شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وعن مغيرة، عن إبراهيم قالا: هو كلام- يعني: الفتح على الإمام.
حدَثنا ابن علية، عن ميمون أبي حمزة، عن إبراهيم، عن ابن
مسعود في تلقين الإمام: إنما هو كلام يلقنه إليه.
ونا حفص، عن محمد بن قيس، عن مسلم بن عطية أن رجلاً فتح
على إمام شريح وهو في الصلاة، فلما انصرف قال له: اقض صلاتك.
ص- وقال سليمان: حدثنا يحيي بن كثير (١) .
ش- أشار بهذا أن سليمان روى هذا الحديث من طريقين: طريق مروان
ابن معاوية، وطريق يحيي بن كثير بإسقاط مروان من البين. ورَواه أحمدَُ في "مسنده" عن سريج (٢) بن يونس، عن مروان بن معاوية، عن يحيي بن كثير، عن مسور بن يزيد.
ص- نا يَزيد بن محمد الدمشقي: نا هشام بن إسماعيل: نا محمد بن شعيب: نا عبد الله بن العلاء بن زبر، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرَ، أن النبي- ﵇ صلي صَلاةً فقرأ فيها فلُبسَ (٣) عليه، فلفا انصرف قال لأبيّ: " أصليتَ مَعنا؟ " قال: نعم، قال: "فما مَنَعَكَ؟ ". ش- يزيد بن محمد: ابن عبد الصمد بن عبد الله بن يزيد بن ذكوان القرشي الهاشمي مولاهم الدمشقي أبو القاسم، روى عن: هشام بن إسماعيل العطار، وأبي مسْهر، ويحي بن صالح، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو عوانة الإسفرائيني وغيرهم. توفي بدمشق سنة- سبع وسبعين ومائتين، وكان ثقة. وقال النسائي والدارقطني وابن أبي حاتم: هو ثقة (٤) .
стр. 1682
وهشام بن إسماعيل: ابن يحيى بن سليمان بن عبد الرحمن العطار
أبو عبد الملك الحنفي، وقيل: الخزاعي الدمشقي. سمع: إسماعيل بن عياش، ومحمد بن شعيب، ومروان بن محمد الطاطري، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، والعباس بن الوليد، وأحمد بن عبد الواحد الدمشقيون، وغيرهم. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان شيخا صالحا. مات سنة عشر ومائتين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (١) .
ومحمد بن شعيب: ابن شابور الدمشقي، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر: الدمشقي أبو زبر الربًعي.
قوله: "فلُبسَ عليه"- بضم اللام وكسر الباء المخففة- من اللَبْس- بفتح اللام- وَهو الخَلْط.
قوله: "فلما انصرف " أي: فلما خرج من الصلاة.
قوله: "قال لأي " أي: قال النبي- ﵇ لأبي بن كعب: "أصليتَ معنا؟ " الهمزة فيه للاستفهام، وفي بعض الرواية: " كُنتَ معنا؟ "، وإنما قال له من بين سائر الأصحاب لأنه كان أقرأهم.
قوله: " فما يَمنعك" أي: من الفَتْح؛ وهذا فيه تصريح على جواز الفتح على إمامه، وتقييد بأن الفتح إنما يجوز إذا كان ممنْ هو في صلاته.
١٥٦-بَابُ: النهي عَن التَّلقين
أي: هذا باب في بيان النهي عن تلقين المصلي الَإمامَ في الصلاة.
٨٨٥ - ص- نا عبد الوهاب بن نجدة: نا محمد بن يوسف الفريابي، عن يُونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : " يا علي، لا تَفتحْ على الإِمَام في الصلاةِ" (٢) .
стр. 1683
ش- يونس بن أبي إسحاق: عَمرو بن عبد الله السبِيعي.
والحارث: ابن عبد الله الأعور، أبو زهير الهمداني الخارفي الكوفي.
سمع: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود. روى عنه: عبد الله
ابن مرة الخارفي، وأبو إسحاق السبيعي، والشعبي، وغيرهم. قال ابن
أبي خيثمة: سمعت أبي يقولَ: الحارث الأعور كذاب. وقال
أبو إسحاق السبيعي: زعم الحارث الأعور وكان كذابا. وقال أبو زرعة:
لا يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي ولا ممن يحتج بحديثه.
وقال علي بن المديني: الحارث كذاب، وكان ابن سيرين يَرى أن عامة ما
يروي عن علي باطل. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه (١) .
وهذا الحديث فيه تصريح على عدم جواز الفتح؛ ولكن فيه مقال من
جهة الحارث.
ص- قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمعْ من الحارثِ إلا أربعةَ أحاديثَ
ليْس هذا منها.
[٢/ ٢٥ - ب] ش- أي: ابو إسحاق السبيعي/ لم يسمع من الحارث الأعور إلا أربعة أحاديث ليْس هذا الحديث منها.
والحاصل: أن هذا الحديث ضعيف؛ بل هو قريب من البطلان؛ لأن
أبا إسحاق وإن كان سمع هذا الحديث من الحارث فحال الحارث معلوم.
وفي بعض النسخ عقيب هذا الباب: باب السجود على الأنف: لا مؤمل
ابن الفضل: لا عيسى، عن معمر، عن يحيي بن أبي كثير، عن
أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله رُؤِي على جبهته وعلى
أرنبته أثر طين من صلاة صلاها للناس. قال أبو علي اللؤلؤي: لم يَقرأه
أبو داود في العَرْضة الرابعة.
* * *
стр. 1684
١٥٧- بَابُ: الالتِفات فِي الصَّلاةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الالتفات في الصلاة.
٨٨٦- ص - نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا الأحوص يُحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب قال: قال أبو ذر: قال رسولُ الله: "لا يَزَالُ الله مُقبلاَ على العبد وهو في صلاِتهِ ما لم يَلتفت، فإذا التَفتَ انصرفَ عنه" (١) .
ش- يونس: ابن يزيد.
وأبو الأحوص هذا: لا يُعرفُ له اسم، وهو مَولى بني ليث، وقيل: مولى بني غفار، ولم يَرو عنه غير الزهري. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو أحمد الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
قوله: "مقبلا " نصب على أنه خبر "لا يزال"، ومعنى إقبال الله على العَبْد: نظره إليه بالرحمة، ومعنى انصرافه عنه: ترك ذلك (٣) . والحديث: أخرجه النسائي، ورواه الحاكم في "مُسْتدركه" وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال النووي في "الخلاصة": أبو الأحوص فيه جهالة؛ ولكن الحديث لم يُضعفه أبو داود؛ فهو حسَن عنده.
٨٨٧- ص- نا مسدد: نا أبو الأحوص، عن الأشعث- يعني: ابن سليم-، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشةَ قالت: سألتُ رسولَ اللهِ عن
стр. 1685
التفات الرجل في صَلاته فقال: " هو (١) اخْتلاس يختلسُهُ الشيطانُ من صَلاةِ اَلعَبْدِ" (٢) ،، (٣) .
ش- أبو الأحوص: سلام بن سُليم الحنفي الجشمي مولاهم الكُوفي. وأشعث: ابن أبي الشعثاء- سليم- بن أسود المحاربي الكوفي. سمع: أباه، وسعيد بن جبير، والأسود بن يزيد النخعي، وغيرهم. روى [عنه] : الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، وغير هم. قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات سنة خمس وعشرين ومائة. روى له الجماعة (٤) .
وأبوه: سُليم بن أسود، ذكرناه.
قوله: " اختلاس" لما من خلستُ الشيءَ واختلستُه إذا سلبته، والمعنى: أن المُصلي إذا التفت يمينا أو شمالا يظفرُ به الشيطان في ذلك الوقت، ويُشْغله عن العبادة، فربما يَسْهو أو يَغلط لعدم حضور قلبه باشتغاله بغير المقصود، ولما كان هذا الفعل غير مَرضي منه نُسب إلى الشيطان. وعن هذا قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة. َ وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن حطان العصفري، عن الحكم قال: إن من تمام الصلاة: أن لا تعرف مَنْ عن يمينك ولا مَن عن شمالك.
стр. 1686
وقال: لا غندر، عن ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقولُ: إذا صليت فإن ربك أمامك وأنت مُناجيه، فلا تلتفت. قال عطاء: وبلغني أن الرب يقول: "يا ابن آدم، إلى من تلتفتُ؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه".
وحديث عائشة: أخرجه البخاري، والنسائي، وابن أبي شيبة.
* * *
١٥٨-بَابُ: النَّظَر في الصلاة
أي: هذا باب في بيان النظر في الصلاة.
٨٨٨- ص- نا مسدد: نا أبو معاوية ح، ونا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير- وهذا حديثه، وهو أتم-، عن الأعمش، عن المُسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة الطائي، عن جابر بن سمرةَ. قال عثمانُ: قال: دخلَ رسولُ الله- ﵇ المسجدَ فَرَأى فيه نَاساً يُصلونَ رافعي أيديَهُم إلى السَّماء-َ ثم اتفقا- فقال: لينتهِيَن رِجَال يَشخصُون أبصارَهمَ إلى السَماءِ في الصلاةَ أو لا يرجعُ (١) إليهم أبصارُهم " (٢) .
ش- أبو معاوية: الضرير، وجرير: ابن عبد الحميد.
قوله: "وهذا حديثه" أي: حديث عثمان، والحال أنه أتم من حديث مسدد.
قوله: "عن الأعمش" يرجع إلى كل واحد من جرير/ وأبي معاوية؛ [٢/٢٦ - أ] لأن كلا منهما روى عن الأعمش.
قوله: "ثم اتفقا" أي: مُسدد وعثمان.
стр. 1687
قوله: " يَشْخصُون أبصارهم " من شخص بصرَه فهو شاخص إذا فتح عَيْنيْه وجعل لا يطرف، وهو بفتح العين، وشخُص- بالضم- فهو شخيص أي: جسيم، وهذه الجملة في محل الرفع لأنها وقعت صفةً للرجال.
قوله: " أو لا يرجع إليهم أبصارُهم " والمعنى: إن لم ينتهوا، وأحد الأمرين واقع: إما الانتهاء، أو عدم رجوع أبصارهم إليهم، وفيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك. وقال القاضي عياض: واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاة، فكرهه شريح وآخرون، وجوزه الأكثرون، قالوا: لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، فلا ينكر رفع الأبصار إليها، كما لا يكره رفع اليد، قال الله تعالى: وَفي السمَاء رزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون " (١) . والحديث: أخرجه مسلم، والَنسائي، َ وَأخرج ابن ماجه طرفا منه.
ص- نا مسدد: نا يحيي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال رسول الله- ﵇: " ما بَالُ أقوامٍ يَرفَعُونَ أبصارَهم في صلاِتهِم؟ " فاشْتَد قولُه في ذلك فقال: "لينتَهِيَن عن ذلك أو لتُخْطَفَن أبصارُهم " (٢) .
ش- أي: ما شأن أقوام؟ وذكر الجوهري "البَالَ " في الأجْوف
الواوي، وقال: البال: الحالُ.
قوله: "فاشتد قولُه في ذلك" أي: قول النبي- ﵇ في رفع البصر إلى السماء في الصلاة.
(١) سورة الذاريات: (٢٢)(٢) البخاري كتاب الأذان، باب: رفع البصر إلى السماء في الصلاة (٧٥٠) ، النسائي: كتاب السهو، باب: النهي عن رفع البصر إلى السماء (٣/ ٧) ،
ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الخشوع في الصلاة (١٠٤٤) .
стр. 1688
قوله: " أو لتخطفن " على صيغة المجهول، والمعنى مثل ما ذكرنا إن لم ينتهوا عن ذلك فأحدُ الأمرين واقع. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه. وذكر الواحدي في " أسباب النزول " من حديث ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، أن فلانا كان إذا صلى رفع بصرَه إلى السماء فنزلت: "الَّذينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشعُونَ " (١) . وروي عن ابن عباس: كان النبيَ- ﵇ إذا استفتَح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده.
وروى أبو بكر قال: نا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: كان رسول الله مما يَنظر إلى الشيء في الصلاة، فيرفعِ بصرَه حتى نزلت آية، إنِ لم تكن هذه فلا أدري ما هي "الَّذِين هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُون " قال: فوضع النبي- ﵇ رأسه.
ونا هشيم، عن حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله، أنه رأى رجلاً رافعا بصره إلى السماء، فقال عبد الله: ما يدري هذا لعل بصره سيَلتمع قبل أن يرجع إليه.
فإن قيل: إذا غمض عَيْنيه في الصلاة ما حكمه؟ قلت: قال الطحاوي: كرهه أصحابنا. وقال مالك: لا بأس به في الفريضة والنافلة. وقال النووي: والمختار: أنه لا يكره إذا لم يخف ضررا، لأنه يجمع الخشوع، ويمنع مِن إرسال البصر وتفريق الذهن.
٨٩٠- ص- نا عثمان بن أمر شيبة: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: صَلّى رسولُ الله- ﵇ في خَميصة لها أعْلام فقال: " شَغَلَتْنِي أعلامُ هذه، اذهبوا بها إلى أَبي جَهْم بنِ حذيفةَ وائتُوني بأنبجَانيّةٍ " (٢) .
(١) سورة المؤمنون: (٢) .
(٢) البخاري: كتاب الأذان، باب: الالتفات في الصلاة (٧٥٢) ، مسلم: كتاب المساجد، باب: كراهية الصلاة في ثوب له أعلام (٦١/ ٥٥٦) ، النسائي:=
стр. 1689
ش- " الخميصة": كساء مُرتع من صوف، وقال ابن حبيب في "شرح الموطأ": الخميصة: كساء صوف أو مِرْعِزي مُعْلم الصَنِفة.
قوله: "شغلتني أعلام هذه " يعني: عن كمال الحضور في الصلاة وتدبر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع، ففيه الحث على الحضور والتدبر، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يُشْغِل، وإزالة ما يخاف اشتغال القلب به، وكراهة تزْويق المحراب وحائط المسجد ونقشه، وغير ذلك من الشاغلات؛ لأنه- ﵇ جعل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى، وفيه: أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر، وفيه: صحة الصلاة في ثوب له أعلام، وأن غيره أوْلى.
قوله: " إلى أبي جَهْم" واسمه: عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي المدني الصحابي، ويقال: عُبيد بن حذيفة، أسلم عام الفتح، وكان مُعظما في قريش وعالما بالنسب، شهد بنيان الكعبة مَرتين، وهو غير أبي جُهيم بالتصغير. وأما بَعثه- ﵇ بالخميصة إلى أبي جهم وطلب أنبجانيه فهو من باب الإدلال عليه، لعلمه بأنه يؤثر هذا [٢/٢٦ - ب] ويفرح به./ ويقال: َ إنما خصه بذلك لأنه كان بعث إلى النبي- ﵇ خميصة لها أعلام، فلما شغلته في الصلاة قال: ردوها عليه وائتوني بأنبجانية، لئلا يؤثر رَد الهدية في قلبه.
وقال ابن الأثير: اختلفوا في هذه الخميصة؛ فمنهم من قال: إن رسول الله- ﵇ أتِي بخميصتَيْن سوداوَيْن فلبس إحديهما وبعث بالأخرى إلى أبي جَهْم، فلما ألهتَه بعثها إلى أبي جَهْم، وطلب التي كانت عند أبي جهْم بعد أن لبسها لبْساتِ.
قوله: " وائتوني بأنبجانية" قال القاضي عياض: رويناه بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسْرها في غيرْ مسلم بالوجهين ذكرها ثعلب،
стр. 1690
قال: ورويناه بتشديد الياء في آخره وبتخفيفها معا في غير مسلم؛ إذ هو في رواية مسلم: "بأنبجانية" مشدد مكسور على الإضافة إلى أبي جهم، وعلى التذكير كما قال في الرواية الأخرى كساء له أنبجانيا. وفي "مختصر السنن": الأنبجانية- بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وبعد الألف نون مكسورة، وياء آخر الحروف مشددة، وتاء تأنيث-: هو ما كثُف والتف، وقيل: إذا كان الكساء ذا علَمين فهو الخميصة، وإن لم يكن له علم فهو الأنبجانية، وقيل: هو منسوب إلى "منبِج " المدينة المشهورة؛ وهي بكسر الباء كما قالوا في النسبة إلى سلمة: سلمي وغير ذلك.
وقال في " الصحاح": إذا نسبت إلى " منبج" فتحت الباء، قلت: كساء منبجاني، أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني، قلت: يكون منسوبا على غير قياس، وقيل: نسبة إلى موضع يُقال له: أنبجان، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجاني- بكسر الباء وفتحها- إذا كان ملتفا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك. قال ابن القصار في "تعريب المدارك": من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وهم.
وفي " شرح الموطأ": هي كساء غليظ يُشبه الشملة، يكون سداه: قطنا غليظا، أو كتانا غليظا، ولحمته: صوف ليس بالمُبرم في فتله لين غليظ، يلتحف بها في الفراش، وقد يُشتمل بها في شدة البرد.
وفي كتاب " المغيث": المحفوظ: كسر باء الإنبجانية. وعند السفاقسي: رأيت هذا الحرف في بعض الكتب بالخاء المعجمة، قال: وسماعي بالجيم. وقال الأصمعي: هو كساء من صوف أو خز مُعلم بسُودٍ. وقال غيرُه: كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود، ويجمع على خمائص؛ وسُميت خميصة للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طُوِيت. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، ومالك في " الموطأ"، والطحاوي- أيضا- بسند صحيح، عن المزني، عن الشافعي: حدثنا مالك، عن القمة بن أبي القمة، عن أمه، عن
стр. 1691
عائشة قالت: أهدى أبو جَهْم إلى النبي- ﵇ خميصة شامية لها علَم يشهد فيها النبي- ﵇ الصلاة، فلما انصرف قال: "ردي هذه الخميصة إلى أبي جَهْم، فإنها كانت تَفْتِنُني ".
٨٩١- ص- نا عبيد الله بن معاذ: نا أبي: نا عبد الرحمن- يعني: ابن أبي الزناد- قال: سمعتُ هشاما يُحدثُ عن أبيه، عن عائشةَ- ﵂ بهذا الخبرِ قالَ: وأخذَ كَرْدي (١) كان لأبي جهْمِ، فقيل: يا رسولَ الله، الخَمِيصَةُ كانتْ خيرا مِنَ الكَردي (٢) .
ش- هشام: ابن عروة بن الزبير.
قوله: " بهذا الخبر": أي: الخبر المذكور.
قوله: " وأخذ كردكن " على صيغة المجهول، وفي بعض الرواية وهي الصحيحة: "وَأخذ كرديا" أي: أخذ رسول الله كرديا كان لأبي جهم، والكَردي- بفتح الكاف- كساء ساذج ليس لها أعْلام ولا حَرِير.
قوله: "فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكردي " يعني: من حيث النفاسة والقماش، ألا ترى أن هذه الخميصة كانت لها أعلام من حرير، ولأجل هذا قال بعضهم: إنما كرهها لما فيها من الحرير.
فإن قيل: كيف يَبْعث- ﵇ إلى غيره بشيء يكرهُه؟ قلت: هذا كما أرْسل إلى عمر- ﵁ بالحلة ليبيعها، وينتفع بها، لا ليَلْبسها.
* * *
١٥٩- بَابُ: الرخصَةِ في ذلك
أي: هذا باب في بيان الرخصة في النظر والالتفات لضرورة.
٨٩٢- ص- نا الربيع بن نافع: نا معاوية (٣) - يعني: ابن سلام-، عن [٢/٢٧ -أ] زيد أنه سمع أبا سلام قال:/ حدثنا السلُولي، عن سَهْل ابن الحنظلية قال:
стр. 1692
ثُوّب بالصلاة- يعني: صَلاةَ الصُبحِ- فجعلَ رسولُ الله يُصلّي وهو يَلتَفتُ إلى الشّعْبِ (١) .
ش- زيد: ابن سلام بن أبي سلام الحبشي الدمشقي وقع. إلى اليمامة، أخو مُعاوية، روى عن: جده: أبي سلام ممطور الحبشي، وعبد الله بن زيد الأزرق، وعدي بن أرطاة. روى عنه: أخوه: معاوية، ويحيي بن أبي كثير. قال الدارقطني: زيد بن سلام، عن جده ثقتان. وقال يعقوب بن شيْبة: ثقة صدوق. روى له: الجماعة إلا البخاريّ (٢) . وأبو سلام: ممطور بن الأعرج الباهلي الحبشي- نُسِب إلى حيّ من حمْير من اليمن لا إلى الحبشة- الدمشقيّ. روى عن: عليّ بن أبي طالب، وثوبان مولى النبي- ﵇، وأبي سلمه راعي النبي- ﵇، وغيرهم. روى عنه: ابنا ابنه: معاوية وزيد ابنا سلام، ومكحول، والأوزاعي، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. وقال البرقاني: زيد وجده ثقتان. روى له: الجماعة إلا البخاري (٣) .
والسَّلُولي: أبو كبيشة، روى عن: عبد الله بن عَمْرو، وسهل ابن الحنظلية، وثوبان مَوْلى رسول الله. روى عنه: أبو سلام المذكور، وحسان بن عطية. وقال أحمد بن عبد الله: تابعيّ شامي ثقة. وقال عبد الغني بن سعيد في " الأوهام " التي أخذها على الحاكم أبي عبد الله: قال: قال أبو كبشة السَّلُولي: اسمه: البراء بن قيس؛ وهذا وهم؛ لأن أبا كبوة السلولي يُعد في الشاميين، وهو من هوازن، وهوازن ترجع إلى مضر، والبراء بن قيس كوفي من السكون، والسكون من اليمن، والبراء ابن قيس يكنى أبا كيسة مثلها في الخط إلا أنه بالياء باثنتين من تحتها والسين المهملة. روى له: البخاريّ، وأبو داود، والترمذي (٤) .
стр. 1693
وسهل: ابن الربيع بن عَمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة، وهو سهل ابن الحنظلية؛ وهي أمه، شهد بَيْعة الرضوان مع رسول الله ﵇، وروى عن النبي- ﵇، وكان متعبدا متوحدا لا يُخالط الناس، سكن دمشق وكانت داره بها في حَجَرِ الذهب. روى عنه: أبو كبشة السلولي، وقَيْس بن بشر التغلبي، والقاسم بن عبد الرحمن. مات بدمشق في أول خلافة معاوية، ولا عقب له. روى له: أبو داود، والنسائي (١) .
قوله: " ثُوب بالصلاة " أي: أقيم لها.
قوله: " وهو يَلتفتُ " جملة حالية.
قوله: لا إلى الشِّعْب،- بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة- وهي الطريق في الجبل، وجمعها: شِعاب. وبهذا قالت العلماء: إذا التفت المصلي في صلاته لأجل ضرورة أو حاجة شديدة، لا بأس به، ولا يضر ذلك صلاته، وبغير الضرورة يكره- لما قلنا- ولو نظر بمؤخر عيْنه يمنةً أو يسرةً من غير أن يَلْوي عنقه لا يكره؛ " (٢) لما روى الترمذي، والنسائي بإسنادهما إلى ابن عباس قال: " كان رسول الله يلحظ في الصلاة يمينا وشمالا، ولا يَلْوي عنقه خلف ظهره ". قال الترمذي: حديث غريب. ورواه ابن حبان في ٩ صحيحه " في النوع الأول من القسم الرابع مرفوعا، والحاكم في "المستدرك " (٣) وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ورواه الدارقطني في " سننه ".
وقال ابن القطان في كتابه: هذا حديث صحيح؛ دان كان غريبا. وروى البزار في "مُسنده" بإسناده إلى ابن عباس أن النبي- ﵇ كان إذا صلى يُلاحظ أصحابه في الصلاة يمينا وشمالا ولا يلتفت. ورواه
стр. 1694
ابن عدي في "الكامل ". وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدَّثنا وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل من أصحاب عكرمة أن رسول الله كان يلحظ في الصلاة من غير أن يثني عنقه.
قلت: فيه مجهول وانقطاع.
وحدَّثنا هشيم قال: نا خالد، عن أنس بن سيرين قال: رأيتَ أنسَ ابن مالك يَتشرفُ إلى الشيء، يَنظرُ إليه في الصلاة.
وحدَّثنا وكيع، عن الوليد بن عبد الله بن جميع قال: رأيتُ إبراهيم يَلحظُ يمينا وشمالا.
ص- قال أبو داود: يعني: وكان أرسلَ فارسا إلى الشعْبِ مِن الليلِ يحرس.
ش- أي: كان رسولُ الله- ﵇ أرْسلَ فارسا إلى الشعْب من الليْل يَحْرسُ [....] ، (١) /.
* * *
١٦٠- بَابُ: العَمَل فِي الصَّلاة
أي: هذا باب في بيان حكم العمل في الصلاة.
٨٩٣- ص- نا القعنبي: نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبَير، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي قتادةَ أن رسولَ الله كان يُصلي وهو حَامل أمَامةَ بنت زينبَ ابنةَ (٢) رسولِ الله، فهذا سجَدَ وضًعَها وافق قَامَ حَملَها (٣) . ش- أبو قتاده: الحارث بن رِبْعي، وقد ذكرناه. وأمامه- بضم
стр. 1695
الهمزة- بنت زيْنب- ﵂، وكانت زينب أكبر بنات رسول الله- ﵇، وكانت فاطمة أصغرَهن وأحبهنّ إلى رسول الله- ﵇، وكان أولاد النبي- ﵇ كلها من خديجة سوى إبراهيم، فإنه من مارية القبطية، وتزوج النبي- ﵇ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عَبد العزى بن قصَيّ بن كلاب القرشية قبل البعثة. وقال الزهري: وكان عمر رسول الله- ﵇ يومئذ إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمسا وعشرين سنة زمان بُنيت الكعبة، قاله الواقدي، وزاد: ولها من العمر خمس وأربعون سنة، وقيل: كان عمره- ﵇ ثلاثين سنة وعمرها أربعين سنةً، وقال ابن جريج: كان- ﵇ ابن سبع وثلاثين سنة، فولدت له القاسمِ- وبه كان يكنى- والطاهر- وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وتزوج بزينب أبو العاص بن الربيع فولدَت منه عليا وأمامة، وهي التي كان رسول الله يحملها في الصلاة، ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة على ما ذكره الواقدي وقتادة، وكأنها كانت طفلا صغيرةً، وقد تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة، فولدت منه محمداً، وكانت وفاة زينب في سنة ثمان، قاله الواقدي، وقال قلادة عن ابن حزم: في أول سنة ثمان.
قوله: " وهو حامل " جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي في "يُصلي "، ثم تكلم الناسُ في حكم هذا الحديث، فقال الشيخ محيي الدين (١) : هذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبيّة وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض وصلاة النفل، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد.
قلت: أما مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة فقد قال صاحب "البدائع" في بيان العمل الكثير الذي يفسد الصلاة والقليل الذي لا يفسد: فالكثير
стр. 1696
ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك،
حتى قالوا: إذا زَرّر قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حل إزراره لا
تفسد، وقال بعضهم: كلُّ عمل لو نظر إليه الناظرُ من بعيد لا يَشك أنه
في غير الصلاة فهو كثير، وكل عمل لو نظر إليه الناظرُ بما يَشتبه عليه أنه
في الصلاة فهو قليل، وهذا أصح، وعلى هذا الأصل يخرجُ ما إذا قاتل
في صلاته في غير حالة الخوف أنه تفسدُ صلاته؛ لأنه عمل كثير ليس من
أعمال الصلاة، وكذا إذا أخذ قوساً ورمى فسدت صلاته، وكذا لو دَهَن
أو سرح رأسه، أو حملت امرأة صبيها فأرضعته لوجود العمل الكثير على العبارتين، فأما حملُ الصبي بدون الإرضاع فلا يُوجب الفساد؛ لما روي
أن النبي- ﵇ كان يُصلي في بيْته وقد حمل أمامة بنت
أبي العاص على عاتقه، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها، ثم
هذا الصنيع لم يكره منه- ﵇ لأنه كان محتاجا إلى ذلك لعدم
من يحفظها، أو لبيانه الشرع بالفعل، وهذا غيرُ موجب فسادَ الصلاةِ،
ومثل هذا- أيضا- في رماننا لا يكره لواحد منا لوً فعل ذلك عند
الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروه. انتهى.
وذكر أشهب عن مالك أن ذلك كان من رسول الله- ﵇ في
صلاة النافلة، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة. قال أبو عُمر:
حَسْبك بتفسير مالك، ومن الدليل على صحة ما قاله في ذلك أني لا أعلم
خلافا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه.
وقال الشيخ محيي الدين (١) : هذا التأويل فاسد؛ لأن قوله: "يؤم
الناسَ" صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة.
قلت: هو ما رواه سفيان بن عيينة يُسنِدهُ إلى أبي قلادة الأنصاري قال:
رأيت النبي- ﵇ يؤم الناسَ/ وأمامة بنت أبي العاص وهي [٢/٢٨ - أ]
стр. 1697
بنت زينب ابنة رسول الله- ﵇ على عاتقه؛ ولأن الغالب في إمامة رسول الله- ﵇ كانت في الفرائض دون النوافل.
وقال الشيخ محيي الدين (١) : وادعى بعض المالكية أنه منسوخ.
وقال الشيخ تقي الدين: وهو مروي عن مالك- أيضا.
وقال أبو عمر: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة. وقد رد هذا بأن قوله- ﵇: " إن في الصلاة لشغلا" كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك؛ ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاجتهاد. وروى أشهب، وابن نافع، عن مالك: أن هذا كان للضرورة. وادعى بعض المالكية أنه خاص بالنبي- ﵇، ذكره القاضي عياض.
وقال الشيخ محيي الدين (٢) : وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة؛ فإنه
لا دليل عليها ولا ضرورة إليها؛ بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على أن هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي- ﵇ هذا بيانا للجواز وتنبيها به عليه.
قلت: وقد قال بعض أهل العلم: إن فاعلاً لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث، لان كنت لا أُحب لأحد فعله. وقد كان أحمد بن حنبل يُجيز هذا. قال الأثرم: سئل أحمدُ: َ أيأخذ الرجلُ ولده وهو يُصلي؟ قال: نعم، واحتج بحديث أبي قتادة.
وقال الخطابي (٣) : يُشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله- ﵇ لا عن قصدِ وتعمد له في الصلاة ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة، كانت تتعلق به، حتى تلابسه وهو
стр. 1698
في الصلاة فلا يدفعها عن نَفسه ولا يُبْعدها، فإذا أراد أن يَسْجد وهي على عاتقه وضعها بأن يَحُطها أو يُرسلها إلىَ الأرض حتى يَفرغ من سجوده، فإذا أراد القيامَ وقد عادت الصبيةُ إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يَمْنعها، حتى إذا قام بقيت محمولةً معه. هذا عندي وجه الحديث، ولا يكاد يتوهم عليه- ﵇ أنه كان يتعمد لحملها عليه ووضعها وإمساكها في الصلاة تارةً بعد أخرى؛ لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرّر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، ثم ليس في شيء كثر من قضائها وطرا من لعبٍ لا طائل له، ولا فائدة فيه، وإذا كان علم الخميصة يُشْغلهُ عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمْر؟ وفي ذلك بيان ما تأولناه، والله أعلم.
وقال الشيخ محيي الدين (١) : بعد أن نقل ملخّص كلام الخطابي:
هذا الذي ذكرناه وهو باطل ودعوى مجردة، ومما يَرُد قولَه في "صحيح مسلم": " فإذا قام حملها"، وقوله: " فإذا رفع من السجود أعادَها "، وقوله في غير رواية مسلم: " خرج علينا حاملاً أمامة فصلّى،، وذكر الحديث. وأما قضية الخميصة: فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يُشغلُ القلبَ، وإن شغله فيترتبُ عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشَّغْل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة؛ فالصواب الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين.
قلت: الصواب مع الشيخ محيي الدين؛ لأن الحديث صحيح، والنسخ والخصوصية والتقييدُ بالفعل وغير ذلك لم يثبت، فوجب العمل به، ولا حاجة إلى تكثير الكلام الذي ليْس تحته طائل ولا منفعة. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
٨٩٤- ص- لا قتيبةُ: لا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عمرو بن
стр. 1699
سُليم الزرقي سمع أبا قتادةَ يقولُ: بينا نحنُ في المسجد إذ خَرجَ علينا [٢/ ٢٨ - ب] ، رسولُ الله يَحملُ أمَامة بنتَ أبي العاصِ بنِ الربيع، وأمُهاَ زينبُ بنتُ/ رسول اللهَ- ﵇ وهي صَبية يَحملُها على عاتِقه، فَصلي رسولُ الله
وهي عَلَىَ عَاتقه يَضَعُها إذَا رَكعَ وَيُعيدُها إذا قَامَ حتى قضَى صَلاتَه، يَفْعلُ
ذلك بها (١) .َ
ش- "بينا" أصله "بَيْن " زيدت فيه الألف للإشباع؛ وقد مر الكلام فيه غير مرة.
قوله: " بنت أبي العاص بن الربيع " " (٢) هو الصحيح المشهور في كتب أسماء الصحابة وكتب الأنساب وغيرهما، أنه أبو العاص بن الربيع، ورواه كثر رواة "الموطأ" عن مالك فقالوا: ابن ربيعة، وكذا رواه البخاري من رواية مالك. قال القاضي عياض: وقال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة. فنسبه مالك إلى جَدته. قال القاضي: وهذا الذي قاله غير معروف، ونسبُه عند أهل الأخبار والأنساب باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمُ أبي العاص: لقيط، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم". وقال الزبير، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه: اسمُه: القاسم. وقال أبو عُمر: وا"ثر: لقيط ويُعرفُ بجرْو البطحاء، وربيعة عَمّه، وأم أبي العاص: هالة، وقيل: هنْد بنت خويلد، أخت خديجة- ﵂ لأبيها وأمها. وفال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانةً وتجارةً وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله أن يُزوجه بابنتها زينب، وكان لا يخالفها، وذلك قبل الوحي، وكان ﵇ قد زَوج ابنته رُقية من عُتبة بن أبي لهب، فلما جاءه الوَحيُ قال أبو لهب: اشغلوا محمداً بنفسه، وأمَر ابنه عُتْبة فطلق ابنة رسول الله قبل الدخول، فتزوَجها عثمان
стр. 1700
ابن عفان- ﵁ ومَشوا إلى أبي العاص فقالوا له: فارِقْ صاحبتك ونحنُ نُزوجك بأي امرأة من قريش شئتَ. قال: لا والله، إذا لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأةً من قريش، َ وكان رسول الله يثني عليه في صهْره، وكان رسول الله لا يُحِل بمكة ولا يحرّم مغلوباً على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب وبين أبي العاص، فكان لا يقدرُ على أن يُفرق بينهما.
وقال ابن كثير: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة. انتهى. وكان أبو العاص في غزِوة بدر مع المشركين ووقع في الأسرى. قال ابن هشام: وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حَرَام.
وقال ابن إسحاق، عن عائشة- ﵂: لما بعث أهل مكة
في فداء أسْراهم بعثت زيْنب بنت رسول الله في فداء أبي العاص بمالٍ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله رق لها رقةً شديدةً وقال: " إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرَها، وترقوا عليها الذي لها فافعلوا، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، ووفوا عليها الذي لها. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب- يعني: أن تهاجر إلى المدينة- فوفى أبو العاص بذلك. وقال ابن إسحاق: ولما رجع أبو العاص إلى مكة أمَرها باللحوق إلى أبيها فخرجت ولحقت بأبيها ﵇، وأقام أبو العاص بمكة على كفره، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هربا، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب، فاستجار بها فأجارته فلما خرج رسول الله لصلاة الصبح وكبر وكبّر الناسُ خرجت من صُفة النساء: أيها الناسُ، إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع، فلما سلم رسول الله أقبل على الناس فقال: " أيها الناسُ، هل سمعتم الذي سمعتُ؟ " قالوا: نعم، قال: "أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعتُ ما سمعتم، وإنه يجيرُ على المسلمين أدناهم "، ثم انصرف رسول الله
стр. 1701
فدخل على ابنته زينب، فقال: " أيْ بُنية، أكرمي مثواه ولا يخلصُ إليك؛ فإنك لا تحلين له" قال: وبعث رسول الله فحثهم على رد ما كان معه، فردوه بأسْره لا يفقد منه شيئا، فأخذه أبو العاص ورجع به إلى مكة، فأعطى كل إنسان ماله ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد معكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا/ فقد وجدناك وفيا كريما، قال: فإني أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردتُ أن آكل أموالكم، فلما أدى الله إليكم، وفرغت منها أسلمتُ، ثم خرج حتى قدم على رسول الله.
قال ابن إسحاق: فحدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ورد عليه رسول الله ابنته زينب على النكاح الأول، لم يُحدث شيئاً وسنذكر حقيقة هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: " يضعها إدْا ركع " إلى آخره أي: يَضع أمامة إذا أراد الركوع.
فإن قيل: أليْس هذا بعمل كثير؟ والعمل الكثير يُفسد الصلاة؟ قلت: هذه الأفعال وإن تعددت ولكنها غير متوالية في كل ركن من أركان الصلاة، فلا يضر ذلك، فصار ذلك الفعل منه- ﵇ بيانا للتشريع والجوار في حمل الحيوان الطاهر، وأن ثياب الأطفال وأجْسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها، وأن دخولهم المساجد جائز.
وقال الخطابية (١) : وفي الحديث دلالة على أن لَمْس ذوات المحارم لا ينقض الطهارة؛ وذلك لأنها لا تلابسُه هذه الملابسة إلا وقد تمسكه ببعض أعضائها.
قلت: قال الشيخ تقي الدين: أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل، وهذا يُستمد من أن حكايات الأحوال لا عموم لها. وقال القرطبي: حكم من لا تُشتَهي منهن بخلاف حكم من تُشتَهى.
стр. 1702
قلت: ويُستفادُ من هذا الحديث فائدة أخرى وهي عظيمة؛ وهي أن حمل الجارية على العُنق إذا لم تضر الصلاة، فمُرورُها بَيْن يدي المُصلي أوْلى وأجدر أن لا تقطعَ صلاته، فافهم.
٨٩٥- ص- نا محمد بن سلمة المرادي: نا ابن وهب، عن مخرمة،
عن أبيه، عن عمرو بن سُليم الزرقي قال: سمعتُ أبا قتادةَ الأنصاريَّ يَقول رَأيتُ رسولَ الله يُصلي للناس وأمَامةُ بنتُ أي العاص على عُنُقه، فإذا سَجَدَ وَضَعَهَا (١) .ًً
ش- مخرمة: ابن بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم
أبو المسور المدني. روى عن: أبيه. روى عنه: مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، والقعنبي، وغيرهم. وقال أحمد بن صالح: كان مخرمة من ثقات الناس. وقال أحمد: ثقة. وقال عباس (٢) ، عن ابن معين: هو ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وأبوه: بكير بن عبد الله، قد ذكرناه.
قوله: "فإذا سجد" أي: إذا أراد أن يَسْجد وضع أمامة.
ص- قال أبو داود: مخرمةُ لم يَسْمعْ (٤) من أبيه ألا حديثا واحدا.
ش- أشار بهذا الكلام إلى أن مخرمة لم يسمع هذا الحديث من أبيه:
بكير بن عبد الله، ويُناقض هلما: ما روي عن مالك: قلتُ لمخرمة: ما حدثتَ عن أبيك سمعتَه منه؟ فحلَف بالله لقد سمعتُه. وما قال أبو حاتم: صالح الحديث إن كان سمع من أبيه، فكل حديث عن أبيه إلا
стр. 1703
حديث يُحدثُ به عن عامر بن عبد الله بن الزبير، وما قال مَعْنُ بن
عيسى: مخرمةُ سمع من أبيه.
قلتُ: ومما يؤيدُ كلامَ أبي داود: ما رُوي أن أحمد بن حنبل سئل عنه
فقال: ثقة، ولم يسمع من أبيه شيئا؛ إنما يَرْوي من كتاب أبيه. ومَا قال
ابن أبي خيثمة ويحيي بن معين: وقع إليه كتابُ أبيه ولم يَسْمعْه منه. وما
قال ابن المديني: ولم أجد أحدا بالمدينة يخبرني عن مخرمة، أنه كان
يقول في شيء من حديثه: سمعتُ أبي.
٨٩٦- ص- نا يحيى بن خلف: نا عبد الأعلى: نا محمد بن إسحاق،
عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عَمرو بن سُليم الزرقي، عن أبي قتادةَ
صاحب رسول الله- ﵇ قال: بينما نحن نَنتظرُ رسول الله للصلاة
في الظهَرِ أو الَعَصرِ وقد دَعاهُ بلال للصلاة إذ خَرجَ إلينا وأمًامةُ بنتُ
أبي العاصِ بنتُ ابنتَهِ على عُنُقه، فَقَامَ رسولُ الله في مُصَلاه وقُمْنَا خَلفَه وهي
في مَكَانهَا الذي هي فيه، قال: فَكَبر فَكَبرنَا قال: حتى إذا أرَادَ رسولُ اللهِ أن
يَرْكَعَ أخذها فوضَعَها، ثم رَكَعَ وسجدَ، حتىِ إذا فَرغَ من سُجُوده ثم قَامَ
أخذها فَرَدها في مَكَانهَا، فما زالَ رسولُ الله يصْنعُ بها ذلك في كُلَّ رَكعةِ
حتى فَرغَ من صَلاِتهِ (١) .
ش- يحيي بن خلف: أبو سلمه الباهلي البصري، يُعرف بالجُوبَاري [٢/ ٢٩ - ب] روى عن: معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم. مات بالبصرة سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٢) .
قوله: "في الظهر أو العَصْر" صريح أنه- ﵇ صلى الفرض
وهو حامل أمامة؟ وهذا يرد قول من يقول: إنه كان في النفل، وقد
ذكرناه.
стр. 1704
قوله: "على عنقه" وفي رواية: "على عاتقه"، وقد مر الكلام فيه مستوفى.
٨٩٧- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا علي بن المبارك: نا يحيي بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْسٍ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ [اللهِ]﵇: "اقْتُلُوا الأسْودينِ في الصلاةِ: الحَيةَ، والعَقْربَ " (١) . ش- علي بن المبارك: الهنائي البصري.
وضمضم بن جَوْس: الهِفاني اليماني. سمع: أبا هريرة، وعبد الله ابن حنظلة بن الراهب. روى عنه: يحيي بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار اليمانيان. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي (٢) .
قوله: "اقتلوا الأسْودين، الأسود: أخبث الحيات وأعظمها، وهي من الصفة الغالبة حتى استعمل استعمال الأسماء، وجُمع جمعها، فيُقال: أسَاودُ، ولو استُعمل استعمالَ الصفة لقيل: سُود، ويُقال: أسَود سالخ غيرُ مضاف لأنه ينسلخُ جلده كل عامَ، والأنثى: أسْوَدة ولا تُوصَفُ بسَالخة، وإطلاق الأسود على العقرب- أيضا من باب التغليب كالعُمرَيْن والقمرين ونحوهما. وبهذا اتخذ علماؤنا أن المصلي إذا قتل الحية والعقرب لا بأس به؛ لأن فيه إزالة الشغْل، فأشْبه درْء المال، وقد قيل: هذا إذا قتله بضربة، والأظهر أن الضرب والضربات سواء؛ لأن القليل والكثير فيما ثبت رخصةَ سواء كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ بِه.
وقال الخطابية (٣) : وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القَتْل، كالزنابير والشبثان ونحوها.
стр. 1705
قلت: الشبثان جمع شَبَث، وهي دُوَيبة تكون في الرمْل، كثيرة الأرجل، من أحناش الأرض؛ وهو بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة، وفي آخره: ثاء مثلثة- والشِبْثان- بكسر الشين. وقال: ورخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة، إلا إبراهيم النخعي.
قلت: روى أبو بكر بن أبي شيبة وقال: حدَّثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه سئل عن قتل العقرب في الصلاة فقال: إن في الصلاة لشغلا. قلت: لعل السُّنَّة المتبعة لم تبلغه فلذلك منع من ذلك. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي- ﵇، وغيرهم، وبه يقولُ أحمد، وإسحاق. وكره بعض أهلُ العلم قَتلَ الحية والعقرب في الصلاة. وقال إبراهيم: إن في الصلاة لشُغْلا، والقولُ الأول أصحّ. والحديث: رواه ابن حبان في " صحيحه لما في النوع السبعين من القسم الأول، وفي النوع السبعين من القسم الرابع، وأحمد في "مسنده"، والحاكم في " مستدركه". وقال: حديث صحيح ولم يُخرجاه. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه "، وقال: وحدَّثنا معمر، عن برد، عن سليمان بن موسى قال: رأى نبي الله ﵇ رجلا يُصلي جالسا، فقال النبي- ﵇: "لِمَ تُصلي جالسا؟ "، فقال: إن عقربا لسَعَتْني، قال: (فإذا رأى أحدكم عقربا وإن كان في الصلاة، فيأخذ نعله اليُسْرى فليقتلها بها".
حدَّثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار: رأى ابن عمر ريشة وهو يصلي، فحسب أنها عقرب فضرَبها بنعله.
٨٩٨- ص- نا أحمد بن حنبل، ومُسدّد- وهذا لفظه- قال: نا بشر
- يعني: ابن المفضل- نا بُرْد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشةَ- ﵂ قالت: كان رسولُ اللهِ- ﵇ قال أحمدُ:
стр. 1706
يُصليِ وِالبَابُ عليه مُغلَق فجئتُ فاسْتفتَحتُ. قال أحمدُ: فَمشَى ففتَحَ لي، ثم رَجع إلى مُصَلاهُ، وذكر أَن البابَ كان في القِبلةِ (١) .
ش- بُرْد: ابن سنان الشامي أبو العلاء.
قوله: "قال أحمد" أي: أحمد بن حنبل. والحديث: أخرجه النسائي، وفي حديثه: " يُصلي تَطوُّعا". وقد قال الترمذي: " باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع "، ثم قال: حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف: نا بشْرُ بن المفضل، عن بُرد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جئتُ ورسول الله- ﵇ يُصلي في البيْت والباب عليه مغلق، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه، ووصفت الباب في القِبْلة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قوله: "ومشى" محمول على أنه مشى أقل من ثلاث خطوات لقُربه من الباب، وفتحه الباب- أيضا- محمول على أنه فتحه بيده الواحدة، وذلك لأن الفتح باليدين عمل كثير، فتفسد به الصلاة. وعن هذا قال أصحابنا: لو غلق المصلي الباب لا تفسد صلاته، ولو فتحه (٢) فسدت؛ لأن الفتح يحتاج غالبا إلى المعالجة باليدين بخلاف الغلق، حتى لو فتحه (٢) بيده لا تفسد.
/ ١٦١- بَابُ: رَد السَّلام فِي الصلاة
أي: هذا باب في بيان حكم رَد السلام في الصلاة، وفي بعض النسخ: (باب رد السلام) .
٨٩٩-ص- نا محمد بن عبد الله بن نُمير: نا ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنا نُسلم على النبي- عليه
стр. 1707
السلام- وهو في الصلاة فيَرُدُ علينا، فلما رَجَعْنَا من عند النجاشيِّ سَلَّمنا عليه فلم يرَدَّ علينا وقال: " إن في الصلاةِ لشُغْلاً " (١) .
ش- محمد بن عبد الله بن نُمير: أبُو عبد الرحمن الكوفي الهَمْداني الخارفي، وخارف بَطن من همدان. سمع: أباه، وأبا معاوية، وابن فضيل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى الموصلي، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين في شعبان أو رمضان.
وابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي (٢) .
قوله: "فلما رجعنا من عند النجاشي" ذكر الواقدي أن خروج الصحابة إلى الحبشة كان في رجب سنة خمس، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البَحْر ما بين ماشٍ وراكبٍ، فاستأجروا سفينةً بنصف دينار إلى الحبشة، وهم: عثمان بن عفان، وامرأته: رقية بنت رسول الله، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته: سهْلة بنت سُهيل، والزبير بن العوام، ومُصْعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمه بن عبد الأسد، وامرأته: أم سلمي بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي، وامرأته: ليلى بنت أبي حَثْمَة، وأبو سَبْرة بنُ أبي رُهْم، وحاطب بن عَمرو، وسُهَيْل ابن بَيْضاء، وعبد الله بن مَسْعود. وقال آخرون: بل كانوا اثنين وثمانين رجلاً سوى نسائهم وأبنائهم، ثم بعد ذلك خرج جَعْفر بن أبي طالب ومعه: امرأته: أسماء بنْت عُميْس، وولدت له بها عبد الله بن جَعْفر، وتتابع
стр. 1708
المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة. وعد ابن إسحاق من خَرج صحبة جَعْفر فبلغ ثلاثة وثمانين رجلاَ، ثم إن عبد الله بن مسعود تعجل في الرجوع حتى أدرك بدراً وشهدها، وأما جَعْفر: فإنه قدم مع من كان بقي هُناك على رَسُول الله وهو مخيم بخيْبر سنة سبع من الهجرة. وأما النجاشي: فهو اسم كل مَن ملك الحَبشة، كما أن كل من ملك الشام مع الجزيرة مع بلاد الروم يُسمى "قيصر"، وكل من ملك الفُرْس سمي "كسْرى"، وكل من ملك مصْر كافرا سمي" فرعون"، وقد ذكرناه مرةَ. قوله: "إن في الصلاة لشُغْلا " أي: لشغلا للمُصلي، معناه: وظيفته أن يشتغل بصلاته فيتدبر ما يقوله ولا يعرج على غيرها فلا يرد سلاما ولا غيره. واختلف العلماء في هذه المسألة؟ فقالت جماعة: يَرد السَّلام فيها نُطقا؛ منهم: أبو هريرة، وجابر، والحسن، وسَعيد بن المسيب، وقتادة، وإسحاق. وقيل: يرد في نفسه. وقال عطاء، والنخعي، والثوري: يرد بعد السلام من الصلاة. وقال الشافعي، ومالك: يرد إشارةَ ولا يَرد نطقا. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يرد لا نطقا ولا إشارةً بكل حال. أما رده بلسانه؛ فلأنه كلام، وأما بيده؛ فلأنه سلام معنَى حتى لو صًافح بنية التسليم تفسد صلاته. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
٩٠٠- ص- نا مُوسى بن إسماعيل: لا أبان: نا عاصم، عن أي وائل، عن عبد الله قال: كُنَّا نُسلم في الصلاة ونَأمُرُ بحاجَتنَا، فقدمتُ على رَسُولِ الله- ﵇ وهو يُصلي فسَلمْتُ عليه فلمَ يرد عَلي السلامَ، فأخذني مَا قَدُمَ وحَدُث (١) ، فلما قضَى رسولُ الله الصلاةَ قال: "إن اللهَ تَعالى يُحْدِثُ من أمْرِه ما يَشاءُ، وإن الله قد أحْدَثً (٢) أن لا تكَلَمُوا في الصلاةِ" فردَّ عَلَيَّ السلَامَ (٣) .
стр. 1709
ش- أبان: ابن يزيد العطار، وعاصم: ابن بهدلة الأسدي الكوفي، وأبو وائل: شقيق بن سلمة.
قوله: "فأخذني ما قدُم وحَدُث " بضم الدال فيهما. قال ابن الأثير: يعني: همومُه وأفكارُه القديمةُ والحديثةُ، يقال: حدث الشيء بالفتح يحدُث حدوثا، فإذا قرن بقَدُم ضم للازدواج بقَدُم.
قوله: "أن لا تكَلمُوا " أصله: تتكلموا، فحذفت إحدى التائين للتخفيف كما في "نَارا تَلظي" (١) أصله: تتلظى.
ويُستفاد من الحديث مسائل؛ الأولى: عدم جواز رد السلام في الصلاة. الثانية: عدم جواز الكلام فيها أيضا.
الثالثة: ينبغي أن يَرُد السلام بعد الفراغ من الصلاة.
[٢/ ٣٠ - ب] ثم استدل/ أصحابنا بهذا الحديث أن من تكلم في صلاته بطلت صلاته سواء كان عامدا أو ساهيا لإطلاق قوله: "وإن الله أحْدث أن لا تكلموا في الصلاة"، وهو حُجة على الشافعي حَيْث قال: لا تفسد في الخطأ والنسيان.
وقال الشيخ محيي الدين (٢) : وقالت طائفة منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة؛ لحديث ذي اليدين، وأما الناسي: فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه قال مالك وأحمد والجمهورُ. وقال أبو حنيفة والكوفيون: تبطلُ دليلنا حديث ذي اليدين. فإن كثر كلام الناسي ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا أصحهما: تبطل صلاته؛ لأنه نادر. وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام الناسي فلا تبطل صلاته بقليله.
وأجابَ بعضُ أصحابنا أن حديث قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم؛ لأن ذا اليدين قُتِلَ يوم بَدرٍ؛ كذا رُوي عن
стр. 1710
الزهري، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخِرُ الإسْلام عن بدر؛ لأن الصحابي قد يَرْوي ما لا يَحضره بأن يَسْمعه من النبي- ﵇ أو صحابي آخر.
وقال البيهقي: "باب ما يستدل به على أنه لا يجور أن يكون حديث ابن مسعود في تحريم الكلام ناسخا لحديث أبي هريرة وغيره في كلام الناسي" وذلك تقدم حديث عبد الله وتأخر حديث أبي هريرة وغيره. قال ابن مسعود فيما روينا عنه في تحريم الكلام: "فلما رجعنا من أرض الحبشة، ورجوعه من أرض الحبشة كان قبل هجرة النبي- ﵇، ثم هاجر إلى المدينة وشهد مع النبي- ﵇ بدرا، فقصة التسليم كانت قبل الهجرة. والجواب عن هذا: أن أبا عُمر ذكر في "التمهيد " أن الصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن الا بالمدينة، وبها نُهي عن الكلام في الصلاة، وقد روي حديث ابن مسعود بما يوافق حديث زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلمُ في الصلاة: يكلمُ الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: "وَقُومُوا لله قانتين " (١) ، فأُمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام "، وهو حديث صحيح صريح في أن تحريم الكلام كان بالمدينة؛ لأن صحبة زيد لرسول الله إنما كانت بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، ثم ذكر حديث ابن مسعود من جهة شعبة، ولم يقل: إنه كان حين انصرافه من الحبشة، ثم ذكره من وجه آخر بمعنى حديث زيد سواء؛ ولفظه: "إن الله أحدث أن لا تكلموا الا بذكر الله، وأن تقوموا لله قانتين، ثم ذكر حديثا ثم قال: ففيه وفي حديث ابن مسعود دليل على أن المنع من الكلام كان بعد إباحته. فإن قيل: حديث ابن مسعود في سنده: عاصم ابن بهدلة. قال البيهقي في كتاب "المعرفة": صاحبا الصحيح توقيا روايته لسُوء حفظه. وقال أبو عمر في "لتمهيد ": مَن ذكر في حديث ابن مسعود: "إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة " فقد وهم، ولم يقل ذلك غير عاصم، وهو عندهم سيء الحفظ كثير الخطأ. قلت:
стр. 1711
الحديث رواه ابن حبان في " صحيحه"، والنَّسائي في " سننه" (١) . وقال البيهقي: ورواه جماعة من الأئمة عن عاصم بن أبي النجود، وتداوله الفقهاء إلا أن صاحبي الصحيح يتوقيان روايته لسُوء حفظه؟ فأخرجاه منْ طريق آخر ببَعْض مَعْناه. وقال أبو عمر: وقد رُوي حديث ابن مسعود بما يوافق حديث زيد بن أرقم- كما ذكرناه. وهذا القدر كاف في صحة الاستدلال.
ثم إن حديث عاصم ليس فيه: " فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى مكة" بل يحتمل أن يُريد: "فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى المدينة" ليتفق حديث ابن مسعود وحديث ابن أرقم. وقد ذكر ابن الجوزي أن ابن مسعود " عاد من الحبشة إلى مكة، رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي، ثم قدم على رسول الله بالمدينة وهو يتجهزُ لبدرٍ. وذكر البيهقي فيما بعد في هذا الباب من كلام الحميدي، أن إتيان ابن مسعود من الحبشة كان قبل بدر، وظاهر هذا يؤيد ما قلناه، وكذا قول صاحب" الكمال" وغيره: هاجر ابن مسعود إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة. ولهذا قال الخطابي (٢) : إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة/ يسيرة، وهذا يدل على اتفاق حديث ابن مسعود وابن أرقم على أن التحريم كان بالمدينة كما تقدم من كلام صاحب "التمهيد".
وقد أخرج النسائي في "سننه" (٣) من حديث ابن مسعود قال: كنت آتي النبي- ﵇ وهو يُصلي فأسلم عليه فيرد علي، فأتيتُه فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: "إن الله أحدث في الصلاة أن لا تتكلموا ألا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين". وظاهر قوله: "وأن تقوموا لله قانتين" يدل على
стр. 1712
أن ذلك كان بالمدينة بعد نزول قوله تعالى: "وَقُومُوا (١) لله قانتين " مُوافقا لحديث زيد بن أرقم؛ فظهر بهذا كله أن قصة التسليم كَانت بعد الهجرة بخلاف ما ذكره البيْهقي، ثم إنه استدل على ما ذكره بحديث أخرجه عن ابن مسعود قال: بَعثنا رسول الله- ﵇ إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلاً؛ وفي آخره قال: فجاء ابن مسعود فبادر فشهد بدرا. والجواب: ليس فيه أنه جاء إلى مكة كما زعمه؛ بل ظاهره أنه جاء من الحبشة إلي المدينة؛ لأنه جعل مجيئه وشهوده بدرا قريب هجرته إلى الحبشة بلا تراخ.
ثم خرفي عن مُوسى بن عقبة أنه قال: وممن يذكر أنه قدم على النبي
﵇ بمكة من مهاجرة أرض الحبشة الأولى، ثم هاجر إلى المدينة، فذكرهم وذكر فيهم ابن مَسْعود قال: وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله، وهكذا ذكره سائر أهل المغازي بلا خلافٍ.
والجواب: أما قول ابن عقبة: " قدم على النبي- ﵇ بمكة
من مهاجرة الحبشة" أراد به الهجرة الأولى؛ فانه- ﵇ كان بمكة حينئذ، ولم يُرد هجرة ابن مسعود الثانية؛ فإنه- ﵇ لم يكن بمكة حينئذ. بل بالمدينة فلم يُرد ابن عقبة بقوله: " ثم هاجر إلى المدينة" أنه هاجر إليها من مكة؛ بل من الحبشة في المرة الثانية.
وأما قول البيهقي: " وهكذا ذكره سائر أهل المغازي" إن أراد به شهود
ابن مسعود بدرا فهو مسلم؛ ولكن لا يثبت به ما ادعاه أولا وإن أراد به
ما فهمه من كلام ابن عقبة أن رجوعه في المرة الثانية كان إلى مكة، وأنه هاجر منها إلى المدينة، ليستدل بذلك على أن تحريم الكلام كان بمكة، يُقال له: كلام ابن عقبة يدل على خلاف ذلك- كما قررناه- ولئن أراد ابن عقبة ذلك فليس هو مما اتفق عليه أهل المغازي كما تقدّم عن ابن الجوزي وغيره.
стр. 1713
فإن قيل: فقد ذكر في كتاب "المعرفة " عن الشافعي أن في حديث ابن
مسعود، أنه مر على النبي- ﵇ بمكة، قال: فوجدته يُصلي
في فناء الكعبة، الحديث. قلنا: لم يذكر ذلك أحد من أهل الحديث غير الشافعي، ولم يذكر سنده ليُنظر فيه، ولم يجد له البيهقي سندا مع كثرة
تتبعه وانتصاره لمذهب الشافعي.
وذكر الطحاوي في "أحكام القرآن " أن مهاجرة الحبشة لم يرجعوا إلا
إلى المدينة، وأنكر رجوعهم إلى دار قد هاجروا منها؛ لأنهم منعوا من
ذلك، واستدل على ذلك بقوله- ﵇ في حديث سَعْد: " ولا
تردهم على أعقابهم ".
ثم ذكر البيهقي عن الحميدي أنه حَمَل حديث ابن مسعود على العَمْد
وإن كان ظاهره يَتناولُ العمد والنسيان، واستدل على ذلك فقال: كان
إتيان ابن مسعود من أرض الحبشة قبل بدر ثم شهد بدرا بعد هذا القول،
فلما وجدنا إسلام أبي هريرة والنبي- ﵇ بخيبر قبل وفاته
بثلاث سنين، وقد حضر صلاة رسول الله، وقولَ ذي اليدين، ووجدنا
عمران بن حصين شهد صلاة رسول الله مَرةً أخرى، وقولَ الخرباق،
وكان إسلام عمران بعد بدرٍ، ووجدنا معاوية بن حُدَيج حضَر صلاةَ
رسول الله، وقولَ طلحة بن عبيد الله، وكان إسلامِ معاوية قبل وفاة
النبي- ﵇ بشهرين، ووجدنا ابن عباس يُصوبُ ابن الزبير في
ذلك، ويذكر أنها سُنَة رسول الله، وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين [٢/٣١ - ب] قبض النبي- ﵇،/ ووجدنا ابن عمر روى ذلك، وكان أجازه (١) النبي- ﵇ ابنَ عمر يوم الخندق بعد بدر، علمنا أن
حديث ابن مسعود خُص به العمدُ دون النسيان، ولو كان ذاك الحديث في
النسيان والعمد يومئذ لكانت صلاة رسول الله هذه ناسخةً له لا بعده.
والجواب: أنه ليس للحميدي دليل على أن ابن مسعود شهد بدرا بعد
стр. 1714
هذا القول، وعلى تقدير صحة ذلك نَقول: هذا القول كان بالمدينة قبل بدر، وقضية ذي اليدين- أيضا- كانت قبل بدر؛ لكن قضية ذي اليدين كانت متقدمة على حديث ابن مسعود وابن أرقم، فنسخت بهما؛ يدل على ذلك: ما رواه البيهقي في آخر " باب من قال: يسجدهما قبل السلام في الزيادة والنقصان " بسند جيد من حديث معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان، عن أبي هريرة، فذكر صلاة النبي ﵇ وسَهوَه، ثم قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر ثم استحكمت الأمور بعدُ، فهذا يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة لتأخر إسلامه عن هذا الوقت، وأيضا- فإن ذا اليدين قُتِل ببدرٍ. وروى الطحاوي عن ابن عمر قال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين.
وذكر ذلك ابن عبد البر، وابن بطال، وذكر عن ابن وهب أنه قال:
إنما كان حديث ذي اليدين في بَدء الإسلام، ولا أرى لأحد أن يَفْعله اليوم، وقولُ أبي هريرة: صلى بنا رسول الله- يعني: بالمسلمين- وهذا جائز في اللغة. روى عن النزال بن سَبرة قال: قال لنا رسول الله: " أنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف" الحديث. والنزالُ لم يرَ رسول الله، وإنما أراد بذلك: قال لقومنا. وروى طاوس قال: قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضروات شيئا، وإنما أراد: قدم بلدنا؛ لأن معاذا إنما قدم في عهد رسول الله قبل أن يُولد طاوس، ذكر ذلك الطحاوي، ومثله هذا ذكره البيهقي في " باب البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة " (١) عن مجاهد قال: جاءنا أبو ذر إلى آخره، ثم قال البيهقي: مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر؛ وقوله: " جاءنا " يعني: جاء بلدنا.
قال الطحاوي: ومما يدل على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة:
стр. 1715
أن أبا سعيد الخدري روي عنه أنه قال: كنا نرد السلامَ في الصلاة حتى نُهينا عن ذلك، فأخبر أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة؛ وهو في السن دون ابن أرقم بدهر طويل.
فإن قيل: قد ورد في بعض روايات مسلم في قصة ذي اليدين أن
أبا هريرة قال: "بينما أنا أصلي مع النبي- ﵇ "، وهذا تصريح منه أنه حضر تلك الصلاة، فانتفى بذلك تأويل الطحاوي. قلنا: يحتملُ أن بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة: (صلى بنا) أنه كان حاضرا، فروى الحديث بالمعنى على زعمه قال: "بينما أنا أصلي" هذا لان كان فيه بعد إلا أنه يُقر به ما ذكرنا من الدليل على أن ذلك كان قبل بدر، ويدل عليه- أيضا- أن في حديث أبي هريرة: "ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها" وفي حديث عمران بن حصين: "ثم دخل منزله"، ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القِبلة ويمشي، وقد بَقي عليه شيء من صلاته، فلا يخرجه ذلك عنها.
فإن قيل: فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة. قلنا: فيلزمُ على هذا: أنه لو كل أو شرب أو باع أو اشترى وهو لا يرى أنه في الصلاة، أنه لا يخرجه ذلك منها، وأيضا فقد أخبر النبي- ﵇ ذو اليدين، وخبر الواحد يجب العمل به، ومع ذلك تكلم- ﵇ وتكلم الناسُ معه مع إمكان الإيماء، فدل على أن ذلك كان والكلام في الصلاة مُباح ثم نسخ كما تقدم.
فإن قيل: قد جاء في رواية حماد بن زيد: "أنهم أومأوا". قلنا: قد اختلف على حماد في هذه اللفظة؛ قال البيهقي في كتاب (المعرفة) : هذه اللفظة ليست في رواية مسلم، عن أبي الربيع، عن حماد؛ وإنما هي في رواية أبي داود، عن محمد بن عُبيد. وروى/ الطحاوي أن عمر ﵁ كان مع النبي- ﵇ يوم ذي اليدين، ثم حدثت به تلك الحادثة بعد النبي- ﵇، فعمل فيها بخلاف ما عمل- ﵇ يومئذ، ولم ينكر عليه أحد ممن حضر فعله من
стр. 1716
الصحابة، وذلك لا يصح أن يكون منه ومنهم إلا بعد وقوفهم على نسخ
ما كان منه- ﵇ يوم ذي اليدين، ويدل على ذلك- أيضا- أن الأمة أجمعت على أن السنة من الإمام إذا نابه شيء في صلاته أن يسبح به، ولم يُسبح ذو اليدين برسول الله، ولا أنكره- ﵇ عليه، فدل على أن ما أمر به- ﵇ من التسبيح للنائبة في الصلاة متأخر عما كان في حديث ذي اليدين.
فإن قيل: قد سجد النبي- ﵇ سجدتي السهو في حديث
ذي اليدين، ولو كان الكلام حينئذ مباحا كما قلتم لما سجدهما. قلنا:
لم تتفق الرواةُ على أنه- ﵇ سجدهما؛ بل اختلفوا في ذلك. قال البيهقي: لم يحفظهما الزهري لا عن أبي سلمة، ولا عن جماعة حدثوه بهذه القصة عن أبي هريرة. وخرج الطحاوي، عن الزهري قال: سألت أهل العلم بالمدينة فما أخبرني أحد منهم أنه صلاها- يعني: سجدتي السهو- يوم ذي اليدين؛ فإن ثبت أنه لم يسجدهما فلا إشكال، وإن ثبت أنه سجدهما نقول: الكلام في الصلاة- "أن كان مباحا حينئذ- لكن الخروج منها بالتسليم قبل تمامها لم يكن مباحا، فلما فعل- ﵇ ذلك ساهيا كان عليه السجود لذلك.
وقال الشيخ علاء الدين المارديني في "الجوهر النقي في الرد على البيهقي": ثم إني نظرتُ فيما بأيدينا من كتب الحديث، فلم أجد في شيء منها أن عمران بن الحصين حضر تلك الصلاة، ولم يذكر البيهقي ذلك مع كثرة سَوْقه للطُرق؛ بل في كتاب النسائي، عن عمران أنه- ﵇ صلي بهم وسهى، فسجد ثم سلم، وكذا في "صحيح مسلم " وغيره بمعناه؛ والأظهر: أن ذلك مختصر من حديث ذي اليدين؛ فظاهر قوله: مصلى بهم " أنه لم يحضر تلك الصلاة، وإذا حُمل حديث أبي هريرة على الإرْسال بما ذكرنا من الأدلة، فَحمْلُ حديث عمران على ذلك أوْلى، وحديث مُعاوية بن حُدَيْج رواه عنه سُويدُ بن قَيْس المِصْري التُجِيبي. قال الذهبي في كتابه " الميزان" و "الضعفاء": مجهول
стр. 1717
تفرد عنه: يزيد بن أبي حبيب. وفي حديث معاوية هذا مخالفة لحديث
ذي اليدين من وجوه تظهر لمن ينظر فيه، وفيه: أنه- ﵇ أمر
بلالا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة، وأجمعوا على العمل بخلاف
ذلك، وقالوا: إن فعلَ الإقامة ونحوها يقطع الصلاة، وتَصويبُ ابن
عباس لابن الزبير في ذَلك ذكره البيهقي من طريقي، في أحدهما: حماد
ابن سلمي، عن عسل بن سفيان، وقال في " باب منْ مر بحائط إنسان":
ليس بالقوي، وعسْل: ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.
وفي الطريق الثانيَ: الحارث بن عُبيد أبو قدامة. قال النسائي: ليس
بالقوي. وقال أحمد: مضطرب الحديث، وعنه قال: لا أعرفه. وقال
البيهقي في "باب سجود القرآن إحدى عشرة": ضعفه ابن معين.
وأما قوله: "وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي- عليه
السلام-" فكأنه أراد بذلك استبعاد قول من يقول: إن قضية ذي اليدين
كانت قبل بدر؛ لأن ظاهر قول ابن عباس: ما أماط عن سُنَة نبيه- ﵇ يدلُ على أنه شهد تلك القضية، وقبل بدر لم يكن ابن عباس
من أهل التمييز، وتحمل الرواية لصغره جدا، ونحنُ بعد تسليم دلالته
على أنه شهد القضية نمنع كون سنه كذلك؛ بل قد رُوِي عنه أنه قال:
توفي- ﵇ وأنا ابن خمس عشرة. وصوب أحمد بن حنبل
هذا القول، ويدل عليه ما روي في " الصحيح " (١) عن ابن عباس أنه
قال في حجة العدل: وكنتُ يومئذ قد ناهزتُ الحُلم. ولا يلزمُ من رواية
[٢/٣٢ - ب] ابن عمر ذلك، وإجازته- ﵇ بعد بدر أن لا تكون/ القضية قبل بدر؛ لأنه كان عند ذلك من أهل التحمل.
وقوله: " علمنا أن حديث ابن مسعود خص به العمد دون النسيان ".
قلنا: لم يكن الكلام الذي صدر من ذي اليدين سهواً وكذا من النبي
﵇ وأصحابه؛ لأن ذا اليدين لما قال: " بلى قد كان بعض
стр. 1718
ذلك" علم- ﵇ أن النسيان قد وقع، فابتدأ عامدا فسأل الناس فأجابوه- أيضا- عامدين؛ لأنهم علموا أنها لم تقصر، وأن النسيان قد وقع. ثم خرج البيهقي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: كان إسلام معاوية بن الحكم في آخر الأمر، ثم قال: فلم يأمره النبي- ﵇ بإعادة الصلاة، فمن تكلم في صلاته ساهيا أو جاهلاَ مضت صلاته. والجواب: أن الوليد بن مسلم مُدلس ولم يصرح هاهنا بالسماع من الأوزاعي، وكان معاوية جاهلاَ بتحريم الكلام. ثم قال البيهقي: الذي قُتل ببدرِ هو ذو الشمالين ابن عبد عمر [و] ، بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي- ﵇ بسَهوه فإنه بقي بعد النبي- ﵇؛ كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان قال: حدثني شعيب بن مطير، عن أبيه- ومطير حاضر وصدقه- قال شعيب: "يَا أبتاه، أخبرتَني أن ذا اليدين لَقيك بذي حُسْب فأخبرك أن رسول الله" الحديث. ثم قال البيهقي: وقالَ بعض الرواة فًي حديث أبي هريرة: "فقال ذو الشمالين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ ". وكان شيخنا أبو عبد الله يقولُ: كل من قال ذلك فقد أخطأ؟ فإن ذا الشمالين تقدم موتُه ولم يُعقِب، وليس له راوِ.
والجواب في "المُوطأ": مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن (١) أبي حثمة: بلغني أن رسول الله- ﵇ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار: الظهر أو العَصْر، فسلم من اثنتَيْن، فقال له ذو الشمالين- رجل من بني زهرة بن كلاب-: أقصرت الصلاة؟ الحديث؛ وفي آخره: مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمه بن عبد الرحمن مثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين وأنه من بني زهرة.
стр. 1719
فإن قيل: إنه مُرسل. قلنا: ذكر أبو عمر في "التمهيد" أنه متصل من وجوه صحاح، وقد قال النسائي في " سننه" (١) : نا محمد بن رافع: ثنا عبد الرزاق: نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة قال: صلى النبي- ﵇ الظهر أو العصرَ فسلّم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عَمْرو: أنقصَ الصلاة أم نسيت؟ الحديث. وهذا سند صحيح متصل، صرح فيه بأنه ذو الشمالين. وقال النسائي (٢) - أيضا-: نا هارون بن موسى الفروي: حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: نسي رسول الله فسلّم في سجدتين فقال له ذو الشمالين: أقصرت الصلاة؟ الحديث. وهذا- أيضا- سند صحيح صرح فيه- أيضا- أنه ذو الشمالين.
فإن قيل: فقد ذكر أبو عمر في "التمهيد" و" الاستيعاب " أن هذا وهم من الزهري عند كثر العلماء. قلنا: قد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس. قال النسائي (٣) : نا عيسى بن حماد: نا الليث، عن يزيد بن (٤) أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله- ﵇ صلى يومأ فسلم في ركعتين ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله، أنقصت الصلاة أم نسيت؟ الحديث. وهذا سند صحيح على شرط مسلم يثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك، وأن المخاطب للنبي- ﵇ ذو الشمالين، ويؤيد ذلك ما في كتاب النساَئي من قوله: ذو الشمالين بن عَمرو، وكأنه ابن عبد عمرو، فأسْقط الكاتب لفظة " عبد"، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في "الصحيحين" عدم صحته على ما عرف، وثبت- أيضا أن ذا اليدين وذا الشمالي واحد، وقد ورد اللقبان جميعاً
стр. 1720
/ في كتاب النسائي من الوجهين المتقدمين. وقال السَمْعاني في "الأنْساب": ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعاً. وفي "الفاصل " للرامهُرمزي: ذو اليدين وذو الشمالين، قد قيل: إنهما واحد. وقال ابن حبان في "الثقات": ذو اليدين، ويقال له- أيضا-: ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال- أيضا-: ذو الشمالين عمرو بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي حليف بني زهرة. وهذا أوْلى من جعله رجلين لأنه خلاف الأصل. والحديث الذي استدلّ به البَيْهقي وغيره على بقاء ذي اليدين بعد النبي- ﵇ سندُه ضعيف؛ لأن مَعدي بن سليمان متكلم فيه. قال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يُحدّث عن ابن عجلان بمناكير. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، والمُلزقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وشعيب ما عرفنا حاله ووالده: مَطير قال فيه ابن الجارود: سمع ذا اليدين، روى عنه: ابنه: شعيب، لم نكتب حديثه. وفي لا الضعفاء، للذهبي: لم يصح حديثه، وفي "الكاشف ": مطير بن سليم عن ذي الزوائد، وعنه: ابناه: شعيب وسليم، لم يصح حديثه. ولضَعْف هذا السند قال البيهقي في كتاب "المعرفة ": ذو اليدين بقي بعد النبي- ﵇ فيما يُقال، ولقد أحسن وأنصف في هذه العبارة، وقول الحاكم عن ذي الشمالين: " لم يُعقِب " يفهم من ظاهره: أن ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك. ثم ذكر البيهقي حديث أبي سعيد بن المعلى وقوله- ﵇: ما ما منعك أن تُجيبني حين دعوتك؟ أما سمعت الله يَقولُ: استجيبوا لله وللرسول؟ " الحديث، ثم قال: وفي هذا دلالة على أن جواب أصحاب النبي- ﵇ حين سألهم عما يقول ذو اليدين لم تبطل صلاتهم مع ما روينا عن حماد بن زيد في تلك القصة أنهم أومأوا.
والجواب: "قوله: مع ما روينا عن حماد " إلى آخره لا يلائم كلامَه