← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8540

شرح سنن أبي داود للعيني

بدر الدين العيني

Полный текст (2 976 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

و " الغَبَس " قريب منه؛ إلا أنه دونه. وفيه حجة لمن رأى التغليسَ بالفجر؛ وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأخرجه ابن ماجه، وغيره من حديث عروة، عن عائشة- رضى الله عنها-. ٤٠٨- ص- ثنا إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله- ﵇: " أصبحُوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجُورِكُم " أو " أعظمُ للأَجرِ " (١) ش- إسحاق بن إسماعيل: الطالقاني، وسفيان: الثوري، ومحمد ابن عجلان. وعاصم بن عُمر " بن قتادة بن النعمان: ابن زيد بن عامر بن سواد بن كعب، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو، وهو النَّبيت (٢) بن مالك بن أوس الظَفَري الأوسي الأنصاري أبو عُمر، ويقالَ: أبو عَمرو المدني. سمع: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، ومحمود بن لبيد. وسمع: أباه، وغيرهم. روى عنه: ابنه: الفضل بن عاصم، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. توفي بالمدينة سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (٣) . ومحمود بن لبيد: ابن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأشهلي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ولد في حياة رسول الله،

стр. 842

ولم تصح له رواية ولا سماع من النبي- ﵇، وقد روى عن النبي أحاديث. وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين. قال ابن سَعد: وكان ثقة قليل الحديث. وقال الواقدي: مات محمود بن لبيد، وهو ابن تسع وتسعين. روى له: أبو داود، والنسائي (١) . ورافع بن خديج: ابن رافع بن عديّ بن يزيد بن جُشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أَوس الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله. ويقال: أبو رافع، شهد أحدا والخندق. رُوِيَ له عن رسول الله ثمانية وسبعون حديثًا؛ اتفقا على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه: عبد الله بن عُمر بن الخطاب، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس، وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة. روى له الجماعة (٢) . قوله: " أصبحوا بالصُّبح " أي: نوِّروا به. وبه استدل أصحابنا على أن الإسفار بالفجر أفضل، وبه قال سفيان الثوري وغيرُه. واعلم أن الإسفار " (٣) رُوي من حديث رافع بن خديج، ومن حديث محمود بن لبيد، ومن حديث بلال، ومن حديث أنس، ومن حديث قتادة بن النعمان، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حواء الأنصارية. أما حديث رافع بن خديج: فرواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله: " أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر "؛ الترمذي، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمر، والباقون: عن محمد بن

стр. 843

عجلان، عن عاصم به؛ قال الترمذي: حديث حسن صحيح؛ ولفظ أبي داود: " أصبحوا بالصُّبح " وفي رواية: " أصبحوا بالفجر "، قال ابن القطان في " كتابه ": طريقه طريق صحيح. وعاصم بن عمر: وثقه النسائي، وابن معين، وأبو زرعة وغيرهم، ولا أعرف أحدا ذكره في الضعفاء ولا ضعّفه. ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخامس والأربعين من القسم الأول؛ وفي لفظ له: " أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه أعظم للأجر " وفي لفظ له: " فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم "، وفي لفظ للطبراني: " فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر ". وأما حديث محمود بن لبيد: فرواه أحمد في " مسنده ": حدثنا إسحاق بن عيسى: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن النبي- ﵇ بنحوه؛ لم يذكر فيه رافع ابن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور- كما ذكرنا- فيحتمل أنه سمعه من رافع أولا فرواه عنه، ثم سمعه من النبي- ﵇ فرواه عنه؛ إلا أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيه ضعف. وأمما حديث بلال: فرواه البزار في " مسنده "/: حدثنا محمد بن عبد الرحيم: ثنا شبابة بن سوار: ثنا أيوب بن سيّار، عن ابن المنكدر عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال، عن النبي- ﵇ بنحوه ٠ قال البزار: وأيّوب بن سيّار ليس بالقوي، وفيه ضَعف. وأما حديث أنس: فرواه البزار- أيضا-: حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي: ثنا خالد بن مخلد: ثنا يزيد بن عبد الملك، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك مرفوعا نحوه؛ ولفظه: " أسفروا بصلاة الفجر؛ فإنه أعظم للأجر ". وأما حديث قتادة بن النعمان: فرواه الطبراني في " معجمه " والبزار في " مسنده " من حديث فليح بن سليمان: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعا نحوه.

стр. 844

وأما حديث ابن مسعود: فرواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا أحمد ابن أبي يحيى الحضرمي: ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي: ثنا المعلى بن عبد الرحمن: ثنا سفيان الثوري وشعبة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعا نحوه. وأما حديث أبي هريرة: فرواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء " من حديث سعيد بن أوس أبي زيد الأنصاري، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأما حديث حواء: فرواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا أحمد بن محمد الجُمحي: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني: ثنا هشام بن سَعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن بُجَيد الحارثي، عن جدته الأنصاريّة- وكانت من المبايعات- قالت: سمعتُ رسول الله يقولُ: " أسفِروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأَجر ". قال في " الإمام ": وإسحاق الحُنيني- بضم الحاء بعدها نون ثم ياء آخر الحروف، ثم نون-. قال البخاريّ: في حديثه نظر. وذكر له ابن عديّ أحاديث، ثم قال: وهو مع ضَعفه يكتب حديثه. وابن بُجَيد- بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها [ياء] آخر الحروف ساكنة- ذكره ابن حبان في " الثقات ". وجدّته: حواء بنت زيد ابن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن. وفيه آثار- أيضا- أخرج الطحاوي (١) ، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى الشمس، مخافة أن تكون قد طلعت. انتهى. وعن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا نصلي مع ابن مَسعود فكان يُسفِر بصلاة الصبح. رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٢) . وروى- أيضا- عن أبى أسامة، عن أبي روق، عن زياد بن المقطع. قال: رأيت الحسين بن

стр. 845

علي أسفر بالفجر جدا. وروى عن ابن فضيل، عن رضي بن أبي عقيل، عن أبيه قال: كان ربيع بن حنين يقول له- وكان مؤدبه-: يا أبا عقيل نَوَر نَور. وروى عن وكيع، عن عثمان بن أبي هند أن عمر بن عبد العزيز كان يُسفر بالفجر. وعن وكيع- أيضا-، عن سفيان، عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يسفرون بالفجر. وعن وكيع- أيضا-، عن سفيان، عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم أنه كان يُنور بالفجر. وعنه - أيضا-، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب محمد- ﵇ على شيء ما أجمعوا على التَنوير بالفجر. وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة غير ما ذكرنا. فإن قيل: قد تأول الإسفار في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار أن يُصبح الفجر ولا يُشك فيه، ولم يَروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة. قلت: هذا التأويل غير صحيح؛ فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار- كما ذكره أهل اللغة- وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير؛ وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة، وأيضا- فقوله: " أعظم للأجر " يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره، لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، وأيضا- يُبطل تأويلهم ذلك " (١) ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي في " مسَانيدهم " والطبراني في " معجمه "، قال الطيالسي: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال/الباقون: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكن: ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني: ثنا هرير بن عبد الرحمن ابن رافع بن خديج: سمِعتُ جذي: رافع بن خديج يقول: قال (٢) رسول الله ﷺ لبلال: " يا بلال! نور صلاة الصبح حتى يُبصر

стр. 846

القوم مَواقع نَبلهم من الإِسفار ". ورواه ابن أبي حاتم في " علله " (١) فقال: حدثنا هارون بن مَعروف وغيره، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم ابن سليمان، عن هُرير، به. قال: ورواه أبو نعيم، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، عن (٢) هُرير، به. ورواه ابن عدي- أيضا- في " الكامل " عن أبي إسماعيل المؤدب واسند عن ابن معين أنه قال: أبو إسماعيل المؤدب ضعيف. قال ابن عدي: ولم أجد في تضعيفه غير هذا، وله أحاديث غرائب حسان تدلّ (٣) على أنه من أهل الصدق وهو ممن يكتب حديثه. وحديث آخر يُبطل تأويلَهم. رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب " غريب الحديث ": حدثنا موسى بن هارون: ثنا محمد بن عبد الأعلى: ثنا المعتمر: سمعت بيانا أبا سعيد قال: سمعت أنسَا يقول: كان رسولُ الله يُصلي الصبح حين يفسح البَصرُ. انتهى. قال: يُقال: فسح البصر، وانفسح إذا رأى الشيءَ عن بُعدٍ، يَعني به إسفار الصبح " (٤) . فإن قيل: قد قيل: إن الأمر بالإِسفار إنما جاء في الليالي المُقمرة؛ لأن الصبح لا يتبين فيها جدا، فأمرهم بزيادة التَبين استظهار باليقين في الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مُخصّص، وهذا باطل، ويردّه - أيضا- ما أخرجه ابن أبي شيبة (٥) ، عن إبراهيم النخعي: " ما اجتمع أصحاب محمد " الحديث؛ وقد ذكرناه. وكذلك أخرجه الطحاويّ في " شرح الآثار " (٥) بسند صحيح، ثم قال: " ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله ﷺ عليه "، على أن الطحاويّ قد زعم أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأن حديث التغليس ليس فيه دليل على الأفضل بخلاف حديث رافع، وأنهم كانوا يدخلون مغلِّسين ويخرجون مُسفِرين.

стр. 847

فإن قيل: قال الحازمي في كتابه " الناسخ والمنسوخ ": حديث التغليس ثابت وإنه- ﵇ داوَم عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم يكن- عليه السلام- يُداوم إلا على ما هو الأفضل، ثم روى حديث ابن مسعود أنه ﵇ صلى الصبح بغلسٍ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات- ﵇ لم يَعُد إلى أن يُسفِر. رواه أبو داود، وابن حبان في " صحيحه " - كلاهما- من حديث أسامة بن زيد الليثي. فلتُ: يَردُ هذا: ما أخرجه البخاريّ، ومسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: ما رأيتُ رسول الله- ﵇ صلى صلاةً لغير وقتها إلا بجَمع، فإنه يَجمعُ بين المغرب والعشاء بَجمع، وصلى صلاةَ الصُبح من الغد قبل وقتها. انتهى، قالت العلماء: يعني: وقتها المُعتاد في كل يوم، لا أنه صلاّها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدا، ويوضحه رواية البخاري: " والفجر حين نزع "؛ وهذا دليل على أنه ﵇ كان يُسفر بالفجر دائمًا، وقلما صلاّها بغلس. وبه استدلّ الشيخ في " الإمام " لأصحابنا؛ على أن أسامة بن زَيد قد تكلم فيه؛ فقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال النسائي، والدارقًطني: ليس بالقوي. فثبت بهذا أن زعم الطحاوي صحيح، وأن رَد الحَازميِّ كلامَ الطحاويِّ مَردود والحق أحق أن يتبع؛ وهذه التأويلاتُ البعيدة والدوران البعيدُ كلها من آثارِ التعصب من المتأخرين. *** ٨- بَاب في المحافَظة على الوَقت (١) أي: هذا باب في بيان المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها. ٤٠٩- ص- ثنا عَمرو بن عَون: فنا خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه قال: علَمنِي

стр. 848

رسولُ الله ﷺ فكان فيما علَّمني: " وحَافظ على الصلَوات الخَمسِ ". قال: قلتُ: إنَ هذه ساعات لي فيها أشغالٌ، فأمرنِي (١) بأمرٍ جَامعٍ إذا أنا فعلته أجزَأ عنِّي، فقال: " حًافظ عَلَى/العَصرَينِ " - وما كانت من لُغَتِنا- فقلتُ: وما العَصرانِ؟ قال: " صَلاةٌ قبل طُلوع الشمسِ، وصلاة قبلَ غُروبِهَا " (٢) . ش- عَمرو بن عون: الواسطي البزاز، وخالد: ابن عبد الله الواسطي، وأبو حرب بن أبي الأسود ظالم بن عمرو الديلي. وعبد الله بن فضالة الليثي. روى عن: أبيه. روى عنه: أبو حَرب وغيرُه. روى له: أبو داود (٣) . وفضالة الليثي الصحابيّ، اختلف في اسم أبيه. فقيل: فضالة بن عبد الله. وقيل: ابن وهب بن بجرة بن يحيى بن مالك الأكبر الليثي. وقال بعضهم: الزهراني، يُعدّ في أهل البصرة. حديثه عن النبي- عليه السلام- هذا الذي رواه أبو داود. روى عنه: ابنه: عبد الله. روى له: أبو داود (٤) . قوله: " إن هذه ساعات " أشار بها إلى أوقات الصلوات الخَمس. فوله: " فأمرني بأمرٍ جامعٍ " أي: جامع لأشياء كثيرة من الخيرات. قوله: " إذا أنا فعلته أجزأ عني " أي: إذا فعلتُ ذلك الأمر الجامع أجزأ عني، أي: كفى عني، يُقال: أجزأني الشيء أي: كفاني، ثم فسّر ذلك الأمر بقوله: فقال: " حافِظ على العَصرين " أي: واظب عليهما وأدّهما في وَقتيهما مع الجماعة. وحاصل كلام فضالة ومَعناه: أني إذا واظبتُ على العَصرين كل واحد في وقته المُستحب مع الأداء بالجماعة أجزأ عني فيما يقع عني من التقصير في غير الصلاة من طاعة الله تعالى من أبواب الفضائل والقُربات، ويحتمل أن يكون المعنى: أجزأ عني إذا

стр. 849

قصرتُ في غير العصرين من الصلوات الخمس بأن أؤديها بغير الجماعة أو في وقتها المكروه بسبب الاشتغال بالأعمال؛ فإن التقصير الذي يُوجد في ذلك بهذه الحيثية رُبما يُجبرُ ويُجزئ عني بمُواظبتي على العَصرين في أوقاتهما المُستحبة مع الجماعة؛ وليس المعنى: أنه يجزئ عنه إقامتهما عن غيرهما؛ فإن ذلك لا يجزئ إلا عنهما؛ لا عن غيرهما؛ وكذا كل صلاة تؤدى لا تُجزئ إلا عن تلك الصلاة بعَينها؛ لا عن غيرها، فافهم وإنما خصّ- ﵇ هذين الوقتين؛ لكثرة وقوع الثواني والكسل فيهما؛ أما الصبح فلأنه عقيب النوم، والقيام من الفراش، والاشتغال بالماء البارد، ولا سيما في أيام الشتاء، وأما العصر فلأنه في وقت اشتغال الناس بالبَيع والشراء، والاشتغال بالأعمال، ولا يقوى أعمال الناس وبَيعُهم وشراؤهم وسائر معاملاتهم إلا في آخر النهار. قوله: " وما كانت من لغتنا " أي: لُغة إطلاق العَصرين على الصُبح والعَصر ما كانت من لغتنا، فلذلك قال: " فقلت: ومَا العَصران "؟ فأجاب- ﵇ بقوله ت " صلاةٌ " أي: أحدهما: صلاةٌ قبل طلوع الشمس، وهي صلاة الصبح، والأخرى: صلاة قبلِ غروب الشمس، وهي صلاة العَصر، والعرب قد تحمل أحد الاسمين على الآخر، فتجمع بينهما في التسمية طلبا للتخفيف كقولهم: " سنة العُمَرين " لأبي بكر وعمر- ﵄ والأسودَين: للتمر والماء، والأصل في العَصرين عند العرب: الليل والنهار. قال حُميد بن ثور. ولن يَلبث العصران يومٌ وليلةٌ.... إذا طلبا أن يُدركا ما تيمّما ويُشبه أن يكون إنما قيل لهاتين الصلاتين: العَصران؛ لأنهما يقعان في طرفي العَصرين؛ وهما الليل والنهار، ويكون هذا من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال. وفي بعض النسخ هذا الحديث مؤخر عن الحديث الذي يليه، وكذا في نسخة " مختصر السنن " لزكي الدين. ٤١٠- ص- ثنا محمد بن حرب الواسطي: ثنا يزيد بن هارون: أنا

стр. 850

محمد بن مُطرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن عبد الله الصُّنَابِحي قال: زعمَ أبو محمدٍ أن الوترَ واجبٌ فقال عبادةُ بنُ الصامت: كَذَبَ أبو محمد، أشهدُ أني سمعتُ رسولَ اللهِ- ﵇ يقولُ: " خمسُ صَلَواتً افترضَهُنَّ اللهُ ، مَن أحسن وضُوءَهُن وصَلاَّهن لِوَقتِهِنَ، وأتَمَّ رُكوعَهنَّ وخُشُوعَهنَّ، كان له على الله عَهد أن يَغفرَ له، ومَن لم يَفعل فليس له على اللهِ عها، إن شَاءَ غَفَرَ له، وإنَ شَاءَ عذبهُ " (١) . ش- محمد بن حَرب: النشائي الواسطي. روى عن: إسماعيل بن علية، ومحمد بن ربيعة، ويزيد بن هارون وغيرهم ٠ روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة/وأبو حاتم. وقال: صدوق، وغيرهم. قال سليمان بن أحمد الطبراني: كان ثقةَ، مات سنة خمس وخمسين ومائتين (٢) . ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي. ومحمد بن مطرف- ويقال: ابن طريف- الليثي المدني. وزيد بن أسلمِ: أبو أسامة القرشي المدني مولى عمر بن الخطاب. وعطاء بن يَسار: مولى ميمونة زوج النبي- عليه السلام-. وعبد الله الصنابحي. ويقال: عبد الرحمن بن عُسَيلة بن علي بن عَسّال، أبو عبد الله الصُّنابحي المرادي؛ وهو منسوب إلى صُنابح بن زاهر، بطنٌ من مُراد، رحل إلى النبي- ﵇ فقبض النبيّ- عليه السلام- وهو في الطريق وهو بالجحفة قبل أن يصل بخمس أو ست ثم نزل بالشام. وسمع: أبا بكر الصديق، وعبادة بن الصامت، وبلال بن رباح، ومُعاذ بن جبل، وشداد بن أوس، وعائشة أم المؤمنين. روى عنه:

стр. 851

عبد الله بن محيريز، وعطاء بن يَسار، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وغيرهم. قال ابن سَعد: كان ثقةَ قليل الحديث. روى له الجماعة (١) . وأبو محمد: اسمه: مَسعود البَدري الأنصاري، وله صُحبة. وعبادة بن الصامت: ابن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو الوليد، أحد النقباء ليلة العقبة، شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرا وأحدا، وبيعة الرضوان والمشاهد كلها. رُوِيَ له عن رسول الله مائة وأحد وثمانون حديثا، اتفقا منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. روى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وشرحبيل بن حَسنة، وغيرهم. قال الأوزاعي: أول من وُلي قضاء فلسطين: عبادة بن الصامت، مات بالشام سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنةَ. ويقال: قبره ببَيت المقدس. ويقال: مات بالرَّملة روى له الجماعة (٢) . قوله: " زعم أبو محمد " زعم يجيء بمعنى " قال " وبمعنى " ظن ". قوله: " كذب أبو محمد " يُريد أخطأ أبو محمد، ولم يُرد به تعمد الكذب الذي هو ضد الصدق؛ لأن الكذب إنما يجري في الأخبار، وأبو محمد هذا إنما أفتى فتيا، ورأى رأيَا، فأخطأ فيما أفتى به، وهو رجل من الأنصار له صحبة، والكذب عليه في الإخبار غير جائزِ، والعرب تضع الكذب في مَوضع الخطإ فتقول: كذب سمعي، وكذب بصري أي: زلّ ولم يدرك ما رأى وما سمع؛ ومن هذا: قوله- عليه السلام- للرجل الذي وصَف له العَسل: " صدق الله وكذب بطنُ أخيك ". وبهذا استدل الشافعية على أن الوتر ليس بواجب. والاستدلال به ضعيفٌ؛ لأن عبادة إنما أنكر أن يكون الوتر كفرض الصلوات الخمس دون

стр. 852

أن يكون واجبَا؛ ولذلك استشهد بالصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة. قوله: " مَن أحسن وضوءهن " إحسان الوضوء: إسباغه وإكماله. قوله: " وصلاهن لوقتهن " أي: في وقتهن؛ " اللام " تجيء بمعنى " في " كما في قوله تعالى: (وَنَضَعُ المَوَازينَ القسطَ ليَوم القيامَةِ) (١) ، (لا يُجَلَيهَا لوَقتِهَا إلا هُوَ) (٢) قيل: ومنه (يَا لَيتَنِي قًدَّمتُ لَحَيَاتِي) (٣) أي: في حيَاتي. ويجوز أن تكون بمعنى " عند " كقولهم. كتبته لخمسٍ خلون. قوله: " وأتم ركوعهن " وإتمام الركوع: أن يطمئن فيه ويأتي بتَسبيحه، ولم يذكر السجود اكتفاء، أي: وسجودهن، كما في قوله تعالى: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَ) (٤) أي: والبَرد. قوله: " وخشوعهن " الخشوعُ: الخَشيةُ؛ والخشوع يكون في الصوت والبَصر كالخضوع في البدن؛ وإتمام الخشوع: أن تخافت في الأدعية وفي القراءة فيما يخافت فيه، وأن يكون بَصرُه في موضع سجوده في القيام، ولا يلتفتُ يمينا وشمالا، وفي ركوعه إلى أصابع رجليه، وفي سجوده لطرف أنفه، وفي قعوده: إلى حجره. قوله: " كان له على الله عَهدٌ " أي: يَمين؛ وليس هذا على الله بطريق الوجوب؛ لأن العبد لا يجب له على الله شيء، وإنما يذكر (٥) مثل هدا بمعنى أنه متحقق لا محالة، أو يذكر على جهة المقابلة. وبنحوه روى النسائي، وابن ماجه، وابن حبان في " صحيحه ". ٤١١- ص- ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، وعبد الله بن مَسلمة قالا: ثنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة

стр. 853

قالت: سُئلَ رسول الله: أَيُّ الأعمال أَفضلُ؟ قال: " الصلاة ير أول وَقتِهَا " (١) .ً ش-/محمد بن عَبد الله: ابن عثمان الخزاعي البصري أبو عبد الله. روى عن: عبد الله بن عمر العمري، وأبي الأشهب، وحماد بن سلمة، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال البخاري: قال لي علي بن محمد: ثقة. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. روى عن: ابن ماجه (٢) . وعبد الله بن عُمر: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي. والقاسم بن غنّام: الأنصاري. روى عن: عمته أم فروة، وقيل: عن بعض أمهاته، عن أم فروة. وقيل: عن جدة له، عن أم فروة. روى عنه: الضحاك بن عثمان، وعبد الله بن عُمرَ. روى له: أبو داود، والترمذي (٣) . وأم فروة: الأنصارية الصحابيّة، عمّة القاسم بن غنام، حَديثها عنده عن بَعض أمهاته، عنها. روى لها أبو داود، والترمذي، لها حديث في الصلاة (٤) . قوله: " أيُ الأعمال أَفضلُ؟ " قد ذكرتُ لك أَن " أيا " اسم مُبهم يُبيّنُه ما يُضافُ إليه، وأنها خمسة أنواع: استفهاميّةٌ، نحو: أي الأعمال أفضلُ؟ والباقي قد ذكرناه. قوله: " الصلاة في أول وقتها " أي: أداء الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال؛ وذكر " أوّل " هاهنا لأجل الحثّ والتحضيض، والتأكيد على

стр. 854

إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا فالذي يؤديها في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يُؤديها في أوّله؛ بل الذي يُسفِر بالصُّبح أو يبرِد بالظهر في الصَيف أفضلُ من الذي يؤديها في أوّل الوَقت. فإن قيل: كيف التوفيقُ بَين هذا الحديث وبَين قوله- ﵇ حين سُئل: " أفي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله "؟ قلت: دلت القرينة على أن المراد من قوله: أيُّ الأعمال أفضل أعمال الإيمان؟ أي: أي أعمال الإيمان أفضل؟ قال: الصلاة، وعلى أن المراد من الحديث الثاني: أيُ الأعمال التي يدخل بها الرجل في ملة الإسلام؟ قال: " إيمان بالله " أي: التصديق بقلبه، والإقرار بلسانه (١) ، فعلى هذا يكون الصلاة لوقتها أفضل الأعمال بَعد الإيمان؛ لأن الإيمان أصل كل عبادة، ولا اعتبار لجميع العبادات إلا بالإيمان. وأما الأحاديث التي جعل في بعضها الجهاد أفضل الأعمال، وفي بعضها: الحج، وفي بعضها: بر الوالدين، وفي بعضها: إطعام الطعام ونحو ذلك فالتوفيق فيها: أنه لا يُرادُ أن كل واحد منها خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال والأشخاص؛ بل في حال دون حال، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، أو يقدر كلمة " مِن " ويكون التقديرُ: من أفضل الأعمال: الجهاد، ومن أفضل الأعمال: الحج، ونحو ذلك فافهم. ص- قال الخزاعي في حديثه: عن عمة له يقال لها: أم فروة قد بايعت النبي- ﵇ " أن النبيّ- ﵇ سُئِل ". ش- أي: قال محمد بن عبد الله الخزاعي في روايته الحديث عن عبد الله ابن عمر، عن القاسم بن غنام، عن عمةٍ له يقال لها أتم فروة، والحاصل: أنه أشار به إلى الاختلاف الذي ذكرناه في ترجمة القاسم بن

стр. 855

غنام. فإن بعضهم قالوا: روى القاسم، عن عمّته أم فروة أن النبي سُئِل، ومنهم الخزاعي المذكور. وبعضهم قالوا: عن بعض أمهاته، عن أم فروة أن النبي سُئل؛ ومنهم: عبد الله بن مَسلمة المذكور في الحديث. وفِي " مختصر السنن ": وأم فروة هي أخت أبي بكر الصديق لأبيه، ومن قال فيها: أم فروة الأنصاريّة فقد وهم. وروى الترمذي حديثها هذا وقال: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عُمر العُمري؛ وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا (١) في هذا الحديث، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه. ٤١٢- ص- نا مسدد: نا يحيى، عنَ إسماعيل بن أبي خالد: نا أبو بكر ابن عُمارة بن رُؤَيبة، عن أبيه: قال: سألَهُ رجلٌ من أهلِ البَصرةِ قال (٢) : أخبرني ما سمعتَ من رسول الله؟ قال: سمعت رسولَ اللهِ، يقولُ: " لا يَلِج النارَ رجلٌ صَلَّى قبل طلوع الشمسِ، وقبلَ أن تَغرُبَ " قال: أنت سمعتَه منه؟ - ثلاث مرات- قال: نعم، كل ذلك يقولُ: سَمعَتهُ أذناي، وَوَعَاهُ قَلبِي. قال الرجلُ: وأنَا سَمِعتُه يَقولُ ذلك (٣) .

стр. 856

/ش- يحيى: القطان وإسماعيل بن أبي خالد: أبو عبد الله البجلي الأَحمَسي مولاهم الكوفي؛ واسم أبي خالد: هرمز، ويُقال: سَعد، ويُقال: كثير.، رأى سلمة بن الأكوع، وأنس بن مالك. وسمع: عبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث، وأبا كاهل قيس بن عائذ، وأبا جحيفة، ومن التابعين: قيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، وأبا بكر بن عمارة بن رُؤَيبة وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عُيَينة، وشعبة، وابن المبارك، ووكيع، ويحيى القطان وغيرهم ٠ وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو كوفي ثقة، وكان رجلا صالحا. سمع من خمسة (١) من أصحاب النبي- ﵇ وكان طحانا، توفي سنة خمس وأربعين ومائة. روى له الجماعة (٢) . وأبو بكر بن عمارة بن رُؤيبة الثقفي البصري. سمع: أباه. روى عنه: عبد الملك بن عُمَير، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق، ومسعر بن كدام. روى له: مُسلم، وأبو داود، والنسائي (٣) . وأبوه: عُمارة بن رُؤيبة الثقفي من بني جشم بن قسي- وهو ثقيف- يكنى أبا زُهيرة. رُوِيَ له عن رسول الله تسعة أحاديث. روى له: مسلم حديثين. روى عنه: ابنه أبو بكر بن عمارة، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق السَبِيعي. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٤) . قوله: " لا يَلح النارَ " أي: لا يَدخلها، من ولج يلج، أصله: يولج، كيعد أصله: يَوعدُ.

стр. 857

قوله: " صلى قبل طلوع الشمس " المراد منه: صلاة الصبح. قوله: " وقبل أن تغرب " أي: وصلى- أيضا- قبل أن تغرب الشمس المراد منه: صلاة العَصر. قوله: " ووَعَاه قَلبي " أي: حفِظه؛ من وعَيتُ الحديثَ أعيه وَعيًا فأنا واع إذا حفِظتَه وفهمتَه، وفلان أوعى من فلان، أي: أحفَظ وأفهمُ. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. وفي رواية اللؤلؤي يُقرأ الحديث الذي قبله بعد هذا الحديث. ٩- بَاب: إذا أَخّر الإمامُ الصلاة عَن الوَقت أي: هذا باب في بيان ما إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، والمرادُ من الإمام: الذي يولَى على طائفة من المسلمين، ويُطلق على الإمام الأعظم- أيضا- وهو الخليفة، وكل من يوليه من الحُكام فهو إمام؛ لأن الناس يأتمون به في الصلاة وغيرها. وفي النسخ الصحيحة: " باب في الإمام إذا أخر الصلاة عن الوَقت ". ٤١٣- ص- حدثنا مسدد: نا حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن عَبد الله بن الصامت، عن أبرا ذر قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : " يا أبا ذر كيف أنتَ إذا كانت عليكَ أمراء يُميتُون الصلاةَ " - أو قال: " يُؤَخِّرون الصلاةَ؟ " قلتُ: يا رسولَ الله! فماَ تأمُرُني؟ قال: " صَلِّ الصلاةَ لوقتهَا، فإن أدركتها معهم فَضَلِّه (١) ؛ فَإنها لك نَافَلة " (٢) . ش- أبو عمران: اسمُه: عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري،

стр. 858

أبو عمران الجوني- بفتح الجيم-، وسكون الواو، وبالنون- رأى عمران بن حُصَين. وسمع: أنس بن مالك، وجندب بن عبد الله البجلي، وربيعة بن كعب الأسلمي، وعبد الله بن الصامت وغيرهم. روى عنه: شعبة، والحمّادان، والحارث بن عبد الله وغيرهم. وعن ابن معين: ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (١) . وعبد الله بن الصامت: البصري الغفاري، ابن أخي أبي ذر الغفاري. سمع: أبا ذر، وعبد الله بن عمر، وَرافع بن عُميرة الطائي. روى عنه: حُميد بن هلال، وأبو عمران الجَوني، وأبو العالية البَراء وغيرهم. قال أبو حاتم: بصري يكتب حديثه. روى له الجماعة إلا البخاريّ (٢) . قوله: " يُميتون الصلاة " يعني: يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه. قوله: " أو قال: يؤخرون الصلاة " شك من الراوي؛ والمراد بتأخيرها عن وقتها المختار؛ لا عن جميع وقتها؛ فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها؛ فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع. هكذا قاله الشيخ محيي الدين (٣) ؛ ولكن لفظ " يُميتون الصلاة " ينافي هذا التأويل؛ لأن معنى إماتة الصلاة: أن يُصليها خارج الوقت؛ لأن الصلاة مادامت في وقتها/لا تُوصف بالميتة، وكذا قوله: " ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها " غير مُسلم؛ فإنه نُقل عن كثيرٍ من الخلفاء الفسَقة والسلاطين الظلمة تركُ الصلوات، فضلا عن تأخير صلاة عن وقتها. قوله: " صل الصلاة لوفتها " أي: وقتها المختار المستحب. قوله: " فصَلِّه " الهاء فيه هاء السكتة، وليست بهاء الضمير. قوله: " فإنها لك نافلة " أي: فإن الصلاة التي تدركها وتصليها مَعهم

стр. 859

بعد أن تُصلِي في وقتها المختار لك نافلةٌ؛ لأن الأولى وقعت فرضَا، فيصير الثاني نفلاَ؛ وهذا مذهب الجمهور في أن الرجل إذا صلى الفرض مرّنين تكون الأولى فرضَا والثانية نفلاَ؛ لأن صريح الحديث يدل على هذا. وعن الشافعي أربعة أقوال، الصحيح: كمذهب الجمهور، والثاني: أن الفرض أكملها، والثالث: كلاهما فرض، والرابع: الفرض أحدهما- على الإبهام- يَحتسب الله بأيهما شاء. ثم الحديث بعمومه يتناول هذا الحكم في جميع الصلوات؛ ولكن يُستثنى منها صلاة الصُّبح والعَصر؛ لورود النهي عن الصلاة بعدهما؛ وهذا عندنا وعند الشافعي في وجه، وفي الصحيح عنده: أنه لا يفرق بين صلاة وصلاة. وأما المغرب: فعندنا ينبغي أن يضم إليه ركعةً رابعةَ؛ لأن التنفل بالبُتَيراء مكروه- كما عُرِف في الفروع. قوله: " نافلة " مرفوع بالابتداء، وخبره: قوله " لك " والجملة خبر " إن ". ويُستفادُ من هذا الحديث فوائد: الأولى: أن الإمام إذا أخر الصلاة عن وقتها المُستحب يُستحب للمأموم أن يُصليها في وقتها المُستحب منفردا، ثم يصليها معه إن أدرك فيَجمع بين الفضيلتَين، فإن أراد الاقتصار، فالأفضل أن يقتصر على فعلها جماعةَ مادام في الوقت، وقيل: الأفضل: أن يقتصر على فعلها منفردا في الوقت المستحب. الثانية: فيه الحث على موافقة الأمراء في غير مَعصيةٍ؛ لئلا تتفرق الكلمة، وتقع الفتنة. الثالثة: فيه الحث على الصلاة بالجماعة، وأنها أفضل من الانفراد. الرابعة: فيه الحث على رعاية الوقت المُستحب للصلاة. الخامسة: فيه ذمّ مَن أخر الصلاة عَن وقتها. السادسة: فيه شيء من دلائل النبوة؛ حيث أخبر عن الأمراء الذين يميتون الصلاة، وقد وقع هذا في زمن بني أمية ومَن بعدهم- أيضا- إلى يَومنا هذا.

стр. 860

والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ٤١٤- ص- نا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ: نا الوليد: نا الأوزاعيّ: حدثني حسان، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قَدِمَ علينا معاذُ بنُ جبلٍ اليمنَ رسولُ رسولِ اللهِ- عليه السلام- إلينا قال: فسمعتُ تَكبيرَه مع الفجرِ، رجل أَجشّ الصوتِ، قال: فألقيتُ عليه مَحبَّتي، فما فارقتُه حتى دفنتُه بالشامِ ميتا، ثم نظرتُ إلى افقَه الناسِ بَعدَه، فأتيتُ ابنَ مَسعود، فَلَزِمتُه حتى مَاتَ، فقال: قال لي رسولُ الله: " كيفَ بكم إذا أتَت عليكُمً أمراءُ يُصلُّون الصلاةَ لغير مِيقَاتِهَا؟ " قلتُ: فمَا تأمُرُني إن أدركَنِي ذلك يا رسولَ الله؟ قال: " صَلًّ الصلاةَ لميقاتِهَا، واجعَل صَلاتَكَ معهُم سبحهً " (١) . ش- عبد الرحمن بن إبراهيم: ابن عمرو بن ميمون القرشي، أبو سعيد الدمشقي مولى آل عثمان بن عفان المَعروف بدُحَيم ويقال له: ابن اليتيم، قاضي الأردن وفلسطين. سمع: الوليد بن مسلم، وعمر بن عبد الواحد، ومحمد بن شعيب، وابن عيينة وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو زرعهَ الدمشقي، وحنبل بن إسحاق، والبخاري، وأبو داود، والنسائي. وقال: ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: لا بأس به-، وابن ماجه، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. مات بالرملة سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان ينتحل في الفقه مذهب الأوزاعي (٢) . والوليد: ابن مُسلم الدمشقي، وعبد الرحمن: الأوزاعي، وحسان: ابن عطية الشاميّ.

стр. 861

وعبد الرحمن بن سابط: ابن أبي حميصة بن عمرو بن أهَيب بن حذافة بن جُمح الجُمحيَ القرشي المكي. روى عن: عباس بن عبد المطلب، ومعاذ بن جبل، وسَعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله/ وأبي أمامة الباهلي، وعمرو بن ميمون الأوَدي. روى عنه: مُوسى بن مُسلم الطحان، وعلقمة بن مرثد، وابن جريج، والليث بن سَعد وغيرهم. وسئل أبو زرعة عنه فقال: مكي ثقة. وكذا قال ابن معين. مات سنة ثمان عشرة ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١) . وعمرو بن مَيمون: أبو عبد الله أو أبو يحيى الكوفي الأوَدي من أود بن مُصعب بن سَعد العشِيرة، من مَذحِج، أدرك الجاهلية، ولم يَلق النبيَّ ﵇ وسمع: عمر بن الخطاب، وسَعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبا أيوب، وأبا مسعود، وابن عباس، وابن عمرو، وأبا هريرة، وسلمان بن ربيعة، ومن التابعين: الربيع بن خُثيم (٢) ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن جُبير، والحكم بن عُتَيبة وغيرهم. قال ابن معين: هو ثَقة. مات سنة خمس وسبعين. روى له الجماعة (٣) . قوله: " رسولُ رسولِ الله " الرسول الأول مرفوع على أنه صفة لمعاذ، ويحوز أن يكون بدلاً منه، ويحوز أن يُنصب على أنه حال؛ والأول أصح. والرسول الثاني مجرور بالإضافة. قوله: " إلينا " متعلق بالرسُول الأوّل. قوله: " رجل أجش الصوت " ارتفاع رجل على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي: هو رجل أجَش الصَوت؛ وهو الذي في صوته جُشة، وهي شدة: الصوت وفيها غنة.

стр. 862

قوله: " ميتا " حال من الضمير المنصوب في " دفنتُه "، وقد ذكرنا أنه دُفِن في شرقي غور بَيسَان سنة ثمان عشرة. قوله: " كيفَ بكم؟ " أي: كيف شأنكم وحالكم؟ وقد استقصينا البحث في " كيف " مرةَ، وأنه اسم، والغالب فيه الاستفهام، والباء في " بكم " زائدة؛ لأنه أتى بها للتوصل حين ترك الضمير المنفصل، وجيء عوضه بالضمير المتصل؛ لأن أصله: كيف أنتم؟ فأنتم: مُبتدأ، وحبرُه: كيف مقدّما، ومعناه: كيف شأنكم؟ - كما قلنا. قوله: " لغَير ميقاتها " أي: في غير وقتها. وهذا يرد قول الشيخ محيى الدين في تفسير الحديث السابق " ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها "، وقد نبهنا عليه هناك. قوله: " سبحة " - بضم السين وسكون الباء- والسبحة: ما يصليه المرء نافلة من الصلوات، ومن ذلك سُبحة الضُحَى، وقال بعضهم: إنما خُضت النافلة بالسُبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التَّسبيح؛ لأن التَّسبيحات في الفرائض نوافل. فقيل: الصلاة النافلة: سُبحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة، وقيل في قوله تعالى: (فَلَولاَ أَنَّهُ كَانَ منَ المُسبِّحِينَ) (١) أي: المُصلَين، وسُفيت الصلاة: سُبحةَ وتسبيحَا؛ لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، ولم يفرق هؤلاء بين فريضة ونافلة؛ والسُّبحة من التَّسبيح كالسُخرة من التَّسخير، تطلق على الذكر وعلىَ صلاة النافلة، وعلى خرَزاتِ يُسَبح بها؛ وأصل التَسبيح: التنزيه؛ ومعنى سبحان الله: التنزيهُ لله. وفيه الفوائد التي ذكرناها في الحديث السابق. ٤١٥- ص- نا محمد بن قدامة بن أعين: نا جريرٌ، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن أبي المثنى، عن ابن أخت عبادة بن الصامت، عن عبادة ابن الصامت ح ونا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن سفيان، المعنى،

стр. 863

عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى الحمصي، عن ابن امرأة عُبادة بن الصامت، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : " إنها سَتَكُونُ عليكمُ بعدي أمراءُ تَشغَلُهم أشياءُ عن الصلاة لوَقتهَا حتى يَذهبَ وقتُها، فصَلُّوا الصَلاةَ لوفتها " فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهَ أصَلِّي معهُم؟ وقال سُفيان: " وإن أدركَتُ معهم أصلي (١) معهم؟ َ قال: " نعم، إن شئتَ " (٢) . ش- محمد بن قدامة بن أعين: ابن المسور، أبو جَعفر، ويُقال: أبو عبد الله الجوهري الهاشمي مولاهم المَصِيصَي، حدّث عن: فضيل بن عياض، وابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع، وغيرهم. روى عنه: النسائي، وأبو داود، وابنه، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله ابن محمد البغوي، وغيرهم ٠ قال النسائي: لا بأس به، وفي رواية: صالح. وقال أبو داود: ضعيف، وقال ابن معين: ليس بشيء/. وقال الدارقطني: ثقة. مات ببغداد سنة سبع وثلاثين ومائتين (٣) . وجَرير: ابن عبد الحميد الرازي. ومَنصور: ابن المُعتمر، وهلال بن يَسَاف: أو أسَاف الكوفي. وأبُو المثنى: الحمصي، اسمُه: ضمضم الا. ملوكي. روى عن: عتبة ابن عبد السُّلمي، وكعب الأحبار، وأبي أُبيّ بن أم حرام. روى عنه: صفوان بن عمرو، وهلال بن يَساف. روى له: أبو داود (٤) . وابن أخت عبادة: اسمُه: المثنى؛ كذا قال ابن حبان في " الثقات " قال: المثنى ابن أخت عبادة بن الصامت. يروي عن: عبادة.

стр. 864

ومحمد بن سُليمان الأنباري، وهو ابن أبي داود؛ وقد ذكرناه. وهذا الحديث- كما رأيته- فد رواه أبو داود من طريقين؛ الأول: عن جرير، عن منصور، والثاني: عن سفيان، عن منصور؛ ففي الطريق الأول: عن أبي المثنى، عن ابن أخت عبادة، وفي الثاني: عن ابن امرأة عبادة. وكذا رواه أحمد في " مسنده " من طريقين؛ الأول: عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى الحمصي، عن أبِي أبَي ابن امرأة عبادة. والثاني: عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى، عن ابن امرأة عبادة ٠ وفي بعض نسخ أبي داود- أيضا- في طريقه الثاني: " عن أبي المثنى، عن أبي أُبي ابن امرأة عبادة (١) "؛ مثل طريق أحمد الثاني. قوله: " إنها " أي: إن القصة والشأن. قوله: " وقال سفيان " أي: قال سفيان في روايته: قال الرجل: يا رسول الله! إن أدركت معهم، يعنىِ: إن أدركت زمانهم، وحصرت معهم هل أصلي معهم؟ قال- ﵇: نعم إن شئت الصلاة معهم فصَل. ورواه- أيضا- ابن ماجه. ٤١٦- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا أبو هاشم: حدثني صالح بن عُبَيد، عن قَبِيصةَ بن وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : " يَكُونُ عليكُم أمراءُ من بَعدي يؤخِّرُونَ الصلاةَ، فهيَ لكم وهي علَيهم، فصلُوا معهم ما صَلُّوا القِبلةَ " (٢) . ش- أبو هاشم: عمار بن عمارة البصري الزعفراني. روى عن: الحسن، وابن سيرين، وصالح بن عُبيد وغيرهم. روى عنه: أبو الوليد، وروح بن عبادة، وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له: أبو داود (٣) .

стр. 865

وصالح بن عُبيد. روى عن: قَبيصة بن وقاص، ونابل (١) . روى عنه: أبو هاشم الزعفراني، وعمرو بن الحارث الجُمحي. روى له: أبو داود (٢) . وقَبيصة بن وقاص، له صحبة من النبي- ﵇، عداده في أهل البصرة. روى عنه: صالح بن عبيد. روى له: أبو داود. وذكر النمري أن قبيصة هذا سُلمي، سكن البصرة. رُوِيَ عنه حديث واحدٌ لم يُحدث به غير أبى الوليد الطيالسي، وذكر هذا الحديث (٣) . قوله: " فهي لكم " أي: الصلاة لكم، بمعنى ثوابها يَحصل لكم. قوله: " وهي عليهم " أي: الصلاة عليهم، بمعنى وزر تأخيرها عليهم. قوله: " مَا صلوا القبلة " يعني: ماداموا يصلون القبلة: والمراد منه: إظهار الطاعة، والامتثال للولاة والحُكام فيما وافق الحق، وإن كانوا جائرين، وجواز الصلاة خلفهم ماداموا على الإسلام. وقد روى الدارقطني بإسناده إلى أبي هريرة: " سَيليكم بعدي ولاةٌ، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فعليهم ". واستفيد من الحديث: جواز الصلاة خلف البر والفاجر. وكان بعض السلف يُصلون في بيوتهم في الوقت ثم يُعيدون معهم؛ وهو مذهب مالك. وعن بعض السلف: لا يعيدون؛ قال النخعي: كان عبد الله يُصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلا، ويرى أن مأثم ذلك عليهم. وروى ابن ماجه (٤) بسند صحيح، عن ابن مسعود قال: قال ﷺ :

стр. 866

" سَتُدركون أقوامًا يُصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة ". ١٠- باب: مَن نامَ عَن صَلاَة أو نَسيَها أي: هذا باب في بيان حكم مَن نام عن صًلاةٍ أوَ نسِيها. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيمن نام عن صلاة أو نسيها ". ٤١٧- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسولَ الله- ﵇ حين قَفَلَ من غزوة خَيبرَ فسارَ ليلةً، حتى إذا أدركَنَا الَكَرَى عَرَس وقال لبلال: " اكلأ لنا اللَيلَ ". قال: فغلبت بلالا عينَاه وهو مُستندٌ إلى راحلَته، فلم يستيقظ النبيُّ- ﵇ ولا بلالٌ ولا أحدٌ من أصَحابه، حتىَ إَذا ضرَبتهُم الشمسُ فكان رسولُ الله أولَّهُم استيقَاظاً، فَفَزِعَ رسولُ الله فقال: " يا بلالُ " (١) قال: اخَذَ بنفسَي الذي أخذَ بنفسكَ بأبي أنتَ وَأمِّي يا رسولَ الله، فاقتَادُوا رَوَاحِلَهم شيئاًَ، ثم تَوضأ لنبيُ- ﵇، وأمرَ بلالاً فأقامَ لهم الصلاة، وصلى لهم الصُّبحَ، فلما قَضى الصلاة قال: " من نَسيَ صَلاةً فليُصلِّها إذا ذَكَرَها؛ فإن اللهَ قال: (أقم الصَّلاَةَ لِلذَكرَى) (٢) . ش- أحمد بن صالح: المعروف بابن الطبري، وعبد الله: ابن وهب، ويونس: ابن يزيد، وابن شهاب: الزهري/، وسعيد: ابن المُسيب. قوله: " حين قَفل " أي: حين رجع؛ والقفولُ: الرجوع، ولا يقال

стр. 867

ذلك في ابتداء السفر، وربما سمّيت الرفقة قافلة تفاؤلا لها بالسلامة، ويقال: قد يقال للسفر قفول في الذهاب والمجيء، وأكثر ما يستعمل في الرجوع، ويقال (١) من غزوة خيبر، ويُقال: غزوة حُنين- بالحاء المهملة والنون- قاله الأصيلي، والصحيح: أنه غزوة خَيبر بالخاء المعجمة، وهكذا هو في " صحيح مسلم ". قوله: " إذا أدركَنا الكَرَى " بفتح الراء والكاف- والكرى فاعله وهو بفتح الكاف: النُّعاس. وقيل: النوم. يُقال: من كرِي الرجلُ يكري كَرا من باب علم يعلم فهو كرِ، وامرأة كرِيَة- بتخفيف الياء-. قوله: " عَرّسَ " " (٢) من التعريس، وهو نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة؛ هكذا قاله الخليل والجمهور. وقال أبو زيد: هو النزول أيّ وقت كان من ليل أو نهار؛ وفي الحديث: " معرّسون في نحر الظهيرة ". قوله: " اكلأ " - بهمزة في آخره- أي: ارقُب لنا الليل واحفظه واحرسه؛ وهو أمر من كلأ يكلأ كِلاءةَ- بكسر الكاف والمدّ- وقد مر مثله مرةَ. قوله: " عيناه " فاعل قوله: " غلبت " و " بلالا " منصوب مفعوله، والواو في قوله: " وهو مستند " واو الحال. قوله: " ففزعَ رسولُ الله " أي: انتبه وقام. يقال: أفزعتُ الرجلَ من نَومه ففزع أي: أنبَهتُه فانتبه، وذكر أهل اللغة أنه يجيء بمعنى خاف، وبمعنى بَادَر، وبمعنى: أغاث، وبمعنى: استغاث؛ وهو بكسر الزاي في الكل، وقالوا في فزع بمعنى أغاث- بالفتح، فافهم. قوله: " أخذ بنفسي " كناية عن النوم؛ بمعنى أنامني الذي أنامك. قوله: " بأبي أنت وأمي " قد ذكرنا مرةَ أن " الباء " فيه متعلقة بمحذوف؛

стр. 868

قيل: هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره: أنت مُفدَى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل، وما بعده منصوب. أي: فديتك بأبي وأمي، وحُذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الاستعمال. قوله: " فاقتادوا رواحلهم " أي: قادُوها، فقَادَ واقتادَ بمعنىَ واحد، والرواحل: جمع راحلة؛ وهي الناقة التي تصلح لأن تُرحل؛ وإنما اقتادوها لما ذكره في الرواية الثانية: " تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة (١) "، وفي رواية مسلم: " فإن هذا منزل حصرَنا فيه الشيطانُ ". وفيه دلالة على أن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور؛ وهو الصحيح؛ ولكن يستحب قضاؤها على الفور. وحكى البغوي وجهاً عن الشافعي أنه على الفور. وأما الفائتة بلا عُذر فالأصح قضاؤها على الفور، وقيل: له التأخير- كما في الأول-. وقال الخطابي (٢) : " وقد اختلف الناس في معنى ذلك وتأويله- أي: في قوله: " فاقتادوا رواحلهم شيئَا ثم توضأ النبي- ﵇ " - فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس فلا تكون صلاتهم في الوقت المنهي عن الصلاة فيه- وذلك أول ما تَبزغ الشمسُ- قالوا: والفوائت لا تُقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ". قلت: هذا مذهب أبي حنيفة؛ ولكن قوله: " حتى إذا ضربتهم الشمس، يدل على أن الشمس قد ارتفعت كثيرا، فكيف يكون انتقالهم من ذلك المنزل لارتفاع الشمس؟ ثم الصلاة لا تجوز عند طلوع الشمس مطلقا سواء كانت فرضَا أو نفلا، أو وتراَ (٣) أو سجدة تلاوة أداء وقضاء. وقيل: يجوز النفل مع الكراهة، وكذا عند غروبها واستوائها؛ للحديث المشهور. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي: تقضى الفوائت في كل وقتِ نهي عن الصلاة فيه أو لم يُنه عنها.

стр. 869

ثم اختلف أصحابنا في قدر الوقت الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع. قال في الأصل: حتى ترتفع قدر رمح أو رمحن. وقال أبو بكر محمد ابن الفضل: مادام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس، فالشمس في الطلوع لا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر تباح. وقال الفقيه أبو حَفص السَّفكَردري: يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية فما دامت الشمس تقع في حيطانه، فهي في الًطلوع فلا تحل الصلاة، وإذا وقعت في وَسطه فقد طلعت وحكت الصلاة. قوله: " فأقام لهم الصلاة " فيه دليل على أن الفائتة يقام لها، وليس لها أذان. وفي حديث أبي قتادة بعده إثبات الأذان للفائتة. فإن قيل: كيف ترك الأذان في هذا الحديث؟ قلنا: لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن، فلعله أدّن وأهمله الراوي/أو لم يعلم به. وجواب آخر: يجوز أن يكون تركه في هذه المرة لبيان جواز تركه، وإشارةَ إلى أنه ليس بواجب محتم، ولا سيما في السفر. قوله: " وصلى لهم الصبح " فيه: استحباب الجماعة في الفائتة. قوله: " فليصلها إذا ذكرها " فيه دليل على وجوب قضاء الفائتة سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر. فإن قيل: الحديث مقيد بالنسيان؟ قلت: لخروجه على سَبَب؛ ولأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب: وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. وقال الشيخ محيي الدين (١) : " وأما قوله- عليه السلام- " فليصلها إذا ذكرها " فمحمول على الاستحباب؛ فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح وقد بيّناه. وقد قال بعض أهل الظاهر: إن الفائتة بغير عذر لا يجب قضاؤها؛ وهذا باطل ". وقال الشيخ محيى الدين- أيضا- " وفيه دليل لقضاء السنن الراتبة ". قلت: لا دليل فيه على ذلك؛ لأن قوله: " من نسي صلاةً " صلاة الفرض بدلالة القرينة.

стр. 870

قوله: " أقم الصلاة للذكرَى " - بكسر الذال وسكون الكاف وفتح الراء- وهي فعلَى مَصدر من ذكر يذكُر، وهكذا قرأ ابن شهاب لما نُبينه إن شاء الله تعَالى. وأما القراءة المشهورة: " لذكري " - بكسر الراء وياء الإضافة، والمعنى: لأوقات ذكري؛ وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي، وقيل: لأن أذكرك بالثناء، أو لذكري خاصةَ لا تراءي بها، ولا تسويها بذكر غيري. وقيل: لذكري لأني ذكرتها في الكتب وأمرتُ بها. " (١) فإن قيل: قد رُوِيَ عن النبي- ﵇ أنه قال: " تنام عيناي ولا ينام قلبي " فكيف ذهب عنه الوقت ولم يشعُر به؟ قلنا: الجواب عنه: أن ذلك خاص في أمر الحدث؛ لأن النائم قد يكون منه الحدث وهو لا يشعر به، وليس كذلك رسول الله؛ فإن قلبه لا ينام حتى لا يشعر بالحدث إذا كان منه. وجواب آخرُ: أن ذلك من أجل أنه يوحى إليه في منامه، فلا ينبغي لقلبه أن ينام، فأما معرفة الوقت وإثبات رؤية الشمس طالعة، فإن ذلك إنما يكون دركه ببصر العين دون القلب؛ فليس فيه مخالفة للحديث الآخر " فافهم. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه. ص- قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك. قال أحمد: قال عنبسةُ- يعني: عن يونس في هذا الحديث: للذكرى (٢) . قال أحمد: الكَرَى: النعاسُ. ش- أي: قال يونس بن يزيد الأيلي: وكان ابن شهاب الزهري يقرؤها أي: يقرأ " الذكرى " كذلك أي: كما في الرواية على وزن فعلى مصدرًا، كما ذكرناه. قوله: " قال أحمد " أي: أحمد بن صالح: قال عنبسة: ابن خالد بن يزيد الأيلي، عن يونس الأيلي. ٤١٨- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا أبان: نا معمر، عن الزهري،

стр. 871

عنِ سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في هذا الخبر قال: فقال رسول الله: " تَحولوا عن مكَانكُم الذي أصَابَتكم فيه الغَفلَةُ ". قال: فأمَر بلالا فأذنَ وأقامَ َ (١) وصلى. ش- أبان: ابن يزيد العطار، ومَعمر: ابن راشد. قو له: " تحولوا " أي: انتقلوا. قوله: " الغفلة " أي: النسيان. وهذه الرواية فيها الأذان. وقد ذكرنا وجه تركه في الرواية الأولى. ص- قال أبو داود: رواه مالك، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، وعبد الرزاق، عن معمر، وابن إسحاق، لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري هذا، ولم يُسنده منهم أحدٌ إلا الأوزاعيّ وأبان العَطار، عن معمر. ش- أي: روى هذا الحديث مالك بن أنس، وابن عُيينة، وعبد الرحمن الأوزاعي، وعبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، ومحمد بن إسحاق. وقد اختلفوا في الفوائت هل يؤذن لها أم لا؟ فقال أبو حنيفة: أذن للأولى وأقام وكان مخيرا في الباقي إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة. وبه قال أحمد. واختلف قول الشافعي في ذلك؛ فأظهر أقاويله: أن يُقام للفوائت ولا يؤذن لها. والأصح ما قال أبو حنيفة لرواية أبي هريرة. وروى هذا الحديث- أيضا- هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين/فذكر فيه الأذان (٣) . ورواه أبو قتادة الأنصاري، عن النبي- ﵇، فذكر الأذان والإقامة (٤) ؛ والزيادات إذا صحت مقبولة، والعمل بها واجبٌ ".

стр. 872

٤١٩- ص- نا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاريّ قال: نا أبو قتادة، أن النبيَّ- ﵇ كان في سَفر له، فمالَ رسولُ الله وملتُ معه. فقالَ: " انظُر " فقلتُ: هذا راكب هًذانِ راكبان، هؤلاء ثَلاثة، حتى صرنا سبعة فقال: " احفظُوا عَلينا صلاتَنا " - يعني: صَلاةَ الفجرِ- فضُرٍبَ عَلى آذانهم، فما أيقَظَهُم إلا حر الشمسِ، فقامُوا فساروا هَنيّةً، ثم نَزلُوا فتوضأوَا، وأذن بلال، فصلُّوا ركعَتي الفجرِ، ثم صلُوا الفجرَ ورَكبوا وقال (١) بعضُهم لبَعض: قد فرَّطنَا في صلاتنَا، فقال رسولُ اللهِ: " إَنه لا تفريطَ في النوم: إنما التفريطُ في اليقظَة؛ َ فإذا سَهَى أحدُكُم عن صلاة فليُصَلِّهَا حين يَذكُرُها، ومن الغد للوقتِ (٢) .ً ش- حماد: ابن سلمة. وعبد الله بن رَباح- بفتح الراء والباء الموحدة- أبو خالد الأنصاريّ المدني. روى عن: أبيّ بن كعب. وسمِع: أبا قتادة الأنصاري، وأبا هريرة، وعمران بن الحُصَين، وابن عمرو، وعائشة. روى عنه: ثابت البناني، وقتادة، وأبو عمران الجَوني، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: بصريّ ثقة، قتل في ولاية زياد. روى له الجماعة إلا البخاريّ (٣) . وأبو قتادة: الحارث بن ربعي السَّلمي المدني. قوله: " فمال " أي: عَرج عن الطريق. قوله: " فضُرب على آذانهم " " (٤) كلمة فصيحة من كلام العرب معناه: إنه حُجب الصَّوت والحسّ عن أن تلجأ آذانهم فينتبهوا؛ ومن هذا: قوده تعالى: (فَضَرَب عَلَى آذانهم في الكَهف سنين عَددًا) (٥) فكأنها قد ضُرب عليها حجابٌ ".

стр. 873

قوله: " هُنَيةً " أي: قليلا من الزمان؛ وهي تصغير هنة، ويقال: هُنَيهة - أيضا-؛ وانتصابها على أنها صفة لمصدر محذوف أي: ساروا سيرًا هُنَيةً. قوله: " فصلوا ركعتي الفجر " المراد بها: سُنَّة الفجر؛ وبهذا استدل أصحابنا أن سُنَّة الفجر إذا فاتت مع الفرض تُقضى بعد طلوع الشمس مع الفرض، وأما إذا فاتت السُّنَّة وحدها فلا تقضى؛ خلافا لمحمد؛ فإنه يقيسها على ما إذا فاتت مع الفرض. ولهما: أن الأصل في السنن أن لا تقضى؛ ولكن سُنة الفجر إذا فاتت مع الفرض خُصت بهذا الحديث. قوله: " قد فرطنا " أي: قصرنا. قوله: " لا تفريط في النوم " أي: لا تقصير فيه؛ لأن النائم ليس بمكلف. فإن قيل: إذا أتلف النائم برجله أو بيده أو غير ذلك من أعضائه شيئا يجب ضمانه، قلنا: غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع، حتى لو أتلف الصبي أو المجنون شيئا يجب ضمانه من مالهما. قوله: " إنما التفريط في اليقظة " لوجود التقصير منه من غير عذر. قوله: " فليصلها حين يذكرها " أي: حين يذكر تلك الصلاة؛ وقد ذكرنا أن هذا القيد ليس للوجوب، حتى لو صلاها بعد ذلك يجوز ولا يأثم. قوله: " ومن الغد للوقت " أي: وليصل- أيضا- من الغد في الوقت، فطاهر هذا الكلام: أن الفائتة يُصليها مرة حين ذكرها، ومرةً من الغد في وقتها؛ بدليل قوله في الرواية الأُخرى: " فليقض معها مثلها (١) "؛ ولكن هذا ليس بمراد، ولا هو قول أحدٍ، ولذلك قال الخطابي (٢) : " فلا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بها وجوبًا، ويُشبهُ أن يكون الأمر به استحبابًا، لتُحرز (٣) فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة

стр. 874

الوقت ". ويقال: يحتمل أن يكون- ﵇ لم يرد إعادة الصلاة المنسية حتى يصليها مرتين، وإنما أراد أن هذه الصلاة وإن انتقل وقتها بالنسيان إلى وقت الذكر، فإنها باقية على وقتها فيما بعد مع الذكر، لئلا يطن ظانّ أن وقتها قد تغير. قلت: قوله: " فليقض معها مثلها " يدفع هذا الاحتمال، ويَعضد ما قلناه. والحديث: أخرجه مسلم بنحوه أتم منه، وأخرج النسائي، وابن ماجه طرفا منه. ٤٢٠- ص- نا علي بن نصر: نا وهب بن جرير: نا الأسود بن شيبان: نا خالد بن سُمَيرِ قال: قَدِمَ عَلَينا عبدُ الله بن ربَاحِ الأنصاريُّ من المدينةِ - وكانت الأنصارُ/تفقهه- فحدَثنا قال: حَدثَّني أبو قتادةَ الأنصاريّ- فارسُ رسولِ الله- قال: بَعَثَ رسولُ الله جيشَ الأمراء بهذه القصة قال: فلم يُوقظنَا إلا الَشمسُ طالعةَ، فقُمنَا وَهِلِين لصلاتنَا، َ فقال النبيُ- عليه السلام-: " رُوَيدًا رُوَيدَا " حتى إذا تعالَت اَلَشمسُ قالَ رسولُ اللهِ: " مَن كان منكُم يركعُ ركعتي الفجرِ فليركَعهُما " فَقامَ من كان يركعُهُما ومن لم يكن يركعُهُما فركَعَهُما، ثم أمر رسولُ اللهِ أن ينادَى بالصلاةِ، فنُوديَ بها، فقام رسولُ اللهِ فصلَى بنا، فلما انصرفَ قال: " ألاَ إِنَا نحمَدُ اللهَ أنا لم نكن في شَيء من أمورِ الدنيا تشغَلُنَا عن صلاتنا؛ ولكن أروَاحُنا كانت بيد الله، فأرسَلَها أنَّى شَاءَ، فمَن أدركَ منكُم صَلاةَ الغَدَاة من غَد صالحَا، فلَيَقضَ معها مِثلَهَا " (١) .ً ش- علي بن نصر: ابن علي بن نصر بن علي بن صهبان بن أبي، أبو الحسن الأزدي الجَهضمي البصري الصغير، روى عن: وهب بن جرير، وأبي داود الطيالسي، وعبد الله بن داود. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقال: ثقة. مات سنة خمسين ومائتين في شعبان (٢) .

стр. 875

والأسود بن شيبان: السَدُوسي، أبو شيبان البصري، مَولى أنس بن مالك. روى عن: الحسن، ويزيد بن عبد الله، وموسى بن أنس، وخالد بن سُمَير وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ووكيع، ووهب بن جرير وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) . وخالد بن سُمَير: السَّدُوسي البصري. روى عَن: عبد الله بن عُمر ابن الخطاب. وسمع: أنس بن مالك، وبشير بن نهيك، وعبد الله بن رباح الأنصاري. روى عنه: الأسود بن شيبان. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢) . قوله: " قَدِمَ علينا " أي: في البصرة. قوله: " تُفَقِّهه " - بالتشديد- أي: كانت الأنصار يَنسبُونه إلى الفقه، ويجعلونه فقيها بينهم. قوله: " بهذه القصّة " أي: حدث بهذه القصة؛ والمعنى: أنه ذكر هذه القصة، ثم قال. " فلم يوقظنا إلا الشمسُ " وارتفاع الشمس بقوله: " لم يوقظنا " و " طالعة " نصب على الحال من " الشمس ". قوله: " وَهِلين " أي: فزعين، جمع وَهِل- بفتح الواو وكسر الهاء- صفة مشبهة من وَهِل يُوهَل إذَا فزع لشيء يُصيبُه؛ وهو نصب على الحال من الضمير الَّذي في قوله: " فقمنا ". توله: " رويدًا رويدًا " اعلم أن " رُوَيدَ " من أسماء الأفعال؛ ومعناه: امهل وتأنّ وهو تصغير " رَود " يقال: أروَدَ به إروادًا أي: رَفقَ، ويقال: رُويدَ زيد، ورويدك زيدا، وهي فيه مصدر مضاف، وقد يكون صفةً نحو: سارُوا سيرا رويدًا، وحالاَ نحو: ساروا رويدا، أي: مُرودين؛ وهو في هذه المواضع مُعرب، ويُبنى إذا كان اسما للفعل. وأما هاهنا:

стр. 876

فإنه وقع صفة، والمعنى: امهلوا امهالا رُويدًا، فلِذلك أُعرِبَ. وأمّا التكرير فللتقرير والتأكيد. فوله: " حتى إذا تعالت الشمسُ " يُريد استعلالها في السماء وارتفاعَها.، إن كانت الرواية هكذا، وهو في سائر الروايات: " تعالت " ووزنه: تفاعلت من العُلُو بمعنى: ارتفعت وظهرت. قوله: " من كان منكم يركع ركعتي الفجر " أي: من كان منكم يُصلّي سُنَّة الفجر فليركعهما: فليصليها أطلق الركوع على الصلاة من إطلاق الجزء على الكل؛ وفي هذا الأمر دليل على أن قوله ﵇: " فليصلها إذا ذكرها " ليس على معنى تضييق الوقت وحَصره بزمان الذكر، حتى لا يَعدُوه بعَينه؛ ولكنه على أن يأتي بها على حسب الإمكان، بشرط أن لا يُغفِلها، ولا يتشاغل عنها بغيرها. قوله: " أن يُنادَى " - بفتح الدال- والنداء بالصلاة: الأذان. قوله: " ألا إنا نحمد الله " ألا- بفتح الهمزة والتخفيف- وهي للتنبيه هاهنا، فيدل على تحقق ما بَعدها؛ ويدخل على الجملتين نحو (ألا إنَّهُم هُمُ السُّفَهَاءُ) (١) ، (ألاَ يَومَ يأتيهِم لَيسَ مَصروفًا عَنهُم) (٢) ويستفادُ /منها معنى التحقيق من جهة كوَنها مركبةً من " الهمزة " و " لاَ "؛ وهمزةُ الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادَت التحقيق نحو (أليس ذَلكَ بقَادر عَلَى أن يُحييَ المَوتَى) (٣) . وقال الزمخشري: ولهذا لا تكادُ تَقعُ اَلجمعة بعدها إلاَ مُصَدّرة بنحو ما يُتلقّى به القسمُ نحو (ألا إِنَّ أوليَاءَ اللهِ) (٤) وهاهنا كذلك وقع بعدها قوله: " إنا نحمد الله " بكسر الهمزةَ. قوله: " أنا لم نكن " - بفتح الهمزة؛ والمعنى: نحمدُ الله على أنا لم نكن، وهو في الواقع بمَعنى المصدر، والتقدير: نحمدُ الله على عدم كوننا في شيء من أمور الدنيا.

стр. 877

قوله: " تشغلنا " صفة للأمور. قوله: " ولكن أرواحنا " بسكون النون، وضم الحاء؛ وهي كلمة استدراك، وهو أن يُنسب لما بعدها حكم مُخالف لحكم ما قبلها، والمُشدّدة تنصب الاسم وترفع الخبر، والمخففة لا تعمل شيئاًَ؛ بل هي حرف ابتداء لمجرد إفادة الاستدراك. والأرواح: جمع رُوح؛ وهو يُذكر ويؤنث؛ وهو جوهر لطيف نُوراني يكدرهُ الغذاء والأشياء الردية الدنية، مُدرك للجزئيات والكليات، حاصل في البدن، متصرفٌ فيه، غني عن الاغتذاء، بريء عن التحلل والنماء؛ ولهذا يبقى بعد فنَاء البدن؛ إذ ليست له حاجة إلى البدن، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العُنصر؛ بل من عالم الملكوت؛ فمن شأنه أن لا يضره خللُ البدن، ويلتذ بما يلائمُه، ويتألم بما يُنافيه؛ والدليل على ذلك: قوله تعالى: (وَلا تَحسَبَنَ الَّذينَ قُتلُوا فِي سَبيلِ الله أموَاتًا بَل أحيَاء) الآية (١) ، وقوله- عليه السلام-َ: " إَذا وُضع اَلميت عَلى نعشه رفرف روحه فوق نعشه ويقول: يا أهلي ويا ولدي ". فإن قيل: كيف تفسر الروح وقد قال تعالى: (قُلِ الرُوحُ مِن أمرِ رَبي) (٢) ؟ قلت: مَعناه في الإبداعات الكائنة بكُن من غير مادة:، وتولد من أصلٍ، على أن السؤال كان من قدمه وحدوثه، وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره. وأيضاً: إن أمر الروح كان مُبهما في التوراة فقالت اليهود: نسأله عن أصحاب الكهف (٣) وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبيّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيّ؛ فبَيّن لهم القِصتين، وأبهم الرُوحَ حتى لا يطعنوا في نُبوّته، وأشار تعالى بقوله: (وَمَا أوتِيتُم مّنَ العلم إلاَّ قَليلاً) (٤) إلى أن الروح لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تمَيّزُه عمَا يَلَتبسُ، فلذلك اقتصر

стр. 878

على هذا الجواب بقوله: (قُل الرُّوحُ مِن أمرِ ربِّي) كما اقتصر مُوسى في جواب (وَمَا رَبُّ العَالَمينَ) (١) بذكر بعض صفاته؛ على أن المفسرين قد اختلفوا في الروح فيَ الآية؛ فعن ابن عباس: إنه جبريل، وعنه: جندٌ من جنود الله، لهم أيدي وأرجل يأكلون الطعام، وعن الحسن: القراَن، وعن علي: ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، يُسبح الله بجميع ذلك، فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكًا، وقيل: عيسى- ﵇، وعن عطية: روح الحيوان، وهو للآدميين والملائكة والشياطين. قوله: " فأرسلها أنى شَاءَ " أي: متى شاء. واعلم أنَّ " أنى " تجيء بمعنى " كيف "، وبمعنى " متى "، وبمعنى الاستفهام، وبمعنى الشرط نحو: (فَأتُوا حَرثَكُم أنى شِئتُم) (٢) وأنَى القتال؟ و (أنَّى لَك هَذَا) (٣) وأنى تخرج أخرج. ثم إن الله تعالى أخبر في قوله: (اللهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ (٤) حينَ مَوتهَا) الآية (٥) ، أنه يتوفى نفس النائم عند المنام، ثم يُرسلها عنَد اليقظَة، ويتوفى نفس الميّت فيُمسكها عنده. والتوفي هو مثل الاستيفاء، يُقال: توفيت العدد واستوفيته بمعنى واحد. والحاصل في معنى الحديث: أنه- ﵇ يُبدي عُذره وعذر أصحابه حين ناموا عن صلاة الصبح بقوله: " لكن أرواحنا كانت بيد الله " يعني: في قدرته وتصرفه (٦) ، إن أراد أرسلها إلى الأجساد بعد النوم، وإن أراد يُمسكها عنده، وإذا أرسلها يُرسلها- أيضا- على قدر ما يتعلق به إرادته من الوقت إن أراد يُعجل بالإرسال به وإن أراد يُبطئ

стр. 879

بالإرسال به، وله القدرة/الكاملة والتصرف في جميع الأشياء، وليس لمخلوق في ذلك اشتراك وقدرة. قوله: " فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا، فليقض معها مثلها " أي: مع صلاة الغداة، وفي رواية: " فليصل معها مثلها " وهذا تصريح- أيضا- أن الفائتة يُصليها مرتين؛ مرةً حين ذكرها، ومَرةً من الغد في وقتها- كما قلنا في الحديث المتقدم، وجوابُه ما ذكرنا. و" (١) قال البيهقي في كتاب " المعرفة ": وقد رواه خالد بن سُمَير، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وفيه: فقال النبي- عليه السلام-: " فمن أدركته هذه الصلاة من غد فليُصل معها مثلها " هكذا أخرجه أبو داود في " سننه " ولم يتابع خالداً على هذه الرواية نفسُه (٢) ، وإنما اللفظ الصحيح فيه: " فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها " كما رواه مسلم؛ ولكن حمله خالد على الوهم، وفي " الإمام ": الوهم فيه للراوي، عن خالد، وهو: الأسود بن شيبان ". ٤٢١- ص- نا عَمرو بن عون: أنا خالد، عن حصين، عن ابن أبي قتادة عن أبي قتادة في هذا الخبر قال: فقال: " إن اللهَ ﵎ قَبَضَ أرواحَكُم حيثُ شَاءَ، ورها حيثُ شَاءَ، قُم فأذِّن بالصلاة " فقَامُوا فَتَطَهَرُوا، حتى إذا ارتفعتِ الشمسُ، قامَ النبيُّ- ﵇ فصلًّى بالناسِ (٣) . ش- عمرو بن عون: الواسطي البزاز، وخالد: ابن عبد الله الواسطي الطحان، وحُصَين بن عبد الرحمن (٤) الكوفي. واسم ابن أبي قتادة: عبدُ الله بن الحارث بن ربعي؛ وقد ذكرناه.

стр. 880

قوله: " قال: فقال " أي: قال أبو قتادة: قال النبي- ﵇. قوله: " ﵎ " معنى تبارك: تكاثر خيرُه؛ من البركة وهي كثرة الخير، أو نزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله؛ فإن البركة تتضمن معنى الزيادة، وقيل: دام؛ من بروك الطائر على الماء، ومنه: البركة لدوام الماء فيها، وهو لا ينصرف فيه ولا يُستعمل إلا لله تعالى. ومعنى " تعالى ": عَظُم شأنه؛ من العُلُو، وقيل: جَلّ عن إفك المفترين، وعلا شأنه، وقيل: جلّ عن كل وصف وثناءٍ. قوله: " حَيث شاء " اعلم أن " حيث " للمكان اتفاقا، قال الأخفش: وقد ترد للزمان؛ وهاهنا بمعنى الزمان، والغالبُ كونها في محل نصب على الظرفية، أو خفض بـ " من "، ولغة طيّء: " حَوثُ " بالواو موضع الياء. ويجوز بالضم والفتح فيهما، وحكى الكسائي: " حيثِ " - بالكسرِ، وقد يجيء للتقليل، وإذا اتصل به " ما " يصير للمحازاة. قوله: " فتطهروا " التطهر أعم من الوضوء والاغتسال. ٤٢٢- ص- نا هناد: نا عَبثر، عن حُصَين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي- ﵇ بمعناه قال: فتَوضئوا حين ارتَفَعت الشمسُ، فَصلَى بِهِم (١) . ش- هناد: ابن السري الكوفي. وعَبثر: ابن القاسم، أبو زُبيد الزُّبَيدي الكوفي. روى عن: أبي إسحاق الشيباني، والأعمش، وحُصَين بن عبد الرحمن، والثوري وغيرهم. روى عنه: عمرو بن عون، ويحيى بن اَدم، وعبد الله الأشجعي وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثمان وسبعين ومائة. روى له الجماعة (٢) . وعَبثر: بفتح العين المهملة، وسكون الباء، وفتح الثاء المثلثة.
следующие страницы →