← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8540

شرح سنن أبي داود للعيني

بدر الدين العيني

Полный текст (2 976 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ش- عباد بن عباد: ابن حبيب بن المهلب بن أبي صُفرة، أبو معاوية العتكي المهلبي الأزدي البصري؛ واسم أبي صفرة: ظالم بن سارق، نزل بغداد، ومات بها سنة إحدى وثمانين ومائة. سمع: أبا جمرة/ نصر (١) بن عمران الضبعي، وعبيد الله، وعبد الله ابني عمر، وهشام ابن عروة، وكثير بن شنظير، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وسليمان بن حرب، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال ابن معين، والنسائي: هو ثقة. وقال ابن سَعد: لم يكن بالقوي فما الحديث. روى له الجماعة (٢) . وسعيد بن الحارث: ابن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري المدني قاضيها. سمع. عبد الله بن عُمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة. روى عنه: محمد بن عَمرو بن علقمة، وعمرو ابن الحارث، وفليح بن سليمان، وعمارة بن غزيّة. روى له الجماعة (٣) . قوله: " فاَخذُ " إخبارٌ عن نفسه من المستقبل، والمرادُ منِ إخراج هذا الحديث أنه كان يُصلي الظهر في أول فَيئِهِ في الهاجرة، وسيروي حديث الإبراد- أيضَا. ويفهم من الحديث: أنهم كانوا يصلون على الأرض، وأن المسجد ما كان فيه حُصرٌ، وان السجدة على الحَصَى جائزة، وأن مَسك المُصلي في كفه شيئا لا يُفسدُ صلاته. والحديث: أخرجه النسائي. ٣٨٤- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا عَبيدة بن حُمَيد، عن أبي مالك الأشجعيّ: سَعد بن طارق، عن كثير بن مُدرَك، عن الأسود، عن عبد الله ابن مَسعود قال: كَانت قَدرُ صَلاة رسول الله ﷺ في الصَيف ثلاثةَ أقدامٍ إلى خمسةِ أقدامِ، وفي الشتاءِ خمسةَ أَقدامٍ إلىَ سَبعةِ أقدامٍ " (٤) .

стр. 807

ش- عَبيدة- بفتح العين- قد مر ذكره. وأبو مالك: سَعد بن طارق بن الأشيم الكوفي الأشجعي. روى عن: أبيه- ولأبيه صحبة- وأنس بن مالك، وكثير بن مدرك، وعيرهم. روى عنه: الثوريّ، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، يكتب حديثه. روى له الجماعة إلا البخاريّ (١) . وكثير بن مدرك الأشجعي، أبو مدرك الكوفي. روى عن: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأخيه: عبد الرحمن بن يزيد. روى عنه: حُصين بن عبد الرحمن، ومنصور بن المعتمر، وأبو مالك الأشجعي. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (٢) . قوله: " كانت قدر صلاة رسول الله " المراد منها: صلاة الظهر. قوله: " ثلاثة أقدَام " اعلم أن هذا أمر يَختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار؛ وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرءوس في مجراها أَقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض وفي محاذاة الرءوس أبعدَ كان الظلّ أطولَ؛ ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الضَيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله بمكة والمدينة- وهما من الإقليم الثاني- ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر اَذر: ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرةَ عن الوقت المعهود (٣) قبله فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام. وأما الظل في الشتاء: فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول: خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون: سبعة أقدام أو سبعة وشيء؛ فقول ابن مسعود مُنزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني. والحديث: أخرجه النسائيّ.

стр. 808

٣٨٥- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا شعبة: أخبرني أبو الحسن قال: سمعت زيد بن وهب يقول: سمعت أبا ذَر يَقول: كُنَّا مع النبيِّ- عليه السلام- فأرادَ المؤذنُ أن يؤذنَ الظهرَ، فقال: " أبرِد " ثم أرادَ أن يُؤذنَ فقال: " أبرِد " - مرِتين أو ثلاثا- حتى رأينا فَيءَ التُّلول، ثم قال: " إن شدةَ الحرِّ من فيحِ جَهنم؛ فإذا اشتدَ الحرُّ فابردُوا بالصلاةِ " ١١) . ش- أبو الحسن: مُهاجر التيمي الصائغ. وزيد بن وهب: الجهمي؛ قد مر ذكره. وكذلك أبو ذر: جُندب بن جنادة. قوله: " أبرد " بفتح الهمزة، أمر من الإبراد. قوله: " فيء التلول " أي: ظلها، والتلول: جمع تَلّ- بتشديد اللام- ويُجمعُ على تلالٍ - أيضا. قوله: " من فيح جهنم " - بفاء مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وحاء مهملة- أي: " (٢) سطوع حرّها وانتشاره وغليانها؛ وأصله في كلامهم: السَّعة والانتشار، ومنه قولهم في الغارة: فيحي فياح،/ومكان أفيح أي: واسع، وأرض فيحاء أي: واسعة؛ وللكلام وجهان: حقيقيّ؛ وهو أن تكون شدة حرّ الصيف من وهج حر جهنم على الحقيقة. وروي أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسَين: نفس في الصَيف، ونفس في الشتاء؛ فأشدّ ما تجدونه من الحرّ في الصيّف فهو من نفسها، وأشد ما تجدونه من البَرد في الشتاء فهو منها. ومجازي؛ وهو أن يكون هذا الكلام من باب التَّشبيه أي: كأنه نار جهنم في الحرّ فاحذرُوها واجتنبوا ضررَها ". قوله: " فأبردوا بالصلاة " أي: بأداء الصلاة أي: أخروها عن وقت

стр. 809

الهاجرة إلى حين بَرد النهار، وانكسار وهج الحرّ. وقال بعض أهل اللغة: أراد صلُّوها في أول وقتها، وبَرد النهار أوله. قلت: هذا بعيدٌ، يُنافيه قوله: " حتى رأينا فَيءَ التلول " ولذا قال الخطابيّ: " ومن تأوله على بَردي النهار، فقد خرج عن جملة قول الأمة "، وبه استدل أصحابنا على أن تأخير الظهر والإبراد بها في الصيف مستحب. وبه قال أحمد، وإسحاق بن راهوَيه. وقال الشافعي: تعجيلها أولى، إلا أن يكون إمام جماعة ينتابه الناسُ من بُعد، فإنه يَبرد بها في الصيف عند شدّة الحرّ. وقال الشيخ محيي الدين: " (١) والصحيح: استحباب الإبراد: وهو النصوص للشافعي، وبه قال جمهور أصحابه لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه المشتملة على فعله والأمر به في مواطن كثيرة ومن جهة جماعة من الصحابة ". فإن قلت: قد ذكر مُسلم حديث خبّاب: " شكونا إلى رسول الله حَرَّ الرَّمضاء فلم يُشكِنَا. قال زُهير: قلت لأبيً إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم، قلتُ: أفي تعجيلها؟ قال: نعم ". قلت: هَذا الحديث مَنسوخ بأحاديث الإبراد، ويقال: الإبراد رخصة، والتقديم أفضل، واعتمدوا حديث خبّاب وحملوا حديث الإبراد على الترخيص والتخفيف في التأخير، وهو قول بعض الشافعية. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني في " محجمه "، وأبو بكر في " مصنفه "، وأحمد في " مُسنده ". ص- قال أبو داود: هو مُهاجر أبو الحسن. ش- يعني قوله: " نا شعبة: أخبرني أبو الحسن " هو مُهاجر أبو الحسن التيمي، مولى تيم الله الكوفي. سمع: عبد الله بن عباس، والبراء بن عازب، ورجلا من أصحاب النبي- ﵇، وزيد بن وهب،

стр. 810

وعمرو بن ميمون، وعطاء بن يسار. روى عنه: الثوريّ، وشعبة، والمَسعودي، وأبو عوانة. قال أحمد بن حنبل، وابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. روى له: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (١) . ٣٨٦- ص- نا يزيد بن خالد بن مَوهب الهمداني، وقُتَيبة الثقفيُّ، أن الليث حدثهم، عن ابن شهاب، عن سَعيد بن المسيّب وأبي سلمة، عن أبي هريرِة أن النبي- ﵇ قال: " إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا عن الصلاة " قال ابنُ موهبٍ: " بالصلاة ". " فإنَّ شدةَ الحَرَ من فيحِ جَهنمَ " (٢) . ش- قتيبة: ابن سعيد، والليث: ابن سعد، وابن شهاب: الزهري، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن. قوله: " فأبردوا عن الصلاة " أي: بالصلاة. و " عَن " تأتي بمعنى " الباء "؛ كما قيل: رمَيت عن القَوس، أي: رمَيتُ بها؛ كما جاءت الباء بمعنى " عن " في قوله تعالى: (فَاسئَل به خَبيرًا) (٣) أي: عنه. وقد تكون " عن " زائدةَ أي: " أبردوا الصلاة "؛ يَقال: أبرد الرجل كذا إذا فعله في بَرد النهار. ٣٨٧- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حمّاد، عن سماك بن حَرب، عن جابر بن سمرة " أن بِلالاً كان يؤذن الظهرَ إذا دحَضَتِ الشمسُ " (٤) .

стр. 811

ش- حماد: ابن سلمة. وجابر بن سمرة بن جنادة بن جندب، أبو عبد الله، رُوِيَ له عن رسول الله مائة حديث وستة وأربعون حديثا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بستّة وعشرين. روى عنه: عبد الملك ابن عُمير، وعامر بن سَعد بن أبي وقاص، وعامر الشعبي، وسماك بن حرب، وجماعة آخرون. مات سنة ستة وستين، أيام المختار. روى له الجماعة (١) . قوله: " إذا دحضت الشمس " أي: زالت عن كبد السماء؛ وأصل الدَّحض: الزلق؛ يُقال: دحضَت رجلهُ أي: زلت عن موضعها، وأدحضتُ حجة فلان أي: أزلتُها وأَبطلتُها. وأخرجه ابن ماجه. وفي رواية مسلم: " كان النبيّ- ﵇ يُصلِي/الظهر إذا دحَضت الشمسُ. وقال الشيخ محيي الدين النووي (٢) : " وفيه دليل على استحباب تقديمها، وبه قال الشافعي، والجمهور ". فلت: لا دليل فيه على ذلك؛ لأن الذي يُبرِدُ بها يَصدقُ عليه أنه صلاها بعد أن دَحَضت الشمسُ. ٤- بَابُ: مَا جَاء فِي وَقت العَصرِ (٣) أي: هذا باب في بيان ما جاء في وقت صلاة العصر، وفي بعض النسخ: " بابُ وقت العَصر ". ٣٨٨- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أنه أخبره " أن رسولَ اللهِ- ﵇ كان يُصَلِّي العصرَ

стр. 812

والشمسُ بَيضاءُ مُرتفعةٌ حَيَّةٌ، ويَذهبُ الذَّاهبُ إلى العَوالي والشمسُ مُرتفعةٌ " (١) . ش- الواو في " والشمس " للحال في الموضعين؛ وحَياة الشمس: شده وهجها، وبقاء حرها لمَ ينكسر منه شيء. وقيل: حياتها: صفاء لونها، لَم يدخلها التغيير. قالوا: والشمس تُوصَف بالحياة ما دامت قائمة الأعراض من الحرارة والضوء، فإذا كانت مع الغروب لم تُوصَف بذاك. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. ٣٨٩- ص- نا الحسن بن علي: نا عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهريّ قال: والعَوالي على ميلينِ أو ثلاثة. قال: وأحسبُه قال: وأربعة (٢) (٣) . ش - الحسن بن عَلي: الخلالَ، وعبد الرزَاق: ابن همامَ، ومَعمر: ابن راشد. والعَوالي: أماكن بأعلى أراضى المدينة؛ والنَسَبُ إليها: " عُلوِي " على غير قياسٍ، قال ابن الأثير (٤) : " وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد: ثمانية ". ولكن في رواية الزهري: أدناها من المدينة على ميلين، مثل ما ذكره أبو داود. وقال الشيخ محيي الدين (٥) : " والمراد بهذا الحديث: المبادرة بصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العَصر ميلين وثلاثة، والشمس بعد لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ولا يكادُ يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة. ثم قال: وفيه دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور: أن وقت العَصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير

стр. 813

ظل كل شيء مثليه؛ وهذا حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس في بيان المواقيت وحديث جابر وغير ذلك ". قلنا: الجواب من جهة أبي حنيفة: أنه- ﵇ أمر بإبراد الظهر بقوله: " أبردوا بالظهر " بمعنى: صلوها إذا سكنت شدة الحرّ؛ واشتداد الحر في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل كل شيء مثله، ولا يفتر الحر إلا بعد المثلَين؛ فإذا تعارضت الأخبار يبقى ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين، فلا يزول بالشك، ووقت العصر ما كان ثابتاً فلا يدخل بالشكَّ؛ وأما حديث ابن عباس، وجابر وغيرهما: فلا يدل على أن لا يكون ما وراء وقت الإمَامة وقتا للظهر؛ ألا ترى أن جبريل- عليه السلام- أم للفجر في اليوم الثاني حين أسفر، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس؟ وكذلك صلى العشاء حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى بعده إلى طلوع الفجر. ٣٩٠- ص- نا يوسف بن موسى: نا جرير، عن منصور، عن خيثمة قال: حياتها: أن تجد حرها (١) . ش- يوسف بن موسى: أبو يعقوب القطان الكوفي. وجرير: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر. وخَيثمة: ابن عبد الرحمن بن أبي سَبرة، واسم أبي سَبرة: يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذؤيب بن سلمة بن عمرو بن ذهل بنُ مرَان (٢) بن جعفي الجُعفي الكوفي، وفد أبو سَبرة إلى النبي- ﵇ ومَعه ابناه: سَبرة، وعزيز، فقال له النبي- ﵇: " ما اسمك؟ " قال: عزيز قال: " لا عزيز إلا الله، أنت عبد الرحمن (٣) فأسلموا. سمِعَ خيثمةُ: عبدَ الله بن عُمر، وابن عَمرو، والبراء بن عازب، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وطلحة بن مصرف، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم.

стр. 814

قال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي تابعي ثقة. روى له الجماعة (١) . ٣٩١- ص- نا القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب: قال عروة: ولقد حدثتني عائشةُ- ﵂، " أن رسولَ الله ﷺ كان يُصلي العَصر، والشمسُ في حُجرَتِهَا قبلَ أن تَظهَرَ " (٢) . ش- القعنبي: عبد الله بن مسلمة، وعروة: ابن الزبير. والواو في " والشمس " للحال. قوله: " قبل أن تظهر " معنى الظهور/هاهنا: الصُعُود؛ يُقال: ظهرتُ على الشيء إذا علوتُه؛ ومنه قوله تعالى: (وَمَعارِجَ عَلَيهَا يَظهَرُونَ) (٣) ، وحجرة عائشة- ﵂ ضيقة الرقعة، والشمس تقلص عنها سرِيعاً؛ فلا يُصلي العَصر قبل أن تصعد الشمس عنها إلا وقد بكر بها. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ٣٩٢- ص- نا محمد بن عبد الرحمن العَنبري: نا إبراهيم بن أبي الوزير: نا محمد بن يزيد اليمامي: حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه عن جده: علي بن شيبان قال: فَدمنَا على رسول الله ﵇ المَدِينةَ فكان يُؤَخرُ العَصرَ مادامتِ الشمس بَيضاءَ نَقيَّةً (٤) . ش- محمد بن عبد الرحمن: أبو عبد الله العنبري البصري. روى عن: عبد الرحمن بن مهدي، وأمية بن خالد، وسلم بن قتيبة،

стр. 815

وإبراهيم بن أبي الوزير. روى عنه: أبو داود، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الجنيد. وقال: كان ثقة (١) . وإبراهيم بن أبي الوزير: قد ذكر مرةً. ومحمد بن يزيد اليمامي. روى عن: يزيد بن عبد الرحمن. روى عنه: إبراهيم بن أبي الوزير. روى له: أبو داود (٢) . ويزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان اليمامي الحنفي. روى عن أبيه، عن جذه. روى عنه: محمد بن يزيد. روى له: أبو داود (٣) . وأبوه: عبد الرحمن بن علي الحنفي اليمامي. روى عن: أبيه. روى عنه: ابنه: محمد، وعبد الله بن بدر، ووعلة بن عبد الرحمن. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٤) . وجدّه: علي بن شيبان الحنفي السحيمي اليمامي الصحابيّ. روى عنه: ابنه: عبد الرحمن. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٥) . وهذا الحديث يدل على أنه- ﵇ كان يُصلي العَصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه؛ وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه. ٣٩٣- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان، عن محمد، عن عَبيدةَ، عن عليّ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال يومَ الخندقً: " حَبَسُونَا عن صَلاة الوُسطى، صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا " (٦) .

стр. 816

ش- يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة- واسم أبي زائدة: خالد (١) بن ميمون- وقد ذكرناه في ترجمة زكرياء- أبو سعيد الكوفي الهمداني الوداعي، مولى امرأة من وداعة. سمع: أباه، وعبد الملك. بن عمير، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن ادم، ويحيى بن يحيى التميمي، وابن معين، وأحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. قال ابن المديني: هو من الثقات، قيل: مات بالمدينة قاضيا بها سنة اثنتين وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين. روى عنه: الجماعة (٢) . ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي، قد ذكر غير مرة. وهشام بن حسّان البصري، ذكر- أيضا- ومحمد بن سيرين، قد ذكر- أيضا-. وعَبيدة- بفتح العَين وكسر الباء- هو عَبيدة بن عمرو، ويقال: ابن قيس بن عَمرو السَّلماني- بفتح السين وسكوَن اللام- المُرَادي. وسلمان هو ابن ناجية بن مراد، أسلم قبل وفاة النبي- ﵇ ولم يَلقه. سمع: عمر بن الخطاب، وعليا، وابن مسعود، وابن الزبير روي عنه: الشَعبي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهم. قال ابن عيينة: كان عَبيدة يوازي شريحا في العلم والقضاء. وقال أحمد بن عبد الله العجلَي: هو كوفي تابعي ثقة، جاهلي أسلم قبل وفاة النبي ﵇ بسنتَين، وكان أعور، توفي سنة اثنتين وسبعين، روى له الجماعة (٣) قوله: " يوم الخندق " الخندق: فارسي معرّب؛ وأصله: كَنده أي: محفور، وقد تكلمت به العَرب، ويوم الخندق كانت في السنة الخامسة من الهجرة. وقيل: في الرابعة. وقد جاء أن النبي- ﵇ ندب الناسَ يوم الخندق، وفي رواية: يوم الأحزاب، وفي رواية: يوم بني

стр. 817

قريظة، فانتدب الزبير، ويوم الخندق وهو يوم الأحزاب ويوم بني قريظة؛ وليس ذلك إشارة إلى يوم بعَينه؛ وإنما هو إلى الغزاة كما يقال: يوم حنين، ويوم صِفين، وغير ذلك. قوله: " صلاة العصر " بالجرّ- بدل من " صلاة الوُسطى "؛ والوُسطى - بضم الواو- تأنيث الأوسط بمعنى الفضلى، وأفعل التفضيل لا يبنى إلا مما يقبل الزيادة والنقص، وكذا فعل التعجب، فلا يجوز: زيد أموت الناس، ولا: ما أموت زيد، لأنه لا يقبل ذاك. وكون الشيء وسطا بين شيئين لا يقبل الزيادة ولا النقص، لا يجوز أن يبنى منه أفعل التفضيل، فتعين أن تكون الوسطى بمعنى الفضلى. " (١) واختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن؛ فقالت جماعة: هي العَصر، ومنهم: عليّ، وابن مسعود، وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعَبيدة السلماني، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم. وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة/فمن بعدهم. قال الماوردي: هذا مذهب الشافعي لصحة الأحاديث فيه. وقالت طائفة: هي الصُبح؛ ونقل ذلك عن عُمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وابن عُمر، وجابر، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومالك بن أنس، والشافعي. وقالت طائفة: هي الظهر؛ ونقل ذلك عن زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبي (٢) سَعيد الخدري، وعائشة، وعبد الله بن شداد، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقال قبيصة بن ذ [ؤ] يب: هي المَغرب. وقال غيره: هي العشاء. وقيل: إحدى الخمسة مبهمة. وقيل: الوسطى: جميع الخَمس؛ حكاه القاضي عياض. وقيل: هي الجمعة. ويقال:

стр. 818

الصبح والعصر. ويقال: الجماعة. فهذه عشرة أقوال؛ وأصحها: العصرُ؛ للأحاديث الصحيحة، والباقي بعضها ضعيف، وبَعضها غلط. وفي المراد بالصلاة الوُسطى ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها أوسط الصلوات مقدارا، والثاني: أنها أوسطها محلاّ، والثالث: أنها أفضلها، وأوسط كل شيء أفضله؛ فمَن قال: الوُسطى: الفُضلى جاز لكل ذي مذهب أن يَدّعيه، ومن قال: مقدارا فهي المغربُ؛ لأن أقلها: ركعتان، وأكثرها: أربع. ومَن قال: محلاَ ذكر كل أحدٍ مناسبة يوجه بها. قوله: " ملأ الله بيوتهم " جملة دعائيّة إنشاء في صورة الإخبار؛ والمعنى: اللهم املأ بيوتهم وقبورهم نارَا؛ ومثل هذه الجملة لا محل لها من الإعراب؛ وقد عرف أن الجملة ما لم تقعِ في موقع المفرد لا تكتسب إعرابًا؛ لأن الجملة من المبنيّات. وإنما جمع فيه بين البيوت والقبور ليعتم عليهم العذاب في الدنيا والآخرة، وخصّص النار لأنه أكبر أنواع العذاب. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. ٣٩٤- ص- نا القعنبيُّ، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يُونس مولى عائشةَ ﵂، أنه قال: أَمَرتنِي عائشةُ أن أكتبَ لها مُصحفًا وقالت: إذا بلغت هذه الآيةَ فآذنَي (حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلاَة الوُسطى) (١) فلما بلغتُها آذنتُها فأملَت عَلً: حافظُوا عَلَى الصَّلًوات والَصَّلاةِ الوُسطَى وصَلاة العَصرِ وقُومُوا لله قانتينَ، ثم قَالت عائشةُ: سمعتُهَا من رسولِ اللهِ ﷺ (٢) . ش- أبو يونس مولى عائشة- رضى الله عنها-. روى عن:

стр. 819

عائشة. روى عنه: القعقاع بن حكيم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (١) . قوله: " فآذني " بالمدّ- أي: أعلمني؛ أمر من آذن يُؤذِن إيذانًا، فاجتمعت نون الكلمة مع نون الوقاية فأدغمت إحداهما في الأخرى. قوله: " فا " ملت عليَ " يُقال: أملّ عليه، وأملى عليه، واملل علمه إذا لقنه ما يكتبه. " (٢) واستدل به بعض الشافعية أن صلاة العصر ليست هي الوسطى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة؛ لأن قوله: " وصلاة العصر " معطوف على قوله: " على الصلوات " لأنه هكذا هو في الروايات. والجواب عن هذا: أن هذه قراءة شاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله؛ لأن ناقلها لم ينقلها على أنها قراَن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماعَ. قلت: يحوز أن يكون العطف فيه كالعطف في قول الشاعر إلى الملك القَرم وابن الهمام ... وليث الكَتِيبة في المُزدحم فقد وُجد العطفُ هاهنا مع اتحاد الشَّخص، وعطف الصفات بعضها على بعض موجودٌ في كلام العرب كثيرٌ. ٣٩٥- ص- حدثنا محمد بن المثنى: نا محمد بن جَعفر: ثنا شعبة: حدثني عَمرو بن أبي حكيم. قال: سمعت الزبرِقَانَ يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسولُ الله- ﵇ يُصلِّي الظهرَ بالهَاجرَة، ولم يكن يُصَلِّي صلاةً أشدَّ عَلى أصحاب النبيِّ- عليه السلام- منهَا، فنزلت (حَافظُوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسطَى) وقال: " إن قبلَها صلاتينِ، وبَعدها صَلاتينِ " (٣) . ش- محمد بن جعفر- الهذلي مولاهم البصري، المعروف بغندر، وقد ذكر غير مرة، وكان شعبة بن الحجاج زوج أمه.

стр. 820

وعَمرو بن أبي حكيم أبو سعيد. ويقال: أبو سَهل الواسطي الكردي. ويقال: إنه مولى لآل الزُّبير. روى عن: عروة بن الزبير، وعبد الله بن بُريدة، والزِّبرِقان. روى عنه سعيد. وروى عن: داود بن أبي هند، عنه إن كان محفوظا. روى له: أبو داود (١) . والزِّبرقان: ابن عَمرو بن أمية الضَّمري. وقيل: الزبرِقان/بن عبد الله بن عمرو بن أميّة. روى عن: عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه (٢) ، وعن زَهرة، عن زيد بن ثابت. روى عنه: عَمرو بن [أبي] حكيم وابن أبي ذئب، وجَعفر بن ربيعة، ويَعقوب بن عَمرو. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٣) . وزيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاريّ، أبو سعيد. وقيل: أبو خارجة، أخو يزيد بن ثابت لأبيه وأمه. روي له عن رسول الله- ﵇ اثنان وتسعون حديثَا، اتّفقا منها على خمسة أحاديث، وانفرد البخاريّ بأربعة ومسلم بحديثِ. وقد روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃. روى عنه: ابن عُمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، ومروان بن الحكم، وسليمان وعطاء ابنا يَسار، وابن المسيّب وغيرهم. وكان يكتب الوحي لرسول الله، وكتب لعمر- أيضا- وكان يستخلفه- إذا صح- وكان معه حين قدم الشام لفتح بيت القدس، وهو تولى قسمة غنائم اليرموك، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن خمسين. وقيل: خمس وأربعين، وقتل أبوه ثابت في وقعة بعاث، كانت قبل هجرة النبي- ﵇ بخمس ستين. روى له الجماعة (٤) .

стр. 821

قوله: " بالهاجرة " أي: في الهاجرة؛ وهي اشتداد الحرّ نصف النهار. قوله: " ولم يكن يصلي صلاة أشدَّ " وذلك لكَونه يُصَلِّي في قوة الحرَّ، ثم أبرد بعد ذلك، وأمر بالإيراد- أيضَا-. قوله: " إن قبلها " أي: قبل صلاة الوُسطى: " صلاتين وبَعدها صلاتين " وبهذا يطلق على كل صلاة أنها وُسطى؛ لأن كل صلاة بحسبها وُسطى يكون قبلها صلاتان وبعدها صلاتان؛ ولكن سياق الكلام يَدلّ على أن المراد من الصلاة الوُسطى: الطهرُ؛ وذلك لأن نزول الآية كان عند استثقالهم صلاة الظهر بالهاجرة، فبيَن أن المرادَ من قوله: (حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَات والصَّلاَةِ الوُسطَى) : صلاة الظهر؛ لأن قبلها صلاَتا الصّبح والعشاء، وهما من وجه الليل، وبعدها: صلاتا العَصر والمغرب، وهما من وجه النهار. وهو قول جماعة من الصحابة- كما ذكرنا- والأصح: أنها صلاة العَصر- كما ذكرناه-. والحديث أخرجه البخاريّ في " التاريخ الكبير ". ٣٩٦- ص- ثنا الحسن بن الربيع: حدثني ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أدركَ من العَصرِ رَكعةَ قبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ فقد أدركَ، ومن أدرك من الفجرِ رَكعةَ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرك " (١) . ش- الحسن بن الربيع: ابن سليمان البجلي القَسري، وقَسر من بَجيلة، أبو علي الكوفي. سمع: حماد بن زيد، وأبا عوانة، وعبد الله ابن المبارك، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم،

стр. 822

ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة، رجل صالح متعبّد، مات في رمضان سنة إحدى وعشرين ومائتين (١) . وابنُ طاوس: عبد الله بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليماني الحِميري. سمع: أباه، وعكرمة بن خالد. روى عنه: عمرو بن دينار وابن جريج، ومَعمر بن راشد، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. مات سنة ثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٢) . قوله: " فقد أدرك " أي: أدرك وُجوبَها، حتى إذا أدرك الصبيُ قبل غروب الشمس، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو طهُرَت الحائض يجب عليه صلاة العَصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءَا يسيرَا لا يسع فيه الأداء، وكذلك هذا الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب، ما لم يجد وقتا يسع فيه الأداء حقيقة. وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلا؛ أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه؛ وهو أصحّهما؛ وذلك لأن من أدرك ركعة أو تكبيرةَ فقد أدرك حرمة الصلاة، فاستوى فيه القليل والكثير. فإن قلت: قيّد الركعة في الحديث، فينبغي أن لا يُعتبر أقل من الركعة، قلت: التقييد بالركعة خرج مخرج الغالب؛ فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة فقد لا يكاد يُحَس (٣) بها. واعلم أن هذا الحديث دليل صريح في أن مَن صلى ركعةَ من العَصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته؛ بل يُتمّها؛ وهذا بالإجماع. وأما في الصبح فكذلك عند الشافعي/ومالك وأحمد إلا عند أبي حنيفة؛ فإنه قال: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها. وقالت الشافعية: الحديث حجّة على أبي حنيفة.

стр. 823

واعلم أن هاهنا بحثا عظيما إذا وقفت عليه عَرَفت ما أسس عليه أبو حنيفة، وعَرَفت أن الحديث ليس بحجة على أبي حنيفة، وأن غير هذا الحديث من الأحاديث حجّة عليهم؛ فنقول: لا شك أن الوقت سبب للصلاة وطرف لها؛ ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا، لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن يجعل بعض الوقت سببا، وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم. فإن اتصل به الأداء تقررت السببيّة وإلا ينتقل إلى الجزء الثاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التحريمة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن كان صحيحاً بحيث لم ينسب إلى الشيطان، ولم يوصف بالكراهة- كما في الفجر- وجب عليه كاملا، حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس من خلال الفجر فَسَدَ خلافا لهم؛ لاكك ما وجب كاملا لا يتأدى بالناقص كالصوم المنذور المطلق، أو صوم القضاء لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإن كان هذا الجزء ناقضا بأن صار منسوبا إلى الشيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصَا؛ لأن نقصان السبب يؤثر في نقصان المسبّب، فيتأدى بصفة النقصان؛ لأنه أرى كما لزم، كما إذا نذر صوم النَحر وأداه فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العَصر؛ لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه؛ لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملا بالطريق الأولى. فإن قيل: يلزم أن يفسد العصر إذا شرع فيه من الجزء الصحيح، ومدّها إلى أن غربَت، قلنا: لما كان الوقت متسعا جاز له شغل كل الوقت فيعفَى الفساد الذي يتصل فيه بالبناء؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر. والجواب عن الحديث: ما ذكره الطحاويّ في " شرح الاَثار " أن ورود الحديث كان قبل نَهيه- ﵇ عن الصلاة في الأوقات المكروهة. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الأعرج، وغيره، عن أبي هريرة- ﵁.

стр. 824

٣٩٧- ص- ثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دَخلنَا على أنسِ بن مَالك بعدَ الظهرِ، فقامَ يُصلِّي العَصرَ، فلما فَرغَ من صلاته ذكرنا تَعجيلَ الصَلاة أو ذَكَرَها فقال: سمعتُ رسولَ الله. ﷺ يقولُ: " تلك ًصلاةُ المُنَافقينَ، تلكً صلاةُ المنافقينَ، تلك صلاةُ المنافقين، يَجلِسُ أحَدهم حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قَرنَي الشيطانِ، أو على قَرني الشيطانِ قَامَ (١) فنقَرَ أربَعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً " (٢) . ش- العلاء بن عبد الرحمن الحرقي الجُهني مولاهم، قد ذكرناه. قوله: " بعد الظهر " أي: دخلنا على أنسٍ في داره بعد صلاة الظهر، وكانت داره بجنب المسجد. قوله: " تلك صلاة المنافقين " إشارة إلى صلاة العَصر التي تُصلَّى (٣) في اصفرار الشمس، وتؤخر هذا التأخير بلا عذر؛ وإنما كررها ثلاث مرات ليكون أبلغ في ذم تأخيره بلا عذر. قوله: " يجلس لما إلى آخره بيان لهيئة هذه الصلاة التي وقع فيها وفي صاحبها الذمّ. قوله: " فكانت " أي: الشمس " بين قرني الشيطان " " (٤) اختلفوا فيه على وجوه؛ فقيل: معناه: مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للغروب على معنى ما روي " أن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها " فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك، وقيل: قرنُه: قوته، من قولك: أنا مُقرِن لهذا الأمر أي: مطيق له، قوي

стр. 825

عليه؛ وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمرُه في هذه الأوقات؛ لأنه يُسول لعبَدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة. وقيل: قرنه: حزبه وأصحابُه الذين يعبدون الشمس، يُقال: هؤلاء قرن أي: نَشؤٌ جاءوا بعد قرن مَضى. وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه؛ وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتَسويفِه وتَزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها/بقرونها، فكأنهم لما دافعوها وأخّروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس: صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتَدفعه بأرواقها. وفيه وجه آخر: وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصبُ دونها، حتى يكون طلوعها بين قرنَيه- وهما جانبا رأسه- فينقلب سجود الكفار للشمس عبادةَ له. وقرنا الرأس فَودَاهُ وجانباه، ومنه سمّي ذو القرنَينِ؛ وذلك لأنه ضُرب على جانبي رأسه فلُقّب به والله أعلم (١) . قلت: يمكن [حمل] الكلام على حقيقته، ويكون المراد: أنه يُحاذيها بقَرنَيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنَها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخيّل لنفسه وأعوانه أنما يَسجدون له، فيكون له ولشيعته تَسلطٌ. قوله: " فنقَرَ أربعا " أي: أَربع ركعات، ونقَر من نقر الديك أو الغراب، وهو كناية عن تخفيفها جدا بحيث لا يمكثُ فيها إلا قدر وضع الديك أو الغراب منقاره فيما يُريد أكله. قوله: " لا يذكر الله فيها إلا قليلا " صفة لقوله: " أربعَا "؛ وذلك لاستعجاله فيها خوفا من غروب الشمس، لا يقدر أن يأتي بالقراءة كما ينبغي، ولا بالتسبيحات والأدعية على صفتها، وانتصابُ " قليلاَ " على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير: لا يَذكر الله فيها إلا ذكرا قليلا. وفيه - أيضا- ذم صريح لمن يخفّف في الصلاة غايةَ بحيث أنه يؤدي إلى ترك الواجبات. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي.

стр. 826

٣٩٨- ص- ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " الذي تفوتُه صَلاةُ العَصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومَالَهُ " (١) . ش- " الذي " مبتدأ وخبره: " فكأنما "، وقد عرف أن المبتدأ إذا تضمن معنى الشرط يدخل في خبره الفاء، نحو: الذي يأتيني فله درهم؛ وذلك إنما يكون إذا كان المبتدأ مَوصولا، صلته فعل مثل هذا، أو ظرف نحو (وَما بكُم مَن نِّعمَة فَمِنَ اللهِ) (٢) أو كان المبتدأ نكرة موصوفة بأحدهما كقوَلك: كل رجًل يأتيني أو في الدار فله درهم؛ وإنما تدخل الفاء لما فيه من القصد إلى أن الأول سبب للثاني فيكون كالشَّرط. قوله: " أهلَه ومالَه " " (٣) مَنصوبان، هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور على أنه مفعول ثان لِـ " وُتِرَ "، فا " ضمر فيه مفعول ما لم يسمّ فاعله عائدا إلى الذي فاتته الصلاة، ويجوز أن يكونا مَنصوبَين بنزع الخافض؛ والمعنى: فكأنما وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصَبَ، والمعنى: نقص هو أهلَه ومالَه وسُلِبَهم، فبقي وترا فردًا بلا أهل ومال، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله، وماله. وأما وجه رفعهما: فعلى ما لم يُسم فاعله، ولا يكون حينئذ في " وُتر " إضمارٌ، بل يكون مُسندا إلى الأهل، والمال يكون معطوفا عليه، والمعنى: فكأنما انتُزِعَ منه أهلُه ومالُه. وهذا تفسير مالك بن أنس. وقال أبو عمر بن عبد البر: معناه عند أهل اللغة والفقه: أنه كالذي يُصاب بأهله وماله إصابةَ يطلب بها وِتراً، والوِتر: الجنايةُ التي يُطلب ثأرها، فيجتمعَ عليه غَمان: غم المصيبة، وغمّ مقاساة طلب الثأر. وقال الداودي من المالكية:

стр. 827

معناه: يتوجّه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندمُ والأسَف لتفويته الصلاة. وقيل: مَعناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه كما يلحق من ذهب أهله وماله ". والحديث أخرجه البخاريّ، ومسلمٌ ٠ ص- قال أبو داود: وقال عُبيد الله بن عُمر: أُتِرَ ش- عُبيد الله بن عُمر القواريري أحدُ شيوخ أبي داود، والبخاريّ، ومُسلم. وقال: " أُتر " موضع " وتر لما، " الهمزة " فيه بدلٌ من " الواو "، كما في " اقًّتت " أصله: " وُقِّتت "، و " أحِّد " أصله: " وَحّد "، وأمثاله كثيرةٌ، وكلاهما مجهول من وَتره يَتِرُه وَترًا ووترا وِتِرهً، وكذلك: وَترَه حَقّه أي: نقصَه، وقوله تعالى: (لَن يتركُم أَعمَالَكُم) (١) أي: لن ينتقصكم في أعمالكم، كما تقول: دخَلت البيتَ وأنتَ تريدُ: دخلتُ في البَيت، وبابُه من ضرب يضرب، واصل: يَتِر: يَوتِر؛ حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ومَصدره: فَعل بالفتح وفعِل بالكَسر، وفعلة/كما ذكرنا وتِرةٌ أصله: وترٌ، حذفت الواو تبعاًَ لفِعلة، وعُوِّضتَ عَنها الهاءُ في آخرها، فصار تِرةٌ كما في عِدة. ص- واختلف على أيّوب (٢) . ش- أي: اختلف على أيوب السختياني في روايته: هل كان " وُتر " بالواو أو " أُتِر " بالهمزة؟ ٠ ص- وقال الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي- ﵇ قال: " وُتِر ". ش- أي: قال محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب- رصي الله عنهم-، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال: " وُتِر " بالواو؛ وأصحّ الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه.

стр. 828

٣٩٩- ص- نا محمود بن خالد: نا الوليد قال: قال أبو عَمرو- يعني: الأوزاعيّ: وذلك أن تَرى ما على الأرضِ من الشمسِ صَفراءَ (١) . ش- محمود بن خالد: السلمي الدمشقي. والوليد: ابن مُسلم، أبو العباس الدمشقي. قوله: " ودلك " إشارة إلى الفوات الذي يَدلُّ عليه قوله: " تفوته ". وقد اختلف العلماء في الفوات؛ " (٢) فقال عبد الرحمن الأوزاعي: أن يؤخرها إلى أن ترى ما على الأرض من الشمس صَفراء؛ والمعنى: إلى أن تَصفر الشمسُ. وقال ابن وهب: هو فمِمَن لم يُصلها في وقتها المختار. وقال سحنون: هو أن تفوته بغُروب الشمس. فقيل: ناسيًا. روي ذلك عن سالم، وقيل: عامدا؛ وهو قول الداودي، والأظهر: أن هذا فيمَن تَفُوته بخروج الوقت عامدًا. ويؤيده: ما رواه البخاريّ في " صحيحه ": " مَن ترك صلاة العَصر حبط عملُه "، وهذا إنما يكون في العامد ". فإن قيل: ما الحكمة في تخصيصه- علمِه السلام- العَصر بقوله: " الذي تفوته صلاة العَصرِ "؟ قلت: يحتملُ وجوها؛ الأول: أن يكون جوابَا لسائل (٣) سأل عن ذلك، الثاني: أنه تأكيدٌ وحَض على المثابرة عليها؛ لأنها تأني في وقت اشتغال الناس، والثالثُ: لأنها على الصحيح: الصلاة الوسطى، وبها تختم الصلوات، والرابع: أنها مَشهودة، والخامس: أنها صلاة لا يُتنفّلُ بعدها، فإذا فاته العصر فاته فضل الوقت. فإن قلت: الصُّبح- أيضا- كذلك، وهي مشهودة- أيضا- قلت: وقد أوصى بالصُّبح في الكتاب كما أوصى بها في السُّنَّة، فافهم. وأما كونها مشهودة: فالكتاب عرّف قدرها كما عرفت السُّنَة قدر العصر.

стр. 829

وأما تأويل ما رواه البخاري " من فاته " فوات مضيع متهاون بفضل وقتها مع قدرته على أدائها، فحبط عمله في الصلاة خاصة أي: لا يحصل له أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة. كذا قاله المهلب. وقال غيرُه: تركها جاحدَا، فإذا فعل ذلك فقد كفر وحبط عمله. قلت: هذا يُقال في سائر الصلوات، ويقال هذا على وجه التغليظ. ويُقال: معناه: كاد أن يُحبط، ويُقال: يوقف عنه عملهُ مُدة يكون فيها بمنزلة المحبط حتى يأتيه من فَضل الله ما يدرك به ثواب عمله. ٥- بَاب: فِي وَقتِ المَغرب أي: هذا باب في بيان وَقت المغرب. ٤٠٠- ص- نا داود بن شبيب: نا حماد، عن ثابت البنانِي، عن أنس بن مالك قال: كُنَا نُصَلِّي المغربَ مع النبيِّ- ﵇ ثم نرمي فيَرى احدنُا مَوضعَ نَبلِهِ (١) . ش- داود بن شبيب: البصري، وحماد: ابن سلمة. قوله: " ثم نَرمي " أي: نَرمي النبل؛ والنبلُ: السهامُ العربية، ولا واحد لها من لفظها، فلا يُقال: نَبلة، وإنما يُقال: سهم ونشابة؛ والمعنى: أنا نبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف، ويَرمي أحدُنا النبل عن قوسه ويُبصر موقعه لبقاء الضوء. وفي هذا الحديث والأحاديث التي بَعدها أن المغرب يُعجل عقيب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له. فإن قيل: ما تقولُ في الأحاديث التي وردت في تأخير المغرب إلى

стр. 830

قريب سقوط الشفق؟ قلت: تلك لبيان جواز التأخير، وهذه لبيان الأوقات التي كان- ﵇ يُواظب عليها، لأجل فضيلتها إلا لعُذرٍ، فافهم. وأخرج البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه نحوه من حديث /رافع بن خديج، عن رسول الله- ﵇ وأخرج النسائي نحوه من رواية رجل من أَسلم من أصحاب النبي- ﵇، عن النبي ﵇. ٤٠١- ص- نا عَمرو بن علي، عن صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سَلَمةَ بنِ الأكوع قال: كان النبيُّ- ﵇ يُصلِّي المغربَ ساعةَ تَغربُ الشمسُ إذا غَابَ حاجِبُها (١) . ش- عَمرو بن علي: الصَّيرفي الباهلي البصري، وصفوان بن عيسى: القرشي البصري. ويزيد بن أبي عُبيد: الأَسلمي مولى سلمة بن الأكوع. روى عن: سلمة بن الأكوع، وعمير مولى آبي اللحم. روى عنه: يحيى القطان، وحفص بن غياث، وصفوان بن عيسى، وجماعة آخرون. مات سنة سبع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (٢) . وسلمة بن عَمرو بن الأكوع- واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قُشَير الأسلمي، أبو مُسلم أو أبو عامر، شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسول الله يومئذ ثلاث مرار؛ في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. رُوِيَ له عن رسول الله- ﵇ سَبعةٌ وسَبعون حدينا؛ اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بسَبعة. روى عنه:

стр. 831

ابنه: إياس، ومولاه: يزيد بن أبي عبيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وجماعة آخرون. مات بالمدينة سنة أربع وسَبعين، وهو ابن ثمانين سنةَ، وكان يسكن الرَبذَة، وكان شجاعا راميَا محسناً خيِّرا. وقيل: إنه شهد غزوة مؤتة. روى له الجماعة (١) . قوله: " ساعة " نصب على الظرفية ومضاف إلى الجملة. قوله: " إذا غاب حاجبُها " بدل من قوله: " ساعة تغرب الشمس "؛ وحاجب الشمس: حرفها الأعلى من قُرصها وحواجبها: نواحيها. وقيل: سمّي بذلك لأنه أول ما يَبدو منها كحاجب الإنسان، وعلى هذا يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادي أولا، ولا يسمّى جميع نواحيها حواجب. وأخرجه: البخاريّ، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه بنحوه. ٤٠٢- ص- نا عُبيد الله بن عُمر: نا يَزيد بن زُرَيع: نا محمد بن إسحاق: نا يَزيد بنُ أبي حبيب، عن مَرثد بن عبد الله قال: قَدِمَ (٢) علينا أبو أيوبَ غَازيًا وعقبةُ بنُ عامر يومئذ على مصرَ، فأخَّرَ المغربَ، فقامَ إليه أبو أيوبَ فقال له: مَا هذه الصًلاةُ يا عقبة؟! فقال له: شغِلنَا، قال: أما سمعت رسولَ الله- ﵇ يَقولُ: " لا تَزالُ (٣) أُمَّتي بخَيرٍ " أو قال: " على الفِطرَةِ، مَا لم يؤَخِّرُوا المغربَ إلى أن تَشتبكَ النُّجومُ " (٤) ؟. ش- عبيد الله بن عُمر: القواريري، ويزيد بن زُريع: البصري، ومحمد بن إسحاق: ابن يَسَار صاحب المغازي. ويزيد بن أبي حبيب- واسم أبي حبيب: سويد المصري. ومَرثد بن عبد الله- بفتحٍ الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة- أبو الخير اليَزَني المصري، ويزن بطن من حمير. روى عن: سعيد بن زيد

стр. 832

ابن عمرو بن نفيل، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعمرو بن العاص، وابنه: عبد الله بن عَمرو، وزيد بن ثابت، وأبي نضرة الغفاري، وغيرهم. روى عنه: عبد الرحمن بن شمّاسة، ويزيد بن أبي حبيب،. وجعفر بن ربيعة، وغيرهم. قال أبو سَعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مَروان يُحضِره فيُجلسه للفُتيا. توفي سنة تسعين. روى له الجماعة (١) . وأبو أيوب: خالد بن زيد الأنصاري، مُضيِّف رسول الله. وَعُقبة بن عامرٍ الجُهني. قوله: " يومئذ " أي: يوم قدِم أبو أيوب مصر، وكان عقبة والياً على مصر من قِبل معاوية، سنة أربع وأربعين. قوله: " أو قال: على الفطرة " شكّ من الراوي؛ وكذا في رواية ابن ماجه؛ رواها عن عباد بنَ العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قَيس، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسولُ الله- ﵇: " لا تزال أمّتي على الفِطرة ما لم يؤخروا المَغرب حتى تشتبك (٢) النجوم (٣) ". والمرادُ من الفطرة: السُّنَّة؛ كما في قوله- ﵇: " عشر من الفطرة ". قوله: " إلى أن تَشتبك النجُوم " أن: مَصدرية، والتقدير: إلى اشتباك النجوم. قال ابن الأثير (٤) : " اشتبكت النجوم أي: ظهرت جميعها واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها ". وجه التمسك بالحديث: أن التأخير لما كان سببًا لزوال الخير كان التعجيل سببًا لاستجلابِه. وقال الشيخ زكي الدين: في إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الكلام عليه.

стр. 833

قلتُ: كأنه أشار بهذا إلى ضعف الحديث؛ ولكن ليسَ الأمر كما زعمه؛ أما أولا: فلأن/محمد بن إسحاق مُوثق عند الجمهور، وأما ثانيا: فإن الحاكم رواه في " مُستدركه (١) " وقال: صحيح على شرط مُسلم. *** ٦- بَابُ: وَقتِ عشاءِ الآخرة أي: هذا باب في بيان وقت عشاء الأخرة، وفي بَعض النسخ: " باب ما جاء في وقت عشاء الآخرة " بالإضافة، وفي بعضها: " العشاء الآخرة " بالصفة؛ وبالإضافة أصحّ. ٤٠٣- ص- ثنا مُسدّد: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن بَشير بن ثابت، عن حبيب بن سالمٍ، عن النعمان بن بَشير قال: " أنا أعلمُ الناسِ بوقت هذه الصلاة: صلاة العشاء الآخرة، كان رسولُ الله ﷺ يُصَفَيها لسُقُوطِ اَلقَمرِ لِثالثة " (٢) .ًً شً- أبو عوانة: الوَضَّاحُ، وأبُو بشر هو: جَعفر بن أبي وَحشية الواسِطيُّ. وبَشِير- بفتح الباء- بن ثابت: الأنصاري. روى عن: حبيب ابن سالم. روى عنه: شعبة وغيره. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٣) . وحبِيب بن سالم: الأنصاري مولى النعمان بن بَشير. روى عن: النعمان. روى عنه: محمد بن المُنتشر، وإبراهيم بن مهاجر، وأبو بشر

стр. 834

جَعفر بن أبي وحشيّة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: فيه نطر. روى له: الجماعة إلا البخاريُّ (١) . والنعمان بن بَشير بن سَعد بن ثعلبة بن جُلاس- بالجيم المضمومة- أبو عبد الله، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي- عليه السلام-؛ ولد هو وعبد الله بن الزبير عام اثنتين من الهجرة. رُوِيَ له عن رسول الله مائة حديث وأربعة عشر حديثا. روى عنه ابنه: محمد بن النعمان، والشعبي، وحبيب بن سالم مولاه، وعروة بن الزبير، وغيرهم، وكل غيلةً ما بَين حمص وسلميّة في أول سنة أربع وستين. وقال في " الكمال ": قتل بقرية من قرى حمص يقال لها: حرب بنفسا (٢) . روى له الجماعة (٣) . قوله: " صلاة العشاء الآخرة " بدل من قوله: " الصلاة " في قوله: " بوقت هذه الصلاة ". قوله: " لسُقُوط القمر لثالثة " اللام في الوضعين للتوقيت أي: لوقت سقوط القمر للَيلة ثالثة من الشهر؛ كما في قوله تعالى: (أقم الصَّلاَةَ لدُلُوك الشمس) (٤) أي: لوقت دلوكها، وسقوط القمرَ: وقوعُه لَلغروبَ: ويغربُ القمر في الليلة الثالثة من الشهر على مُصي ثِنتين وعشرين درجةً منِ غروب الشمس. وقال أبو بكر: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير قال: أنا من أعلم الناس، أو كأعلم الناس بوقت صلاة رسول الله العِشاء، كان يُصلِيها بعد سقوط القمر ليلة الثانية من أول الشهرِ. انتهى. ويَغربُ القمرُ في الليلة الثانية من الشهرِ على مُضي ست (٥) عشرة درجةَ من غروب الشمس ... (٦) . والحديث: أخرجه الَترمذي، والنسائيّ.

стр. 835

٤٠٤- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن منصور، عن (١) الحكم، عن نافع، عن عبد الله بن عُمر قال: مَكَثنَا ذاتَ ليلة نَنتظرُ رسولَ اللهِ ﷺ لصلاة العشاء، فخرجَ إلينا حينَ ذَهبَ ثُلُثُ الليلِ، أو بعًدَه، فلا نَدرِي: أشيء شَغًلَهُ أَم غيَرُ ذلك؟ فقال حينَ خرجَ: " أتنتظِرونَ هذه الصلاةَ؟ لولا أن يَثقُلَ (٢) على أمَّتِي لصلَّيتُ بهم هذه الساعة " ثم أمر المؤذنَ فأقامَ الصلاة " (٣) . شِ- جرير: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر، والحكم: ابن عتيبة. قوله: " ذات ليلة " قد مر الكلام فيه غير مرة. قوله: " لصلاة العشاء " أي: لأجل صلاة العشاء. قوله: " أو بعده " أي: أو بعد الثلث. قوله: " أشيءٌ شغله " أي: منعه عن الخروج في أول وقتها. قوله: " هذه الساعةَ " إشارة إلى الساعة التي تلي الثلث الأول من الليل، وبهذا استدل أصحابنا في فضل التأخير؛ وهو حجّة على مَن فضل التقديم، وذلك لأنه نبه على تفضيل التأخير بقوله: " لولا أن يَثقل " وصرّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، وأنه- ﵇ خشي أن يُواظب عليه فيفرض عليهم، أو يتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح/وعلل تركها بخشية افتراضها والعجز عنها. وقال الخطابيّ وغيره: إنما استحب تأخيرها لتطول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاةٍ. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. ٤٠٥- ص- نا عمرو بن عثمان الحمصي، [عن أبيه] ، نا حَريز، عن راشد بن سَعد، عن عاصم بن حُمَيدَ السَّكوني، أنه سمع معاذَ بن جبل

стр. 836

يَقول: بَقَينَا (١) النبيَ- ﵇ في صَلاة العَتمة، فتأخرَ (٢) حتى ظَنَّ الظانُ أنه ليسَ بخارج والقائلُ منا يقولُ: صلى، فإنا لكَذلك حتى خَرَج النبيُّ ﵇ فقالوا له كما قالوا، فقال (٣) : " أَعتمُوا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد فُضَلتُم بها على سائر الأمم، ولم يُصَلِّهَا (٤) أمة قبلَكم " (٥) . ش- عَمرو بن عثمان القرشي الحمصي. وحَريز: ابن عثمان الحِمصي الشامي أبو عون، وراشد بن سَعد: المقرائي. وعاصم بن حُمَيد السكوني- بفتح السين- الحمصي، شهد خطبة عمر بالجابية. وروى عن: عمر. وسمع: معاذ بن جبل، وعوف بن مالك الأشجعي، وأزهر بن سَعد وغيرهم. روى عنه: راشد بن سَعد، وغيره. وقال الدارقطني: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٦) . قوله: " بَقَينا النبي- ﵇ " - بفتح القاف- أي: انتظرناه؛ يقال: بقَيت الرجل أبقيه إذا انتظرتَه؛ قال كثير. فما زلتُ أَبقي الظُعنَ حتى كأنها ... أُواقِي سُديً يَغتالُهنّ الحوائلُ قوله: " في صلاة العتمة " أي: صلاة العشاء الآخرة؛ وإنما قال " العتمة " لأن العرب يُطلقون العشاء على المغرب، ولو قال في صلاة العشاء رُبما توهم أن المراد المغرب. قوله: " فإنا لكذلك " اللام المفتوحة فيه للتأكيد أي: فإنا على هذه الحالة حتى خرج علينا النبي- ﵇. قوله: " أعتموا بهذه الصلاة " أي: أخروا هذه الصلاة- أي: العشاء الآخرة.

стр. 837

قوله: " فإنكم " " الفاء " فيه للتعليل. قوله: " بها " أي: بصلاة العتمة. فإن قيل: كيف يكون تفضيلهم بهذه الصلاة على سائر الأمم علةَ للإعتام؟ قلتُ: لأن سائر الأمم لم يُعتموا؛ لأن قوله: " ولم يُصَفها أمة قبلكم " يحتملُ مَعنيين؛ الأول: أنهم لم يُصلوا العتمة أصلا؛ وهو الظاهر، والثاني: أنهم لم يُعتموا بها وإن كانوا صلوها، فيكون تفضيل هذه الأمة على غيرهم، إما بمعنى أن غيرهم لم يُصلوها أصلا، أو بمعنى أنهم أعتموا وغيرهم لم يُعتموا؛ والقَرينة تُرجح المعنى الثاني،. وأن تَفضِيلهم على غيرهم بالإعتامَ، وأن الإعتامَ أفضلُ من التقديم. فإن قيل: قد نهى عن إطلاق اسم العتمة على العشاء، كما في " صحيح مسلم ": " لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء؛ فإنها في كتاب الله: العشاء؛ وإنها تعتم بحلاب الإبل " معناه: أن الأعراب يسمونها العتمة؛ لكونهم يعتمون بحلاب الإبل. أي: يؤخرونه إلى شدة الظلام؛ وإنما اسمُها في كتاب الله: العشاء، في قوله تعالى: (وَمن بَعد صَلاة العشَاء) (١) . فينبغي لكم أن تسموها العشاء. قلت: قَد جاءَ في الَأحاَديثَ الصحيحة تمسيتها بالعتمة؛ كحديث: " لو يَعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوها ولو حَبوا " وغير ذلك. وأما النهي: فهو للتنزيه؛ لا للتحريم، ويمكن أن يكون استعمالها - أيضا- لمن لا يَعرف العشاء، فيُخاطب بما يعرفه، أو لأنها أشهر عند العرب من العشاء. ٤٠٦- ص- نا مسدد: نا بشرُ بن المُفضّل: ثنا داود بن أبي هند، عن أبي نَضرة، عن أبي سَعيد الخدَريّ قال: صَلَّينَا مع رسول الله صَلاةَ العَتمَة فلم يخرج حتى مَضى نحوٌ من شَطر الليلِ فقال: " خُذُوا مَقاعَدَكُم " فأخذناَ مَقَاعِدَنَا، فقال: " إن الناس قد صلُوا وأخذُوا مضاجِعَهُم، وإَنكم لن تَزَالُوا

стр. 838

في صَلاة ما انتظرتُمُ الصلاةَ، ولولا ضُعفُ الضَّعيفِ، وسِقَمُ السَّقِيم لأخرتُ هًذه الصلاةَ إلى شَطرِ الليلِ " (١) . ش- أبو نَضرة: منذرُ بن مالك العَوَقي- بفتح العين وفتح الواو وبالقاف- العبدي البصري. قوله: " فلم يخرج " أي: لم يخرج لصلاة العتمة حتى مَضى نحو من شطر الليل؛ يَدُل عليه ما روى ابن ماجه هذا الحديث من رواية داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي- ﵇ صلى المغربَ ثم لم يخرج حتى ذهبَ شَطرُ الليل، ثم خرج فصلى بهم/وقال: " لولا الضَعيفُ والسقيمُ لأحبَبتُ أن أُؤخر هذه الصلاة إلى شَطر الليل " قوله: " حتى مضى نحوٌ " أي: مثل " من شطر الليل " أي: نصفه وارتفاعه على أنه فاعل مضى. قوله: " مقاعدكم " المقاعد: مواضع قعود الناس في دورهم وغَيرها. والمضاجع: جمع مضجع، وهو موضع النوم. قوله: " إن الناس قد صلُّوا " المراد منهم: المسلمون الذين لم يحضروا صلاة العتمة في هذه الليلة مع النبي- ﵇، فلهذا خاطب الحاضرين بقوله: " إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة " أي: مادُمتم منتظرين الصلاة. قوله: " ولولا ضُعف الضعيف وسقم السقيم " أي: لولا الضعف والسقم مَوجودان بَين الناس لأخرتُ هذه الصلاة- أي: صلاة العتمة- إلى نصف الليل كل وَقت؛ ولكن تركه لوجود الضعف والسقم؛ لأن " لولا " لانتفاء الثاني لوجود الأول؛ نحو: لولا زيد لهلك عَمرو؛ فإن هلاك عَمرو مُنتفٍ لوجود زَيد، وأما " لو " فإنه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول؛ نحو: لو جئتني لأكرمتًك؛ فإن الإكرام منتفٍ لانتفاء المجيء.

стр. 839

فإن قيل: ما الفرق بَين الضُّعف والسقم، فهل هما واحد؟ فما كانت الحاجة إلى ذكرهما معا؟ قَلت: الضُّعف والضَّعف- بالضم والفتح- خلاف القوة، وقد ضَعُف- بالضمّ- فهو ضَعيف، والسقم- بالضم- والسَّقَم- بفتحتين: المرض، وكذلك السَقَامُ، وقد سَقِمَ- بالكسر- فهو سقيمٌ، فالضعيف أعم من السقيم؛ يتناول مَن به سَقمٌ ويَتناول مَن ذهبت قوته كالشيخ الهرِم، ويتناول كل عاجز عن الحضور سواء كان به سقم أولا؛ وإنما ذكر رسول الله كليهما ليتناول أنول الجنسَين، ويَعمّ أصنافهما، فافهم. وهذا الحديث- أيضا- حجة لأصحابنا على استحباب تأخير العشاء إلى ما قبل نصف الليل، والحديث الذي تقدم يدل على استحباب التأخير إلى الثلث؛ وكلاهما سواء؛ لأن قبل النصف في حكم الثلث. فإن قلت: ينبغي أن تكون سنيّة التأخير كسنية السواك؛ حيث قال ﵇: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرتُ العشاء إلى ثلث الليل " رواه الترمذي، والنسائي؛ وذلك لأن الأمر بالسواك وتأخير العشاء كلاهما مُنتفيان لوجود الشقة، ومع هذا السواك: سُنَّة وتأخير العشاء: مستحبّ. قلت: لم تثبت سنية السواك بعد هذا إلا بمواظبته- ﵇ ولولاها لقلنا باستحبابه - أيضا- ولم توجد المواظبة في تأخير العشاء، فلم تثبت السّنية، فبقي مُستحبا. وجوابٌ آخر: أنه قال في السواك: " لأمرتهم " وهو للوجوب؛ ولكن امتنع الوجوب لعارض المشقة، فيكون سُنَّة، وأما في التأخير فقد قال: " لأخرتُ " وفعله مُطلقا يدل على الاستحباب لا على الوجوب. *** ٧- بَاب: في وَقتِ الصُّبح أي: هذا باب في بيان وقت الصبح. ٤٠٧- ص- ثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرةَ

стр. 840

بنتِ عبد الرحمن، عن عائشة- ﵂، أنها قالت: إِن كان رسولُ الله ﷺ ليُصَلِّي الصُبحَ فيَنصرفُ النِّساءُ مُتلفِّعاتٌ بمُرُوطهنَّ ما يُعرفنَ من الغَلَسِ (١) . ش- " إن " مخففة عن مثقلة، أصلُه: إنّه كان رسول الله. أي: إن الشأن: كان رسول الله؛ وذلك لأجل التأكيد، وكذا اللام في قوله: " ليصلي الصبح " للتأكيد. قوله: " متلفعات " - بالعين المهملة بعد الفاء- أي: متجللات، واللفاع: ثوب يجلل به الجسد كله، كساءً كان أو غيره، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به يعني: تجلل جميع جسده. وروى " مُتلفّفات " - بفائين- والتلفّفُ قد يجيء بمعنى التلفع ٠ والمروط: جمع مِرط- بكسر الميم-، وهو كساء من صوف أو خزّ أو كتانٍ، وقد مر مرةً. قوله: " ما يُعرفن من الغلسِ " يَعصي: ما جُرفن أَنسَاءٌ هُن أم رجال؟ قاله الداودي. وقيل: ما يُعرف أعيانهن. وقال الشيخَ محيي الدين (٢) : " وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة في النهار- أيضا- لا تعرف عينها: فلا يبقى في الكلام فائدة ". قلت: هذا ليس بضعيف: لأنه ليس المراد من قوله: " ما يُعرف /أعيانهن " ما يُشَخّصنَ حقيقة التشخيص؛ بَل معناه ٠ ما يُعرفن أرجال أو صبيان أو نساء أو بنات؟ فهو- أيضا- قريب من قول الداودي، فافهم. و" الغلس " - بفتحتَين- بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح،

стр. 841

و " الغَبَس " قريب منه؛ إلا أنه دونه. وفيه حجة لمن رأى التغليسَ بالفجر؛ وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأخرجه ابن ماجه، وغيره من حديث عروة، عن عائشة- رضى الله عنها-. ٤٠٨- ص- ثنا إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله- ﵇: " أصبحُوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجُورِكُم " أو " أعظمُ للأَجرِ " (١) ش- إسحاق بن إسماعيل: الطالقاني، وسفيان: الثوري، ومحمد ابن عجلان. وعاصم بن عُمر " بن قتادة بن النعمان: ابن زيد بن عامر بن سواد بن كعب، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو، وهو النَّبيت (٢) بن مالك بن أوس الظَفَري الأوسي الأنصاري أبو عُمر، ويقالَ: أبو عَمرو المدني. سمع: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، ومحمود بن لبيد. وسمع: أباه، وغيرهم. روى عنه: ابنه: الفضل بن عاصم، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. توفي بالمدينة سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (٣) . ومحمود بن لبيد: ابن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأشهلي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ولد في حياة رسول الله،

стр. 842

ولم تصح له رواية ولا سماع من النبي- ﵇، وقد روى عن النبي أحاديث. وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين. قال ابن سَعد: وكان ثقة قليل الحديث. وقال الواقدي: مات محمود بن لبيد، وهو ابن تسع وتسعين. روى له: أبو داود، والنسائي (١) . ورافع بن خديج: ابن رافع بن عديّ بن يزيد بن جُشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أَوس الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله. ويقال: أبو رافع، شهد أحدا والخندق. رُوِيَ له عن رسول الله ثمانية وسبعون حديثًا؛ اتفقا على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه: عبد الله بن عُمر بن الخطاب، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس، وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة. روى له الجماعة (٢) . قوله: " أصبحوا بالصُّبح " أي: نوِّروا به. وبه استدل أصحابنا على أن الإسفار بالفجر أفضل، وبه قال سفيان الثوري وغيرُه. واعلم أن الإسفار " (٣) رُوي من حديث رافع بن خديج، ومن حديث محمود بن لبيد، ومن حديث بلال، ومن حديث أنس، ومن حديث قتادة بن النعمان، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حواء الأنصارية. أما حديث رافع بن خديج: فرواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله: " أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر "؛ الترمذي، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمر، والباقون: عن محمد بن

стр. 843

عجلان، عن عاصم به؛ قال الترمذي: حديث حسن صحيح؛ ولفظ أبي داود: " أصبحوا بالصُّبح " وفي رواية: " أصبحوا بالفجر "، قال ابن القطان في " كتابه ": طريقه طريق صحيح. وعاصم بن عمر: وثقه النسائي، وابن معين، وأبو زرعة وغيرهم، ولا أعرف أحدا ذكره في الضعفاء ولا ضعّفه. ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخامس والأربعين من القسم الأول؛ وفي لفظ له: " أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه أعظم للأجر " وفي لفظ له: " فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم "، وفي لفظ للطبراني: " فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر ". وأما حديث محمود بن لبيد: فرواه أحمد في " مسنده ": حدثنا إسحاق بن عيسى: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن النبي- ﵇ بنحوه؛ لم يذكر فيه رافع ابن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور- كما ذكرنا- فيحتمل أنه سمعه من رافع أولا فرواه عنه، ثم سمعه من النبي- ﵇ فرواه عنه؛ إلا أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيه ضعف. وأمما حديث بلال: فرواه البزار في " مسنده "/: حدثنا محمد بن عبد الرحيم: ثنا شبابة بن سوار: ثنا أيوب بن سيّار، عن ابن المنكدر عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال، عن النبي- ﵇ بنحوه ٠ قال البزار: وأيّوب بن سيّار ليس بالقوي، وفيه ضَعف. وأما حديث أنس: فرواه البزار- أيضا-: حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي: ثنا خالد بن مخلد: ثنا يزيد بن عبد الملك، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك مرفوعا نحوه؛ ولفظه: " أسفروا بصلاة الفجر؛ فإنه أعظم للأجر ". وأما حديث قتادة بن النعمان: فرواه الطبراني في " معجمه " والبزار في " مسنده " من حديث فليح بن سليمان: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعا نحوه.

стр. 844

وأما حديث ابن مسعود: فرواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا أحمد ابن أبي يحيى الحضرمي: ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي: ثنا المعلى بن عبد الرحمن: ثنا سفيان الثوري وشعبة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعا نحوه. وأما حديث أبي هريرة: فرواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء " من حديث سعيد بن أوس أبي زيد الأنصاري، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأما حديث حواء: فرواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا أحمد بن محمد الجُمحي: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني: ثنا هشام بن سَعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن بُجَيد الحارثي، عن جدته الأنصاريّة- وكانت من المبايعات- قالت: سمعتُ رسول الله يقولُ: " أسفِروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأَجر ". قال في " الإمام ": وإسحاق الحُنيني- بضم الحاء بعدها نون ثم ياء آخر الحروف، ثم نون-. قال البخاريّ: في حديثه نظر. وذكر له ابن عديّ أحاديث، ثم قال: وهو مع ضَعفه يكتب حديثه. وابن بُجَيد- بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها [ياء] آخر الحروف ساكنة- ذكره ابن حبان في " الثقات ". وجدّته: حواء بنت زيد ابن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن. وفيه آثار- أيضا- أخرج الطحاوي (١) ، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى الشمس، مخافة أن تكون قد طلعت. انتهى. وعن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا نصلي مع ابن مَسعود فكان يُسفِر بصلاة الصبح. رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٢) . وروى- أيضا- عن أبى أسامة، عن أبي روق، عن زياد بن المقطع. قال: رأيت الحسين بن

стр. 845

علي أسفر بالفجر جدا. وروى عن ابن فضيل، عن رضي بن أبي عقيل، عن أبيه قال: كان ربيع بن حنين يقول له- وكان مؤدبه-: يا أبا عقيل نَوَر نَور. وروى عن وكيع، عن عثمان بن أبي هند أن عمر بن عبد العزيز كان يُسفر بالفجر. وعن وكيع- أيضا-، عن سفيان، عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يسفرون بالفجر. وعن وكيع- أيضا-، عن سفيان، عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم أنه كان يُنور بالفجر. وعنه - أيضا-، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب محمد- ﵇ على شيء ما أجمعوا على التَنوير بالفجر. وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة غير ما ذكرنا. فإن قيل: قد تأول الإسفار في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار أن يُصبح الفجر ولا يُشك فيه، ولم يَروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة. قلت: هذا التأويل غير صحيح؛ فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار- كما ذكره أهل اللغة- وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير؛ وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة، وأيضا- فقوله: " أعظم للأجر " يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره، لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، وأيضا- يُبطل تأويلهم ذلك " (١) ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي في " مسَانيدهم " والطبراني في " معجمه "، قال الطيالسي: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال/الباقون: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكن: ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني: ثنا هرير بن عبد الرحمن ابن رافع بن خديج: سمِعتُ جذي: رافع بن خديج يقول: قال (٢) رسول الله ﷺ لبلال: " يا بلال! نور صلاة الصبح حتى يُبصر
следующие страницы →