رجل، وهو هلال بن عامر، وقال النووي في " الخلاصة ": وهذا لا يقدح في صحة الحديث.
١١٥٧- ص- نا أحمد بن إبراهيم، نا ريحان بن سعيد، نا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن هلال بن عامر، أن قبيصةَ الهلالي حَدثه، أَن الشمسَ كَسَفَت- بمعنى موسى (١) - قال: حتى بَدَت النجوم (٢) .
ش- ريحان بن سعيد بن المثنى بن معدان أبو عصْمة الناجي السامي (٣) البصري، إمام مسجد عَبَّاد بن منصور. سمع: شعبة، وعباد بن منصور. روى عنه: أحمد بن إبراهيم، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المدينة، وغيرهم. توفي بالبصرة سنة ثلاث أو أربع ومائتين. روى له: أبو داود، والنسائي (٤) .
وعباد بن منصور أبو سلمي الناجي، وأيوب: السختياني، وأبو قلابة: عبد الله وهلال بن عامر، وقيل: ابن عمرو بصري، روى عن: قبيصة ابن مخارج. روى عنه: أبو قرابة. روى له: أبو داود.
قوله: " بمعنى موسى " أي: بمعنى حديث موسى، قال: " حتى بَدت " أي: ظهرت " النجوم ".
***
٢٥٠- بَابُ: القراءة في صلاة الكُسُوف
أي: هذا باب في بنان القراءة في صلاة الكسوف.
١١٥٨- ص- نا عُبَيد الله بن سَعْدَ، حدثني عمي، نا أبي عن محمد ابن إسحاق، حدثني هشام بن عودة. وعبد الله بن أبي سلمي، عن سليمان
стр. 2102
ابن يسار، كل (١) قد حدثني عن عروة، عن عائشة قالت: كَسَفَت الشمسَ على عهدِ رسول الله، فَخرجَ رسولُ الله/ فصلى بالناسِ، فرقاً فَحَزَرْت [٢/ ١٠٦ - أ] قراءتَه فَرُئِيتُ (٢) أنه قَرَأ سُورَةَ (٣) البقَرة- وسَاقَ الحديثَ- ثم سَجَدَ سَجدتينِ، ثم قَامَ فأطَالَ القراءةَ فحزَرْتُ قِراَءته فَرُئِيتُ (٢) أنه قَرأ سُورةَ (٣) آل عِمْرانَ (٤) .
ش- عُبيد الله بن سَعْد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو الفضل، نزِيلُ سامرَّاء، وهو ابن أخي يعقوب بن إبراهيم بن سعد. سمع: عمه يعقوب، وروح بن عبادة. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر الباغندي، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق، مات في ذي الحجة سنة ستين ومائتين (٦) .
وعمه: يعقوب بن إبراهيم الزهري قد ذكرناه، ووالد يَعْقُوب: إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم قد ذكر مرةَ.
وعبد الله بن أبي سلمي واسمه: ميمون الماجشون التيمي، مولى آل المنذر القيمي المدني. روى عن: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر ابن ربيعة، وعبد الله بن عبد الله بن عمر. روى عنه: يحمى بن سعيد الأنصاري، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن إسحاق بن يَسار. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (٧) .
أو له: " فحزرت " أي: قدرت.
قوله: " فَرُئِيت " على صيغة المجهول في الموضعين بمعنى: ظننتُ، وفيه حجة لأبي حنيفة أيضاً وروى أحمد في " مسنده " بإسناده إلى ابن
стр. 2103
عباس قال: " صليت مع النبي- ﵇ الكسوف فلم أسمع منه فيها حرفا من القراءة " ورواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده "، وأبو نعيم في " الحلية "، والطبراني في " معجمها " والبيهقي في " المعرفة "
١١٥٩- ص- نا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرني أبي، نا الأوزاعي، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة- ﵂ أن رسولَ الله- ﵇ قَرأ قِراءةَ طَوِيلةَ فَجَهَرَ بها، يعني في صَلاةِ الكُسُوفِ (١) .
ش- أبوه: الوليد بن مَزْيَد- بالزاي- البَيْروتي.
وفيه حجة لأبي يوسف ومحمد والشافعي. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه.
١١٦٠- عن- نا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، [عن أبي هريرة والصواب] (٢) عن ابن عباسِ قال: خَسَفَت الشمسُ فصلى رسولُ اللهِ- ﵇ والناسُ مَعه، فقامَ قِياما طَوِيلاً بنحوِ من سُورَةِ البَقَرةِ، ثم رَكَعَ وسَاقَ الحديثَ (٣) .
ش- أي: بمثل من سورة البقرة، وهذا يدلّ أيضا على أنه- ﵇ خافَت بالقراءة. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائيّ.
****
стр. 2104
٢٥١- بَاب: ينادي فيهَا بالصّلاةِ
أي: هذا باب في بنان النداء، أي: الإعلام بصلاة الكسوف.
١١٦١- ص- نا عمرو بن عثمان، نا الوليد، نا عبد الرحمن بن نمِر، أنه
سَألَ الزهريَ، فقال الزهري: أخبرني عروةُ، عن عائشة قالت: كَسَفَت الشمسُ فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ جميع رَجُلاً فناسَ أنه الصلاةَ جَامِعَةً (١) .
ش- الوليد بن مُسلم الدمشقي.
وعبد الرحمن بن نمِر أبو عمرو اليحصبي الشامي الدمشقي. روى عن: الزهري. روى عنه: الوليد بن مسلم. قال ابن معين: هو ضعيف.
وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، لا أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم وسليمان بن كثير. وقال رحيم: هو صحيح الحديث. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٢) .
قوله: " أن الصلاة جامعةً " " لأن " بفتح الهمزة وتخفيف النون للتفسير،
و" الصلاة " نصر على أنه مفعول لفعل محذوف، والتقديرُ أقيموا الصلاة، أو ائتُوها، و" جامعة " نصت على الحال من " الصلاة "، أي:
حال كونها جامعةً للناس، والحديث أخرجه مسلم مطر،، وأخرجه البخاريّ ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا استحسنه العلماء للإعلام، وقد قلنا: إنه ليس فيها الأذان والإقامة.
***
٢٥٢- بَابُ: الصدَقة فيها
أي: هذا باب في بنان الصدقة في صلاة الكسوف.
١١٦٢- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن عروة،
عن عائشة- ﵂: أن النبي- ﵇/ قال: لا الشمسُ [٢/ ١٠٦
стр. 2105
والقمرُ لا يَخْسفَان لمَوْت أحَد ولا لحياته، فإذا رَأيْتُم ذلك فادْعُوا الله عمر وَبَئ، وكبِّر وا وَتُصَدَّقوا " (١) .
ش- " ذلك " أي: الخسوف، " فادعوا الله "، وفي رواية: " فاذكروا الله ".
قوله: " وتصدقوا " أطلق ذلك ليتناول جميع أنواع الصدقات، وسواء كانت قليلة أو كثيرة، وإنما المرد بها لأن الصدقات تدفع البلاء والعذاب، والكسوف والخسوف من جملة الآيات المنذرة بالعذاب. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي مُطولا.
***
٢٥٣- بَابُ: العِتْق فِيهَا
أي: هذا باب في بنان العتق في صلاة الكسوف.
١١٦٣- ص- نا زُهَير بن حرب، نا معاويةُ بن عَمرو، نا زائدة، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماءَ قالت: كان النبي- ﵇ يأمُرُنَا (٢) بالعَتَاقَةِ فِي صَلاةِ الكُسُوفِ (٣) .
ش- زائدة بن قديمة، وهشام بن عروة، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير ابن العوام، زوجة هشام بن عروة، وقد ذكرت، وأسماء بنت أبي بكر الصديق.،
قوله:" بالعَتاقة " بفتح العن يقال: أعتق العبد يعتِق- بكسر التاء- عتقا وعَتاقا وعَتَاقةً وعاتقٌ، وأعتقته أنا، وهذا الأمر للاستحباب
стр. 2106
لترغيب الناس في الخير، كما أمرهم بالصَدقة. والحديث أخرجه البخاري.
***
٢٥٤- بَابُ: مَنْ قَال: يَركَعُ رَكعَتيْن
أي: هذا باب في بنان قول من قال: يركع ركعتين في صلاة الكسوف. ١١٦٤- ص- نا أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثني الحارثُ بن عمير البصري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير قال: كَسَفَت الشمسُ على عهد رسول الله- ﵇ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعتينِ رَكْعتيَنِ ويَسأل عَنها حتىَ انْجَلَت (١) .
ش- الحارث بن عمير البصري أبو عمير، نزيل مكة. روى عن: أيوب السختياني. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو أسامة، وابن عيينة، ويعلى بن عبيد، وأحمد بن أبي شعيب، إبراهيم بن محمد الشافعي، وابنه: حمزة بن الحارث. وقال ابن معين: ثقة- وقال أبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة، رجل صالح. وقال ابن حبان: كان ممن يَرْوي عن الإثبات الأشياءَ الموضوعات. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، واستشهد به البخاري (٢) . والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه، وقال البيهقي: هذا مرسل، أبو صلابة لم يسمع من النعمان.
قلت: صرح فيه الكمال بسماعه من النعمان. وقال ابن حزم: أبو قرابة أدرك النعمان، وروى هذا الخبر عنه. وصرح ابن عبد البر بصحة هذا الحديث وقال: من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث
стр. 2107
أبي قلابة عن النعمان، فصار قول البيهقي: " لم يسمعه منه " دعوى بلا
دليل.
١١٦٥- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عطاء بن السائب،
عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو قال: انكَشفَت الشمسُ على عَهْد رسولَ الله
﵇، فَقَامَ رسولُ الله لم يَكَدْ يَرْكَعُ ثم رَكَعِ، فلم يَكًدْ يَرْفَع ثم
رَفَعَ، فلم يَكَدْ يَسْجُدُ ثم سَجَدَ، فَلم يَكَد ْيَرفعُ ثم رَفع، فلم يَكَدْ يَسجدُ ثم
سَجَدَ، فلم يَكَدْ يرفعُ ثم رَفَعَ، وفَعَلَ في الركْعَة الأخْرَى مثلَ ذلك، ثم نَفَخ
في آخِرِ سُجُودهِ فقال: " أف أف "، ثم قالَ: لا رَبِّ، ألَمْ تَعدْنِي أن لا
تعَذبهُم وأنا فِيهم؟ ألَمْ تَعدْنِي أن لا تُعَذبهم وهم يَسْتَغفِرُونَ؟ " فَفَرخَ
رسولُ اللهِ من صلاِتهِ وقد أَمْحَصَتِ الشمسُ، وساقَ الحديثَ (١) .
ش- أبوه السائب بن مالك الثقفي، ويقال: الأشعري، ويُقال:
السائب بن يَزيد أبو يَحْيى، وهو والد عطاء. سمع: عليه بن أبي طالب
وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمرو بن العاص. روى عنه: ابنه عطاء،
وأبو إسحاق الطبيعي. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
قوله: " لم يكد يرفع " يعني: لم يكد في القيام واقفا زمانا طويلاً ثم
ركع، فلم يكد يرفع رأسه، بمعنى: أنه أطال في الركوع.
قوله: " ثم رفع " أي: ثم رفع رأسه من الركوع وسجد فلم يكد
يَسجد، ووقف زمانا طويلاً ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه من السجدة،
وقعد زمانا طويلاً، ثم رفع رأسه، وفعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل
في الركعة الأولى.
قوله:" ثم نفخ في آخر سجُوده " فسر النفخ بقوله: " فقال: أف [٢/ ١٠٧ - أ] أف" / بتسكين الفاء، و " أف " لا تكون كلاما حتى تشددَ الفاء، فتكون
стр. 2108
على ثلاثة أحرُف من التأفيف، وهو قولك: " أف لكذا "، فأما " أف " والفاء خفيفة فليس بكلام، والنافخ لا يُخْرِجُ الفاءَ مُشددةً، ولا يكادُ يُخرجُها فاء صادقةً من مخرجها، ولكنه يفشيها من غير إطباق الشفة على الشفة، وما كان كذلك لا يكون كلاما، وبهذا استدل أبو يوسف على أن المصلي إذا قال في صلاة " أفْ " أو " أهْ " أو " أخ " لا تفسد صلاته. وقال أبو حنيفة ومحمد: تفسدُ لأنه من كلام الناس، وأجابا أن هذا كان ثم نسِخ.
قوله: "وقد أمحصَت الشمس " معناه: انجلت من الإمحاص، وأصل المحص: الخلوص، وقد محصته محصا إذا خلصته، وانمحص هو إذا خلص وقد تدغم فيقالُ افحص، ومنه تمحيص الذنوب وهو التطهير منها، وتمحص الظلمة انكسافها وذهابها، وفي رواية: " محضت الشمس " بالضاد المعجمة، والمعنى: نَصَع لونها، وخلُص نُورُها، وكل شيء خَلُص حتى لا يشوبُه شيء يُخالِطه فهو مَحْض.
والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وأخرجه الحاكم في! المستدرك " وقال: صحيح ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب. قلت: قد أخرج البخاري لعطاء حديثا مقرونا بأبي بشر، وقال أيوب: هو ثقة.
١١٦٦- ص- نا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا الجُرَيري، عن حيان بن عمير، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بينا أنا أتَرَفَى بأسْهُمِي (١) في حياة رسول الله ﷺ إذا خَسَفَت الشمسُ، فَنَبَذتُهن وقلتُ: لأنظُرَن ما أحْدِثَ لرسولَ اللهِ في (٢) كُسُوفِ الشمسِ اليومَ؟ فانتهيتُ إليه وهو رَافع يدَيْه يُسبحُ ويَحْمَدُ ويُهَللُ ويدْعُو، حتى حسرة عن الشمس، فَقرأ بسورَتين ورَكعً ركعتينِ (٣) .ً
стр. 2109
ش- الجُرَيري هو سعيد بن إياس البصري، وحيان- بالياء آخر الحروف- بن عمير الجُريري أبو العلاء.
وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العَبْشمي، يكنى: أبا سَعيد، أسلم يوم فتح مكة، وصحب النبي- ﵇ وغزا خراسان في زمن عثمان بن عفان، وهو الذي افتتح سِجدتان وكابل. رُوي له عن رسول الله- ﵇ أربعة عشر حديَثا، اتفقا منها على حديث واحد، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه: عبد الله بن عباس، وابن سيرين، وابن المسيب، والحسن البصري، وحيان بن عمير، وغيرهم. مات سنة خمسين بالبصرة. روى له: الجماعة (١)
قوله: " أترمى" بتشديد الميم، قال يَعقوبُ: خرجتُ أترمي إذا خرجت تَرْمي في الأغراض، أو في أصول الشجر، وخرجتُ أرتمِي إذا رميتُ القنَصَ، وتَرامَى الرَجُلان. وقال الشيخ محيي الدين: يقال: أرْمي وأرْتَمي وأترامَى وأترَمى.
قوله: " فنبذتهن " أي: ألقيتُهن.
قوله: " حتى حَسِرَ عن الشمس " أي: حتى جَلى الكسوف عنها، وهو بفتح الحاء، وكسر السن المهملتين وأخرجه مسلم، والنسائي.
***
٢٥٥- بَابُ: الصلاة عند الظلمة ونحوها
أي: هذا باب في بنان الصلاة عند اشتداد الظلمة ونحوها، مثل الزلزلة، والريح الشديدة، والمطر العظيم، ونحو ذلك.
= النسائي: كتاب الكسوف، باب: التسبيح والتكبير والدعاء عند كسوف الشمس (٣/ ١٢٤) .
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢/ ٤٠٢) ، وأسد الغابة (٣/ ٤٥٤) ، والإصابة (٢/ ٤٠٠) .
стр. 2110
١١٦٧- ص- نا محمد بن عمرو بن جَبَلة بن أبي رواد، نا حَرَمِي بن
عمارة، عن عُبَيد الله بن النضر، حدثني أبي قال: كانت ظُلمَة على عهدِ
أنس بن مالك، قال: فأتيتُ أنسَ بنَ مالك (١) فقلت: يا أَبَا حَمزةَ، هل كانَ
يُصيبكُم مثلُ فذا على عهدِ رسولِ ﷺ ؟ قال: مَعَاذَ اللهِ، إن كانتْ الرَّيحُ
لَتَشْتَد فَنُبَا "رُ المَسْجِدَ مَخَافَةَ القِيامَةِ (٢) .
ش- محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد البصري. روى
عن: غندر، وأبي عامر العقدي، ومسلم بن قتيبة، وأبي عاصم النبيل، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والحسن بن سفيان (٣) .
وحرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي مولاهم أبو روح. سمع:
شعبة، وقرة بن خالد، وغيرهم. روى عنه: عبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قال ابن معين: صدوق (٤) .
وعبيد الله بن النضر أبو النضر القيسي من ولد قيس بن عباد. سمع:
أباه. وروى عن: أنس بن مالك. روى/ عنه: أبو عاصم، وحرمي [٢/ ١٠٧ - ب] ابن عمارة، وابن المبارك، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له:
أبو نا ود، والترمذي (٥) .
وأبوه: النضر- بالنون والضاد المعجمة- القيسي. روى عن: أنس
ابن مالك. روى عنه: ابنه: عبيد الله. روى له: أبو داود.،
والترمذي (٦) .
قوله: " أن كانت الريح لتشتد " " إن " مخففة من مثقلة، والأصل: إنه
كانت الريح لتشتد، واللام فيه للتأكيد.
стр. 2111
قوله: " فنبادر " أي: نسارع.
قوله: " مخافة القيامة " نصب على التعليل.
ويستفاد من الحديث: أن الصلاة تشرع للظلمة، وللريح الشديدة ونحوهما. وحكى البخاري في " التاريخ ": أن هذا الحديث فيه اضطراب.
***
٢٥٦- بَابُ: السُّجُود عند الآيات
أي: هذا باب في بيان السجود عند العلامات.
١١٦٨- ص- نا محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي، نا يحيى بن كثير، نا سلمُ بن جَعْفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: مَاتَتْ فُلانة بعضُ أزواج النبي- ﵇، فَخَر ساجداً فقيل له: تَسْجُدُ (١) هذه الساعَة؟ فقال: قال رسولُ اللهِ- ﵇: " إذا رَأيْتُمْ آيَةً فاسْجُدُوا " وَأفي آية أعْظَمُ مِن ذهاب أزْوَج النبي- ﵇ (٢) "؟
ش- محمد بن عثمان بن أبي صفوان بن مروان بن عثمان بن أبي العاص الثقفي البصري. روى عن: أمية بن خالد، وعبد الرحمن ابن مهدي، وابن أبي عدي، ويحيى بن كثير. روى عنه: أبو داود، والترمذي، وأبو حاتم- وقال: بصري ثقة-، والنسائي (٣) .
ويحيى بن كثير بن درهم البصري أبو غسان العنبري مولاهم، أصله خراساني، رأى معاوية بن مرة، وطاوسا، وسمع قولهما. وروى عن: عمران بن حديد، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: خالد بن الحارث،
стр. 2112
وعمرو بن علي، ومحمد بن عثمان، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (١) .
وسلم بن جعفر الأعمى أبو جعفر. روى عن: الحكم بن أبان، والجريري، والوليد بن كثير. روى عنه: يحيى بن كثير أبو غسان، ونعيم بن حماد وقال: كان ثقةً. روى له: أبو داود، والترمذي (٢) . والحكم بن أبان العدني أبو عيسى.
قوله: " إذا رأيتم آية " أي: علامة، وهي بإطلاقها سائر الآيات المخوفة، مثل الريح الشديدة، والظلمة الشديدة، والزلزلة، والسيل العظيم، والنار العظيمة، ونحو ذلك، ويندرجُ تحت فعل ابن عباس ﵁ جواز السجدة عند موت عالم كبير مقتدى، أو سلطان عادل , لأن موت مثل هؤلاء من الآيات. والحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الموصلي: سلم بن جعفر متروك الحديث، لا يحتج به. وذكر له هذا الحديث. قلت: سكوت أبي داود أدناه يدلُ على أن الحديث حسنٌ كما قال به الترمذي، وسلم بن جعفر قال يحيى بن كثير العنبري: كان ثقة.
***
تفريعُ أبواب صَلاةِ المُسَافر
أي: هذا تفريع أنواع صلاة المسافر، وفي بعض النسخ: " أبواب صلاة المسافر " بدون لفظ تفريع.
٢٥٧- بَابُ: صَلاةِ المُسَافِر
أي: هذا باب في بيان صلاة المسافر، وفي بعض النسخ: " باب في فرض صلاة المسافر "
١١٦٩- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عرو
стр. 2113
ابن الزبير، عن عائشة قالت: فُرِضَتِ الصلاةُ رَكْعتين ركعتين في الحَضَرِ والسَّفَرِ، فأقرَتْ صَلاةُ السَّفرِ،! زِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ (١) .
ش- قال أبو إسحاق الحربي: إن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها، ويشهد له قوله سبحانه: ﴿وسبِّحْ بحَمْد ربكَ بِالعَشِي وَالإبكَار﴾ (٢) ، وقال يحيى بن سلام مثله، وقد كانَ الإسرَاء وفرض الصلواَت اَلخمس قبل الهجرة بعام، فعلى هذا يحمل قول عائشة: " فزيد في صلاة الحضر " أي: زيد فيها حتى كملت خمسا، فيكون الزيادة في الركعات وفي عدد الصلوات، ويكون قولها:" فرضت الصلاة ركعتين " أي: قبل الإسراء، وقد قال بهذا طائفة من السلف منهم ابن عباس. وقال بعضهم: لم يوجد هذا في أثر صحيح. ﴿٢/ ١٠٨ - ب] وقال بعضهم: يجوز/ أن يكون معنى " فرضت الصلاة " أي: ليلة الإسراء حين فرضت الصلوات الخمسُ، فرضت ركعتهن ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك، وهذا هو المروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة. وممن رواه هكذا الحسن والشعبيّ، أن الزيادة في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقد ذكره أبو عمر، وقد ذكره البخاري من رواية معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم هاجر رسول الله إلى المدينة ففرضت (٣) أربعا " وقال بعضهم: فرضت الصلاة ركعتين، يعني: إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك، وإن اختار أن يكون أربعا فله ذلك. وقيل: يحتمل أن يريد بقولها: "فرضت الصلاة " أي: قدرت، ثم تركت صلاة السفر على هيئتها في المقدار لا في الإيجاب،
стр. 2114
والفرض في اللغة بمعنى التقدير. وقال الخطابي (١) : " هذا قول عائشة عن نفسها وليست برواية عن رسول الله- ﵇ ولا بحكاية لقوله. وقد رُوي عن ابن عباس مثل ذلك عن (٢) قوله، فيحتمل أن يكون الأمر في ذلك كما قالاه , لأنهما عالمان فقيهان، قد شهدا زمان رسول الله وصحباه، وإن لم يكونا شهدا أول زمان الشريعة وقت إنشاء فرض الصلاة على النبي- ﵇، فإن الصلاة فرضت عليه بمكة، ولم تلق عائشة رسول الله إلا بالمدينة، ولم يكن ابن عباس في ذلك الزمان [في سن] (٣) مَنْ يَعْقل الأمور، ويَعْرف حقائقها، ولا يبعد ابن يكون قد اتخذ هذا الكلام عن عائشة، فإنه قد يفعلُ ذلك كثيرا في حديثه، وإذا فتشت عن كثر ما يرويه كان ذلك سماعا عن الصحابة، ماذا كان كذلك، فإن عائشة نفسها قد ثبت عنها أنها كانت تُتم في السافر وتصلِي أربعا وقال الشيخ محيي الدين (٤) : معنى " فرضت الصلاة ركعتين " لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار، وثبتت دلائل جواز الإتمام، فوجبَ المصير إليها، والجمع بين دلائل الشرع، ثم ذكر تتميم عائشة الصلاة في السفر وكذلك عثمان، وقول عروة ابنها تأولت كما تأول عثمان، وقال: اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون ابنهما رأيا القصر جائزا والإتمام جائزاً فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام. وقيل: لأن عثمان إمام المؤمنين، وعائشة أمهم، فكأنهما في منازلهما، وأبطله المحققون بأن النبي- ﵇ كان أوْلى بذلك منهما، وكذلك أبو بكر وعمر، وقيل: لأن عثمان تأهل بمكة، وأبطلوه بأن النبي- ﵇ سافر بأزواجه وقصر، وقيل: فعل ذلك من اجل الأعراب الذين حضروا معه، لئلا يظنون " أن فرض الصلاة ركعتان أبدأ حضرا وسفراً وأبطلوه بأن هذا المعنى كان موجودا في زمن النبي- عليه
стр. 2115
السلام- بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان كثر مما كان. وقيل: لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج، وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث، وقيل: كان لعثمان اعرض بمِنَى، وأبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة. والصواب الأولُ، ثم مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحمد والجمهور أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وشرط بعض السلف كونه سفر خوف، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو غزوة، وبعضهم كونه سفر طاعةِ. قال الشافعي ومالك وأحمد والأكثرون: لا يجوز في سفر المعصية، وجوزه أبو حنيفة، والثوري، ثم اختلفوا أن القصر رخصة أو عزيمة، فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه عزيمة، وقال الشافعي ومالك وأحمد: رخصة. واستدلوا بحديث أخرجه مسلم عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب الحديث لما نذكره عن قريب. وبما أخرجه الدارقطني عن عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة: لأن النبي- ﵇ كان يقصرُ في الصلاة ويتم ويُفطِر [٢/ ١٠٨ - ب] ويَصُوم ". قال الدارقطني: إسناده صحيح./ وقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمرو ودلهم بن صالح والمغيرة بن زياد- وثلاثتهم ضعفاء- عن عطاء، عن عائشة، قال: والصحيح عن عائشة موقوف.
واستدلّ أصحابنا بقول عائشة: وفرضت الصلاة ركعتين " الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ والنسائي، وبما رواه مسلم أيضا عن مجاهد عن ابن عباس قال: " فرض اللهُ الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعاتِ، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة " رواه الطبراني في ومعجمه " بلفظ: وافترض رسول الله ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعا" وبما رواه النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر قال: " صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غيرُ قَصْرِ على لسان محمد- ﵇ ". ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع السادس والستين، من القسم الثالث، ولم يقدحه بشيء، ولكن اعترضه
стр. 2116
النسائي في " سننه " بأن فيه انقطاعا فقال: وابن أبي ليلى لم يَسمعْه من عمر.
قلت: حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى منْ عمر، وصرَّح في بعض طرقه فقال: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عمر بن الخطاب فذكره. ويؤيدُ ذلك ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " عن الحسن بن واقد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدَّثه قال: حْرجت مع عمر بن الخطاب فذكره. والجواب عن الحديث نذكره في موضعه الآتي.
وأما الجواب عن الحديث الثاني أنه مُعارضٌ بحديث أخرجه البخاري ومسلم- عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر قال: " صحبت رسول الله ﵇ في السفر، فلم يزدْ على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعَتيْن حتى قبضه الله، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: " لَقَدْ كَان لَكُمْ فِي رَسُول الله أسْوَةٌ حَسَنَة " (١) ، وإليه ذهب أكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصارَ إلَى أن القصر واجب، وهو قول عمر وعليّ وابن عمر وجابر وابن عباس، ورُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة، وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من صلى في السفر أربعا. وقاد مالك: يعيد ما دام في الوقت. وقال أحمد: السُّنَّة ركعتان، وقال مرة أخرى: أنا أحب العافية في هذه المسألة. وقال الخطابي: " والأوْلى أن يقصر المسافر الصلاة لأنهم أجمعوا على جوازها إذا قصر، واختلفوا فيها إذا أتم، والإجماع مُقدم على الاختلاف ".
١١٧٠- ص- نا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا يحيى، عن ابن جرير ح، ولا خُشَيْشٌ، نا عبد الرزاق، عن ابنِ خريج، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، عن عبد الله بن بَابيْه، عن يَعْلى بن أمية قال: قلتُ
стр. 2117
لعمرَ بنِ الخطاب: إِقْصَارُ (١) الناسِ الصلاةَ اليومَ، وإنَّما قالَ اللهُ : ﴿إنْ خفْتُمْ أن يًفْتِنَكُمُ الَذينَ كَفَرُوا﴾ (٢) فقدْ ذهبَ ذلك اليومُ، فقال: عَجبْتُ مَما عَجبْتَ منه، فذَكَرْتُ ذلك لرسول الله فقالَ: " صَدَقَةٌ تصدق اللهُ بها عَليكُم فاقْبلوا صَدَقته " (٣) .
ش- يحيى القطان، وعبد الملك بن جريج.
وخُشَيْشُ- بضم الخاء المعجمة، وبشينين معجمتين أولهما مضمومة، وبينهما ياء آخر الحروف ساكنة- ابن أصْرم أبو عاصم. روى عن: عبد الرزاق، وأبي عاصم النبيل، والفريابي، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي وقال: ثقة. مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (٤) . وعبد الرزاق بن همام.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار المكي القرشي، يلقب القَس لعبادته. روى عن: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله ابن بابيه. روى عنه: يوسف بن ماهك، وابن جريج. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة إلا البخاري ". وعبد الله بن بَابَيْه وباباه وبابِي الكل واحد، المكي، مولى آل حجير ابن إهاب المكي. سمع: عبد الله بن عُمر، وابن عَمرو، وجبير [بن] مطعم، ويعلى بن أمية. روى عنه: عمرو بن دينار، وأبو الزبير،
стр. 2118
وقتادة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح الحديث. روى/ له الجماعة [٢/ ١٠٩ - إلا البخاري (١) .
ويَعْلى بن أمية بن أبي عُبيدة بن همام بن الحارث بن بكر أبو خلف،
أو أبو خالد، أو أبو صفوان، وأمه منية بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان، ويقال: يعلى بن مُنْية- بضم الميم، وسكون النون، وبعدها ناء آخر الحروف مفتوحة وتاء تأنيث- أسلم يوم فتح مكة، وشهد الطائف وحنينا وتبوك مع رسول الله، وكان يسكن مكة. رُوي له عن رسول الله ثمانية وعشرون حديثا، اتفقا على ثلاثة أحاديث. روى عنه: ابنه: صفوان بن يعلى، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. روى له الجماعة (٢)
قوله: "إقصارُ الناس الصلاة اليوم " " إقصار " مصدر مضاف إلى فاعله، ومفعوله: " الصلاة " و" اليوم " نصب على الظرفية، وهو مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: إقصار الناس الصلاة لماذا؟ أو لأيِ شيء؟ ونحو ذلك، والحال أن الله قد قال: ﴿أنْ خِفْتُمْ أن يَفْتنَكُمُ الذِين كَفَروا﴾ فقد ذهب ذلك اليوم، والمعنى: أن الحكم ينتهي بانتهاءَ علته.
قوله: " صدقة " مرفوع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: القَصْر في السفر صدقة تصدق الله بها عليكُم. واستدل الشافعي به أن القصر رخصة وليس بعزيمة، وقد أخرجه ابن حبان بلفظ:" فاقبلوا رخصته ". قلنا: الحديث دليل لنا , لأنه أمر بالقبول فلا يَبْقى له خيارُ الردّ شرعاً إذ الأمر للوجوب.
فإن قيل , المتصدقُ عليه يكون مختارا في قبول الصدقة كما في المتصدق من العباد؟ قلنا: معنى قوله: " تحقق الله بها عليكما حكم عليكم ,
стр. 2119
لأن التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك، يكون عبارةً عن الإسْقاط، كالعفو من الله، وفي الحديث فوائد أخرى، الأولى: جواز قول تصدق الله علينا، واللهم تصدق علينا، وقد كرهه بعض السلف وهو غلط ظاهر. الثانية: جواز القصر في غير الخوف.
الثالثة: أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئا يشكل عليه دليلهُ، يسأله عنه. والحديث أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان.
١١٧١- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا:
نا ابنُ جريج قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بن أبي عمار يُحدث، فذكر نحوه (١) . ش- محمد بن بكر بن عثمان البصري.
قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور.
ص- قال أبو داود: رواه أبو عاصم وحماد بن مَسْعدة كما رواه ابن بكر.
ش- أي: روى الحديث أبو عاصم النبيل وحماد بن مَسْعدة كما رواه محمد بن بكر.
وحماد بن مَسْعدة أبو سعيد البصري التميمي، وقيل: التيمي، ويقال:
[مولى] بأهلة. روى عن: هشام (٢) بن عروة، وحميد الطويل، ويزيد بن، أبي عبيد، وعبد الله بن عون، وابن عجلان، ومالك بن انس. روى عنه: إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن المثنى، وابن بشار، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. توفي بالبصرة في جمادى سنة اثنتين ومئتين. روى له الجماعة (٣) .
стр. 2120
٢٥٨- بَابُ: مَتَى يَقْصُر المُسَافِرُ
أي: هذا باب في بنان قصر المسافر متى يكون؟
١١٧٢- ص- نا ابن بَشار، ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن يحيى بن
يزيد الهُنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قَصْرِ الصلاة؟ فقال أنس: كان
رسولُ الله إذا خَرجَ مَسيرَ ثلاثة أميال أو ثَلاثة فَرَاسِخَ- شك (١) شعبةُ
شك (١) - يُصَلِّي رَكعتينَ (٢) .َ
ش- محمد بن بشار.
ويحيى بن يزيد أبو نصر الهُنائي، ويقال: أبو زيد البصري. روى
عن: أنس بن مالك. روى عنه: شعبة، وإسماعيل ابن علية، وعتبة بن
حُميد. قال أبو حاتم: شيخ. روى له: مسلم، وأبو داود (٣) .
والهُنائي- بضم الهاء-: نسْبة إلى هُناءة بن مالك بطن من الأزد،
وهم الجهاضم، وهم بالبصرة.
قوله: " ثلاثة أميال " الأميال جمعُ ميلٍ، وهو ثلث الفرسخ،
والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، وهو
أربع وعشرون إصبعا. وقال الشيخ محيى الدين: " والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات
معرضات معتدلات ".
وقال الخطابي (٤) : " إن ثبت هذا الحديث/ كانت الثلاثة الفراسخ [٢/ ١٠٩ - ب] حداً فيما يقصر إليه الصلاة إلا أني لا أعْرف أحداً من الفقهاء يقولُ به،
وأما مذاهب الفقهاء فإن الأوزاعي قال: عامة الفقهاء يقولون: مسيرة يوم
стр. 2121
تام، وبهذا نأخذ. وقال مالك: يقصر من مكة إلى عُسْفان وإلى الطائف وإلى جُدة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق، وإلى نحو ذلك أشار الشافعي حين قال: ليلتين قاصدتين، ويُروى عن الحسن والزهري قريب من ذلك قالا: يقصر في مسيرة يومين، واعتمد الشافعي في ذلك قول ابن عباس حين سئِل، فقيل له: يقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عسفان وإلى جدة، وإلى الطائف، ورُوي عن ابن عمر مثل ذلك، وهو أربعة بُرد، وهذا عن ابن عمر أصح الروايتين وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا يقصر إلا في مسافة ثلاثة أيام ".
قلت: قال داود وأهل الظاهر: يجوز في السفر الطويل والقصير حتى
لو كان ثلاثة أميالٍ قصَر. وقال الشيخ محيي الدين في تفسير هذا الحديث (١) : " هذا ليس [على] سبيل الاشتراط، وإنما وقع بحسب الحاجة , لأن الظاهر في أسفاره ﵇ أنه ما كان يسافر سفرا طويلاً، فيخرج عند حضور فريضة مقصورة ويترك قصرها بقرب المدينة ويتمها، وإنما كان يُسافر بعيدا من وقت المقصورة فتدركه على ثلاثة أميال أو أكثر ونحو ذلك، فيصليها حينئذ، والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدان على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسعى مسافرا " انتهي.
وقال النمري: يحيى بن يزيد شيخ من أهل البصرة، وليس مثله ممن يحتمل أن يحمل مثل هذا المعنى الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعة، ولا هو ممن يُوثقُ به في ضبط مثل هذا الأصل، وقد يحتمل أن يكون أراد ما تقدم ذكره من ابتداء قصر الصلاة إذا خرج ومشى ثلاثة أميال.
قلت: يحيى بن يزيد قد نص البخاري وغيره أنه سمع من أنس بن مالك، ولم يذكروا فيه طعناً والحديث قد أخرجه مسلم في " صحيحه " من روايته، وهو والحديث الذي بعده محمولان على أنه أرادَ ابتداء القصر
стр. 2122
في السفر الطويل، وحديث أنس الثاني جاء مفسرا أنه كان في حجته ﷺ .
١١٧٣- ص- نا زهير بن حرب، نا ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن مَيْسرة، سمع أنس بن مالك يقولُ: صليتُ مع رسولِ الله "﵇ الظُّهرَ بالمدينةِ أربعا والعَصرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكعتينِ (١) .
ش- سفيان بن عيينة.
وإبراهيم بن ميسرة الطائفي سكن مكة وحديثه في أهلها. سمع: أنس ابن مالك، وطاوس بن كيسان، ووهب بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، وابن جريج، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. مات قريبا من سنة ست وثلاثين ومائة (٢) .
قوله: " بذي الحليفة " ذو الحليفة ميقات أهل المدينة بينهما ستة أميال، ويقال: سبعة، وهذا مما احتج به أهل الظاهر في جواز القصر في طويل السفر وقصيره، ولا حجة لهم في ذلك , لأن المراد به حين سافر- ﵇ إلى مكة في حجة العدل صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم سافر فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحليفة، فصلاها ركعتين، وليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره، فلا دلالة فيه قطعاً وأما ابتداء القصر فيجوز من حين يُفارق بنيان بلده أو خيام قومه، إن كان من أهل الخيام، هذا مذهب العلماء كافةً إلا رواية ضعيفة عن مالك، أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال، وحكي عن عطاء وجماعة من أصحاب ابن مسعود أنه إذا أراد السافر قصر قبل خروجه، وعن مجاهد أنه لا يقصر في يوم خروجه حتى
стр. 2123
يدخل الليل. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
***
٢٥٩- بَابُ: الأذانِ في السَّفر
أي: هذا باب في بيان الأذان في السفر، وفي بعض النسخ: " المسافر يؤذن "
[٢/ ١١٠- ب] / ١١٧٤- ص- نا هارون بن مَعْروف، نا ابن وهب، عن عَمرو بن الحارث، أن أبا عُشانَة المعَافِري حدثه، عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسولَ الله- ﵇ يَقُولُ: " يَعْجَبُ رَبكَ من رَاعي غَنَمِ في رَأسِ شَظيَّة للجًبَلِ (١) ، يُؤَذن بالصلاة ويُصَلِّي، فيَقولُ الله: انَظُرُوا إلى عبدي هذا " يُؤَذِّنُ ويُقيمُ للصلاة (٢) ، يَخافُ مني، قد كَفَرْتُ لعبدي، وأدخَلتُه الجنةَ" (٣) .َ
ش- عبد الله بن وهب.
وأبو عُشانَة- بضم العين المهملة، وفتح الشين المعجمة، وبعد الألف نون- اسمه: حَيُّ- بالحاء المهملة- ابن يُؤمن- بضم التاء آخر الحروف- ابن حُجَيل بن حديج- بضم الحاء المهملة- ابن أسعد المصري المعافري. سمع: عبد الله بن عمرو بن عمرو بن العاص، وعُقْبة بن عامر الجهني، ورويفع بن ثابت الأنصاري، وأبا اليقظان. روى عنه: الحارث بن يزيد الحضرمي، وأبو قبيل، وعَمْرو بن الحارث، وابن لهيعة، وغيرهم. قال ابن حَنبل: ثقة، وكذا قال ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. روى: له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
стр. 2124
قوله:" يَعْجبُ رَبك " التعجبُ إعظامُ أمرِ لخفاء سببه، وهو محال على الله تعالى , لأنه لا يخفى عليه أسْبابُ الأشياء، ويكون إسناد هذا الفعل إلى الله مجازا، والمعنى: يَعظمُ ويكبرُ عند الله فعلُ هذا الراعي، فيكون هذا من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم , لان التَعظيم والتكبير من لوازم التعجب , لأن من عجب من أمرِ يُعظم ذلك الأمر ويكبِرْه (١) . قوله: " في رأس شظية " الشَظية- بفتح الشن المعجمة، وكسر الظاء المعجمة، وفتح الياء آخَر الحروفَ المشددة- هي القطعةُ المرتفعة من رأس الجبل، والشظِية الفِلْقة من العصا ونحوها وجمعها شَظايا. وهذا الحديث رجال إسناده ثقات، وإنما أخرجه في هذا الباب , لأن الرعيان غالبا يَبْعدُون من المُدُن مَسافةَ السفر، فإذا أذنوا وصلوا يحصل لهم هذا الثواب العظيم، ويفهم أيضا أن الأذان سُنَة في حق المسافرين.
***
٢٦٠- بَابُ: المُسَافر يُصَلِي وهو يَشُكّ فِي الوَقتِ
أي: هذا باب في بيان المسافر الذي يُصلِي الصلاة والحال أنَه يشكُ في
الوقت.
١١٧٥- ص- نا مسدد، هنا أبو معاوية، عن المسْحاج بن موسى قال: قلتُ لأنس بن مالك: حدثنا ما سَمعتَ من رسول الله ﷺ قال: كُنا إذا كُنَّا معه النبيِّ- ﵇ في السفَر فقلنا: زَالَتَ اَلشمسُ، أو لم تَزُلْ، صَلّي الظُّهرَ فارْتَحَلَ (٢) ، (٣) .
ش- أبو معاوية محمد بن حازم الضرير.
стр. 2125
والمسحاج- بكسر الميم وسكون السين المهملة، وفتح الحاء المهملة، وفي آخَره جيم- ابن موسى الضبي الكوفي، أخو سماك بن موسى. سمع: أنس بن مالك. روى عنه: أبو معاوية، ومغيرة، ومروان بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد. قال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به (١) .
ومعنى الحديث: أنه- ﵇ كان يُصلي الظهر في السفر في أول الوقت جدا من غير تأخير، حتى كانوا يَشكون في زوال الشمس، وإنما كان يُبادر ﵇ لأجل المَسِير.
١١٧٦- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، حدثني حمزة العائذي رجل من بني ضبة- قال: سمعت أنس بن مالك يَقولُ: كان رسولُ الله ﷺ إذا نَزَل منزلا لم يَرْتَحِلْ حتى يُصَلي الظهرَ، فقالَ له رجل فإن (٢) كان بِنصْفِ النهارِ؟ قال: وإِنْ كان بِنصفِ النهارِ (٣) .
ش- يحيى القطان.
وحمزة بن عَمرو العائذي- بالذال المعجمة- أبو عمر الضبي، وعائذ الله من فئة. روى عن: أنس بن مالك، وعمر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، والقمة بن وائل. روى عنه: ابنه عمرو، وعوف الأعرابي، وشعبة بن الحجاج. قال أبو حاتم: هو شيخ. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (٤) .
قوله: " وإن كان بنصف النهار " المراد به: أول الوقت، وأول الوقت يطلق عليه نصف النهار، وليس المعنى: أنه كان يصلي قبل الزوال. والحديث أخرجه النسائي.
стр. 2126
٢٦١- باب: الجمعُ بين الصَّلاتين
أي: هذا باب في بنان حكم الجمع بَيْن الصلاتين.
/ ١١٧٧- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن [٢/ ١١٠ - ب] أبي الطُفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبرهم، أنهم خَرَجُوا مع
رسول الله ﷺ في غَزْوَة تَبُوك، فكانَ رسولُ الله- ﵇ يَجْمَع بين
الظهرِ والَعَصْرِ والمَغربَ والَعشاءِ، فأخرَ الصَلاةَ يوماً، ثم خَرَجَ فَصلى
الظهرَ والعصرَ جميعا، ثم دَخَلً ثم خَرَجَ فَصلى المغربَ والعِشاءَ جَمِيعاً! ٢) .
ش- أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس.
وأبو الطفيل عامر بن واثلة. ويقال: عمرو بن واثلة، والصحيح عامر
ابن واثلة بن عبد الله بن عمرو (٢) بن جحش، ويقال: خميس (٣) بن
جري (٤) بن سَعْد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الليثي، ولد عام
أحُد، وأدرك ثمان سنين من حياة النبي- ﵇، روي له عن
رسول الله تسْعة أحاديث. وروى عن: عليّ بن أبي طالب، وكان من
شيعته، وروى عن: معاذ بن جبل. روى عنه: سعيد الحريري، والزهري، وأبو الزبير المكي، وغيرهم، سكن الكوفة، ثم أقام بمكة
حتى مات بها سنة مائة، وهو آخر من مات من جميع أصحاب النبي
стр. 2127
- ﵇. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: " في غَزْوة تبوك " وكانت في سنة تسع، وتبوك- بفتح التاء المثناة من فوق، وضم الباء الموحدة -: بليدة بين الحجْر والشام، وبها عين ونخيل، وقيل: كان أصحابُ الأيكة بها، وتمسك الشافعي- ﵁ بهذا الحديث وبما يشابهه في جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر.
وقال الخطابي (٢) : " في هذا بيان واضح أن الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وبغير المزدلفة جائز، وفيه أن الجمع بين الصلاتين لمن كان نازلاً في السفر غير سائر جائز، وقد اختلف الناس في الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة بعرفة والمزدلفة، فقال قوم: لا يجمع بين صلاتين، وتصلى كل واحدة منهما في وقتها، يُروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وحكاه عن أصحاب عبد الله، وكان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين. وقال أصحاب الرأي: إذا جمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العَصْر في أول وقتها، ولا يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، ورووا عن سَعْد بن أبي وقاص، أنه كان يجمع بينهما كذلك. وقال كثير من أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، إن شاء قدم العصر، وإن شاء أخر الظهرَ على ظاهر الأخبار المروية في هذا الباب، هذا قول ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد، وبه قال الشافعي وإسحاق بن راهويه. وقال أحمد بن حنبل: إن فعل ذلك لم يكن به بأس ".
قلت: واستدل أصحابنا بما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله
стр. 2128
ابن مسْعود قال: مَا رأيت رسول الله- ﵇ صلى صلاةً لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جَمعَ بين المغرب والعشاء بجمَعْ، وصَلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها ".
وبما رواه مسلم عن أبي قتادة، أن النبي- ﵇ قال: " ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى". والجواب عن الأحاديث الواردة في الجمع بَين الصلاتين في غير عرفة وجَمْع ما قاله الطحاوي في " شرح الآثار": أنه صَلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، لا أنه صلاهما في وقت واحدٍ، وقَوِيَ ذلك بما رواه ابن مسعود وأبو قتادة المذكور الآن، ثم قال: ويُؤيدُ ما قلنا ما أخرجه مسلم (١) عن ابن عباس قال: " صَلى رسولُ الله- ﵇ الظهر والعَصْر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر "، وفي لفظ قال: " جمع رسول الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مَطر " قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. قال: ولم يقُلْ أحد منا ولا منهم بجواز الجمع في الحضر، قال: فدل على أن معنى الجمع ما ذكرناه من تأخير الأولى وتعجيل الآخرة. قال: وأما عرفة وجمع فهما مَخصوصتان بهذا الحكم.
فإن قيل في حديث ابن عمر: " إذا جد به السيرُ جمعَ بَين/ المغرب [٢/ ١١١ - ب] والعشاء بعد أن يغيبَ الشَفَقُ "، وهذا صريح في الجَمْع في وقت إحدى الصلاتين.
وقال الشيخ محيي الدين: وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم أن المراد بالجمع: تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول وقتها، ومثله في حديث أنس: " إذا ارتحل قبل أن تزيغَ الشمسُ أخر، لظهرَ إلى وقت العصر، ثم نزل فجمعَ بينهما "، وهو صريح في الجمع في وقت
стр. 2129
الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالة، وهي قوله: "إذا أراد أن يَجمَع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما"، وفي الرواية الأخرى: " ويؤخر المغرب حتى يجْمع بينها وبين العشاء حين يَغيبَ الشفقُ ".
قلنا: أمّا الجوابُ عن الأول أن الشفق نوعان: أحمر وأبيض، كما اختلف العلماء من الصحابة وغيرهم فيه، ويحتمل ابنه جمعَ بينهما بعد غياب الأحمر، فيكون المغربُ في وقتها على قول مَنْ يقول الشفقُ هو الأبيض وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول الشفق هو الأحمر، ويُطلقُ عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق، والحال أنه قد صلى كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في تفسير الشفق، وهذا الجواب مما فُتِحَ عليكَ من الفيض الإلهي، وفيه إبطاء لأبطال تأويل الحنفية. والجواب عن الثاني: أن معنى قوله: " أخر الظهر إلى وقت العصري أخره إلى آخر وقته الذي يتصل به وقت العصر، فيصلي الظهر في آخر وقته، ثم يصلنا العصر متصلاً به في أول وقت العصر، فيطلق عليه أنه جمع بينهما لكنه فعْلاً لا وقتا.
والجواب عن الثالث: أن أول وقت العصر مختلف فيه - كما عرف - وهو إما بِصَيْرُورَةِ ظل كل شيء مثله أو مثليه، فيحتملُ ابنه أخر الظهرَ إلى أن صار ظل كل شيء مثله، ثم صلاها، وصلى عقابها العصر، فيكون قد صلى الظهر في وقتها على قول مَنْ يَرَى أن آخر وقت الظهر بصيرورة ظل كل شيء مثليه، ويكون قد صلى العصر في وقتها على قول من يرى أن أول وقتها بصيرورة ظل ط كل شيء مثله، ويَصدُقُ على مَنْ فعل هذا أنه جمع بينهما في أول وقت العصر، والحال أنه قد صلى كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في أول وقت العَصْر، وبمثل هذا لو فعل المقيم يجوز، فضلاً عن المسافر، الذي يحتاج إلى التخفيف.
والجوابُ عن الرابع مثل الجواب عن الأول، فافهم.
стр. 2130
قيل: قد ذكر البيهقي في باب " الجمع بين الصلاتين في السفر" (١)
عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه سار
حتى غاب الشفق إلى آخره، ثم قال: ورواه معمر عن أيوب، وموسى
ابن عقبة، عن نافع، وقال: في الحديث: " أخر المغربَ بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب هوى من الليل، ثم نزل فصلى المغرب والعشاء الحديث. قلنا: لم يذكر سنده ليُنظر فيه، وقد أخرجه النسائي بخلاف
هذا فقال: أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن
موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "كان- ﵇ إذا
جَد به أمر أو جد به السَيْرُ جمع بين المغرب ولعشاء ".
وأخرج الدارقطني في " سننه " من حديث الثوري، عن عبيد الله بن
عُمر وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر:" كان
﵇ إذا جذ به السيرُ جمعَ بين المغرب والعشاء ".
فإن قيل: قد قال البيهقي: ورواه يزيد بن هارون، عن يحيى بن
سعيد الأنصاري، عن نافع، فذكر أنه سار قريبا من ربع الليل، ثم نزل
فصلى. قلنا: أسنده في " الخلافيات " من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور، ولفظه:" فسرْنا أمنالا، ثم نزل فصلى " قال يحيى: فحدثني
نافع هذا الحديث مرةً أخرى فقال: " سرْنا حتى إذا كان قريبا من ربع
الليل نزل فصلى"، فلفظهُ مضطرب كما ترى، قد رُوي على وجهين،
فاقتصر البيهقي في" السنن " على ما يُوافقُ مقصوده.
وحديث معاذ أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
١١٧٨- ص- نا سليمان بنن داود العتكي، نا حماد، نا أيوب، عن نافع،
أن ابن عمر اسْتُصْرِخَ على صَفيةَ- وهو بمَكةَ- فسَارَ حتى فَربت الشم
وبَدْتِ النجُومُ،/ فقال: أن الَنبيَّ- ﵈ كان إذا عَجِلً به أمر في [٢/ ١١١ - ب]
стр. 2131
سَفَر جَمَعَ بين هَاتينِ الصلاتَينِ، فسَارَ حتى غَابَ الشفَقُ، فَنَزَلَ فَجَمَعَ بينهمَا (١) .
ش- حماد بن زيد، وأيوب السختياني.
وفي بعض النسخ: " نا حماد- يعني: ابن زيد- نا أيوب" وفي بعضها: " عن أيوب "، ولا فرق بين " حدَّثنا " و" عن " عند الجمهور إلا إذا كان الراوي مُدلسا، فحينئذ " عَنْ " لا يدل على الاتصال، فافهم. قوله: " استُصْرِخ " على بناء المجهول، يُقال: استصرخ الإنسان، وبه إذا أتاه الصارخُ، وهو المُصوت يُعلمِه بأمرٍ حادثٍ يستعين به عليه، أو ينعي له مَيْتا، والاستصراخ: الاستغاثة.
قوله: " وبدت " أي: ظهرت النجومُ، وقد ذكرنا الجواب عن هذا الحديث. وأخرجه الترمذي من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي من حديث سالم بن عبيد الله بن عمر، عن أبيه بمعناه أتم منه. وقد أخرج المُسْنَدَ منه بمعناه مسلم والنسائي من حديث مالك، عن نافع.
وصفية بنت أبي عبيد بن مَسْعود الثقفية، أخت المختار بن أبي عبيد الكذاب، امرأة عبد الله بن عمر بن الخطاب، رأت عمر بن الخطاب، وابنه: عبد الله، وروت عن عائشة. روى عنها: نافع مولى ابن عمر، وعبد الله بن دينار، وقال نافع مرةً: عن حفصة أو عن عائشة. قال أحمد بن عبد الله: هي مدنية ثقفية ثقة. روى لها: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وعمرت أزيد من ستين عاما (٢) .
١١٧٩- ص- نا يزبد بنُ خالد بن يزبد بن عبد الله الرملي الهمداني،
стр. 2132
نا المفضلُ بن فضالة، والليثُ بن سَعْد، عن هشام بن سَعْد، عن أبي الزْبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن رسولَ اللهِ- ﵇ كان في غَزوة تَبُوك إذا زَاغت الشمسُ قبلَ أن يَرْتَحِلَ جَمَعِ بين الظهرِ والعَصْرِ، وإن تَرَحلً قبلَ أن تَزِيَغَ الشمسُ أخرَ الظهرَ حتى ينزِلَ للعَصْرِ، وفي المغرب مثلُ ذلك: إنْ غَابَ الشَقُ (٢) قبلَ أنْ يَرْتَحِلَ جَمَعِ بين المغرب والعشاء، وإن ارْتَحَلَ (٣) قَبلَ أن تَغيبَ الشمسُ أَخرَ المغرب حتى يَنزِلَ للَعشَاءَ، ثَم جمَعَ بينهما (٤) .َ
ش- معنى " زاغت ": مَالَت.
قوله: " وإن ترَحل " وفي بعض النسخ: " وإن ارتحل "، وكلاهما بمعنىً، وقد حكي عن أبي داود أنه أنكر هذا الحديث، وحكي عنه أيضا أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم.
ص- قال أبو داود: رواه هشامُ بنُ عُروةَ، عن حسينِ بنِ عبد الله عن كُرَيب، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ- ﵇ نحوَ حديثَ المفَضل واللَيْثً.
ش- أي: روى هذا الحديث هشام بن عروة بن الزبير، عن حسين ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبي عبد الله، عن كريب مولى ابن عباس. وحسين هذا لا يحتج بحديثه. قال ابن المديني: تركتُ حديثه. وقال أبو جعفر العقيلي: وله غير حديث لا يُتابع عليه. وقال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرة. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: هو ضعيف يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال النسائي: متروك الحديث.
стр. 2133
وقال السعدي: لا يُشتغلُ بحديثه. وقال ابنُ حبان: يَقْلبُ الأسانيدَ، ويَرْفعُ المراسيلَ. توفي سنة إحدى وأربعين ومائة. روى له: ابن ماجه. وقال ابن سَعْد: وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه.
١١٨٠- ص- نا قتيبة، نا عبد الله بن نافعِ، عن أبي مَوْدود، عن سليمان ابن أبي يحيى، عن ابن عمر قال: مَا جَمَع رسولُ اللهِ بينَ المغربِ والعِشاءِ قَط في سَفَرٍ (١) إلا مَرة (٢) .
ش- عبد الله بن نافع أبو محمد المدني الصائغ، وأبو مَوْدود هذا اسمه: عبد العزيز بن أبي سليمان المدَني، وسليمان بن أبي يحيى، يروي عن ابن عمر، روى عنه ابن عجلان، كذا ذكره ابن حبان في "الثقات ". ص- قال أبو داود: هذا يُروى عن أيوب، عن نافع موقوف (٣) على ابنِ عُمرَ، أنه لم يُرَ ابنُ عُمر جَمعَ بينهما قَط إلا تلكَ الليلةِ، يعني: ليلةَ اسْتُصْرِخَ على صَفيَّةَ.
ش- أي: هذا الحديث يُروى عن أيوب السختياني، عن نافع مولى ابن عمر.
قوله: " موقوف " مرفوع بإسناد يُرْوى إليه.
قوله: " ليلة استصرخ " أراد به الليلة التي جاء إليه الناعِي بصفية امرأة ابن عمر.
[٢/ ١١٢ - ب] صِ- ورُوي من حديث مكحول، عن نافع: أنه رَأى/ ابنَ عُمرَ فَعلَ ذلك مرة أو مَرَتينِ.
ش- مكحول بن زير الدمشقي، وهذا أيضا مَوْقوفٌ.
ص- وروى عاصم بن محمد، عن أخيه، عن سالمِ. ورواه ابن
стр. 2134
أبي نجيع، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب، أن الجَمعَ بينهما كان من ابنِ عمرَ بعد غُيُوبِ الشفَقِ (١) .
ش- عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني أخو أبي بكر وعُمر وزيد. روى عن: أبيه، وإخوته: عُمر وَواقد، ومحمد بن المنكدر. روى عنه: وكيع، وإسحاق الأزرق، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: هو ثقة. روى له الجماعة (٢) .
وأخوه هنا هو: عُمر بن محمد بن زيد القرشي، نزل عسقلان الشام. روى عن: أبيه، وجده، وعم أبيه سالم، وزيد بن أسلم، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وابن وهب، وابن عيينة، وابن علية، وأخوه عاصم. قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي بعسقلان مُرابطا. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٣) .
وسالم هو: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد ذكرناه، وابن أبي نجيح اسمُه: عَبْد الله.
وإسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب الأسدي، أسد خزيمة المديني. سمع: عطاء بن يَسَار. روى عنه: ابن أبي نجيح، وسعيد بن خالد (٤) القارطي. وقال أبو زرعة: مديني ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي (٥) .
والحديث رواه البيهقي في " سننه " وقال: عاصم بن محمد رواه عن أخيه عمر بن محمد، عن سالم، عن ابن عمر كرواية الذين رووا عن
стр. 2135
نافع، عن ابن عمر، أن الجمع بينهما كان بعد غيوب الشفق، ولذا ذكره في " الخلافيات "
قلت: إسناده فن " سنن الدارقطني" بخلاف هذا، فإذا أخرجه من جهة عاصم بن محمد، عن أخيه عمر، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر. وجاء هذا الحديث عن سالم، عن (١) ابن عمر من وجه آخر بخلاف هذا. قال النسائي (٢) : أنا عَبْدة بن عبد الرحيم، أنا ابن شميل، ثنا كثير بن قَارَوَندَا قال: سألنا سالم بن عبد الله عن الصلاة في السفر، فقلنا: أكَانَ عبدُ الله يجمعُ بين شيء من الصلوات في السفر؟ فقال: لا، إلا بجَمع، ثم انتبه (٣) فقال: كانت تحته صفية فأرسلت إليه أني في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، فركب وأنا معه، فأسْرع السَيْر حتى حَانت الظهر، فقال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن، فسار حتى إذا كان بين الصلاتين نزل، فقال للمؤذن: أقم، فإذا سَلمتُ من الظهر فأقم مكانك، فأقام فصلى الظهر ركعتين، ثم سلم، ثم أقامَ مكانه فصلى العصرَ ركعتين، ثم ركب فأسْرعَ السيْرَ حتى غابت الشمسُ، فقال له المؤذنُ: الصلاةَ يا أبا عبد الرحمن، فقال: كفعلتك الأولى، فسارَ حتى إذا اشتبكت النجومُ نزل، فقال: أقْم فإذا سَلمْتُ فأقمْ، فأقام فَصلى المغربَ ثلاثا، ثم أقام مكانه وصلى العِشاء الآخرة" (٤) . وهذا سند جيد رجاله ثقات.
١١٨١- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد
стр. 2136
ابن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: صَلَّى رسولُ الله الظهرَ والعَصرَ جميعا، والمغربَ والعِشاءَ جميعا في غَيرِ خَوف ولا سَفَرِ " (١) .
قال مالك: أرَى ذلك كان في مطَرِ.
ش- " جميعا " نصب على الحال بمعنى مجتمعتين.
قوله: " أرى ذلك " على صيغة المجهول، أي: أظن فعل رسول الله ذلك في وقت مطرٍ.
والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وليس فيه كلام مالك، وقد تكلمت العلماء فيه، فأؤَله بعضهم على أنه جمع بعذر المَطر.
وقال الخطابي (٢) : " وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للممطور في الحضر، فأجازه جماعة من السلف، رُوي ذلك عن ابن عمر، وفعله عروة بن الزبير، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة، وعاقة فقهاء المدينة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائما في وقت افتتاح الصلاتين معاً، وكذلك قال أبو ثور، ولم يشترط ذلك غيرُهما، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين، وفي حال الظلمة، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقال الأوزاعي وأصحاب/ الرأي: يصلي الممطور كل صلاة في وقتها. [٢/ ١١٢ - ب]
قلت: هذا التأويل ترده الرواية الأخرى " من غير خوف ولا مطرٍ ". وأؤله البعْض على أنه كان في غيم، فصلى الظهر ثم انكشف الغيم، وبان أن أول وقت العصر دخل فصلاها، وهذا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصْر، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
стр. 2137
وأؤله البعضُ على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صُورة جمع.
قلت: هذا هو الصواب، ولا وجه له غير ذلك، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن هذا ضعيف، أو باطل , لأنه مخالف للظاهر , لأنه لا مخالفة فيه لا ظاهرا ولا باطنا، يظهر ذلك بالتأمل. وأوله البعض على أنه كان بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار.
وقال الشيخ (١) محيى الدين (٢) : " وهو قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا، وهو المختار لتأويله لظاهر الحديث، ولأن المشقة أشد فيه من المطر ". قلت: هذا أيضا ضعيفٌ , لأنه مخالف للظاهر، وتقييده بعذر المرض ترجيح بلا مرجح، وتخصيص بلا مخصصٍ، وهو باطل.
ص- قال أبو داودَ: رواه حمادُ بنُ سَلَمةَ (٣) ، عن أبى الزبير. ورواه قرةُ ابنُ خالد، عن أبي الزبير قال: في سَفْرَة سَافَرَهَا (٤) إلى تَبوك.
ش- أي: روى الحديث المذكورً حمادُ بن سلمة، ً عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس.
قوله: " ورواه قرةُ بن خالد " حديث قرة هذا رواه مُسلم " في " صحيحه " عن ابن عباس، " أن رسول الله جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعَصْر، والمغرب والعشاء" (٦) . ١١٨٢- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس- ﵄ قال: جَمعَ رسولُ الله ﷺ الظهرَ والعصَرَ والمغربَ والعشاءَ بالمدينة منْ غَير خَوْت ولا مَطَرٍ، فقيلً لابنِ عَباسٍ: ما أرَادَ إلى ذلك؟ قَال: أرادَ أنه لَا يُحْرِجً أمته لم ٦) .
стр. 2138
ش- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وسعيد بن جبير.
والحديث أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي.
قال الخطابي (١) : " هذا حديث لا يقول به كثر الفقهاء، وإسناده جيد، ألا ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يَقولُ به، ويَحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث، وسمعتُ أبا بكر القتال ويحكيه عن أبي إسحاق المركزي. قلا ابن المنذر: ولا معنى بحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار , لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه، وهو قوله: " أراد أن لا يحرج أمته " وحكي عن ابن سيرن أنه كان لا يرى بأسا أن. يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة، أو شتاء (٢) ما لم يكن يتخذه عادة. وتأوله بعضهم على أن يكون ذلك في حال المرض؟ وذلك لما فيه من إرفاق المريض، ودفع المشقة عنه، فحمْلُه على ذلك أولى من صرفه إلى مَن لا عذر له ولا مشقة عليه من الصحيح البدن، المنقطع العذر.
وقد اختلف الناس في ذلك، فرخص عطاء بن أبي رباح للمريض في الجمع بين الصلاتين، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل. وقال أصحاب الرأي: يجمع المريض بين الصلاتين، إلا أنهم أباحوا ذلك على شرطهم في جمع المسافر بينهما، ومنع الشافعي من ذلك في الحضر ألا للممطور. قلت: كل تأويل أهلوه في هذا الحديث يَرفه قولُ ابن عباس: " أرادَ
أن لا يُحْرجَ أفتحه " ما خلا التأويل الذي أوله الطحاوي، على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الأخرى لأول وقتها، على ما تأويله أبو الشعثاء جابر بن زيد، وعمرو بن دينار في "وصحيح مسلم ". وقال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمم (٣) على
стр. 2139
ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمْع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.
قلت: هذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسْخه. وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، فإن جماعة ذهبوا إلى العمل بظاهره، وآخرين أولوه كما ذكرناه، والصواب ما قاله الطحاوي.
[٢/ ١١٣ - أ] / ١١٨٣- ص- نا محمد بن عُبيد المحاربي، نا محمدُ بن فُضَيْل، عن أبي عن نافع وعَبْد الله بن واقد، أن مُؤِذنَ ابنِ عُمرَ قال: الصلاةَ قال: سرْ (١) ! حتى إذا كانَ قبلَ غُيُوب الشفَق نزَلَ فَصَلَّى المغْربَ، ثم انتظَرَ حتى كًابَ الشفقُ فصلى (٢) العشاءَ، َ ثم قالَ: إِن رسولَ الله كان إذا عَجلَ به أمر صَنعً مثلَ الذي صَنَعْتُ، فسًارَ في ذلك اليوم والليلةِ مَسِيرَةَ ثَلاث (٣) . ش- أبوه فُضيل بن غزوان بن جرير الكوفي الضبي، مولاهم أبو الفَضْل. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، ونافع مولى ابن عُمر، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم. روى عنه: ابنه محمد، والثوري، وابن المبارك، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل وابن معين: ثقة. روى له الجماعة (٤) .
وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني. روى عن: النبي- ﵇ مُرسلا. وسمع: جده عبد الله ابن عمر، وعَمه عبد الله بن عبد الله بن عمر. روى عنه: الزهري، وسَعْد بن إبراهيم، وفضيل بن غزوان، وغيرهم. أخرجَ له مسلم حديثا واحدا مرسلاً في الأضحية، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٥) .
стр. 2140
قوله:" قبل غيوب الشفق "، وفي بعض النسخ: " قبل غروب الشفق " وهذا الحديث فيه تصريح على أن الجمع بين الصلاتين هو الجمعُ فعلا لا وقتا، ومُؤكد لتأويل الطحاويّ وغيره من أصحابنا.
ص- قال أبو داودَ: رواه ابنُ جابرٍ، عن نافعٍ نحو هذا بإسناده.
ش- أي: روى هذا الحديث عبد الله بن جابر أبو حمزة البصري، عن نافع مولى ابن عمر نحو هذا الحديث بإسناده.
١١٨٤- ص- نا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن ابن جابر بهذا المعنى (١) .
ش- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
قوله: " بهذا المعنى " إشارة إلى معنى الحديث المذكور.
ص- ورواه عبدُ الله بنُ العَلاء بنِ زَبْر، عن نافعِ قال: حتى إذا كان عندَ ذهابه الشفقِ نَزَلَ فجَمَعَ بينهما. َ
ش- أي: روى هذا الحديث عَبدُ الله بن العلاء بن زَبْر، عن نافع الحديث. والرواية الصحيحة ما رواه فُضيلِ بن غزوان وابن جابر، عن نافع، ولئن سلمنا فالمعنى عند قرب ذَهاب الشفق أو بعد ذهاب الشفق الأحمر،! ما قررناه مرةً مستوفى.
١١٨٥- ص- لا سليمان بن حرب ومسدَّد قالا: نا حمادٌ ح، ولا عمرو ابن عون، أنا حماد بن زبد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زبد، عن ابن عباس قال: صلى بنا رسولُ الله بالمدينة ثَمَانيا وسَبْعا: الظهرَ والعصرَ، والمغربَ والعشاءَ (٢) .
ش- الظاهر والعصر بيان لقوله: " ثمانيا "، والمغرب والعشاء بيان