ساهيا يلزمه سجدة السهو، واتفق أصحابنا كلهم على أن القراءة أفضل في الأخريين، وكل حديث ورد بالقراءة في الأخريين محمول على الفضيلة.
قوله: " وزاد: عن همام " أي: زاد يزيد بن هارون: عن همام بن يحيى، وقد أجبنا عن وجه هذه الزيادة.
٧٧٧- ص- نا الحسن بن عليّ، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: " فَظَننا أنه يُريدُ بذلكَ أن يُدْركَ الناسُ الركعةَ الأولى " (١) .
ش- عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، ويحيى بن أبي كثير. قوله: " يريد بذلك " بتطويله الأولى على الثانية، وقد ذكرنا هل يجور ليمام أن يطول لأجل إدراك داخل أم لا.
стр. 1507
٧٧٨- ص- نا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن
عمارة بن عمير، عن أبي معمر، قال: " قُلنا لخَباب: هلْ كانَ رسولُ الله
﵇ يَقرأ في الظهر، والعصر؟ قال: نعَم، قال (١) : بم كُنتمَ
تَعرفونَ (٢) ؟ قال: باضطرابِ لَحيتِهِ " (٣) .
ش- أبو معمر: عبد الله بن سخبرة.
وخباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد
أبو عبد الله، شهد بدرا مع رسول الله، روي له عن رسول الله اثنان
وثلاثون حديثا، اتفقا على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين،
ومسلم بواحد. روى عنه: قيس بن أبي حازم، ومسروق، وأبو معمر.
نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعينَ سنة،
وصلى عليه علي بن أبي طالب. روى له الجماعة (٤) .
قوله: " باضطراب لحيته " أي: بحركتها، وفي بعض النسخ: " لحييه "
بفتح اللام، وبالياءين، أوليهما مفتوحة، والأخرى ساكنة، وهي تثنية
" لحي " بفتح اللام، وسكون الحاء، وهي: منبت اللحية من الإنسان
وغيره. ويستفاد من الحديث مسألتان، الأولى: وجوب القراءة في الصلاة، والثانية: وجوب الإخفاء في الظهر، والعصر. والحديث
أخرجه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه.
ثم إن الرجل إن جهر فيما يخافت فيه، أو خافت فيما يجهر فيه،
فعند أبي حنيفة يسجد للسهو، وعن أبي يوسف: إن جهر بحرف يسجد،
[١/٢٧٣-أ] وفي رواية عنه: إن زاد في المخافتة / على ما سمع أذنيه تجب سجدتا السهو، والصحيح إذا جهر مقدار ما تجور به الصلاة، وقال بعض
стр. 1508
أصحابنا: الإسرار سنة، وليس بواجب، وفي " المصنف ": وممن كان يجهر بالقراءة في الظهر، والعصر: خباب بن الأرت، وسعيد بن جبير، والأسود، وعلقمة، وعن جابر، قال: " سألت الشعبي، وسالماً، وقاسما، والحكم، ومجاهدا، وعطاء عن الرجل يجهر في الظهر، والعصر، فقالوا: ليس علي سهو ". وعن قتادة: أن أنسا جهر بهما فلم يسجد، وكذا فعله سعيد بن العاص إذ كان أميراً بالمدينة، ويستدل من رأى الإسرار واجبا بما في " المصنف ": عن يحيى بن أبي كثير، قالوا: " يا رسول الله، إن هنا قوماً يجهرون بالقراءة بالنهار، فقال: ارموهم بالبعر"، وعن الحسن، وأبي عبيدة: صلاة النهار عجماء، وقد قيل: إن هذا حديث، وليس بصحيح، وسمع ابن عمر رجلاً يجهر بالقراءة نهارا، فقال له: " إن صلاة النهار لا يجهر فيها بالقرآن، فأسر قراءتك ".
٧٧٩- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا عفان، نا همام، نا محمد بن جُحادةَ، عن رجل، عن عبد الله بن أبي أوفى: " أن النبي- ﵇ كان يَقومُ في الركعةِ الأولى مِن صَلاةِ الظُّهرِ حتى لا يَسْمَعَ وَقع القَدمَ " (١) . ش- عفان بن مسلم البصري، وهمام بن يحيى.
وعبد الله بن أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد
- بفتح الهمزة- بن رفاعة بن ثعلبة أبو إبراهيم، أو أبو محمد، أو أبو معاوية الأسلمي، أخو زيد، شهد بيعة الرضوان، روي له عن رسول الله- ﵇ خمسة وتسعون حديثا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث. روى عنه، طلحة بن مصرف، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمرو بن مرة، وغيرهم، نزل الكوفة، ومات بها سنة ست وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة. روى له الجماعة (٢) .
стр. 1509
والحديث معلول برجل مجهول.
قوله:" وقع القدم " بسكون القاف، وهو سقوطه، والمراد منه: حسه، وفي رواية: " وقع قدم " بدون التعريف، وروى أبو بكر بن أبي شيبة بهذا الإسناد بعينه، عن ابن أبي أوفى، أن النبي- ﵇ كان ينتظر ما سمع وقع نصل علي.
***
١٢٣- باب: تخفيف الأخريين
أي: هذا باب في بيان التخفيف في الركعتين الأخريين، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في تخفيف الأخريين ".
٧٨٠- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة، عن محمد بن عبيد الله أبي عون، عن جابر بن سمرة، قال: قال عمرُ لسعد: قد شَكَاكَ الناسُ في كلِّ شيء حتى في الصلاةِ! قال: " إذا أنَا فأمدُّ في الأولَيَينِ، أو كما قال، وأحذفُ في الأخْرَيين، وما آلو ما اقتديتُ (١) من صلاة رسول الله، قال: ذاك الظنُّ بكَ " (٢) .ً
ش- أي: قال عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص- ﵄.
قوله: " أما أنا فأمد في الأوليين " أي: أطول.
قوله: " أو كما قال " شك من الراوي، وفي رواية البخاري ومسلم:
" إني لأر كد بهم في الأوليين ".
قوله:" وأحذف في الأخريين " يعني: أقصرهما عن الأولين لا أنه
стр. 1510
يُخلهما بالكلية، وقد استدل به البعض لأبي حنيفة في أن لا قراءة في
الأخريين، لأن ظاهر العبارة يدل على أنه كان يحذف القراءة، أي:
يتركها في الأخريين.
قوله: " وما آلو " بالمد في أوله، وضم اللام، أي: ما أقصر فيما
اقتديت به من صلاة رسول الله، ومنه قوله تعالى: (لا يَألُونَكُمْ
خَبالا) (١) من آل يألو، فهو آل، وهي آلية، وجمعها أوال، وتمام
الحديث في " الصحيحين " عن جابر بن سمرة: " شكى أهل الكوفة
سعداً إلى عمر، فعزله، واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه
لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء
يزعمون أنك لا تحسن تصلي! قال: أما أنا، والله فإني كنت أصلي بهم
صلاة رسول الله ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الأوليين،
وأحذف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك نا أبا إسحاق، فأرسل معه
رجلاً، أو رجالا إلى الكوفة، يسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا
إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل
منهم يقال له: أسامة بن قتادة- يكنى أبا سعدة- قال: أما إذا نشدتنا،
فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في
القضية، قال سعد: أما والله لأدعون / بثلاث، اللهم إن كان عبدك هذا [١/٢٧٣-ب] كاذبا، قام رياء وسمعة: فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن،
فكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال
عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه
ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن"
ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: أن الإمام إذا شكي إليه نائبه ينبغي
أن يبعث إليه، ويستفسر عن ذلك، ولا يسكت، فإن خاف من ذلك فتنة
أو مفسدة عزله، ويولي غيره، وإن لم يكن فيه خلل، ألا ترى كيف