والزبير بن خُرَيق- بضم الخاء العجمة، وبعدها راَءٌ مهملة مفتوحة،
وباء آخر الحروف ساكنة وقاف- الجزري. روى عن: أبي أمامة "
وعطاء. روى عنه: محمد بن سلمة، وعروة بن دينار، وهو قليل
الحديث. روى له أبو داود (١) .
وعطاء هو: ابن أبي رباح، وجابر بن عبد الله الأنصاري.
قوله: " " معنا " في محل النصب على الحال من " رجلاَ " أي: مصاحباً
معنا، و " رجلاَ " منصوب على المفعولية، وفاعله " حجر ".
قوله: " فشجه " من شَجَّهُ، يَشُجُّهُ شجا، من باب نصر ينصر، فهو
مشجوج، وشجج، والشج في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن
يضربه بشيء فيجرحه فيه، ويشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء.
قوله: " ألا سألوا " - بفتح الهمزة وتشديد اللام- وهي حرف تحضيض،
مختص بالجمل الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض، وهو الحث على
الشيء.
قوله: " إذ لم يعلموا " كلمة " إذ " للتعليل.
قوله: " شفاء العِيِّ " العِيّ- بكسر العين المهملة وتشديد الياء-:
الجهل، وقد عيي به يعيا عَياءً، وعَيَّ- بالإدغام والتشديد- مثل: عَيِي.
قوله: " ويَعصِر " بمعنى: يعصب.
قوله: " على جرحه " متعلق بقوله: " يَعصر ".
وقوله: " شك موسى " معترض بينهما، أي: موسى بن عبد الرحمن.
ويستفاد من الحديث فوائد:
الأولى: ذم الفتوى بغير علم، ولهذا قد عابهم به- ﵇
وألحق بهم الوعيد، بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قَتَلَةَ له.
стр. 702
الثانية: فيه دليل على جواز التيمم للجنب (١) المجروح الذي يخاف
استعمال الماء.
الثالثة: فيه دليل على جواز المسح على الجراحة بعد تعصيبها. وقال
الخطابي (٢) : " فيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه
بالماء، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر. وقال أصحاب الرأي: إن
كان أقل أعضائه مجروحاً جمع بين الماء والتيمم، وإن كان الأكثر كفاه
التيمم وحده ".
قلت: أراد بأصحاب الرأي: أصحاب أبي حنيفة، ولكن مذهبهم
ليس كما نقله الخطابي، فإنه غلط؛ بل المذهب: أن الرجل إذا كان أكثر
بدنه صحيحاً وفيه جراحات، فإنه يغسل الصحيح ولا يتيمم، بل يمسح
على الجبائر، وإن كان أكثر بدنه جريحاً فإنه يتيمم فقط ولا يغسل
الصحيح، وقط ما نُقِلَ عن أصحابنا أنهم جمعوا بين الماء والتراب.
والجواب عما في الحديث: أنه- ﵇ ما أمر أن يُجمع بين
الغسل والتيمم؛ وإنما بين أن الجنب المَجروح له أن يتيممِ ويمسح على
الجراحة ويغسل سائر جسده، فيحمل قوله: " يتيممُ " و " يمسح " على
ما إذا كان كثر بدنه جريحاً، ويحمل قوله: " ويغسل سائر جسده " إذا
كان كثر بدنه صحيحاً، ويمسح على الجراحة، على أن الحديث معلول؛
لأن فيه الزبير بن خُريق. قال الدارقطني: ليس بقوي. وقال البيهقي:
ليس هذا الحديث بالقوي
٣٢١- ص- حدَّثنا نصر بن عاصم الأنطاكي قال: نا محمد بن شعيب
قال: أخبرني الأوزاعي، أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح، أنه سمع عبد الله
ابن عباس قال: أصاب رجلاَ جُرح في عَهد رسول الله، ثم احتلَمَ، فأمِرَ
بالاغتسال، فاغتسلَ فماتَ، فبلَغَ ذلك رسولً الله فقالَ: قَتلوه قَتَلَهُمُ اللهُ، الم
يكن شِفَا/العِيَ السُؤالُ "؟ (٣) .
стр. 703
ش- نصر بن عاصم الأنطاكي، روى عن: محمد بن شعيب بن
شابور، روى عنه: أبو داود، وابن ماجه.
ومحمد بن شعيب بن شابور الدمشقي الشامي، مولى بني أمية،
مولى الوليد بن عبد الملك. سمع: خالد بن دهقان، وعثمان بن
أبي العالية، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: ابن البارك، ومحمد
ابن مصفى، وكثير بن عُبيد الحمصّان (١) ، وخلق سواهم. قال أحمد
ابن حنبل: ما أرى به بأساً. وقال ابن معين: كان مرجئاً، وليس به في
الحديث بأس. وقال محمد بن عبد الله: ثقة. مات سنة تسع وتسعين
ومائة، وهو ابن ثنتين وثمانين سنة ببَيروت. روى له الجماعة (٢) .
قوله: " جُرح " بضم الجيم الاسم، وبالفتح المصدر، من جرحه
جَرحاً. والحديث أخِرجه أبو داود منقطعاً، وأخرجه ابن ماجه موصولاً.
وقال أبو علي بن السكن: قال لي أبو بكر بن أبي داود: حديث الزّبير
ابن خُريق أصح من حديث الأوزاعيّ.
***
١١٦- بابُ: المُتَيمّم يَجدُ الماء بعد مَا صَلّى (٣) في الوقت
أي: هذا باب في حكم المتيمم الذي صلى بالتيمم، ثم وجد الماء
قبل خروج الوقت.
٣٢٢- ص- حدَّثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: نا عبد الله بن نافع،
عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدري قال: " خَرجَ رجلانِ في سَفر فحَضرت الصلاةُ وليس معهما ماء،
فتيمَّمَا صعيداًَ طيباً فصَلّيَا، ثم وَجَدَا الَماءَ في الوَقَت، فأعادَ أحدُهما الصَّلاةَ
والوُضوءَ، ولم يُعِدِ الآخر، ثم أتيا رسولَ اللهِ فذَكرا ذلك له، فقالَ للذي لم
стр. 704
يُعد: أصَبتَ السُّنَّةَ وَأجزأتكَ صلاتُكَ، وقال للذي توضأ وأعادَ: لك
الأجرُ مَرتينِ (١) .
ش- محمد بن إسحاق بن محمد المسيبي المخزومي المدني.
وعبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي
القرشي، أبو بكر المدني. سمع: مالك بن أنس، وعبد الله بن محمد
ابن يحيى، وعبد العزيز بن أبي حازم، وغيرهم. روى عنه: ابنه أحمد
ومحمد بن إسحاق المسيبي، وعباس الدوري. قال ابن معين: صدوق،
ليس به بأس. مات سنة بضع عشر ومائتين. روى له: مسلم،
وأبو داود، وابن ماجه (٢) .
وبكر بن سوادة بن ثمامة الجُذَامي أبو ثمامة المصري: كان فقيهاً مفتياً.
روى عن: سهل بن سَعد، وعبد الرحمن بن غنم، وسفيان بن وهب
الصحابي (٣) ، وعطاء بن يسار، وابن المسيب، وأبي سلمة، وغيرهم.
روى عنه: عمرو بن الحارث، والليث بن سَعد، وعبد الرحمن بن زياد
وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. توفي بأفريقية، وقيل: بل غرق
في بحار الأندلس سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا
البخاري (٤) .
قوله: " لك الأجر مرتين " مرة لصلاته الأولى، ومرة لصلاته الثانية.
واستفيد من الحديث: أن الرجل إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل
خروج الوقت لا إعادة عليه، رُوي ذلك عن ابن عمر أيضاً، وبه قال
الشعبي، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد،
وسفيان، وإسحاق. وقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهري:
يُعيد الصلاة، واستحبه الأوزاعي، ولم يُوجبه. وقال الخطابي (٥) :
стр. 705
" في هذا الحديث من الفقه أن السُّنَة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها،
كهو للمتطهر بالماء ".
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن الحديث لا يدل على هذا، بل المروي عن
ابن عمر أنه قال: يتلَّوم ما بينه وبن آخر الوقت، وبه قال: عطاء؟
وأبو حنيفة، وسفيان، وأحمد بن حنبل، ومالك، إلا أنه قال: إن كان
في موضع لا يرجى فيه وجود الماء تيمم وصلى في أول وقت الصلاة.
وعن الزهري: لا يتيمم حتى يخاف فوات الوقت.
ص- قال أبو داود: وغيرُ ابن نافع يرويه عن الليث، عن عميرةَ بن
أبي ناجيةَ، عن بكر بن سَوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي- عليه
السلام- وذِكرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ هو مرسل.
ش- رواه ابن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، عن الليث، عن
بكر، عن عطاء، عن النبي- ﵇ مرسلاَ، وأسنده أبو الوليد
الطيالسي عن الليث، عن عمرو بن الحارث، وعميرة بن أبي ناجية،
عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. تفرد
بذلك/أبو الوليد الطيالسي، ولم يُسند عَميرة بن أبي ناجية غير هذا
الحديث، قاله أبو علي بن السكن، وأخرجه النسائي مُرسلاَ ومُسنداً،
وأخرجه الحاكم أيضاً مسنداَ، وقال: صحيح على شرطهما، فإن ابن
نافع ثقة، وقد وصل هذا الإسناد عن الليث، وقد أرسله غيره.
وقال الطبراني في " الأوسط " (١) : لم يروه متصلاَ إلا ابن نافع تفرَد
به المسيبي. وقال الدارقطني: تفرد به ابن نافع عن الليث بهذا الإسناد
متصلاَ، وخالفه ابن المبارك وغيره، فلم يذكروا أبا سعيد. وقال ابن
القطان: عميرة مجهول الحال.
قلت: عَميرة ليس بمجهول الحال، ذكره ابن حبان في " الثقات " وهو
стр. 706
- بفتح العين وكسر الميم- ابن أبي ناجية المصري. روى عن: يزيد بن
أبي حبيب، وجماعة. وروى عنه: بكر بن مضر، وابن وهب،
وجماعة. وقال النسائي: ثقة، وكان عابداَ بكاء، قاله ابن يونس.
مات سنة ثلاث ومائة.
٣٢٣- ص- حدَّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: ثنا ابن لهيعة، عن
بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار:
" أن رجلين من أصحابِ النبيَ- ﵇ " بمعناه (١) .
ش- أبو عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، روى عن: عطاء بن
يسار، روى عنه: بكر بن سوادة. روى له: أبو داود (٢) .
قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور، وهذا أيضاً مُرسلٌ.
***
١١٧- باب: الغُسل يَوم الجُمعة
أي: هذا باب في بيان الغسل يوم الجمعة.
٣٢٤- ص- حدَثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال: ثنا معاوية، عن يحيى
قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة أخبره، أن عمر بن
الخطاب بَينا هو يخطُبُ يومَ الجُمُعَة، إذ دَخلَ رجلٌ فقال عُمرُ: أتَحتَبسُون
عن الصلاة؟ فقال الرجلُ: ما هوَ إلا أن سمعتُ النَداءَ فتوضأت، َ فقالَ
عمرُ: والوَضوءُ أيضاً!! أوَلَم تسمعُوا رسولَ الله يقول: " إذا أتَى أحدُكُمُ
الجُمُعَةَ فليغتَسِل "؟ (٣) .
стр. 707
ش- الربيع بن نافع الحلبي.
ومعاوية بن سلام بن أبي سلام الحبشي الأسود الألهاني، واسم
أبي سلام ممطور. سمع: جده أبا سلام، وأخاه زيد بن سلام،
والزهري، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: الوليد بن مسلم،
وأبو توبة، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. روى له
الجماعة إلا الترمذي (١) .
ويحيى هو يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي.
قوله: " بينا هو يخطب " قد مر الكلام في " بينا " مرةَ.
قوله: " النداء " أي: الأذان. والرجل القائل هو: عثمان بن عفان.
واختلف العلماء في غسل الجمعة، فحكِي وجوبه عن بعض الصحابة،
وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن
الحسن البصري، ومالك. وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف
وفقهاء الأمصار إلى أنه سُنَة مستحبة ليس بواجب. قال القاضي: وهو
المعروف من مذهب مالك. واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث الواردة
في هذا الباب، واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة، منها حديث هذا
الرجل الذي دخل وعُمر يخطب وقد ترك الغسل، ولو كان واجباً لأمره
عُمر أن ينصرف فيغتسل، فدل سكوت عمر ومَن حضره من الصحابة على
أن الأمر به محمول على معنى الاستحباب دون الوجوب، وليس يجوز
على الرجل الذي دخل- الذي ذكر في هذا الخبر من غير هذا الوجه أنه
عثمان- وعلي وعمر ومَن بحضرته من المهاجرين والأنصار أن يجتمعوا
على ترك الواجب. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي،
والنسائي، من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه ٠
٣٢٥- ص- حدَّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن
стр. 708
سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: " أن رسولَ الله- عليه
السلام- قال: " غُسلُ يوم الجُمُعُةِ واجبٌ على كلِّ مُحتَلِمٍ " (١) .
ش- مالك بن أنس.
قوله: " مُحتلمٍ " أي: بالغ، والمعنى: أنه متأكد في حقه، كما يقول
الرجل لصاحبه: حقك واجب عليّ، أي: متأكَّد، لا أن المراد الواجب
المحتم المعاقب عليه، وشهد لصحة هذا التأويل الأحاديث الصحيحة،
كحديث عمر وغيره، ومثل هذا الواجب يسمى وجوب الاختيار
والاستحسان. وقد أجاب بعض أصحابنا أن هذه الأحاديث التي ظاهرها
الوجوب منسوخة بحديث: " من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو
أفضلُ ". وقال ابن الجوزي: " أحاديث الوجوب أصح وأقوى،
والضعيف لا ينسخ القوي ".
قلت: هذا الحديث رواه أبو داود في " الطهارة " والترمذي، والنسائي
في " الصلاة "، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في
" سننه "، والبيهقي كذلك، وابن أبي شيبة/في " مصنفه "، وسنتكلم
عليه.
٣٢٦- ص- حدَّثني يزيد بن خالد الرملي قال: نا المفضل- يعني: ابن
فضالة- عن عياش بن عباس، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، عن
حفصة، عن النبي- ﵇ فال: " على كُلّ محتلم رَواح الجُمُعة (٢)
وعلى مَن رَواح الجمُعةَ (٣) الغُسل " (٤) .ًَ
стр. 709
ش- عياش بن عباس: الأول بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين
المعجمة، والثاني بالباء الموحدة المشددة والسين المهملة، أبو عَبد الرحيم
القِتباني، وبكير بن عبد الله الأشج.
قوله: " رواح الجمعة " الرواح: الذهاب أي وقت كان، والحديث
أخرجه النسائي.
ص- قال أبو داود: إذا اغتسلَ الرجلُ بعدَ طُلوع الفجرِ أجزأه من غسلِ
الجُمُعةِ وإن أجنبَ.
ش- أشار بهذا إلى أن هذا الغسل لليوم لا للصلاة، وهو قول الحسن
ابن زياد من أصحابنا. وقال أبو يوسف: للصلاة. وفائدته طهر فيما
قال أبو داود، فعندهما إذا اغتسل بعد طلوع الفجر ينال أجر الغسل؛ لأنه
وجد في يوم الجمعة، وعند أبي يوسف لا ينال؛ لأنه لم يصل به
الجمعة، وكذا الخلاف إذا اغتسل بعد صلاة الجمعة.
قوله: " وإن أجنب " يعني: وإن كان جنباً واغتسل لأجل الجنابة بعد
طلوع الفجر، أجزأه من غُسل الجمعة.
٣٢٧- ص- حدَثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن مَوهَب الرملي
وعبد العزيز بن يحيى الحراني قالا: ثنا محمد بن سلمة. ونا موسى بن
إسماعيل قال: نا حماد- وهذا حديث محمد بن سلمة- عن محمد بن
إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
قال: أبو داود: وقال يزيد وعبد العزيز في حديثهما عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، وأبي أمامة بن سهل، عن أبى سعيد الخدري، وأبي هريرة
قالا: قال رسول الله ﷺ : " مَنِ اغتسَلَ يومَ الجمُعَة، ولَبسَ من أحسنِ ثِيَابِه،
ومَس من طيب إن كان عنده، ثمِ أتى الجُمُعَةَ فلمَ يَتَخطَ أعَناقَ الناسِ، ثَم
صلَّى ما كَتب اللهُ له، ثم أنصت إذا خَرجَ إمامُه حتى يَفرغُ من صَلاته،
كانت كَفارةَ لما بينها وبَين جُمُعَتِهِ التي قَبلَها " (١) .
стр. 710
ش- حماد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن
إبراهيم بن الحارث القرشي التيمي المدني، وأبو سلمة عبد الله بن
عبد الرحمن.
وأبو أمامة: أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني، ولد في حياة
النبي- عليه [السلام] (١) ، وهو سماه، حدّث عنه مُرسلاَ، وسـ[مع
عمر] بن الخطاب، وعثمان، وأبا هريرة، [وزيد] بن ثابت،
وأبا سعيد. روى عنه: ابناه محمد وسهل، والزهري، ويحيى
الأ [نصاري] ، وغيرهم. مات سنة مائة. روى له: النسائي، وابن
ماجه عن النبي- ﵇، وبقية الجماعة عن الصحابة (٢) .
قوله: " ثم أنصت " أي: سكت.
قوله: " إذا خرج إمامه " أي: إذا خرج للخطبة.
قوله: " كانت " أي: الخصال المعدودة " كفارةَ "، الكفارة فعالة
للمبالغة، كقتّالة، وضرابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الاسمية،
وهي عبارة عن الفَعلة والخَصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي:
تسترها وتمحوها، وأصله من الكَفر- بفتح الكاف- وهو التغطية، وقد
كَفَرتُ الشيءَ أكفِره- بالكسر- كَفراً أي: سترته. وأما الكُفر- بالضم-
فهو ضد الإيمان، وفعله من كفر يكفُر، من باب نصر ينصر.
ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: استحباب الغسل يوم الجمعة.
الثانية: استحباب لبس أحسن الثياب.
الثالثة: استحباب مس الطيب إن وجده، وهو يتناول سائر أنواع الطيب
حتى المسك، وغيره.
الرابعة: ترك تخطي أعناق الناس، وفيه الإشارة إلى استحباب التبكير.
стр. 711
الخامسة: استحباب التنفل قبل خروج الإمام.
السادسة: أن النوافل المطلقة لا حد لها، لقوله: " ما كتب الله له ".
السابعة: استحباب الإنصات من حين خرج الإمام إلى أن يفرغ من
صلاته.
واعلم أن قرانه بين غسل الجمعة وبن لُبسه أحسن ثيابه، ومسه الطيب،
يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب.
وأخرجه مسلم مختصراً من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة،
وأدرج فيه زيادة " ثلاثة أيام " في الحديث.
ص- قال: ويقول أبو هريرة: " وزيادةُ ثلاثة أيامٍ "، ويقول: " إن الحسنةَ
بعَشرِ أمثالِهَا ".
ش- أي: قال يزيد بن خالد: يقول أبو هريرة في روايته: " كانت
كفارة لما بينها وبن جمعته التي قبلها، وزيادة ثلاثة أيام "، ويقول: " إن
الحسنة بعشر أمثالها "، لقوله تعالى: (مَن جَاءَ بالحَسَنَة فَلَهُ عَشرُ
أمثَالهَا) (١) /. فإن قلت: ما بين الجمعتين ستة أيام، فإذا ضمّيتَ عليه
ثلاثَة تكون تسعة أيام فما صحت العشرة، فإن حَسِبت الجمعتين معها
تكون أحد عشر يوماً فلا يستقيم قوله: " إن الحسنة بعَشر أمثالها " قلت (٢)
" المراد ما بين الساعة التي يُصلي فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى
على سبيل التكسير لليوم، فيستقيم الأمر في تكميل العشرة، وقد اختلف
الفقهاء قيمن أقر لرجل بما بَين درهم إلى عشرة دراهم، فقال أبو حنيفة:
يلزمه تسعة دراهم. وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه عشرة. ويدخل فيه
الطرفان والواسطة. وقال أبو ثور وزفر: لا يلزمه أكثر من ثمانية ويسقط
الطرفان، وهو قول الشافعي أيضاً ".
ص- قال أبو داود: حديث محمد بن سلمة أتم، ولم يذكر حماد كلام
أبي هريرة.
стр. 712
ش- إنما صار حديث محمد بن سلمة أتم؛ لأنه ذكر في روايته:
" زيادة ثلاثة أيام " عن أبي هريرة، ولم يذكرها حماد بن سلمة.
٣٢٨- ص- ثنا محمد بن سلمة المُرادي قال: أنا ابن وهب.، عن عمرو
ابن الحارث: أن سعيد بن أبي هلال، وبُكَير بن الأشج حدّثاه عن أبي بكر
ابن المنكدر، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد
الخدري، عن أبيه، أن رسول الله- ﵇ قال: " الغُسلُ يوم الجُمُعَة
على كُلِّ مُحتَلِم، والسِّوَاكُ، وَيَمسُّ من الطِّيبِ مَا قُدَرَ لَهُ " إلا أن بكيراَ لمَ
يذكر عبدَ الرحمن، وقال في الطيب: " ولو من طِيبِ المَرأةِ " (١) .
ش- ابن وهب هو: عبد الله بن وهب.
وسعيد بن أبي هلال الليثي، أبو العلاء المصري، ويُقال: المدني.
روى عن: محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، ونبيه بن وهب،
وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، وهشام بن سعد، وخالد بن
يزيد، وعمرو بن الحارث. قال أبو حاتم: لا بأس به. توفي سنة
ثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٢) .
وأبو بكر هذا هو أخو محمد بن المنكدر، ولم يُعرف اسمه، وكنيته
اسمه، ومن لم يُميّز بينهما ربما يعتقد أن المراد من أبي بكر في هذا
الحديث هو: محمد بن المنكدر.
وعمرو بن سليم بن عمرو بن خلدة بن مخلَّد- بالتشديد- ابن عامر
ابن زريق الزرقي الأنصاري المدني. روى عن: عمر بن الخطاب،
стр. 713
وسمع أبا قتادة، وأبا سعيد الخدري، وابنه عبد الرحمن بن أبي سعيد،
وأبا حُمَيد الساعدي. روى عنه: سعيد المقبري، وأبو بكر بن المنكدر،
وبكير بن عبد الله الأشج، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل
الحديث. روى له الجماعة (١) .
وعبد الرحمن بن سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي
أبو حفص، أو أبو محمد، أو أبو جعفر المدني، وهو ابن أبي سعيد
الخدري. روى عن: أبيه، وأبي حُميد الساعدي. روى عنه: عطاء بن
يسار، وزيد بن أسلم، وعمرو بن سُليم الزُّرقي، وغيرهم. مات سنة
ثنتي عشرة ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (٢) .
قوله: " الغُسل " مبتدأ، و " يوم الجمعة " نصب على الظرف.
قوله: " على كل محتلم " متعلق بمحذوف، وهو مع متعلقه خبر المبتدأ.
فإن قيل: ما متعلقه المحذوف؟ قلت: لفظة " على " يدل على أن المتعلق
" واجب " أي: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. وذلك لا في
" على " للإيجاب.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكون غسل يوم الجمعة واجباً؟ قلت:
قد مر الكلام فيه مستوفى، ويجوز أن تكون " على " هاهنا بمعنى " من "
نحو قوله تعالى: (إِذَا اكتَالُوا عَلَى النَاسِ يَستَوفُونَ) (٣) ، ويكون
المعنى: الغسل يوم الجمعة من كل محتلم مستحب أو فضيلة.
قوله: " والسواكُ " قال الشيخ محيي الدين في " شرح مسلم " (٤) :
أي: ويُسَن له السواك. قلت: الأولى أن يكون هذا عطفاً على الغسل،
ويكون التقدير: والسواك أيضاً على كل محتلم. ويكون الكلام فيه مثل
الكلام في الغسل.
قوله: " ويَمسّ من الطيب " يجوز فيه الرفع، ويكون هذا كلاماً بذاته
стр. 714
منقطعاً عما قبله، ويحوز النصب بتقدير " أن "، ويكون حينئذ في قوة
المصدر، والتقدير: ومَسُّه من الطيب، ويكون عطفاً على قوله:
" والسواك ".
قوله: " ما قدر له " في محل النصب على أنه مفعول " يَمسُّ ". قال
القاضي: هذا الكلامُ محتمل لتكثيره، ومحتمل لتأكيده حتى يفعله/بما
أمكنه، ويؤيده قوله: " ولو من طيب المرأة " وهو المكروه للرجال، وهو
ما ظهر لونه وخفي ريحه، فأباحه للرجل هنا للضرورة لعدم غيره. وهذا
يدل على تأكده.
قوله: " إلا أن بكيراً لم يذكر عبد الرحمن " أي: إلا أن بكير بن
عبد الله الأشج لم يذكر في روايته عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
ولكن قال في الطيب: " ولو من طيب المرأة " أي: ولو كان الطيب من
طيب المرأة.
والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وأخرجه البخاري من حديث
عَمرو بن سليم الزرقي، عن أبي سعيد الخدري بنحوه.
٣٢٩- ص- حدثنا محمد بن حاتم الجَرجرائي (١) قال: ثنا ابن المبارك،
عن الأوزاعي قال: نا حسان بن عطية قال: حدَثني أبو الأشعث الصَنعانِي
قال: حدَّثني أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من
غسل يومَ الجُمُعة واغتسلَ، ثم بكر وابتكَرَ، ومَشَى ولم يركَب، ودَنا من
الإمام فاستمعَ، ولم يَلغُ، كان له بكل خُطوة عملُ سنة اجرُ صيامِها
وقيَامِها " (٢) .
стр. 715
ش- ابن المبارك: هو عبد الله بن المبارك.
وأبو الأشعث شَرَاحيل بن شُرحبيل بن آدة الصنعاني، صنعاء دمشق،
وكانت قرية بالقرب من دمشق، وهي الآن أرض فيها بساتين تقرب من
الربوة، وقيل: إنه من صنعاء اليمن، و " آدة " ممدودة. سمع: عبادة
ابن الصامت، وابن عَمرو، وأبا هريرة، وثوبان، وأوس بن أوس
الثقفي، وغيرهم. روى عنه: مسلم بن يسار، وحسان بن عطية،
والوليد بن سليمان، وجماعة آخرون. قال أحمد بن عبد الله العجلي:
تابعي ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (١) .
قوله: " من غسل يوم الجمعة واغتسل " رُوي مخففاً ومشدداً، ومن
خفف قال: معناه وطئ امرأة قبل الخروج إلى الصلاة؛ لأنه يجمع غض
البصر، يقال: غسل الرجل امرأته، وغسلها- مخففاً ومشدداً- إذا
جامعها، وفحل غُسَله: إذا كان كثير الضراب، ومن شدد قال: معناه:
غسل غيره؛ واغتسل هو؛ لأنه إذا جامع امرأته أحوجها إلى الغُسل.
وقيل: أراد بـ " غسل " غَسل أعضائه للوضوء، ثم اغتسل بعد ذلك
للجمعة. وقيل: معنى " غسل " غسل الرأس خاصة؛ لأن العرب لهم
لمم وشعور، وفي غسلها مؤنة، فأفرد ذكر الرأس لذلك. و " اغتسل "
غسل سائر جسده. وقيل: معناهما واحد، وكررهما للتأكيد، كما قال:
" مشى ولم يركب ".
قوله: " ثم بكر وابتكر " قيل: معنى " بكر " يعني إلى الصلاة فأتاها
في أول وقتها، وكل مَن أسرع إلى شيء فقد بكر إليه، " وابتكر ":
أدرك أول الخطبة، وأولها باكورتها، كما يقال: ابتكر الرجل، إذا أكل
باكورة الفاكهة. وابتكار الجارية: أخذُ عذرتها. وقيل: " بكر " تصدق
قبل خروجه، وتأول في ذلك قوله في الحديث: " باكروا بالصدقة، فان
البلاء لا يتخطاها ". وقيل: معنى اللفظتين واحد من " فعل، وافتعل "
стр. 716
وإنما كرر للزيادة في المبالغة والتأكيد، ولأن العرب إذا بالغت في الشيء
اشتقت من اللفظة الأولى لفظةً على غير بنائها، ثم اتّبعوها إعرابها،
فيقولون: جَاد مجد، وليل لائل.
قوله: " ولم يركب " تأكيد لقوله: " ومشى "، ويحتمل أن لا يكون
تأكيداً ويكون المعنى: ولم يركب بالكلية في الذهاب والإياب؛ لأنه إذا
مشى في الذهاب فقط، أو في الإياب فقط، أو مشى شيئاً يسيراً في
الذهاب، أو الإياب، يصدق عليه أنه مشى، ولم يصدق عليه أنه لم
يركب، فح (١) لا يكون قوله: " ولم يركب " تأكيداً، فافهم.
قوله: " فاستمع " أي: إلى الخطبة.
قوله: " ولم يلغ " من اللَّغو، يقال: لغى الإنسان يلغو، ولغَى يلغَى،
ولغي يَلغَى، إذا تكلم بالمطرّح من القول وما لا يُعنى، وألغى إذا أسقط،
فالأول من باب: نصر ينصر، والثاني من باب: فتح يفتح، والثالث من
باب: علم يعلم.
قوله: " بكل خطوة " الخُطوة- بالضم- بُعدُ ما بين القدمَين في المشي
- وبالفتح- للمرة، وجمع الخطوة في الكثرة خُطى، وفي القلة
خُطوات- بسكون الطاء وضمها وفتحها-.
قوله: " عملُ سُنَة " بالرفع على أنه اسم " كان ".
قوله: " أجر صيامها " بالرفع أيضاً على أنه بدل من العمل/.
والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي:
حديث أوس بن أوس حديث حسن.
٣٣٠- ص- حدَّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن خالد بن يزيد،
عن سعيد بن أبي هلال، عن عبادة بن نُسن، عن أوس الثقفي، عن رسول
الله- ﵇ أنه قال: " من غسَّلَ رأسَه يومَ الجُمُعة واغتسلَ " ثم
ساق نحوه (٢) .
стр. 717
ش- خالد بن يزيد المصري أبو عبد الرحيم الإسكندراني، مولى
أبي الصنيع، وقيل: ابن أبي الصنيع الجمحي مولى عمير بن وهب،
وكان فقيهاً مفتياً. روى عن: عطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، وسعيد
ابن أبي هلال، والزهري. روى عنه: الليث بن سَعد، وحيوة بن
شريح، والمفضل بن فضالة، وابن لهيعة. قال أبو زرعة: مصري ثقة.
وقال أبو حاتم: لا بأس به ٠ توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. روى
الجماعة (١) .
فوله: " ثم غسل رأسه " بالتشديد، وقد قلنا: إنه ﵇
حرضهم بذلك لكونهم أصحاب لمم وشعور.
قوله: " ثم ساق " أي: ثم ساق قتيبةُ الحديث نحو ما ذكر.
٣٣١- ص- حدَثنا ابن أبي عقيل، ومحمد بن سلمة المصريان (٢) قالا:
ثنا ابن وهب، فال ابن أبي عقيل: فال (٣) : أخبرني أسامة- يعني: ابن
زيد- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص،
عن النبي- ﵇ أنه فال: " مَنِ اغتسلَ يَومَ الجُمُعَة، ومَسَّ من
طِيب امرأته إن كان لها، ولَبِسَ من صَالح ثيابه، ثم لم يَتَخَطَّ رِقَابَ الناسِ،
ولمَ يَلغُ عَنَدَ المَوعظة، كانت كفارةً لما بَينهَمَا، ومن لَغَى وتَخَطَّى رِقابَ
الناسِ كانت له ظُهراً " (٤) .
ش- اسم ابن أبي عقيل: عبد الغني، وقد مر بيانه.
قوله: " عند الموعظة " أي: الخطبة؛ لأن فيها الموعظة وغيرها.
قوله: " لما بينهما " أي: لما بين الجمعتين.
قوله: " كانت له ظهراً " أي: كانت جمعته له ظهراَ، بمعنى: أن
الفضيلة التي كانت تحصل له من الجمعة لم تحصل له، لفوات شروط هذه
الفضيلة. وهذا الحديث فيه عمرو بن شعيب، وقد تقدم الخلاف فيه.
стр. 718
٣٣٢- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا محمد بن بشر قال: ثنا
زكرياء قال: ثنا مصعب بن شيبة (١) ، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله
ابن الزبير، عن عائشةَ أنها حدثته: " أن النبيَ- ﵇ كان يَغتسلُ
من أربعٍ: من الجنابةِ، ويومَ الجُمُعةِ، ومن الحِجَامةِ، ومن غَسلِ المَيتِ " (٢) .
ش- محمد بن بشر العَبدي، وزكرياء بن أبي زائدة.
قوله: " من أربع " أي: من أربع خصال. وقال الخطابي (٣) : " قد
يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء الَمختلفة الأحكام، والمعاني تُرتبها
وتنزلها منازلها، فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما
الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل على أنه كان يفعله ويأمر به استحباباً،
ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن أن
يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم، فالاغتسال منه استظهار
بالطهارة، واستحباب للنظافة، وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق
أكثر العلماء على أنه على غير الوجوب، وقد رُوي عن أبي هريرة عن
النبي- ﵇ قال: " مَن غسل ميتاً فليغتسل " (٤) ، ورُوي عن
ابن المسيب، والزهري معنى ذلك، وقال النخعي، وأحمد، وإسحاق:
يتوضأ غاسلُ الميت. ورُوي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا: ليس
على غاسل الميت غسل. وقال أحمد: لا يثبت في الاغتسال من غسل
الميت حديث ".
وأبو داود أخرج هذا الحديث في الجنائز وقال: هذا منسوخ. وقال
أيضاً: وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليه. ورُوي عنه أيضاً:
حديث مصعب بن شيبة ضعيف. وقال البخاري: حديث عائشة من هذا
стр. 719
الباب ليس بذاك. وقال ابن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء،
وكذا قال أحمد. وقال محمد بن يحيى: لا أعلم فيمن غسل ميتاً
فليغتسل حديثاً ثابتاً، ولو ثبت لزمنا استعماله.
٣٣٣- ص- حدَثنا محمود بن خالد الدمشقي قال: ثنا مروان قال: ثنا
علي بن حوشب قال: سألت مكحولاً عن هذا القول: " غسَّلَ واغتسلَ "،
فقال: غسلَ رأسَه وجسَده " (١) .
ش- مروان بن معاوية/الكوفي.
وعلي بن حوشب الدمشقي أبو سليمان الفزاري، ويُقال: السَّلمي.
سمع: مكحولاً، وأبا سلام الأسود، وأباه حوشباً ٠ روى عنه: مروان
ابن معاوية، والوليد بن مسلم، وأبو توبة، وغيرهم. قال أبو زرعة عن
عبد الرحيم بن إبراهيم إنه ثقة. روى له أبو داود (٢) .
ومكحول بن زيد الدمشقي.
قوله: " غسل " بالتشديد، جعل مكحول " غسَّل " راجعاً إلى غسل
الرأس والبدن جميعاً كما ذكرناه.
٣٣٤- ص- حدَّثنا محمد بن الوليد الدمشقي قال: ثنا أبو مسهر قال:
قال سعيد بنِ عبد العزيز في قوله: " غسَّلَ واغتسلَ " قال: " غَسَّلَ رأسَه
وغَسلَ سائر جسَدهِ " (٣) .
ش- محمد بن الوليد بن هُبيرة: أبو هبيرة القلانسي الهاشمي
الدمشقي. روى عن: أبي مسهر الدمشقي، ويوسف بن السَفر. روى
عنه: أبو داود تفسير حديث، وهو هذا الحديث، وعبد الله بن محمد بن
مسلم المقدسي (٤) .
وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسهر الغَسَاني
стр. 720
الدمشقي. سمع: مالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز، ويحيى بن
حمزة، وجماعة آخرين ٠ روى عنه: ابن معين، وأبو نعيم،
وأبو حاتم، والبخاري، وجماعة آخرون كثيرة. توفي ببغداد يوم
الأربعاء ليومين مضيا من رجب، سنة ثمان عشرة ومائتين، وهو ابن
سبعين سنة، ودفن بباب التين. روى له الجماعة إلا البخاري (١)
وسعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي أبو محمد، ويقال:
أبو عبد العزيز الدمشقي، فقيه أهل الشام ومُفتِيهم بعد الأوزاعي، سأل
عطاء بن أبي رباح عن مسألة. وسمع: الزهري، وعبد العزيز بن
صهيب، وزيد بن أسلم، ومكحولاً، وعطاء الخراساني، وغيرهم.
روى عنه: الثوري، والوليد بن مسلم، ومروان بن محمد الطاطري،
وأبو مسهر، ومحمد بن إسحاق الرافعي، وغيرهم. قال ابن معين
وأبو حاتم: ثقة. مات سنة سبع وستين ومائة، وهو ابن بضع وسبعين
سنة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
قوله: " قال: غسّل رأسه " أي: قال سعيد بن عبد العزيز: معنى قوله
﵇: " غسل واغتسل " غسل رأسه، وغسل سائر جسده.
٣٣٥- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سُمى، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله- ﵇ قال: " مَنِ
اغتسلَ يومَ الجُمُعَة غسل الجنابَةِ، ثم رَاح، فكأنما قَرَبَ بَدنة، ومَن راح فيِ
الساعة الثانية، فكَأنما قَربَ بَقرةً، ومن رَاح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب
كبشاً أقرنَ، وَمن راح في الساعةِ الرابعة، فكأنما قَرَّبَ دَجَاجةً، َ ومن راح في
الساعةِ الخامسة فكأنما قَرَّبَ بَيضَةً، َ فإذا خَرجَ الإمامُ حَضَرَت الملائكةُ
يَستَمِعُونَ الذكر " (٣) .
стр. 721
ش- مالك بن أنس، وسُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن،
وأبو صالح ذكوان السمان.
قوله: " غُسل الجنابة " منصوب بنزع الخافض، أي، غسلا كغسل
الجنابة في الصفات، هذا هو المشهور. وقيل: المراد غسل الجنابة حقيقةَ،
فلذا قالوا: يستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض لبصره، وأسكن
لنفسه. وهذا ضعيف، والصواب ما قدمناه.
قوله: " ثم راح " المراد بالرواح الذهاب أول النهار. وقال مالك:
المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، وبه قال القاضي
حسين، وإمام الحرمين. والرواح عندهم بعد الزوال، وادَّعوا أن هذا
معناه في اللغة. وقال جماهير العلماء باستحباب التبكير إليها أول النهار،
وبه قال الشافعي، وابن حبيب المالكي، والساعات عندهم من أول
النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره. وقال الأزهري: لغة العرب أن
الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار وآخره أو في الليل. وهذا هو
الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى؛ لأن النبي- ﵇ أخبر
أن اللائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى، وهو كالمُهدِي بدنة، ثم
من جاء في الساعة الثانية، ثم في الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة،
وفي رواية النسائي: " السادسة "، فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم
يكتبوا بعد ذلك/واحداَ، ومعلوم أن النبي- ﵇ كان يخرج
إلى الجمعة متصلاَ بالزوال؛ وهو بعد انقضاء الساعة السادسة؛ فدل على
أنه لا شيء من الهدي، والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولاشك ذكر
الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق،
وتحصيل الصف الأول وانتظارها، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه،
وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛
لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعد النداء.
стр. 722
قوله: " فكأنما قرب " أي: تصدق.
قوله: " بدنةً " البدنة تطلق على الإبل والبقر، وخصّصها مالك بالإبل،
وتقع على الذكر والأنثى، و " الهاء " فيها للوحدة كقمحة وشعيرة
ونحوهما من أفراد الجنس؛ سميت بذلك لعظم بدنها؛ ولكن المراد هاهنا
من البدنة الإبل بالاتفاق؛ لتصريح الحديث بذلك.
قوله: " كبشاً أفرن " وصفه بأقرن؛ لأنه أكملُ وأحسن صورة؛ ولأن
القرن ينتفع به.
قوله: " دجاجةً " بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان، وتقع على
الذكر والأنثى، فإن قيل: كيف التقرب بالدجاجة والبيضة؟ قلنا: قد
ذكرنا أن معنى قوله: " قرب ": تصدّق: ويحوز التصدق بالدجاجة
والبيضة ونحوهما؛ وفيه دليل على أن التقرّب والصدقة يقع على القليل
والكثير، وقد جاء في رواية النسائي بعد " الكبش ": " بطة " ثم
" دجاجة " ثم " بيضةَ "، وفي رواية: بعد " الكبش ": " دجاجة " ثم
" عُصفور " ثم " بيضة ". وإسناد الروايتين صحيح.
قوله: " فإذا خرج الإمام " أي: إلى الخطبة " حضرت الملائكة " بفتح
الضاد وكسرها لغتان مشهورتان، والفتح أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن؛
قال الله تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ القسمَةَ) (١) ، ثم قالوا: إن هؤلاء
الملائكة غير الحفظة، ووظيفتهم: كتَابة حاضري الجمعة.
قوله: " يستمعون الذكر " أي: الخطبة؛ لأن فيها ذكر الله تعالى،
والثناء عليه، والموعظة والوصيّة للمسلمين. والحديث أخرجه البخاري
ومسلم والترمذي والنسائي. وأخرجه ابن ماجه والنسائي من حديث سعيد
ابن المسيّب، عن أبي هريرة بنحوه.
***
стр. 723
١١٨- باب: الرخصة في ترك الغسل (١)
أي: هذا باب في بيان الرخصة في ترك غسل الجمعة.
٣٣٦- ص- حدَّثنا مسدّد قال: نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد،
عن عَمرة، عن عائشة قالت: كان الناسُ مُهَّانَ أنفُسهم، فيروحُون إلى
الجُمُعَةِ بهيئَتِهِم، فقيلَ لهم: لو اغتسلتُم (٢) !
ش- يحيى: القطان، وعَمرة: بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية.
قوله: " مُهَّان أنفسهم " بضم الميم وتشديد الهاء جمع " ماهن "،
ككتاب جمع " كاتب "، وقال الحافظ أبو موسى: مِهَان- بكسر الميم
والتخفيف- جمع ماهن، كقيام وصيام جمع قائم وصائم، وفي رواية:
مَهَنَة بفتح الميم والهاء والنون: جمع ماهن- أيضاً- ككتَبَة جمع كاتب.
والماهن: الخادم، أي: كانوا يخدمون أنفسهم، ويعملون أعمالهم
بأنفسهم، لم يكن لهم من يَخدمهم، والإنسان إذا باشر العمل الشاق
حمِي بدنُه وعرِق، لا سيما في البلاد الحارة، فربما يكون منه الرائحة
الكريهة، فأمروا بالاغتسال تنظيفا للبدن وقطعاً للرائحة.
قوله: " لو اغتسلتم " جوابه محذوف؛ والتقدير: لو اغتسلتم لكان
أفضل، أو أكمل، أو أحب؛ وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب.
والأحاديث الواردة في الأمر محمولة على الندب، جمعاً بين الأحاديث.
وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه.
٣٣٧- ص- ثنا أبو داود (٣) قال: ثنا عبد الله بن مَسلمة قال: ثنا
عبد العزيز- يعني: ابن محمد-، عن عمرو- يعني ابن أبي عَمرو-، عن
стр. 724
عكرمة، أن أناساً من أهلِ العراق جاءُوا فقالوا: يا ابنَ عَباس، أترى الغُسلَ
يومَ الجمعة واجباً؟ قال: لا؛ ولكَنه أطهرُ وخير لمن اغتسلَ، " ومَن لم يَغتسل
فليسَ عليهَ بواجب، وسأخبرُكُم كيف بَدا الغُسلُ، كان الناسُ مجهودين،
يَلبسُون الصوفَ، ويَعملُون عَلىِ ظُهُورهم، وكان مَسجدُهم ضيقاً، مُقاربَ
السقف، إنما هو عَريش، فخرج رسولُ الله في يوم حَار، وعَرقَ الناسُ في
ذلك الصوف حتى ثَارت/منهم رياح، آذى بذلك بعضُهمَ بعضاً، فلما
وجَدَ رسولُ اَلله تلك الريحَ قال: أيها الناسُ، إذا كان هذا اليومُ فاغتسلُوا،
وليمسَّ أحدُكمَ أفضلَ ما يجدُ من دهنه وطيبه. قال ابنُ عباس: ثم جَاَءَ اللهُ
بالخيرِ، ولَبسُوا غيرَ الصوفِ، وكُفُوَاَ العمَل، ووسعَ اللهُ مَسجدَهم (١) ،
وذهبَ بَعضُ الذي كان يُؤذي بعضُهُم بَعضاً مِن العَرَقِ (٢) .
ش- عبد العزيز بن محمد: الدراوردي.
وعمرو بن أبي عمرو: المدني، واسم أبي عمرو: مَيسرة مولى المطلب
أبي عبد الله بن حنطب؛ روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وسعيد
ابن جبير، وسعيد المقبري. روى عنه: مالك بن أنس، ويزيد بن الهاد،
وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وغيرهم. قال
أحمد بن حنبل: ليس به بأس، وقال ابن معين: ضعيف، ليس بالقوي،
وليس بحجة. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن عدي: لا بأس به؛ لأن
مالكاً قد روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة. روى له
الجماعة (٣) .
فوله: " ولكنه أطهر " أي: للبدن، و " خير لمن اغتسل " في الثواب.
قوله: " كيف بدأ الغسل " يعني: كيف كان ابتداؤه.
قوله: " مَجهودين " من قولهم: جُهِدَ الرجل فهو مجهود إذا وجد
مشقة.
стр. 725
قوله: " إنما هو عَريشٌ " العَرِيش: كل ما يُستظَل به؛ والمراد: أنّ
سقفه كان من الجريد والسَعَف.
قوله: " حتى ثارت " أي: هاجت؛ من ثار يثور ثورا وثوراناً إذا سَطع.
قوله: " من دونه " يتناولُ الزيت ودهن السمسم وغيرهما من الأدهان
المطيبة، وكذلك الطيب يتناول سائر أنول الطيب، مثل المسك والعنبر
والغالية ونحوها.
قوله: " ثم جاء الله بالخير " إشارة إلى أن الله تعالى فتح الشام ومصر
والعراق على أيدي الصحابة، وكثُرت أموالهم وعبيدهم ومواشيهم (١) ،
فغيروا اللّبس والبناء، وغير ذلك.
٣٣٨- ص- حدَثنا أبو الوليد الطيالسي قال: ثنا همام، عن قتادة، عن
الحسن، عن سمرة قال: فال النبي- ﵇: " من توضأ فبها
ونِعمت، ومَنِ اغتسلَ فهو أَفضلُ " (٢) .
ش- اسمُ أبي الوليد الطيالسي: هشام بن عبد الملك، وهمام: ابن
يحيى العَوذي، وقتادة: ابن دعامة، والحسن: البصري، وسمرة:
ابن جندب بن هلال بن حريج (٣) أبو سعيد، أو أبو عبد الله، أو
أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، أو أبو سليمان؛ رُويَ له عن رسول
الله مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثاً؛ اتفقا على حديثين، وانفرد
البخاري بحديثين ومسلم باً ربعة. روى عنه: أبو رجاء العطاردي،
وعبد الله بن بُريدة، والحسن البصري. مات بالكوفة في آخر خلافة
معاوية. روى له الجماعة (٤) .
стр. 726
قوله: " فبها " أي: فبهذه الفعلة أو الخصلة أخَذَ؛ قال الأصمعي:
معناه: فبالسُنَّة أخذ.
قوله: " ونعمت " أي: نعمت الخصلة.
قوله: " ومن اغتسل فهو أفضل " أي: الغسل أفضل، والضمير يرجع
إلى الغسل الذي يدل عليه قوله: " ومن اغتسل ".
واعلم أن هذا الحديث " (١) رُوِيَ من حديث سمرة، ومن حديث
أنس، ومن حديث الخدريّ، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث
جابر، ومن حديث عبد الرحمن بن سمرة، ومن حديث ابن عباس.
أما حديث سمرة: فأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي؛
فأبو داود في الطهارة، والترمذي والنسائي في الصلاة، وقال الترمذي:
حديث حسن صحيح. ورواه أحمد في " مسنده "، والبيهقي في " سننه "،
وابن أبي شيبة في " مصنفه ".
وأما حديث أنس: فرواه ابن ماجه في " سننه " (٢) من حديث
إسماعيل بن مسلم المكي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن
النبي- ﵇ قال: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت،
يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل ". وهذا سَند ضعيف.
وأما حديث الخدريّ: فرواه البيهقي في " سننه " (٣) ، والبزار في
" مسنده " عن أسيد بن زيد الجمال، عن شريك، عن عوف، عن
أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البزار في " مسنده " عن أبي بكر
стр. 727
الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، ورواه
ابن عديّ في " الكامل " (١) ، وأعله بأبي بكر الهذلي؛ واسمه: سُلمى
ابن عبد الله.
وأما حديث جابر: فرواه عبد بن حُمَيد في " مسنده ": حدَّثنا عمر
ابن سعد، عن الثوري، عن أبان، عن أبي نضرة، عن جابر مرفوعاً
نحوه، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا الثوري،/عن رجل
عن أبي نضرة به، ورواه إسحاق بن راهويه في " مُسنده "، وأخرجه ابن
عدي في " الكامل " (٢) .
وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة: فرواه الطبراني في " معجمه
الوسط " (٣) من حديث حفص بن عُمر الرازي: ثنا أبو حُرَّةَ، عن
الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة مَرفوعاً نحوه.
وأما حديث ابن عباس: فرواه البيهقي في " سننه " (٤) : أخبرنا
أبو عبد الله الحافظ: ثنا أبو أحمد محمد بن (٥) إسحاق الصفّار: ثنا
أحمد بن نصر: ثنا عمرو بن طلحة القناد: ثنا أسباط بن نصر، عن
السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ... ، فذكر
نحوه.
واعلم- أيضاً- أن في سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب؛ الأول:
أنه سمع منه مطلقاً؛ وهو قول ابن المديني، ذكره عنه البخاري في أول
" تاريخه الوسط " فقال: حدثنا الحُميدي، ثنا سفيان، عن إسرائيل قال:
سمعت الحسن يقول: ولدتُ لسنتين بقيتا من خلافة عمر؛ قال علي:
سماع الحسن من سمرة صحيح. ونقله الترمذي في كتابه؛ قال في " باب
стр. 728
الصلاة الوسطى ": قال محمد بن إسماعيل- يعني البخاريّ-: قال
عليّ- يعني: ابن المديني-: سماع الحسن من سمرة صحيح. وقال
الترمذي: سماع الحسن من سمرة عندي صحيح. واختار الحاكم هذا
القول، وأخرج في كتابه عدّة أحاديث من رواية الحسن، عن سمرة،
وقال في بعضها: على شرط البخاريّ.
الثاني: أنه لم يسمع منه شيئاً، واختاره ابن حبان في " صحيحه "؛
فقال في النوع الرابع من القسم الخامس- بعد أن روى حديث الحسن عن
سمرة-: أن النبي- ﵇ كانت له سكتتان-: والحسن لم
يَسمع من سمرة شيئاً. وقال صاحب " التنقيح ": قال ابن معين: الحسن
لم يلق سمرة. وقال شعبة: الحسن لم يسمع من سمرة. وقال البردعي:
أحاديث الحسن عن سمرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث قال فيه: سمعت
سمرة.
الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط؛ قاله النسائي، وإليه مال
الدارقطني في " سننه "، فقال في حديث السكتتَين: والحسن اختُلِف في
سماعه من سمرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة فيما قاله قريش بن
أنس، واختاره عبد الحق في " أحكامه "، واختاره البزار في " مسنده ".
والله أعلم (١) .
١١٩- بَابُ: الرَّجُل يُسلِم وُيؤمرُ (٢) بالغُسل
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يُسلم ويؤمر بالغُسل عقيب
إسلامه.
٣٣٩- ص- ثنا محمد بن كثير العَبدي قال: ثنا سفيان قال: نا الأغر،
стр. 729
عن خليفة بن حُصَين، عن جدّه: قيس بن عاصم قال: أتيتُ النبيَ- عليه
السلام- أريدُ الإسلامَ، فأمَرني أن اغتسلَ بماء وسِدر (١) .
ش- سفيان: الثوري، والأغرُّ: ابن حَصِيل، وقال صاحب
" الكمال ": الأغر بن الصباح الكوفي المنقري، مولى لآل قيس بن
عاصم. روى عن: خليفة بن حُصين. روى عنه: الثوري، وقيس بن
الربيع. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائيّ (٢) .
والخليفة بن حُصَين بن قيس بن عاصم المنقري البصري. روى عن:
جده، وأبي نصر، عن ابن عباس. روى عنه: الأغر بن الصباح.
روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٣) ، وقيس بن عاصم بن
سنان بن خالد بن منقر بن عُبيد السَّعدي التميمي، وفد على النبي- عليه
السلام- في وَفد بني تميم سنة تسع فأسلم، وقال- ﵇:
" هذا سيّد أهل الوبر ". روى عنه: الحسن البصري، وابنه: حكيم بن
قيس، وابن ابنه: خليفة بن حصين. نزل البصرة وله بها دار، وتوفي
عن اثنين وثلاثين ذكراَ من أولاده. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي (٤) .
هذا عند أكثر أهل العلم على الاستحباب، لا على الإيجاب، وعند
أحمد، وأبي ثور: يجب الغسل على الكافر إذا أسلم أَخذاَ بظاهر
الحديث؛ ولأنه لايح (٥) في أيام كفره من جماع أو احتلام وهو لا يغتسل،
стр. 730
ولو اغتسل لم يصح منه ذلك؛ لأن الاغتسال من الجنابة فرض من فروض
الدين وهو لا يُجزئه إلا بعد الإيمان كالصلاة والزكاة ونحوهما، قلنا: لا
يجب عليه إلا إذا أسلم وهو جنبٌ، ولا يصح قياسه على الصلاة
والزكاة/؛ لأنهما لا تصح بدون النية، ونية الكافر لغو لعدم الإيمان،
بخلاف اغتساله؛ لأن الماء مطهر بنفسه فلا يَحتاج إلى النيّة. والحديث
أخرجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ لا نعرفه
إلا من هذا الوجه.
٣٤٠- ص- ثنا مَخلَد قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنبا ابن جريج قال:
أخبرتُ عن عثَيم بن كُليب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنه جَاءَ النبيَ (١) - عليه
السَلام- فقال: قد أسلمتُ، فقال له النبيُ- ﵇: ألق عنكَ شَعرَ
الكُفرِ، يقولُ: احلق. قال: وأَخبرني آخرُ أن النبيَ- ﵇ قال
لآخر معه: ألقِ عنك شَعرَ الكُفرِ واختتِن (٢) .
ش- مخلد: ابن خالد بن يزيد الشعيري، كان بطرسوس. روى
عن: عبد الرزاق بن همام، وإبراهيم بن خالد الصنعانيين. روى عنه:
مسلم، وأبو داود- وقال: ثقة-، وغيرهما. وقال أبو حاتم حين سئل
عنه: لا أعرفه (٣) .
وعبد الرزاق: ابن همام الصنعاني، وابن جُريج: عبد الملك بن
عبد العزيز، وعُثَيم- بضم العين المهملة، وفتح الثاء المثلثة، وبياء آخر
الحروف ساكنة، وميم- ابن كُلَيب الحضرمي. روى عن: أبيه، عن
جده. روى عنه: ابن جريج، وقيل: قال ابنُ جريج: أخبرتُ عن
عُثَيم. روى له: أبو داود (٤) .
стр. 731
وكليب والد عُثيم (١) البصري، روى عن: أبيه، روى عنه: ابنه:
عُثيم، روى له: أبو داود. وإنما أمر النبي- ﵇ بالحلق زيادة
لتنظيفه، وإزالةَ للشعر الذي رباه في الكفر. وأما أمره بالاختتان فظاهر،
ولو أسلم الكافر ولم يطق ألم الختان يترك. وفيه رواية مجهولٌ فافهم.
***
١٢٠- بَابُ: المرأةِ تَغسلُ ثوبَها الذِي تَلبَسَهُ في حَيضها
أي: هذا باب في حكم المرأة تغسل ثوبها الذي كانت تلبسه في أيام
حيضها.
٣٤١- ص- حدَثنا أحمد بن إبراهيم قال: ثنا عبد الصمد بن
عبد الوارث، [عن أبيه] قال: حدثتني أم الحسن- يعني: جدة أبي بكر
العدوي-، عن معاَذةَ قالت: سألت عائشةَ عن الحائض يُصيبُ ثَوبَها الدمُ،
قالت: تَغسلُهُ، فإن لم يذهب أثَرُهُ فلتُغيره بشيء من صفرةَ، وقالت: لقد
كنتُ أحِيض عندَ رسولِ اللهِ ثَلاثَ حِيَضِ جميعاً، لَا أغسِلُ ليَ ثوباً (٢) .
ش- أحمد بن إبراهيم: الموصلي، وعبد الصمد بن عبد الوارث:
البَصري التميمي.
وأم الحسن جدة أبي بكر العدوي، روت عن معاذة العدوية، روى
عنها: عبد الصمد، روى لها: أبو داود، وابن ماجه (٣) .
ومعاذة: بنت عبد الله العدوية البصرية، وقد ذكرناها.
قوله: " فإن لم يذهب أثره " والأثر: اللون والرائحة.
قوله: " من صفرة " مثل الورس والزعفران ونحوهما.
стр. 732
وفي " المصنف " عن سعيد بن جبير " في الحائض يُصيب ثوبُها من دمها
قال: تغسله، ثم تلطخ مكانه بالوَرس والزعفران أو العَنبر "؛ والمقصود
من ذلك: إزالة الرائحة الكريهة ودفعاً للوَسوسة- أيضاً.
وقول عائشة: " لا أغسل لي ثوباً " إما لأجل أن الدم ما كان يُصِيبُ ثوبها
لأجل احترازها ونظافتها، وإما لأنها كانت تغسلها بعد خروجها من
الحيض، ولا تغسلها في أيام حيضها.
٣٤٢- ص- حدَّثنا محمد بن كثير قال: أنا إبراهيم بن نافع قال:
سمعت الحَسن- يعني ابن مُسلم- يذكر عن مجاهد قال: قالت عائشةُ: ما
كان لإحدَانا إلا ثوبٌ واحدٌ فيه تحيضُ (١) ، فإن أصابَه شيءٌ من دَمِ بَلَتهُ
برِيقِها، ثم قَصَعَتهُ بريقِهَا (٢) .
ش- إبراهيم بن نافع: المكي، والحسن بن مسلم: ابن يناق (٣)
المكي.
قوله: " بَلته بِريقها " من البَلل، وهو من باب نصر ينصر.
قوله: " ثم قصعته " معناه: دلكته به، ومنه قَصَعَ القملةَ إذا شدخها بين
أظفاره، فأما فَصَعَ الرُّطبةَ فهو بالفاء؛ وهو أن يأخذها بإصبعَيه فيغمزها
أدنى غمزِ، فتخرج الرطبة خالعةَ قشرها. وقال ابن الأثير (٤) : " قصَعَته
أي: دلكته بظُفرها، ويروى: " مَصَعته " بالميم معنى فركته. قال
البيهقي: هذا في الدم اليَسير الذي يكون معفوا عنه، وأما الكثير منه فصح
عنها أنها حَانت تغسله.
قلت: هذا كلام جيد؛ ولكنه حجة عليهم؛ حيث اختصوا إزالة
النجاسة بالماء بحديث أسماء كما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.
стр. 733
٣٤٣- ص- حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي
قال: ثنا بكار بن يحيى قال: حدثتني جدتي قالت: دخلت على أمِّ سَلَمةَ
فسألَتهَا امرأةٌ من قُريش عن الصلاةِ في ثوب الحائضِ؟ فقالت أم سَلَمَةَ: قد
كان يُصيبُنَا الحَيضُ/على عَهد رسول اللهِ- ﵇، فتَلبثُ إحدانا
أيامَ حَيضَهَا، ثم تَطهُرُ فتنظر الَثَّوبَ الَذي كانت تَقلَّبُ فيه، فإن أَصَابَه دَمٌ
غسَلنَاهُ وصَفَينَا فيه، وإن لم يكن أصَابَه شيءٌ تَرَكنَاه، ولم يَمنعنا ذلك من أن
نُصلِّيَ فيه، وأمَّا المُمتَشِطَةُ فكانَت إحدانا تكونُ مُمتشطَةً فإذا اغتسلت لم
تَنقُض ذاك؛ ولكنها تَحفنُ على رأسِهَا ثَلاثَ حَفَنَات، فإذا رأت البَلَلَ في
أصُولِ الشَّعرِ دَلَكَته، ثم أفاضت على سائرِ جَسَدِها (١) .
ش- يعقوب بن إبراهيم: الدورقي، وعبد الرحمن بن مَهدي:
أبو سعيد العنبري.
وبكار بن يحيى روى عن: جدته، عن أم سلمة. روى عنه:
عبد الرحمن بن مهدي. روى له: أبو داود (٢) .
قوله: " تقَلَّبُ فيه " أصله: تتقلبُ؛ فحذفت إحدى التائين، من
قولك: فلان يَتقلَّبُ في أمره، أي: يتحول من حال إلى حال. وفي
بعض الرواية: " الذي كانت تعلَّت فيه " من قولهم. تعلت المرأةُ من
حيضها إذا طهرت، وكذا يقال: تعلت النُّفسَاء إذا ارتفعت وطهُرَت،
ويقال: تعالت- أيضاً- ويجوز أن يكون من قولهم: تعلَّى الرجل من
عِلَّته إذا برأ أي: خرجَت من نفَاسِها وسَلِمَت.
قوله: " وأما المُمتشطةُ " أي: المرأة الممتشطةُ: وهي التي تَمتشِطُ:
يُقال: امتشطت المرأةُ، ومَشطتها الماشطةُ إذا سرحت شعرها بالمشط، وفيه
ثلاث لغات، وأنكر ابن دريد الكسر، وحكى ضم الميم والشين. قال
ابن دريد: إلا أن يزاد ميم فيقال: مُمشُط.
стр. 734
ويستفاد من الحديث فوائد:
الأولى: جواز الصلاة في الثوب الذي تحيض فيه المرأة ولم يُصبه شيء
من دم الحيض.
الثانية: جوازها- أيضاً- في الذي أصابه شيءٌ؛ ولكن بعد غسله.
والثالثة: أن المرأة إذا بلغ الماء أصول شعرها لا تحتاج إلى نقض
ضفائرها، سواء عند اغتسالها من انقطاع الحيض والنفاس أو الجنابة.
٣٤٤- ص- ثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا محمد بن سلمة، عن
محمد بن إسحاق، عن فاطمةَ بنت المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ قالت:
" سمعتُ امرأةَ تسألُ النبيَ- ﵇ كيف تَصنعُ إحدانا بثَوبِهَا إذا
رَأت الطُهرَ؟ أتُصَلِّي فيه؟ قال: تَنظُرُ، فإن رأت فيه دماً فلتُقرِصهُ بشيء
من مَاءِ، ولتَنضِح ما لم تَرَ، ولتُصَلِّي (١) فيه " (٢) .
ش- فاطمة بنت المنذر: ابن الزبير بن العوام الأسدية المدنية، زوجة
هشام بن عروة. روت عن: جَدتها أسماء بنت أبي بكر- رضي الله
عنها (٣) -. روى عنها: زوجها هشام، ومحمد بن إسحاق بن يَسار.
قال هشام: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة. قال أحمد بن عبد الله:
هي تابعية، ثقة. روى لها الجماعة (٤) .
قوله: " فلتَقرصه " مخفف ومثقل؛ رُوِيَ بهما جميعاً؛ والقرص
والتقريص: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى
يذهب أثره؛ وهو أبلغ في غسل الدم من غسله بجميع اليد. وقال
الخطابي (٥) : " أصل القَرص: أن يقبض بإصبعَيه على الشيء، ثم
يغمزه (٦) غمزاً جيداً ".
стр. 735
قوله: " من ماء " استدلت به الشافعية على أن غسل النجاسة بنحو الخل
وغيره من المائعات لم يُجزئه؛ لأنه نص على الماء، وفي تركه ترك المأمُور
به
قلنا: ذكر الماء خرج مخرج الغالب؛ لا مخرج القيد؛ لأن المراد:
إزالة النجاسة، وغير الماء من المائعات الطاهرة أبلغ في القلع والإزالة.
قوله: " ولتنضِح " بكسر الضاد أي: وَلتَرُش، وقال الخطابي (١) :
" النضحُ: الرشُ، وقد يكون- أيضاً- بمعنى: الصَب والغَسلِ ".
ويُستفادُ من الحديث فوائد؛ الأولى: فيه أن الدمَ نجس؛ وهو إجماع
المسلمين.
الثانية: فيه أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد؛ بل المراد الإنقاء.
الثالثة: أنها إذا لم تَرَ في ثوبها شيئاً من الدم ترش عليه ماء، وتصلي
فيه
الرابعة: استدلّ به أصحابنا على وجوب الطهارة في الثياب.
والبيهقي استدل به في " سننه " على أصحابنا في وجوب الطهارة بالماء دون
غيره من المائعات الطاهرة. والجواب عنه: أنه مفهوم لقب لا يقول به
إمامُه.
٣٤٥- ص- حدَثنا عبد الله بن مَسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروقا
عن فاطمة بنت المنذر،/عن أسماء بنت أبي بكر، أنها قالت: سألَت امرأةٌ
رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، أرأيتَ إِحدانا إذا أصَابَ ثَوبَها الدمُ من
الحَيضَة كَيف تَصنَعُ؟ قال: " إذا أصَابَ إحداكُن الدمُ من الحيضة فلتقرصه
ثم لتَنضَحهُ بالماءِ ثم لتُصَل فيه (٢) " (٣) .
стр. 736
ش- قد قيل: إن هذه السائلة: خولةُ بنت يَسار.
قوله: " إذا أصاب إحداكن " أي: ثوب إحداكن؛ لأن السُؤال عن
الثوب، وأما إذا أصاب البدن فكذلك لا بد فيه من الغسل؛ ولكن لا
يحتاج إلى التقريص.
٣٤٦- ص- حدَّثنا مسدد قال: ثنا حماد ح، قال: ونا مسدد قال: ثنا
عيسى بن يونس ح قال: ونا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد- يعني ابن
سلمة-، عن هشام بهذا المعنى قالا: " حتيه، ثم اقرُصيه بالماء، ثم
انضَحِيهِ " (١) .ًَ
ش- فيه ثلاث طرق؛ اثنان لمسدد بن مسرهد؛ أحدهما: عن حماد
ابن زيد البصري، عن هشام بن عروة، والآخر: عن عيسى بن يونس
ابن أبي إسحاق السبيعي، عن هشام بن عروة، والطريق الثالث: عن
موسى بن إسماعيل المنقري البصري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن
عروة.
قوله: " بهذا المعنى " إشارة إلى معنى الحديث السابق.
قوله: " قالا " أي: مُسدّد وإسماعيل، ويجوز أن يرجع الضمير الذي
فمِه إلى الحمادَين: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة.
قوله: " حتّيه " أمرٌ من حَتَّ يحتُّ حَتاً؛ الحتُّ والحكُّ والقَشر سواءٌ.
قوله: " ثم اقرصيه " أمر من قَرص، وفي رواية: " قرّصيه " بالتشديد.
قوله: " ثم انضحيه " أي: اغسليه؛ والمراد بالنضح هاهنا: الغَسل دون
الرش.
стр. 737
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه.
٣٤٧- ص- حدثنا مسدّد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: نا ثابت الحداد
قال: نا عدي بن دينار قال: سمعت أم قيس بنت محصن تقول: سألت
النبيَّ- ﵇ عن دَم الحيض يكونُ في الثوب؟ قال: " حُكِّيه
بضِلَعٍ، واغسِلِيهِ بماءٍ وسِدرٍ " (١) .
ش- يحيى: القطان، وسفيان: الثوري، وثابت: ابن هرمز
الحداد، أبو المقدام الكوفي، مولى بكر بن وائل. سمع: ابن المسيّب،
وزيد بن وهب، وعدي بن دينار، وغيرهم ٠ روى عنه: الحكمُ،
والأعمش، وليث بن أبي سليم، والثوري، وشعبة، وغيرهم. وقال
ابن معين، وأحمد: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له: أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (٢) ، وعدي بن دينار: مولى أم قيس بنت محصن
الأسدية، روى عنها. روى عنه: أبو المقدام ثابت بن هرمز. روى له:
أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وأم قَيس بنت محصن بن حرثان بن قيس الأسدية، أخت عكاشة بن
محصن، أسلمت قديماً بمكة وهاجرت إلى المدينة، رُوِيَ لها عن رسول
الله أربعة وعشرون حديثاً؛ اتفقا منها على حديثين. روى عنها. وابصة
ابن معبد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ونافع مولى حمنة بنت
شجاع، وأبو الحسن مولاها. روى لها الجماعة (٤) .
стр. 738
قوله: " بضلع " بكسر الضاد وفتح اللام أي: بعُود؛ والأصل فيه:
ضلع الحيوان؛ فسُفي به العود الذي يُشبهه، وقد تسكًن اللام تخفيفاً.
وإنما أمرها أن تغسل بماء وسدر مبالغة في الإنقاء، وقطع أثر دم الحيض.
وأخرجه النسائي، وابن ماجه.
٣٤٨- ص- ثنا النفيلي قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء،
عن عائشة قالت: قد كان يكوِنُ لإِحدَانا الدرعُ تحيض فيه، وفيه تصيبُه (١)
الجنابةُ، ثم ترى فيه قَطرةً من دمٍ فتَقصعُه بِريقِهَا (٢) .
ش- النفيلي هو عبد الله بن محمد، وسفيان: الثوري، واسم ابن
أبي نجيح: عبد الله- وقد مر مرةً-، وعطاء: ابن أبي رباح.
قوله: " كان يكون " كان هذه تامة فلا تحتاج إلى الخبر، والتقدير: قد
كان الشأنُ أي: وجد أو وقع. ويكون من النواقص فاسمه: " الدرع "
وخبره: قوله: " لإحدانا "، والدرع- بكسر الدال-: القميص.
قوله: " فتقصَعُه " من القَصع: وهو الدلك؛ وقد مر مثله قريباً.
٣٤٩- ص- ثنا محمد بن كثير قال: ثنا إبراهيم- يعني ابن نافع- قال:
سمعت الحسن يذكر عن مجاهد قال: قالت عائشةُ: ما كان لإحدانا إلا
ثوبٌ فيه تحيض، فإن أصابَهُ شيء من دَمٍ بلَتهُ بِريقِهَا، ثم قصَعتهُ بِرِيَقهَا (٣) .
ش- هذا الحديث/مكرر، والأصح إسقاطُه؛ لأنه ليس بمَوجود في
стр. 739
النسخ الكثيرة الصحيحة، وأيضا- تكراره ليس فيه زيادة فائدة، والله
أعلم.
***
١٢١- بَابُ: الصلاة في الثوبِ الذِي يُصِيبُ أهله فيه
أي: هذا باب في بيان الصلَاة في الثوب الذي يجامع امرأته فيه، وفي
بعض النسخ: " في الثوب الذي يجامع أهله فيه ".
٣٥٠- ص- ثنا عيسى بن حماد المصري قال: أنا الليث، عن يزيد بن
أبي حبيب، عن سُويد بن قَيسِ، عن معاوية بن حُدَيج (١) ، عن معاوية بن
أبي سفيان أنه سألَ أختهُ أم حبيبةَ زوج النبي- ﵇ هل كان رسولُ الله
ﷺ يُصلي في الثوبِ الذي يُجَامِعُهَا فيهِ؟ فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أدى (٢) .
ش- الليث: ابن سَعد، ويزيدُ بن أبي حبيب سُوَيد المصري.
وسُوَيد: ابن قَيس المِصري التُّجِيبي. روى عن: عبد الله بن عَمرو،
وابن عُمر، ومعاويةَ بن حُدَيج، وكيرهم. روى عنه: يزيد بن
أبي حبيب. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
ومعاوية بن حُديج- بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وفي آخره جيم-
ابن جفنة بن قُتيرةَ بن حارثة بن عبد شمس التُجيبي، أبو عبد الرحمن، أو
أبو نعيم الكندي أو الخولاني، له صحبة منَ النبي- ﵇.
روى عيب النبي- ﵇، وعن عمر بن الخطاب، وأبي ذر،
وابن عَمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وعلي بن رباح، وعبد الرحمن بن
شماسة. توفي سنة اثنتين وخمسين. روى له: أبو داود، والنسائي (٤) .
стр. 740
قوله: " إذا لم ير فيه أدى " وفي بَعض الرواية: " دماً ". والحديث
أخرجه النسائي، وابن ماجه.
***
١٢٢- بَابُ: الصَلاةِ في شُعُر النّسَاء
أي: هذا باب في بيان الصلاة في شعر النساء. الشُعُر- بضم الشين
والعين-: جمع شعار، مثل كُتب وكتاب؛ والشِّعار: الثوب الذي
يَستشعرُه الإنسان أي: يجعله مما يلي بدنه، والدثار: ما يلبسه فوق
الشَعار.
٣٥١- ص- حدَّثنا عُبيد الله بن معاذ قال: ثنا أبي قال: ثنا الأشعث، عن
محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشةَ قالت: كان النبيُّ- عليه
السلام- لا يُصَلِّي في شُعُرِنا أو لُحفِنا (١) . قال عبيد الله: شك أبي (٢) .
ش- عبيد الله بن معاذ البصري، وأبوه: معاذ بن معاذ بن حسان
قاضي البصرة، والأشعث بن عَبد الملك الحُمراني البصري.
وعبد الله بن شقيق العقيلي، من بني عقيل بن كعب: أبو عبد الرحمن
أو أبو معاوية. روى عن: عثمان، وعليّ. وسمع: أبا ذر،
وأبا هريرة، وابن عباس، وابن عُمر، ومرة بن كعب، وعائشة. روى
عنه: ابن سيرين، وقتادة، وأيوب، وغيرهم. قال ابن سَعد: كان ثقةَ
عثمانيا. توفي في ولاية الحجاج. وقال ابن عدي: ما بأحاديثه- إن
شاء الله- بأس. روى له الجماعة (٣) .
قوله: " أو لحفنا " اللُّحف: جمعُ لحاف، وهو اسم لما يلتحف به،