الصحابة، وذلك لا يصح أن يكون منه ومنهم إلا بعد وقوفهم على نسخ
ما كان منه- ﵇ يوم ذي اليدين، ويدل على ذلك- أيضا- أن الأمة أجمعت على أن السنة من الإمام إذا نابه شيء في صلاته أن يسبح به، ولم يُسبح ذو اليدين برسول الله، ولا أنكره- ﵇ عليه، فدل على أن ما أمر به- ﵇ من التسبيح للنائبة في الصلاة متأخر عما كان في حديث ذي اليدين.
فإن قيل: قد سجد النبي- ﵇ سجدتي السهو في حديث
ذي اليدين، ولو كان الكلام حينئذ مباحا كما قلتم لما سجدهما. قلنا:
لم تتفق الرواةُ على أنه- ﵇ سجدهما؛ بل اختلفوا في ذلك. قال البيهقي: لم يحفظهما الزهري لا عن أبي سلمة، ولا عن جماعة حدثوه بهذه القصة عن أبي هريرة. وخرج الطحاوي، عن الزهري قال: سألت أهل العلم بالمدينة فما أخبرني أحد منهم أنه صلاها- يعني: سجدتي السهو- يوم ذي اليدين؛ فإن ثبت أنه لم يسجدهما فلا إشكال، وإن ثبت أنه سجدهما نقول: الكلام في الصلاة- "أن كان مباحا حينئذ- لكن الخروج منها بالتسليم قبل تمامها لم يكن مباحا، فلما فعل- ﵇ ذلك ساهيا كان عليه السجود لذلك.
وقال الشيخ علاء الدين المارديني في "الجوهر النقي في الرد على البيهقي": ثم إني نظرتُ فيما بأيدينا من كتب الحديث، فلم أجد في شيء منها أن عمران بن الحصين حضر تلك الصلاة، ولم يذكر البيهقي ذلك مع كثرة سَوْقه للطُرق؛ بل في كتاب النسائي، عن عمران أنه- ﵇ صلي بهم وسهى، فسجد ثم سلم، وكذا في "صحيح مسلم " وغيره بمعناه؛ والأظهر: أن ذلك مختصر من حديث ذي اليدين؛ فظاهر قوله: مصلى بهم " أنه لم يحضر تلك الصلاة، وإذا حُمل حديث أبي هريرة على الإرْسال بما ذكرنا من الأدلة، فَحمْلُ حديث عمران على ذلك أوْلى، وحديث مُعاوية بن حُدَيْج رواه عنه سُويدُ بن قَيْس المِصْري التُجِيبي. قال الذهبي في كتابه " الميزان" و "الضعفاء": مجهول
стр. 1717
تفرد عنه: يزيد بن أبي حبيب. وفي حديث معاوية هذا مخالفة لحديث
ذي اليدين من وجوه تظهر لمن ينظر فيه، وفيه: أنه- ﵇ أمر
بلالا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة، وأجمعوا على العمل بخلاف
ذلك، وقالوا: إن فعلَ الإقامة ونحوها يقطع الصلاة، وتَصويبُ ابن
عباس لابن الزبير في ذَلك ذكره البيهقي من طريقي، في أحدهما: حماد
ابن سلمي، عن عسل بن سفيان، وقال في " باب منْ مر بحائط إنسان":
ليس بالقوي، وعسْل: ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.
وفي الطريق الثانيَ: الحارث بن عُبيد أبو قدامة. قال النسائي: ليس
بالقوي. وقال أحمد: مضطرب الحديث، وعنه قال: لا أعرفه. وقال
البيهقي في "باب سجود القرآن إحدى عشرة": ضعفه ابن معين.
وأما قوله: "وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي- عليه
السلام-" فكأنه أراد بذلك استبعاد قول من يقول: إن قضية ذي اليدين
كانت قبل بدر؛ لأن ظاهر قول ابن عباس: ما أماط عن سُنَة نبيه- ﵇ يدلُ على أنه شهد تلك القضية، وقبل بدر لم يكن ابن عباس
من أهل التمييز، وتحمل الرواية لصغره جدا، ونحنُ بعد تسليم دلالته
على أنه شهد القضية نمنع كون سنه كذلك؛ بل قد رُوِي عنه أنه قال:
توفي- ﵇ وأنا ابن خمس عشرة. وصوب أحمد بن حنبل
هذا القول، ويدل عليه ما روي في " الصحيح " (١) عن ابن عباس أنه
قال في حجة العدل: وكنتُ يومئذ قد ناهزتُ الحُلم. ولا يلزمُ من رواية
[٢/٣٢ - ب] ابن عمر ذلك، وإجازته- ﵇ بعد بدر أن لا تكون/ القضية قبل بدر؛ لأنه كان عند ذلك من أهل التحمل.
وقوله: " علمنا أن حديث ابن مسعود خص به العمد دون النسيان ".
قلنا: لم يكن الكلام الذي صدر من ذي اليدين سهواً وكذا من النبي
﵇ وأصحابه؛ لأن ذا اليدين لما قال: " بلى قد كان بعض
стр. 1718
ذلك" علم- ﵇ أن النسيان قد وقع، فابتدأ عامدا فسأل الناس فأجابوه- أيضا- عامدين؛ لأنهم علموا أنها لم تقصر، وأن النسيان قد وقع. ثم خرج البيهقي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: كان إسلام معاوية بن الحكم في آخر الأمر، ثم قال: فلم يأمره النبي- ﵇ بإعادة الصلاة، فمن تكلم في صلاته ساهيا أو جاهلاَ مضت صلاته. والجواب: أن الوليد بن مسلم مُدلس ولم يصرح هاهنا بالسماع من الأوزاعي، وكان معاوية جاهلاَ بتحريم الكلام. ثم قال البيهقي: الذي قُتل ببدرِ هو ذو الشمالين ابن عبد عمر [و] ، بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي- ﵇ بسَهوه فإنه بقي بعد النبي- ﵇؛ كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان قال: حدثني شعيب بن مطير، عن أبيه- ومطير حاضر وصدقه- قال شعيب: "يَا أبتاه، أخبرتَني أن ذا اليدين لَقيك بذي حُسْب فأخبرك أن رسول الله" الحديث. ثم قال البيهقي: وقالَ بعض الرواة فًي حديث أبي هريرة: "فقال ذو الشمالين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ ". وكان شيخنا أبو عبد الله يقولُ: كل من قال ذلك فقد أخطأ؟ فإن ذا الشمالين تقدم موتُه ولم يُعقِب، وليس له راوِ.
والجواب في "المُوطأ": مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن (١) أبي حثمة: بلغني أن رسول الله- ﵇ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار: الظهر أو العَصْر، فسلم من اثنتَيْن، فقال له ذو الشمالين- رجل من بني زهرة بن كلاب-: أقصرت الصلاة؟ الحديث؛ وفي آخره: مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمه بن عبد الرحمن مثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين وأنه من بني زهرة.
стр. 1719
فإن قيل: إنه مُرسل. قلنا: ذكر أبو عمر في "التمهيد" أنه متصل من وجوه صحاح، وقد قال النسائي في " سننه" (١) : نا محمد بن رافع: ثنا عبد الرزاق: نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة قال: صلى النبي- ﵇ الظهر أو العصرَ فسلّم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عَمْرو: أنقصَ الصلاة أم نسيت؟ الحديث. وهذا سند صحيح متصل، صرح فيه بأنه ذو الشمالين. وقال النسائي (٢) - أيضا-: نا هارون بن موسى الفروي: حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: نسي رسول الله فسلّم في سجدتين فقال له ذو الشمالين: أقصرت الصلاة؟ الحديث. وهذا- أيضا- سند صحيح صرح فيه- أيضا- أنه ذو الشمالين.
فإن قيل: فقد ذكر أبو عمر في "التمهيد" و" الاستيعاب " أن هذا وهم من الزهري عند كثر العلماء. قلنا: قد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس. قال النسائي (٣) : نا عيسى بن حماد: نا الليث، عن يزيد بن (٤) أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله- ﵇ صلى يومأ فسلم في ركعتين ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله، أنقصت الصلاة أم نسيت؟ الحديث. وهذا سند صحيح على شرط مسلم يثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك، وأن المخاطب للنبي- ﵇ ذو الشمالين، ويؤيد ذلك ما في كتاب النساَئي من قوله: ذو الشمالين بن عَمرو، وكأنه ابن عبد عمرو، فأسْقط الكاتب لفظة " عبد"، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في "الصحيحين" عدم صحته على ما عرف، وثبت- أيضا أن ذا اليدين وذا الشمالي واحد، وقد ورد اللقبان جميعاً
стр. 1720
/ في كتاب النسائي من الوجهين المتقدمين. وقال السَمْعاني في "الأنْساب": ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعاً. وفي "الفاصل " للرامهُرمزي: ذو اليدين وذو الشمالين، قد قيل: إنهما واحد. وقال ابن حبان في "الثقات": ذو اليدين، ويقال له- أيضا-: ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال- أيضا-: ذو الشمالين عمرو بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي حليف بني زهرة. وهذا أوْلى من جعله رجلين لأنه خلاف الأصل. والحديث الذي استدلّ به البَيْهقي وغيره على بقاء ذي اليدين بعد النبي- ﵇ سندُه ضعيف؛ لأن مَعدي بن سليمان متكلم فيه. قال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يُحدّث عن ابن عجلان بمناكير. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، والمُلزقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وشعيب ما عرفنا حاله ووالده: مَطير قال فيه ابن الجارود: سمع ذا اليدين، روى عنه: ابنه: شعيب، لم نكتب حديثه. وفي لا الضعفاء، للذهبي: لم يصح حديثه، وفي "الكاشف ": مطير بن سليم عن ذي الزوائد، وعنه: ابناه: شعيب وسليم، لم يصح حديثه. ولضَعْف هذا السند قال البيهقي في كتاب "المعرفة ": ذو اليدين بقي بعد النبي- ﵇ فيما يُقال، ولقد أحسن وأنصف في هذه العبارة، وقول الحاكم عن ذي الشمالين: " لم يُعقِب " يفهم من ظاهره: أن ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك. ثم ذكر البيهقي حديث أبي سعيد بن المعلى وقوله- ﵇: ما ما منعك أن تُجيبني حين دعوتك؟ أما سمعت الله يَقولُ: استجيبوا لله وللرسول؟ " الحديث، ثم قال: وفي هذا دلالة على أن جواب أصحاب النبي- ﵇ حين سألهم عما يقول ذو اليدين لم تبطل صلاتهم مع ما روينا عن حماد بن زيد في تلك القصة أنهم أومأوا.
والجواب: "قوله: مع ما روينا عن حماد " إلى آخره لا يلائم كلامَه
стр. 1721
المُتقدم؛ لأنه استدل أولا على أن كلامهم لم يُبطل الصلاة، وفي رواية حماد بن زيد أنهم لم يتكلموا؛ بل أومأوا، على أن حمادا اختلف عليه في هذه اللفظة، والله أعلم.
فإذا تأملت جميع ما ذكرنا في هذا الموضع حصل لك جواب عما قاله الخطابيّ في " معالم السنن"، وما قاله البيهقي في "سننه"، وكتابه "المعرفة"، وما قاله الشيخ محيي الدين في "شرح مُسلم "، وما قاله غيرهم، ويَظهر لك ضعف كلامهم، ويَحصل لك الريُّ؛ وليْس الري من التشاف.
٩٠١- ص- ثنا يَزيدُ بن خالد بن مَوْهب، وقتيبة بن سعيد أن الليث حدثهمِ عن بُكَير، عن نَابل صاحب العبَاء، عن ابن عُمر، عن صُهَيب أنه قال: مرَرْتُ برسول الله ﷺ وهو يُصلي فَسلمتُ عليه فرَد إِشارةً، قال: ً ولا أعلَمُه إلا قال: إشارَةً بإِصْبعه (١) .
ش- نابل: بالنون في أَوَله، وبالباء الموحدة المكسورة صاحب العَبَاء، ويقال: صاحب الشمال، وهي [جمع] شملة. سمع: عبد الله بن عمر، وأبا هريرة. روى عنه: بكير بن عبد الله بن الأشج، وصالح بن عُبَيد. قال البرقاني: قلت للدارقطني: نابل صاحب العباء ثقة؟ فأشار بيده أن لا. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٢) .
وصهيب: ابن سنان بن مالك القيمي، أبو يحيي، كان أبوه عاملا لكسرى على الأبلة، وكانت ديارهم بأرض الموصل، ويقال: كانوا في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صُهيبا وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم فصار ألْكَن، فابتاعه كلب منهم فقدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التيمي
стр. 1722
منهم فأعتقه، وقيل غير ذلك، شهد صهيب بدرا مع رسول الله وهاجر
إلى المدينة في شهر ربيع الأول في النصف منه، وأدرك رسول الله بقباء
قبل أن يدخل المدينة. روى عنه: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله،
وبنوه: عثمان، وصيفي، وسَعْد/، وعباد، وحبيب، ومحمد، [٢/ ٣٣ - ب] وصهيب، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكعب الأحبار. مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ودفن بالبقيع. روى له: الجماعة إلا البخاري (١) .
قوله: " فرد إشارةً " أي: فرد السلام علي من حيث الإشارة بإصبعه.
وبهذا استدل الشافعي ومالك أن المصلي إذا سُلم عليه يَرد إشارة.
وقال الخطابي (٢) : والإشارة حَسنة، ثم روى هذا الحديث؛ فكأنه
استدل به على ما قال. وقال أصحابنا: لا يرد لا نطقا ولا إشارة- كما
ذكرناه-؛ لأن قول عبد الله: "فلم يَرُدَّ علي السلام يَتناولُ جميع أنواع
الرد، على أن الحديث فيه مقال؛ حيث رواه النسائي، ثم قال: نابل
ليس بالمشهور. وأخرجه الترمذي وقال: حديث صهيب حديث حسن،
لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن بكير.
وفي "المصنف ": حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن
يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بشر بن سعيد قال: سلم على النبي
﵇ رجل وهو يُصلي فأشَار إليه بيده كأنه يَنْهاهُ.
ص- وهذا لفظُ حديثِ قُتيبةَ.
ش- أي: الحديث المذكور لفظ حديث قتيبة بن سعيد، أحد شيوخ
أبي داود.
٩٠٢- ص- نا عبد الله بن محمد النُفيلي: لا زهير: لا أبو الزبير، عن
стр. 1723
جابر قال: أرْسَلَني نبي الله- ﵇ إلى بَني المُصْطَلَق فأتيتُه وهو يُصلِّي على بَعيرهَ فكلَمْته فقَالَ لي بيده هكذا، ثم كلَمتُه فقال ليَ بيده هكذا وأنا أسمَعُه يَقرأَ ويُومئُ برأسه قال: فلما فَرغ قال: " ما فَعلتَ في الذي أرسلتُك؛ فإنه لم يَمْنعَنِي أن أكلِّمَكَ إلا أني كنتُ أصَلِّي" (١) .
ش- زُهَيْر: ابن معاوية، وأبو الزبير: محمد بن مسلم بن تدرس المكي.
قوله: "إلى بني المُصطلق " هو مُفتعل من الصَّلْق، وهو رفع الصَوْت؛ وبنو المصطلق هم بنو جذيمة بن سَعْد بن عمرو بن ربيعة بن جابر بن عَمرو ابن عامر، بطن من خزاعة.
قوله:" أن أكلمك " في محل النَّصْب، و"أنْ" مَصْدرية؛ والمعنى:
لم يَمْنعني كلامَك، وفاعل " لم يَمْنعْني " قوله: " أني كنت أصلي "، والتقدير: إلا كَوْني في الصَلاة. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٩٠٣- ص- نا حُسَيْن بن عيسى الخُراسَاني الدامغاني: نا جَعْفر بن عون: نا هشام بن سَعْد: نا نافع قال: سمعت عبد الله بن عُمرَ يَقولُ: خرجَ رسولُ الله- ﵇ إلى قُبَاءَ يُصلِّي فيه، قال: فجاءته الأنْصار فَسلَّمُوا عَليْه وهو يُصلي، قال: فقلتُ لبلال: كيف رَأيتَ رسولَ الله يَرد عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو يصلي؟ قَال: يقولُ هكذا وبَسَطَ كَفَّه، وبَسَطَ جَعْفرُ بنُ عونٍ كَفَّه، وجَعلاَ بَطنَه أسفلَ وظهرَه إلى فوقَ (٢) .
стр. 1724
ش- حسين بن عيسى المذكور، أحد شيوخ أبي داود. روى عن: جَعفر بن عَوْن بن جعفر بن عَمرو بن حريث المخزومي أبو عون، وجَعْفر ابن عون: ثقة، قاله ابن معين. وقال أبو حاتم: صدوق. مات بالكوفة سنة ست ومائتين. روى له الجماعة.
ونافع: مولى ابن عمر- ﵄.
قوله: "إلى قُبَاء" قد مر تفسير قُباء غير مرة.
٩٠٤- ص- نا أحمد بن حنبل: نا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هُريرةَ، عن النبي- ﵇ قال: "لا غِرَارَ في صلاة ولا تسليمَ " (١) .
ش- سفيان: الثوري، وً أبو مالك: سَعْد بن طارق، الكوفي
الأشجعي.
وأبُو حازم: اسمُه: سَلْمان الأشجعي الكوفي، مولى عزةَ الأشجعية. روى عن: الحسن بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبي هريرة وكثر عنه، وقال: قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين. روى عنه: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعدي بن ثابت، وغيرهم. قال أحمد ويحيى: ثقة. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. روى له الجماعة (٢)
وقال الطبراني: أبو حازم أربعة، كل منهم يروي عن أبي هريرة، أحدهم: هذا، والثاني: أبو حازم التمار، اسمه: دينار مولى بني رهم، والثالث: أبو حازم: سلمه بن دينار الزاهد، والرابع: أبو حازم نَبتل الكوفي.
قوله: "لا غِرارَ" الغِرار- بكسر الغين المعجمة-: النقصان، وغرار
стр. 1725
النوم. قلته: ويُريد بغرار الصلاة: نقصان هيئاتها وأركانها، وغِرارُ التسليم: أن يقول المُجيبُ: وعليك، ولا يقول: السلامُ، وقيل: أراد بالغرار النوم أي: ليس في الصلاة نوم.
قوله: "ولا تسليمَ " يُروى بفتح الميم، ويروى بالجر، فمَنْ فتحها كان معطوفا على (١) / الغرار، ويكون المعنى: لا نَقْص ولا تسليمَ في الصلاة؛ لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز، ومَنْ جَرها يكون معطوفا على الصلاة ويكون المعنى: لا نقص في صلاة ولا في تسليم. واعلم أن " لا" هاهنا لنفي الجنْس، واسمها مبني على الفتح، نحو:
لا رجلَ في الدار؛ وإنما عملت في الاسم لاختصاصها بالاسم، إذ هو الذي له أفراد يقصد نفي جميعها بها، وإنما بني اسمها لتضمنه معنى الحرف؛ لأن معنى" لا رجل": لا من رجل، وعلى الفتح لأنه أخف الحركات، فيكون المعنى في الحديث نفي جنس الغرار، ونفي جنس التسليم على عطفه على اسم "لا" كما قررناه، وإذا نُفي جنس التسليم يُنْفى- أيضا- جنس الجواب، وهو يَشملُ أنواعه من اللسان والإشارة ونحو هما، فافهم.
ص- قال أحمدُ: يعني فيما أرَى: أن لا تُسلم ويُسَلم عليكَ ويُغررُ الرجلُ بصلاِتهِ فينصرفُ وهو شاك (٢) .
ش- أي: قال أحمد بن حنبل: فيما أرَى أي: فيما أظن أن لا تسلم أنْت في الصلاة، ولا يُسلم غيرُك عليك؛ وهذا تفسيرُ "ولا تسليمَ". وقوله: "ويُغررُ الرجل " إلى آخره تفسير قوله: " لا غرارَ" وهو أن يغرر الرجل بصلاته فيسلم ويخرج منها وهو شاك، هل صلى ثلاثا أو أربعا؟ فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين، ويَنْصرف وهو شاك. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في " جامع المسانيد"، فقال: نا أحمد قال: نا عبد الرحمن قال: ثني سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن
стр. 1726
أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﵇: " لا إغرار في صلاة ولا تسليمَ ". قال أحمد: سألت أبا عمرو الشيباني عنه فقال: إنما هو " لا غِرارَ" قال أحمد: ومعناه: لا يخرج من الصلاة وهو يظن أنه قد بقي عليه منها شيء حتى يكون على اليقين والكمال.
٩٠٥- ص- نا محمد بن العلاء: نا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن
أبي مالك، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: أرَاهُ رفَعه قال: " لا غِرارَ في تسليمِ ولا صلاة" (١) .
ش- " أراهَ "- بضم الهمزة- أي: أظنه رَفعَ الحديثَ وقال: " لا غرارَ في تسليم ولا صلاة"، وهذه الرواية تؤيدُ قول من جر: " ولا تسليم" في الرواية الأولىً عطفا على قوله: " في صلاة". وأخرج البيهقي الطريقين ثم قال: هذا اللفظ- أعني: الطريق الثاني- وهي طريق معاوية بن هشام يقتضي نفي الغرار عن الصلاة والتسليم جميعاً والأخبار التي مضت تُبيح التسليمِ على المصلي والرد بالإشارة، وهي أوْلى بالاتباع. وأراد بالأخبار التي مَضتْ: خبر صهَيب ونحوه.
قلنا: لا يلزم من نفي الغرار عن الصلاة والتسليم تحريم التسليم حتى يكون ذلك مُعارضا للأخبار المُبيحة للتسليم والرد بالإشارة حتى يحتاج إلى الترجيح، نعم الرواية الأولى تقتضي منع التسليم مطلقا، وهي التي تقتضي المُعارضة للأخبار المُبيحة، وكان يتعين عليه أن يُذكر هذا، ثم نقولُ: لا نُسلم أن المُبِيح والمحرم إذا اجتمعا أنْ يكون المُبيح أولى؛ بل المحرم أولى كما هي القاعدة عند المحققين من العلماء، فالأخبارُ التي مضت تشيرُ بإباحته السلام على المصلي وإباحة رد المصلي إشارةً، وهذا الخبرُ يُحَرًمُ السلامَ بالكلية، فلا يَستحق المُسلم بالسلام الحرام جوابا، لا نطقا ولا إشارةً، وهذا أولى بالاتباع عكس ما قاله البيهقي، عملاً بالقاعدة المذكورة، فافهم.
стр. 1727
ص- قال أبو داودَ: ورواه ابنُ فضيلِ على لفظِ ابن مَهْدي، ولم يَرفَعْهُ. ش- أي: وروى هذا الحديث محمد بن فضيل على لفظ عبد الرحمن ابن مَهدي، فأوقفه على أبي هريرة ولم يَرْفعه.
* * *
١٦٢- بَاب: تشميت العاطس في الصلاة
أي: هذا باب في بيان تشميت العاطس في الصلاة. والتشميت
- بالشين المعجمة والسن المهملة-: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما يقال: شمت فلانا (١) ، وشمت عليه تشميتا فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله، وقيل: معناه: أبعدك الله عن الشماتَة وجَنبك ما يُشمَتُ به، عليك، والشماتة: فرح/ العَدو ببليةِ تَنْزلُ بما يُعاديه، يُقال: شمِت به يَشمَتُ فهو شامت، وأشْمته غَيْره.
٩٠٦- ص- نا مسدد: نا يحيي ح، ونا عثمان بن أي شيبة: نا إسماعيل
- يعْني: ابن إبراهيم- المعنى، عن حجاج الصواف قال: حدَّثني يحيي بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاءَ بن يَسار، عن معاويةَ بن الحكم السلمي قال: صَلَّيتُ مع رسول الله- ﵇ فَعَطسَ رجل من القوم فقُلتُ: يرحَمُكَ الله، فرمَانِي القًومُ بَأبْصارِهم فقُلتُ: وَاثكلَ أمياهُ، ما شأنكم تنظرون ليَّ؟ قال: فجَعَلُوا يَضْربونً بأيديهم على أَفْخَاذهم، فعَرَفْتُ أنهم يُصَمتونَني. قال عثمانُ: فلما رأيتُهم يُسَكتُونَنِي (٢) لَكَنِي سكتُ، فلما صلَّى رسولُ الله بأبي وأمي ما ضَرَبَنِي ولا كَهَرَني ولا سبَّني، ثم قال: " أن هذه الصلاةَ لا يَحل فيها شيء من كلام الناسِ هذا، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن " أو كما قال رسولُ الله. قلتُ: يا رسولَ الله"
стр. 1728
إنا قوم حديثُ عهد بالجَاهلية (١) وقد جَاءَنا اللهُ بالإسلام ومنَّا رجال يأتُون اَلكُهَّان، قال: "فلاً تأتهِمْ " قَالَ: قلتُ: ومنا رجال يتطيّرُونَ، قال: " ذاك شيءٌ يَجدُونه في صُدورهم فلا يَصُدَّهُم ". َ قال: قلت:، وَمنا رجال يخُطُّون، قال: "كان نبيّ من الأنبياء يخُطُّ فمَنْ وَافَقَ خَطَّه فذاك" قال: قلتُ: جارية لي كانت تَرْعَى غنَيماتَ قِبلَ أحُد والجَوَّانيّة إذ اطلَعتُ عليهِا اطلاعةً فإذا الذئبُ قد ذهَب بشاة منها، وأنا منْ بًني آدم آَسًفُ كما يأسَفُون، لكني صككْتها صَكَّةً، فَعَظَّمَ ذلكً (٢) عَليَّ رَسولُ الله. فقلتُ: أَفلا أُعْتقُهَا؟ قال: " ائتِني بها " قال: فجئتُ بها، فقال: " أينَ اللهُ؟ " قالَتْ: في السَماء، قال: " مَنْ أنا؟ " قالَتْ: أنتَ رسولُ اللهِ، قال: "أَعتِقْها فإنها مُؤمنه" (٣) . ش- إسماعيل: ابن إبراهيم المعروف بابن عُلية.
وهلال بن أبي ميمونة: ويقال: ابن أبي هلالْ، وهو هلال بن علي ابن أسامة الفهري العامري مولاهم القرشي المديني. سمع: أنس بن مالك، وأبا سلمة، وعطاء بن يسار، وغيرهم. روى عنه: يحيي بن أبي كثير، وزياد بن سعد (٤) ، ومالك بن أنس، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه وهو شيخ. مات في آخر خلافة هشام. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٥) . ومعاوية بن الحكم السُّلمي: وقيل: عمر بن الحكم؛ وعُمر وهم والصحيح: معاوية، رُوي له عن رسول الله- ﵇ ثلاثة عشر حديثا، روى له مسلم حديثا واحداً، روى له: أبو داود، والنسائي (٦) .
стр. 1729
قوله: "واثكل أمياه " الثكْلُ- بضم الثاء المثلثة، وإسكان الكاف وبفتحهما- جميعاً- لغتان كالبُخل والبَخَل حكاهما الجوهري وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، وامرأة ثكلى وثاكل، وثكلته أمّه. بكسر الكاف، وأثكله اللهُ أمه، وثكلت المرأة وأثكلت فقدَتْ ولدهَا؛ والواو في قوله: "واثكل " يُسمَّى واوَ النُدبة نحو: وازيداه، والندبة، والندب مأخوذ (١) من ندبت الميت إذا بكيت عليه وعددت محاسنه؛ وأصله من ندبَه إذا حثه؛ كأن الحزنُ يَحث النادبَ على مَد الصَوْت باسم الميت، ودعاء الناس إلى التضجر معه؛ والأولى بالندبة: النساء؛ لضعفهن عن تحمل المصيبة، فيبنَى المفرد على ما يرفع، نحو: وازيد، وازيدان، ويُنصب المضاف وشبهه نحو: واعبدَ الله، ثم يلحقونه حرف مَدّ ليطول الصوت به فيكون أظهر للغرض وهو التفجع، وإظهار اسم المندوب، فيقال: وازيداه، واختير الألف؛ لأنه أقعد في المد من أختيْها، أو لأنها أخف، وزيادتها أكثر، ولا تلحق الألف المضاف عند الإضافة، لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه، بل يلحق المضاف إليه نحو: واعَبْد الملكاه، وإن كان المضاف إليه منونا فسيبويه يحذف تَنْوينه نحو: وَاغُلام زيداه، ثم هاهنا قوله: لا والكل المياه " مضاف ومضاف إليه، فدخل الألف في المضاف إليه وهو " أمياه "، و "أمياه " بكسر الميم، وأصله: ثكلت أمي، فزيدت في أوله واو الندبة، وفي آخره الألف- لما ذكرناه- وأما الهاء: فهي هاء السكْت، دخلت ليتبين بها الألف؛ لأنها حرف خفي، فالوقف [٢/٣٥ - أ] / عليه يَزيدها خفاء.
قوله: " فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم " يعني: فعلوا هذا ليُسكتوه؛ وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وابنه لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة.
стр. 1730
قوله: " فلما رأيتهم" جواب "لما " محذوف تقديرُه: ما خالفتهم بَلْ سكتُّ.
قوله: " بأبي وأمّي " في محل الرفع تقديره: هو مُفدَى بأبي وأمي، وقد مر مثله غير مرة.
قوله: " ولا كهرني، معناه: ما انتهرني ولا أغلظ لي، وقيل: الكَهْرُ: استقبالك الإنسان بالعُبوس، وقرأ بعض الصحابة:" فأما اليتيم فلا تكهر" وقيل: كهَره وقهره بمعنىً.
قوله: " لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس " نص صريح على تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان عامدا لحاجة أو لغيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيًه إمام ونحوه سبح إن كان رجلاً، وصفقت إن كانت امرأة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والجمهور من السلف والخلف. وقالت طائفة- منهم الأوزاعي-: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة؛ لحديث ذي اليدين. وقال الشيخ محيي الدين (١) : هذا في كلام العامد العالم، أما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام عندنا، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة والكوفيون: تبطل؛ دليلنا: حديث ذي اليدين. وقد بينا دلائلنا والجواب عن حديث ذي اليدين مستو"ى مُطولا.
قوله: " هذا " إنما هو إشارة إلى الصلاة باعتبار المذكور، أو باعتبار نفس الفعل، والمعنى: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم؛ وإنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، ذكر بعض الأركان وبعض الشروط وبعض السنن، واقتصر بها عن غيْرها لعلم المخاطبين بذلك؛ فقوله: "التسبيحُ " يتناولُ كل ذكر في الصلاة من الثناء، وتسبيحات الركوع والسجود، والأدعية التي يدعى بها فيها، وكذلك قوله: "والتكبير" يتناول تكبيرة الافتتاح وغيره من تكبيرات الانتقالات. وقال
стр. 1731
النوويُ (١) : وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم فسبح أو كبر أو قرأ القراَن لا يحنث؛ وهذا هو الصحيح المشهور في مذهبنا، وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وجزء منها. وقال أبو حنيفة: ليست منها؛ بل هو شرط خارج عنها، متقدم عليها.
قلت: عدم الحنث في المسألة المذكورة مَبني على العُرْف فلا يحتاج إلى الاستدلال بهذا، وقوله: " وفيه دلالة لمذهب الشافعي " إلى آخره غير مسلم؛ لأن قوله: "والتكبير" يتناولُ سائر التكبيرات- كما ذكرناه- ولا يفهم منه فرضية تكبيرة بعينها، ولا سُنية تكبيرة بعينها؛ بل يتناول ذا وذا، ومن أن الدليل الواضح على مُدعَاه، ليتَ شعري! كيف يَذكرون أشياء غير جلية ويجعلونها حجةً لإمامهم على غيره، ويتركون الشيء الواضح الجلي الذًي هو حجة عليهم؟ فإن قوله- ﵇:" وقراءة القرآن" نص صريح على أن الفرض في الصلاة مطلق القراءة، وهو يُنافي فرضية فاتحة الكتاب؛ إذ لو كانت فرضا لقال: وقراءة الفاتحة، وليس لهم أن يقولوا؛ المراد به: فاتحة الكتاب؛ لأنه تخصيص بلا مخصص؛ وهو باطل؛ وليْس فيه إجمال حتى يكون قوله- ﵇: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " بيانا له. ثم في هذا الحديث: النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتَفْسد به. وقال صاحب " الهداية ": ومن عطسَ فقال له آخرُ: يرحمك الله وهو في الصلاة فسدت صلاته؛ لأنه يجري في مخاطبات الناس، فكان من كلامهم، بخلاف ما إذا قال العاطسُ أو السامعُ: الحمد لله- على ما قالوا-؛ لأنه لم يُتعارف جوابا.
قلت: قوله: لا على ما قالوا، إشارة إلى خلاف فيه رُوي عن أبي حنيفة أن العاطس إذا حمد الله في نفسه، ولم يحرك لسانه لا تَفسد
стр. 1732
صلاته، ولو حرك تفسدُ. وفي "المحيط ": رجل عطس فقال المصلي:
يرحمك الله،/ أو يرحمك ربك، تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس [٢/٣٥ - ب] منزلة قوله: أطال اللهُ بقاءك، وعافاك اللهُ، ولو قال له: الحمدُ لله لم
تفسد وان أراد به الجواب، لأن التحميد لا يستعمل لجواب العاطس؛ فإذاً
فَحَمْدُ العاطس في الصلاة إذا خاطب نفسه فقال: يرحمك الله لم يضره
لأنه لم يكلم غيره وإنما يَدْعو لنفسه.
وقال الشيخ محيي الدين (١) : وقال أصحابنا: إن قال: يرحمك اللهُ،
أو يرحمكم اللهُ بكاف الخطاب بطلت صلاته، وان قال: يَرْحمه اللهُ،
أو: اللهم ارحمه، أو: رحم الله فلانا لم تبطل صلاته؛ لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة فيُستحبُّ له أن يحمد الله تعالى سرّا
هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وغيره. وعن ابن عمر، والنخعي،
وأحمد: أنه يجهرُ به. والأول أظهر.
وفي " المصنف": ثنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن أبى صدقة
قال: قلتُ لابن سيرين: إذا عطستُ في الصلاة ما أقول؟ قال: قل:
الحمد لله رب العالمين.
لا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في الرجل يَعطسُ
في الصّلاة قال: يحمد الله في المكتوبة وغيرها.
نا عبدة، عن سفيان، عن غالب بن الهذيل قال: سئل إبراهيم عن
رجل عطس في الصلاة فقال له آخرُ: وهو في الصلاة: يرحمك اللهُ.
فقال إبراهيم: إنما قال معروفاً وليس عليه إعادة.
قوله: " إنا قوم حديثُ عهد بالجاهلية " الجاهليةُ: ما قبل ورود الشرع
سموا جاهليةً لكثرة جهالاتهم وفحشها.
قوله: " يأتون الكُهّان "- بضم الكاف وتشديد الهاء- جمع كاهن؟
وهو الذي يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويَدعي معرفة
стр. 1733
الأسْرار، والعراف: الذي يتعاطى بمعْرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما؛ وبهذا حصل الفرق بينهما.
" (١) وإنما نهى عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في. مغيبات، قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحُلْوان؛ وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة منهم: أبو محمد البغوي.
وقال الخطابي (٢) : كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور، فمنهم من يزعم أن له ربيبا من الجن يلقي إليه الأخبارَ، ومنهم مَنْ يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيَه، ومنهم من يُسمى عرافا؛ وهو الذي يَزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباَب يستدل بها، كمعرفة من سرق الشيء الفلاني، ومعرفة من يُتهم به المرأة (٣) ونحو ذلك، ومنهم مَن يُسمي المنجمَ كاهنا؛ ذكر ذلك في قوله- ﵇: " مَنْ أتى كاهنا فصدقه " الحديث، ثم قال: فالحديث يشمل النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدعونه" (٤) .
قوله: "يتطيرون " من التطير؟ وهو التشَاؤمُ بالشيء، وكذلك الطيرة وهي مصدر تطير- أيضا- يقال: تطير طيرةً كتخير خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما؛ وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبَوارح من الطير والظباء وغيم هما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله، ونهى عنه.
стр. 1734
قوله: " ذاك شيء يجدونه في صدورهم " معناه: " (١) أن الطيرة شيء
يجدونه في نفوسهم ضرورة، ولا عتب عليهم في ذلك؛ فإنه غير
مكتَسَب لهم فلا تكليف به؛ ولكن لا يمتنعوا بسببه من التصرف في أمورهم، فهذا هو الذي يقدرون عليه وهو مكتسب لهم، فيقع به التكليف، فنهاهم النبي- ﵇ عن العلم بالطيرة، والامتناع من تصرفاتهم بسببها، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن
التطير، والطيرة هنا محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس
من غير عمل على مقتضاه عندهم.
قوله: "فلا يَصدهم " أي: لا يصدهم ذلك عن التصرفات، كما
ذكرناه.
قوله: " يخطون" من الخط. وهو الضربُ في الرمْل على ما ذكر في
كيفيته. " (٢) وقال/ ابن الأعرابي في تفسير الخط: كان الرجل يأتي [٢/٣٦- أ] لا العَرافَ وبين يدَيه غلامْ، فيأمره بأن يَخُط في الرمل خطوطا كثيرةً وهو
يقول: ابنَيْ عيَانْ أسرعا البَيانْ، ثم يأمره أن يَمْحو منها اثنين اثنين، ثم
ينظر إلى آخر ما يبقي من تلك الخطوط، فإن كان الباقي منها زوجا فهو
دليل الفَلْج والظفر، وإن بقي فردا فهو دليل الخيْبة واليأس.
قوله: " فمَنْ وافقَ خطه فذاك " أي: من وافقَ خط هذا النبي فذاك،
يعني: فهو مُباح له؛ ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا تُباحُ.
وقال الشيخ محيي الدين (٣) : والمقصود: أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا
بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها؛ وإنما قال- ﵇: "فمَنْ
وافق خطه فذاك"، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا
يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخلُ فيه ذلك النبي الذي كان يَخُط، فحافظ
стр. 1735
النبي- علية السلام- على حرمة ذاك النبي- ﵇ مع بيان الحكمة في حقنا؛ فالمعنى: أن ذاك النبي- ﵇ لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته؛ ولكن لا علم لكم بها.
قلت: هذا الكلام كله خارج عما دل عليه اللفظ النبوي، ولا يدل اللفظ صريحا على الحرْمة ولو بَيَّنَ النبي- ﵇ حرمته من غير تعليقٍ ما كان يحصل التوهُم المذكور؛ لأن كثيرا من الأمور كانت مباحةً في شريعة من قبلنا، وهي حرام عندنا، ولا يلزم من ذلك ما ذكره من التوهم؛ لأن غايته يكون منسوخا في شرعنا.
وقال الخطابي (١) : يشبه أن يكون أراد به الزجْر عنه، وترك التعاطي
له؛ إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي؛ لأن خطه كان عَلَما لنبوته، وقد انقطعت نبوته وذهبَتْ معالمها.
" (٢) وقال القاضي عياض: المختار: أن معناه: من وافق خطه فذاك تجدون إصابته فيما يقول؛ لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا.
وذكر المازري في كتاب "المُعلم " قوله: "فمَنْ وافق خطَه فذاك " أي: من أصاب ذلك فقد أصابَ، وقيل: إنما قال ذلك على وجه الإِبْعاد لمن يَسْلك هذا، فكأنه يقول: وكيف لكم موافقة خطه؟!. وقال ابن عبَاس في تفسير هذا الحديث: هو الخط الذي يَخطه الحازي؛ وهو علمٌ قد تركه الناسُ.
قلت: الحازي،- بالحاء المهملة- والزاي- من حَزَى الشيءَ تَحْزِية وتحزُوة إذا قدره. وقال الجوهري: الحازي: الذي ينظر في الأعضاء وخيلان الوجه يتكهن.
قوله: " غُنَيمات" جمع غُنَيْمَةِ؛ وهي تصْغيرُ غنم؛ والغنم يقع على الذكر والأنثى.
стр. 1736
قوله: "قبَل أحد"- بكسر القاف وفتح الباء- أي: في جهة أحُد،
والأحُد: الَجبل المعروف بالمدينة، سمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال
أُخَر هناك. و" الجَوانِية"- بفتح الجيم، وتشديد الواو المفتوحة، وبعد
الألف نون مكسورة، وياء آخر الحروف مشددة، وحكي في الياء التخفيف- وهي أرض من عمل المدينة من جهة الفُرع، كأنها نُسبت إلى
جَوان؛ قاله القاضي عياض. وقال الشيخ محيي الدين (١) : الجوانية
موضع بقرب أُحُد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي: " إنها من عمل
الفرع " فليس بمقبول؛ لأن الفُرع بين مكة والمدينة، والمدينة بعيد من
الفرع، وأحد في شام المدينة، وقد قال في الحديث: " قِبلَ أُحد والجوانية"، فكيف يكون عند الفرع"؟.
قلت: الصواب مع الشيخ محيي الدين؛ لأن الفرع- بضم الفاء،
وسكون الراء وبالعين المهملتين- من المدينة على أربعة أيام في جِنوبِيها،
وهي عدة قرى آهلة، والطريق القريبة من المدينة إلى مكة إنما هي على
الفُرع؛ ولكن لاَ يكاد يَسْلم المار بها من قطاع الطريق، وكذا ذكرته في
تاريخي في كتاب " البلدان" في فصل "إقليم الحجاز". وفيه: دليل
على استخدام السيّد جاريته في الرعي وإن كانت تنفردُ في المَرعى.
قوله: "آسف " أي: أغضبُ كما يغضبون، من أسف يأسَفُ من باب
علم يعلم؛ والأسَف بفتحتين: أشد الحزن.
قوله: "لكني صككتها" فيه حذف حتى يصح الاستدراك؛ / والتقدير: [٢/٣٦ - ب] فلم أصبر على ذلك، فما اكتفيت بشَتمها؛ لكني صككتُها؛ الصك:
الضربُ، ويُقالُ: اللطمُ.
قوله: "فعظم ذلك على" وفاعِلُ "عَظم": رسولُ الله- ﵇
стр. 1737
وهو من التعظيم بمعنى: جعل هذا الف [ـعل عظيما] (١) وذلك إشارة إلى ما أخبره في فعله بالجارية شفقةَ منه عليها.
قوله: " فقالَ: أين اللهُ " أي: فقال النبي- ﵇ سائلاَ عنها: أين الله؟ إنما أراد- ﵇ أن يَتطلبَ دليلاَ على أنها مُوحدة، فخاطبَها بما يفهم قصدها؛ إذ من علامات الموحدين: التوجهُ إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبدُ الأصنامَ تطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران، فأرادَ- ﵇ الكشفَ عن مُعتقدها هل هي من جملة من آمن؟ فأشارت إلى السماء، وهي الجهة المقصودة عند الموحدين. وقيل: إنما وَجْهُ السؤالِ بـ " أين " هاهنا سُؤال عما يَعتقدُه من جلال الباري، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يَدل استقبالُ الكعبة على أن الله جلت قدرته فيها، لم يدل التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله فيها (٢) .
قوله: "اعتقها" إنما أمر بعتقها لأنه ضربها من غير ذنب، وكان عتقها كفارةً لذلك الذنب، وفيه: دليل على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر.
قوله: " فإنها مؤمنه " الفاء فيه للتعليل؟ فكان إيمانها بالله وبرسوله هو الذي حبب عتقها، ثم إن النبي- ﵇ حكم بإيمانها بالإقرار بالله وبرسالته، وهكذا هو الحكم في كل كافر لا يَعتقدُ دينا باطلاً، ولا يَعْرف إلا الله تعالى، فإنه متى أقر بالله وبرسالة نبيه- ﵇ جزما يَصيرُ مؤمنا، ويكون من أهل القِبْلة والجنة، ولا يكلف على إقامة الدليل والبرهان، وأما الكافر الذي يَعْتقدُ دينا من الأديان الباطلة، أو
стр. 1738
كتابا من الكتب السماوية، فلا يحكم بإسلامه بمجرد الإقرار بالله وبرسوله حتى يتبرأ عما يعتقده من الدين الباطل. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، والبيهقي؛ ولفظه: " إنما هو التسبيح والتكبير" موضع قوله:
"إنما هُو". وفي لفظ للطبراني: "إن صلاتنا لا يحل فيها شيء من كلام الناس". وأخرج ابن أبي شيبة كثره في " مصنفه".
وقال الخطابي (١) : في هذا الحديث من الفقه أن الكلام ناسيا في الصلاة لا يُفسد الصلاة؛ وذلك أن النبي- ﵇ علمه أحكام الصلاة وتحريم الكلام فيها، ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه، وقد كان تكلم بما تكلم به، ولا فرق بين مَنْ تكلم جاهلاً بتحريم الكلام عليه وبين من تكلم ناسيا لصلاة في أن كل واحد منهما قد تكلم، والكلام مباح له عند نفسه.
والجواب عن هذا: أنا لا نُسلم أن كلام معاوية بن الحكم كان على
وجه السهو والنسيان؛ بل كان عامدا؛ ولكن كان جاهلاً بتحريم الكلام، وأما قوله:" ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه "، فيحتمل أن يكون أقره بها ولم ينقل إلينا، فإذا احتمل عدم أمره بالإعادة وأمرَه بالإعادة، كان الرجوع إلى عموم قوله: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" في دلالة بطلان الصلاة بكلام الناسِي أوْلى؛ فالحديث لا يدل على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، ورُبما دل على عكسه.
٩٠٧- ص- نا محمد بن يونس النسَائي: نا عبد الملك بن عَمرو: نا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: لما قَدمْتُ عَلَى رسولِ الله عُلمتُ أمورا من أمورِ الإسلام، فكان فيما عُلِّمتُ أن قيل (٢) لي: " إذاَ عَطستَ فاحْمدِ الله، وإذا عَطِسَ العاطسُ
стр. 1739
فحمدَ الله فَقلْ: يَرْحَمُكَ اللهُ " قال: فَبينما أنا قائم مع رسولِ الله في الصلاةِ إذ عًطسَ رجُل فحمدَ اللهَ فقلتُ: يَرحَمُكَ اللهُ- رافعا بها صَوتِي- فَرَمَانِي الناسُ بأبْصارِهم حتَى احتمَلَني ذلك، فقلتُ: ما لكم تنظرونَ؟ (فقلت: ما لكم تنظرونً) (١) إِلي بأعين شَزْر؟ قال: فَسَبَّحوا، فلما قَضى النبيُّ ﵇ الصلاةَ قال: " مَنِ المتكلمُ؟ " قيل: هذا الأعرابي فدعاني رسولُ الله/ فقال: " إنمَا الصلاةُ لقرَاءَة القراَن وذكرِ الله، فإذا كنتَ فيها فليكنْ ذلَك شأنَكَ،، فما رأيتَُ مُعلمَا قط أَرفقَ من رسول الله- ﵇ (٢) .
ش- محمد بن يونس النسَائي: روى عن: أبي عامر العقدي، وعبد الله بن يزيد المقرئ. روى عنه: أبو داود، وفُلَيْح بن سُليمان المدني. وهلال بن علي: هو هلال بن أبي ميمونة القرشي المديني.
قوله: " رافعا"، نصب على الحال من الضمير الذي في "فعلتُ ".
قوله: "حتى احتملني ذلك " أي: حتى أغْضبَني فعلُهم ذلك.
قوله:" بأعين شَزْر" الشزْر: النظر عن اليمين والشمال، وقيل: هو النظر بمُؤخر العين، وأكثر ما يكون النظر الشزْر في حال الغضب وإلى الأعْداء.
قوله: "إنما الصلاة لقراءة القراَن وذكر الله" إنما اقتصر على هَذَيْن النَوْعين مطابقة لما صدر من معاوية من الكلام؛ وهذا من بلاغة الكلام، وفصاحة البيان.
قوله:" فليكن ذلك شأنك " أي: فليكن ما ذكر من قراء القرآن وذكر الله، فعلك وقولك في الصلاة.
قوله: " فما رأيتُ مُعَلما " إلى آخره؛ لأنه- ﵇ لم
стр. 1740
يَنْهره، ولم يغضب عليه على ما فَعل من الفعل المحرم في الصلاة، وهذا من كمال خلقه الحسن، ولطافة ذاته الكريمة ﷺ .
* * *
١٦٣- بَابُ: التَأمين وَرَاء الإمام
أي: هذا باب في بيان حكم التأمين وراء الإمام.
٩٠٨- ص- لا محمد بن كثير: نا سفيان، عن سلمة بن كهَيل، عن حُجر أبي العَنْبَس الحَضرمي، عن وائل بن حُجر قال: كان رَسولُ الله- ﵇ إذا قَرَأ "ولا الضالِينَ" قال: "آمين "، "رفعَ بها صَوتَه (١) . ش- حُجر- بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم-: ابن العنبس الحضرمي، أبو العنبس الكوفي، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي- ﵇. سمع: علي بن أبي طالب، ووائل بن حُجر. روى عنه: سلمة بن كهيل، وموسى بن قيس الحضرمي، والمغيرة بن أبي الحر الكندي. قال ابن معين: شيخ كوفي ثقة ومشهور. روى له: أبو داود، والترمذي (٢) .
الكلام في "آمين" من وجوه: الأول في لفظه ومعناه، فلفظه صوت سُمي به الفعل، الذي هو استجب، كما أن رويد وحيهل وهلم أصوات سُميت بها الأفعال التي هي: أمْهل، وأسرِعْ، وأقبل.
فإن قيل: الصوت: لفظ حكي به صوت، أو صُوت به للبهائم وهو ليس من القسمين. قلت: إن الصوت ربما يطلق على اللفظ لأنه صَوت يعتمدُ على مخرج الحَرف، وهو المراد هاهنا، وفيه لغتان مد الهمزة وقصرها، وفي حركاته أوجه أصحها: فتح النون؛ وهي القراءة الظاهرة.
стр. 1741
لأن أصله: يا أميناه، فحذفت الهاء والألف تخفيفا، فبقيت النون على
الفتحة، ويكون محله الرفع لأنه نداء ندبة، ويقال: إنه مبني على الفتح
ككيف، وأين، وقد تكسر- أيضا-؛ لأن الأصل في البناء: السكون،
فإذا حُركَ حُركَ بالكسْر، وقد يُرفع ظاهره- أيضا- على تأويل من جعله
اسما لله تَعالى فكأنه قال: يا أمينُ، وبالإمالة لغة وقراءة- أيضا- ولو
قرأها بالتشديد فهو خطأ قيل: تفسد به الصلاة. وذكر شمس الأئمة
الحلواني أنه لا تفسد تصحيحا لصلاة العامة؛ لأن له نظيرا، وهو قوله
تعالى: "وَلا آمينَ البَيْتَ الحَرَامَ " (١) ومعناه: ندعو قاصدين، وأما
معناه: فذكر ابن بُزَيزة في " شرح الأحكام" أن ابن عباس سأل رسول الله
عن معنى آمين، فقال: " كذلك يكون ". وعن هلال بن يَساف ومجاهد
وحكيم بن جابر: هي اسم من أسماء الله. وقال عطية العَوْفي: هي
كلمة عبْرانية أو سريانية. وقال عَبْد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي كنز
من كنوز العرش لا يعلمه إلا الله تعالى. وقيل: هي خاتم رب العالمين
على عباده المؤمنين. وفي "بسيط " الواحدي، عن جعفر بن محمد:
معناه: قصدي إليك، وأنت كرم من أن تخيب قاصدا. وفي "الزاهر"
لابن الأنباري: اللهم استجب. وقال ابن قتيبة: معناها: يا أمن أي:
يا الله، وأضمر في نفسك استجب لي. وقال ابن عباس: معناه: اللهم
[٢/ ٣٧ - ب] افعل/. وقال الضحاك: هي حروف من أسماء الله عَر وجَل، تختم به قراءة أهل الجنة والنار. وقال وهب: يخلق بكل حرف منه ملك يقول:
اللهم اغفر لمن (٢) قال: آمين. وقال أبو علي: وزنه: فعال، والمس
لإشباع؛ لأنه مشى في الكلام أفعال ولا فاعيل ولا فيعيل. وقال
الأخفش: مثلها في العجمية شاهد.
الثاني: هي من القرآن أم لا؟ قال الزمخشري: وليْس من القرآن،
بدليل أنه لم تثبت في المصاحف. وقال ابن الأثير: لا خلاف بين أهل
الإسلام أنها ليست من القرآن العظيم، ولم يكتبها أحد في المصحف.
стр. 1742
الثالث: مَن يَقُولها في الصلاة وكيف يقولها؟ قال أصحابنا: وإذا قال الإمام: "ولا الضالين" قال: "آمين" ويَقولُها المؤتم. وروى الحسن عن أبي حنيفة: لا يقولها الإمام لأنه دل والمستمع المأموم، وإنما يؤمن المستمع دون الداعي كما في سائر الأدعية خارج الصلاة.
فإن قيل: ما يقولُ في قوله- ﵇: "إذا أمّن الإمام فأمنوا"؟ قلنا: سُمِّي الإمامُ مُؤمنا باعتبار التسبيب، والمُسببُ يجوز أن يسمى باسم المُباشِر كما يُقال: بَنَى الأميرُ داره، وبمثل هذه الرواية في "المدونة" عن مالك، وفي (العارضة) عنه: لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر. وقال ابن حبيب: يُؤمِّن. وقال يحيي بن بكير: هو بالخيار. وقال السفاقسي: وزعمت طائفة من المبتدعة أن لا فضيلة فيها، وعن بعضهم: أنها تفسد الصلاة. وقال ابن حزم: يقولها الإمام سُنَةَ والمأموم فرضا.
وأما كيفية قولها: فقال أصحابنا: الإمام والجماعة يخفونها. وقال الشافعي: يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة، والمأموم يخافت؛ هكذا ذكر المزني في "مختصره". وفي (الخلاصة) للغزالي: ومن سنن الصلاة: أن يجهر بالتأمين في الجهرية. وقال في (شرح البخاري) : ويجهر بها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود. وقال جماعة: يخفيها؛ وهو قول أبي حنيفة والكوفيين، وأحد قولي مالك والشافعي في "الجديد"، وفي "القديم ": يجهر. وعن القاضي حسين عكسُه. قال النووي: وهو غلط؛ ولعله من الناسخ. وقال ابن الأثير: لو قال: "آمين رب العالمين"، وغير ذلك من ذكر الله كان حسناً ثم الشافعي ومن معه تمسكوا في الجهر بالتأمين بهذا الحديث وأمثاله. واحتج أصحابنا بأخبار وآثار؛ منها: ((١) ما روى أحمد، وأبُو داود الطيالسي، وأبُو يعلى الموْصلي في "مسانيدهم"، والطبراني في "معجمه"، والدارقطني في
стр. 1743
" سننه "، والحاكم في "المستدرك " من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه أنه صلى خلف النبي- ﵇، فلما بلغ " غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال: "آمين "، وأخفى بها صوته. أخرجه الحاكم في كتاب " القراءة" ولفظه: وخفض بها صوته. وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الدارقطني: هكذا قال شعبة: "وأخفى بها صوته " ويُقالُ: إنه وهِم فيه شعْبة؛ لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: "ورفع بها صوته"؛ وهو الصواب. وطعن صاحب "التنقيح، في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه؟ كما أخرجه البيهقي في " سننه" عن أبي الوليد الطيالسي: نا شعبة، عن سلمه بن كهيل: سمعت حجرا أبا عنبس يُحدثُ عن وائل الحضرمي أنه صلى خلف النبي- ﵇ فلما قال: "ولا الضالين" قال: "آمين " رافعا بها صوته. قال: فهذه الرواية توافق رواية سفيان. وقال البيهقي في " المعرفة": إسناد هذه الرواية صحيح، وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ. وقال يحيى القطان ويحيى بن معين: إذا خالف شعبةُ سفيانَ (١) ، فالقولُ: قول سفيان- قال: وقد أجمع الحفاظ- البخاري وغيره- أن شعبة أخطأ، وقد روي من أوجه: فجهر بها. انتهى.
قلنا: يكفي لصحة الحديث تصحيح الحاكم وقول الدارقطني، ويقال: إنه وَهم فيه شعبة يدلُ على قلة اعتنائه بكلام/ هذا القائل- وأيضاً قولهم في مثل شعبة: " إنه وهم" لكونه غير معصوم موجود في سفيان، فربما يكون هو وهم، ويمكن أن يكون كلا الإسنادين صحيحاً وقد قال بعض العلماء: والصوابُ أن الخبرين بالجهر بها والمخافتة صحيحان، وعمل بكل منهما جماعة من العلماء، وإن كنتُ مختارا خفضَ الصوت بها؛ إذ كانت الصحابةُ والتابعون على ذلك.
стр. 1744
فإن قيل: (١) قال ابن القطان في كتابه: هذا الحديث فيه أربعة أمور؛ أحدها: اختلاف سفيان وشعبة؛ فشُعبةُ يقولُ:" خَفضَ "، وسفيانُ يقول: " رَفعَ "؛ الثائي: اختلافهما في حُجْر؛ فَشعبةُ يقولُ: حُجر أبو العَنْبس، والثوريُّ يقولُ: حُجر بن عَنْبَسْ، وصوب البخاري وأبو زرعة قولَ الثوري، ولا أَدْري لمَ لم يُصَوبْ قولُهما جميعاً حتى يكون حُجرُ بن عنبس أبا العَنْبس، اللهَم إلا أن يكونا قد علما أنه له كنيةً أخرى، الثالث: أن حُجراً لا يُعرفُ حالُه، والرابع: اختلافُهما - أيضا-؛ فجعَلَه الثوري من رواية حُجْر، عن وائل، وجعَله شعبةُ من رواية حُجر، عن علقمة بن وائل، عن وائل.
قلنا: أما الجوابُ عن الأول: فيُقال: لا يَضر اختلاف سفيان وشعبة؛ لان كلا منهما إمامٌ عظيمٌ في هذا الباب، فلا يُسقطُ رواية أحدهما برواية الآخر، فكل ما يُقالُ في أحدهما من الوَهْم ونحوه يَصدُقُ على الآخر، فلا تحصل بهذا فائدة- كما قررنا آنفا.
والجواب عن الثاني: أن هذا ليس باختلاف؛ لأن حُجراً يجوز أن تكون كنيته: أبا العنبس، ويكونَ هو ابن العَنْبس، فذكره شعبة بكُنْيته والثوريُّ بنَسَبه. وقوله: " اللهم إلا أن يكونا قد عَلما أن له كنيةً أخرى" لا يَضرّنا هذا؛ لأن الشخصَ يجوز أن يكون له كنيتان أو كثر، وكذلك قال الترمذي في " العلل الكبير": سمعتُ محمد بن إسماعيل يَقولُ: حَديثُ الثوري، عن سلمة في هذا الباب أصحُّ من حديث شعبة، وشعبةُ اخطأ في هذا الحديث في مواضع قال: عن سلمة بن حُجر أبي العَنْبس؛ وإنما هو ابن عنبس وكنيتُه: أبو السَّكن. وهذا- أيضا- بَعيدٌ من البخاري، فكيف يُخطئ مثلَ شعبة بمثل هذا الكلام؟ لأنه لمَ لا يجوز ابن يكون حُجر مكنى بكُنيتَين بأبي العنبر وبأبي السَّكن، فذكَره شعبةُ بكُنيته التي عَرفه بها، وغيرهُ ذكره بكُنْيته الأخرى، فهذا ليس بمستحيل ولا مُستَبْعدِ حتى يُخطَّأ شُعْبةُ بمثل هذا.
стр. 1745
والجواب عن الثالث: أن قوله: " إن حجرا لا يُعرفُ حاله " ممنوع وكيف لا يُعرفُ حاله؟ وقد ذكره أبو القاسم البغويُّ وأبو الفرج البغدادي وابنُ الأثير وغيرهم في جملة الصحابة، ولئن نزلناه عن رُتبة الصحابة إلى التابعين فقد وجَدنْا جماعة أثنَوْا عليه ووثقوه؟ منهم: الخطيبُ أبو بكر البغدادي، قال: سار مَعَ علي إلى النَهْروان، وورَد المدائنَ في صحبته
وهو ثقة، احتج بحديثه غيرُ واحد من الأئمة، وذكره ابن حبان في
"الثقات ". وقال ابن معين: كوفي ثقة مشهورٌ.
والجواب عن الرابع: أن دخول علقمة في الوسط ليس بعَيْب؛ لأنه
سمعه من علقمة أولا بنُزولي ثم رواه عن وائل بعلُوّ؛ بينَ ذلكَ الكجي في
"سُنَنه الكبير".
ومنها: ما روى محمدُ بن الحسن في كتاب "الاَثار": حدثنا
أبو حنيفة: نا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قال: أربع
يُخفيهن الإمامُ: التَعوذُ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم،
وآميَن. ورواه عبد الرزاق في " مُصنفه": أخبرنا معمر، عن حماد به،
فذكره إلا أنه قال عوض قوله:"سبحانك اللهم ": " اللهم ربنا لك الحمد"، ثم قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال:
خمسٌ يخفيهن الإمامُ، فذكرها، وزاد: سبحانك اللهم وبحمدك.
ومنها: ما روى الطبري في " تهذيب الاَثار": نا أبو بكر بن عياش،
عن أبي سعيد، عن أبي وائل قال: لم يكن عمرُ وعلي يجهران ببسم الله
الرحمن الرحيم ولا بآمين.
وحديثُ وائل: أخرجه الترمذي- أيضا-، وابن ماجه؛ ولفظ [٢/٣٨ - ب] الترمذي: (ومَدَّ بها صوتَه " / وقال: وفي الباب عن عليه وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن، وبه يقول غير
واحد من أهل العلم من أصحاب النبي- ﵇ والتابعين ومَن بعدهم، يَرَوْن أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول
الشافعي وأحمد وإسحاق.
стр. 1746
٩٠٩- ص- نا مخلد (١) بن خالد الشعيري: نا ابنُ نمير: نا علي بن صالح، عن سَلمة بن كُهيل، عن حُجر بنِ عنْبَس، عن وائل بن حُجر أنه صَلَّي خلفَ النبيٍّ ﵇ فجهَر بآمينَ وسلّم عن يمينه وعن شمَاله حتى رَأيتُ بياض خَدهِ (٢) .ًً ش- مخلد (٣) بن خالد ٠٠. (٤) ، والشعِيري: بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة، وابن نُمير: هو عبد الله بن نُمير.
وعلي بن صالح: ابن حي الهمداني أبو محمد، ويقال: أبو الحسن الكوفي أخو الحَسن؛ وهما توأمان. روى عن: أبيه، وإبراهيم بن مهاجر، وسلمة بن كُهيل وغيرهم. روى عنه: أخوه: الحسن، ووكيع، وأبو الزبير، وغيرهم. قال أحمد وابن معين: ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري (٥) .
واستدلّ أشرف الدين بن مجيب الكاساني صاحب " البدائع" لأبي حنيفة في إخفاء آمين بقوله- ﵇: "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين،، فإن الإمام يَقولُها، ولو كان مسموعا لكانوا علموا بقولها؛ ولأنه من باب الدعاء؛ لأن معناه: اللهم أجبْ أو ليكن كذلك قال الله تعالى: "قَدْ أجيبَت دعوَتُكُمَا" (٦) ومُوسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، والسُّنَّة فيه الدعاء: الإِخفاء. وحديث وائل طعن فيه إبراهيم النوعي وقال: أشهِد وائل وغابَ عبدُ الله؟ على أنه- ﵇ جهر مرةً للتعليم.
стр. 1747
٩١٠- ص- نا نصر بن علي: نا صفوان بن عيسى، عن بشْر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ قال: كان رسولُ اللهِ إِذا تَلا: "غير المَغْضُوب عليهم ولا الضالينَ " قال: آمين حتى يُسْمِعَ منْ يليه من الصف الأولِ (١) .
ش- نَصْر بن علي: الجهضمي البصري، وصفوان بن عيسى: القرشي البصري.
وبشْر بن رافع: النجراني- بالنون والجيم- أبو الأسباط الحارثي إمام أهل نجران ومفتيهم. سمع: أبا عبد الله ابن عم أبي هريرة، وعبد الله ابن سليمان بن جنادة، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: يحيي بن أبي كثير، وعبد الرزاق بن همام، وصفوان بن عيسى. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال النسائي: هو ضعيف. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو حاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال ابن عدي: هو مقارب الحديث، لا بأس بأخباره، ولم أجد له حديثا منكراً وعند البخاري: إن بشر بن رافع هذا أبو الأسباط الحارثي. وعند يحيى ابن معين: إن أبا الأسباط شيخ كوفي ثقة. ولكن ذكر يوسف بن سلمان، عن حاتم، عن أبي أسْباط الحارثي اليمامة (٢) . وعند النسائي: أن بشْر بن رافع غير أبي الأسباط. وما قاله كل واحد منهم محتمل، والله العلم، وإن كانا اثني فكأن أحاديث بشر بن رافع أنكر من أحاديث أبي الأسْباط. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٣) .
وأبو عبد الله الدولي ابن عم أبي هريرة: قال ابن أبي حاتم في كتاب
" الكنى ": اسمُه: عبد الرحمن بن هضاض، ويقال: هضهاض، والصحيح: هضاض. روى عن: أبي هريرة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٤) .
стр. 1748
قوله: " حتى يُسمع" منْ أسمع يُسمع إسْماعاً. والحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضا- بسند ضعيف.
٩١١- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عنْ أبي صالح السمان، عن أبي هريرةَ، أن النبي- ﵇ قال:، إذا قال الإمامُ: "غَيرِ المغضُوب عَلَيهم ولا الضالينَ " فقولوا: آمين فإنه مَن وافَق قولُه قَولَ الملائكة غفِرَ له ما تقدمًّ من ذنبِه " (١) .
ش- أي: من الصَغائر وما لا يكاد ينفك عنه في الغالب من اللمَم. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي، وعبد الرزاق في "مصنفه " وابْنُ حبان في " صحيحه"، (٢) وزاد فيه البخاري في كتاب "الدعوات ": "فإن الملائكة تؤمن، فمَنْ وافق تأمينه" الحديث. وقال
ابن حبان في "صحيحه": "فإن الملائكة تقولُ: َ آمين، ثم قال: يُريدُ
أنه إذا أمن كتأمين الملائكة/ من غير إعجاب ولا سُمْعة ولا رياء، خالصا [٢/٣٩- أ] لله تعالى؛ فإنه حينئذ يغفر له.
قلت: هذا التفسيرُ يندفع بما في "الصحيحين " عن مالك، عن
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇:
"إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: [آمين] ، ووافقت
إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه،. انتهى. وزاد فيه مسلم:
"إذا قال أحدكم في الصلاة " ولم يقلها البخاري وغيره؛ وهي زيادة
حسنة، نبه عليها عبد الحق في الجمع بين الصحيحين،، وفي هذا اللفظ
فائدة أخرى وهي: اندراج المنفرد فيه، وغير هذا اللفظ إنما هو في الإمام
وفي المأموم أو فيهما، والله أعلم.
٩١٢- ص- لا المعنى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
стр. 1749
المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرةَ، أن رسول الله- ﵇ قال: " إذا أَمَّنَ الإمامُ فأمَنوا، فإنه مَنْ وَافقَ تأمِينُه تَأمنَ الملائكة غُفِرَ له ما تقلَّمَ مِنْ ذنبه" (١) .
ش- الأَمر فيه للاستحباب بإجماع العلماء، خلافا لابن حَزْم، فإنه فرض التأمين على المأموم، كما ذكرناه.
والحديث: أخرجه الستةُ في كتبهم؛ ولفظ النسائي، وابن ماجه: " إذا أمن القارئ ". ورواه البيهقي؛ ولفظه: " إذا قال القارئ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال من خلفه: آمين، ووافق ذلك قول أهل السماء: آمين، غفر له ما تقدمّ من ذنبه ". ورواه أبو محمد الدارمي في "مسنده ".
ص- قال ابن شهاب: وكان رسولُ الله يقولُ: آمين.
ش- أي: قال محمد بن مسلم الزهري: كان رسول الله- أيضا- يقولُ: آمين. وقال البخاري- أيضا: قال ابن شهاب.. إلى آخره. قال السَّفاقُسي: هذا مُرسل ولمِ يُسنده، ولو أسنده لم يكن فيه دليل للمتعلّق، لأنه لم يَقل أنه كان يقولُه في صلاة الجهر، ولعله قاله فيما صلى سرا.
٩١٣- ص- نا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: نا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن بلال أنه قال: يا رسولَ اللهِ، لا تسبقْنِي بآمين (٢) .
стр. 1750
ش- إسحاق بن إبراهيم: ابن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر أبو يَعْقوب المروزي المعروف بابن رَاهويه، سكن نيسابور، وسمع: عبدة ابن سليمان، وأبا عامر العَقدي، وإسماعيل ابن عليّة، ووكيعا، وابن المبارك، وجماعة آخرين كثيرة. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وجماعة آخرون كثيرةٌ. وقال أحمد: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال أبو داود الخفاف: أملى علينا إسحاق بن راهويه أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها عليه، فما زاد حرفا ولا نقص حرفا. وعن محمد بن يحيى بن خالد: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مُزوّرة، فقيل له: ما معنى المزورة؟ قال: إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة قلبتُه منها قلبا. وقال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: لم قيل لك ابن راهَوَيْه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يُقال لك هذا؟ قال: اعلم أيها الأميرُ: أن أبي ولد في طريق مكة، فقال المراوزة: راهوَيْ؛ لأنه وُلد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلستُ كرَهُه. وتوفي إسحاق بن راهويه ليلة النصف من شعبان، سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين، وهو ابن سبْع وسبعين سنة (١) .
وعاصم: الأحول، وأبو عثمان: عبد الرحمن بن مَل النهدي، وبلال: ابن رباح (٢) ﵁.
قوله: " لا تسبقني بآمين" أوّلُوه على وجهين؛ الأول: أن بلالا كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكوتي الإمام، فربما يبقى عليه شيء منها ورسول الله- ﵇ قد فرغ من قراءتها، فاستمهله بلال في
стр. 1751
التأمين بقدر ما يتم فيه قراءة بقية السورة، حتى ينال بركة على بركة موافقته
في التأمين له، الثاني: أن بلالا كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من
وراء الصفوف فإذا قال: قد قامت الصلاة كبّر النبي- ﵇، [٢/٣٩ - ب] فربما سبقه ببعض ما يقرأه، فاستمهله بلال قدر ما يلحق/ القراءة والتأمينَ.
قلت: هذا الحديث مُرسل، وقال الحاكم في "الأحكام ": قيل: إن
أبا عثمان لم يُدرك بلالا. وقال أبو حاتم الرازي: رفعه خطأ، ورواية
الثقات عن عاصم، عن أبي عثمان مُرسلاً. وقال البيهقي: وقيل:- عن
أبي عثمان، عن سلمان قال: قال بلال؛ وهو ضعيف ليس بشيء.
٩١٤- ص- نا الوليد بن عُتبة الدمشقي، ومحمودُ بن خالد قالا: نا
الفريابي، عن صَبِيح بن مُحْرز الحمْصي قال: حدَّثني أبو مُصبِّح المُقْرائي
قالَ: كنا نجلسُ إلى أبي زُهَيْر النُمَيْرَي- وكان من الصحابة- فنَتحدّثُ (١)
أحسنَ الحديث، فإذا دَعَى الرجلُ منا بدُعاء قال: اختِمْه بَآمين؛ فإن آمينَ
مِثلَ الطَّابَع على الصَّحيفة. قال أبو زهير: أخبرُكُم عن ذلكَ؟ خَرجْنَا مع
رسول اللهِ ذاتَ ليلة فأَتَيْناَ على رجل قد ألغ في المسألة، فوقفَ النبيُّ- ﵇ يَسْتمعُ منهَ، فقال النبي- ﵇: " أَوْجَبَ إن خَتَم " فقال
رجل من القوم: بأي شيء يختمُ؟ قال: " بآمين؛ فإنه إن ختم بآمينَ فقد
أوْجبَ" فانْصرفَ الرجلُ الّذي سألَ النبي- ﵇ فأتَى الرجَلَ فقال
له (٢) : اختِم يا فلانُ بآمين وأبشِرْ (٣) .
ش- الوليد بن عتبة: أبو العباس الدمشقي الأشجعي. روى عن:
الوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، والفريابي، وغيرهم. روى عنه:
أبو زمعة الدمشقي، والرازي، وأبو داود، وجماعة آخرون. وقال
стр. 1752
البخاري: معروف الحديث. مات في جمادى الأولى سنة أربعين ومائتين، وولد سنة ست وسبعين ومائة، ويقال: مات بصُور (١) . ومحمود بن خالد: أبو علي الدمشقي، والفرْيابي: هو محمد بن يوسف بن واقد الفِريابي.
وصبيح بن مُحْرز- بفتح الصاد، وكسْر الباء-: الحِمصي. روى عن: أبي مُصبح. روى عنه: الفِريابي. روى له: أبو داود (٢) .
وأبو مُصبح المُقْرائي: الأوزاعي الحمْصي، ذكر ابن أبي حاتم أنه دمشقي؛ والصحيح: أنه حِمصيّ. روى عن: أبي زهير النُّميري، وجابر بن عبد الله، وثوبان مولى رسول الله، وشرحبيل بن السًّمْط، وكعب الأحْبار. روى عنه: ابن جابر، وحصين بن حرْملة، وأمية بن يزيد. سئل عنه أبو زرعة فقال: ثقة، لا أعرف اسمه. روى له: أبو داود (٣) .
وأبو زُهير: قيل: اسمه: فلان بن شرحبيل، وقال أبو حاتم الرازي:
إنه غير معروف بكنيته فكيف نعرف اسمَه؟. وفي " الكمال": قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قيل لأبي: إن رجلاً سماه يحيى بن نُفير فلم يَعْرفه، وقال: إنه غير معروف بكنيته فكيف نَعرف اسمه. كان يسكن الشام. روى له: أبو داود (٤) .
قوله: " مثل الطابع " الطابَع- بفتح الباء-: الختم؛ يريد أنه يختم عليها ويُرفع كما يفعل الرجل بما يعْسر عليه، والطابع بكسر الباء لغة فيه؛ والطبعْ: الختم؛ وهو التأثير في الطين ونحوه.
قوله: " أوْجَبَ إن ختم " يقال: أوْجب الرجل إذا فعل فعلا وجبت له
стр. 1753
به الجنة أو النارُ. وعند البَيْهقي: عن أبي زهير النميري: سمع ﷺ رجلاً يلح في المسألة، فقال النبي- ﵇: " أوجبَ إن ختم " فقال رجل: بأي شيء يختم؟ قال: "بآمين؛ فإنه إن ختم بآمين فقَدْ أوجبَ "، وذكر هذا الحديث لأبي عمر (١) النمري فقال: ليس إسناده بالقائم.
ص- وهذا لفظُ محمودِ.
ش- أي: هذا الحديث بهذا اللفظ: لفظ محمود بن خالد الدمشقي. ص- وقال أبو داود: والمُقْرَاء قبيلٌ (٢) من حِمْيرِ.
ش- أراد به بيان نسْبة أبي مُصَبح المُقْرائي. المُقْرِئ: بضم الميم، وسكون القاف، ويقال: بفتح الميم، وصوبه بعضهم وهي قبيل من حمير؛ والنسبة إليها "مقرائي " بضم الميم وفتحها. وذكر أبو سعيد المروزي أن هذه نسْبة إلى مَقَراء قرية بدمشق، والأولُ أشهرُ. وأبو مُصبح: بضم الميم، وفتح الصاد المهملة، وكسْر الباء الموحدة وتشديدها، وبعدها حاء مهملة.
١٦٤- بَابُ: التصْفيق في الصلاة
أي: هذا باب في بيان حكم التصفيق في الصلاة، وهو مصدر من
صفق إذا ضَرب يده على يده.
٩١٥-ص- نا قتيبة بن سعيد: نا صفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة،
[٢/٤٠ - أ] ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله يكن: " التَسبِيحُ للرجال/ والتَّصْفيقُ للنساء" (٣) .ً
стр. 1754
ش- أراد أن السُّنَة لمن نابه شيء في الصلاة كإعْلام من يَسْتأذن عليه، وتنبِيه الإمام ونحو ذلك، أن يُسبح إن كان رجلاً، فيقول: سبحان الله، وأن تصفق إن كانت امرأةً، فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللُّعْب واللهو، فإن فعلت هذا على وجه اللعب بطلت صلاتها لمنافاته الصلاة. وعن هذا قال صاحب، "المحيط": إذا استأذن على المصلي غيره، فسبّح إعلاما أنه في الصلاة لا تفسد، ثم قال: والمرأة تصفق لإعلام، وروى هذا الحديث. والحديث: أخرجه البخاريّ، ومسلم، والنسائي.
٩١٦- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل ابن سَعْد، أن رسول الله ذهب إلى بني عَمرو بن عوف ليُصلحِ بَيْنهم وحانتْ الصلاةُ، فجاء المؤذنُ إلى أبي بكرٍ فقال: أتُصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاءَ رسولُ اللهِ والناس في الصلاة فتخلص حتى وَقَفَ في الصَف، فصَفقً الناسُ وكان أبو بكر لا يَلتفتُ في الَصلاة، فلمّا أكثَرَ الناسُ التصفيقَ التفتَ، فرأى رسولَ الله، فًأشار إليه رسولُ اللهِ أَن امكُثْ مَكانَكَ، فرفع أبو بكرٍ يديه فحمدَ اللهَ علىَ ما أمرَه به رسولُ الله من ذلك، ثم اسْتأخرَ أبو بكر حتى اسْتَوى فيَ الصف وتقدّمَ رسولُ الله وصلى، فلما انصرفَ قال: " يا أبا بًكر، ما مَنَعَكَ أن تَثبُتَ إذ أمَرْتُكَ؟ " قالَ أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافةَ أن يصليَ بين يدَيْ رسولِ الله، فقال رسولُ الله: "ما لي رأيتُكم كْثرْتُم من التصْفِيح؟ مَنْ نابَه شيء؛ في صلاته فليُسبحْ؛ فإنه إذا سبّحَ التُفتَ إليه، فإنما (١) التصفيحُ للنساءِ" (٢) .ً
стр. 1755
ش- أبو حازم هذا: اسمه: سلمة بن دينار الأعرج، وقد ذكرناه. قوله: " ذهب إلى بني عمرو بن عوف" هم من ولد مالك بن الأوس وكانوا بقُباء.
قوله: " وحانت الصلاة " أي: قربت، وحلت، وكانت صلاة العصر، كما صرح بها في الراوية الأخرى.
قوله: " أتُصلي " الهمزة فيه للاستفْهام.
قوله: " والناسُ في الصلاة " جملة حالية.
قوله: " فتخلص حتى وقف في الصف " معناه: خرق الصفوف وتخلص منها حتى وقف في الصف الأول.
قوله: " أن امكث " "أنْ" هاهنا تفسيرية.
قوله: " فرفع أبو بكر يدَيْه فحمد الله على ما أمَره به رسول الله " قال ابن الجوزيّ: إنما كان إشارة منه إلى السماء لا أنه تكلم. وقال مالك: من أُخبر في صلاته بسُرُور فحمد الله تعالى لا يضر صلاته. وقال ابن القاسم: ومن أخبر بمُصيبة فاسترجع أو أخبر بشيء فقال: الحمد لله على كل حال أو قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لا تُعجبني وصلاته مجزئة. وقال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة. وكذلك عند أبي يوسف من أصحابنا: إذا أخبر المصلي بما يَسُوؤه فاسترجع، أو أخبر بما يَسرة فحمد الله تعالى، لا تبطل صلاته؛ لفِعل أبي بكر- ﵁ وقال أبو حنيفة ومحمد: تفسدُ؛ لأنه خرج مخرج الجواب. ويجاب لهما عن فعل أبي بكر بما قاله ابن الجوزي، وأن أراد بتلك الألفاظ إعلامه أنه في الصلاة لا تفسد بالإجماع.
قوله: "ثم استأخر " بمعنى: تأخر، فإن قيل: لمَ لَمْ يثبت أبو بكر إذْ أشار إليه سيدنا ﷺ بالثبات؟ وظاهره يقتضي المخالفةَ. قلنا: علم أبو بكر أنها إشارة تكريم لا إشارة إلزام؟ والأمور تُعرف بقرائنها، ويدل على