أبي الوليد قال: سألتُ ابنَ عُمرَ عن الحَصَى الذي في المَسجد، فقال: مُطِرنَا
ذاتَ لَيلة، فأصبحت الأرضُ مُبتلَّةً، فَجعلَ الرجلُ يَجيءُ (١) بالحصى في
ثوبه، فيَبسُطُهُ تحتَه، فَلما قضَى رسولُ اللهِ الصلاةَ قال: " مَا أحسنَ هذا " (٢) .
ش- سهل بن تمام بن بَزيع: الطُّفاوي، أبو عَمرو. روى عن:
المبارك بن فَضالة، وقرة بن خالد، وأبيه: تمام، وعطية بن بهرام.
روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم. وسئل أبو زرعة عنه فقال: لم يكن
بكذاب، كان ربما وهم في الشيء، وسئل عنه أبو حاتم فقال: شيخ.
وروى عنه: أبو داود (٣) .
وعُمَر بن سُليم الباهلي: البصري. روى عن. أبي غالب، وعن
أبي الوليد، عن ابن عمر. روى عنه: سهل بن تمام، وعبد الوارث،
وابنه: عبد الصمد بنُ عبد الوارث وغيرهم. وقال أبو زرعة: صدوق.
روى له: أبو داود، وابن ماجة (٤) . وأبو الوليد: اسمه: عبد الله بن
الحارث البصري، نسيب محمد بن سيرين وختنه على أخته: وهو والد
يوسف بن عبد الله بن الحارث. روى عن: ابن عباس، وابن عُمر،
وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وعائشة. روى عنه: أيوب السختياني،
وعاصم الأحول، وخالد الحذاء وغيرهم: قال أبو زرعة: ثقة، وقال
أبو حاتم: يكتب حديثه. روى له الجماعة (٥) .
قوله: " عن الحَصَى " الحَصى جمع حَصَاةٍ.
قوله: " في المسجد " أي: في مسجد النبي- ﵇.
قوله: " فأصبحت الأرض " أي: صارت " مُبتلةً " مثل قولك: أصبح
زيد غنيا.
قوله: " فجعل الرجل يجيءُ " اعلم أن " جعل " من أفعال المقاربة؛
стр. 912
ومعناها: دنو الخبر على سبيل الأخذ والشروع فيه، فمعنى " جعل الرجل
يجيء ": شرع أو أخذَ.
قوله: " ما أحسن هذا " أي: صنيعكم هذا، وهو فعل التعجب، وهو
ما وضع لإنشاء التعجب؛ والتعجب: انفعال النفس بما خفي سببه؛ ولذا
لا يصح التعجب من الله تعالى (١) ؛ وله صيغتان: ما أفعله، وأفعِل به؛
مثل: ما أحسن زيدا، وأحسِن به، و " ما ": مبتدأ نكرة بمعنى: شيء
حَسَن زيدًا، فإنه وإن كان نكرةً فهو يَصلح للابتداء؛ لأنه في المعنى فاعل
وما بعده في موضع رفع بأنه خبر. وقال الأخفش: " ما " في الأصل
موصولة، والجملة بعده صلة له، والخبر محذوف، فأصله: الذي حَسَّنَ
زيدا شيءٌ. وقال الكوفيون: " ما " استفهامية في الأصل، وما بعده
الخبر، فأصله: أي شِيء حَسَّن زيدَا؟ وفهم من الحديث/أن سقف
المَسجد كان رقيقًا، فلذلك كان يكفُّ عند المطر، وأنه لم يكن فيه حُصرٌ،
وأن السجود على الأرض مستحب.
٤٤١- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا أبو معاوية ووكيع قالا: نا
الأعمش، عن أبي صالح قال: كان يُقال: إن الرجلَ إذا أخرجَ الحَصى من
المَسجد يُناشدُه (٢) .
ش- أبوَ معاوية: الضرير، وأبو صالح: ذكوان السمان.
قوله: " يناشده " أي: يَسأله بالله ويقسم عليه بالله أن لا يُخرجها؛ من
المسجد وأصله: رفع الصوت؛ ومنه: إنشاد الشعر؛ وهو رفع الصوت
به، ويقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله وبالله أي:
سألتك وأقسمت عليك، ونشدتُه نشدةً ونشدانا ومُناشدةً. وقال في
" الصحاح ": نشدتُ الضالة أنشدها أيَ: طلبتَها، وأنشدتها أي: عرفتها.
فإن قلت: ما الحكمة من مناشدة الحصى؟ قلت: لعلها مادامت في
المَسجد تُسجدُ عليها وتبعدُ عن القاذورات، فإذا خرجت منه تَبعدُ عن
стр. 913
هذا المعنى، وأما مناشدتها: فيجوز أن يكون بطريق الحقيقة؛ ولكن نحن
لا نكيفها، ويجوز أن. يكون مجازًا، تشبيهاً لها بمن يناشدُ صاحبه في أمر
عرض له.
٤٤٢- ص- نا محمد بن إسحاق أبو بكر: نا أبو بدر شجاع بن الوليد:
نا شريك: نا أبو حَصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة- قال أبو بدر:
أُرَاهُ قد رفعه إلى النبيَّ ﵇ قال: " إن الحصَى (١) لَتُنَاشدُ الذي
يُخرِجُهَا من المسجدِ " (٢) .
ش- محمد بن إسحاق: ابن جعفر، ويقال: ابن محمد الصاغاني،
خراساني سكن بغداد. روى عن: أبي عامر العقدي، وقراد أبي نوح،
والفضل بن دكين، وأبي بَدر شجاع بن الوليد وغيرهم. روى عنه
الجماعة إلا البخاريّ وغيرهم. قال الدارقطني: كان ثقةً. توفي سنة
سبعين ومائتين (٣) .
وأبو بدر شجاع بن الوليد: ابن قَيس السكوني الكوفي، سكن بغداد.
سمع: عطاء بن السائب، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة وغيرهم.
روى عنه: ابنه أبو همام الوليد بن شجاع، وأحمد بن حنبل، وابن
معين، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وعن ابن معين: إنه ثقة. وقال
أحمد بن عبد الله: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمتين، لا
يحتج بحديثه. مات ببغداد سنة أربع ومائتين (٤) .
وشريك: النخعي. وأبو حَصين- بفتح الحاء- اسمه: عثمان بن
عاصم بن حَصِين، ويقال: ابن عَاصم بن زيد بن كثير بن زيد بن مُرة
الأسدي الكوفي. سمع: ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن سمرة،
وأبا ريحانة شمعون. وروى عن: أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك،
стр. 914
وعمران بن الحصن، ومن التابعين: شريحا القاضي، والشعبي،
وأبا صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: سَعد بن طارق، وشعبة،
والثوري، وابن عيينة وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: هو ثقة.
توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " قال أبو بدر " أي: شجاع بن الوليد " أراه قد رفعه " أي:
أظنّ أن أبا هريرة قد رفع الحديث إلى النبي- ﵇ قال: " إن
الحصَى ٠.. " الحديث. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أسباط بن
محمد، عن ليث، عن حبيب، عن سعيد بن جبير قال: " الحصاة
تَسُب وتلعنُ من يُخرجها من المَسجد ".
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن مثنى بن سعيد، عن قتادة،
عن سليمان بن يَسار قال: " الحصاة إذا أخرجت من المسجد تصيح حتى
تُرَد إلى موضعها ". وعن ابن سيرين يقول لغلام له أو لخادمه: " إن
وجدت في خفي حصاة فَرُدها إلى المَسجد ".
***
١٥- بَاب: في كنسِ المسجدِ
أي: هذا باب في بيان كنس المسجد.
٤٤٣- ص- ثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز: أنا عبد المجيد بن
عبد العزيز بن أبي رَواد، عن ابن جريج، عن المُطلِب بن عبد الله بن حَنطب،
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " عُرِضت عَلَيَ أجورُ أُمَتِي حتى
القَذَاةُ يُخرِجُهَا الرجلُ من المسجد، وعُرِضَت عَلَيَ ذنوبُ أمتي، فلم أرَ ذَنبًا
أعظمَ من سُورة من القرآنِ أو آيةَ أوَتِيهَا رجلٌ ثم نَسِيَها " (٢) .
ش- عبدًا لوهاب بن عبدَ الحكم/ويُقال: ابن الحكم البغدادي،
стр. 915
صاحب أحمد بن حنبل وخاصّته. سمع: معاذ بن معاذ، ويزيد بن
هارون، وعبد المجيد بن عبد العزيز وغيرهم. روى عنه: ابنه: الحسن،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي الدنيا
وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وكذا قال الدارقطني. مات سنة إحدى
وخمسين ومائتين، ودفن بباب البَرَدان (١) .
وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد المكي، أصله مروزي، أبو عبد الحَميد
الأزدي مولاهم، واسم أبي رواد: مَيمون. روى عن: أبيه وعن:
مَعمر بن راشد، وابن جريج، واللَّيث بن سَعد. روى عنه: سريِج (٢)
ابن يونس، والشافعي، وموسى بن طارق وغيرهم. قال ابن معين:
هو ثقة، كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن
جريح، وكان يُعلن بالإرجاء٠ قال عبد الرحمن: سألت أبي عنه فقال:
ليس بالقويّ، يكتب حديثه. وقال الدارقطني: لا يحتج به. روى له
مسلم مقرونا بهشام بن سليمان المكي، غير محتج به. وروى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي (٣) .
وابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز القرشي.
والمطلب بن عبد الله بن حنطب: ابن الحارث بن عُبيد بن عمر بن
مخزوم أبو الحكم القرشي المخزومي المديني. روى عن: أبيه، وعُمر بن
الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأنس بن
مالك، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي رافع، وعائشة، وأم سلمة.
روى عنه: ابنه عبد العزيز، ومحمد بن عَبّاد، وابن جريج، والأوزاعي
وغيرهم. قال ابن سَعد: وكان كثير الحديث، ولا يحتج بحديثه؛ لأنه
يُرسل عن النبي- ﵇ كثيرا، وليس له لقي، وعامة أصحابه
يُدلِّسُون. وقال الدارقطني، وأبو زرعة: ثقة. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
стр. 916
قوله: " عُرِضت عليّ أجورُ أمتي " يجوزُ أن يكون ذلك العرض ليلة
المعراج، ويجوز أن يكون في وقت آخر؛ وعَرض الأجور كناية عن
إحاطة علمه بها، ويَجوز أن يكون على وَجه الحقيقة بأن عُرضت. في صُوَرِ
حِسَان، وعُرِضَت الذُّنوبُ في صُوَرٍ قباح، كما تُوزن الأَعمال يَوم القيامة
في صوَر حسان وقباح.
قوله: " حتى القذاةُ " بالرَّفع عَطفًا على " الأجور " مثل قولك: جاء
الحُجاجُ حتى المُشاةُ؛ القذاةُ واحدة القَذى؛ وهي ما يقعُ في العَين والماء
والشراب من تُراب أو تبن أو وَسَخ أو غير ذلك؛ وهذا خارج مخرج
المبالغة، لأنه إذا حصل الأجر لمن يُخرج القذاة من المسجد، فالذي يكنُسُه
ويُزيلُ ترابَه وغُباره، ويُنظفه عن الأقذار والأوساخ بالطريق الأولى أن
يحصل له أجُور كثيرة؛ ولهذا بَوب الشيخ بقوله: " بابٌ في كنس
المسجد " ثم. بَيّن فيه إزالة القذى، وبين أن فيها أجرًا، ففي الكنس الذي
هو أعلى من إزالة القذى أولى وأجدر أن يكون فيها أجرٌ بل أجور كثيرة.
قوله: " من سورة من القرآن أو آية " السورة: الطائفة من القرآن المعبّر
عنها بسورة كذا التي أقلها ثلاث آيات، وواوها لا (١) إما أن تكون
أصلا أو منقلبة عن همزة؛ فإن كان الأول فيكون منقولا من سُورة المدينة
- وهي حائطها- لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزةٌ على انفرادها
كالبلد المُسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد
كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإن كان الثاني فلأنها قطعة وطائفة من
القرآن كالسُّؤر التي هي البقية من الشيء والفَضلة. والآية في اللغة:
العلامة؛ والأصل: أوَيَة- بالتحريك- قلبت الواو ألفا لتحركها،
وانفتاح ما قبلها فصار: آية؛ والنسبة إليه: أوَوَي، وجَمعها: آيٌ وأيَايٌ
وآياتٌ. والآية: طائفة من القرآن؛ أقلها ستة أحرف.
قوله: " أوتيها " أي: أعطيها رجل أي: أعطاه اللهَّ إَياها.
стр. 917
قوله: " ثم نَسِيها " أي: تركها ولم يَعمل بما فيها.
فإن قيل: كيف يكون هذا أعظم الذنوب وقد ورد في " الصحيح ":
أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ثم ذكر
قتل الولد مخافة الفقر، ثم الزنا بحليلة الجار؟ قلت: هذا من الأمور
النسبية؛ فكل ذنب/فوقه ذنب وتحته ذنب؛ فهو بالنسبة إلى ما تحته
أعظم الذنوب؛ فالكفرُ أعظم الذنوب على الإطلاق؛ لأنه لا ذنب أعظم
منه، وما بعده أعظم بالنسبة إلى ما تحته؛ وهذا مثل ما يُقال: هذا صغيرة
وهذا كبيرة، وهذا أكبر الكبائر، كل ذلك أمُور نسبيّة، وكذلك يُقال في
فضائل الأعمال نحو هذا- وأيضًا- تختلف هذه الأشياء باختلاف
الأحوال والأشخاص والأزمان فافهم. والحديث: أخرجه الترمذي،
وقال: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال: وذاكرتُ
به محمدًا- يعني: البخاري- فلم يعرفه واستغربه؛ قال محمد: ولا
أعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب رسول الله- ﵇
إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي- ﵇، قال:
وسمعتُ عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نَعرف للمطلب سماعًا من
أحد من أصحاب رسول الله، قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن
يكونَ المطلب سمع من أنسِ ".
قلت: قد ذكر صاحب " الكمال " أنه روى عن أنس وغيره- كما
ذكرنا في ترجمته عن قريب-.
***
١٦- بَاب: اعتزالُ النَسَاءِ في المَسَاجد عَن الرجالِ
أي: هذا باب في بيان حكم اعتزال النساء في الدخول في المساجد
والخروج عنها، والصلاة فيها عن الرجال. وفي بعض النسخ: " باب ما
جاء في اعتزال النساء "؛ والأول أصحّ.
٤٤٤- ص- نا عبد الله بن عَمرو أبو مَعمر: نا عبد الوارث: نا أيوب،
стр. 918
عن نافع، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : " لو تَرَكنَا هذا البابَ
للنساء (١) "!
شَ- عبد الله بن عَمرو: ابن أبي الحجاج المنقري البَصري،
وعبد الوارث: ابن سَعيد بن ذكوان البصري، وأيوب: السختياني.
قوله: " لو تركنا هذا الباب " جواب " لو " محذوف تقديره: لو تركنا
هذا الباب للنساء لكان أولى أو حسنًا، ونحو ذلك. ويُفهم من هذا: أن
النساء إذا حضرن للجماعة مع الرجال ينبغي أن لا يختلطن بهم؛ فإن كان
ثمة باب مخصوص لهن يدخلن منه، ويخرجن منه، وإلا يحترزن عن
الاختلاط بهم ما أمكن.
ص- قال نافع: فلم يدخل منه ابنُ عُمرَ حتى ماتَ.
ش- أي: قال نافع مولى ابن عمر: فلم يدخل من هذا الباب الذي
أشار إليه النبي- ﵇ عبد الله بن عمر إلى أن مات رضي الله
عنه.
ص- قال غيرُ عبد الوارث: قال عُمر؛ وهو أصح.
ش- أي قال غيرُ عبد الوارث بن سعيد من الرواة: قال عُمر بن
الخطاب موضع ابن عمر، قال أبو داود: هو أصحّ من الأوّل، وبيّن
ذلك في بعض النسخ بقوله: نا أبو علي: نا أبو داود.
٤٤٥- ص- نا محمد بن قدامة بن أعين قال: نا إسماعيل، عن أيوب،
عن نافع قال: قال عمر بمعناه؛ وهو أصح (٢) .
قلت: ليس هذا بموجود في النسخ الصحيحة.
٤٤٦- ص- نا قتيبة: نا بكر- يعني: ابن مضر-، عن عمرو بن
الحارث، عن بُكير، عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يَنهى أن يُدخَل من
بالنساءِ (٢) .
стр. 919
ش- قتيبة: ابن سعيد، وبكر: ابن مُضر، أبو محمد المصري،
وعمرو بن الحارث: أبو أميّة الأنصاري المصري، وبكير: ابن عبد الله بن
الأشج.
قوله: " أن يُدخلَ " على صيغة المجهول.
قوله: " من باب النساء " أي: من الباب. المخصوص من أبواب المسجد
للنساء. ونافع عن عمر منقطعِ فافهم.:!
١٧- بَابٌ: فيمَا. يَقُولُ الرَّجُلُ عَندَ دُخُولِه المسجدَ
أي: هذا باب في بيان ما يقوله الرجل عند دخوله المسجد. وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء فيما يقول الرجل "، وفي بعضها: " باب ما
يقول ".
٤٤٧- ص- نا محمد بن عثمان الدمشقي: نا عبد العزيز- يعني:
الدراوردي-، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن
سُوَيد قال: سمعتُ أبا حُمَيد أو أبا أسيد الأنصاريَ يقول: قال رسولُ الله:
" إِذا دَخَلَ أحدُكُمُ المسجدَ فليُسَلِّم على النبيَ- ﵇ ثم ليقل: اللهَم
افتح لي أبواب رحمَتِكَ، فإذا خرجَ فليقل: اللهم إني أسألُكَ من فَضلِك " (١) .
ش- محمد بن عثمان التنوخي الدمشقي، أبو عبد الرحمن، ويقال:
أبو الجماهر، من أهل كفر سوسية. سمع: عبد العزيز الدراوردي،
ومروان بن معاوية، وسليمان بن بلال وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة،
وأبو حاتم، وأبو داود، وابن ماجه وغيرهم. وقال / أبو مسهر وعثمان
الدارمي: هو ثقة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٢) .
стр. 920
وعبد العزيز: ابن محمد الدراوردي المدني الجهني. وربيعة بن
أبي عبد الرحمن: الرأي المدني.
وعبد الملك بن سعيد بن سُوَيد: الأنصاري المدني. روى. عن: جابر
ابن عبد الله، وأبي حميد أو (١) أبي أسيد - وقال عبد الرحمن:
سمع من أبي حميد وأبي أُسَيد-. روى عنه: بكير بن عبد الله بن
الأشج، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعبد العزيز الدراوردي. روى
له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢)
وأبو حميد: اسمُه: المنذر- وقيل: عبد الرحمن- بن سَعد بن
المنذر. وفي " الكمال ": أبو حميد بن عمرو بن سَعد بن مالك بن خالد
ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، ويقال:
ابن عمرو بن سَعد بن المنذر بن مالك الساعدي اسمه: عبد الرحمن،
وقيل: المنذر الساعدي. رُوِيَ له عن رسول الله- ﵇ ستة
وعشرون حديثًا؛ اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وللبخاري حديث،
ولمسلم آخر. روى عنه: جابر بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعباس
ابن سهل، وعمرو بن سُليم، وعبد الملك بن سعيد وغيرهم. توفي في
آخر خلافة معاوية، معدود في أهل المدينة. روى له الجماعة (٣) .
وأبو أُسَيد- بضم الهمزة وفتح السين المهملة- اسمه: مالك بن ربيعة بن
البدن- بالباء الموحدة وفتح الدال المهملة وكسرها، ويقال: اليَدي- بفتح
الياء آخر الحروف وكسر الدال المهملة وبعدها ياء آخر الحروفَ- ابن
عمرو، ويقال: عامر بن عوف بن حارثة بن عمر [و] بن الخزرج
الأنصاري الساعدي، وقيل: اسمه: هلال؛ والأول أشهر وأكثر. شهد
بدرا. رُوِيَ له عن رسول الله- ﵇ ثمانية وعشرون حديثا؛
اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديثان ولمسلم آخرُ. روى عنه:
стр. 921
أنس بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابنه: المنذر بن أبي أسيد،
وعباس بن سهل، وعبد الملك بن سعيد. مات بعد ما ذهب بصره سنة
أربعين عام الجماعة، وهو ابن ثمان وسبعين. روى له الجماعة. وهو
آخر البَدريين وفاةً (١) .
قوله: " اللهم افتح لي أبواب رحمتك " أي: أنواع رحمتك. وقد
جاءت في هذا الباب أذكار كثيرة ومختصر مجموعها: أن تقول: " أعوذ
بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم،
باسم الله، والحمد الله، اللهم صل على محمد، وعلى اَل محمدٍ
وسلَم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك "، وفي الخروج
يقوله؛ لكن يقول: " اللهم إني أسألك من فضلك ". والحديث:
أخرجه مسلم، والنسائي؛ وأخرجه ابن ماجه عن أبي حُميد وَحده.
٤٤٨- ص- نا إسماعيل بن بشر بن منصور: نا عبد الرحمن بن مَهدي،
عن عبد الله بن المبارك، عن حَيوةَ بنِ شريح قال: لقيتُ عُقبةَ بن مُسلم فقلت
له: بَلغني أنك حُدِّثتَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيَ- عليه
السلام-، أنه كان إذا دَخلَ المسجدَ قال: " أعُوذُ بالله العَظيم، وبوجهِهِ
الكَرِيم، وسُلطانه القَديم من الشيطان الرجيم " قال: أَقطُ؟ قلتُ: نعَم،
قال: " فإذا قال فلَكَ، قال الشيطانُ: حفِظَ مِنّي سَائرَ اليوم " (٢) .
ش- إسماعيل بن بشر بن منصور: أبو بشر السليمي. روى عن:
عبد الرحمن بن مهدي، وعمر بن علي (٣) . روى عنه: أبو داود،
والنسائي، عن رجل، عنه، وابن ماجه (٤) .
وعبد الرحمن بن مَهدي: البصري اللؤلؤي.
وعُقبة بن مسلم: أبو محمد التُجِيبي المصري القاضي، إمام مسجد
стр. 922
الجامع العتيق بمصر. سمع: عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عُمر،
وعقبة بن عامر وغيرهم، ومن التابعين: أبا عبد الرحمن الحبلي، وسعد
ابن مَسعود التجيبي. روى عنه: حيوة بن شريح، وجعفر بن ربيعة،
وعبد الله بن لهيعة وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: مصري ثقة. توفي
قريبا من سنة عشرين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه (١) .
قوله: " أعُوذ بالله العظيم " أي: العظيم الشأن أو العظيم الصفات.
قوله: " وبوَجهه الكريم " أي: وبذاته الكريم (٢) ؛ لأن الوجه يذكر
ويراد به الذات؛ كما في قوله تعالى: (وَيَبقَى وَجهُ ربكَ) (٣) و (كُل
شَيء هَالكٌ إلا وَجهَهُ) (٤) ومعنى الكريم: الجواد المُعطي الذي لا ينفذ
عطاؤه؛ وهو الكريم المُطلق، والكريم الجامع لأنواع الخير والشرف
والفضائل؛ ومنه: " إن الكريم/ابن الكريم " الحديث لأنه اجتمع له
شرف النبوة والعلم والجمال والعفة، وكرم الأخلاق والعَدل، ورئاسة
الدنيا والدين، والكرم نقيض اللؤم، وقد كرُم الرجل- بالضم- فهو
كريم، وقوم كرام وكرماء، ونسوة كرماء، ويقال- أيضا- رجل كُرَ ثم
وامرأة ونسوة كَرَمٌ، والكُرام- بالضم- مثل الكريم، فإذا أفرط في
الكرم قيل: كُرام بالتَشديد.
قوله: " وسُلطانه القديم " أي: حجته القديمة، وبرهانه القديم، أو
قهره القديم؛ لأن السُلطان من السلاطَة؛ وهي القهر، والقديم من القِدمَ
- بكسر القاف وفتح الدال- وهو خلاف الحدوث.
قوله: " من الشيطان الرجيم " الشيطان فيعال من شطن أي بَعُد؛ قاله
البصريون. وقال الكوفيون: فعلان من شَاط يشيط أي: هلك، يدل
стр. 923
عليه أنه لا ينصرف، وهو المُبعّد من رحمة الله، المُهلك بعذابه. وقال ابن
عباس: الشيطان: كل متمرّد من الجن والإنس والدوابّ. والرجيم:
فعيل بمعنى مفعول أي: المرجوم بشُهب السماء واللَعن؛ والرَجم: القتل
بالحجارة، فسمّي كل طريد شتيم رجيما. وتضيف إلى هذا الدعاء ما
ذكرنا من قوله " بسم الله، والحَمد لله، واللهم صل على محمد " إلى
آخره، ومعنى قوله " باسم الله " أي: أدخل باسم الله؛ وكذا يقدر كل
فاعل يبتدئ بشيء بما يُناسب تلك الحالة. ومَعنى " اللهم صلّ على
محمدِ ": اللهُمّ عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء
شريعته، وفي الآخرة: بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته.
قوله: " قال: أقَطُ؟ " أي: قال حيوة بن شريح لعُقبة بن مُسلم: " أقَط "
أي: أحَسبُ، والهمزةُ فيه للاستفهام- وهو بفتح القاف وضم الطاء
المخففة، ويجوز التشديد فيه- أيضا- والمعنى: الذي ترويه هذا المقدار
أو أكثر من ذلك؟ والظاهر: أن المعنى: أهذا يكفيه " عن غيره من
الأذكار؟ أو هذا يكفيه من شر الشيطان؟ فلهذا قال: " قلت: نعَم "
وفاعل قلتُ هو: عقبة بن مسلم إن كان السائل هو حيوة بن شريح، أو
عبد الله بن عَمرو إن كان السائل هو عقبة بن مسلم؛ فعلى الوجه الثاني
يكون فاعل " قال: أقط " - أيضا- هو عقبة بن مسلم.
قوله: " قال: فإذا قال " فاعل " قال " الأوّل يجوز أن يكون " عقبة "،
ويجوز أن يكون " عبد الله بن عمرو " وفاعل " قال " الثاني هو الذي
يدخل المسجد؛ وذلك إشارة إلى الدعاء المذكور.
قوله: " سائر اليوم " أي: جميع اليوم؛ وهو نَصب على الظرفية.
١٨ - بَاب: الصَّلاة عندَ دُخُول المَسجد
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاَة عند دخول المسَجد. وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد (١) ".
стр. 924
٤٤٩- ص- نا القعنبي: نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن
عَمرو بن سُلَيم، عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا جَاءَ أحدُكُم
المسجدَ فليصَلِّ فيه (١) سَجدتينِ من قبلِ أن يَجلسَ " (٢) .
ش- القعنبي: عبد الله بن مسلمة، ومالك: ابن أنس.
وعامر بن عبد الله بن الزُبير: ابن العوام القرشي الأسديّ المدني
أبو الحارث، أخو عبّاد وحمزة وثابت وخبيب، وموسى، وعُمر.
سمع: أباه، وأنس بن مالك، وعمرو بن سليم. روى عنه: سعيد
المقبري، ويحيى الأنصاري، ومالك بن أنس وغيرهم. قال ابن معين،
وأبو حاتم: ثقة، مات قبل هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع
وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذي (٣) .
وعمرو بن سُليم: الزُّرقي الأنصاري الدني. وأبو قتادة: الحارث بن
ربعي السّلَمي.
وهذا الحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه. ولفظ غيره: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتن قبل
أن يجلس ". ورواه الدارقطني- أيضا- والطبراني. وفي " المصنف "
لأبي بكر زيادة من طريق حسنة: " أعطوا الساجد حقها " قيل: يا رسول
الله! وما حقها؟ قال: " ركعتين قبل أن يجلس ". وزاد أبو أحمد
стр. 925
الجرجاني: " وإذا دخل بَيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين؛ فإن الله
جاعل له من ركعتيه في بَيته خيرا ". وإسناده منكر؛ قال
البخاريّ: هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك- أيضا- أبن القطان.
ثم اعلم أن هذه سنة بإجماع المسلمين؛ إلا ما رُوِيَ عن داود وأصحابه
وجوبها/بظاهر (١) الأمر؛ وليس كذلك؛ لأن الأمر محمول على
الاستحباب والندب لقوله- ﵇ للذي سأله عن الصلوات:
هل علي غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطوع (٢) " وغير ذلك من
الأحاديث، ولو قلنا بوجوبهما لحرُم على المحدث الحدث الأصغر دخول
المسجد حتى يتوضأ؛ ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير
وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه سجودهما عند دخوله، ثم إنه يصليهما
إلا في وقت النهي عند أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول الأوزاعي،
واللَّيث، وحكي ذلك- أيضا- عن الشافعي، ومذهبه الصحيح: أنه
يصليهما في كل وقت؛ وهو قول أحمد، وإسحاق، والحسن،
ومكحول. وكذا لا يصلي عند أبي حنيفة إذا كان الإمام على المنبر؛ وهو
قول مالك، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، وقتادة،
والثوري. وقالت الشافعية: إن النهي إنما هو عما لا سبب لها؛ لأنه
﵇ صلى بعد العصر ركعتين قضاءَ سنة الظهر، فخص وقت
النهي، ولم يترك التحية في حال من الأحوالَ؛ بل أمر الذي دخل
المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين، مع إن
الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحيّة. والجواب عن ذلك: أن
حديث النهي؛ وهو حديث ابن عباس الذي أخرجه الأئمة الستة في كتبهم
عنه قال: " شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر: أن رسول الله
﵇ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن
الصلاة بَعد العصر حتى تغرب الشمس " خاص، وحديث: " إذا
стр. 926
دخل " عام بالنسبة إلى الأوقات؛ فيُخصّ بذاك الحديث؛ فإنه أخصّ من
عموم الأوقات، وهذه هي القاعدة فيما إذا تعارض نصان. والجواب عن
قولهم: " صلى بعد العصر ركعتين قضاء سُنَّة الظهر ": أنه- عليه
السلام- شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتَهما، وكان
إذا صلى صلاةً أثبتها- يعني: داوم عليها- مع أنه نهى غيره عنها، كما
أنه كان يُواصلُ وينهى عن الوصال، فافهم. والجواب عن أَمره للذي
دخل المسجد يوم الجمعة من وجهين؛ الأول: أن النبي- ﵇
أَنصت له حتى فرغ من صلاته؛ بدليل: ما رواه الدارقطني في " سننه " (١)
من حديث عبيد بن محمد العَبدي: ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة،
عن أنس قال: دخل رجل السجد ورسول الله يخطبُ فقال له النبي
﵇: " قم فاركع ركعتين " وأَمسك عن الخطبة حتى فرغ من
صلاته. انتهى ثم قال. أسنده عبيد بن محمد العبدي؛ ووهم فيه. ثم
أخرجه عن أحمد بن حنبل: ثنا معتمر، عن أبيه قال: جاء رجل والنبي
﵇ يخطب فقال: " يا فلان أصليت؟ " قال: لا، قال:
" قم فصَلّ " ثم انتظره حتى صلى. قال: وهذا المرسل هو الصواب. ثم
أخرجه عن أبي معشر، عن محمد بن قيس أن النبي- ﵇
قال (٢) لما أمره- يعني: سُلَيكًا- أن يصلي ركعتين وهو يخطب-:
أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته. انتهى قال:
وهذا مرسل، وبهذا السند: دواه ابن أبي شيبة في " مصنفه ".
الثاني: أن ذلك كان قبل شروعه- ﵇ في الخطبة؛ وقد
بوّب النسائي في " سننه الكبرى " على حديث سُليك تال: " باب الصلاة
قبل الخطبة " ثم أخرجه عن أبي الزُبَير، عن جابر قال: جاء سُليك
الغطفاني ورسول الله قاعد على المنبر فقعد سُليك قبل أن يصلى فقال له
﵇: " أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: " قم فاركعهما ".
стр. 927
فإن قيل: إذا تركهما الرجل هل يقضيهما؟ قلت: لا، حتى قال
الشافعي: ولم أعلم مخالفا أن من تركهما لم يقضهما. وقد ذكر المروذي
أنه قال لأبي عبد الله: حديث حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن
سَعد، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇ أنه
دخل المسجد فاحتبى ولم يصل الركعتين أمحفوظ هو (١) ؟ قال: نعم،
قال: ورأيت أبا عبد الله كثيرا يدخل المسجد فيقعد ولا يصلي، ثم يخرج
ولا يصلي في أوقات الصلوات.
وفي " المصنف ": حدثنا الدراوردي، عن زيد بن أسلم قال: كان
أصحاب رسول الله يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون، قال:
ورأيت ابن عُمر يفعله. وحدثنا وكيع، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند،
عن نافع أن. ابن عمر كان يمر في المسجد ولا يصلى فيه/ومرّ الشعبي فيه
فلم يُصلّ، وكذلك سُويد بن غَفَلة وسالم بن عبد الله بن عمر.
فإن قيل: ما روى من قوله- ﵇: " قُم فاركع ركعتين "
لسُليك حين دخل وقعد ولم يُصل، هَل لا يَدُل على قضائهما؟ قلت:
لا؛ لأن ذلك كان على سبيل الاختيار لا الوجوب، فافهم.
٤٥٠- ص- نا مسدد: نا عبد الواحد بن زياد: نا أبو عُمَيس عتبة بن
عبد الله، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن رجل من بني زُريق، عن
أبي قتادة، عن النبي- ﵇ نحوه؛ زادَ: " ثم ليقعد بعدُ إن شاءَ،
أو لِيذهَب لحاجَتِهِ " (٢) .
ش- مُسدد: ابن مسرهد، وعبد الواحد بن زياد: أبو بشر البصري.
وأبو عُمَيس- بالسين المهملة- عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن
مسعود الهذلي المَسعودي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد الله. روى
عن: الشعبي، وأبي إسحاق، وعمرو بن مرة وغيرهم. روى عنه:
стр. 928
محمد بن إسحاق، وشعبة، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم. قال ابن
معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (١) .
قوله: " عن رجل من بني زُريق " مجهول.
قوله: " نحوه " أي: نحو الحديث المذكور؛ ولكنه زاد في هذه
الرواية: " ثم ليقعد بعد " أي: بعد أن صلى ركعتين إن شاء القُعاد، أو
ليَمض إلى حاجته.
١٩- بَابُ: فَضلِ القُعُودِ في المَسجدِ
أي: هذا باب في بيان فضل القعود في المسجد، وفي بعض النسخ:
" باب في فضل " (٢) .
٤٥١- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنِ
أبي هريرة أن رسول الله قال: " المَلائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم مادَامَ في مُصلاّهُ
الذي صَلَى فيه ما لم يُحدِث أو يَقُومُ (٣) : اللهم اغفِر له، اللهم ارحَمهُا " (٤) .
ش- أبو الزَناد: عبد الله بن ذكوان القرشي، والأعرج: عبد الرحمن
ابن هُرمز.
قوله: " الملائكة تصلي على أحدكم " أي: تَدعو لأحدكم؛ لأن الصلاة
في اللغة: الدعاء. وكلمة " ما " في " مادام " وفي " ما لم يُحدِث "
للمدّة؛ والمعنى: مُدة دوامه في مُصلاه الذي صلّى فيه مدة عدم الحدث أو
التحديث؛ على اختلاف تفسير " لم يحدث ".
قوله: " مُصلاه "- بضم الميم- اسم الموضع الذي صلى فيه.
стр. 929
قوله: " ما لم يُحدِث " بدل من قوله: " مادامَ " وهو إما من الإحداث
بمَعنى: الحدث الناقض للطهارة؛ كما فسّره في الحديث الذي يأتي بقوله:
" ما يُحدث؟ قال: يَفسو أو يَضرط "، وإما من التحديث؛ بمعنى:
الاشتغال بالحديث من غير ذكر الله .
قوله: " أو يقومُ " بالرفع عطف على ما لم يُحدث من حيث المعنى؛
فلذلك لم يُحزم، ويجوز أن يكون مرفوعا على لغة من لا يجزم الفعل
ب " لَم "؛ كما في قول الشاعر:
لولا فَوارسُ من نُعم وأسرتهِم ... يَومَ الصُلَيفاء لم يُوفُون بالجَارِ
قوله: " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه " بيان وتفسير لقوله " تُصَلّي على
أحدكم " والمعنى: تدعو بقولهم " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه " وبهذا
يندفع سؤال من يقول: ما موقع الجمع بين صلاة الملائكة إذا كانت معناها
الاستغفار وبَين قولنا (١) " اللهم اغفر له "؟ وجواب آخرُ: أن الصلاة
والاستغفار وإن كانا يَرجعان لشيء واحد، فقد يكون أحدهما أخص وأقعد
بالمعنى وأبلغ، فتدعو الملائكة وتسأل الله ذلك المعنى باللفظين مَعا.
وجواب آخرُ: أن سؤالها بلفظ الصلاة إنما هو ليقع الثواب من جنس
العمل، فتكون صلاة منه بصلاة من الملائكة عليه، ثم لما حصل التجانس
بين العمل وجزائه، دعوا له بعد ذلك بلفظ الاستغفار والرحمة.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي صالح، عن (٢)
أبي هريرة أتم منه. وأخرجه النسائي- أيضا- وعند الحاكم على شرط
مسلم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: " والقاعد يرعى الصلاة
كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بَيته حتى يرجع ". وفي
" صحيح ابن حبان ": " ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا
تبشبش الله إليه كما يَتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم ".
قال السَفاقسي: الحدث في المسجد خطيئة يُحرمُ به المحدثُ استغفار
стр. 930
الملائكة. وقد قيل: من أراد أن يحط الله عنه ذنوبه فليلازم بصلاة بعد
الصلاة، ليستكثر من استغفار الملائكة له. وقد شبه ﷺ ذلك بالرباط.
وقال الداودي: قوله: " ما لم يحدث " - بالتخفيف- يدل على جواز
الحدث في المسجد، وفي رواية بالتشديد أراد الحديث بغير ذكر الله تعالى
/قال السفاقسي: لم يذكر التشديد أحدٌ.
٤٥٢- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يَزالُ أحدُكُم في صَلاة ما كانت
الصلاةُ تَحبِسُهُ، لا يَمنَعُهُ أن يَنقَلِبَ إلى أهله إلاَ الصلاةُ " (١) .َ
ش- أي: في حكم صلاةِ؛ والمعنىً: لا يزالُ أحدكم كأنه يُصلي ما
كانت الصلاة تحبسُه، أي: تمنعه من القيام والخروج، بمعنى: مادام
انتظار الصلاة يمنعه عن ذِلك كأنه في الصلاة.
قوله: " لا يَمنعه أن ينقلب إلى أهله " أي: أن يَرجع إلى أهله و " أن
ينقلب " محله النصب على المفعولية، وارتفاع الصلاة على الفاعلية؛
والمعنى: لا يَمنعه الانقلابَ إلى أهله إلا الصلاة. والحديث أخرجه مسلم.
٤٥٣- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة أن رسول الله- ﵇ قال: " لا يزالُ العبدُ في صَلاة
ما كان في مُصَلاهُ يَنتظرُ الصلاةَ، تقولُ الملائكةُ: اللهم اغفر له، اللهمَ
ارحَمهُ، حتى يَنصرفَ، أو يُحدثَ " فقيل: ما يُحدثُ؟ قال: " يَفسُو أو
يَضرطُ " (١) .َ
ش- حماد: ابن سلمة، وثابت: البناني، وأبو رافع: نُفيع الصائغ
المدني.
стр. 931
قوله: " قال: يفسو " أي: قال أبو هريرة؛ ففسر أبو هريرة قوله " أو
يُحدث " بالحدث الناقض للطهارة. وأخرجه مسلم.
٤٥٤- ص- نا هشام بن عمار: نا صدقة بن خالد: نا عثمان بن
أبي العاتكة الأزدي، عن عُمَير بن هانِئ العَنسِي، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله- ﵇: " مَن أتى المَسجد لِشيءٍ فهو حَظهُ " (١) .
ش- هشام بن عمار: ابن نضير بن مَيسرة بن أبان أبو الوليد السُّلمي
الظّفريّ الدمشقي. سمع: يحيى بن حمزة، وابن عيينة، ومالك بن
أنس، وصدقة بن خالد وغيرهم. روى عنه: ابن مَعين، وابن سَعد،
والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، عن
البخاري، عنه. قال ابن معين: هو كيس كيّس، وفي رواية: ثقة،
وقال النسائي: لا بأس به، وقال الدارقطني: صدوق، كبير المحل.
توفي بدمشق آخر المحرم سنة ست وأربعين ومائتين، وقيل: سنه
خمسين (٢) .
وصدقة بن خالد: الدمشقي أبو العباس الأموي، مولى أم البنين
أخت معاوية بن أبي سفيان؛ قاله البخاري، وقال هشام بن عمار:
مولى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان. روى عن: زيد بن واقد،
وعثمان بن أبي العاتكة، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: الوليد بن
مسلم، وأبو مسهر، وهشام بن عمار وغيرهم. قال أحمد بن حنبل:
ثقة، ليس به بأس ٠ وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة ثمانين
ومائة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة (٣) .
وعثمان بن أبي العاتكة- واسمه: سليمان- أبو حفص الأزدي
стр. 932
الدمشقي القاصّ. سمع: عمير بن هانئ، وعمر [و] بن مهاجر،
وسليمان بن حبيب وغيرهم. روى عنه: صدقة بن خالد، والوليد بن
مسلم، ومحمد بن شعيب بن شابور وغيرهم. قال ابن معين: ليس
بشيء، وقال دحيم: لا بأس به، وقال أبو حاتم: لا بأس به؛ بليته من
كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما ما روى عن غيره [فهو] مقارب،
يكتب حديثه، وقال النسائي: هو ضعيف. توفي سنة نيف وأربعين
ومائة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (١) .
وعُمَير بن هانئ: أبو الوليد العنسي- بالنون- الدمشقي الداراني.
سمع: عبد الله بن عُمر، ومعاوية بن أبي سفيان وأبا هريرة وغيرهم.
روى عنه: قتادة، والزهري، والأوزاعي وغيرهم. قال أحمد بن
عبد الله: هو ثقة، قتله الصفر بن حبيب بدارَيا سنة سبع وعشرين ومائة.
روى له: الجماعة إلا النسائي (٢) .
قوله: " فهو حظه " أي: ذلك الشيء نصيبُه بمعنى: إن كان إتيانه لأجل
الصلاة أو الذكر، أو تلاوة القراَن، يكون ذلك نصيبهُ من الأجر
والثواب، وإن كان لأجل عمل من أعمال الدنيا، أو للنوم، أو للكلام أو
نحو ذلك، يكون ذلك- أيضا- نصيبَه من الوزر والخطيئة على حسب
ذلك الشيء وتفاوته والله أعلم/.
***
٢٠- بَابٌ: فِي كرَاهِية إنشَادِ الضَّالَّة في المَسجِد
أي: هذا باب في بيان كراهية إنشاد الضالة في المسجد؛ والكراهية
مصدر كالطواعية بمعنى الكراهة بتخفيف الياء. والإنشادُ من نشدت الضالة
أنشُدُها أي: طلبتها، وأنشدتُها أي: عرفتُها؛ وقد ذكرناه في باب حصى
المسجد. والضالة- بتشديد اللام- الضائعة من كل ما يُقتنى من الحيوان
وغيره، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا جَار، وهي
стр. 933
في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على
الذكر والأنثى والاثنين والجميع، وتجمع على ضوَالّ.
٤٥٥- ص- نا عُبَيد الله (١) بن عُمر الجُشَمي: نا عبد الله بن يزيد: نا
حَيوةُ قال: سمعتُ أبا الأسود يقول: أخبرني أبو عبد الله مولى شداد أنه
سمع أبا هريرة يَقولُ: سمعتُ رسول الله- ﵇: " مَن سَمعَ
رجلاً ينشدُ ضَالَّةً في المسجد فليقل: لا أداها اللهُ إليكَ؛ فإن المساجدَ لم تبَنَ
لهذا " (٢) .
ش- عُبَيد الله بن عُمر: القواريري البَصري، وعبد الله بن يزيد:
القرشي العدوي، وحيوة: ابن شريح.
وأبو الأسود: محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل بن خُويلد
ابن أسَد بن عبد العُزى، أبو الأسود الأسدي المدني، قدم مصر، وكان
جده: الأسود من مهاجرة الحبشة ومات بها. سمع: عروة، والقاسم
ابن محمد، والأعرج، ونافعا وغيرهم. روى عنه: الزهري، ومالك
ابن أنس، وحيوة بن شريح وغيرهم. روى له الجماعة (٣) .
وأبو عبد الله مولى شداد بن الهاد. روى عن: أبي هريرة. روى
عنه: أبو الأسود. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (٤) .
قوله: " يُنشد ضالة " أي: يُعرّفها؛ من الإنشاد.
فوله: " لم تبن لهذا " أي: لإنشاد الضالة؛ وإنما بُنيت لأداء الفرائض.
وقد يدخل في هذا كل أمرٍ لم يُبن له المسجد من البيع والشراء، ونحو
ذلك من أمور معاملات الناس واقتضاء حقوقهم. وقد كره بعض السلف
стр. 934
المسألة في المسجد. وبعض أصحابنا لا يرى أن يتصدق على السائل
المتعرض في المسجد. والحديث: أخرجه مسلم، وابن ماجه.
٢١- بَاب: في كرَاهِية البُزَاقِ في المَسجِد
أي: هذا باب في بيان كراهية البزاق في المَسجد، وفي بعض النسخ:
" باب في كراهة البزاق ". وقد ذكرنا أن الكراهية والكراهة كلاهما
مصدران من كره يكره من باب علم يعلم.
٤٥٦- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا هشام وشعبة وأبان، عن قتادة، عن
أنس بن مالك أن النبي- ﵇ قال: " التَّفلُ في المسجد خَطيئةٌ؛
وكفَّارَتُه: أن تُوارِيَهُ " (١) .
ش- مسلم بن إبراهيم: القصاب الفَراهيدي، وهشام: ابن أبي عبد الله
- سنبر- الدَّستوائي البصري، وشعبة: ابن الحجاج، وأبان: ابن
يزيد، وقتادة: ابن دعامة.
قوله: " التفل " - بفتح التاء المثناة من فوق، وإسكان الفاء- وهو:
البُصاق كما جاء في الحديث الآخر: " البصاق في المسجد خطيئة ".
واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقا، سواء احتاج إلى البزاق أو
لم يحتج؛ بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب خطيئة
وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق. وقال القاضي عياض: البزاق
ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، فأما من أراد دفنه فليس بخطيئة.
وهذا باطل، والحق ما ذكرناه.
стр. 935
قوله: " وكفارته أن تواريه " أي: أن تُغيّبه يعني: تدفنه، و " أن "
مصدرية في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ، والتقدير: وكفارته
مُواراته؛ والمعنى: انه إن ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها. واختلفوا في
المراد بدفنها؛ فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحَصبائه إن
كانت فيه هذه الأشياء وإلا يُخرجها. وعن أصحاب الشافعي قولان؛
أحدهما: إخراجها مُطلقًا. والحديث: أخرجه مسلم.
٤٥٧- ص- نا مسدد: نا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: قال
رسولُ الله: " إن البُزَاقَ في المسجد خَطيئةٌ، وكَفارتُها دَفنُها " (١) .
ش- أبو عوانة: الوضاح الوَاسطَي. والحديث: أخرجه البخاري،
والترمذي، والنسائي.
٤٥٨- ص- نا أبو كامل: نا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن
مالك. قال: قال رسول الله- ﵇/: " النُخَاعةُ في المسجدِ "
فذكر مثله (٢) .
ش- أبو كامل: فُضَيل بن الحُسين الجَحدري، ويزيد: ابن زُرَيع
البصري، وسعيد: ابن أبي عروبة.
قوله: " النخاعة " هي النخامة؛ يقال: تنخم وتنخع، وقيل: البزاق
من الفم، والمخاط من الأنف، والنخامة من الصَدر؛ وفرق بعضهم بين
النخاعة والنخامة؛ فالنخاعة- بالعين- من المصدر، والنخامة- بالميم-
من الرأس.
قوله: " فذكر مثله " أي: مثل الحديث المذكور.
٤٥٩- ص- نا القَعنبي: نا أبو مودود، عن عبد الرحمن بنِ أبي حَدرد
الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة يَقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : " من دَخَلَ هذا
المسجدَ فبَزقَ فيه، أو تَنخمَ فليَحفر فليَدفنهُ، فإن لم يفعَل فليَبزُق في ثوبه،
ثم ليخرُج بهِ " (٣) .
стр. 936
ش- القعنبي: عبد الله بن مسلمة.
وأبو مَودود: عَبد العزيز بن أبي سليمان المدني الهُذَلي مولاهم؟ كان
قاضيا لأهل المدينة، رأى جابر بن عبد الله الأنصاري، وسهل بن سعد
الساعدي، وأنس بن مالك. وسمع: السائب بن يزيد، ونافعاً، وعبد الرحمن
ابن أبي حَدرد، ومحمد بن كعب القرظي. روى عنه: عبد الرحمن بن
مَهدي، وابن أبي فديك، ووكيع، والقعنبي وغيرهم. قال أحمد بن
حنبل: ثقة، وكذا قال ابن معين. روى له: أبو داود (١) .
وعبد الرحمن بن أبي الحَدرد- واسمُ أبي حَدرد: عَبد الأسلمي.
روى عن: أبي هريرة. وروى عنه: أبو مَودود. قال الدارقطني: لا
بأس به. روى له: أبو داود (٢) .
قوله: " أو تنخم " من النخامة، وقال ابن الأثير: النخامة: البَزقة التي
تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة.
قوله: " فليحفر " أي: فليحفر موضعا في المسجد إن كان يمكن الحَفرُ
فليدفنه.
قوله: " فإن لم يفعل " أي: فإن لم يحفر، أو لم يمكن الحفرُ فليبزق
في ثوبه " ثم ليخرج به " من المسجد؛ وهذا يدل على أن البزاق طاهرٌ،
وكذا النخامة طاهرة، وليس فيه خلاف إلا ما حكِيَ عن إبراهيم النخعي أنه
يقول: البزاق نجسٌ.
٤٦٠- ص- نا هنّاد بن السرِي، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن
ربعي، عن طارق بن عبد الله المُحاربي قال: قال رسول الله ﷺ : " إِذا قامَ
الرجلُ إلى الصلاة، أو إذا صلَّى أحدُكُم فلا يَبزُقَنَّ أمامَه ولا عن يمينه،
ولكن عن تِلقاءِ يَساَرِهِ إن كان فَارغَا، أو تحتَ قدمِهِ اليُسرى، ثم ليقل به " (٣) .
стр. 937
ش- هَنّاد: الدارمي الكوفي، وأبو الأحوص: سلام بن سُلَيم
الكوفي. ومنصور: ابن المعتمر.
ورِبعي: ابن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله الغطفاني العَبسي
أبو مريم الكوفي. روى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب،
وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وطارق بن عبد الله وغيره. روى
عنه: الشعبي، ومنصور، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم، قدم ربعي
الشام. وسمع خطبة عمر بالجابية. قال أحمد بن عبد الله العجلي:
تابعيّ ثقة، ولم يكذب كذبة قط، واَلى أن لا يضحك حتى يعلم أفي
الجنة هو أم في النار؟ فأخبر غاسلُه أنه لم يزل مبتسمًا على سريره وهم
يغسلونه حتى فرغوا. توفي سنة إحدى ومائة ٠ روى له الجماعة (١) .
وطارق بن عبد الله المحاربي: الكوفي، حديثه في أهل الكوفة. روى
عنه: ربعي، وجامع بن شداد. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (٢) .
قوله: " فلا يبزقن " بتشديد النون " أَمامه " أي: قدامه.
اعلم أن لفظ " أمام " يطلق على مَعنيين؛ بمعنى القدام، وبمعنى الخَلف؛
وهو من الجهات الست من القسم المبهم من المكان، وهو ماله اسم باعتبار
أمر غير داخل في مسمّاه، فإن نحو فوقك وتحتك يطلق على المكان باعتبار
جهة العُلو أو جهة السفل، وهذه الجهة لا تدخل في مسمى المكان؛ فإن
المكان الذي يصدق عليه الفوق قد يتبدل ويصير تحتاً إذا علاه الشخص،
وكذلك ما يكون يمينا يتبدل باليَسار، وكذلك القدام والإمام والخلف،
فهذه الأمور اعتبارية لا تدخل في مسمى المكان بخلاف الدار ونحوها.
стр. 938
قوله: " ولكن عن تلقاء يساره " أي: عن جهة يساره؛ وقال في
" الصحاح ": التَّلقاء مَصدر مثل اللِّقاء، وذكر في كتاب " الهادي " أن
إزاء، وحذاء، وحذوة، وحذة، وحيالاً، ومَنًا، وأمما، وقبالةً
/ومُقابلاً، ومُستقبلا، ووُجَاهًا، وتُجاهًا، وَذَممًا، وتلقاءً كلها بمعنى
واحد، ويُقال: حذانا، وتلقانا، وإزانا، وداري حذاءَ دارك، وحذوة
داركَ، وحذ [ة] دارك، وأمَم دارك، وذَمَم دارك، ومنا دارك، وقَعدَ فَلانِّ
حِذاءَك وبحذائك، وحيالك، وبحيالك، وإزائك، وبإزائك، وتِلقاءك،
ولا يقال: بتلقائك، فافهم.
قوله: " إن كان فارغًا " أي: إن كان يَسارُه فارغًا- يَعني: إن تمكّن من
البَزق عن (١) يساره، وإن لم يتمكن فليبزق تحت قدمه اليُسرى، وهو
معنى قوله: " أو تحت قدمه اليُسرى ".
قوله: " ثم ليقل به " قد مرّ غير مرّة أن لفظ القول يُستعمل عند العرب
في مَعانِي كثيرة؛ والمعنى هاهنا: ثم ليدفنه. وهذا الحديث في حق من
كان خارج المسجد، أما الذي في المسجد فلا يبزقُ إلا في ثوبه لقوله
﵇ " البزاق في المسجد خطيئةٌ " فكيف يأذن فيه- عليه
السلام-، وإنما نهَى [عن] البُصاق أمامه تشريفا للقبلة، وعن يمينه تَشريفا
لليمين. وجاء في رواية للبخاري: " إن عن يمينه ملكا ".
ويُستفاد من الحديث: أن البُصاق لا يبطل الصلاة، وكذا التنخع إذا لم
يبن منه حروفٌ اللهم إذا غلب عليه. والحديث: أخرجه الترمذي،
والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث طارق حديث حسن
صحيح.
٤٦١- ص- نا سليمان بن داود: نا حماد: نا أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر قال: بَينما رسولُ الله- ﵇ يَخطُبُ يومًا إذ رأى نُخامةً في
قِبلَةِ المسجدِ، فَتغيَّظَ علىَ الناسِ ثم حَكَّها. قال: وأَحسَبُه قال: وَدَعَا
стр. 939
بزعفران فلطَّخَهُ به قال (١) : وقال: " إن اللهَ قبَلَ وجه أَحدكُم إذا
صَلَّى، فًلا يَبزُق بَين يديهِ " (٢)(٣) .
ش- سليمان بن داود: الزَّهراني، وحماد: ابن زَيد، وأيوب:
السختياني.
قوله: " بَينما " قد ذكرنا مرة أن " بينما " أصله: " بَين " فأشبعت
الفتحة فصار: " بَينا " ثم ألحقت الميم فصار: " بَينما " فكلاهما
يستعملان بمَعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ
وخبرٍ؛ وهاهنا أُضيفت " بينما " إلى المبتدأ والخبر؛ لأن قوله: " رسول
الله لما مبتدأ، وقوله: " يخطب " خبرُه، وهما يحتاجان إلى جواب يتم
به المعنى؛ وجواب " بينما " هاهنا: قوله: " إذ رأى نخامةً ".
قوله: " فتغيظ " من الغيظ؛ وهو صفة تعترض للرجل عند احتداده
لمُحركٍ لها.
قوله: " قال: وأحسبه قال " أي: قال نافع: وأظن ابن عمر قال:
" ودعا بزعفران " أي: وطلب رسول الله بزعفران " فلطخه " أي: لطخ
موضع النخامة بالزعفران.
стр. 940
قوله: " قال: وقال " أي: قال ابن عمر: وقال رسول الله ﷺ
قوله: " قبل وجه أحدكم إذا صلى " تأويله: أن القبلة التي أمره الله عز
وجل بالتوجه إليها للصلاة قبلَ وجهه، فليصنها عن النخامة؛ وفيه إضمار
وحذف واختصار؛ كقولهَ تعالى: (وَاشربُوا في قُلُوبهمُ العجلَ) (١)
أي: حُبّ العجل، وكقَوله تعالى: (واسأل القَرية) (٢) أي: أهل
القرية؛ وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالىَ على سبيل التكرمة؛ كما
يقال: بَيت الله، وكعبة الله، وناقة الله. والحديث: أخرجه البخاري،
ومسلم.
٤٦٢- ص- ثنا يحمى بن الفضل السِّجستاني، وهشام بن عمار،
وسليمان بن عبد الرحمن (٣) قالوا: نا حاتم- يعني: ابن إسماعيل-: نا
يعقوب بن مجاهد أبو حَزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت
قال (٤) : أتينا جابرًا- يعني: ابنَ عبدِ اللهِ- وهو في مسجده، فقال: أتَانا
رسولُ الله في مسجدِنَا هذا وفي يده عُرجونُ ابنِ طاب، فنظًرً فَرَأى في قبلَة
المسجد (٥) نُخَامةً، فأقبلَ عليها فحَتَّهَا بالعُرجُونِ، ثمً قال: " أيكُم يُحبّ أنَ
يُعرِضً اللهُ- تعالى (٦) عنه؟ إن أحدَكُم إذا قامَ يُصلِّي فإن اللهَ
قِبَلَ وجهِهِ، فلا يَبصُقَنَّ قبَلَ وجهِهِ، ولا عن يمينِه، وليَبصُق عن يَساره تحتَ
رجلهِ اليُسرى، فإن عَجِلًت به بَادرَةٌ فليَقُل بثوبهَ هكذا " - وضَعَهُ (٧) على
فيهِ ثَم دَلَكَهُ - " أرُونِي عَبيرا " فقامً فتًى من الحيًّ يَشتدُّ إلى أهلهِ فجَاءَ بخلُوق
في راحته، فأخذَهُ رسولُ اللهِ فجعَلَه على رأسِ العُرجُونِ، ثَم لَطَخَ به على
أثَرِ النُّخاَمَةِ. فقال جابرٌ: فَمِن هناك جَعلتُمُ الخَلُوقَ في مَساجِدِكُم (٨) .
стр. 941
ش- يحيى بن الفضل السَجِستاني: أحد شيوخ أبي داود، وكذلك
هشام بن عمار الدمشقي.
وسليمان بن عبد الرحمن: ابن عيسى بن ميمون، أبو أيوب التميمي
الدمشقي، ابن بنت شرحبيل. سمع: يحيى بن ضمرة، وابن عيينة،
وعيسى بن يونس وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم، والبخاريّ. ثم روى
عن رجل، عنه، وأبو داود. وروى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه،
عن رجل، عنه، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس. وقال
أبو حاتم: صدوق، مستقيم الحديث؛ ولكنه أروى الناس/عن الضعفاء
والمجهولين. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (١) .
وحاتم: ابن إسماعيل الكوفي أبو إسماعيل المدني نزل المدينة، مولى
بني عبد المدَان من بني الحارث بن كعب. سمع: هشام بن عروة،
وجعفر بن محمد، وأبا حَزرة يعقوب بن مجاهد وغيرهم. روى عنه:
قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهَويه، والقعنبي وغيرهم. سئل يحيى بن
معين عنه فقال: لا أعرفه، وأما أحاديثه فصحيحة. وقال الخطيب: كان
ثقة، مات ببغداد سنة ثمان وعشرين ومائتين في شهر رمضان (٢) .
ويَعقوب بن مجاهد أبو حَزرة: القاصّ المدني.
وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: أبو الصامت الأنصاري
المدني. سمع: كعب بن عَمرو، وجابر بن عبد الله، وأبا سعيد
الخدري، وأباه. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويعقوب بن
مجاهد، ومحمد بن عجلان وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (٣) .
قوله: " وفي يده " الواو قيه للحال.
قوله: " عرجون ابن طاب " العُرجون- بضم العين- هو العُود الأصفر
стр. 942
الذي فيه. الشماريخ إذا يبس واعوج؛ وهو من الانعراج، وهو الانعطاف،
وجمعه: عراجين، وذكره الجوهري في حرف النون، وقال غيره: الواو
والنون زائدتان، وقوله: " عرجون ابن طاب " وهو نوع من تمر المدينة
منسوب إلى ابن طاب، رجل من أهلها، كما قيل: لون ابن حبيق،
ولون كذا ولون كذا، فمن عادتهم ينسبون ألوان التمر كل لون إلى أحدٍ.
قوله: " فحتَّها بالعرجون " أي: حكها وقشرها؛ الحتُّ والحكّ والقشر
بمعنى واحد.
قوله: " فلا يبصقن قبل وجهه " تعظيما للقبلة، " ولا عن يمينه " لأجل
الملك أو لشرفها، " وليَبصُق عن يَساره تحت رجله اليسرى " هذا- أيضا-
في حق المصلي خارج المسجد؛ لأنا قد ذكرنا أنه ﵇ نهى
[عن] البُصَاق في المسجد مطلقا، وكيف يأمرُ به ولا يَبزق في المسجد إلا
في ثوبه؟ !
قوله: " فإن عجلت به بادرة " أي: حدّةٌ؛ وبادرة الأمر: حدّته؛
والمعنى: إذا غلبه البصاق أو النخامة " فليَقُل بثوبه هكذا ".
قوله: " وضعه على فيه " تفسير لقوله " فليَقُل بثوبه " ولأجل ذلك ترك
العاطف أي: وضع ثوبه على فمه " ثم دلكه " أي: دلك الثوب حتى
يتلاشى البزاق منه. وهذا- أيضا- يدل على طهارة البزاق والنخامة.
قوله: " أروني عبيرا " العَبير- بفتح العين، وكسر الباء الموحدة،
وسكون الياء آخر الحروف- أخلاط تجمع بالزعفران؛ قاله الأصمعي.
وقال أبو عُبَيدة: العبِير عند العرب: الزعفران وحده. والصحيح: أنه
غير الزعفران.
قوله: " يشتَدّ إلى أهله " من قولهم: اشتد إذا عدى؛ والشد: العَدوُ.
قوله: " فجاء بَخَلُوق " - الخلوق- بفتح الخاء العجمة، وضم اللام،
وفي أخره قاف- طيب معروف مُركبٌ يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع
الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصّفرة، وهو من طيب النساء.
стр. 943
ويُستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: إذا رأى أحد نخامة في المسجد
يَحُتّها.
والثانية: أن المصلي لا يَبصق قبل القبلة ولا عن يمينه؛ بل يبصق تحت
رجله اليسرى، كما فسر في الحديث.
والثالثة: أن البصاق لا يفسد الصلاة.
والرابعة: جواز استعمال الخلوق في المساجد.
والخامسة: جواز حمل العصا. والحديث: أخرجه مسلم مُطولا.
وهذا الحديث متأخر عن الحديث الذي يأتي في بَعض النسخ، وكذا في
" مختصر السنن " لزكي الدين.
٤٦٣- ص- نا يحيى بن حبيب بن عربي: نا خالد- يعني: ابن
الحارث-، عن محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد
الخدري أن النبيَ- ﵇ كان يُحب العَرَاجينَ، ولا يَزالُ في يده
منها، فدخل المسجدَ فرأى نُخَامة في قبلَةِ المسجدِ لحكَّها، ثم اقبلَ علىً
الناسِ مُغضبًا فقال: " أيَسُر أحدُكُم أنَ يُبصقَ في وجهِهِ؟ إن أحدَكُم إذا
استقبلَ القِبلةَ فإنما يَستقبلُ ربَّه ، والمَلَكُ عن يمينه، فلا يَتفُل عن
يمينه ولا في قبلَتِهِ، ولَيَبسُق (١) عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِهِ، َ فإن عَجِلَ به أمر
فليقل هكذا ". ووصفَ لنا ابنُ عَجلانَ ذلكَ: أن يَتفُلَ في ثَوبه ثم يَرُدَ بَعضَه
/على بعضٍ (٢) .
ش- يحيى بن حبيب بن عربي: الحارثي، وقيل: الشيباني، أبو زكرياء
البَصري. روى عن: حماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وخالد بن
الحارث وغيرهم. روى عنه: مُسلم، وأبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم. وقال: صدوق. مات بالبصرة سنة
ثمان وأربعين ومائتين (٣) .
стр. 944
وخالد: ابن الحارث بن عُبيد بن سليمان، أبو عثمان البصري. روى
عن: هشام بن عروة، وأيوب السختياني، وابن عجلان وغيرهم. روى
عنه: محمد بن الثنى، وعمرو بن علي، ومحمد بن الفضل. وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. قال أبو زرعة: كان
يقال له: خالد الصدق. توفى بالبصرة سنة ست وثمانين ومائهَ. روى له
الجماعة (١)
ومحمد بن عجلان، قد ذكر.
وعياض بن عبد الله: ابن سَعد بن أبي سَرح بن الحارث القرشي
العامري. روى عن: أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن
عبد الله. روى عنه: زيد بن أسلم، وسعيد المقبري، ومحمد بن عجلان
وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. مات بمكة. روى له الجماعة (٢)
قوله: " يحب العراجين " جمع عرجون؛ وقد ذكرناه.
قوله: " مغضبًا " حال من الضمير الذي في " أقبل ".
قوله: " فلا يتفل عن يمينه " هذا تنزيه لجهة اليمين عن الأقذار كما نزهت
تصريف الميامين، أو تنزيه الملائكة كما جاء " والملك عن يمينه " وقال
بعضهم: فيه دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد
ما يكتب لكونه في طاعة؛ لأنه علّل منع البصاق لكون الملك هناك وأباحه
على اليسار. وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: " لا يبزق عن يمينه: فعن
يمينه كاتب الحسنات؛ ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره ".
فإن قيل: قد رُوِيَ عنه- ﵇: أن الكرام الكاتبين لا
يُفارقان العَبد إلا عند الخلاء والجماع. قلت: هذا حديث ضعيف لا
يحتج به.
قوله: " وليَبسق " بالسين لغة في " ليَبصُق ".
(١) المصدر السابق (٨/١٥٩٨) .
(٢) أصدر السابق (٢٢/٤٦٠٧) .
стр. 945
قوله: " فإن عجل به أمر " بمعنى: غلبه البُصاق.
٤٦٤- ص- نا أحمد بن صالح: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني
عَمرو، عن بكر بن سَوادة الجُذامي، عن صالح بن خَيوان، عن أبي سَهلة
السائب بن خلاد- قال أحمد: من أصحاب النبي- ﵇ أن رجلاَ
أمَ قومًا فبَصقَ في القبلة ورسولُ الله ينظُرُ، فقال رسولُ الله حين فَرغَ: لا
يُصلِّي لكُم " فأراد بَعدً ذلكَ أن يصَلِّي لهم فمَنعُوهُ، وَأخبَرُوه بقول
رسول اللهِ، فذكَر ذلك لرسول الله فقال: " نعم " وحسبتُ أنه قال: " إنكً
آذَيتَ اَللهَ ورسولَه " (١) .ً
ش- أحمد بن صالح: المعروف بابن الطبري. وعمرو: ابن الحارث
المصري. وبكر بن سوادة الجذامي المصري.
وصالح بن خيوان- بالخاء المعجمة- كذا قال في " الكمال " وعن
أبي داود: ليس أحد يقول: خيوان- يعني: بالخاء منقوطة- إلا قد
أخطأ. وقال ابن ماكولا: قال ابن يونس: بالحاء المهملة. وكذا قاله
البخاري؛ ولكنه وهم. وقال الدارقطني: بالخاء المعجمة- كما قال في
" الكمال " السَبي (٢) المصري. روى عن: عقبة بن عامر الجهني،
وعبد الله بن عمر، وأبي سهلة السائب بن خلاد. روى عنه: بكر بن
سوادة الجذامي. روى له: أبو داود (٣) .
والسائب بن خلاد الجهني أبو سَهلة. روى عن: النبي- ﵇:
" مَن أخاف أهل المدينة " وحديث صالح بن خيوان عنه هذا الحديث.
روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
قوله: " قال أحمد: من أصحاب النبي " أي: قال أحمد بن صالح
стр. 946
المذكور: السائب بن خلاد من أصحاب النبي- ﵇؛ وإنما قال
ذلك لنفي قول بعضهم: إنه ليس بصحابي، أو إنه لم يَرو عن (١) النبي
﵇.
قوله: " بصق " يعني: وهو في الصلاة.
قوله: " فذكر ذلك " أي: ذكر ذلك الرجل كون رسول الله منعه من
الإمامة، فقال رسول الله: " نعم " منعتك عن أن تؤم بهم.
قوله: " وحسبتُ أنه قال " من كلام الٍسائب أي: ظننت أنه- عليه
السلام- قال للرجل: " إنك آذيت الله ورسوله "؛ والمعنى: إنه فعل
فعلا لا يُرضي الله ولا رسوله. وذكر ابن خالويه أن النبي- ﵇
لما رأى النخامة في المحراب قال: " مَن إمام هذا المسجد؟ " قالوا:
فلان، قال: قد عزلته، فقالت امرأته: لم عزل النبي- ﵇
زَوجي عن الإمامة؟ فقيل: رأى نخامة في للحراب، فعمدت إلى خلوق
طيب فخلقت به المحراب، فاجتاز- ﵇ بالمسجد فقال: " من
فعل هذا؟ " قيل: امرأة الإمام، قال: " قد وهبتُ ذنبه لامرأته،
ورددته إلى الإمامة "، فكان هذا/أول خلوق كان في الإسلام.
٤٦٥- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا سعيد الجُريري، عنِ
أبي العلاء، عن مُطرِّف، عن أبيه قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وهو يُصَلَي فبَزق
تحتَ قَدمِهِ اليُسرى (٢) .
ش- حماد: ابن سلمة، وسَعيد: ابن إياس، أبو مسعود الجُرَيري
النَّضريّ.
وأبو العلاء: يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري الكوفي، أخو
مُطَرَف. روى عن أبيه عبد الله، وأخيه مُطَرف، وأبي هريرة، وابن
стр. 947
عَمرو، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم. روى عنه: قتادة، والجُريري،
وكهمس وغيرهم. مات سنة إحدى عشرة ومائة. روى له الجماعة (١) .
ومُطرف: ابن عبد الله بن الشخير، أخو أبي العلاء المذكور؛ وقد
ذكرناه مرةً.
وأبوه: عبد الله بن الشخِّير بن عوف بن كعب العامري. روى عنه:
ابناه: مُطرف ويزيد. روى له: مسلم حديثا واحدًا. وروى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (٢) . والشخير: بكسر
الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة وكسرها، وسكون الياء آخر
الحروف، وبعدها راء مهملة.
قوله: " وهو يُصلي " جملة وقعت حالا؛ وهذا كان في غير المسجد؛
لأنه- ﵇ نهى عن البزاق في المسجد مُطلقا.
٤٦٦- ص- نا مُسدد: نا يزيد بن زُريع، عن سعيد الجُريري، عن
أبي العلاء، عن أبيه بمعناه زاد: ثم دلكه بنعله (٣) .
ش- أي بمعنى الحديث المذكور، وزاد في هذه الرواية بعد قوله:
" فبزق تحت قدمه اليُسرى ": " ثم دلكه بنعله ". وفيه استحباب دلك
البزاق بعد رَميه على الأرض. وأخرجه مسلم بنحوه.
٤٦٧- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الفرج بن فضالة، عن أبي سَعد قال:
رأيتُ وَاثلةَ بنَ الأسقع في مَسجد دمشق بَصَقَ على البُوري ثم مَسحه
برجلِه فقيل له: لم فعلتَ هذا؟ قالَ: لأني رأيتُ رسولَ اللهِ يَفعلُه (٤) .
стр. 948
ش- الفرجُ- بالجيم- بن فضالة: ابن النعمان بن نعيم الشامي
الحمصي، وقيل: الدمشقي، أبو فضالة القضاعي. روى عن: يحيى
ابن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبد الله بن عامر وغيرهم.
روى عنه: شعبة، وبقية بن الوليد، وقتيبة بن سعيد وغيرهم. قال ابن
سعد: كان يسكن مدينة أبي جعفر، ومات بها سنة ست وتسعين ومائة
وكان ضعيفا. وقال البخاري عن يحيى بن سعيد: منكر الحديث. وقال
البرقاني: سألت الدارقطني عنه فقال: ضعيف. وقال ابن عديّ: وهو
مع ضعفه يكتب حديثه. وقال معاوية بن صالح: قال أحمد: ثقة.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١) .
وأبو سَعد: الدمشقي. روى عن: واثلة بن الأسقع. روى عنه:
الفرج بن فضالة. روى له: أبو داود (٢) . وواثلة بن الأسقع: ابن
كعب بن عامر، أبو الأسقع، أو أبو قرفاصة، أو أبو محمد، أو
أبو الخطاب، أو أبو شداد، أسلم قبل تبوك والنبي- ﵇
يتجهز لها، وشهدها مع النبي- ﵇، وكان من أهل الصفة.
رُوِيَ له عن رسول الله ستة وخمسون حديثا. روى عن: أبي مرثد
الغنوي، وأم سلمة زوج النبي- ﵇. روى له البخاري حديثًا
واحدا ومسلم آخر، سكن الشام، ونزل بيت جبرين من أرض الشام؛
وهي بلدة بالقرب من بيت المقدس، وقد دخل البَصرة وله بها دارٌ. روى
عنه: عبد الواحد بن عبد الله النصري، وشداد بن عبد الله، وأبو إدريس
الخولاني، ومكحول، وخلق سواهم، توفي بدمشق سنة ست وثمانين
في ولاية عبد الملك بن مروان، وهو ابن ثمان وتسعين. روى له
الجماعة (٣)
стр. 949
قوله: " على البوري " - بضم الباء الموحدة، وكسر الراء، وتشديد
الياء- وهو الحصير المعمول من القصب؛ يُقال: بُوريّة وبارِيّة- مشددتان
- وبُرِياء، وبَارياء- مخففتان ممدودتان. وقال الأصمعي: البُورياء
بالفارسية، وهو بالعربية: بَاري- وبوري وكذلك البارئةُ كلها بتشديد
الياء.
قوله: " لأني رأيتُ رسول الله يَفعله " أي: كان يفعل كما فعله.
فإن قلت: قد صح عنه- ﵇ أنه قال: " التفل في المسجد
خطيئة " كما ذكرنا، وكيف التوفيق بينه وبَين هذا الحديث؟ قلت: هذا
ليس بتَفل في المسجد؛ وإنما هو مثل التفل في ثوبه، على أن ذلك
الحديث/صحيح، وهذا حديث ضعيف؛ لأن فيه فرج بن فضالة.
***
٢٢- بَاب: في المُشرك يَدخُل المَسجدَ
أي: هذا باب في بيان حكم المشرك إذا دخل المسجد، وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء في المشرك يَدخل المسجد " (١) .
٤٦٨- ص- نا عيسى بن حماد: أنا الليث، عن سعيد المقبري، عن
شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقولُ: دخلَ رجل
على جمَلٍ فأناخَهُ في المسجد ثم عَقَلَهُ، ثم قال: أيكُم محمدا؟ - ورسولُ
الله متكئ بينَ ظَهرَانَيهِم-، فقَلنا له: هذا الأبيضُ المتكئ، فقال له الرجل: يا
ابن عبد المطلبِ! فقال له النبي- ﵇: " قد أجبتُكَ " فقال
الرجل: إنى يا محمدُ سائِلُكَ (٢) وَسَاقَ الحديثَ (٣) .
стр. 950
ش- عيسى بن حماد: التُجِيبي المصري، والليث: ابن سَعد.
وشريك بن عبد الله بن أبي نمر: القرشي، أبو عبد الله المدني.
سمع: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن
وغيرهم. روى عنه: سعيد المقبري، ومالك بن أنس، والثوري
وغيرهم. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بعد سنة أربعين
ومائة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (١) .
فوله: " على جمل " الجمل زوج الناقة، والجمع: جمال وأجمال
وجمالات وجمائل.
قو له: " فأناخه " أي: برَكه.
قوله: " ثم عَقَله " أي: ربطه بالعِقال؛ وهو الحبل الذي يعقل به
البعير، أي: يُشَذُ.
قوله: " متكئ بين ظَهرانيهم " يُقال: قعد بين ظَهرانيهم وبَين أظهُرهم؛
ومعناه: قعد عَلى سبيل الاستظهار والاستناد إليهم؛ وزيدت فيه ألف ونون
مفتوحة تأكيداً؛ ومعناه: أن ظَهراً منهم قدامه وظهراً وراءه، فهو مكتوف
من جانبَيه ومن جوانبه إذا قيل: بَين أظهرهم. وقال الأصمعي: يقال:
بين ظَهريهم وظهرانَيهم ومعناه: بَينهم وبين أظهرهم. وقال غيره: العربُ
تضع الاثنين موضع الجمع. وقد قيل: أصل قولهم: " بين ظهرانيهم
وأظهرهم ": بينهم: وإنما زيد الظهر أو الأظهر للتأكيد. ومَعنى قوله:
" متكئ " قاعد على وَطاء. قال الخطابي (٢) : " كل من استوى قاعدا
على وطاء فهو متكئ، والعامّة لا تعرف المتكئ إلا مَن مالَ في قعوده
مُعتمدا علىً أحَد جَنبَيه (٣) ".
قلت: متكئ: اسمُ فاعل من اتكأ، أصله: وَكأ، فنُقِل إلى باب
الافتعال، فصار اوتكا، فأبدلت الواو تاءَ، ثم أدغمت في الأخرى
فصار اتكأ.