عبد الله الأشج. قال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور. روى له:
أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: " فشكت إليه الدم " أي: سيلان الدم الخارج عن العادة.
فوله: " إنما ذلك عرق " أي: دم عرق؛ لأن الدم ليس بعرق، وإنما
حذف المضاف توسعاً يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العرق
فاتصل الدم، وليس بدم الحيض الذي يدفعه الرحم لميقات معلوم. وقد
قلنا: إن الاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، ولكنه
يخرج من عرق يقال له: العَاذِل- بالعين المهملة، وكسر الذال المعجمة-
بخلاف دم الحيض، فإنه يخرج من قعر الرحم.
فوله: " فانظري إذا أتاك قرؤك " أي: حيضك الذي هو أيام معدودة فلا
تصلي فيها.
قوله: " فإذا مرّ قرؤك " أي: حيضك المعروف فتطهري، أي:
فاغتسلي، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء، أي: ما بين الحيض الماضي
إلى الحيض الآتي؛ لأن ما بينهما استحاضة، فلا تمنع الصلاة والصوم
ونحوهما. وفيه حجة لأبي حنيفة على الشافعي، حيث حمل القرء على
الحيض في باب العدة، والشافعي على الطهر، وهو من الأضداد،
يُحمل على الحيض والطهر كالجون يحمل على الأسود والأبيض، وفيه
لغتان: ضم القاف وفتحها، ويجمع على أقراء وقروء. والأصل في
القرء: الوقت المعلوم، فلذلك وقع على الضدين؛ لأن لكل منهما وقتاَ،
وأقرأتِ المرأةُ إذا طهرت وإذا حاضت. والحديث أخرجه النسائي أيضاً.
٢٦٥- ص- حدَثنا يوسف بن موسى قال: نا جرير، عن سُهيل- يعني:
ابن أبي صالح- عن الزهري، عن عروةَ بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت
أبي حبيشٍ أنها أمرت أسماءَ، أو أسماءُ حدثتني أنها أمرتهَا فاطمةُ بنتُ
стр. 597
أبي حُبيش أن تَسألَ لها رسولَ الله، فَا " مرَهَا أن تَقعُدَ الأيامَ التي كانت تَقعُدُ،
ثم تَغتسِلُ (١) .
ش- يوسف بن موسى بن راشد: أبو يعقوب القطان الكوفي، نزل
الريَّ ثم انتقل إلى بغداد، ومات بها سنة خمس ومائتين. سمع: جريراً،
وابن عيينة، ووكيعاً، وغيم هم. روى عنه: البخاري، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وكتب عنه ابن معين
وقال: صدوق (٢) .
وجرير بن عبد الحميد، وسهيل بن أبي صالح: ذكوان السمان.
وأسماء بنت أبي بكر الصَدَيق زوجة الزبير بن العوام، هاجرت إلى
المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير. رُوي لها عن رسول الله ستة
وخمسون حديثاً، اتفقا على أربعة عشر حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة
ومسلم بمثلها. روى عنها: عبد الله بن عباس، وابناها: عبد الله
وعروة، وأبو واقد الليثي، وجماعة آخرون. توفيت بمكة في جمادى
الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير، وكانت قد بلغت
مائة سنة لم يسقط لها سنن، ولم يُنكر من عقلها شيء. روى لها
الجماعة (٣) .
قوله: " فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد " يعني: قبل ذلك، فلا
تصلي فيها ولا تصوم، ثم إذا خرجت تلك الأيام تغتسل ويكون حكمها
بعد ذلك حكم الطاهرات.
ص- قال أبو داود: روى (٤) قتادة عن عروة بن الزبير، عن زينب، أن
стр. 598
أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمَرَها النبيُ- ﵇ أن تَدع
أقرَاءَهَا (١) ، ثم تَغتسِلَ وتُصلِّيَ.
ش- زينب هي أم المؤمنين بنت جحش، وقد ذكرناها.
قوله: " أن تدع أقراءها " أي: حِيضها التي كانت لها عادة، فإذا
انقطعت تغتسل وتصلي.
ص- وزاد (٢) ابن عيينة في حديث الزهري، عن عمرةَ، عن عائشة أن
أم حبيبةَ كانت تُستَحاضُ، فساً لت النبيَّ- ﵇ فأمَرَهَا أن تَدع
الصلاةَ أيامَ أقرائها.
وهذا وهم من ابنِ عيينة، ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري، إلا ما
ذكر سُهيل بن أبي صالح.
ش- زاد سفيان بن عيينة في حديث محمد بن مسلم الزهري، عن
عمرة، عن عائشة، والذي زاده ابن عيينة هو قوله: " عن عمرة ".
وقال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا: يعني: ذكر عمرة-
في حديث الحفاظ، عن الزهري، وليس فيه إلا ما ذكره سهيل بن
أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير.
قلت: قد وقع/في رواية مسلم كلاهما- أعني عروة وعمرة- حيث
قال: ونا محمد بن سلمة المرادي قال: نا عبد الله بن وهب، عن عمرو
ابن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت
عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي- ﵇ الحديث. وفي
رواية عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. وقال
الشيخ محيي الدين (٣) : " وقع في هذه الرواية- أي الرواية الأولى-
стр. 599
عن عروة وعمرة وهو الصواب، وكذلك رواه ابن أبي ذئب، عن
الزهري، عن عروة وعمرة، وكذلك رواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن
عروة وعمرة، كما رواه الزهري وخالفهما الأوزاعي، فرواه عن الزهري،
عن عروة، عن عمرة- يعني: جعل عروة راوياً عن عمرة ".
وعمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية. سمعت:
عائشة، وأم هاشم بنت حارثة بن النعمان. روى عنها: عروة بن
الزبير، وأخوها محمد بن عبد الرحمن، وابنها أبو الرجال محمد بن
عبد الرحمن، ويحيى، وعبد ربه، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة
حجة. توفيت سنة ثمان وتسعين. روى لها الجماعة (١) .
ص- وروت قَمير، عن عائشة: " المُستَحَاضَةُ تَتركُ الصلاةَ أيامَ أقرَائِهَا،
ثم تَغتسلُ.
ش- قمير- بفتح القاف، وكسر الميم- امرأة مسروق بن الأجدع.
روت عن عائشة ﵂، روى عنها عامر الشعبي. قال
أحمد بن عبد الله: تابعية ثقة. روى لها أبو داود (٢) .
ص- قال عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: إن النبي- ﵇
أمَرَهَا أن تَترُكَ الصلاةَ قَدرَ أقرائِهَا.
ش- أي: أمر المستحاضة أن تترك الصلاة قدر حيضها التي كانت عادة
لها (٣) قبل ذلك، ثم تغتسل وتصلي.
ص- وروى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، عن عكرمة، عن النبيِّ- عليه
السلام-، أن أم حبيبة بنت جحش استُحِيضَت فذكر مثله.
ش- جعفر هذا هو ابن إياس، وهو ابن أبي وحشية الواسطي،
стр. 600
وقيل: البصري أبو بشر اليشكري. سمع: طاوساً، وعكرمة مولى ابن
عباس، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم ٠ روى عنه: أيوب السختياني،
والأعمش، وداود بن أبي هند، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل
وابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
توفي سنة أربع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " فذكر مثله " أي: مثل ما مضى من الرواية، وهي أن تترك
الصلاة قدر أقرائها.
ص- وروى شريك عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن
جده، عن النبيِّ- ﵇: " المُستَحَاضَةُ تَدعُ الصلاةَ أيامَ أقرائهَا، ثم
تَغتسلُ وتُصَلِّي ".
ش- شريك بن عبد الله النخعي.
وأبو اليقظان عثمان بن عمير الكوفي. روى عن: أنس بن مالك،
وزيد بن وهب، وأبي وائل، وزاذان الكندي، وعدي بن ثابت،
وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشريك، والثوري، وغيرهم. قال
ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر
الحديث. كان شعبة لا يرضاه. روى له: أبو داود، والترمذي،
وابن ماجه (٢) .
وعدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وجده لأمه عبد الله بن يزيد
الأنصاري الخطمي. سمع: جده، والبراء بن عازب، وعبد الله بن
أبي أوفى، وسعيد بن جبير، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومسعر،
وشعبة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: هو ثقة. وقال أبو حاتم:
صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاضيهم. روى له الجماعة (٣) .
стр. 601
وثابت هو: ابن عُبيد بن عازب، ابن أخي البراء بن عازب، يروي
عن أبيه، عن النبي- ﵇ في المستحاضة. ولأبيه صحبة.
روى عنه ابنه عدي بن ثابت، ذكره ابن حبان في " الثقات " (١) .
ص- وروىٍ العلاء بن المسيب عن الحكم، عن أبي جعفر: أن سودةَ
استُحيضَت فا " مرهَا رسولُ الله- ﵇ إذَا مَضَت أيامُها اغتسَلَت
وصَفَت.
ش- العلاء بن المسيب بن رافع التغلبي الكوفي، ويقال: الكاهلي.
روى عن: أبيه، وخيثمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح،
وإبراهيم النخعي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وأبو عوانة، وعطاء
ابن مسلم. قال ابن معين: هو ثقة مأمون. روى له: البخاري،
ومسلم، والترمذي (٢) .
والحكم: هو ابن عتيبة، وقد ذُكر.
/وأبو جعفر محمد بن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب المعروف
بالباقر، وقد ذكرناه.
وسودة بنت زمعة بن أبي قيس بن عبد شمس القرشية العامرية
أم المؤمنين، يقال: كنيتها: أم الأسود، زوج رسول الله- ﵇.
روى عنها عبد الله بن عباس. توفيت في آخر خلافة عمر- رضي الله
عنه- روى لها البخاري حديثين، وروى لها أبو داود، والنسائي (٣) .
قوله: " إذا مضت أيامها " أي: أيامها التي كانت لها عادة.
ص- وروى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن عَليّ وابنِ عباس- ﵃:
المُستحاضةُ تَجلِسُ أيامَ قُرئِهَا.
ش- أي: أيام حيضها، فإذا انقطعت تغتسل وتصلي.
стр. 602
ص- وكذلك رواه عَمار مولى بني هاشمٍ، وطلقُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن
عباسٍ، وكذلك رواه مَعقِل الخثعميُ، عن علي- ﵁، وكذلك
رَوَى الشعبيُ عن قَميرٍ امرأةِ مَسروقٍ، عن عائشةَ- ﵂.
ش- عمار بن أبي عمار الهاشمي مولاهم أبو عمرو، ويقال: أبو عمر،
ويقال: أبو عبد الله. سمع: أبا قتادة الأنصاري، وأبا هريرة،
وأبا حبة البدري، وعبد الله بن عباس، وغيرهم.روى عنه: عطاء بن
أبي رباح، ويونس بن عبيد، وخالد الحذاء، وغيرهم. قال ابن حنبل،
وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة إلا أبا داود (١) .
ومعقل الخثعمي، وقال ابن أبي حاتم: زهير بن معقل. والأول
أصح. روى عن: علي بن أبي طالب. روى عنه: محمد بن أبي إسماعيل
الكوفي. روى لهَ أبو داود (٢) .
ص- قال أبو داود: وهو قولُ الحسنِ، وسعيد بن المسيب، وعطاء،
ومكحولٍ، وإبراهيمَ، وسالمٍ، والقاسم: إن المُستحَاضًةَ تَدع الصلاة (٣) .
ش- أي: في أيام عادتها وفي غيرها كالطاهرات، وكل هذا ذكره
أبو داود تأكيداً على أن هذا الحكم إجماع وليس فيه خلاف بين السلف
والخلف، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، نعم استحب فيه بعض السلف إذا
دخل وقت الصلاة أن تتوضأ، وتستقبل القِبلة، وتذكر الله تعالى،
وأنكره بعضهم.
الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح.
ومكحول بن زبر، ويقال: ابن أبي مسلم بن شاذك بن سند بن شروان
ابن بردك بن بعوث بن كسرى الكابلي، من سَبي كابل. وقال ابن ماكولا:
стр. 603
اسم أبي مسلم: شهراب أبو عبد الله الدمشقي الهذلي مولى امرأة من
هذيل. سمع: أنس بن مالك، وأبا هند الداري، وواثلة بن الأسقع،
وأبا أمامة، وغيرهم. روى عنه: الزهري، والأوزاعي، ومحمد بن
إسحاق بن يسار، ومحمد بن عجلان، وجماعة آخرون. روى له:
مسلم، وابن ماجه. واستشهد به البخاري. وتوفي سنة ثمان عشرة
ومائة بدمشق (١) .
وإبراهيم النخعي.
وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر القرشي العدوي
المدني. سمع: أباه، وأبا هريرة، وأبا أيوب الأنصاري، ورافع بن
خديج، وعائشة أم المؤمنين. ومن التابعين: القاسم بن محمد،
وعبد الله بن محمد بن عتيق. روى عنه: عمرو بن دينار، والزهري،
ونافع مولى أبيه، وجماعة آخرون كثيرة. وقال أحمد بن عبد الله، وابن
سعد: ثقة كثير الحديث، ورع. توفي سنة ست ومائة (٢) .
والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق- ﵁.
***
٩٩- باب: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (٣)
أي: هذا باب في بيان أن حيضة المستحاضة إذا أقبلت تترك الصلاة
ونحوها، وليس في بعض النسخ " باب ".
٢٦٦- ص- حدَّثنا أحمد بن يونس، وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا:
ثنا زهير قال: نا هشام بن عروة، عن عروةَ، عن عائشةَ: أن فاطمةَ بنتَ
أبي حُبيشِ جَاءَت رَسولَ اللهِ ﷺ فقالت: إِنِّي امرأةٌ أستَحَاضُ فَلا أطهُرُ،
стр. 604
أفَأدعُ الصلاة؟ قال: " إنما ذلك عرقٌ ولَيست بالحيضة، فإذا أقبَلَت الحَيضَةُ
فَدَعِي الصلاةَ، وإذا أدبرت فَاغسِلِيَ عَنكِ الدَمَ، ثم صلى " (١) .
ش- زهير بن معاوية بن حديج
قوله: " أستحاض " على بناء المفعول، كما يقال: استُحِيضت، ولم
يين هذا الفعل للفاعل كما في قولهم: نفست المرأة، ونتجت الناقة.
وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد للمبالغة، كما يقال: قرَّ في المكان،
ثم يراد للمبالغة فيه فيقال: استقر.
قوله: " أفأدع " سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم
وإزالته، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة.
قوله: " إنما ذلك عرق " أي: دم عرق، وقد مر الكلام فيه.
قوله: " وليست بالحيضة " يجوز فيه فتح الحاء بمعنى الحيض، ويجوز
كسرها بمعنى الحالة، والأول أظهر، وأما في قوله: " فإذا أقبلت الحيضة "
يحوز الوجهان جوازاَ حسناً.
قوله: " وإذا أدبرت " /المراد بالإدبار: انقطاع الحيض.
قوله: " فاغسلي عنك الدم ثم صلي " مشكل في ظاهره؛ لأنه لم يذكر
الغسل، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل. والجواب عنه: أنه وإن
لم يذكر في هذه الرواية، فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة قال فيها:
" فاغتسلي ". وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار انقضاء أيام
الحيض والاغتسال، وجعل قوله: " واغسلي عنك الدم " محمولاً على
دم يأتي بعد الغسل. والجواب الأول أصح.
فإن قيل: ما علامة إدبار الحيض وانقطاعه، والحصول في الطهر؟
стр. 605
قلت: أما عند أبي حنيفة وأصحابه الزمان والعادة هو الفَيصل بينهما، فإذا
أضلت عادتها تحرت، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل، وأما عند
الشافعي وأصحابه اختلاف الألوان هو الفَيصل، فالأسود أقوى من
الأحمر، والأحمر أقوى من الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر،
والأصفر أقوى من الأكدر، إذا جعلناهما حيضاً، فتكون حائضاً في أيام
القوي، مستحاضة في أيام الضعيف، والتمييز عنده بثلاثة شروط:
أحدها: أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوماً. والثاني: أن لا ينقص
عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضاً. والثالث: أن لا ينقص الضعيف عن
خمسة عشر يوماً ليمكن جعله طُهراً بين الحيضتين، وبه قال مالك،
وأحمد.
وقال الشيخ محيي الدين: علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر،
أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة، وسواء خرجت رطوبة بيضاء،
أم لم يخرج شيء أصلاَ ٠
قال البيهقي وابن الصباغ: التَرِيّةُ رطوبة خفية، لا صفر فيها ولا كدرة،
تكون على القطنة أثر لا لون، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض. والترية
بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف مشددة.
ثم اعلم: أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال
لأول صلاة تدركها، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاة أو صوماً،
ويكون حكمها حكم الطاهرات، ولا تستطهر بشيء أصلا، وبه قال
الشافعي، وعن مالك ثلاث روايات: الأولى: تستطهر ثلاثة أيام، وما
بعد ذلك استحاضة. والثانية: تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوماً،
وهي أكثر مدة الحيض عنده. والثالثة: كمذهبنا.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: فيه جواز استفتاء المرأة بنفسها
ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء، وجواز استماع
صوتها عند الحاجة.
стр. 606
الثانية: فيه نهي للمستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض، وهو نهي
تحريم، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين، ويستوي فيها الفرض
والنفل لظاهر الحديث، ويتبعها الطواف، وصلاة الجنازة، وسجدة
التلاوة، وسجدة الشكر.
الثالثة: فيه دليل على نجاسة الدم.
الرابعة: أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض.
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه.
٢٦٧- ص- حدثَّنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بإسناد
زُهَير ومعناه قال: فَإذَا أقبلَت الحَيضَةُ فاتركي الصلاةَ، فَإذَا ذهب قَدرُهَا
فاغسِلِي عَنكِ الدَّمَ وصًلِّي (١)
ش- " قدرها " - بالدال المهملة الساكنة- أي: قدر وقتها، وصحف
بعض الطلبة هذه اللفظة فقال: إذا ذهب قذرها- بالذال المعجمة- وهذا
غلط، والصحيح: أن المراد منه قدر الأيام التي كانت تحيض فيها ردا إلى
أيام العادة، والحديث بلفظه يدل على أن هذه المرأة كانت مُعتادة كما جاء
في رواية أخرى: " ولكن دع (٢) الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين
فيها، ثم اغتسلي وصلي ". واستدل به أبو حنيفة في أن الرد إلى أيام
العادة سواء كانت مميزة أو غير مميزة، وبه قال الشافعي في أحد قوليه،
وأما إذا لم يكن لها عادة تعتمد عليها تجعل لها من كل شهر عشرة أيام
حيضاً، والباقي استحاضة، كما عرف في الفروع.
٢٦٨- ص- حدَّثنا (٣) موسى بن إسماعيل قال: نا أبو عقيل، عن بهية
قالت: سمعتُ امرأة تسألُ عائشةَ عن امرأة فَسَدَ حَيضُهَا وأهرِيقَت دماً،
стр. 607
فَأمَرَني رسولُ الله أن آمُرَهَا فَلتنظُر قَدرَ مَا كَانَت تَحيضُ في كُلِّ شَهر
وَحَيضَهَا مُستقيمٌ،/فَلتَعتَدَّ بقَدر ذلك من الأيَّامِ، ثم لتًدعَ الصَلاةَ فيهنَّ أوَ
بِقَدرِهِنَّ، ثم لتغتَسِل، ثم لتَستثفِر بِثوبِ، ثم لِتُصلِّي (١) .
ش- أبو عقيل- بفتح العين- هو يحيى بن المتوكل الضرير- الحذاء
المدني مولى بُهية، قدم بغداد ومات بها سنة تسع وستين ومائة. روى عن:
مولاته، والقاسم بن عبيد الله بن [عبد الله بن] عمر بن الخطاب،
وعمر بن عبيد الله. روى عنه: ابن المبارك، وأبو نعيم، وأبو الوليد
الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين: ليس بشيء في رواية عباس، وفي
رواية عثمان ليس به بأس. وقال النسائي: ضعيف. روى له: مسلم،
وأبو داود (٢) .
بُهيَةُ- بالباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف- روت عن أبيها، عن
النبي- ﵇.
قوله: " فسد حيضها " بمعنى: خرج عن العادة واستمرت عليه.
وقوله: " فلتنظر قدر ما كانت تحيض " يدل على أنها كانت معتادة.
قوله: " وحيضها مستقيم " جملة اسمية وقعت حالاً، عن الضمير
الذي في " تحيض ".
قوله: " بقدر ذلك " أي: بقدر ما كانت تحيض في كل شهر وحيضها
مستقيم، " ثم لتدع الصلاة " أي: لتتركها فيهن، أي: في الأيام التي
مثل قدر الأيام التي كانت تحيض فيها.
وقوله: " أو بقدرهن " شك من الراوي، والمعنى: ثم لتدع الصلاة
بقدرهن، أي: بقدر الأيام التي كانت تحيض فيها، التي هي كانت عادة
لها. ومعنى الاستثفار قد ذكرناه.
стр. 608
٢٦٩- ص- حدثنا ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المصريان قالا: نا
ابن وهب، عن محمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير
وعمرة، عن عائشة: أن أمَّ حَبيبةَ بنتَ جَحشِ خَتنَةَ رسولِ الله، وتحتَ
عبد الرحمنِ بنِ عَوف استُحيضَت سَبع سنين (١) ، فقال رسولُ اَلله: " إن
هذه لَيست بالحَيضَةِ، وً لكن هَذا عِرق فاغتسَلِي وصَلِّي " (٢) .
ش- ابن أبي عقيل اسمه: عبد الغني بن أبي عقيل أبو جعفر المصري،
واسم أبي عقيل: رفاعة بن عبد الملك، رأى الليث بن سعد وحكى عنه،
وسمع: ابن عيينة، وبكر بن مُضر، والمفضل بن فضالة، وغيرهم.
روى عنه: أبو داود، والطحاوي ٠ توفي في ربيع الأول في سنة خمس
وخمسين ومائتين (٣) .
ومحمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة أبو الحارث المرادي الجملي
مولاهم. روى عن: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن كليب، وحجاج
ابن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وأبو داود،
وابنه عبد الله، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. توفي سنة ثمان
وأربعين ومائتين (٤) .
وعمرة بنت عبد الرحمن، وقد ذكرناها.
قوله: " خَتنة " بفتح الخاء والتاء المثناة من فوق، ومعناه: قريبة زوج
النبي- ﵇ قال أهل اللغة: الأختان جمع " ختن "، وهم
стр. 609
أقارب زوجة الرجل، والأحماء: أقارب زوج المرأة، والأصهار: يعم
الجميع.
قوله: " وتحت عبد الرحمن بن عوف " معناه: أنها زوجته فعرفها بشيئين:
أحدهما: كونها أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، زوج النبي- عليه
السلام-. والثاني: كونها زوجة عبد الرحمن.
قوله: " ليست بالحيضة " يحوز فيها كسر الحاء وفتحها كما ذكرناه مرة.
قوله: " ولكن هذا عرق " أي: دم عرق.
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
ص- قال أبو داود: زَادَ الأوزاعي في هذا الحديث: عن الزهري، عن
عروةَ، وعمرةَ: أن (١) عائشةَ قالت: استُحيضَت أم حَبيبةَ بنتُ جحش وهي
تحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوف سَبع سنين، فأمًرَهَا النبيُّ- ﵇ قال:
" إذا أقبَلَت الحَيضَةُ فَدَعِي الصلاةَ، َ وَإِذَا أدبَرَت فَاغتَسِلِي وَصَلِّي " (٢) .
ش- قال الخطابي (٣) : هذا خلاف الأول، وهو حكم المرأة التي تميز
دمها، فتراه زماناً أسود ثخيناً فذلك إقبال حيضها، ثم تراه رقيقاً مشرقاً
فذلك حين إدبار الحيضة، ولا يقول لها رسول الله هذا القول إلا وهي
تعرف إقبالها وإدبارها بعلامة تفصل بها بين الأمرين.
قلت: ظاهر اللفظ لا يدل على هذا، وإنما هي تعرف إقبالها وإدبارها
بالزمان والعادة كما قررناه مرة.
ص- قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلامَ أحد من أصحاب الزهري غيرُ
الأوزاعي.
ش- المراد من " هذا الكلام " هي الزيادة التي زادها عبد الرحمن
стр. 610
الأوزاعي في حديث الزهري عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت
عبد الرحمن.
ص- ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث، والليث،/ويونس، وابن
أبي ذئب، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وسليمان بن كثير، وابن إسحاق،
وابن عيينة، لم يذكروا هذا الكلام، وإنما هذا اللفظ حديث هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة، وزاد ابن عيينة فيه أيضاً: أمَرهَا أن تَدع الصلاةَ أيامَ
أقرَائِهَا.
ش- أي: روى هذا الحديث الذي تلا زيادة الأوزاعي عن الزهري:
عمرو بن الحارث المصري، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، ومحمد
ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ومعمر بن راشد، وإبراهيم بن سعد
الزهري، وسليمان بن كثير أبو داود العبدي البصري أخو محمد، كان
أكبر من أخيه بخمسين سنة. سمع: الزهري، ويحيى الأنصاري، وداود
ابن أبي هند. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الصمد بن
عبد الوارث، وأبو الوليد، وغيرهم. قال ابن معين: ضعيف. وقال
أبو حاتم: يكتب حديثه. روى له الجماعة، وابنُ عيينةَ.
وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار، وسفيان بن عيينة.
قوله: " لم يذكروا هذا الكلام " أي: زيادة الأوزاعي.
قوله: " وزاد ابن عيينة فيه " أي: زاد سفيان بن عيينة في هذا الحديث
أيضاً: " أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها " أي: أمرها رسول الله أن
تترك الصلاة أيام حيضها.
ص- قال أبو داود: وهو وهم من ابنِ عُيينةَ، وحديث محمد بن عمرو،
عن الزهري فيه شيء يقرب من الذي زاد الأوزاعي في حديثه.
ش- أي: الذي زاد ابن عيينة هو وهم منه، وحديث محمد بن عمرو
الذي يأتي الآن فيه شيء يقرب من الذي زاد عبد الرحمن الأوزاعي في
حديثه من قوله: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي
стр. 611
وصلي " وجه القُرب: أن في زيادة الأوزاعي الإقبال والإدبار، وفي
حديث محمد بن عمرو الذي يأتي ذكر الأسود وغيره، ولا شك أن
الأسود يكون في أيام الإقبال، وغير الأسود يكون في أيام الإدبار،
فافهم.
٢٧٠- ص- حدَثنا محمد بن المثنى قال: نا ابن أبي عدي، عن محمد-
يعني: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن
فاطمة بنت أبي حُبَيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي- عليه
السلام-: " إذا كان دَمُ الحَيضةِ فإنه دَمٌ أسودُ يُعرفُ، فإذا كان ذلك فأمسكي
عن الصلاةِ، وإذا (١) كان الآخرُ فتوضئِي وصَلِّي، فإنما ذلك عِرقٌ " (٢) .
ش- ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي.
ومحمد بن عمرو بن حلحلة الديلي المدني. روى عن: الزهري،
وعطاء بن يسار، ووهب بن كيسان، وغيرهم. روى عنه: مالك بن
أنس، والوليد بن كثير، وابن إسحاق، وغيرهم. وعن ابن معين أنه
ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
قوله: " إذا كان دم الحيضة " بمعنى: إذا وجد، ف " كان " هاهنا تامة،
فلذا لا تحتاج إلى الخبر.
قوله: " فإنه دم أسود " تفسير لدم الحيضة، أي: أن دم الحيضة دم
أسود.
وقوله: " يعرف " في محل الرفع؛ لأنه صفة للدم.
قوله: " فإذا كان ذلك " أي: إذا كان الموجود دماً أسودَ، فأمسكي عن
الصلاة؛ لأنها تكون أيام الحيض.
قوله: " وإذا كان الآخر " أي: غير الأسود، بأن كان أصفر، أو أشقر،
стр. 612
أو أكدر؛ لأن غير الأسود أعم " فتوضئي وصلي " لأنها أيام الاستحاضة،
وعلل ذلك بقوله: " فإنما ذلك عرق " أي: دم عرق انفجر، لا دم
حيض، فلا يمنع أحكام الطاهرات. وبهذا تمسك الشافعي في الرد إلى
التمييز وهو أقوى دليله، ونحن نقول: لا اعتبار للتمييز، وإنما الاعتبار
للزمان كما قررناه. والحديث أخرجه النسائي أيضاً.
ص- قال ابن المثنى: نا ابن أبي عدي من كتابه هذا (١) ، ثم حدثنا به بعد
حفظاً قال: نا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أن
فاطمةَ كانت تسُتحَاض، فذكر معناه.
ش- أي: قال محمد بن المثنى، والمقصود أن محمد بن إبراهيم بن
أبي عدي قد حدث بهذا محمد بن المثنى، عن كتابه أولاً، ثم حدثه بعد
ذلك من جهة حفظه، و " حفظاً " نصب على التمييز.
ص- قال أبو داود: وقد روى أنس بن سيرين، عن ابن عباس في
المُستحاضَة قال: إذا رأت الدمَ البَحرَاني فلا تصلِّى، وإن (٢) رأت الطُّهرَ
ولو ساعة/فلتغتسل وتُصلَي.
ش- أنس بن سيرين البصري أبو موسى، أو أبو عبد الله، أو
أبو حمزة الأنصاري مولى أنس بن مالك، أخو محمد، ومعبد،
ويحيى، وحفصة، وكريمة، وكنية سيرين: أبو عمرة، يقال: إنه لما ولد
ذهب به إلى أنس بن مالك فسماه أنساً، وكناه بأبي حمزة، ولد لسنة
بقيت من خلافة عثمان، ودخل على زيد بن ثابت. وسمع: ابن عباس،
وابن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني،
وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وجماعة آخرون. قال ابن معين:
ثقة. مات سنة عشر ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذي (٣) .
قوله: " إذا رأت الدم البحراني " أراد به الدم الغليظ الواسع الذي
стр. 613
يخرج من قعر الرحم، ونسب إلى البَحر لكثرته وسَعته، والتبحر:
التوسع في الشيء والانبساط فيه.
قوله: " ولو ساعة " أي: ولو كان الطهر ساعة، والمراد منه: أنها
خرجت عن الدم الذي كان حيضها ولو ساعة فلتغتسل وتصلي؛ لأنها
تلحق الطاهرات حينئذ، وبه تمسك الشافعي أيضاً، وعندنا الاعتبار للزمان
كما في حديث أم سلمة وهو أقوى.
ص- وقال مكحول: إن النِّساءَ لا تَخفَى عليهن الحَيضةُ، إن دَمَها أسودُ
غليظٌ، فإذا ذهبَ ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مُستحاضة، فلتغتسل
ولتصلِّي.
ش- أي: لا يخفى عليهن دم الحيض؛ لأن دم الحيض أسود ثخين،
فإذا ذهب ذلك وصارت الحيضة صفرة رقيقة، أو شقرة، أو كدرة، فإنها
ح (٢) تكون مستحاضة، فيصير حكمها حكم الطاهرات بعد الغسل،
ومكحول أيضاً اعتبر التمييز كابن عباس.
ص- قال أبو داود: ورَوى حمادُ بنُ زيد، عن يحيى بن سعيد، عن
القَعقاع بنِ حكيم، عن سعيد بن المسيب في المستحاضة: إذا أقبلت الحيضةُ
تَركتِ الصلاةَ، وإذا أدبرت اغتسَلَت وصَلَت.
ش- يحيى القطان.
والقعقاع بن حكيم الكناني المدني. روى عن: عبد الله بن عمر،
وجابر بن عبد الله، وأبي صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: سعيد
المقبري، ومحمد بن عجلان، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم. قال
ابن حنبل: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري.
قوله: " إذا أقبلت الحيضة " قد ذكرنا أن المراد من إقبالها أيام حيضها التي
كانت لها عادة، ومن إدبارها زمان انقطاعها، وهذا سعيد قد أخذ
الاعتبار بالأيام لا بالتمييز كما هو مذهبنا.
стр. 614
ص- قال أبو داود: وروى سُمي وغيرُه، عن سعيد بن المسيب: تَجلسُ
أيامَ أقرائِهَا.
ش- سُمي القرشي المخزومي المدني، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام. سمع: مولاه أبا بكر، وسعيد بن المسيب،
وأبا صالح ذكوان. روى عنه: يحيى الأنصاري، ومالك، والثوري،
وابن عيينة، وغيرهم. قال ابن حنبل وأبو حاتم: ثقة ٠ قتلته الخوارج
بقديد سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة.
قوله: " تجلس أيام ألرائها " أي: أيام حيضها، وهذا أيضاً اعتبار
بالزمان.
ص- وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيب.
ش- أي: كما روى سُمي رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد
القطان، عن ابن المسيب، أنها تجلس أيام أقرائها.
ص- قال أبو داود: روى يونس، عن الحسن: الحائض إذا مَدَ بها الدمُ
تَمسِك بعدَ حيضِهَا يوماً أو يومين فهي مستحاضة.
ش- أي: روى يونس بن عبيد البصري، عن الحسن البصري:
الحائض إذا مد بها الدم تمسك. والمعنى: أنها إذا انقطع منها الدم الذي
كان عادتها، تمسك بعده يوماً أو يومين، بمعنى: أنها تستنظر يوماً أو
يومين، ثم تغتسل وتصلي، وبه أخذ مالك في رواية.
ص- وقال التيميُّ، عن قتادة: إذا زادت (١) على أيام حيضِها خمسة أيام
فلنصل.
ش- أي: قال سليمان التيمي، عن قتادة بن دعامة: إذا زادت على
أيام حيضها خمسة أيام فلتصل، والمعنى: أنها تستنظر بعد
стр. 615
انقطاع دم حيضها خمسة أيام، ثم تغتسل وتصلي، وهذا كله لأجل
الاحتياط.
/ص- قال التيميُ: فجعلتُ أنقصُ حتى بلغتُ يومين، قال: إذا كان
يومين فهو من حَيضِها.
ش- أي: قال سليمان التيمي: فجعلت أنقص من خمسة أيام حتى
بلغت يومين. قال قتادة: إذا كان يومين فهو من حيضها، بمعنى: أن
اليومين لا يحسبان من الاستنظار، لأنهما من أيام الحيض، بل عليها أن
تمسك وتستنظر بما فوق اليومين إلى خمسة أيام.
ص- وسُئِلَ ابنُ سيرينَ عنه فقال: النساء أعلمُ بذلك.
ش- أي: سئل محمد بن سيرين عن الحكم المذكور فقال: النساء
أعلم بذلك، لأنهن أخبرُ بأحوالهن، ويفوض إليهن حكم الاستنظار
وغيره.
٢٧١- ص- نا زهير بن حرب وغيره قالا: نا عبد الملك بن عمرو قال:
نا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد
ابن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت:
كنتُ أستحاضُ حَيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيتُ رسولَ اللهِ- ﵇
أستفتيه واخبرهُ، فوجدتُه في بيتِ أختي زينبَ بنت جحش، فقلت: يا
رسوَل الله، إني امرأة أستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً فما ترى فيها؟ قد
مَنعتني الصَلاةَ والصومَ. قال: " انعتُ لك الكُرسُفَ، فإنه يُذهبُ الدم ".
قالت: هو كثرُ من ذلك. قال: " فاتخِذي ثوباً ". قلت (١) : هو أكثر من
ذلك، قالت: إنما أثُجُ ثَجا. قال رسول الله- ﵇: " سآمرك
بأمرين، أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، دان قَويتِ عليهما فأنت أعلمُ "
فقال (٢) لها: " إنما هذه رَكضة من رَكَضَات الشيطان، فتحيضِي ستةَ أيام أو
سبعةَ أيامٍ في علم اللهِ، ثم اغتسلِي حتى إذا رَأيتِ أنكَ قد طَهُرتِ واستنقيتِ
стр. 616
فصلِّي ثلاثاً وعشرين ليلةً، أو أربعاً وعشرين ليلةً وأيامها وصومي، فإن
ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل (١) شهرٍ كما تَحيَّضُ النساءُ وكما
يَطهُرنَ ميقاتَ حَيضهن وطُهرهن، فإن (٢) قَويت على أن تُؤَخِّري الظهر
وتُعجلي العصرَ فتغَتسلين فتجمعين (٣) بين الصلاتين الظهرِ والعصرِ،
وتؤخرين المغربَ وتُعجِّلين العشاءَ، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين
فافعلي، وتغتسلين مع الفجرِ فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك " ٠ قال
رسول الله: " وهذا أعجبُ الأمرينِ إليَّ " (٤) .
ش- عبد الملك بن عمرو بن قيس أبو عامر العقدي البصري. سمع:
مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن
حنبل، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. وقال ابن معين:
ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ٠ مات سنة خمس ومائتين ٠ روى له
الجماعة.
وزهير بن محمد أبو المنذر العنبري المروزي. سمع: ابن المنكدر،
وهشام بن عمار، وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين. روى عنه:
عبد الرحمن بن مهدي، والوليد بن مسلم، وأبو عامر العقدي،
وجماعة آخرون. قال ابن حنبل: مستقيم الحديث. وقال ابن معين:
صالح. وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حفظه سوء، وكان حديثه
بالشام أكثر من حديثه بالعراق لسوء حفظه. روى له الجماعة إلا النسائي.
وعبد الله بن محمد بن عَقيل- بفتح العين- ابن أبي طالب، وإبراهيم
ابن محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي.
стр. 617
وعمران بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب الليثي المدني
سمع: أباه، وأمه حشة بنت جحش، وعليّ بن أبي طالب. روى عنه:
ابنا أخويه معاوية بن إسحاق، وإبراهيم بن محمد. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي.
وحمنة- بالحاء المهملة- بنت جحش الأسدية أخت زينب زوج النبي-
﵇ كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أُحُد،
فتزوجها طلحة بن عبيد الله، وهي التي كانت تستحاض. روى عنها:
ابنها عمران بن طلحة. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
قوله: " أستحاض " على صيغة المجهول، وقد ذكرنا وجهه مرة.
قوله: " أنعت " أي: أصف لك " الكرسف " - بضم الكاف- وهو
القطن.
قوله: " فإنه يذهب الدم " وهذا من إخباره/﵇ بالحكمة؛
لان من طبيعة القطن أن ينشف الرطوبات، ولا سيما العتيق منه.
قوله: " هو أكثر من ذلك " أي: دمي أكثر من أن يذهب بالقطن.
قوله: " أثج ثجاً " الثج: شدة سيلان الدم، ومفعول " أثج " محذوف
تقديره: أثجه ثجاً. وذكر المصدر أيضاً ينبئ عن كثرة الدم.
قوله: " إنما هي ركضة من ركضات الشيطان " أصل الركض: الضرب
بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة
وتصيب برجلها، والمعنى: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس
عليها في أمر دينها، ووقت طهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك، فصار
في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وأضيف النسيان إلى الشيطان
كما في قوله تعالى: (فَأنسَاهُ الشَّيطَانُ ذكرَ ربه) (١) ، وقيل: هو
حقيقة، وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقهاَ.
стр. 618
قوله: " فتحيضي " بتشديد الياء، أي: اقعدي أيام حيضك عن الصلاة،
والتزمي ما يجب على الحائض. وقال الجوهري: تحيّضت أي: قعدت
أيام حيضتها عن الصلاة. وإنما قال: " ستة أيام أو سبعة أيام " إما على
احتمال أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا
أنها قد نسيتها فلا تدري أيهما كانتا، فأمرها أن تتحرى وتجتهد أمرها على
ما تيقنته من أحد العددين، ويؤيد هذا الوجه قوله: " في علم الله " أي:
فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، وإما أن يكون لا على وجه
التخيير بين الستة والسبعة، لكن على اعتبار حالها بحال مَن هي مثلها من
نساء أهل بيتها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستا قعدت ستا، وإن
كان سبعاً فسبعاً.
قوله: " كما تحيّضَ النساء " بتشديد الياء أيضاً، أي: كما تقعد النساء
أيام حيضهن عن الصلاة، ويحوز أن تكون " ما " في " كما " في
الموضعين مصدرية، والمعنى: كتحيّضهن وطهرهن.
قوله: " ميقات حيضهن " نصب على الظرفية، أي: كما تحيّض النساء
ميقات حيضهن، وكما يطهرن ميقات طهرهن، والميقات مِفعال بمعنى
الوقت هاهنا، أصله: موقات، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
واعلم: أن حكم هذا الحديث هو خلاف الحكم الذي في حديث
أم سلمة، وخلاف الحكم الذي في حديث عائشة، وإنما هي امرأة مبتدأة
لم يتقدم لها أيام، ولا هي مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها،
فرد رسول الله أمرها إلى العرف الظاهر، والأمر الغالب من أحوال
النساء، يدل على ذلك قوله- ﵇: " كما تحيّض النساء،
وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن ".
وقال الخطابي: وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث؛ لاس
ابن عقيل راويه ليس بذاك ٠ وقال البيهقي: تفرد به عبد الله بن محمد بن
عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به. وقال ابن منده: حديث حمنة لا
стр. 619
يصح عندهم بوجه من الوجوه؛ لأنه من رواية ابن عقيل، وقد أجمعوا
على ترك حديثه.
قلت: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث
حسن صحيح. وقال أيضاً: سالت محمداً- يعني: البخاري- عن
هذا الحديث فقال: هو حديث حسن. وكذا قال أحمد بن حنبل: هو
حديث حسن صحيح. والعجب من ابن منده هذه الدعوى، فإن أحمد،
وإسحاق، والحميدي، كانوا يحتجون بحديث ابن عقيل، وحَسَّن
البخاري حديثه، وصحَّحه ابن حنبل، والترمذي كما ذكرنا.
ص- قال أبو داود: روى هذا الحديثَ عمرو (١) بن ثابت، عن ابن
عقيل قال: فقالت (٢) حمنة: فقلت: هذا أعجبُ الأمرين إليَّ. لم يجعله
كلام النبي- ﵇ جعله كلام حمنة (٣)
ش- عمرو بن ثابت هو أبو ثابت، ويعرف بابن أبي المقدام، كوفي
لا يحتج بحديثه. قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيا خبيثاً،
وذكره عن يحيى بن معين وعنه ليس بشيء، وعنه ليس بثقة ولا مأمون.
وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات/. وقال
ابن المبارك: لا تحدثوا عنه، فإنه كان يسب السلف.
قوله: " لم يجعله كلام النبي " أي: لم يجعل قوله: " هذا أعجب
الأمرين إليّ " كلام النبي- ﵇، وإنما جعله كلام حمنة بنت
جحش.
** *
стр. 620
١٠٠- باب: ما (١) روي أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة
أي: هذا باب في بيان ما رُوي عن النبي- ﵇ أن المرأة
المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وقد ذكرنا أن النبي- ﵇ ما
أمرها إلا بالغسل مرة واحدة عند انقطاع حيضها، والذي رُوي هاهنا وفي
غيره من أنه- ﵇ أمرها أن تغتسل لكل صلاة فليس بثابت،
على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
٢٧٢- ص- ثنا ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المرادي قالا: نا ابن
وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي- ﵇: أن
أم حبيبةَ بنتَ جحشٍ خَتنةَ رسول الله، وتحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوف
استُحيضت سبعَ سنين، فاستفتت اَلنبيَ- ﵇ في ذلك، فقالً
رسولُ الله- ﵇: " إنَ هذه ليست بالحَيضَة، ولكن هذا عِرقٌ،
فاغتسِلي وَصَلِّي "، فكانت (٢) تغتسلُ في مركن في حُجَرة أختها زينب بنت
جحشٍ حتى تَعلوَ حُمرةُ الدم الماءَ (٣) .ًًَ
ش - قد مر الكلام في هذا الحديث مستوفى، وإنما كرره لأجل زيادة
في آخره.
٢٧٣- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: نا عنبسة قال: ثنا يونس، عن
ابن شهاب قال: أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن أم حبيبة بهذا
الحديث قالت عائشةُ: فكانت تغتسلُ لكل صلاة (٤) .
ش- أحمد بن صالح المعروف بابن الطبًري، وعنبسة بن خالد،
ويونس بن يزيد الأيلي.
قوله: " فكانت تغتسل لكل صلاة " كان تطوعاً منها غير ما أمرت به،
стр. 621
وذلك واسع لها، كذا قاله ابن عيينة، والليث بن سعد وغيرهما، وما
أمرها رسول الله إلا أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل
لكل صلاة، كذا قاله الشافعي- ﵁.
٢٧٤- ص- حدَّثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني قال:
حدثني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة بهذا
الحديث قال فيه: فكانت تغتسل لكل صلاة (١) .
ش- قد مر الكلام في بيان رواته ومعناه.
ص- قال أبو داود: رواه القاسم بن مَبرُور، عن يونس، عن ابن شهاب،
عن عمرة، عن عائشة، عن أمِّ حبيبةَ بنت جحشٍ، وكذلك رواه معمرٌ، عن
الزهري، عن عمرةَ، عن عائشةَ، وربما قَال معمر: عن عمرةَ، عن أم حبيبة
بمعناه، وكذلك رواه إبراهيم بن سعد، وابنُ عيينة، عن الزهري، عن
عمرةَ، عن عائشة، وقال ابن عيينةَ في حديثه: ولم يقل أن النبي- عليه
السلام- أمَرَهَا أن تغتسلَ. وكذلك رواه الأوزاعي أيضاً عن الزهري فيه
أيضاً: وكانت (٢) تغتسلُ لكل صلاةٍ.
ش- أي: روى هذا الحديث القاسم بن مبرور الأيلي ابن أخي طلحة
ابن عبد الملك، أحد الفقهاء، يروي عن يونس بن يزيد، وهشام بن
عروة. وروى عنه: خالد بن نِزار، وخالد بن حميد المَهري. توفي
بمكة سنة ثمان أو تسع وخمسين ومائة، وصلى عليه الثوري. روى له
أبو داود، والنسائي (٣) .
٢٧٥- ص- حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: نا أبي، عن ابن
أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير [و] عن عمرةَ بنت
стр. 622
عبد الرحمن، عن عائشةَ: أن أم حبيبةَ استُحيضت سبعَ سنين، فأمرَهَا
رسولُ اللهِ- ﵇ أن تَغتسلَ، وكانت (١) تغتسلُ لكل صلاة (٢) .
ش- محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبدًا لله بن
المسيب بن أبي السائب بن عابد- بالباء الموحدة- ابن عبد الله بن عمر بن
مخزوم، أبو عبد الله المسيبي المخزومي المدني، سكن بغداد، وكان أبوه
أحد القراء بمدينة رسول الله. سمع: أباه، ومحمد بن فليح الخزاعي،
وعبد الله بن نافع، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، ومحمد
ابن عبدوس، وجماعة آخرون. وقال إبراهيم بن إسحاق: كان ثقة.
توفي سنة ست وثلاثين ومائتين.
وأبوه إسحاق بن محمد المذكور، روى عن: ابن أبي ذئب، ونافع
ابن عبد الرحمن. روى عنه: ابنه محمد، وإسماعيل / بن عبد الكريم
الصنعاني، وخلف بن هشام المقرئ. روى له أبو داود.
وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن القرشي، وقد مر.
٢٧٦- ص- حدثنا هناد بن السري، عن عبدة، عن ابن إسحاق، عن
الزهري، عن عروةَ، عن عائشةَ: أن أمَّ حبيبةَ بنتَ جحش استُحيضَت فيِ
عهد رسول اللهِ- ﵇، فأمرهَا بالغسلِ لكلً صلاةَ، وساق
الحَدَيثَ (٣)
ش- عبدة بن سليمان بن حاجب بن زرارة الكلابي أبو محمد
الكوفي، قيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب. سمع: هشام بن
عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وابن إسحاق،
стр. 623
وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وهناد بن السري،
وغيرهم. وقال أحمد: ثقة ثقة وزيادة مع صلاح، وكان شديد الفقر
مات بالكوفة في رجب سنة ثمان وثمانين ومائة (١) .
وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الاحتجاج
بحديثه، وقال البيهقي: رواية ابن إسحاق عن الزهري غلط، لمخالفتها
سائر الروايات عن الزهري، ولكن يمكن أن يقال: إن كان هذا مخالفة
الترك فلا تناقض في ذلك، دان كان مخالفة التعارض فليس كذلك، إذ
الأكثر فيه السكوت عن أمر النبي- ﵇ لها بالغسل عند كل
صلاة، وفي بعضها أنها فعلته هي، وقد تابع ابن إسحاق سليمان بن كثير
لما يجيء الآن.
ص- قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي، ولم أسمعه منه عن
سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروةَ، عن عائشةَ: استُحيضت زينبُ
بنتُ جحشِ فقال النبي- ﵇: " اغتسِلي لكل صلاة " وساقَ
الحديثَ.
ش- أي: روى هذا الحديثَ أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي،
وهذه الرواية شاهدة لرواية ابن إسحاق عن الزهري، ويرد بهذا ما قاله
البيهقي رواية ابن إسحاق عن الزهري غلط كما قلنا.
ص- قال أبو داود: ورواه عبدُ الصمد، عن سليمان بن كثير قال:
توضَّئي لكل صَلاةِ.
ش- أي: روى هذا الحديث عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن
ذكوان التنوري، أبو سهل البصري التميمي. سمع: أباه، وسليم بن
حبان، وحماد بن سلمة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه، وابن المثنى، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق
صالح الحديث. مات سنة سبع ومائتين. روى له الجماعة.
стр. 624
ص- وهذا وهم من عبد الصمد، والقولُ فيه قولُ أبي الوليد.
ش- أي: قوله: " توضئي لكل صلاة " وهمٌ من عبد الصمد،
والقول في الحديث قول أبي الوليد الطيالسي.
قلت: ذكر هذا في حديث حماد أخرجه النسائي، وابن ماجه، وقال
مسلم في " صحيحه ": وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره
وهي: " توضئي لكل صلاة ". وقال الشيخ محيي الدين: وأسقطها
مسلم لأنها مما انفرد به حماد.
قلنا: لم ينفرد حماد بذلك عن هشام، بل رواه عنه أبو عوانة أخرجه
الطحاوي في كتاب " الرد على الكرابيسي " من طريقه بسند جيد، ورواه
عنه أيضاً حماد بن سلمة أخرجه الدارمي من طريقه، ورواه عنه أيضاً
أبو حنيفة، وأخرجه الطحاوي من طريق أبي نعيم، وعبد الله بن يزيد
المقرئ، عن أبي حنيفة، عن هشام. وأخرجه الترمذي وصحَّحه من
طريق وكيع، وعَبدة، وأبي معاوية، عن هشام، وقال في آخره: وقال
أبو معاوية في حديثه: وقال: " توضئي لكل صلاة ". وقد جاء الأمر
بالوضوء أيضاً فيما أخرجه البيهقي في " باب المستحاضة إذا كانت مميزة "
من حديث محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن فاطمة
بنت أبي حبيش (١) إلى آخره. على أن حماد بن زيد لو انفرد بذلك لكان
كافياً لثقته وحفظه، لا سيما من هشام، وليس هذا مخالفة، بل زيادة
ثقة، وهي مقبولة، لا سيما من مثله.
٢٧٧- ص- حدَّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر قال: نا
عبد الوارث، عن الحسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال:
أخبرتني زينب بنت أبي سلمةَ، أن امرأةً كانت تُهراقُ الدَّمَ، وكانت تحتَ
عبد الرحمن بن عوف، أن رسولَ الله أمرها أن تَغتسلَ عندَ كلِّ صلاة
وتُصًلِّيَ (٢) .ًًَ
стр. 625
ش- عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، واسمه: ميسرة المِنقَرِيُّ
التميمي مولاهم البصري، أبو معمر المقعد. سمع: عبد الوارث بن
سعيد، وملازم بن عمرو، والدراوردي، وغيرهم. روى عنه:
عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو حاتم الرازي، والبخاري، ومسلم،
وأبو داود، وجماعة آخرون. قال أبو زرعة: كان ثقة حافظاً. وقال
أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث،/غير أنه لم يكن يحفظ، وكان
له قدر عند أهل العلم. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (١) .
وعبد الوارث بن سعيد التميمي.
وحسين بن ذكوان المكتب المعلم البصري العوذي. سمع: عبد الله بن
بريدة، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. روى عنه: شعبة،
وابن المبارك، ويحيى القطان، وعبد الوارث بن سعيد، وغيرهم. قال
ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. روى له
الجماعة (٢) .
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن.
قوله: " تهراق " على بناء المجهول، وأصله تراق. و " الدم " نصب
على التمييز، وقد مر نظيره. قال الخطابي (٣) : هذا الحديث ليس فيه
ذكر حال هذه المرأة، ولا بيان أمرها وكيفية شانها في استحاضتها، وليس
كل امرأة مستحاضة يحب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن
تبتلى، وهي لا تميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها فهي لا تعرف
موضعها، ولا عددها، ولا وقت انقطاع الدم عنها في أيامها المتقدمة،
فإذا كانت كذلك، فإنها لا تدع شيئاً من الصلاة، وكان عليها أن تغتسل
عند كل صلاة؛ لأنه قد (٤) يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان
стр. 626
انقطاع دمها، فالغسل عليها عند ذلك واجب، ومن كان هذا حالها من
النساء لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات، لإمكان أن تكون حائضاً،
وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس وتقضيه بعد ذلك، لتحيط
علماً بأن قد استوفت عدد ثلاثين يوماً في وقت كان لها أن تصوم فيه،
وإن كانت حاجَّةً طافت طوافين بينهما خمسة عشر يوماً، لتكون على يقين
من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة.
قلت: هذا على مذهب من رأى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما،
وعلى مذهب من رأى أن أكثره عشرة أيام طافت طوافين بينهما عشرة أيام.
وقال البيهقي في هذا الحديث: وروينا عن أبي سلمة أنها تغتسل غسلاً
واحداً، وهو لا يخالف النبي- ﵇ فيما يرويه عنه.
قلت: كأنه أشَار بهذا الكلام إلى تضعيف هذا الحديث، وإلى أن ما
نقل عنه من أنه أفتى بالغسل عند كل صلاة غير صحيح عند [هـ] ،
ولقائل أن يقول: العبرة لما روى الراوي لا لرأيه. وقد عرف هذا من
مذهب المحدثين.
ص- وأخبرني أن أم بكر أخبرته، أن عائشةَ- ﵂ قالت:
إن رسولَ الله قال في المرأة ترى ما يَريبها بعدَ الطهرِ: " إنما هو عِرق " (١) أو
قال: " عُروقٌ ".
ش- أي: قال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو سلمة، أن أم بكر
- ويقال أم أبي بكر- أخبرته الحديث.
قوله: " ما يريبها " من رابني الشيء، وأرابني، بمعنى: شككني.
وقيل: أرابني في كذا، أي: شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته
قلت: رابني بغير ألف. ومنه الحديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "
يروى بفتح الياء وصمها، أي: دع ما يشك فيه إلى ما لا يشك.
стр. 627
قوله: " بعد الطهر " يعني: بعد انقطاع دم الحيض وبعد خروجها عن
أيام الحيض، ويقال: معنى " بعد الطهر " بعد الغسل، وهو الأظهر.
قوله: " عرق " أي: دم عرق، أو دماء عروق.
ص- قال أبو داود: في حديث ابن عقيل الأمران جميعاً قال: " إن
قَويتِ فاغتسِلي لكل صلاة، وإلا فاجمعِي "، كما قال القاسم في حديثه
ش- حديث ابن عقيل هو الذي رواه زهير بن محمد، عن عبد الله بن
محمد بن عقيل المذكور فوق.
قوله: " وإلا فاجمعي " يعني: بين الصلاتين الطهر والعصر، والمغرب
والعشاء، كما قال القاسم بن محمد بن أبي بكر- ﵃.
ص- وقد رُوي هذا القول عن سعيد بن جبير، عن عليّ وابن عباس
﵃.
ش- أي: القول بالاغتسال عند كل صلاة، وفي " المصنف " (١) :
حدَّثنا وكيع قال: نا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال:
كنت عند ابن عباس، فجاءت امرأة بكتاب فقرأته فإذا فيه: إني امرأة
مستحاضة، وأن عليا قال: تغتسل لكل صلاة. فقال ابن عباس: ما
أجد لها إلا ما قال علي.
وحدَّثنا محمد بن يزيد، عن أبي/العلاء، عن قتادة: أن عليا وابن
عباس قالا في المستحاضة: تغتسل لكل صلاة (٢) .
حدَّثنا (٣) حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن علي في
المستحاضة: تؤخر من الظهر وتعجل من العصر، وتؤخر المغرب وتعجل
العشاء. قال: وأظنه قال: وتغتسل. قال: فذكرت ذلك لابن الزبير
وابن عباس فقالا: ما نجد لها إلا ما قال عليّ.
***
стр. 628
١٠١- باب: من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسلُ لهما غسلاً
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن المستحاضة تجمع بين
الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وتغتسل لهما غسلاً
واحداً.
٢٧٨- ص- حدَثنا عبيد الله بن معاذ قال: نا أبي قال: ثنا شعبة،
عن عبد الرحمن بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشة- ﵂ قالت:
استُحيضت امرأةٌ على عهد رسول الله فأمرَت أن تُعَجِّلَ العصرَ وتُؤخر
الظُهَرَ، وتغَتسلَ لهما غُسلاَ، وأن تؤخر المغَربَ وتُعجل العِشاءَ، وتَغتسَلَ
لهما غُسلاً، وتغتسلَ لصلاة الصبحِ (١) ، فقلت لعبد الرحمن: أعن النبيَ
﵇؟ فقال: لا (٢) أحدثك عن النبي- ﵇ بشيءَ (٣) .
ش- عبيد الله بن معاذ العنبري البصري، وأبوه: معاذ بن معاذ بن
حسان، وقد ذكرناهما.
وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي،
أبو محمد الفقيه الرضا ابن الرضا، وأمه: أسماء بنت عبد الرحمن بن
أبي بكر الصِّدِّيق. ولد في حياة عائشة زوج النبي- ﵇ وهي
عمة أبيه. روى عن: أبيه، وأسلم مولى عمر، ونافع مولى ابن عمر،
وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وسماك بن حرب،
والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والأوزاعي، وجماعة آخرون. قال
أحمد: ثقة، ثقة، ثقة. مات بالشام سنة ست وعشرين ومائة. روى
له الجماعة.
قوله: لا على عهدِ رسولِ الله " أي: في زمانه وأيامه، وإنما أمرها
стр. 629
- ﵇ بتعجيل العصر وتأخير الظهر والاغتسال لهما غسلاَ
واحداَ، لما رأي أن الأمر قد طال عليها، وقد جهدها الاغتسال لكل
صلاة، ورخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر الذي
رخص له في الجمع بين الصلاتين على مذهب من يرى ذلك. وفيه حجة
لمن رأى للمتيمم أن يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد؛ لأن علتهما
واحدة، وهي الضرورة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول
سفيان الثوري، ورُوي ذلك عن ابن المسيب والحسن والزهري.
قوله: " فقلت لعبد الرحمن " القائل شعبة بن الحجاج. والحديث
أخرجه النسائي أيضاً.
٢٧٩- ص- حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدَّثني محمد بن سلمة،
عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة:
أن سهلة بنت سهيل استُحيضت فأتت النبيَ- ﵇ فأمَرهَا أن
تَغتسلَ عندَ كلِّ صلاة، فَلما جَهَدَهَاَ ذلك أمَرهَا أن تَجمعَ بين الظهرِ
والعصرِ بغُسلِ، والمغربَ والعشاءِ بغسلِ، وتغتسلَ للصبح (١) .
ش- عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني، ومحمد بن سلمة
الباهلي الحراني.
قوله: " فلما جهدها " أي: فلما شق عليها الاغتسال. من جهِده
الشيء- بكسر الهاء-: جهَدا بالفتح، والجُهد- بالضم-: الطاقة،
وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة. وحال هذه المرأة مثل حال المرأة
التي في الحديث السابق، ويحتمل أن تكون هي إياها، ويحتمل أن تكون
غيرها، ولكن علتاهما واحدة.
ص- قال أبو داود: ورواه ابنُ عيينةَ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه: أن امرأةَ استُحِيضت، فسألتِ النبيَّ- ﵇ فأمرَها بمعناه.
стр. 630
ش- أي: روى هذا الحديث سفيان بن عيينة.
قوله: " بمعناه " أي: بمعنى هذا الحديث.
٢٨٠- ص- حدَّثنا وهب بن بقية قال: نا خالد، عن سهيل بن
أبي صالح، عن الزهري، عن عروةَ بن الزبير، عن أسماء بنت عميس
قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، إن فاطمةَ بنتَ أبي حُبيش استُحيضت منذُ كذا
وكذا، فلم تصَلِّ، فقال النَبيُّ- ﵇: " سُبحًانَ اللهَ!! هذا (١) من
الشيطان، لتجلس في مركن، فإذا رأت صَفارة (٢) فوقَ الماء فلتغتسل
للظهرِ وَالعصرِ غسلاً واحَداً، وتغتسلُ للمغرب والعشاء غُسلاً واحداً،
وتغتسلُ للفجرِ غسلا (٣) ، وتَوضأ فيما بين ذلك " (٤) .
ش-/خالد هو: ابن عبد الله الواسطي الطحان.
قوله: " منذ كذا وكذا " اعلم أن مذ ومنذ لهما ثلاث حالات: إحداها:
أن تليهما اسم مجرور، فقيل: هما اسمان مضافان، والصحيح أنهما
حرفا جر بمعنى " من " إن كان الزمان ماضياً، وبمعنى " في " إن كان
حاضراَ، وبمعنى " من " و " إلى " جميعاً معدوداَ، نحو: ما رأيته منذ
يوم الخميس، أو مذ يومنا، أو عامنا، أو مذ ثلاثة أيام. والثانية: أن
يليهما اسم مرفوع، نحو: مذ يوم الخميس، ومنذ يومان. قال المبرد
وابن السراج والفارسي: مبتدآن وما بعدهما خبر، ومعناهما: الأمد إن
كان الزمان حاضراَ أو معدوداَ، وأول المدة إن كان ماضياً. وقال الأخفش
والزجاج: ظرفان مخبر بهما عما بعدهما، ومعناهما: بين وبن
مضافين، فمعنى: ما لقيته مذ يومان، بيني وبن لقائه يومان. وقال أكثر
الكوفيين: ظرفان مضافان لجملة حذف فعلها وبقي فاعلها، والأصل مذ
كان يومان. الثالثة: أن تليها الجمل الفعلية أو الاسمية، كقوله: ما زال
стр. 631
مذ عقدت يداه إزاره. وقوله: وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع.
والمشهور أنهما حينئذ ظرفان مضافان، فقيل: إلى الجملة، وقيل: إلى
زمن مضاف إلى الجملة، وقيل: مبتدآن.
قوله: " سبحان الله " قد مر الكلام فيه، وأنه إنما ذكره تعجباً.
قوله: " هذا من الشيطان " له معنيان: الأول: مجازي، وهو أنه
أنساها أيام حيضها حتى حصل لها تلبس في أمر دينها ووقت طهرها
وصلاتها. والثاني: حقيقي، بمعنى: أنه ضربها حتى فتق منها عرق
الاستحاضة، كما قلنا في الحديث المتقدم.
قوله: " في مركن " بكسر الميم، وهي الإجانة.
قوله: " صفارة " وفي بعض الرواية: " صفرة "، وفيه حجة لمن اعتبر
التمييز؛ لأن رؤيتها الصفرة دليل على انقطاع دم الحيض.
قوله: " وتوضأ فيما بين ذلك " برفع الهمزة، أي: تتوضأ، فحذفت
إحدى التائين للتخفيف، كما في (نَاراً تَلَظَّى) (١) ، والمعنى: أنها إذا
أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى تتوضأ، ولا تكتفي
باغتسالها؛ لأنه للفرائض المختصة بالأوقات الخمس.
ص- قال أبو داود: رواه مجاهد، عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغُسلُ
أمرها (٢) أن تجمعَ بينَ الصلاتينِ.
ش- أي: روى هذا الحديث مجاهد بن جبر، عن ابن عباس وقال:
لما اشتد عليها، أي: على فاطمة بنت أبي حبيش، وهذا الكلام من ابن
عباس خرج مخرج التعليل لأمره- ﵇ إياها بالجمع بين الظهر
والعصر، وبن المغرب والعشاء، تيسيراَ لها ورخصة كما في المسافر.
ص- ورواه إبراهيم، عن ابن عباس، وهو قول إبراهيم النخعي، وعبد
الله ابن شداد.
стр. 632
ش- أي: روى هذا الحديث إبراهيم النخعي، عن ابن عباس، وهو
قول إبراهيم، وعبد الله بن شداد بن الهاد، واسم الهاد: أسامة بن
عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر، وإنما سمي الهاد لأنه كان يوقد ناره
للأضياف ولمن سلك الطريق، أبو الوليد الليثي المدني، وقيل: الكوفي،
وأمه: سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء، كانت تحت حمزة بن
عبد المطلب، فولدت له ابنته عُمارة، وقيل: فاطمة، وقتل عنها حمزة
يوم أُحُد فتزوجها شداد، فولدت له عبد الله، وهو ابن خالة عبد الله بن
عباس، وخالد بن الوليد. سمع: عمر، وابنه عبد الله بن عمر،
وعليا، وابن عباس، ومعاذاَ، وأباه، وعائشة، وأم سلمة. وروى عن
النبي- ﵇ مرسلاً. روى عنه: طاوس، والشعبي، ومحمد
ابن سعد، وعكرمة، وجماعة آخرون كثيرة. قال أبو زرعة: مدني ثقة.
توفي في ولاية الحجاج على العراق، ويقال: قتل يوم دُجَيل سنة اثنين
وثمانين. روى له الجماعة (١) .
واعلم أن المستحاضات على عهد رسول الله خمس: حمنة بنت جحش
أخت زينب بنت جحش زوج رسول الله، وأختها أم حبيبة وقيل: أم حبيب
بغير هاء، وقد ذكرناه، وفاطمة بنت أبي حُبَيش القرشية الأسدية، وسهلة
بنت سهيل القرشية العامرية، وسودة بنت زمعة زوج رسول الله. وقد
ذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت والمشهور خلافه، وإنما
المستحاضات أختاها.
***
١٠٢- باب: من قال: تغتسل مرة (٢)
أي: هذا باب في بيان من قال: إن المستحاضة تغتسل مرة واحدة.
٢٨١- ص- حدثنا محمد بن جعفر بن زياد. قال: ونا عثمان بن
стр. 633
أبي شيبة/قال: نا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه،
عن جده، عن النبي- ﵇ في المُستحاضة: تَدَعُ الصلاةَ أيامَ
أَقرائِهَا، ثم تغتسل وتُصَفَي، والوُضوءُ عندَ كلِّ صَلاة. وزاد عثمانُ:
وتصومُ وتصلي (١) .
ش- شريك: النخعي، وأبو اليقظان: عثمان بن عمير.
قوله: " تدع الصلاة " أي: تترك الصلاة أيام حيضها. والأقراء جمع
" قرء "، وهي بمعنى الحيض، وفيه حجة لأبي حنيفة.
قوله: " وزاد عثمان " هو ابن أبي شيبة. وأخرجه الترمذي، وابن
ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان،
وسألت محمداَ- يعني: البخاري- عن هذا الحديث فقلت: عدي بن
ثابت، عن أبيه، عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمدٌ
اسمَه. وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به.
انتهى.
وقد قيل: إنه جده أبو أمه عبد الله بن يزيد الخطمي. قال الدارقطني:
ولا يصح من هذا كله شيء. وقال أبو نعيم: وقال غير يحيى اسمه قيس
الخطمي، وقيل: لا يعلم مَن جده. قلت: ذكر ابن حبان في " الثقات "
أن ثابتاً (٢) هو ابن عبيد بن عازب ابن أخي البراء بن عازب، وقد
ذكرناه. وقال الشيخ زكي الدين: وشريك تكلم فيه غير واحد،
وأبو اليقظان لا يحتج بحديثه.
قلت: قد تقدم أن ابن معين قال: شريك صدوق ثقة. وقال أحمد بن
عبد الله العجلي: كوفي ثقة. وأما أبو اليقظان فقد أخرج له أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه.
стр. 634
٢٨٢- ص- حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع، عن الأعمش،
عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: جاءت فاطمة بنت
أبي حُبيش إلى النبيِّ- ﵇ فذكر خَبَرَها- قال: " ثم اغتسلي
وصَلِّي وتوضّئِي. (١) لكلِّ صلاة وَصَلِّي " (٢) .
ش- عروة هذا قيل: عروة المزني. وقيل: عروة بن الزبير.
قوله: " وتوضئي لكل صلاة " أي: لوقت كل صلاة، واللام للتوقيت
كما في قوله تعالى: (أَقِم الصلاة لِدُلُوك الشمسِ) (٣) ، وبه أخذ
أبو حنيفة أن المستحاضة ومَن بمعناها يتوضؤوَن لوقت كل صلاة، فيصلون
به في ذلك الوقت ما شاؤا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل
وضوءهم، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: يتوضؤون لكل فرض على
حدته، ولهم أن يصلوا النوافل كلها تبعاً. وقال مالك: لا يجب
الوضوء، وإنما هو مستحب لكل صلاة.
٢٨٣- ص- حدَّثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي قال: نا يزيد، عن
أيوب بن أبي مسكين، عن حجاج، عن أم كلثوم، عن عائشةَ في المستحاضة:
تغتسلُ مرة واحدة، ثم تَوضأ إلى أيام أقرائِهَا (٤) .
ش- أحمد بن سنان بن أسد بن حبان- بكسر الحاء- أبو جعفر
القطان الواسطي. سمع: يحيى القطَان، ووكيعاً، وأبا معاوية،
وغيرهم. روى عنه: ابن المثنى، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال أبو حاتم: هو ثقة
صدوق. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين.
ويزيد بن هارون الواسطي.
стр. 635
وأيوب بن أبي مسكين القصاب، ويقال: أيوب بن مسكين أبو العلاء
الواسطي التميمي. روى عن: قتادة، وعبد الله بن شبرمة، ويحيى بن
دينار. روى عنه: هشيم، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد. قال
أحمد بن صالح: رجل صالح ثقة. وقال ابن حنبل: لا بأس به.؛ لأن
أحاديثه ليست بالمناكير، وهو ممن يكتب حديثه ٠ روى له: أبو داود،
والترمذي.
وحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل بن كعب بن سلامان
الكوفي، أبو أرطأة النخعي. سمع من الشعبي حديثاً واحداً، وسمع
عطاء، والزهري، وقتادة، وجماعة آخرين. روى عنه: الثوري،
وشعبة، وابن المبارك، وجماعة آخرون. قال أبو زرعة: صدوق مدلس.
وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه. وقال ابن
معين: صدوق وليس بالقوي. وقال النسائي: ليس بالقوي. مات
بخراسان مع المهدي، وقيل: بالريّ. روى له مسلم مقروناً بعبد الملك،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
وأم كلثوم الليثية، أو المكية، روت عن عائشة، روى عنها عبد الله بن
عبيد بن عمير، روى لها: أبو داود، والترمذي.
قوله: " ثم توضأ " أي: تتوضأ، حذفت إحدى التائين.
٢٨٤- ص- وحدَثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: نا يزيد، عن أيوب
أبي العلاء، عن ابن شبرمة، عن امرأة مسروق، عن عائشةَ، عن النبي
﵇ مثله (١) .
ش- ابن شبرمة: هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان بن المنذر
الكوفي الضبي، فقيه أهل الكوفة، عداده في التابعين، وهو عم عمارة
ابن القعقاع وعمارة أكبر منه. روى عن: الشعبي، وابن سيرين، وأبي
زرعة، وغير هم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وجماعة
آخرون. قال الثوري: ثقة. وقال أبو حاتم: كوفي ثقة. مات سنة