مذ عقدت يداه إزاره. وقوله: وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع.
والمشهور أنهما حينئذ ظرفان مضافان، فقيل: إلى الجملة، وقيل: إلى
زمن مضاف إلى الجملة، وقيل: مبتدآن.
قوله: " سبحان الله " قد مر الكلام فيه، وأنه إنما ذكره تعجباً.
قوله: " هذا من الشيطان " له معنيان: الأول: مجازي، وهو أنه
أنساها أيام حيضها حتى حصل لها تلبس في أمر دينها ووقت طهرها
وصلاتها. والثاني: حقيقي، بمعنى: أنه ضربها حتى فتق منها عرق
الاستحاضة، كما قلنا في الحديث المتقدم.
قوله: " في مركن " بكسر الميم، وهي الإجانة.
قوله: " صفارة " وفي بعض الرواية: " صفرة "، وفيه حجة لمن اعتبر
التمييز؛ لأن رؤيتها الصفرة دليل على انقطاع دم الحيض.
قوله: " وتوضأ فيما بين ذلك " برفع الهمزة، أي: تتوضأ، فحذفت
إحدى التائين للتخفيف، كما في (نَاراً تَلَظَّى) (١) ، والمعنى: أنها إذا
أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى تتوضأ، ولا تكتفي
باغتسالها؛ لأنه للفرائض المختصة بالأوقات الخمس.
ص- قال أبو داود: رواه مجاهد، عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغُسلُ
أمرها (٢) أن تجمعَ بينَ الصلاتينِ.
ش- أي: روى هذا الحديث مجاهد بن جبر، عن ابن عباس وقال:
لما اشتد عليها، أي: على فاطمة بنت أبي حبيش، وهذا الكلام من ابن
عباس خرج مخرج التعليل لأمره- ﵇ إياها بالجمع بين الظهر
والعصر، وبن المغرب والعشاء، تيسيراَ لها ورخصة كما في المسافر.
ص- ورواه إبراهيم، عن ابن عباس، وهو قول إبراهيم النخعي، وعبد
الله ابن شداد.
стр. 632
ش- أي: روى هذا الحديث إبراهيم النخعي، عن ابن عباس، وهو
قول إبراهيم، وعبد الله بن شداد بن الهاد، واسم الهاد: أسامة بن
عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر، وإنما سمي الهاد لأنه كان يوقد ناره
للأضياف ولمن سلك الطريق، أبو الوليد الليثي المدني، وقيل: الكوفي،
وأمه: سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء، كانت تحت حمزة بن
عبد المطلب، فولدت له ابنته عُمارة، وقيل: فاطمة، وقتل عنها حمزة
يوم أُحُد فتزوجها شداد، فولدت له عبد الله، وهو ابن خالة عبد الله بن
عباس، وخالد بن الوليد. سمع: عمر، وابنه عبد الله بن عمر،
وعليا، وابن عباس، ومعاذاَ، وأباه، وعائشة، وأم سلمة. وروى عن
النبي- ﵇ مرسلاً. روى عنه: طاوس، والشعبي، ومحمد
ابن سعد، وعكرمة، وجماعة آخرون كثيرة. قال أبو زرعة: مدني ثقة.
توفي في ولاية الحجاج على العراق، ويقال: قتل يوم دُجَيل سنة اثنين
وثمانين. روى له الجماعة (١) .
واعلم أن المستحاضات على عهد رسول الله خمس: حمنة بنت جحش
أخت زينب بنت جحش زوج رسول الله، وأختها أم حبيبة وقيل: أم حبيب
بغير هاء، وقد ذكرناه، وفاطمة بنت أبي حُبَيش القرشية الأسدية، وسهلة
بنت سهيل القرشية العامرية، وسودة بنت زمعة زوج رسول الله. وقد
ذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت والمشهور خلافه، وإنما
المستحاضات أختاها.
***
١٠٢- باب: من قال: تغتسل مرة (٢)
أي: هذا باب في بيان من قال: إن المستحاضة تغتسل مرة واحدة.
٢٨١- ص- حدثنا محمد بن جعفر بن زياد. قال: ونا عثمان بن
стр. 633
أبي شيبة/قال: نا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه،
عن جده، عن النبي- ﵇ في المُستحاضة: تَدَعُ الصلاةَ أيامَ
أَقرائِهَا، ثم تغتسل وتُصَفَي، والوُضوءُ عندَ كلِّ صَلاة. وزاد عثمانُ:
وتصومُ وتصلي (١) .
ش- شريك: النخعي، وأبو اليقظان: عثمان بن عمير.
قوله: " تدع الصلاة " أي: تترك الصلاة أيام حيضها. والأقراء جمع
" قرء "، وهي بمعنى الحيض، وفيه حجة لأبي حنيفة.
قوله: " وزاد عثمان " هو ابن أبي شيبة. وأخرجه الترمذي، وابن
ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان،
وسألت محمداَ- يعني: البخاري- عن هذا الحديث فقلت: عدي بن
ثابت، عن أبيه، عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمدٌ
اسمَه. وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به.
انتهى.
وقد قيل: إنه جده أبو أمه عبد الله بن يزيد الخطمي. قال الدارقطني:
ولا يصح من هذا كله شيء. وقال أبو نعيم: وقال غير يحيى اسمه قيس
الخطمي، وقيل: لا يعلم مَن جده. قلت: ذكر ابن حبان في " الثقات "
أن ثابتاً (٢) هو ابن عبيد بن عازب ابن أخي البراء بن عازب، وقد
ذكرناه. وقال الشيخ زكي الدين: وشريك تكلم فيه غير واحد،
وأبو اليقظان لا يحتج بحديثه.
قلت: قد تقدم أن ابن معين قال: شريك صدوق ثقة. وقال أحمد بن
عبد الله العجلي: كوفي ثقة. وأما أبو اليقظان فقد أخرج له أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه.
стр. 634
٢٨٢- ص- حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع، عن الأعمش،
عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: جاءت فاطمة بنت
أبي حُبيش إلى النبيِّ- ﵇ فذكر خَبَرَها- قال: " ثم اغتسلي
وصَلِّي وتوضّئِي. (١) لكلِّ صلاة وَصَلِّي " (٢) .
ش- عروة هذا قيل: عروة المزني. وقيل: عروة بن الزبير.
قوله: " وتوضئي لكل صلاة " أي: لوقت كل صلاة، واللام للتوقيت
كما في قوله تعالى: (أَقِم الصلاة لِدُلُوك الشمسِ) (٣) ، وبه أخذ
أبو حنيفة أن المستحاضة ومَن بمعناها يتوضؤوَن لوقت كل صلاة، فيصلون
به في ذلك الوقت ما شاؤا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل
وضوءهم، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: يتوضؤون لكل فرض على
حدته، ولهم أن يصلوا النوافل كلها تبعاً. وقال مالك: لا يجب
الوضوء، وإنما هو مستحب لكل صلاة.
٢٨٣- ص- حدَّثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي قال: نا يزيد، عن
أيوب بن أبي مسكين، عن حجاج، عن أم كلثوم، عن عائشةَ في المستحاضة:
تغتسلُ مرة واحدة، ثم تَوضأ إلى أيام أقرائِهَا (٤) .
ش- أحمد بن سنان بن أسد بن حبان- بكسر الحاء- أبو جعفر
القطان الواسطي. سمع: يحيى القطَان، ووكيعاً، وأبا معاوية،
وغيرهم. روى عنه: ابن المثنى، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال أبو حاتم: هو ثقة
صدوق. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين.
ويزيد بن هارون الواسطي.
стр. 635
وأيوب بن أبي مسكين القصاب، ويقال: أيوب بن مسكين أبو العلاء
الواسطي التميمي. روى عن: قتادة، وعبد الله بن شبرمة، ويحيى بن
دينار. روى عنه: هشيم، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد. قال
أحمد بن صالح: رجل صالح ثقة. وقال ابن حنبل: لا بأس به.؛ لأن
أحاديثه ليست بالمناكير، وهو ممن يكتب حديثه ٠ روى له: أبو داود،
والترمذي.
وحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل بن كعب بن سلامان
الكوفي، أبو أرطأة النخعي. سمع من الشعبي حديثاً واحداً، وسمع
عطاء، والزهري، وقتادة، وجماعة آخرين. روى عنه: الثوري،
وشعبة، وابن المبارك، وجماعة آخرون. قال أبو زرعة: صدوق مدلس.
وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه. وقال ابن
معين: صدوق وليس بالقوي. وقال النسائي: ليس بالقوي. مات
بخراسان مع المهدي، وقيل: بالريّ. روى له مسلم مقروناً بعبد الملك،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
وأم كلثوم الليثية، أو المكية، روت عن عائشة، روى عنها عبد الله بن
عبيد بن عمير، روى لها: أبو داود، والترمذي.
قوله: " ثم توضأ " أي: تتوضأ، حذفت إحدى التائين.
٢٨٤- ص- وحدَثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: نا يزيد، عن أيوب
أبي العلاء، عن ابن شبرمة، عن امرأة مسروق، عن عائشةَ، عن النبي
﵇ مثله (١) .
ش- ابن شبرمة: هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان بن المنذر
الكوفي الضبي، فقيه أهل الكوفة، عداده في التابعين، وهو عم عمارة
ابن القعقاع وعمارة أكبر منه. روى عن: الشعبي، وابن سيرين، وأبي
زرعة، وغير هم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وجماعة
آخرون. قال الثوري: ثقة. وقال أبو حاتم: كوفي ثقة. مات سنة
стр. 636
/أربع وأربعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن
ماجه.
وامرأة مسروق هي قَمير، وقد ذُكرت.
قوله: " مثله " أي: مثل الحديث الماضي، ولكن كان ذاك موقوفاً وهذا
مرفوع.
ص- قال أبو داود: وحديثُ عديِّ بنِ ثابتٍ والأعمش عن حبيب وأيوب
أبي العلاء كلها ضعيفة، لا يصح منها شيءٌ
ش- حديث عدي الذي أخرجه ابن أبي شيبة، وحديث الأعمش،
أخرجه وكيع، وحديث أيوب بن أبي مسكين الذي أخرجه أحمد بن سنان.
ص- ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديثُ، أوقفه
حفصُ بن غياث عن الأعمش، وَأنكر حفصُ بن غياث أن يكونَ حديثُ
حبيب مرفوعاً، وأوقفه أيضا أسباط عن الأعمشِ موقوفاً على عائشة ورواه
ابنُ داوَد عن الأعمشِ مرفوعاً أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء، ودل على
ضعف حديث حبيب هذا أن روايةَ الزهري، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت:
" فكانت تغتسَلُ لكل صلاةٍ " في حديث المستحاضة.
ش- أشار بهذا الكلام إلى تضعيف حديث الأعمش.
الحاصل في بيان ضعف حديث الأعمش: أن حفص بن غياث أنكر أن
يكون هذا الحديث مرفوعاً وأوقفه عن الأعمش على عائشة، وكذلك أوقفه
أسباط عن الأعمش على عائشة، ورواه ابن داود عن الأعمش مرفوعاً إلى
النبي- ﵇ أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء، فيكون معلولاً
من جهة المتن ومن جهة الإسناد، وكذا علله البيهقي.
قلت: إن كان حفص وأسباط روياه موقوفاً على عائشة، فكذلك رواه
وكيع، وسعيد بن محمد الوراق، وعبد الله بن نمير، والجُريري مرفوعاً،
فتُرجح رواياتهم؛ لأنها زيادة ثقة، ولأنهم أكثر عدداً، ومثل هذا ذكر
стр. 637
الدارقطني، وتُحمل رواية من أوقفه على عائشة أنها سمعته من النبي
﵇، فروته مرة، وأفتت به مرهَ أخرى.
قوله: " ودل على ضعف حديث حبيب ... " إلى آخره. دليل آخر على
تضعيفه، وكذا علل البيهقي في تضعيفه.
قلنا: هذا لا يدل على ضعف حديث حبيب؛ لأن الاغتسال لكل
صلاة في رواية الزهري مضاف إلى فعلها، ويحتمل أن يكون اختياراَ
منها، والوضوء لكل صلاة في حديث حبيب مروي عنه- ﵇،
ومضاف إليه وإلى أمره.
وحفص بن غياث بن طلق النخعي، وقد ذكر.
وأسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي
أبو محمد الكوفي. سمع: أبا إسحاق الشيباني، والأعمش، وعمرو
ابن قيس الملائي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وقتيبة، وابن
أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم:
صالح. توفي بالكوفة في المحرم سنة مائتين. روى له الجماعة.
وابن داود هو: عبد الله بن داود الخُرَيبي أبو محمد البصري، وقد
ذكرناه.
قوله: " فكانت تغتسل " أي: قالت عائشة: فكانت المستحاضة تغتسل
لوقت كل صلاة، واللام للتوقيت.
ص- وروى أبو اليقظان، عن عدي، عن أبيه، عن علي وعمار مولى بني
هاشم، عن ابن عباس.
ش- أبو اليقظان: عثمان بن عمير، وعمار بن أبي عمار الهاشمي.
والمعنى: أن حديث حبيب هذا رواه عدي، عن أبيه، عن علي بن
أبي طالب- ﵁ موقوفاً، ورواه عمار، عن ابن عباس
أيضاً موقوفاً.
стр. 638
ص- وروى عبد الملك بن ميسرة، وبيان، والمغيرة، وفراس، ومجالد،
عن الشعبي حديث قَمِير، عن عائشةَ: توضئِي لكل صلاةٍ.
ش- عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري الكوفي أبو زيد الزراد.
سمع: عبد الله بن عمر، والنزال بن سبرة، وزيد بن وهب، وجماعة
آخرين. روى عنه: الأعمش، ومسعر، وشعبة، وغيرهم. وقال ابن
معين وأبو حاتم: ثقة. توفي في زمن خالد بن عبد الله. روى له
الجماعة.
وبيان بن بشر الأحمسي البجلي أبو بشر الكوفي المعلم. سمع: أنس
ابن مالك، والشعبي، وطلحة بن مصرف، وغيرهم. روى عنه:
الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وجماعة آخرون. قال أحمد وأبو حاتم:
ثقة. روى له الجماعة.
والمغيرة بن مقسم أبو هشام الضبي الكوفي. سمع: أبا وائل،
والشعبي، والنخعي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة،
وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة مأمون، وكان أعمى.
توفي سنة/ست وثلاثين ومائة.
وفراس بن يحيى الهمداني أبو يحيى الكوفي المكتب. روى عن:
الشعبي، وأبي صالح السمان، وعطية بن سعد. روى عنه: الثوري،
وسعيد، وشيبان بن عبد الرحمن، وشريك النخعي، وغيرهم. قال ابن
معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ، ما بحديثه بأس. روى له الجماعة.
ومجالد بن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمير الكوفي. روى عن:
قيس بن أبي حازم، والشعبي، ومرة الهمداني، وغيرهم. روى عنه:
الثوري، وابن عيينة، ويحيى القطان، وجماعة آخرون. وقال ابن
معين: ضعيف الحديث، واهي الحديث. وقال ابن حنبل: ليس بشيء.
مات سنة أربع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري.
ص- ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قَمير، عن عائشةَ: تغتسلُ
لكلِّ يومٍ مرةً.
стр. 639
ش- " رواية " مبتدأ، وخبره: قوله: " تغتسل لكل يوم مرة "،
وسيجيء أنه في حديث عاصم: " تغتسل عند الظهر "، ويكون اغتسالها
في كل يوم مرة واحدة، ولكن عند الظهر.
وداود هو ابن أبي هند البصري، وعاصم بن سليمان الأحول،
والشعبي هو عامر، وقمير امرأة مسروق، وعائشة الصِّدَيقة- رضي الله
عنها-.
ص- وروى هشام بن عروة، عن أبيه: أن المستحاضةَ توضأ لكل صلاةٍ.
ش- " توضأ " بالرفع، وأصله تتوضأ، وقد مر غير مرة.
ص- وهذه الأحاديث كلها ضعيفة، إلا حديث قمير، وحديث عمار
مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة، عن أبيه.
ش- هذه إشارة إلى الأحاديث التي تقدمت، التي فيها ذكر الوضوء.
ص- والمعروف عن ابن عباس الغسل.
ش- يعني رواية الغسل عن ابن عباس هي المعروفة دون رواية الوضوء،
فافهم.
١٠٣- باب: من قال المستحاضة تغتسل من طهر إلى طهر
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن المستحاضة تغتسل من طهر
إلى طهر.
٢٨٥- ص- ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سُمي مولى
أبي بكر، عن القعقاع، وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله:
كيف تَغتسلُ المستحاضةُ؟ قال: تَغتسلُ من طهر إلى طهر، وتوضأ لكل
صلاة، فإن غَلَبَهَا الدمُ استثفَرت بثوبٍ (١) . "
стр. 640
ش- الضمير المرفوع في " أرسلاه " يرجع إلى القعقاع بن حكيم وزيد
ابن أسلم مولى عمر [بن] الخطاب، والضمير المنصوب يرجع إلى سُمي
مولى أبي بكر الصِّدِّيق.
قوله: " من طهر إلى طهر " بالطاء المهملة فيهما، والمعنى: من وقت
انقطاع دم الحيض. وقال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن
المسيب " من ظهر إلى ظهر ". يعني: أظنه بالظاء المعجمة، إنما هو " من
طهر إلى طهر " بالطاء المهملة، ولكن الوهم دخل فيه فقلبه الناس: " من
ظهر إلى ظهر ".
وقال الخطابي (١) : لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى
مثلها من الظهر، ولا أعلمه قولاً لأحد من الفقهاء، وإنما هو من طهر
إلى طهر- يعني: بالمهملة فيهما- وهو وقت انقطاع دم الحيض، وقد
يجيء ما رُوي من الاغتسال من ظهر إلى ظهر بالمعجمة فيهما في بعض
الأحوال لبعض النساء، وهو أن تكون المرأة قد نسيت الأيام التي كانت
عادتها، ونسيت الوقت أيضاً، إلا أنها تعلم أنها كل ما انقطع دمها في
أيام العادة كان وقت الظهر، فهذه يلزمها أن تغتسل عند كل ظهر،
وتتوضأ لكل صلاة ما بينها وبين الظهر من اليوم الثاني، فقد يحتمل أن
يكون سعيد بن المسيب إنما سئل عن امرأة هذه حالها، فنقل الراوي
الجواب، ولم ينقل السؤال على التفصيل.
قوله: " وتوضأ " أصلها: تتوضأ، وقد مر مثله غير مرة.
ومعنى " استثفرت بثوب " شدّت فرجها بثوب، وقد مر على التفصيل.
ص- قال أبو داود: ورُوي عن ابن عمر، وأنس بن مالك: تغتسلُ من
طُهرٍ إلى طُهر، وكذلك رواه داود، وعاصم، عن الشعبي، عن امرأته، عن
قمير، عن عائشة، إلا أن داود قال: كل يومٍ. وفي حديث عاصم قال: عندَ
الَطهرِ، وهو قول سالم بن عبد الله، والحسن، وعطاء.
стр. 641
ش- داود هو ابن أبي هند/البصري، وقد ذكر، وعاصم هو أبن
سليمان الأحول البصري، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،
والحسن البصري، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني.
***
١٠٤- باب: من قال: تغتسل كل يوم مرة، ولم يقل: عند الطهر
أي: هذا باب في بيان قول من قال: تغتسل المستحاضة كل يوم مرة
واحدة.
٢٨٦- ص- حدَّثنا أحمد بن حنبل قال: نا عبد الله بن نُمير، عن محمد
ابن أبي إسماعيل، عن معقل الخثعمي، عن عليّ قال: المستحاضةُ إذا
انقضَى حيضُها اغتسلت كلَّ يومٍ، واتخذت صُوفةً فيها سمن أو زيتٌ (١) .
ش- عبد الله بن نمير أبو هشام الكوفي.
ومحمد بن أبي إسماعيل، واسم أبي إسماعيل راشد الكوفي أخو
إسماعيل وعمرو. روى عن: الشعبي، وأبي الضحى مسلم بن صبيح،
وعبد الرحمن بن هلال. روى عنه: الثوري، ويحيى القطان،
وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. روى
له: مسلم، وأبو داود، والنسائي.
ومعقل الخثعمي- بالعين المهملة، ثم القاف- قد ذُكر.
وإنما أمر علي- ﵁ بالاغتسال كل يوم لأجل الاحتياط،
وأما الصوفة التي فيها السمن أو الزيت فإنها مما يدفع الدم وينشفه.
***
١٠٥- باب: من قال: تغتسل في الأيام
أي: هذا باب في بيان قول من قال: تغتسل المستحاضة في الأيام.
٢٨٧- ص- حدَثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا عبد العزيز- يعني: ابن
стр. 642
محمد-، عن محمد بن عثمان، أنه سأل القاسم عن المستحاضة قال: تَدعُ
الصلاة أيامَ أَقرائهَا، ثم تغتسلُ فَتصلِّي، ثم تغتسل في الأيامِ (١) .
ش- عبد العزيز بن محمد الدراوردي.
ومحمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع القرشي المخزومي
المدني. سمع: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن
المسيب، وجده عبد الرحمن، وابن أبي سندر. روى عنه: عبد العزيز
ابن محمد الدراوردي، وحاتم بن إسماعيل، وصفوان بن عيسى. قال
أحمد: هو ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ مدني محله الصدق. روى له
أبو داود.
قوله: " أيام أقرائها " أي: أيام حيضها.
قوله: " ثم تغتسل في الأيام " معناه: كل يوم، وحكم هذا الباب
والذي قبله في المعنى على السواء، فافهم.
ص- قال أبو داود: ورواه المسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن
ابن يربوع قال: إنما هو " من طَهر إلى طهر " فقلبها الناس " من ظهر إلى
ظهر ". قال مالك: إني لأظن حديث سعيد بن المسيب " بن طُهر إلى طُهر "
إنما هو " من ظهر إلى ظهر "، ولكن الوهم دخل فيه فقلبها الناس فقالوا ":
من طُهر إلى طُهر.
ش- أي: روى هذا الحديث المسور ولكن قال: إنما هو من طهر إلى
طهر بالمهملة فيهما.
قوله: " فقلبها الناس " أي: صحفوها وجعلوها من ظهر إلى ظهر
بالمعجمة فيهما، وقد مر الكلام فيه.
стр. 643
١٠٦- باب: فيمن قال: توضأ لكل صلاة
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة.
٨٨ ٢- ص- حدَّثنا ابن المثنى فال: نا ابن أبي عدي، عن محمد- يعني:
ابن عمرو- قال: نا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت
أبي حبيش: أنها كانت تُستحاضُ، فقالَ لها النبيُ- ﵇: " إذا
كان دَمُ الحَيضِ فإنه دَمٌ أسودُ يُعرفُ، فإذا كان ذلك فاع مسكِي عن الصلاة،
فإذا كان الآخرُ فتوضَّئِي وصَلي " (١) .
ش- ابن المثنى هو محمد بن المثنى، وابن أبي عدي هو محمد بن
أبي عدي، ومحمد بن عمرو بن حلحلة الديلي.
قوله: " تُستحاض " على صيغة المجهول.
قوله: " فإذا كان الآخر " أي: غير الا سود، وهو يشمل سائر الألوان
غير الأسود، وقد مضى الكلام فيه عندما تقدم الحديث.
ص- قال أبو داود: قال ابن المثنى: ونا به ابن أبي عدي حفظاً فقال: عن
عروةَ، عن عائشة أن فاطمةَ. قال أبو داود: روي عن العلاء بن المسيب،
وشعبة، عن الحكم، عن أبي جعفر، قال العلاء: عن النبي- ﵇
وأوقفه شعبة على أبي جعفر: توضئي لكل صلاة.
ش- " حفظاً " نصب على التمييز. وقد تقدم هذا مرة من أن ابن
أبي عدي قد حدث بهذا ابن المثنى عن كتابه مرة، وعن حفظه أخرى.
والعلاء بن المسيب/بن رافع الكوفي، والحكم بن عُتَيبة، وأبو جعفر
محمد بن علي الباقر، وقد ذكر غير مرة.
стр. 644
١٠٧- باب: فيمن لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث
أي: هذا باب في بيان قول من لم يذكر الوضوء للمستحاضة إلا عند
الحدث.
٢٨٩- ص- حدَّثنا زِياد بن أيوب قال: نا هشيم. قال: أنا أبو بشر، عن
عكرمة: أن أم حبيبةَ بنت جحش استحيضت فأمَرَهَا النبيُ- ﵇
أن تَنتَظرَ أيامَ أقرائهَا، ثم تغتسلُ وتُصَلَي، فإن رَأت شيئاً من ذلك تَوضأت
وَصَلَت (١) .
ش- زياد بن أيوب البغدادي، وهشيم بن بشير، وأبو بشر جعفر بن
إياس الواسطي.
قوله: " أيام أقرائها " أي: أيام حيضها، فإذا خرجت أيام حيضها
تغتسل وتصلي، فإن رأت بعد ذلك شيئاً توضأت وصلت، ولا يُنتقضُ
وضؤوها إلا بخروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف
ينتقض بالدخول أيضا، وقال زفر: ينتقض بالدخول والخروج، وهو
مذهب أحمد في أصح الروايتين عنه، وقد عرف في الفروع، وهذا
الحديث مرسل.
ص- قال أبو داود: وهو قولُ مالكِ وربيعةَ.
ش- أي: المذكور من الحكم هو قول مالك وربيعة بن أبي عبد الرحمن
المدني القرشي. وقال الخطابي: الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة،
وذلك أن قوله: " فإن رأت شيئاً من ذلك توضأت وصلت " يوجب عليها
الوضوء ما لم تتيقن زوال تلك العلة وانقطاعها عنها، وذلك لأنها لا تزال
ترى شيئاً من ذلك أبدا إلا أن تنقطع عنها العلة، وقد يحتمل أن
يكون قوله: " فإن رأت " بمعنى: فإن علمت شيئاً من ذلك، ورؤية
الدم لا تدوم أبداً، وقال أهل التفسير في قوله تعالى: (وَأرِنَا
стр. 645
مَنَاسكَنَا) (١) معناه: علمنا، وقول ربيعة شاذ وليس العمل عليه، وهذا
الحدَيث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش. قلت:
كلام الخطابي ليس عن تروّ؛ لأن معنى قوله: " توضأت وصلت "
يوجب عليها الوضوء بعد انقطاع أيام عادتها عند كل وقت، سواء تيقنت
زوال تلك العلة أو لا، وقوله: " قول ربيعة شاذ " غير صحيح؛ لأن
مذهب ربيعة أنه لا يرى عليها وضوءاَ عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث
هو عين مذهب أبي حنيفة وأصحابه؛ لأن أبا حنيفة أيضاً لا يرى عليها
الوضوء عند كل صلاة، وإنما يرى عليها الوضوء عند كل وقت صلاة،
فإذا خرج الوقت بطل وضوؤها كما ذكرنا.
٢٩٠- ص- ثنا عبد الملك بن شعيب قال: ثنا عبد الله بن وهب قال:
حدَّثني الليث، عن ربيعة، أنه كان لا يَرَى على المُستَحَاضَة وُضوءا عندَ كلِّ
صلاةِ إلا أن يُصِيبَهَا حَدَثٌ غيرُ الدَّم، فَتَوَضأ (٢) .
ش- عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد المصري، أبو عبد الله
الفهمي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن وهب. روى عنه: أبو حاتم
وقال: صدوق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. مات سنة
ثمان وأربعين ومائتين.
قوله: " حدث غير الدم " مثل خروج الريح والغائط والبول ونحوها.
***
١٠٨- باب: المرأة ترى الكدرة والصفرة
أي: هذا باب في بيان المرأة التي ترى الكدرة والصفرة.
٢٩١- ص- حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، عن قتادة، عن
أم الهذيل، عن أم عطية- وكانت بَايعت النبيَّ- ﵇ قالت: كُنَّا
لا نَعُدُّ الكُدرةَ والصُّفرَةَ بعدَ الطُّهرِ شيئاً (٣) .
стр. 646
ش- حماد بن سلمة.
وأم الهذيل: حفصة بنت سيرين الأنصارية البصرية، أخت محمد
وإخوته. سمعت: أنس بن مالك، وأم عطية الأنصارية. روى عنها:
محمد وإخوته، [وأيوب] السختياني، وعاصم الأحول، وهشام بن
حسان، وخالد الحذاء. روى لها الجماعة. قال ابن معين: ثقة حجة.
وقال أحمد بن عبد الله: هي ثقة.
وأم عطية قال أحمد: اسمها نسيبة وقال غيره: نُسَيبة بنت كعب.
ويقال: بنت الحارث الأنصارية. رُوي لها عن رسول الله أربعون حديثاً،
اتفقا على ستة، وللبخاري حديث، ولمسلم آخر. روى عنها: ابن
سيرين، وأخته حفصة. روى لها الجماعة. نزلت البصرة وسكنتها.
قوله: " كنا لا نعد الكدرة والصفرة " الكُدرة: اسم الكَدَر،
والكُدُورة: من كدر الماء بالضم يكدر، وجاء كَدِرَ يكدَر مثل عَلمَ يعلَم،
والكدر خلاف الصفو، يقال فيه: مثل فخِذ وفَخذ، والصفرة: لون
الأصفر، وقد اصفر الشيء واصفار، وصفَّره غيره، واختلف الناس في
الصفرة والكدرة بعد الطهر والنقاء، فروي عن عليّ- ﵁
/أنه قال: ليس ذلك بحيض، ولا يترك لها الصلاة، ولتتوضأ ولتصل،
وهو قول سفيان الثوري، والأوزاعي. وقال سعيد بن المسيب: إذا رأت
ذلك اغتسلت وصلت، وبه قال أحمد بن حنبل. وعن أبي حنيفة: إذا
رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم الصفرة أو الكدرة يوماً أو يومين ما لم
تجاوز العشرة فهو من حيضها، ولا تطهر حتى ترى البياض خالصاً.
واختلف قول أصحاب الشافعي في هذا، فالمشهور من مذهب أصحابه
أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم تجاوز خمسة
стр. 647
عشر يوماً فإنها حيض. وقال بعضهم: إذا رأتها في أيام العادة كانت
حيضاً، ولا يعتبر بها فيما جاوزها، فأما البكر إذا رأت أول ما رأت الدم
صفرة أو كدرة فإنهما لا يعدان في قول أكثر الفقهاء حيضا، وهو قول
عائشة، وعطاء. وقال بعض أصحاب الشافعي: حكم المبتدأة بالصفرة
والكدرة حكم الحيض، وحجة أصحابنا ما رواه مالك. وعند محمد بن
الحسن في موطئهما، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة
قالت: كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة
من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين
القَصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة. ورواه عبد الرزاق في
" مصنفه " (: أخبرنا معمر، عن علقمة بن أبي علقمة به سواء. وأخرجه
البخاري في " صحيحه " تعليقاً ولفظه: قال: وكن النساء يبعثن إلى
عائشة بالكرسف فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة
البيضاء.
وفي " المصنف " (١) : ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن
إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا
في حجرها مع بنات أبيها، فكانت إحدانا تطهر، ثم تصلي، ثم تنكس
بالصفرة اليسيرة فنسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا
ترين إلا البياض خالصاً. والقَصّةُ- بالقاف المفتوحة، وتشديد الصاد
المهملة- هي الجص. وقول عائشة أقوى من قول أم عطية؛ لأنها أعلم
وأدرى وأقرب إلى الرسول- ﵇، وحديث أم عطية أخرجه
البخاري، والنسائي، وابن ماجه، ولكن ليس فيه " بعد الطهر ". فإن
قيل: ما حكم الخُضرة؟ قلت: الصحيح إن كانت المرأة من ذوات الأقراء
تكون حيضاً، ويحمل على فساد الغذاء، وإن كانت كبيرة لا ترى غير
الخضرة يحمل على فساد المنبت فلا يكون حيضاً.
стр. 648
٢٩٢- ص- حدَّثنا مسدد قال: نا إسماعيل قال: أنا أيوب، عن محمد
ابن سيرين، عن أم عطية بمثله. قال أبو داود: أم الهذيل هي حفصة، كان
ابنها اسمه هذيل، واسم زوجها عبد الرحمن (١) .
ش- إسماعيل ابن علية، وأيوب السختياني. أشار بهذا أبو داود إلى
طريقة أخرى في التخريج.
١٠٩- باب: المستحاضة يغشاها زوجها
أي: هذا باب في بيان حكم المستحاضة التي يقربها زوجها.
٢٩٣- ص- حدَثنا إبراهيم بن خالد قال: نا مُعلى- يعني: ابن منصور-
عن عليّ بن مسهر، عن الشيباني، عن عكرمة قال: كانت أمُّ حبيبةَ
تُستحاضُ، وكان زوجُها يَغشَاهَا (٢) .
ش- إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي.
ومُعلى بن منصور أبو يعلى الرازي، سكن بغداد. روى عن: مالك
ابن أنس، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وأبي يوسف
القاضي، وغيرهم. روى عنه: زهير بن حرب، وأبو قدامة السرخسي،
وأبو ثور، والبخاري في غير " الجامع "، وغيرهم. قال أحمد بن
حنبل: كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطئ في حديثين
وثلاثة. وفي لفظ: كان يكتب الشُّرُوطَ، ومن كتبها لم يَخلُ [من] أن
يكذب. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة، صاحب سُنَة. وقال ابن معين:
ثقة. وقال ابن سعد: كان صدوقاً، صاحب حديث ورأي وفقه.
стр. 649
توفي سنة إحدى عشرة ومائتين. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن
ماجه ٠
وعلي بن مسهر أبو الحسن الكوفي القرشي، قاضي الموصل، أخو
عبد الرحمن. سمع: إسماعيل بن أبي خالد، وأبا إسحاق الشيباني
وبشيراً، وابن جريج، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: الحسن بن
الربيع، وبشير بن آدم، وزكريا بن عدي/، وغيرهم. قال ابن معين:
ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. مات سنة تسع وثمانين ومائة. روى
له الجماعة.
والشيباني هو أبو إسحاق.
قوله: " وكان زوجها يغشاها " من غشيها غشياناً، إذا جامعها.
واعلم أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام، فيجوز
لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عند الجمهور، وهو المنقول عن:
ابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وسعيد بن
جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزني،
والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، ومالك، والشافعي. قال ابن
المنذر: وبه أقول. وعن عائشة: إنما (١) لا يأتيها زوجها، وبه قال
النخعي والحكم، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن
تطول. وفي رواية: إلا أن يخاف زوجها العنت. واستدلت الجمهور
بهذا الحديث، وإسناده حسن، ورواه البيهقي أيضاً وغيرهما.
٢٩٤- ص- نا أحمد بن [أبي] سُريج الرازي قال: أخبرني عبد الله بن
الجهم قال: نا عمرو- يعني: ابن أبي قيس- عن عكرمة، عن حمنة بنت
جحش: أنها كانت مُستحاضة، وكان زوجُها يُجَامعُهَا (٢) .
ش- أحمد بن أبي سُريج- بالسين المهملةَ والجيم- وهو أحمد بن
الصباح النهشلي أبو جعفر الدارمي الرازي، يعد في البغداديين. سمع:
إسماعيل ابن علية، ووكيعاً، ومروان بن معاوية، وغيرهم. روى عنه:
стр. 650
أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، والنسائي. وقال
أبو حاتم: صدوق.
وعبد الله بن جهم أبو عبد الرحمن الرازي. روى عن: عمرو بن
أبي قيس، وزكريا بن ملازم، وعكرمة بن إبراهيم، وغيرهم. روى عنه:
أحمد بن أبي سريج، ويوسف بن موسى، ونوح بن أنس، وغيرهم.
قال أبو زرعة: كان صدوقاً، رأيته ولم أكتب عنه. روى له أبو داود.
وعمرو بن أبي قيس الرازي كوفي، نزل الري. روى عن: عاصم بن
بهدلة، وسماك بن حرب، ومحمد بن المنكدر، وأيوب السختياني،
وغيرهم. روى عنه: إسحاق بن سليمان، ومحمد بن سعيد، والسندي
ابن عبدون، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه. وقال الشيخ زكي الدين: في سماع عكرمة عن أم حبيبة
وحمنة نظر، وليس فيهما ما يدل على سماعه منهما، والله أعلم.
***
١١٠- باب: وقت النفساء
أي: هذا باب في بيان وقت النفساء، يقال: امرأة نفساء، إذا ولدت،
وجمعها " نفساوات " مثل عشراء تجمع على " عشراوات "، وامرأتان
نفساوان، أبدلوا من همزة التأنيث واواَ، وقد نفست المرأة بالكسر،
ويقال أيضاً: نُفسَت المرأةُ غلاماً على ما لم يسم فاَعله، والولد منفوس
والنفاس ولادة الَمرأةَ. وقالت الفقهاء: النفاس: دم يعقب الولد، وفي
" المغرب ": والنفاس أيضاً جمع " نفساء ".
٢٩٥- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال: نا علىّ بن
عبد الأعلى، عن أبي سَهل، عن مسة، عن أم سلمة: كانتِ النفساء على
عهد رسول الله- ﵇ تقعد بعدَ نفَاسهَا أربعين يوماً أو أربعين
ليلة وكما نُطلِي على وجوهِنَا الوَرسَ، تعني: من اَلكَلَفِ (١) .
стр. 651
ش- أحمد بن يونس بن زهير الضبي، وزهير بن معاوية.
وعلي بن عبد الأعلى الأحول أبو الحسن الكوفي الثعلبي. روى عن:
أبيه، وأبي سَهل، والحكم بن عتيبة. روى عنه: شجاع بن الوليد،
وزهير بن معاوية، وعمرو بن أبي قيس، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل:
ليس به بأس. وقال البخاري: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه.
وأبو سهل: كثير بن زياد البُرساني الأزدي، بصري الأصل، سكن
بلخ. سمع: الحسن البصري، وأبا سمية، ومُسّة. روى عنه: غالب
ابن سليمان، وحماد بن زيد، وعمر بر الرماح، وجماعة آخرون ٠ قال
ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه.
ومُسّة الأزدية: أم بُسَّة، روت عن: أم سلمة أم المؤمنين. روى عنها:
كثير بن زياد. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
قوله: " على عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه.
قوله: " بعد نفاسها " أي: بعد ولادتها.
قوله: " وكنا نطلي " من طليت الشيء بالدهن وغيره طلياً، وتطليت
به، وأطليت به.
و" الوَرس " بفتح الواو وسكون الراء، وفي آخره سين مهملة: نبت
يكون باليمن،/يخرج على الرَّمث بين الشتاء والصيف، والرمث
- بكسر الراء، وسكون الميم، وبعدها ثاء مثلثة-: مرعى من مراعي الإبل،
وهو من الحَمض، وأورس الرّمثُ أي: اصفر ورقه بعد الإدراك، فصار
عليه مثل المُلاء الضُفر، والحمض ماء ملح وأمر من النبات. وقال
الجوهري: الوَرس نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغُمرة للوجه،
تقول فيه: أورس المكان فهو وارس، ولا يقال: مورس، وهو من
стр. 652
النوادر. وقال ابن الأثير: الوَرسُ: نبت أصفر يُصبغ به. قلت: وفي
البلاد الشمالية يصبغون به الأقراص والخشلنانج.
قوله: " من الكَلَف " الكلف: شيء يعلو الوجه كالسمسم، وهو لون
بين السواد والحمرة، وهي حمرة كدرة تعلو الوجه، وهو بفتح الكاف
واللام.
وبهذا الحديث تمسك أصحابنا في أكثر النفاس أربعون يوماً، وهو قول
أكثر أهل العلم، وقد رُوي ذلك عن: عمر بن الخطاب، وابن عباس،
وأنس بن مالك، وهو قول سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن راهويه. وقال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس. ورُوي عن
الشعبي وعطاء أنهما جعلا النفاس أقصاه شهرين، وإليه ذهب الشافعي.
وحكي عن مالك أنه كان يقول به في الأول ثم رجع عنه، وقال: تسأل
النساء عن ذلك، ولم يحد فيه حدا. ومما احتج به أصحابنا على
مخالفيهم: ما رواه ابن ماجه بإسناده إلى أنس: أن رسول الله- عليه
السلام- وَقَّت للنفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. ورواه
الدارقطني في " سننه "، وما رواه الحاكم في " مستدركه " بإسناده إلى
عثمان بن أبي العاص قال: وَقتَ رسول الله للنفساء أربعين يوماً. ورواه
الدارقطني في " سننه "، وما رواه الطبراني في " معجمه الوسط " بإسناده
إلى جابر قال: وَقَّت للنفساء أربعين يوماً دماً. أخرجه ابن عدي في
" الكامل " بإسناده إلى أبي الدرداء وأبي هريرة قالا: قال رسول الله:
" تنتظر النفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإن بلغت
أربعين يوماً ولم تر الطهر فلتغتسل وهي بمنزلة المستحاضة ".
وحديث مُسة أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: لا نعرفه
إلا من حديث أبي سهل عن مُسة الأزدية.
وقال الخطابي: وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل.
ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال (حديث صحيح الإسناد ولم
стр. 653
يخرجاه. ورواه الدارقطني والبيهقي في " سننهما "، وقال عبد الحق في
" أحكامه ": أحاديث هذا الباب معلولة وأحسنها حديث مُسة الأزدية. ولا
يلتفت في ذلك إلى كلام ابن القطان حيث قال: وحديث مُسة معلول؛
لأن مُسة لا يعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث. ولا
إلى كلام ابن حبان في كتاب " الضعفاء " أن كثير بن زياد يروي الأشياء
المقلوبات، فاستحق مجانبة ما انفرد به من الروايات لأن البخاري أثنى
على هذا الحديث وقال: مُسة هذه أزدية، وكثير بن زياد ثقة، وكذا قال
ابن معين: ثقة. كما مر.
٢٩٦- ص- حدثنا الحسن بن يحيى قال: نا محمد بن حاتم قال: نا
عبد الله بن المبارك، عن يوِنس بن نافع، عن كثير بن زياد أبي سهل قال:
حدثتني الأزِدية قالت: حَججتُ فدخلتُ على أمِّ سلمةَ فقلتُ: يا أم المؤمنين
إن سَمُرةَ بن جُندب يأمرُ النِّساءَ يقضينَ صلاةَ المَحيضِ، فقالت: لا تَقضينَ،
كانت المرأةُ من نساًء النبيِّ- ﵇ تقعدُ في النفاس أربعين ليلَةً لا
يأمرُها النبيُّ- ﵇ بقضاءِ صلاةِ النفاسِ (١) .
ش- الحسن بن يحيى الرُّزِّي روى عن: عبد الله بن عبد الرحمن،
ومحمد بن حاتم الجرجرائي، ومحمد بن بلال. روى عنه: أبو داود،
وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن عمرو البزار، وغيرهم. ومحمد بن
حاتم بن يونس الجرجرائي المعروف بحبي- بكسر الحاء المهملة وبعدها باء
موحدة- روى عن: عبد الله بن المبارَك. روى عنه: أبو داود، وجعفر
ابن محمد القطان ٠ قال أبو حاتم: وكان صدوقاً، وروى النسائي عن
رجل عنه. مات سنة خمس وعشرين ومائتين.
/ويونس بن نافع الخراساني أبو غانم. روى عن: عمرو بن دينار،
وأبي سهل كثير بن زياد. روى عنه: ابن المبارك، ويحيى بن واضح،
ومعاذ بن أسد، وعتبة بن عبد الله المروزي. روى له: أبو داود، والنسائي.
стр. 654
وهذا الحديث حُجة أيضاً لأصحابنا على مخالفيهم، وقال ابن القطان
في " كتابه ": أزواج النبي- ﵇ لم يكن منهن نفساء معه إلا
خديجة، ونكاحها كان قبل الهجرة، فلا معنى لقولها: " كانت المرأة "
إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه من بنات وقريبات وسريته مارية.
- ص- قال محمد بن حاتم: واسمها مُسة، وتكنى أم بَسةَ.
ش- محمد بن حاتم المذكور.
قوله: " واسمها " أي: اسم الأزدية " مُسة " بضم الميم، وتكنى:
أم بَسة بفتح الباء الموحدة.
١١١- باب: الاغتسال من المحيض
أي: هذا باب في بيان اغتسال الحائض من المحيض، أي: الحيض.
٢٩٧- ص- حدَثنا محمد بن عمرو الرازي قال: نا سلمة- يعني: ابن
الفضل- قال: حدَثني محمد- يعني: ابن إسحاق- عن سليمان بن سحيم
عن أمية بنت أبي الصلت، عن امرأة من غفار وقد سماها لي قالت:
فأردفني النبيُّ- ﵇ على حَقِيبةِ رَحله. قالت: فوالله لَنَزَلَ (١)
رسولُ الله إلى الصبح فأناخ، ونزلتُ عن حَقيبةَ رَحله، فإذا بهاَ دَمٌ منَي،
وكانت أول حَيضةٍ حِضتُها، قالت: فتقبضت إلَى النَاقَة واستَحيَيتُ، فلما
رأى رسولُ الله ما بي، ورأى الدمَ قال: " مَا لك؟ لَعَلَكَ نُفستِ " قلت:
نعم. قال: " فَأَصلحِي من نفسك، ثم خُذِي إناءً مَن ماء فاطَرَحَي فيه ملحاً،
ثم اغسلي ما أصاب الحقيبةَ منَ الَدم، ثم عُودي لمَركَبِك ". قالت: فلمَا فَتحَ
رسولُ اللهِ خيبرَ رضَخَ لنا من الفَيءِ. قال: َ وكانت لاَ تَطهرُ من حَيضَة إلا
جعلت في طُهورِهَا مِلحاً، وأوصت به أن يُجعلَ في غُسلِهَا حين مَاتَت (٢) .
ش- محمد بن عمرو بن بكر بن سالم، وقيل: بكر بن مالك بن
стр. 655
الحُباب الطّلاس العدوي عدي تميم الرازي التميمي أبو غسان المعروف
بزُنَيج صاحب الطيالسة. سمع: جرير بن عبد الحميد، وعبد الرحمن
ابن مغراء (١) الدوسي، وجابر بن إسماعيل، وسلمة بن. الفضل،
وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم
وأبو داود، والترمذي، وغيرهم. مات سنة أربع ومائتين.
وسلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الأزرق الرازي، قاضي الري.
سمع: أيمن بن نابل (٢) ، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق بن راشد،
وغيرهم. روى عنه: يوسف بن موسى القطان، ويحيى بن معين،
ومحمد بن عيسى الدامغاني، وغيرهم. قال ابن معين: وكان يتشيع
وكتبت عنه، وليس به بأس. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال
أبو حاتم: محله الصدق، في حديثه إنكار، ليس بالقوي، لا يمكن أن
أطلق لساني فيه بأكثر من هذا، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال محمد
ابن سعد: كان ثقة صدوقاً، وهو صاحب مغازي محمد بن إسحاق.
وتوفي بالري، وقد أتى عليه مائة وعشرون سنة (٣) [مات] بعد التسعين
ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، ومحمد بن إسحاق بن يسار.
وسليمان بن سُحَيم- بضم السين، وفتح الحاء المهملتين- أبو أيوب
المدني الخزاعي، مولى بني كعب من خزاعة. روى عن: إبراهيم بن
عبد الله بن مَعبد بن عباس، وطلحة بن عبيد الله بن كَرِيز. روى عنه:
ابن جريج، ومحمد بن إسحاق، وابن عيينة، وغيرهم. قال أحمد بن
حنبل: ليس به بأس. توفي في خلافة أبي جعفر المنصور. وقال ابن
سَعد: وكان ثقة، له أحاديث. روى له الجماعة إلا الترمذي.
وأُمَية بنت أبي الصلت- بضم الهمزة، وفتح الميم، وتشديد الياء آخر
стр. 656
الحروف- والصحيح أنها أمنة- بفتح الهمزة، وكسر الميم، وفتح النون-
وهي أم سليمان بن سحيم المذكور.
قوله: " من غفار " وفي بعض النسخ: " من بني غفار ".
قوله: " على حقيبة رَحله " الحقيبة- بفتح الحاء وكسر القاف-: الوعاء
الذي يجمع فيه الرجل متاعه، وتُشَدّ في مؤخَّر الرَّحل، وجمعها:
حقائب، وحقب /مثل: سفينة، وسفائن، وسفن، والرَّحلُ: الذي
يركب عليه على الإبل، وهو الكَور، وهو له كالسرج للفرس.
قو له: " فأناخ " أي: راحلته.
قوله: " فإذا بها " أي: بالحقيبة، وهي فاء المفاجأة، وارتفاع " دم "
على أنه مبتدأ، وقوله: " بها " مقدماً خبره.
وقوله: " مني " في محل الرفع على أنه صفة لقوله: " دم " ومتعلقه
محذوف، أي: دم حاصل مني.
قوله: " وكانت أول حيضة " الضمير الذي في " كانت " يرجع إلى
الدم، والتأنيث باعتبار الحيضة، وانتصاب " أول " على أنه خبر " كانت ".
قوله: " حِضتها " في محل الجر على أنه صفة " حيضة ".
قوله: " فتقبضت إلى الناقة " أي: انزويت، وذلك لأجل استحيائها.
قوله: " ما بي " أي: من التقبض والانزواء والاستحياء.
قوله: " لعلك نُفست " بضم النون وكسر الفاء، بمعنى: حضتِ،
وجاء فتح النون أيضاً، وقال ابن الأثير: يقال: نُفسَت المرأةَ- بضم
النون وفتحها- فهي منفوسة، ونفساء إذا ولدت، فأَما الحيض فلا يقال
فيه إلا نَفِسَت بالفتح.
قوله: " فاطرحي فيه ملحاً " قيل: الملح المطعوم، أمرها به لأجل
المبالغة ير التنقية، ويحوز أن يكون المراد: المِلح الذي يظهر في الأراضي
السبخة والأحجار التي تملح، وهو غير المطعوم، وذلك لما فيه من قوة
الجلاء والتنقية.
стр. 657
قوله: " فلما فتح رسول الله خيبر " وكان فتح خيبر في صفر في سنة سبع
من الهجرة، وسميت خيبر باسم رجل من العماليق نزلها، وهو خيبر بن
قانية بن مهلاسل، وبينها وبين المدينة ثمانية بُرد.
قوله: " رضخ لنا من الفيء " الرضخ- بالضاد والخاء المعجمتين-:
العطية القليلة، والفيء: الغنيمة.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: جواز إرداف الرجل المرأة
على مركوبه.
الثانية: جواز استعمال الملح في غسل الثوب، وتنقيته من الدم، وفي
معناه سائر المطعومات حتى إنه يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان ثوباً من
إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا
التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلاء والترمس ونحوهما من
الأشياء التي لها قوة الجلاء، وعن يونس بن عبد الأعلى: دخلت الحمام
بمصر فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة.
وفي " المصنف ": حدثنا أبو بكر قال: نا أبو أسامة، عن مسعر،
عن حماد، عن إبراهيم، أنه كان لا يرى بأساً أن يغسل الرجل يده بشيء
من الدقيق والسويق.
حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن أبي معشر قال: أكلت مع إبراهيم
سمكاً، فدعى لي بسويق فغسلت يدي.
وحدثنا يزيد بن هارون، عن حبيب، عن عمرو بن هرم قال: سئل
جابر بن زيد، عن الرجل يغسل يده بالدقيق والخبز من الغَمرِ فقال: لا
بأس بذلك. وجاءت فيه الكراهة أيضاً، قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن
مهدي، عن مبارك، عن الحسن أنه كان يكره أن يغسل يده بدقيق أو
بطحين.
الثالثة: وجوب غسل دم الاستحاضة.
الرابعة: جواز الرضخ من الغنيمة للنساء ومَن في معناهن.
стр. 658
٢٩٨- ص- حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا سَلام بن سُلَيم، عن
إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشةَ قالت: دخلَت أسماء
على رسول الله فقالت: يا رسولَ الله، كيف تَغتسِلُ إِحدَانا إذا طَهُرَت من
المَحِيضِ؟ قَالَ: " تأخذُ سدرَهَا ومَاَءَهَا فتوضأ، وتَغسلُ رَأسَهَا، وتُدَلكُه
حتى يَبلغَ الماءُ أصولَ شعرِهًا، ثم تُفيضُ على جَسَدهَا، ثم تاً خُذ فِرصَتها
فَتَطَّهَر بها ". قالت: يا رسولَ الله، كَيف أتَطَهَّر بها؟ َ قالت عائشةُ: فَعَرَفتُ
الذي يَكنِي عنه رسولُ اللهِ، فقلتَ لها: تَتَبَعِينَ آثَارَ (١) الدم (٢) .
ش- سَلام بن سليم أبو الأحوص الكوفي الحنفي الجشمي مولاهم،
وذكر كثيراً في الكتاب بكنيته أبي الأحوص، وسنذكر ترجمته فيما بعد
عندما يذكره أبو داود بقوله أبو الأحوص لا غير.
/وإبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي أبو إسحاق الكوفي. سمع:
طارق بن شهاب، ومجاهد بن جبر، وإبراهيم النخعي، وصفية بنت
شيبة، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وشريك، والأعمش،
وسلام بن سُليم. قال سفيان: لا بأس به. وكذا قال أحمد، وقال
يحيى القطان: لم يكن بقوي. وقال أحمد بن عبد الله: هو كوفي جائز
الحديث. وقال ابن عدي: هو عندي أصلح من إبراهيم الهجري،
وحديثه يكتب في الضعفاء. روى له الجماعة إلا البخاري.
قوله: " دخلت أسماء " وهي بنت شكَل كذا وقع في " صحيح مسلم "
بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين. قال الشيخ محيي الدين: هذا هو
الصحيح المشهور. وحكى فيه صاحب " المطالع " إسكان الكاف. وقال
стр. 659
الخطيب في كتابه " الأسماء المبهمة ": إن اسمها أسماء بنت يزيد بن
السكن التي كان يقال لها: خطيبة النساء. وروى الخطيب حديثاً فيه
تسميتها بذلك، والله أعلم.
قوله: " من المحيض " أي: الحيض.
قوله: " فتوضأ " أي: تتوضأ، حذفت إحدى التائين، أي: توضأ
وضوء الصلاة.
قوله: " ثم تأخذ فرصتها " الفِرصة- بكسر الفاء، وسكون الراء،
وبالصاد المهملة- وهي قطعة من قطن أو صوف تُفرصُ، أي: تقطع،
وقد طيبت بالمسك أو بغيره من الطيب فتتبع بها المرأة أثر الدم، ليقطع عنها
رائحة الأذى.
قوله: " يكني عنه " بفتح الياء وسكون الكاف من الكناية.
قوله: " آثار الدم " الآثار جمع " أثر "، وأثر الشيء: ما بقي من
رسمه، وفي بعض النسخ: " تتبعين أثر الدم " موضع الآثار.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: استحباب استعمال السدر
لأجل التنقية.
الثانية: استحباب دلك رأسها حتى يبلغ الماء أصول شعرها.
الثالثة: استحباب أن تأخذ شيئاً من مسك أو طيب فتجعله في قطنة أو
خرقة أو نحوهما، فتتبع بها آثار الدم، وهو عام يتناول جميع المواضع
التي أصابها الدم من بدنها، والذي ذكره المحدثون وشراح الحديث أنها
تأخذ الفِرصة الممسكة وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها، وما قلنا أعم
وأشمل بظاهر الحديث، والنفساء في معنى الحائض.
الرابعة: استحباب استعمالها بعد الغسل لدلالة صريح الحديث هكذا،
وبهذا يرد قول من قال: تستعملها قبل الغسل.
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، ولكن
بعبارات مختلفة.
стр. 660
٢٩٩- ص- حدَثنا مسدد بن مسرهد قال: نا أبو عوانة، عن إبراهيمِ بن
مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشةَ أنها ذكَرت نساءَ الأنصار، فأثنت
عليهِنَّ قالت لهن معروفاً، قالت: دَخلَت امرأة منهنَ على رَسولَ اللهِ ﷺ .
فذكر معناه، إلا أنه قال: " فرصةً مُمَسَّكةً ". قال مسدد: كان أَبو عوانةَ
يقول: " قَرصة "، وكان أبو الأحوص يقول: " قَرضَةً " (١) .
ش- أبو عوانة الوضاح، وأبو الأحوص عوف بن مالك، وقد ذُكرا.
قوله: " معروفاً " أي: قولاً معروفاً.
قوله: " فرصة ممسكة " أي: مطيبة بالمسك أو بغيره من الطيب، تتبع
بها أثر الدم لينقطع رائحة الأذى. وقال بعضهم: الممسكة على معنى
الإمساك دون الطيب، يريد أنها تُمسكها بيدها فتستعملها، وقال: متى
كان المسك عندهم بالحال الذي يمتهن في هذا؟! وقيل: ممسكة مُتحملة،
يعني: تحمليها معك. وقيل: الممسكة الخَلِقُ التي أمسكت كثيراَ، فإنه
أراد أن لا تستعمل الجديد من القطن وغيره للارتفاق به، ولأن الخَلِقَ
أصلح لذلك. ورواه بعضهم بكسر السن، أي: ذات مساك. وروي:
" فرصة من مِسك " بكسر الميم، أي: قطنة من المسك الطيب المعلوم.
ورواه بعضهم بفتح الميم، أي: قطعة جلد فيه شعر. والأول أظهر لقوله
في بعض الأحاديث: " فإن لم تجد فطيباً غيره، فإن لم تجد فالماء كاف "
ووقع في كتاب عبد الرزاق: يعني: بالفرصة المسك. وقال بعضهم:
الذريرة. واختلف العلماء في الحكمة في استعمال المسك/، فالصحيح
المشهور أن المقصود به تطييب المحل، ودفع الرائحة الكريهة، وحكى
الماوردي عن البعض: أن المراد منه كونه أسرع إلى علوق الولد، ثم قال.
فإن قلنا بالأول فتستعمل عند عدم المسك ما يقوم مقامه في طيب الرائحة،
وإن قلنا بالثاني فتستعمل ما يقوم مقامه في ذلك من القُسط والأظفار
وشبههما.
стр. 661
وقال الشيخ محيي الدين (١) : قول من قال: إن المراد الإسراع في
العلوق ضعيف وباطل، فإنه على مقتضى قوله: ينبغي أن يخص به ذوات
الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعه في الحال، وهذا شيء لم يصر إليه أحد
نعلمه، وإطلاق الأحاديث يرد على من التزمه، بل الصواب أن المراد
تطييب المحل، وإزالة الرائحة الكريهة، وأن ذلك مستحب لكل مغتسلة
من الحيض أو النفاس، سواء كانت ذات الزوج أو غيرها.
قوله: " كان أبو عوانة يقول: قرصة " بفتح القاف، وسكون الراء،
وبالصاد المهملة، أي: شيئاً يسيرا مثل القرصة بطرف الإصبعين.
قوله: " وكان أبو الأحوص يقول: قرضةً " بفتح القاف، وسكون
الراء، وبالضاد المعجمة، أي: قطعة من القَرض القطيع. وحكي هذا
عن ابن قتيبة أيضاً، والمشهور الرواية الأولى، وهي " الفِرصة " بكسر
الفاء، وسكون الراء، وبالصاد المهملة.
٣٠٠- ص- حدثَنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري قال: حدثَّني
أبي قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن
عائشة أن أسماءَ سألت رسولَ الله- ﵇ بمعناه؟ قال: " فِرصة
مُمسكةً " قالت: قلتُ: وكيف تَطهَرُ (٢) بها؟ قال: " سُبحانَ اللهِ تَطَهَرِي
بها، واستَترِي بثوب "، وزاد: وسألته عن الغسل من الجَنابة فقال:
" تأخُذينَ ماءك فَتَطَّهَرِينً أحسنَ الطهورِ وأبلَغَهُ، ثم تصبِّينَ على رأسَكِ الماءَ،
ثم تُدلِّكينَهُ حتى يَبلغَ شُؤونَ رأسك، ثم تُفيضينَ عليك المَاءَ ". قالَ: وقالت
عائشةُ: نِعمَ النساءُ نساءُ الأنصَارَ، لم يَكنَ يمنعهُنّ الحياءُ أن يَسألن عن
الدينِ، ويَتفقهنَ (٣) فيهِ (٤) .
стр. 662
ش- قد ذكرنا أن " سبحان الله " في مثل هذا الموضع يراد بها
التعجب، وكذا " لا إله إلا الله "، ومعنى التعجب: كيف يخفى مثل هذا
الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟ وفيه جواز التسبيح عند
التعجب من الشيء واستعظامه، وكذلك يحوز عند التنبيه على الشيء
والتذكير به.
قوله: " فتطهرين أحسن الطهور " بضم الطاء، والمراد منه الوضوء
الكامل.
قوله: " حتى يبلغ شؤون رأسك " بضم الشن المعجمة وبعدها همزة،
ومعناه: أصول شعر رأسها، وأصل الشؤون: الخطوط التي في عظم
الجمجمة، وهو مجتمع شعب عظامها، الواحد منها شأن. وقال الشيخ
زكي الدين: الشؤَون: عظام الرأس وطرائقه ومواصل قبائله، وهي أربع
بعضها فوق بعض.
قوله: " نعم النساء " اعلم أن " نعم " من أفعال المدح، كما أن " بئس "
من أفعال الذم، وهي ما وضع لإنشاء مدح أو ذم، وشرطها أن يكون
الفاعل معرفاً باللام، أو مضافاً إلى المعرف بها، وهما فعلان بدليل جواز
اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما في كل اللغات، ويحوز حذفها وإن كان
الفاعل مؤنثاً حقيقيا؛ لأنه غير متصرف فأشبه الحرف، ومنه قول عائشة
﵂ حيث قالت: " نعم النساء "، ولم تقل: " نعمت
النساء "، فارتفاع " النساء " على الفاعلية، وارتفاع " النساء " الثانية على
أنها مخصوصة بالمدح كما في قولك: نعم الرجل زيد، فيكون هذا
مبتدأ، وما قبله الجملة خبر عنه.
قوله: " أن يسألن " في موضع النصب على المفعولية، و " أن "
مصدرية، والتقدير: لم يكن يمنعهن الحياء سؤالهن عن أمور الدين.
***
стр. 663
١١٢- باب: التيمم
أي: هذا باب في بيان أمور التيمم، ولما فرغ عن الوضوء الذي هو
طهارة صغرى، وعن الغسل الذي هو طهارة كبرى، وما يتعلق بهما،
شرع في بيان التيمم الذي هو خلف/عن الوضوء، قدم الوضوء أولاً
لأنه الأعم الأغلب، ثم بالغسل لأنه الأندر، ثم بالخلف لأنه أبداَ يلي
الأصل، وهو في اللغة: مطلق القصد. قال الشاعر:
ولا أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة
القربة. وسبب وجوبها ما هو سبب وجوب الوضوء، وشرط جوازها
العجز عن استعمال الماء؛ لأنه خلف لا يشرع معه، وإنما لم يقل كتاب
التيمم لما ذكرنا أن كتاب الطهارة يشمله، فلا يحتاج إلى ذكر الكتاب، بل
يحتاج إلى الذكر بالنوع وهو الباب.
٣٠١- ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا أبو معاوية ح، ونا
عثمان بن أبي شيبة قال: أنا عَبدةُ- المعنى واحد-، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشةَ قالت: بَعثَ رسولُ اللهِ ﷺ أسَيدَ بنَ حُضَيرٍ وأناساً معه في
طلب قلادَة أضلَّتهَا عائشةُ، فحضَرَت الصلاةُ فصلُوا بغيرِ وُضوء، فأتَوا
النبي- ﵇ فذكروا ذلك له، فأنزِلَت آيةُ التيمم. زاد ابن نفيل:
فقال لها أسَيدٌ: يرحَمُك اللهُ، ما نزلَ بك أمرٌ تكرهينَه إلا جَعَلَ اللهُ
للمسلمينَ ولكِ فيه فَرَجاً (١) .
ش- أبو معاوية الضرير، وعَبدة بن سليمان الكلابي، وأُسَيد بن
حضير بالضم فيهما.
стр. 664
قوله: " بعث رسولُ الله أسيدَ بن حُضَير " وفى رواية للبخاري: " فبعث
رسول الله رجلاَ فوجدها "، وفي رواية: " رجلين "، وفي رواية:
" ناساً "، وهي قضية واحدة.
قوله: " قلادة " القلادة- بكسر القاف- التي في العنق.
فوله: " أضلتها " أي: أضاعتها، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل
عن الطريق إذا جَارَ.
قوله: " فصلوا بغير وضوء " استدل به من قال: إن من لم يجد ماء ولا
تراباً لا يترك الصلاة إذا حضر وقتها على كل حال، وذلك لأن القوم
الذين بعثهم رسول الله- ﵇ في طلب القلادة كانوا على غير
ماء، ولم يكن رخص لهم بعد في التيمم بالتراب، وإنما نزلت آية التيمم
بعد ذلك، فكانوا في معنى من لا يحد الماء ولا التراب، ولو كانوا
ممنوعين من الصلاة- وتلك حالهم- لأنكره النبي- ﵇ حين
أعلموه ذلك، ولَنَهاهم عنه فيما يستقبلونه، إذ لا يجوز سكوته على باطل،
ولا تأخيره البيان في واجب عن وقته. وعن الشافعي أربعة أقوال،
أصحها: يجب عليه أن يصلي، ويجب عليه أن يعيد إذا زالت الضرورة.
الثاني: لا يجب عليه الصلاة ولكن يستحب، ويجب القضاء سواء صلى
أو لم يصل. والثالث: تجب الصلاة، ولا تجب الإعادة، وبه قال
المزني. والرابع: يحرم عليه الصلاة لكونه محدثاً، وتجب الإعادة، وهو
قول أصحابنا، واحتجوا بقوله- ﵇: " لا يقبل الله صلاة
بغير طهور ". والجواب عن هذا أنهم صلوا صلاتهم تلك اجتهاداً،
والمجتهد يخطى ويصيب، والبيان يحوز تأخيره إلى وقت الحاجة، ولا
يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
قوله: " فأنزلت آية التيمم " وهي قوله تعالى: (فَلَم (١) تَجدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طيِّباً) (٢) ، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، وَهي في
السنة السادسَة من الهجرة.
стр. 665
قوله: " زاد ابن نفيل " هو عبد الله بن محمد بن نفيل، شيخ أبي داود،
وقد ذكرناه.
قوله: " ما نزل بك " من قولهم: نزل به أمر إذا أصابه شيء يكرهه،
ومنه النازلة وهي الشديدة من شدائد الدهر.
قوله: " تكرهينه " في محل الرفع على أنها صفة للأمر. والحديث
أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
٣٠٢- ص- حدَثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال:
أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدَثه، عن
عمار بن ياسر، أنه كان يحدث أنهم تَمسَّحُوا وهم مع رسولِ اللهِ بالصَعِيد
لصلاةِ الفجرِ، فضربوا با " كُفهمُ الصَعيدَ، ثم مَسَحُوا بوجوههِم مَسحةً
واحدةً، ثم عَادُوا فَضَرَبوا بأكفهمُ الصَعيدَ مرةً أخرى، فمسَحوا بأيديهِم
كُلَها إلى المناكبِ والآبَاطِ من بُطُونِ أيديهِم (١) .
ش- أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري/ويونس بن يزيد الأيلي.
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله الفقيه
الأعمى المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. سمع: ابن عباس، وابن
عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وأبا واقد الليثي، وعائشة
الصديقة، وغيرهم. روى عنه: عراك بن مالك، والزهري، وصالح
ابن كيسان، وغيرهم. قال أبو زرعة: مأمون ثقة إمام. وقال أحمد بن
عبد الله: تابعي ثقة، رجل صالح جامع للعلم، وهو معلم عمر بن
عبد العزيز. مات سنة تسع وتسعين. روى له الجماعة.
قوله: " بالصعيد " متعلق بقوله: " تمسحوا "، وقوله: " وهم مع
رسول الله " جملة حالية معترضة، و " الصعيد " فعيل، والمراد منه:
التراب هاهنا بالإجماع، وفي غيره هو جميع ما صعد على وجه الأرض،
стр. 666
وكذلك الذي في قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طيباً) ، ومعنى طيباً:
طاهراً عند الأكثرين، وقيل: حلالاً. وقالَ الشافعي: الطيب المُنبت
الخالص، ولهذا لم يُجوز التيمم بغير التراب، وبه قال أحمد، وداود.
وقال مالك: يجوز بكل متصل بالأرض حتى الثلج والنبات. وعن بعض
الشافعية: لا يجوز إلا بتراب عذب صالح للحرث، وبه قال إسحاق.
وقال الأوزاعي والثوري: لا يجوز بالثلج وكل ما على الأرض. والأصح
ما قاله أصحابنا أنه يجوز بالتراب وبكل ما كان من جنس الأرض؛ لأن
الصعيد: وجه الأرض لغة بالإجماع، والطيب: الطاهر لغة.
فوله: " إلى المناكب والآباط " المناكب: جمع منكب، وهو مجمع
عظم العضد والكتف، والآباط- بمد الهمزة المفتوحة- جمع إِبط- بكسر
الهمزة- وفُهِم من هذا الحديث مسألتان:
الأولى: أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين.
والثانية: أن ضربة الذراعين إلى المناكب والآباط. أما الأولى فهي
مذهبنا ومذهب الأكثرين، وهو قول الشافعي، ومالك، والثوري، وإليه
ذهب عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري،
والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر. وذهبت طائفة إلى أن الواجب
ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب عطاء، ومكحول،
والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث.
وعن ابن سيرين لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة
ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه.
وأما الثانية: فقد أخذ الزهري بظاهر هذا الحديث، أنه يجب مسح
اليدين إلى الإبطين. والجواب عن هذا أنهم أجروا اسم اليد على ظاهر
الاسم؛ لأن اليد لغة من رؤوس الأنامل إلى الإبط، ولم يكن عندهم
دليل الخصوص، فاجرَوا الحكم على ظاهره، ولكن قام دليل الإجماع
في إسقاط ما وراء المرفقين فسقط، وما دونهما بقي على الأصل لاقتضاء
الاسم إياه، ويؤيده أن التيمم بدل من الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل.
стр. 667
وفي هذا الحديث حجة لمَن ذهب إلى إدخال الذراعين والمرفقين في
التيمم، وهو قول ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والشعبي، وإليه
ذهب أبو حنيفة، والثوري، وهو قول مالك، والشافعي. وعن مالك:
التيمم إلى الكوعين، وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية.
ورُوي عن مالك: أنه من الجنابة إلى الكوعين، ومن الحدث الأصغر إلى
المنكبين.
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً وهو منقطع، فإن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر، كذا قال الشيخ زكي الدين.
قلت: وقد أخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة، عن أبيه، عن عمار موصولاً، ورواه أيضاً أبو داود من حديث
الزهري: حدَّثني عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار أتم
منه كما يجيء الآن.
٣٠٣- ص- حدَّثنا سليمان بن داود المهري، وعبد الملك بن شُعيب،
عن ابن وهب نحو هذا الحديث. قال: قامَ المسلِمونَ فضَرَبُوا بأكُفهمُ
الترابَ، ولم يَقبضُوا من الترابِ شيئاً، فذكر نحوه، ولم يذكر المناكبَ
والآبَاطَ. فال ابنَ الليث: إلى ما فوقَ المِرفَقين (١) .
ش- سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري أبو الربيع المصري.
روى عن: ابن وهب، وإدريس بن يحيى الخولاني. روى عنه:
أبو داود، والنسائي، وزكريا بن يحيى الساجي، وغيرهم. قال
/النسائي: ثقة. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
وعبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، وقد ذكرناه.
قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور.
قوله: " فال ابن الليث " هو عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد،
стр. 668
وروايته تدل على أن المرفقين يدخلان في التيمم كما في الوضوء، وفيه
خلاف زفر (١) .
٣٠٤- ص- ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، ومحمد بن يحيى
النيسابوري في آخرين قالوا: نا يعقوب قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن
شهاب قال: حدَّثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن
ياسر: أنَّ رسولَ اللهِ- ﵇ عَرَسَ بألات (٢) الجيش ومعه عائشةُ،
فانقطعَ عقدٌ لها من جَزع ظَفارِ، فحبسَ الناسَ ابتغاءَ عقدهَا ذلك حتى أضاءَ
الفجر ولَيس مع الناسِ ماء، فَتَغَيَّظَ عليها أبو بكر وَقالَ: حَبَست الناسَ
وليس معهم ماء، فأنزلَ اللهُ على رسوله رُخصَةَ التًطَهرِ بالصعيد الَطَّيب،
فقامَ المُسلمونَ مع رسول الله فضَربُوا بأَيَديهِم إلى الأرض، ثم رَفَعُوا (٣)
ولم يَقبضُوا من التراب شَيئاً، فمسحوا بها وجوهَهُم وأيديَهُم إلى المناكب،
ومن بُطونِ أيديهِم إلى الآباط (٤) .
ش- محمد بن أحمد بن أبي خلف السلمي، ومحمد بن يحيى بن
عبد الله أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الإمام.
ويعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
أبو يوسف القرشي الزهري المدني، سكن بغداد. سمع: عاصم بن
محمد، ومحمد بن عبد الله بن أخي الزهري، وشعبة، والليث بن
سعد، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن
المديني، وأبو خيثمة، وجماعة آخرون. قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً.
توفي بفم الصح في شوال سنة ثمان ومائتين (٥) .
وأبوه إبراهيم بن سعد قد ذكرناه
стр. 669
وصالح بن كيسان أبو محمد الغفاري، مولاهم المدني، رأى عبد الله
ابن عمر، وابن الزبير. وقال ابن معين: سمع منهما. وسمع:
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن
عمر، والزهري، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، ومالك بن
أنس، وابن عجلان، وابن عيينة، وجماعة آخرون ٠ قال ابن معين
هو ثقة. قال الحاكم: مات صالح وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة،
وكان قد لقي جماعة من أصحاب رسول الله، ثم بعد ذلك تَلمذ على
الزهري، وتلقن عنه العلم وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعليم وهو ابن
تسعين. روى له الجماعة (١) .
قوله: " عَرَّسَ بألات الجيش " عرس- بتشديد الراء- من التعريس وهو
النزول في آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة، يقال فيه: عرس، يعرس،
تعريساً ٠ ويقال فيه: أعرس. والمعرس: موضع التعريس، وبه سمي
معرس ذي الحليفة عرس به النبي- ﵇ وصلى فيه الصبح، ثم
رحل، وألات الجيش، ويقال: ذات الجيش- بفتح الجيم، وسكون
الياء آخر الحروف، وبشين معجمة- واد قرب المدينة بين ذي الحليفة
وبرثان، وهو أحد مراحل النبي- ﵇ إلى بدر، وأحدُ مراحل
منصرفه- ﵇ من غزوة بني المصطلق، وقال في " المطالع ":
ذات الجيش على بريد من المدينة.
قوله: " عقد لها " العِقد- بكسر العين، وسكون القاف-: القلادة.
قوله: " من جزع ظفار ": بإضافة الجزع إلى الظفار إضافة النسبة،
الجزع- بفتح الجيم، وسكون الزاي، وبعدها عين مهملة- خرز يماني
ملون، وظفار- بفتح الظاء المعجمة والفاء-: مدينة باليمن لحمير،
وهي مبنية على الكسر كحذامِ، وقطامِ. وقال بعضهم: سبيلها سبيل
المؤنث لا ينصرف ويرفع وينصب، وَرواه بعضهم: " من جزع أظفَار "،
стр. 670
وأراد العطر المعروف، كأنه يؤخذ ويثقب ويجعل في العقد والقلادة،
والصحيح في الرواية: " من جزع ظفار " بالإضافة.
قوله: " فحبس الناس ابتغاء " أي: طلب عقدها، وهو مرفوع بالفاعلية،
و" الناس " منصوب مفعوله.
قوله: " وليس مع الناس ماء " الواو فيه للحال.
/قوله: " فتغيظ عليها " أي: على عائشة أبوها أبو بكر.
قوله: " ولم يقبضوا من التراب شيئاً " إشارة إلى أن التراب لا يستعمل
مثل الماء، بل مجرد إلصاقه باليد كاف؛ لأنه مَسح، بخلاف الوضوء
لأنه غسل ومسح.
وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي حديث عائشة في انقطاع العقد،
وليس فيه كيفية التيمم.
ص- زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابنُ شهاب في حديثه: ولا يعتبر
بهذا الناس.
ش- أي: زاد محمد بن يحيى المذكور في حديثه: قال ابن شهاب
الزهري في حديثه.
قوله: " ولا يعتبر بهذا الناس " مقول قول ابن شهاب، و " الناس "
مرفوع على أنه فاعل " لا يعتبر "، وهذا إشارة إلى تيممهم بضربة
واحدة، وقد قيل: هذا إشارة إلى مسحهم أيديهم إلى المناكب.
وقال الخطابي: لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم المتيمم أن
يمسح بالتراب ما وراء المرفقين.
قلت: فيه نظر، فقد ذكر ابن المنذر، والطحاوي، وغيرهما، عن
الزهري أنه كان يرى التيمم إلى الآباط كما ذكرنا.
ص- قال أبو داود: كذلك رواه ابن إسحاق، قال فيه: عن ابن عباس.