والحسين وعلي وفاطمة كساء، وقال: " هؤلاء أهل بيتي "، ثم قال:
هذا حديث حسن صحيح (١) .
وقال البيهقي في " سننه ": حديث الأذنان من الرأس أشهر إسناد فيه
حديث حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن
أبي أمامة. وكان حماد يشك في رفعه في رواية قتيبة عنه، فيقول: " لا
أدري من قول النبي أو من قول أبي أمامة. وكان سليمان بن حرب يرويه
عن حماد ويقول: هو من قول أبي أمامة. قلت: وقد اختلف فيه على
حماد، فوقفه ابن حرب عنه، ورفعه أبو الربيع. واختلف أيضاً على
مسدد عن حماد، فروى عنه الرفع، وروى عنه الوقف. وإذا رفع ثقة
حديثاً ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح الرافع؛ لأنه
أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتي به في وقت، ويرفعه في
وقت آخر وهو الأولى من تغليط الراوي.
وأخرج ابن ماجه في " سننه " (٢) عن سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن
زكرياء بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن
تميم، عن عبد الله بن زيد قال: قال رسول الله- ﵇:
" الأذنان من الرأس ". وهذا أمثل إسناد في الباب، لاتصاله وثقة رواته،
فابن أبي زائدة وشعبة وعباد احتج بهم الشيخان، وحبيب بن زيد/ذكره
ابن حبان في " الثقات " في أتباع التابعين.
وسويد بن سعيد احتج به مسلم، وأخرج الدارقطني عن أبي كامل
الجحدري: ثنا غندر محمد بن جعفر، عن ابن جريج، عن عطاء،
عن ابن عباس: أن النبي- ﵇ قال: " الأذنان من الرأس" (٣)
قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله، وثقة رواته ".
стр. 317
فانظر إلى البيهقي كيف أعرض عن حديث عبد الله بن زيد، وحديث
ابن عباس، واشتغل بحديث أبي أمامة، وزعم أن إسناده أشهر إسناد لهذا
الحديث، وترك هذين الحديثين، وهما أمثل منه، ومن هنا يظهر تحامله.
وروى الطحاوي أيضاً في " شرح الآثار " بإسناده: " أن النبي- عليه
السلام- توضأ فمسح أذنيه مع الرأس "، وقال: " الأذنان من الرأس " (١) .
قوله: " قال قتيبة: عن سنان بن أبي ربيعة " يعني: قال: سنان هو ابن
أبي ربيعة. وقال أبو داود: هو ابن ربيعة، وكنيته أبو ربيعة.
***
٤٤- باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
أي: هذا باب في بيان وضوء النبي- ﵇ ثلاثاً ثلاثاً.
١٢٤- ص- حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " أن رجلاً أتى النبي- ﵇
فقال: يا رسول الله، كيف الطُهُورُ؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً،
وغسل (٢) وجهه ثلاثا، ثم غسل فراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأدخل (٣)
إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبْهاميْه ظاهر (٤) أذُنيه، وبالسباحتين
باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: " هكذا الوُضوءُ، فمن زاد
على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " أو " ظلم وأساء " (٥) .
ش- أبو عوانة الوضاح قد ذكر.
وموسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني، مولى آل جعدة
стр. 318
ابن هبيرة. روى عن: سليمان بن صُرد، وعمرو بن حريث. وسمع:
عبيد الله بن عبد الله، وسعيد بن جبير. روى عنه: الثوري، وزائدة،
وأبو الأحوص، وأبو عوانة. وقال ابن عيينة: كان من الثقات. وقال
أبو حاتم: صالح يكتبُ حديثه. روى له الجماعة (١) .
وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم
السهمي القرشي المدني. سمع أباه، وجُل روايته عنه، وسعيد بن
المسيب، وطاوساً (٢) ، ومجاهداً، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى
عنه: عطاء بن أبي رباح، والزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، وثابت
البناني، وجماعة آخرون كثيرة. وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات،
وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه، عن جده، وإنما سمع أحاديث
يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وما أقل ما نصيبُ عنه مما روى
عن غير أبيه، عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير التي تُروى عنه إنما
هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة والضعفاء. وقال أبو زرعة أيضاً:
هو مكي ثقة في نفسه. وقال العجلي: هو ثقة. وقال يحيي بن سعيد:
إذا روى الثقات عنه فهو ثقة يحتج به. وقال الدارقطني: هو ثقة. وقال
يحيى القطان: هو عندنا واهي الحديث. وقال يحيى بن معين: ثقة.
وقال مرة: ليس بذلك. وقال أحمد: ليس بحجة، وقال مرة: ربما
احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء، وله مناكير. وقال
البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن
إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وأبوه شعيب بن محمد ابن عمرو. سمع: جده عبد الله بن عمرو بن
العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس. روى
عنه: ابناه عُمر وعمرو ابنا شعيب، وثابت البناني، وعطاء الخراساني،
стр. 319
وزياد بن عمرو. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (١) .
وجد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكرنا كلا منهما مرة.
قوله: " كيف الطُهورُ؟ " بضم الطاء.
قوله: " السباحتين " السباحة والمُسبحة: الإصبع التي تلي الإبهام،
سميت بذلك لأنها يُشار بها عند التسبيح.
قوله: " فقد أساء " أي: في الأدب، بتركه السُّنّة، والتأدب بآداب
الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء،
[وقيل: إن الإساءة ترجع إلى الزيادة،/والظلم يرجع إلى النقصان؛ لأن
الظلم وضع الشيء في غير موضعه. قلت: هذا إنما يمشي في رواية
تقديم الإساءة على النقصان. وقيل: معناه زاد على الثلاث معتقداً أن
السُنّة لا تحصل بالثلاث، أو نقص معتقداً أن الثلاث بخلاف السُنّة.
فإن قلت: كيف يكون ظالماً في النقصان، وقد ورد في الأحاديث
الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين. قلت: الجواب عن ذلك من ثلاثة
وجوه:
الأول: أن المعنى يكون ظالماً لنفسه في تركه الفضيلة والكمال، وإن
كان يجوز مرة مرة أو مرتين مرتين.
والثاني: أنه إنما يكون ظالماً إذا اعتقد خلاف السُنّة في الثلاث كما
ذكرنا.
والثالث: أن هذا الحديث فيه مقال من جهة عمرو بن شعيب كما
ذكرنا. وقال (٢) الشيخ تقي الدين في " الإمام ": هذا الحديث صحيح
عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لصحة
الإسناد إلى عمرو.
стр. 320
وأخرج النسائي، وابن ماجه هذا الحديث أيضاً من حديث عمرو بن
شعيب، وفي لفظ لابن ماجه: " وتعدى وظلم "، وللنسائي: " فقد
أساء وتعدى وظلم ".
***
٤٥- باب: الوضوء مرتين
أي: هذا باب في بيان الوضوء مرتين مرتين.
١٢٥- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: نا زيد- يعني: ابن حُباب-
عن عبد الرحمن بن ثوبان قال: نا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: " أن النبي- ﵇ توضأ مرتين مرتين " (١) .
ش- زيد بن الحباب بن الريان، وقيل: [ابن] رومان أبو الحسن
العكليُ الكوفي التميمي (٢) . سمع: مالك بن أنس، وحماد بن سلمة،
وعكرمة بن عمار، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن
حنبل، وعلي بن المديني (٣) ، ونصر بن عليّ، وأبو كريب، ومحمد بن
رافع، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم:
صدوق صالح. توفي سنة ثلاث ومائتين. روى له الجماعة إلا
البخاري (٤) .
وعبد الرحمن بن ثوبان أبو عبد الله العنْسي- بالنون- الزاهد الدمشقي.
سمع أباه، ونافعاً، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ومنصور بن
المعتمر، وعبد الله بن الفضل، وغيرهم روى عنه: الوليد بن مسلم،
وعلي بن عياش، وزيد بن الحباب، وعاصم بن علي، وغيرهم. وقال
ابن المديني: ليس به بأس، وكذا قال ابن معين. وقال أبو حاتم: أبوه
стр. 321
من كبار أصحاب مكحول، ثقة، وتغير عقله في آخر حياته، وهو
مستقيم الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١) .
وعبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن (٢) بن العباس بن ربيعة بن
الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني. سمع: أنس بن مالك،
وأبا سلمة بن عبد الرحمن، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن
هرمز الأعرج. روى عنه: موسى بن عقبة، ومالك بن أنس، ومحمد
ابن إسحاق بن يسار. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال ابن معين
وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (٣) .
والأعرج هو عبد الرحمن.
قوله: " مرتين " نصبه على أنه مصدر في الأصل؛ لأن معنى قولك:
ضربت مرة أو مرتين ضربة أو ضربتين. وأما التّكْرار فهو للتأكيد، ومعنى
قوله: " توضأ مرتين " يعني: غسل أعضاءه الثلاثة، ومسح رأسه مرتين
مرتين. وأخرجه الترمذي وقال: " هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه
إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن
صحيح ". والحديث الذي يلي هذا الحديث مذكور في بعض النسخ في
" باب الوضوء مرة مرة ".
١٢٦- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا محمد بن بشر قال: نا
هشام بن سعد قال: نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابنُ
عباس: أتحبون أنْ أريكم كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماءٌ،
فاغْترف غرفة بيده اليُمنى، فتمضْمض واستنْشق، ثم اخذ أخرى فجمع
стр. 322
بها يديه، ثم غسل وجهه، ثم اخذ أخرى فغسل بها يده اليُمنى، ثم اخذ
أخرى فغسل بها يده اليُسْرى، ثم قبض قبضةً [أخرى] (١) من الماء، ثم
نفض يده، ثم مسح رأسهُ (٢) وأذنيه، ثم قبض قبضةً أخْرى من الماء فرش
على رجْله اليُمنى وفيها النعْلُ، ثم مسحها بيده (٣) يد فوق القدم ويد تحت
النعْل، ثم صنع باليُسْرى مثل ذلك " (٤) .
ش- محمد بن بشر العبدي. روى عنه/البخاري. وروى له
أبو داود (٥) .
وهشام بن سعد أبو سعيد (٦) ، ويقال: أبو عباد المدني القرشي،
مولى آل أبي لهب. سمع: نافعاً، وزيد بن أسلم، والزهري،
وغيرهم. روى عنه: الثوري، والقعنبي، وأبو نعيم، والليث بن سعد،
وغيرهم وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، وفي رواية: ليس بمحكم
الحديث. وعن ابن معين: فيه ضعف، وفي رواية: هو صالح. وقال
أبو حاتم: يكتبُ حديثُه، ولا يحتج به، هو ومحمد بن إسحاق عندي
واحد. وقال أبو زرعة: محله الصدق. روى له الجماعة إلا البخاري (٧)
وزيد بن أسلم أبو أسامة القرشي العدوي المدني، مولى عمر بن
الخطاب. روى عن: أبيه، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك،
وجابر بن عبد الله، وعطاء بن يسار، وعمران بن أبان، وغيرهم.
стр. 323
روى عنه: مالك، ومعمر، وهشام بن سعد، والزهري، والثوري،
وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاث
وثلاثين ومائة بالمدينة. روى له الجماعة (١) .
وعطاء بن يسار: أبو محمد المدني الهلالي، مولى ميمونة زوج النبي
﵇، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله. سمع: أبي بن
كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، وابن
عُمر، وابن عمرو، وأبا أيوب الأنصاري، وأبا واقد الليثي، وأبا رافع
مولى النبي- ﵇، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري،
وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار،
وزيد بن أسلم، وصفوان بن سُليم، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو زرعة:
هو ثقة. توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة " روى له الجماعة (٢) .
قوله: " أتحبون " الهمزة فيها للاستفهام، تدخل النفي والإثبات في
الاستعمال.
قوله: " فمضمض واستنشق " أي: بتلك الغرفة الواحدة، وفيه دليل
لأحد الوجوه للشافعية في المضمضة والاستنشاق.
قوله: " ثم أخذ أخرى " أي: قبضة أخرى.
قوله: " ثم مسح رأسه وأذنيه " فيه دليل للحنفية.
قوله: " وفيها النعل " جملة وقعت حالاً من قوله: " على رجله ".
قوله: " ثم مسحها " أي: غسلها، كما ذكرنا أن المسح يجيء بمعنى
الغسل، والنعل لا يمنع غسل الرجل؛ لأنه لا يغطي الرجل، ولا يمنع
من وصول الماء إليها، والدليل على أنه غسل قوله: " يد فوق القدم ويد
تحت القدم "، ولو كان هذا مثل مسح الخفين لكان اكتفى بمسح بعض
القدم، وكونه استغرقها يدل على أنه غُسل؛ لأن الغسل هو الإسالة،
وقد حصلت بتلك الضربة، ولا سيما إذا رفق بها الرجل.
стр. 324
وقوله: " يد فوق القدم " مجرور على أنه بدل من قوله: " بيده "،
والدليل على ما قلنا رواية البخاري في هذا الحديث: " ثم أخذ غرفة من
ماء، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفه أخرى، فغسل
بها رجله اليسرى "، وفي لفظ النسائي: " ثم غرف غرفة فغسل رجله
اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى "، وأخرجه الترمذي أيضاً
وابن ماجه مفرقاً بنحوه مختصراً، وأخرجه البخاري مطولاً ومختصرا،
وكل ذلك يُوضح ما أبهم في رواية أبي داود.
٤٦- باب: الوضوء مرّة مرّة
أي: هذا باب في بيان الوضوء مرة مرة.
١٢٧- ص- حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني زيد
ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس- ﵁ قال: " ألا
أخبركم بوُضوء رسول الله ﷺ ؟ فتوضأ مرةً مرةً " (١) .
ش- مسدد بن مسرهد، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، وهذا
الحديث طرف من الحديث الذي قبله، وترجم له باباً على حدة كما ترجم
البخاري والترمذي والنسائي على طرف من هذا الحديث " الوضوء مرة
مرة ".
٤٧- باب: الفرق بين المضمضة والاستنشاق
أي: هذا باب في بيان أن المضمضة ينبغي أن تفرق وتفصل من
الاستنشاق.
١٢٨- ص- حدثنا حُميد بن مسعدة قال: نا معتمر، قال: سمعت ليْثاً
يذكرُ عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: " دخلتُ- يعني: على النبي
стр. 325
- ﵇ وهو يتوضأ، والماءُ يسيلُ من وجْهه ولحْيته على صدْره،
فرأيتُهُ يفْصلُ بين المضمضة والاسْتنْشاق " (١) .
ش- حُميد بن مسْعدة بن المنير السامي الباهلي (٢) أبو علي روى
عن: حماد/بن زيد، وحرب بن ميمون، وجعفر بن سليمان، ومعتمر
ابن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، ومسلم، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وقال أبو حاتم: كان
صدوقاً. توفي سنة أربع وأربعين ومائتين (٣) .
ومعتمر بن سليمان بن طرخان قد ذكر. وليث هو ابن أبي سُليم، وقد
ذكر. وطلحة هو ابن مصرف بن عمر [و] بن كعب، كلهم قد ذكروا.
قوله: " وهو يتوضأ " جملة وقعت حالاً من " النبي- ﵇ ".
قوله: " والماء يسيل من وجهه " أيضاً جملة وقعت حالاً، ويجوز أن
يكون من الأحوال المتداخلة، أو الأحوال المترادفة، وفيه دليل أن الماء
المستعمل لا يُعطى له حكم الاستعمال إلا بالاستقرار في موضع، وهو
القول الصحيح للحنفية.
قوله: " فرأيته " أي: فرأيت النبي- ﵇ يفصل بين المضمضة
والاستنشاق بالماء، والمعنى: أخذ لكل منهما ماء برأسه؛ لأن الفصل لا
يكون إلا هكذا.
стр. 326
٤٨- باب: في الاستنثار
أي: هذا باب في بيان الاستنثار، وهو استفعال من نثر ينثر- بالكسر-
إذا امتخط، وقد بينا الكلام فيه مستوفى.
١٢٩- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله- ﷺ قال: " إذا توضأ أحدُكُم فليجعلْ
في أنْفه ماءً، ثم لينثرْ (١) " (٢) .
ش- قوله: " ثم لينتثر " أي: ليمتخط، وهذا يدل على [أن]
الاستنثار غير الاستنشاق، وأنه هو إخراج الماء بعد الاستنشاق مع ما في
الأنف من مخاط وشبهه، وهذا يرد على من ذكر في الروايات المتقدمة أن
الاستنثار والاستنشاق واحد، وقد تمسك به من يقول بوجوب الاستنشاق
لمطلق الأمر. قلنا: الأمر محمول على الندب لقيام الأدلة الدالة عليه.
وأخرجه البخاري، والنسائي، ومسلم أيضاً من وجه آخر.
١٣٠- ص- حدّثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا وكيع قال: نا ابن
أبي ذئب، عن قارظ، عن أبي غطفان، عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله
﵇: " اسْتنْثرُوا مرتين بالغتين أو ثلاثاً " (٣) .
ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان (٤) قد ذر، وكذا وكيع بن
الجراح، وكذلك ابن أبي ذئب.
وقارظ - بالقاف والظاء المعجمة- ابن شيبة بن قارظ، من بني ليث
стр. 327
ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة أخو عمرو، من حُلفاء بني زهرة. روى
عن: سعيد بن المسيب، وأبي غطفان. روى عنه: أخوه عمرو، وابن
أبي ذئب. توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك، وكان قليل الحديث.
روى له: أبو داود، وابن ماجه (١) .
وأبو غطفان بن طريف المُري، ويقال: ابن مالك. روى عن: ابن
عباس، وأبي هريرة. روى عنه: إسماعيل بن أمية، وعمر بن حمزة بن
عبد الله بن عمر بن الخطاب، وداود بن الحصين، وقارظ بن شيبة. قال
محمد بن سعد: كان قد لزم عثمان، وكتب له، وكتب أيضاً لمروان.
روى له الجماعة إلا البخاري (٢) .
قوله: " بالغتين " أي: كاملتين فيه دليل على أن الاستنثار لا يلزم أن
يكون مع كل استنشاقة. وأخرجه ابن ماجه.
١٣١- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا: نا يحيى بن سليم،
عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن
صبرة قال: كُنتُ وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله- ﷺ
قال: فلما قدمنا على رسول الله فلمْ نُصادفْهُ في منزله، وصادقْنا عائشة
أمّ المؤمنين- ﵂ قال: فأمرتْ كنا بخزيرة فصُنعتْ لنا. قال:
واتينا بقناع- ولم يُقمْ (٣) قتيبة القناع، والقناعُ طبق فيه تمر- ثم جاء
رسولُ الله فقال: هلْ أصبتُمْ شيئاً؟ أوْ أمر لكم بشيء؟ قال: فقلنا: نعم
يا رسول الله، قال: فبيْنا نحنُ مع رسول الله جُلوس إذ دفع الراعي غنمهُ إلى
المُراح، ومعه سخْلة تيْعرُ، فقال: ما ولدت يا فُلانُ، قال: بهْمة، قال:
فاذبحْ لنا مكانها شاة ثم قال: لا تحسبن، ولم يقل: لا تحسبن أنا من أجْلك
ذبحناها، لنا غنم مائة لا نُريدُ أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحْنا مكانها
شاة، قال: قلتُ: يا رسول الله، إن لي امرأة وإن في لسانها شيئاً- يعني:
стр. 328
البذاء-/قال: فطلّقْها إذاً. قال: قلتُ: يا رسول الله، إن لها صُحْبةً ولي
منها ولدٌ. قال: فمُرْها. يقول: عظها، فإنْ يكُ فيها خيرٌ فستفْعل، ولا
تضربْ ظعينتك كضرْبك أُميّتك. قلت: يا رسول الله، أخبرني عن
الوُضوء. قال: أسْبغ الوُضوء، وخلّلْ بين الأصابع، وبالغْ في الاسْتنشاق إلا
أن تكون صائماً " (١)
ش- يحيى بن سُليم أبو محمد ويقال: أبو زكريا القرشي الطائفي
الخراز- بالخاء المعجمة، والراء وفي آخره زاي- الحذاء المكّي. روى
عن موسى بن عقبة (٢) ، وسمع: إسماعيل بن أمية، وإسماعيل بن
كثير، وابن جريح، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ووكيع،
والشافعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة
كثير الحديث. روى له الجماعة (٣) .
وإسماعيل بن كثير المكي أبو هاشم. روى عن: مجاهد، وسعيد بن
جبير، وعاصم بن لقيط بن صبرة. روى عنه: ابن جريج، والثوري،
ويحيى بن سُليم الطائفي، وداود بن عبد الرحمن العطار. قال أحمد:
ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث
روي له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
وعاصم بن لقيط بن صبرة العُقيلي الحجازي. روى عن أبيه. روي
عنه إسماعيل بن كثير. قال البخاري: هو عاصم بن أبي رزين. روى
له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٥) .
стр. 329
ولقيط (١) بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل أبو رزين
العقيلي، عداده في أهل الطائف، ومنهم من يجعل لقيط بن صبرة لقيط
ابن عامر بن صبرة، ومنهم من يجعله غيره. قال ابن عبد البر: وليس
بشيء. وقال أبو محمد عبد الغني: أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر،
وهو لقيط بن صبرة. وقيل: إنه غيره، وليس بصحيح. كان النبي
﵇ يكره المسائل، فإذا سأله أبو رزين أعجبه (٢) مسألته.
روى عنه: ابن أخيه وكيع بن عُدُس، ويقال: ابن حدس، وابنه
عاصم، وعمرو بن أوس روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه (٣) .
وصبرة: بفتح الصاد المهملة، وكسر الباء الموحدة، وفتح الراء
المهملة، وبعدها تاء تأنيث، وبعضهم يُسكن الباء.
قوله: " في آخرين " أي: في جماعة آخرين، أشار بهذا إلى أن
أبا داود روى هذا الحديث عن قتيبة وهو بين جماعة كثيرة، وكل واحد
منهم حدّث عن يحيى بن سُليم، وموضعها النصب على الحال،
والتقدير: حدثنا قتيبة بهذا الحديث حال كونه مُحدثاً به في جماعة آخرين.
و" آخرين " جمع " آخر " بفتح الخاء، والفرق بين " الآخر " بالفتح،
و" الآخر" بالكسر: أن المفتوح اسم التفضيل وفيه معنى الصفة؛ لأن
стр. 330
" أفعل من كذا " لا يكون إلا في الصفة، ومعناه أحد الشيئين، والأنثى منه
أخرى، والجمع " آخرون ". وأما المكسورة فهي صفة، ومعناه: بعد
الأول، تقول: جاء آخر، أي: أخيراً، والأنثى منه: آخرة، والجمع
" أواخر.
فإن قيل: إذا كان آخر- بالفتح- اسم التفضيل، ينبغي أن يستعمل
باللام أو الإضافة، أو " من " كما عرف في اسم التفضيل. قلت: قد
يستعمل اسم التفضيل مجرداً عن هذه الثلاثة نحو: الله أكبر، أي: أكبر
من كل شيء، وهنا أيضاً إذا قلت: حدثني فلان وفلان آخر معناه آخر
من الأول فافهم.
قوله: " كنت وافد بني المنتفق " الوافد واحد الوفد، والوفْد: القوم
الذين يأتون الملوك ركباناً، وقيل: هم القوم يجتمعون ويردُون البلاد،
والذين يقصدون الأمراء للزيارة أو الاسترفاد، تقول: وفد يفد فهو وافد،
وأوفدته فوفد، وأوفد على الشيء فهو مُوفد، والمنتفق: بضم الميم،
وسكون النون، وفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الفاء، وبعدها قاف:
هو المنتفق بن عامر بن عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن
معاوية بن بكر بن هوازن، قبيل مشهور منهم جماعة من الصحابة،
وغيرهم.
قوله: " فلم نُصادفه " أي: لم نجده، قال في " الصحاح ": صادفت
فلاناً وجدته.
قوله: " في منزله " المنزل المنهل، والدار والمنزلة مثله.
قوله: " بخزيرة " الخزيرة من الأطعمة: بفتح الخاء المعجمة، وكسر
الزاي، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها راء مهملة، وتاء تأنيث:
ما اتخذ من دقيق ولحم، يقطع اللحم/صغاراً، ويصب عليه الماء،
فإذا نضج ذُر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، والحريرة:
بفتح الحاء المهملة، ورائين مهملتين: حساء من دقيق ودسم.
стр. 331
قوله: " بقناع " القناع: بكسر القاف- كذا ذكر في " دستور اللغة " في
باب القاف المكسورة-: وهو الطبق الذي يؤكل عليه.
وقال الخطابي (١) : " سُمي قناعاً لأن أطرافه قد أقنعت إلى داخل،
أي: عُطفت ".
وقال ابن الأثير (٢) : " ويقال له: القُنع بالكسر والضم، وقيل:
القناع جمعه، وهو الطبق من عُسُب النخل ".
قوله: " ولم يُقم قتيبةُ القناع " أي: لم يثبته.
قوله: " هل أصبتم شيئاً؟ " أي: هل وجدتم شيئاً مما يؤكل؟
قوله: " فبينا نحن " أصل " بينا ": " بين "، فأشبعت الفتحة وصارت
ألفاً يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المناجاة، ويضافان إلى
جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به
المعنى، والأفصح في جوابهما: أن لا يكون فيه إذ وإذا، وقد جاءا كثيراً
في الجواب تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه،
وإذا دخل عليه ومنه قول الحرقة بنت النعمان:
بينا نسوس الناس والأمرُ أمرُنا ... إذا نحن فيهم سوقة تتنصف
وقوله: " نحن " مبتدأ وخبره قوله: " جلوس "، والجلوس جمع
" جالس " كالسجود جمع " ساجد "، وهي جملة أضيفت إليها، فـ " بينا "
وجوابها قوله: " إذ دفع الراعي غنمه "، وفي بعض النسخ: " إذ رفع "
بالراء، والغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور وعلى
الإناث، وعليهما جميعاً.
قوله: " إلى المُراح " المراح- بضم الميم- الموضع الذي تروح إليه
الماشية، أي: تأوي إليه ليلاً، وأما بالفتح فهو الموضع الذي يروح إليه
القوم، أو يروحون منه، كالمغذى للموضع الذي يُغذى منه.
стр. 332
قوله: " ومعه سخلة " السخلة- بفتح السين المهملة، وسكون الخاء
المعجمة- وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة وضعه من الضأن والمعز
جميعاً، ذكراً كان أو أنثى سخلةٌ، وجمعه سخل وسخالٌ.
قوله: " تيعر " صفة للسخلة، من اليعار وهو صوت الشاة.
وقال ابن الأثير: يقال (١) : " تعرت العنز تيعر- بالكسر- يُعاراً
- بالضم- أي: صاحت ". وفي " الجمهرة ": تيعر وتيعر- بالكسر
والفتح-، وكذا في " الدستور ".
قوله: " ما ولدت ": بتشديد اللام على معنى خطاب الشاهد. وقال
الخطابي (٢) : " وأصحاب الحديث يروونه على معنى الخبر، يقولون: ما
ولدت- خفيفة اللام ساكنة التاء- أي: ما ولدت الشاة، وهو غلط،
يقال: وّلدت الشاة إذا حضرت ولادتها فعالجتها حتى يبين منها الولد ".
والمُولِّد والناتج للماشية كالقابلة للنساء، والمولدة القابلة.
قوله: " بهمة " والبهمةُ: ولد الشاة أول ما تولد، يقال للمذكر
والمؤنث، والسخال أولاد المعز، فإذا اجتمع البهائم والسخال قلت لهما
جميعاً بهام وبُهم أيضاً، وجعل لبيد في شعره أولاد البقر بهاماً، وقيل:
البُهمة الذكر والأنثى من أولاد بقر الوحش والغنم والماعز. وقيل: قوله
﵇: " ما ولدت " وجوابه: " ببُهمة " يدل على أن البُهمة
اسم للأنثى؛ لأنه إنما سأله ليُعلمه أذكر ولَّد أم أنثى، وإلا فقد كان يعلم
أنه إنما ولد أحدهما.
قوله: " لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها ": " (٣) معناه: ترك الاعتداد
به على الضيف، والتبرؤ من الرياء، و " تحسبن " مكسورة السن إنما هي
لغة عليا مصر، و " تحسبن " بفتحها لغة: سفلاها، وهو القياس عند
النحويين؛ لأن المستقبل من فعل مكسور العين " يفعل " مفتوحها كعلم
стр. 333
يعْلمُ، وعجل يعْجل، إلا أن حروفاً شاذة قد جاءت نحو: نعم ينعم،
ويئس ييئس، وحسب يحسب، وهذا في الصحيح، فأما المعتل فقد جاء
فيه: ورم يرمُ، ووثق يثقُ، وورع يرعُ ".
قوله: " أنا من أجلك " بالفتح؛ لأن أن مع اسمه وخبره سدّ مسد
مفعولي: " لا تحسين ".
قوله: " لنا غنم مائة " جملة وقعت كالتعليل في ذبح الشاة.
قوله: " فإذا ولد الراعي " بتشديد اللام.
قوله: " البذاء " بالذال المعجمة ممدوداً: الفحش في القول، وقيل فيه:
بالقصر، وليس بالكثير.
/قوله: " عظها " أمر من وعظ يعظ، وأصله أوعظ، فحذفت الواو
تبعاً لمضارعه، واستغنى عن الهمزة بحركة العين، فصار " عظ " على
وزن " علْ "؛ لأن الساقط منه فاء الفعل.
قوله: " فإن يك " أصله: " يكُن " حذفت النون للتخفيف، وهو كثير
في كلام العرب.
قوله: " ولا تضرب ظعينتك " الظعينة- بفتح الظاء المعجمة، وكسر
العين المهملة-: المرأة، سميت بذلك لأنها تظعن مع الزوج، وتنتقل
بانتقاله، وأصله الهوادج التي تكون بها، ثم تسمى النساء كذلك،
وقيل: لا تسمى إلا المرأة الراكبة، وكثر حتى استعمل في كل امرأة،
وحتى سمي الجمل الذي تركب عليه ظعينة، ولا يقال ذلك إلا للإبل التي
عليها الهوادج.
قوله: " كضربك أميتك " الضرب مصدر مضاف إلى فاعله، ومفعوله
" أميتك "، والأمية تصغير أمة، صغرها لتحقير قدرها بالنسبة إلى الحرة.
قوله: " أسبغ الوضوء " أي: أكمله وتممه.
قوله: " وخلل بين الأصابع " التخليل: إدخال الشيء في خلال الشيء،
стр. 334
وهو وسطه، والمعنى: أن يُدخل بعض أصابعه في بعض، مبالغة في
استيفاء الفرض، والنقول عن مشايخنا في التخليل أنه من الأسفل إلى
فوق، لما روي في " شرح مختصر الكرخي " عن أنس: " أنه- عليه
السلام- كان إذا توضأ شبك أصابعه، كأنها أسنان المُشط " (١) ، ولكن
الحديث بعمومه يتناول أي تخليل كان، ويتناول أيضاً تخليل أصابع اليدين
والرجلين.
قوله: " وبالغ في الاستنشاق " والمبالغة فيه: أن يتمخط في كل مرة،
ويقال: يدخل إصبعه في أنفه، وإنما استثنى حالة الصوم؛ لأنه يخاف
عليه دخول الماء من خيشومه إلى حلقه، فيفسد صومه.
فإن قيل: " (١) السائل سأل عن الوضوء بقوله: أخبرني عن الوضوء،
فظاهر هذا السؤال يقتضي الجواب عن جملة الوضوء، ليطابق الجواب
السؤال، ولم يجبه- ﵇ إلا عن بعض الوضوء، وهو خارج
عن أركانه؟ قلت: اقتصر- ﵇ في الجواب على تخليل
الأصابع والاستنشاق، لعلمه أنه لم يسأل عن حكم ظاهر الوضوء، وإنما
سأله عما يخفى من حكم باطنه، وذلك لأن غسل باطن الأنف غير
معقول من نص الكتاب في الآية، ثم أوصاه بتخليل الأصابع؛ لأن آخذ
الماء قد يأخذه بجميع الكف، وضم الأصابع بعضها إلى بعض، فيسد ما
بينهما، فربما لا يصل الماء إلى باطنها، وكذلك في أصابع الرجل لأنها
ربما يركبُ بعضها على بعض حتى تكاد تلتحم، فقدم له الوضاءة
بتخليلها، وأكد القول فيها لئلا يغفلها.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل إذا نزل عند أحد
ضيفاً ولم يجده في منزله، فالمستحب لأهله أن يطعموه شيئاً، ولا
يؤخروه إلى حضور صاحب المنزل.
والثانية: يستحب أن يقدم للضيف خيار ما عندهم من المأكول.
стр. 335
والثالثة: يستحب للرجل إذا أتى منزله ووجد فيه ضيفاً يسأل عنه، هل
أكل شيئاً؟
والرابعة: يكره للرجل أن يمن على ضيفه، أو يرائي في فعله.
والخامسة: يستحب للرجل أن يفارق المرأة الفحاشة.
والسادسة: يستحب له أن ينصحها ويعظها من الآيات والحديث.
والسابعة: أنه لا يأثم على إمساك امرأة فحاشة؛ لأنه لما قال: " إن لها
صحبة، ولي منها ولد "، ما أمره بالطلاق، بل أمره بالوعظ والنصيحة.
والثامنة: يفهم من صريح النهي عدم جواز ضرب المرأة، وقد استدل
البعض بقوله: " لا تضرب ظعينتك " على عدم جواز ضرب الرجل
امرأته، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى أباح ذلك بقوله:
(واضْربُوهُن) (١) فله أن يضربها عند الحاجة إليه، وإنما المراد من النهي
هاهنا تبريح الضرب، كما تضرب المماليك في عادات من يستجيز ضربهن
ويستعمل سوء الملكة فيهم، وتمثيله بضرب المماليك لا يوجب إباحة
ضربهم، وإنما جرى ذكره في هذا على طريق الذم لأفعالهم، ونهاه عن
الاقتداء بهم، وقد نهى- ﵇ عن ضرب المماليك إلا في
الحدود،/وأمرنا بالإحسان إليهم وقال: " من لم يوافقكم منهم فبيعوه،
ولا تعذبوا خلق الله "، وأما ضرب الدواب فمباح؛ لأنها لا تنادى
بالكلام، ولا تعقل معاني الخطاب كما يعقل الإنسان، وإنما يكون تقويمها
غالباً بالضرب، وقد ضرب رسول الله- ﵇ بعيره بمحجنه،
ونخس جمل جابر حين أبطأ عليه فسبق الركب حتى ما ملك رأسه.
والتاسعة: يستحب للرجل أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه.
والعاشرة: يستحب للعالم أن يجيب عن مسائل الناس ولا يكتم علمه،
فإن تعين عليه يحب علي الجواب.
стр. 336
الحادية عشر: فيه دليل على أن إسباغ الوضوء سُنّة.
الثانية عشر: فيه دليل على أن تخليل الأصابع سُنّة.
الثالثة عشر: فيه دليل على أن الاستنشاق سُنة، وقد ذهب بعضهم
إلى أنه واجب بظاهر الأمر، وتخصيصه بالذكر مرتين أفعال الوضوء.
قلنا: قد دلت دلائل أخرى على أنه سُنة، فيحمل الأمر هاهنا كذلك
ولو كان واجباً لكان على الصائم كهو على المفطر، وأما تخصيصه بالذكر
والتحريض عليه، إنما جاء لما فيه من المعونة على القراءة، وتنقية مجرى
النفس الذي يكون به التلاوة، وبإزالة ما فيه من الثقل تصح مخارج
الحروف. وقال ابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه: إذا ترك الاستنشاق
في الوضوء أعاد الصلاة، وكذلك إذا ترك المضمضة.
الرابعة عشر: فيه دليل على أن المبالغة في الاستنشاق في حق الصائم
مكروهة، وكذلك المضمضة.
الخامسة عشر: فيه دليل على أنه إذا بالغ فيه ذاكرا لصومه، فوصل الماء
إلى دماغه فقد أفسد صومه " (١) .
١٣٢- ص- وحدثنا عقبة بن مُكْرمٍ قال: نا يحيى بن سعيد قال: نا ابن
جريج قال: حدثني إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن
أبيه وافد بني المنتفق: أنه أتى عائشة، فذكر معناه، قال: فلم ينْشبْ (٢) أن
جاء النبيُ- ﵇ يتقلعُ يتكفأ، وقال: " عصيدة " مكان " خزيرة " (٣) .
ش- عقبة بن مكرم بن أفلح أبو عبد الملك العمي البصري. روى عن:
محمد بن جعفر غندر، وربعي ابن عُلية، وأبي عاصم النبيل، وغيرهم.
روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبغوي،
وغيرهم. مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قال الخطيب: وكان
ثقة (٤) .
стр. 337
قوله: " فذكر معناه " أي: معنى الحديث المذكور. واختلف في نقل
الحديث بالمعنى، فقالت طائفة من أصحاب الحديث، والفقه،
والأصول: لا يجوز مطلقاً، وجوز بعضهم في غير حديث النبي- عليه
السلام- ولم يجوزوا فيه، وعند الجمهور يجوز في الجميع. إذا جزم بأنه
أدى المعنى، وهذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم
في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة.
قوله: " فلم ينشب " يقال: لم ينشب أن فعل كذا، أي: لم يلبث،
وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا سواه من نشب الشيء ينشبُ- مثل:
علم يعلم- نُشوباً، أي: علق فيه، وأنشبته أنا: أعلقته فانتشب،
وأنشب العابد: أعلق، ونشبت الحرب بينهم: علقت، و " أن " في
قوله: " أن جاء " مفسرة، مثل قوله تعالى: (فأوْحيْنا (١) إليْه أن اصْنع
الفُلك) (٢) ، ويجوز أن تكون مصدرية، والمعنى لم يلبث مجيئه.
قوله: " يتقلع يتكفأ " حالان إما من الأحوال المتداخلة، أو من الأحوال
المترادفة، ومعنى " يتقلع: يمشي بقوة، كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً
قويا، لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي الشاء،
ويوصفْن به. ومعنى " يتكفأ " يتمايل كما تتمايل السفينة يميناً وشمالاً،
كذا فسره بعضهم. وقال الأزهري: " هذا خطأ، وهذه مشية المختال،
وإنما معناه: يميل إلى جهة ممشاه ومقصده، وقد يكون مذموماً إذا قُصد،
فأما إذا كان خلْقة فلا ". وقال ابن الأثير (٣) : " روي غير مهموز،
والأصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزاً، ومعنى " يتكفأ ": يتمايل إلى
قُدام ".
١٣٣- ص- ونا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا أبو عاصم قال: نا
ابن جريج بهذا الحديث قال فيه: " إذا توضأت فمضمض " (٤) .
стр. 338
ش- محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أبو عبد الله
النيسابوري الإمام، وأبو عاصم النبيل، وعبد الملك بن جريج.
قوله: " بهذا الحديث " إشارة إلى الحديث الذي سبق.
/قوله: " قال فيه " أي: في هذا الحديث. وأخرجه الترمذي في
الطهارة، وفي الصوم مختصراً، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي في الطهارة، والوليمة مختصرا وأخرجه ابن ماجه في
الطهارة مختصرا.
***
٤٩- باب: تخليل اللحية
أي: هذا باب في بيان حكم تخليل اللحية.
١٣٤- ص- حدثنا أبو توبة- يعني: الربيع بن نافع- قال: نا أبو المليح،
عن الوليد بن زوران، عن أنس بن مالك: " أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ
اخذ كفا من ماء فأدخلهُ تحت حنكه، فخلّل به لحْيته، فقال: هكذا أمرني
ربي " (١) .ً
ش- أبو المليح المدني، روى عن أبي صالح، روى عنه وكيع، روى
له أبو داود (٢) .
والوليد بن زوران السلمي الرقي. روى عن: أنس بن مالك،
وميمون بن مهران روى عنه: أبو المليح الرقي، وحجاج بن الحجاج،
وجعفر بن برقان. روى له أبو داود (٣) .
قوله: " تحت حنكه " الحنك: ما تحت الذقن من الأسنان وغيره. وبهذا
استدل أبو يوسف من أصحابنا أن تخليل اللحية سُنة. " (٤) وروى أيضاً
стр. 339
أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " فقال: حدثنا وكيع، ثنا الهيثم بن
جماز، عن يزيد بن أبان، عن أنس: أن النبي- ﵇ قال:
" أتاني جبريلُ فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك ". ورواه ابن عدي في
" الكامل "، ولفظه: " جاءني جبريلُ فقال: يا محمد، خلل لحيتك بالماء
عند الطهور " (١) . وروى تخليل اللحية عن النبي- ﵇ من
الصحابة: عثمان، وأنس، وعمار، وابن عباس، وأبو أيوب، وابن
عمر، وأبو أمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو الدرداء، وكعب بن
عمرو، وأبو بكرة، وعائشة، وجابر، وأم سلمة.
أما حديث عثمان فما رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث عامر بن
شقيق الأسدي، عن أبي وائل، عن عثمان: " أن رسول الله- عليه
السلام- كان يخلل لحيته " وقال الترمذي: " إنه- ﵇
توضأ وخلل لحيته "، وقال: حديث حسن صحيح. وقال البخاري:
أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل، عن
عثمان- ﵁. ورواه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم
في " مستدركه "، وقال: صحيح الإسناد (٢) .
وأما حديث أنس- ﵁ فما رواه أبو داود.
وأما حديث عمار بن ياسر فما رواه الترمذي وابن ماجه: حدثنا محمد
ابن أبي عمر العدني، ثنا سفيان، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن
حسان بن بلال، عن عمار بن ياسر قال: " رأيتُ رسول الله- عليه
السلام- يخلل لحيته " (٣) .
وأما حديث ابن عباس فما رواه الطبراني في " معجمه الوسط ":
стр. 340
حدثنا أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري، ثنا شيبان بن فروخ، ثنا
نافع أبو هرمز، عن عطاء، عن ابن عباس قال: دخلت على رسول الله
وهو يتوضأ، فغسل يديه، ومضمض، واستنشق ثلاثاً ثلاثاً، وغسل
وجهه ثلاثاً، وخلل لحيته ... " الحديث (١) .
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري فرواه ابن ماجه من حديث واصل بن
السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب قال: " رأيت رسول الله توضأ
فخلل لحيته " (٢) .
وأما حديث ابن عمر فرواه ابن ماجه أيضاً: حدثنا هشام بن عمار،
ثنا عبد الحميد بن حبيب، ثنا الأوزاعي، ثنا عبد الواحد بن قيس،
حدثني نافع، عن ابن عمر قال: " كان رسول الله إذا توضأ عرك
عارضته بعض العرْك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها " (٣) .
وأما حديث أبي أمامة فرواه الطبراني في " معجمه "، وابن أبي شيبة
في " مصنفه ".
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فرواه الطبراني أيضاً.
وأما حديث أبي الدرداد فرواه الطبراني أيضاً.
وأما حديث كعب بن عمرو فرواه الطبراني أيضاً.
وأما حديث أبي بكرة فرواه البزار في " مسنده ".
وأما حديث عائشة فرواه الحاكم في " المستدرك " وأحمد في " مسنده ".
وأما حديث جابر فرواه ابن عدي في " الكامل " (٤) .
وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني في " معجمه "، وكلها مدخولة
وأمثلها حديث عثمان كما ذكرنا.
وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل ": سمعت أبي يقول: لا يثبت
في تخليل اللحية حديث " (٥) . ولأجل هذا قال أبو حنيفة: تخليل
اللحية فضيلة وليست بسُنة، وبه قال محمد.
(١) العجم الأوسط (٢/٢٢٧٧) .
(٢) ابن ماجه (٤٣٣) .
(٣) ابن ماجه (٤٣٢) .
(٤) الكامل (٢/٨٩، ترجمة أصرم بن غياث) .
(٥) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
стр. 341
ص- قال أبو داود: الوليد بن زوران روى عنه الحجاج بن الحجاج،
وأبو المليح الرقي.
ش- هذه ليست بموجودة في النسخ الصحيحة، وحجاج بن الحجاج
الأحول البصري الباهلي.
***
/ ٥٠- باب: المسح على العمامة
أي: هذا باب في بيان المسح على العمامة.
١٣٥- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا يحيى بن سعيد،
عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: " بعث رسولُ الله ﷺ (١)
سريةً فأصابهُمُ البردُ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمْسحُوا على
العصائب والتساخين " (٢) .
ش- يحيى بن سعيد القطان، وثور بن يزيد قد ذُكرا.
وراشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحُبْراني. سمع: معاوية بن
أبي سفيان وشهد معه صفين، وثوبان مولى رسول الله- ﵇،
ويعلى بن مرة، وأبا أمامة الباهلي. روى عن: أنس بن مالك، وعمرو
ابن العاص، وغيرهما من الصحابة والتابعين. روى عنه: ثور بن يزيد،
وحريز بن عثمان، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. قال أحمد: لا بأس
به. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثمان ومائة. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وثوبان بن بُجدد مولى النبي- ﵇ قد ذكر.
قوله: " سرية " السرية: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، تبعث
إلى العدو، وجمعها: " السرايا "، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة
стр. 342
العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم
ينفذون سرا وخفية، وهذا ليس بشيء لأن لام السر " راء "، وهذه "ياء".
قوله: " على العصائب " العصائب: العمائم، سميت بذلك لأن
الرأس يعصب بها، وكل ما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة
فهو عصابة.
قوله: " والتساخين " (١) التساخين: الخفاف، ويقال: أصل ذلك:
كل ما تسخن به القدم من خُف وجورب ونحوهما، ولا واحد للتساخين
من لفظها، وقيل: واحدها: تسْخان، وتسخن، وتسخن، والياء فيها
زائدة. وذكر حمزة الأصفهاني (٢) أن التّسخان فارسي معرب " تثْكن "،
وهو اسم غطاء من أغطية الرأس، كان العلماء والموابذةُ يأخذونه على
رؤوسهم خاصة دون غيرهم. وقال: من تعاطى تفسيره هو الخفُ لم
يعرف فارسيته " (٣) .
" (٤) وقد اختلف أهل العلم في المسح على العمامة، فذهب إلى
جوازه جماعة من السلف. وقال به من فقهاء الأمصار: الأوزاعي،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود. وقال أحمد:
قد جاء ذلك عن النبي- ﵇ من خمسة أوجه، وشرط من
جوّز المسح على العمامة أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة، كما
يفعله من يريد المسح على الخفين. وروي عن طاوس أنه قال: " لا يمسح
على العمامة التي تجعل تحت الذقن، وأبى المسح على العمامة أكثر الفقهاء،
وتأولوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر عل مسح
بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عمامته عن رأسه
стр. 343
ولا ينقضها، وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة (١) كالمفسر له، وهو أنه
وصف وضوءه ثم قال: " ومسح بناصيته وعلى عمامته " فوصل مسح
الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب في مسح الرأس بمسح الناصية،
إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعاً له، كما روي: أنه مسح
أسفل الخف وأعلاه، ثم كان مسح الواجب (٢) في ذلك مسح أعلاه،
وصار مسح أسفله كالتبع له، والأصل: أن الله فرض المسح، وحديث
ثوبان محتمل للتأويل، فلا يترك الأصل المتيقن وجوبه بالحديث المحتمل،
ومن قاسه على مسح الخفين فقد أبعد؛ لأن الخفّ يُشق خلعه ونزعه،
ونزع العمامة لا يشق " (٣) . وهنا جواب آخر: أنه يجوز أن يكون هذا
من قبيل ذكر الحال، وإرادة المحل، ذكر العصائب وأراد ما تحويه
العصائب مجازاً.
١٣٦- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن وهب، قال: حدثني
معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل، عن أنس بن
مالك قال: " رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامةٌ قطريةٌ، فادخل يده
من تحت العمامة، فمسح مُقدم رأسه، ولم ينقض العمامة " (٤) .
ش- أحمد بن صالح أبو جعفر المصري يعرف بابن الطبري، كان أبوه
من أهل طبرستان من الجند، وكان أحد الحُفاظ المبرزين، والأئمة
المذكورين. سمع: ابن عيينة، وعبد الله بن وهب، وإبراهيم بن
الحجاج، وغيرهم. روى عنه: ابن المثنى، والبخاري، والترمذي،
وأبو داود، وأبو زرعة، وغيرهم. وقال البخاري: ثقة صدوق. توفي
في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين/ومائتين (٥) .
وعبد العزيز بن مسلم: أبو زيد القسْملي مولاهم الخُراساني المرْوزي،
стр. 344
أخو المغيرة السراج، سكن البصرة، وقيل: نزل القسامل فنسب إليهم.
روى عن: عبد الله بن دينار، وأبي إسحاق الهمداني، وحصين بن
عبد الرحمن، والربيع بن أنس، والأعمش، وغيرهم. روى عنه:
مسلم بن إبراهيم، و [أبو] الوليد الطيالسي، وداود بن بلال، وغيرهم.
قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وكان من الأبدال. روى له الجماعة إلا
ابن ماجه (١) .
وأبو معقل روى عن أنس بن مالك، روى عنه عبد العزيز بن مسلم
القسملي، روى له أبو داود، وابن ماجه (٢) .
قوله: " عمامة قطرية " هي ثياب حُمر لها أعلام فيها بعض الخشونة،
منسوبة إلى قطر، موضع بين عمان وسيف البحر، وعن الأزهري:
وقيل: هي حلل جياد تُحمل من البحرين، القطر- بفتح القاف والطاء-:
قرية في بلاد البحرين. وقال ابن الأثير: " وأحسن الثياب القطرية نسبت
إليها، فكسروا القاف للنسبة وخففوا ".
قوله: " فمسح مُقدم رأسه " بضم الميم، وفتح الدال المشددة، ويجوز
ضم الميم وكسر الدال المخففة.
***
٥١- باب: غسل الرجل (٣)
أي: هذا باب في بيان غسل الرجل.
١٣٧- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا ابن لهيعة، عن يزيد بن
عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن المستورد بن شداد قال: " رأيتُ
رسول الله ﷺ إذا توضأ يدْلُكُ أصابع رجليه بخنْصره " (٤) .
стр. 345
ش- ابن لهيعة هو: عبد الله بن لهيعة بن عُقبة بن فُرعان
الحضرمي الأعدُولي من أنفسهم، ويقال: الغافقي المصري قاضي مصر
أبو عبد الرحمن. سمع: الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن
المنكدر، ويزيد بن عمرو، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، والثوري،
والليث بن سعد، وابن المبارك، وعبد الله بن وهب، وغيرهم. وقال
ابن معين: ضعيف الحديث. توفي سنة أربع وسبعين ومائة. روى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١) .
ولهيعة بفتح اللام، وكسر الهاء.
ويزيد بن عمرو المعافري المصري. روى عن: أبي عبد الرحمن الحُبُلي،
وشُفى بن ماتع الأصْبحي. روى عنه: الليث بن سعد، وعمرو بن
الحارث، وعبد الله بن لهيعة. قال أبو حاتم: لا بأس به. روى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٢) .
وأبو عبد الرحمن اسمه: عبد الله بن يزيد الحُبُلي المعافري. سمع:
ابن عمرو بن العاص، وابن عمر، والمستورد، وغيرهم. روى عنه:
يزيد بن عمرو، وعقبة بن مسلم، وأبو هانئ الخولاني، وغيرهم. توفى
بإفريقية سنة مائة. روى له الجماعة (٣) .
والحُبُلي بضم الحاء المهملة والباء الموحدة.
والمستورد بن شداد بن عمرو الفهري القرشي. روي له عن رسول الله
ﷺ سبعة أحاديث، سكن الكوفة. روى عنه الكوفيون والمصريون،
روى له مسلم حديثين. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٤) .
قوله: " يدلك أصابعه " من دلكت الشيء بيدي أدلكه دلكاً. وفيه دليل
стр. 346
على أن الدلك سُنة، ودليل أن الرجل مغسول، ولهذا بوب أبو داود
بقوله: " باب غسل الرجل ". وكان الأولى أن يبوب بقوله: " باب
دلك الرجل في الوضوء ". وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال
الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
***
٥٢- باب: المسح على الخفين
أي: هذا باب في بيان المسح على الخفين، إنما قدم أبواب المسح على
الخفين على أبواب الغسل؛ لأن المسح من توابع الوضوء، وقدمها على
أبواب التيمم؛ لأن التيمم خلفٌ عن الكل، والمسح خلفٌ عن الجزء،
والجزء مقدم على الكل، مع أنه لا يراعي المناسبة بين أبواب الكتاب،
ولا كُتبه.
١٣٨- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال:
أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: حدثني عباد بن زياد: أن عروة
ابن المغيرة بن شعبة أخبره: أن أباه المغيرة بن شعبة يقول: " عدل رسولُ الله
وأنا معهُ في غزوة تبوك قبل الفجر، فعدلتُ معهُ، فأناخ النبيُّ- عليه
السلام- فتبرّز ثم جاء، فًسكبتُ على يده من الإداوة، فغسل كفيْه، ثم غسل
وجْههُ، ثم حسر/عن ذراعيه فضاق كُما جُبته، فأدخل يديه فأخرجهُما من
تحت الجُبة، فغسلهما إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خُفيه، ثم
ركب، فأقبلنا نسيرُ حتى نجد الناس في الصلا قد قدموا عبد الرحمن بن
عوف، فصلّى بهم حين كان وقتُ الصلاة، ووجدنا عبد الرحمن قدْ ركع
بهم ركعةً من صلاة الفجر، فقام رسولُ الله فصف مع المسلمين، فصلّى
وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبدُ الرحمن، فقام
النبيُ- ﵇ في صلاته، ففزع المسلمون، فأكثرُوا التسبيح؛ لأنهم
стр. 347
سبقُوا النبيّ- ﵇ بالصلاة، فلما سلم رسولُ الله قال لهم: قدْ
أصبتُم أو قد أحْسنتُم " (١) .
ش- يونس بن يزيد بن أبي النجاد- بالنون- الأيليُ القرشي، مولى
معاوية بن أبي سفيان، وهو أخو أبي علي. روى عن: عكرمة مولى ابن
عباس، والزهري، ونافع، وغيرهم. روى عنه: هشام بن عروة،
والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. وقال ابن
معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. توفي سنة تسع وخمسين
ومائة. روى له الجماعة (٢) .
وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري.
وعباد بن زياد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي.
روى عن عروة وحمزة ابني المغيرة بن شعبة. روى عنه: الزهري. روى
له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (٣) .
وعروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي أبو يعقوب الكوفي، كان والياً عليها.
سمع أباه. روى عنه: الشعبي، وعباد بن زياد، ونافع بن جُبير، وبكر
ابن عبد الله المزني، وغيرهم. روى له الجماعة (٤) .
قوله: " عدل رسولُ الله " أي: مال عن الطريق لقضاء حاجته.
قوله: " وأنا معه " جملة وقعت حالاً.
وقوله: " في غزوة تبوك " أيضاً حال.
стр. 348
قوله: " فأناخ النبي- ﵇ " أي: برك ناقته، وحذفُ المفعول
كثير في الكلام.
قوله: " فتبرز " كناية عن قضاء الحاجة، وقد ذكرناه.
قوله: " من الإداوة " بكسر الهمزة، وهي آنية الماء كالمطهرة.
قوله: " ثم حسر عن ذراعيه " بالحاء والسن المهملتين، أي: كشف،
من باب ضرب يضرب.
قوله: " فضاق كُما جبته " الجبة بتشديد الباء: التي تلبس، وجمعها
" جباب ".
قوله: " ثم توضأ على خفيه " أي: مسح عليهما من باب إطلاق اسم
الكل على الجزء.
قوله: " نسير " جملة وقعت حالاً عن الضمير الذي في " أقبلنا "،
والمعنى: أقبلنا سائرين.
قوله: " قد قدموا عبد الرحمن " جملة وقعت حالاً من " الناس "،
وقد عُرف أن الماضي المثبت إذا وقع حالاً لابد فيه من " قد " ظاهرة أو
مضمرة.
قوله: " وقد ركع " حال أيضاً من " عبد الرحمن "
قوله: " فصف مع المسلمين " أي: دخل في صفهم، وصلى وراءه
الركعة الثانية، وقد سُبق الركعة الأولى.
فإن قيل: كيف قام عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبو بكر حتى يتقدم
النبي- ﵇؟ قلنا: إن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك
النبي- ﵇ التقدم لئلا يختل ترتيب الصلاة في حق القوم،
بخلاف قصة أبي بكر الصّديق- ﵁.
стр. 349
قوله: " قد أصبتم " أي: في مبادرتكم إلى الطاعة، أو في إكثارهم
التسبيح.
قوله: " أو قد أحسنتم " شك من الراوي.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
" (١) الأولى: أن الرجل إذا أراد أن يقضي حاجته يعتزل الناس، فإن
كان في السفر لا يقعد على الطريق.
الثانية: فيه دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وقد جاء في
أحاديث- ليست ثابتة- النهي عن الاستعانة، وقد ثبت من حديث أسامة
ابن زيد: " أنه صب على النبي- ﵇ في وضوئه حين انصرف
من عرفة ".
الثالثة: فيه دليل على جواز استخدام الكبير الصغير في القدر أو السن.
الرابعة: فيه دليل على استحباب لبس الأكمام الضيقة.
الخامسة: فيه دليل على عدم كراهة الوضوء من تحت قماشة.
السادسة: فيه دليل على جواز المسح على الخفين.
السابعة: فيه دليل على جواز تقديم المفضول في الإمامة مع وجود
الفاضل.
الثامنة: فيه دليل على جواز صلاة النبي- ﵇ وراء بعض
أمته.
التاسعة: فيه بيان حال المسبوق،/وأنه يصلي مع الإمام ما أدركه،
ثم يقوم ويصلي ما بقي عليه ويقرأ؛ لأنه فيما سبق كالمنفرد، بخلاف
اللاحق فإنه خلف الإمام حكماً ".
وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه مطولاً ومختصراً.
стр. 350
١٣٩- ص- حدّثنا مسدد قال: نا المعتمر (١) ، عن التيمي قال: نا بكر،
عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله
ﷺ توضأ ومسح ناصيتهُ وذكر فوق العمامة " قال عن المعتمر: سمعت،
أبي يحدث عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن
المغيرة بن شعبة: " أن نبيّ الله ﷺ كان يمسحُ على الخُفّين، وعلى ناصيته،
وعلى عمامته ". قال بكر: وقد سمعتُه من ابن المغيرة (٢) .
ش- المعتمر بن سليمان بن طرخان، وقد ذكرناه. ووالده سليمان
التيمي لم يكن من بني تيم، وإنما نزل فيهم. سمع: أنساً، وثابتاً،
وقتادة، وبكراً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن المبارك،
وابن عيينة، وابنه معتمر بن سليمان، ويحيى بن سعيد، وغيرهم. وكان
مائلاً إلى علي بن أبي طالب. قال أحمد: هو ثقة. وكذا قال ابن معين.
توفي بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين سنة.
روى له الجماعة (٣) .
وبكر هو ابن عبد الله بن عمرو المزني، وقد ذكر.
والحسن هو البصري.
وابن (٤) المغيرة هو عروة بن المغيرة. وقال القاضي عياض: حمزة بن
المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا الحديث، وإنما عروة بن المغيرة في
الأحاديث الأُخر، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة. والحديث مروي عنهما
جميعاً، لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي عن حمزة بن المغيرة.
قوله: " ومسح ناصيته " الناصية: مقدم الرأس.
стр. 351
قوله: " وذكر فوق العمامة " أي: ذكر مسدد عن المعتمر فوق العمامة،
يعني: مسح على ناصيته، وعلى عمامته، وبين ذلك بقوله: " قال "
أي: مسدد عن المعتمر، سمعتُ أبي- وهو سليمان- يحدث عن بكر بن
عبد الله المزني، عن الحسن البصري، عن ابن المغيرة- إما عروة وإما
حمزة على الاختلاف- عن المغيرة بن شعبة: " أن نبي الله ﷺ كان
يسمحُ على الخُفين، وعلى ناصيته، وعلى عمامته ".
وقد استدل به أبو حنيفة: أن فرض المسح هو ربع الرأس؛ لأن الناصية
هو الربع. وقال الشيخ محيي الدين النووي: " هذا مما احتج به
أصحابنا على أن مسح بعض الرأس يكفي، ولا يشترط الجميع " (١) .
قلت: هذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن الفرض عندهم أدنى ما ينطلق
عليه اسم المسح، وهاهنا قد نص على الناصية، وهو ربع الرأس،
واستدلت الشافعية بقوله: " وعلى عمامته " على استحباب تتميم المسح
بالعمامة، لتكون الطهارة على جميع الرأس، ولا فرق عندهم بين أن
يكون لبس العمامة على طُهْرٍ أو على حدثٍ، وكذا لو كان على رأسه
قلنسوة، ولم ينزعها ومسح بناصيته، يستحب أن يتمم على القلنسوة
كالعمامة، ولو اقتصر على العمامة ولم يمسح من الرأس شيئاً لم يجزئه
ذلك عندهم، ولا عندنا، ولا عند مالك، وهو مذهب أكثر العلماء،
وذهب أحمد إلى جواز الاقتصار، ووافقه على ذلك جماعة من السلف.
١٤٠- ص- حدّثنا مسدد قال: نا عيسى بن يونس قال: حدّثني أبي،
عن الشعبي قال: سمعتُ عروة بن المغيرة بن شعبة يذكر عن أبيه قال: " كنا
مع رسول الله ﷺ في ركبة ومعي إداوة، فخرج لحاجته، ثم أقبل فتلقيتُهُ
بالإداوة، فأفرغتُ عليه، ً فغسل كفيه ووجهه، ثم أراد أنْ يخرج ذراعيه
وعليه جُبة من صُوفٍ من جباب الروم ضيقة الكمين، فضاقتْ فادرعهُما
стр. 352
أدراعاً، ثم أهويتُ إلى الخفين لأنزعهُما فقال (١) : دع الخفين، فإني أدخلتُ
القدمين الخفين وهما طاهرتان، فمسح عليهما " (٢) .
قال أبي: قال الشعبي: شهد لي عروةُ على أبيه، وشهد أبوه على
رسول الله- ﵇.
ش- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قد ذكر.
ويونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي أبو إسرائيل الكوفي.
روى عن: أنس بن مالك، والشعبي، وناجية بن كعب، وجُريّ
النهدي، وعبد الله بن أبي السفر./روى عنه: الثوري، ويحيى،
القطان، ووكيع، وأبو نعيم، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: كان
ثقة. وقال أحمد: حديثه مضطرب. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً إلا
أنه لا يحتج بحديثه. روى له الجماعة (٣) .
قوله: " في ركبة " الركبة- بفتح الراء والكاف-: أقل من الركب،
والركب جمع " راكب "، وفي بعض الرواية: " في غزوة ".
قوله: " فتلقيته " أي: استقبلته.
قوله: " فادّرعهما " معناه: نزع ذراعيه عن الكمين، فأخرجهما من
تحت الجبة، ووزنه " افتعل " من ذرع إذا مد ذراعيه، ويجوز بالدال
والذال معاً كما يقال في " ادكر " و " ذرع " لما نقل إلى باب الافتعال صار
" اذْترع " فقلبت التاءُ ذالاً، وأدغمت الذال في الذال، فصار: " اذّرع ".
стр. 353
قوله: " ثم أهويت " من أهوى بيده إليه، أي: مدها نحوه، وأمالها
إليه، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء ليأخذه.
قوله: " فإني أدخلت القدمين الخفين " كلاهما منصوبان على المفعولية.
وقوله: " وهما طاهرتان " حال من القدمين. وفيه دليل على أن المسح
على الخفين لا يجوز إلا أن يُلبسا على كمال الطهارة، وهذا بالإجماع،
ولكن كمال الطهارة شرط وقت اللُبس أو وقت الحدث؟ فعند أصحابنا:
وقت الحدث، حتى لو غسل رجليه، ولبس خفيه، ثم أكمل الطهارة،
ثم أحدث يُجزئه المسح. وبه قال الثوري، ويحيى بن آدم، والمزني،
وأبو ثور، وداود. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يجوز؛ لأن
كمال الطهارة شرط عندهم وقت اللُّبس. وقال الخطابي في تعليل هذه
المسألة (١) : " وذلك أنه جعل طهارة القدمين معاً قبل لُبس الخفين شرطاً
لجواز المسح عليهما، وعلة لذلك، والحكم المعلق بشرط لا يصح إلا
بوجود شرطه ".
قلت: سلمنا أن الحكم المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود شرطه،
ولكن لا نسلم أنه- ﵇ شرط كمال الطهارة وقت اللّبس؛
لأنه لا يفهم من نص الحديث، غاية ما في الباب [أنه] أخبر أنه لبسهما
وقدماهُ كانتا طاهرتين، فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة لأجل جواز
المسح، سواء كانت الطهارة حاصلة وقت اللبس أو وقت الحدث، وتقييده
بوقت اللبس أمر زائد لا يفهم من العبارة. وأخرجه البخاري ومسلم
مختصراً ومطولاً.
١٤١- ص- حدثنا هدبةُ بن خالد قال: نا همام، عن قتادة، عن الحسن،
وعن زرارة بن أوفى، أن المغيرة بن شعبة قال: " تخلف رسولُ الله " فذكر
هذه القصة، قال: " فأتينا الناس وعبدُ الرحمن بن عوف يُصلّي بهم الصبح،
فلما رأى النبي- ﵇ أراد أن يتأخر فأومأ إليه أنْ يمْضي. قال:
стр. 354
وصليتُ أنا والنبيُ- ﵇ خلفهُ ركعةً، فلما سلم قام النبيُ- عليه
السلام- فصفى الركعة التي سُبق بها، ولم يزدْ عليها [شيئاً] (١) " (٢) .
ش- هُدبة بن خالد بن الأسود بن هُدبة القيسي، ويقال له: الثوباني؛
لأنه من بني قيس بن ثوبان، أبو خالد البصري. سمع: الحمادين،
وسليمان بن المغيرة، وهمام بن يحيى، وسلام بن مسكين، وغيرهم.
روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود،
وابن ماجه، وجماعة آخرون. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (٣) .
وهمام هو ابن يحيى بن دينار العوذي، وقد ذكرناه.
قو له: " تخلف " أي: تأخر.
قوله: " هذه القصة " القصة: الأمر والحديث، وقد اقتصصت،
الحديث: رويته على وجهه، وقد قص عليه الخبر قصصاً، والاسم أيضاً:
القصص- بالفتح- وُضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه،
والقصص- بكسر القاف- جمع القصة التي تكتب.
قوله: " فأومأ إليه أن يمضي " أي: أشار إليه أن يمضي في صلاته
فيتمها، وذلك كما قلنا خوفاً من نقص ترتيب الصلاة؛ لأنه قد كان صلى
بهم الركعة.
ص- قال أبو داود: أبو سعيد الخُدْري، وابن الزبير، وابن عمر يقولون:
" من أدرك الفرد من الصلاة، عليه سجدةُ السهو ".
ش- " أبو سعيد " مبتدأ وما بعده عطف عليه، وخبره: " يقولون "
إنما قالوا ذلك لاحتمال أن يكون على الإمام سهو.
وفي " مصنف ابن أبي شيبة ": حدثنا ابن نمير، عن عبد الملك، عن
عطاء، عن أبي سعيد، وابن عمر، وابن الزبير قالوا: " إذا فاته بعضُ
الصلاة قام فقضى، وسجد سجدتين ".
стр. 355
وفي " المصنف ": نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء، عن
أبي سعيد وابن عمر وابن الزبير: " في الرجل يدخل مع الإمام وقد فاته
بعضُ الصلاة؟ قال: يصنع كما يصنع الإمامُ، فإذا قضى الإمامُ صلاته،
قام يقضي، وسجد سجدتين ".
١٤٢- ص- حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: نا أبي قال: نا شعبة،
عن (١) أبي بكر- يعني: ابن حفص بن عمر بن سعد- سمع أبا عبد الله،
عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسألُ بلالا
عن وُضوءٍ رسول الله ﷺ فقال: " كان يخرجُ فيقضي (٢) حاجتهُ، فآتيه بالماء
فيتوضأ، فيمسحُ ٣٢) على عمامته ومُوقيْه " (٤) .
قال أبو داود: هذا (٥) أبو عبد الله، هو مولى بني تيم بن مرة
ش- عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن حسّان بن نصر بن حسان أبو عمرو
البصري، أخو المثنى. سمع أباه، والمعتمر بن سليمان. روى عنه:
البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. قال أبو حاتم: هو ثقة.
مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (٦) .
ومعاذ بن معاذ المذكور قاضي البصرة. سمع: سليمان التيمي، وابن
عون، وشعبة، وحميداً (٧) الطويل، وغيرهم. روى عنه: ابناه
عبيد الله والمثنى، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وعلي بن المديني،
وخلق سواهم. وقال أحمد: هو قرة العين، إليه المنتهى في التثبت
بالبصرة. ولد سنة تسع عشرة ومائة، وتوفي بالبصرة سنة ست وتسعين
ومائة. روى له الجماعة (٨) .