المذكور: السائب بن خلاد من أصحاب النبي- ﵇؛ وإنما قال
ذلك لنفي قول بعضهم: إنه ليس بصحابي، أو إنه لم يَرو عن (١) النبي
﵇.
قوله: " بصق " يعني: وهو في الصلاة.
قوله: " فذكر ذلك " أي: ذكر ذلك الرجل كون رسول الله منعه من
الإمامة، فقال رسول الله: " نعم " منعتك عن أن تؤم بهم.
قوله: " وحسبتُ أنه قال " من كلام الٍسائب أي: ظننت أنه- عليه
السلام- قال للرجل: " إنك آذيت الله ورسوله "؛ والمعنى: إنه فعل
فعلا لا يُرضي الله ولا رسوله. وذكر ابن خالويه أن النبي- ﵇
لما رأى النخامة في المحراب قال: " مَن إمام هذا المسجد؟ " قالوا:
فلان، قال: قد عزلته، فقالت امرأته: لم عزل النبي- ﵇
زَوجي عن الإمامة؟ فقيل: رأى نخامة في للحراب، فعمدت إلى خلوق
طيب فخلقت به المحراب، فاجتاز- ﵇ بالمسجد فقال: " من
فعل هذا؟ " قيل: امرأة الإمام، قال: " قد وهبتُ ذنبه لامرأته،
ورددته إلى الإمامة "، فكان هذا/أول خلوق كان في الإسلام.
٤٦٥- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا سعيد الجُريري، عنِ
أبي العلاء، عن مُطرِّف، عن أبيه قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وهو يُصَلَي فبَزق
تحتَ قَدمِهِ اليُسرى (٢) .
ش- حماد: ابن سلمة، وسَعيد: ابن إياس، أبو مسعود الجُرَيري
النَّضريّ.
وأبو العلاء: يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري الكوفي، أخو
مُطَرَف. روى عن أبيه عبد الله، وأخيه مُطَرف، وأبي هريرة، وابن
стр. 947
عَمرو، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم. روى عنه: قتادة، والجُريري،
وكهمس وغيرهم. مات سنة إحدى عشرة ومائة. روى له الجماعة (١) .
ومُطرف: ابن عبد الله بن الشخير، أخو أبي العلاء المذكور؛ وقد
ذكرناه مرةً.
وأبوه: عبد الله بن الشخِّير بن عوف بن كعب العامري. روى عنه:
ابناه: مُطرف ويزيد. روى له: مسلم حديثا واحدًا. وروى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (٢) . والشخير: بكسر
الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة وكسرها، وسكون الياء آخر
الحروف، وبعدها راء مهملة.
قوله: " وهو يُصلي " جملة وقعت حالا؛ وهذا كان في غير المسجد؛
لأنه- ﵇ نهى عن البزاق في المسجد مُطلقا.
٤٦٦- ص- نا مُسدد: نا يزيد بن زُريع، عن سعيد الجُريري، عن
أبي العلاء، عن أبيه بمعناه زاد: ثم دلكه بنعله (٣) .
ش- أي بمعنى الحديث المذكور، وزاد في هذه الرواية بعد قوله:
" فبزق تحت قدمه اليُسرى ": " ثم دلكه بنعله ". وفيه استحباب دلك
البزاق بعد رَميه على الأرض. وأخرجه مسلم بنحوه.
٤٦٧- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الفرج بن فضالة، عن أبي سَعد قال:
رأيتُ وَاثلةَ بنَ الأسقع في مَسجد دمشق بَصَقَ على البُوري ثم مَسحه
برجلِه فقيل له: لم فعلتَ هذا؟ قالَ: لأني رأيتُ رسولَ اللهِ يَفعلُه (٤) .
стр. 948
ش- الفرجُ- بالجيم- بن فضالة: ابن النعمان بن نعيم الشامي
الحمصي، وقيل: الدمشقي، أبو فضالة القضاعي. روى عن: يحيى
ابن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبد الله بن عامر وغيرهم.
روى عنه: شعبة، وبقية بن الوليد، وقتيبة بن سعيد وغيرهم. قال ابن
سعد: كان يسكن مدينة أبي جعفر، ومات بها سنة ست وتسعين ومائة
وكان ضعيفا. وقال البخاري عن يحيى بن سعيد: منكر الحديث. وقال
البرقاني: سألت الدارقطني عنه فقال: ضعيف. وقال ابن عديّ: وهو
مع ضعفه يكتب حديثه. وقال معاوية بن صالح: قال أحمد: ثقة.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١) .
وأبو سَعد: الدمشقي. روى عن: واثلة بن الأسقع. روى عنه:
الفرج بن فضالة. روى له: أبو داود (٢) . وواثلة بن الأسقع: ابن
كعب بن عامر، أبو الأسقع، أو أبو قرفاصة، أو أبو محمد، أو
أبو الخطاب، أو أبو شداد، أسلم قبل تبوك والنبي- ﵇
يتجهز لها، وشهدها مع النبي- ﵇، وكان من أهل الصفة.
رُوِيَ له عن رسول الله ستة وخمسون حديثا. روى عن: أبي مرثد
الغنوي، وأم سلمة زوج النبي- ﵇. روى له البخاري حديثًا
واحدا ومسلم آخر، سكن الشام، ونزل بيت جبرين من أرض الشام؛
وهي بلدة بالقرب من بيت المقدس، وقد دخل البَصرة وله بها دارٌ. روى
عنه: عبد الواحد بن عبد الله النصري، وشداد بن عبد الله، وأبو إدريس
الخولاني، ومكحول، وخلق سواهم، توفي بدمشق سنة ست وثمانين
في ولاية عبد الملك بن مروان، وهو ابن ثمان وتسعين. روى له
الجماعة (٣)
стр. 949
قوله: " على البوري " - بضم الباء الموحدة، وكسر الراء، وتشديد
الياء- وهو الحصير المعمول من القصب؛ يُقال: بُوريّة وبارِيّة- مشددتان
- وبُرِياء، وبَارياء- مخففتان ممدودتان. وقال الأصمعي: البُورياء
بالفارسية، وهو بالعربية: بَاري- وبوري وكذلك البارئةُ كلها بتشديد
الياء.
قوله: " لأني رأيتُ رسول الله يَفعله " أي: كان يفعل كما فعله.
فإن قلت: قد صح عنه- ﵇ أنه قال: " التفل في المسجد
خطيئة " كما ذكرنا، وكيف التوفيق بينه وبَين هذا الحديث؟ قلت: هذا
ليس بتَفل في المسجد؛ وإنما هو مثل التفل في ثوبه، على أن ذلك
الحديث/صحيح، وهذا حديث ضعيف؛ لأن فيه فرج بن فضالة.
***
٢٢- بَاب: في المُشرك يَدخُل المَسجدَ
أي: هذا باب في بيان حكم المشرك إذا دخل المسجد، وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء في المشرك يَدخل المسجد " (١) .
٤٦٨- ص- نا عيسى بن حماد: أنا الليث، عن سعيد المقبري، عن
شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقولُ: دخلَ رجل
على جمَلٍ فأناخَهُ في المسجد ثم عَقَلَهُ، ثم قال: أيكُم محمدا؟ - ورسولُ
الله متكئ بينَ ظَهرَانَيهِم-، فقَلنا له: هذا الأبيضُ المتكئ، فقال له الرجل: يا
ابن عبد المطلبِ! فقال له النبي- ﵇: " قد أجبتُكَ " فقال
الرجل: إنى يا محمدُ سائِلُكَ (٢) وَسَاقَ الحديثَ (٣) .
стр. 950
ش- عيسى بن حماد: التُجِيبي المصري، والليث: ابن سَعد.
وشريك بن عبد الله بن أبي نمر: القرشي، أبو عبد الله المدني.
سمع: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن
وغيرهم. روى عنه: سعيد المقبري، ومالك بن أنس، والثوري
وغيرهم. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بعد سنة أربعين
ومائة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (١) .
فوله: " على جمل " الجمل زوج الناقة، والجمع: جمال وأجمال
وجمالات وجمائل.
قو له: " فأناخه " أي: برَكه.
قوله: " ثم عَقَله " أي: ربطه بالعِقال؛ وهو الحبل الذي يعقل به
البعير، أي: يُشَذُ.
قوله: " متكئ بين ظَهرانيهم " يُقال: قعد بين ظَهرانيهم وبَين أظهُرهم؛
ومعناه: قعد عَلى سبيل الاستظهار والاستناد إليهم؛ وزيدت فيه ألف ونون
مفتوحة تأكيداً؛ ومعناه: أن ظَهراً منهم قدامه وظهراً وراءه، فهو مكتوف
من جانبَيه ومن جوانبه إذا قيل: بَين أظهرهم. وقال الأصمعي: يقال:
بين ظَهريهم وظهرانَيهم ومعناه: بَينهم وبين أظهرهم. وقال غيره: العربُ
تضع الاثنين موضع الجمع. وقد قيل: أصل قولهم: " بين ظهرانيهم
وأظهرهم ": بينهم: وإنما زيد الظهر أو الأظهر للتأكيد. ومَعنى قوله:
" متكئ " قاعد على وَطاء. قال الخطابي (٢) : " كل من استوى قاعدا
على وطاء فهو متكئ، والعامّة لا تعرف المتكئ إلا مَن مالَ في قعوده
مُعتمدا علىً أحَد جَنبَيه (٣) ".
قلت: متكئ: اسمُ فاعل من اتكأ، أصله: وَكأ، فنُقِل إلى باب
الافتعال، فصار اوتكا، فأبدلت الواو تاءَ، ثم أدغمت في الأخرى
فصار اتكأ.
стр. 951
قوله: " قد أجَبتك " إنما قال له هذا القول ولم يتلفظ بالإجابة " (١) لأنه
كره أن يدعوه باسم جلّد، وأن يَنسبه إليه إذ كان جده عبد المطلب كافرا
غير مُسلم، وأحمت أن يدعوه باسم النبوة أو الرسالة.
فإن قيل: قد ثبت عنه أنه قال يوم حنين حين حمل على الكفار
فانهزموا:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
قلت: لم يذكره افتخاراً؛ لأنه كان يكره الانتساب إلى الكفّار؛ كما
في هذا الحديث؛ ولكنه ذكّرهم بهذا رويا كان عبد المطلب رآها له أيام
حياته وكانت إحدى دلائل نبوته، وكانت القصة فيها مشهورة عندهم،
فعرفهم شأنها، وأذكرَهم بها، وخروج الأمر على الصدق فيها ".
قوله: " وساق الحديث " أي: سَاق أنس الحديث، وتمامه: يا محمدُ!
إني سَائلك فمُشتد عليك في المسألة؛ فلا تجد عليَ في نفسك، فقال:
" سَل ما بَدا لك " فقال الرجل: نشدتك بربك ورب من كان قبلك، اللهُ
أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول الله: " اللهم نعم " قال: فأنشدُك
الله، آللهُ أمرَكَ أن نُصلي الصلوات الخَمس في اليوم والليلة؟ قال:
" اللهم نعم "، قال: أنشدُك الله، آللهُ أمَرك أن تصومَ هذا الشهرَ من
السنةِ؟ قال رسول الله: " نعم " قال: أنشدك الله، اللهُ أمرك أن تأخذَ
هذه الصدَقةَ من أغنيائنا فتَقسمُها على فقرائنا؟ قال رسول الله: " اللهم
نعم " قال الرجل: آمنت بما جئتَ به؛ فأنا رسولُ مَن ورائي من قومي،
وأنا ضمامُ بن ثعلبة أخو بَني سَعد بن بكر ". أخرجه البخاري، والنسائي،
وابن مَاجه، وأحمد في " مسنده ". وقوله: " فلا تجد عليَ " من وَجَدَ
عليه إذا غضب. قوله: " ما بدا لك " أي: ما ظهر لك مما في خاطرك.
قوله: " نشدتُك بربك " أي: سألتك وأقسمت عليك بربك/وكذا
ناشدتك الله وبالله، وأنشدك الله وبالله، وقد ذكرناه مرة. قوله:
стр. 952
" آللهُ أرسلك " بهمزة الاستفهام في أوّله، وأصله أأدلهُ بهمزتين مفتوحتين،
فقلبت الثانية ألفًا للتخفيف فصار: " آلله " - بالمد. قوله: " اللهم نَعَم "
ذكر " اللهم " هاهنا ليدل على تيقن المُجيب في الجواب، كأنه يناديه
تعالى مُستشهدا على ما قال من الجواب، كما في قولك لمن قال: أزيد
قائم: اللهم نعم. وقد ذكرنا مثل هذا مرةً.
فإن قيل: كيف قنع هذا الرجل باليمن ولم يطلب الدليل؟ قلت: إنه
استقرأ الأدلة قبل ذلك وأكَّد باليمن. قوله: " ضمام " بكسر الضاد
المعجمة؛ وكانت بنو سَعد بن بكر بعثوه وافدا إلى رسول الله، قال ابن
عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. وقال
الواقدي عن ابن عباس قال: بعثت بنو سَعد بن بكر في رجب سنة خمس
من الهجرة. ويُستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: جواز دخول الكافر
المسجد؛ وهو حجة على مالك حيث منعه عن ذلك مستدلا بقوله: (إنَّما
المُشرِكُونَ نَجَسٌ) (١) قلنا: المراد به: نجاسة الاعتقاد؛ لا نجاسة الذاتَ.
الثانية: جواز إدخال الحيوان الذي يؤكل لحمه في السجد لأجل الحاجة.
الثالثة: فيه حجة لمن يقول بطهارة بول ما يؤكل لحمه من الحيوان،
فافهم وغير ذلك من الفوائد التي يستخرجها مَن له ذهن ذكي، وفهم
قوي.
٤٦٩- ص- نا محمد بن عَمرو: نا سلمة: حدثني محمد بن إسحاق:
حدثني سلمة بن كُهيل ومحمد بن الوليد بن نُوَيفع، عن كُريب، عن ابن
عباس قال: بَعَثَت بنُو سَعدِ بنِ بَكرٍ ضمَامَ بنَ ثعلبةَ إلى رسول الله، فَقدمَ
عليه، فأناخَ بَعيرَه على باب المسجد، َ ثم عَقَلَهُ، ثم دَخَل المسجَدَ. فذكَرَ
نحوه، قال: فقال: أيُّكُم ابن عبد المطَلب؟ فقال رسول الله: " أنا ابن
عبدِ المطلبِ " قال: يا ابنَ عبدِ المطلَبِ، وسَاق الحديثَ (٢) .
ش- محمد بن عَمرو: الطلاّس المَعروف بزُنَيج؛ وقد مر، وسلمة:
ابن الفضل، أبو عبد الله الأبرش، وسلمة بن كُهيل: الكوفي.
стр. 953
ومحمد بن الوليد بن نُويفع: المديني الأسدي، مولى الزبير بن
العوام. روى عن: كريب مولى ابن عباس، وأمّه مولاة لرافع بن
خَديج. روى عنه: ابن إسحاق. قال الدارقطني: هو من أهل المدينة
يُعتبر به. روى له: أبو داود (١) .
وهذه الرواية تدل على أنه لم يُدخل بَعيرَه في المَسجد؛ البعير: الجملُ
البازلُ، وقيل: الجذعُ، وقد يكون للأنثى، وحكى عن بعض العرب:
شربتُ من لين بعيري، وصَرعتني بعيرٌ لي، وفي " الجامع ": البعيرُ
بمنزلة الإنسان، يجمع المذكر والمؤنث من الناس، إذا رأيتَ جملا على
البُعد قلت: هذا بعيرٌ، فإذا استثبتَّه قلت: جمل أو ناقة؛ ويجمع على
أبعرة وأباعِرَ وأباعِير وبُعران وبَعران.
٤٧٠- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا عَبد الرزاق: أنا مَعمر،
عن الزهري: نا رجلٌ من مُزَينَة ونحنُ عندَ سعيد بنِ المسيّب، عن أبي هريرة:
قال: اليهودُ أَتَوا النبيَ- ﵇ وهو جَاَلسٌ في المسجد في أصحابه
فقالوا: يا أبا القَاسم، في رجلِ وامرأةِ منهم زَنَيا (٢) .
ش- رجل من مزينة مجهول. وقد أخرجه في الحدود والقضايا أتم
منه، وإنما ذكر هذا المقدار هاهنا لأجل تَبويبه؛ وهو دخول المشرك المسجد؛
وسنذكر ما فيه من المعاني عند انتهائنا إلى كتاب الحدود إن شاء الله تعالى.
***
٢٣- بَابُ: المَواضِع الّتي لا تَجُوز فيها الصلاة
أي: هذا باب في بيان حكم المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة. وفي
بعض النسخ: " باب ما جاء في المواضع ".
стр. 954
٤٧١- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن الأعمش، عن
مجاهد، عن عُبيد بن عُمير، عن أبي ذر قال: قال رسول الله- ﵇
" جُعِلَت ليَ الأرضُ طَهورًا ومَسجِدًا " (١) .
ش- جرير: ابن عبد الحميد الرازي.
وعُبيد بن عُمَير: ابن قتادة بن سَعد بن عامر بن جُندع الليثي،
أبو عاصم المكيّ، قيل: إنه رأى النبي- ﵇، وقال مسلم بن
الحجاج: ولد في زمن النبي- ﵇، وهو قاص أهل مكة.
سمع: عمر بن الخطاب، وابنه: عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن
عَمرو، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة وغيرهم. روى عنه: عطاء بن
أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار وغيرهم. قال ابن معين
وأبو زرعة: هو ثقة. روى له الجماعة (٢) .
فوله: " طهورًا " - بفتح الطاء- وهو ما يتطهر به؛ وفيه إجمال يُفصّله
حديث حذيفة بن اليمان: " جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها
لنا طَهُورا " /ولم يذكره أبو داود في هذا الباب؛ وإسناده جيد، عن
مسدّد، عن أبي عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن
حذيفة. وهذا على مذهب الامتنان على هذه الأمّة بأن رخص لهم في
الطهور بالأرض، والصلاة عليها في بقاعِها، وكانت الأمم المتقدّمة لا
يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهم؛ وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى،
وبيان ما يجوز أن يتطهر به منها مما لا يجوز إنما هو في حديث حذيفة الذي
ذكرناه.
واحتج بهذا الحديث أبو حنيفة أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض من
стр. 955
رَمل وجَص ونورة وزرنيخ ونحوها، وبه قال مالك وغيره. واحتج
الشافعي، وأحمد برواية حذيفة يناء على أصله أنه يحمل المطلق على المقيد.
وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي من حديث جابر بن عبد الله بمعناه
أتم منه.
٤٧٢- ص- نا سليمان بن داود: أنا ابن وَهب: حدثني ابن لهيعة ويحيى
ابن أزهر، عن عمّار بن سَعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري أن عليا
﵁ مَرّ ببابلَ وهو يَسيرُ، فجاءَهُ المُؤَذنُ يؤذِنُه بصلاة العَصرِ،
فلمّا بَرزَ منها أمر المؤذنَ فأقامَ الصَّلاةَ، فلما فرغَ قال: إن حِبِّي (١) ﷺ نَهانِي
أن أصلي في المَقبرَةِ، ونَهاني أن اصفي في أرضِ بابلَ؛ فإنها مَلعونةٌ (٢) .
ش- سليمانِ بن داود: الزَّهراني، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن
لهيعة قاضي مصر.
ويحيى بن أزهر: المصري. روى عن: حجاج بن شداد، وأفلح بن
حميد، وعمار بن يسد. وروى عنه: ابن القاسم وغيره. قال الذهبي:
ثقة. توفي سنة إحدى وستين ومائة. روى له: أبو داود (٣) .
وعمار بن سَعد: السَّلهَمي، وسَلهم من مُراد، المصري، حدّث
عن: أبي صالح الغِفاري، ويزيد بن رباح. روى عنه: ابن لهيعة،
وحيوة بن شريح، ويحيى بن أزهر وغيرهم. توفي سنة ثمان وأربعين
ومائة. روى له: أبو داود (٤) .
وأبو صالح: سعيد بن عبد الرحمن الغِفاري مولاهم البصري. قال
في " الكمال ": روى عن: علي بن أبي طالب، وعقبة بن عامر،
وصلة بن الحارث الغِفاري صاحب النبي- ﵇، وقال ابن
стр. 956
يونس: يروي عن: علي بن أبي طالب وما أظنه سمع من عليّ. ويروي
عن: أبي هريرة. روى عنه: الحجاج بن شداد الصنعاني، وعمار بن
سعد (١) المرادي. روى له: أبو داود (٢) .
قوله: " مر ببابلَ " بابل: أقدم أبنية العراق، ونُسب ذلك الإقليم إليها
لقدمه؛ وكانت ملوك الكنعانيين وغيرهم يقيمون بها، وبها آثار أبنية من
قديم الزمان، ويقال: إن الضحاك أول مَن بنى بابل، ويقال: القي
إبراهيم في النار ببابل، واليوم هي خراب، وفي موضعها قرية صغيرة:
وهي غير منصرف للعلمية والعجمة.
قوله: " يؤذنه " أي: يعلمه؛ من آذن- بالمد- يؤذن.
قوله: " إن حبّي " الحِب- بكسر الحاء- بمعنى: الحبيب، مثل خِدن
وخَدينٍ.
قوله: " أن أصلي في المقبرة " المقبرة- بفتح الباء وضمها- واحدة المقابر.
و" (٣) اختلف العلماء في تأويل هذا الكلام؛ فكان الشافعي يقول:
إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم، وما يخرج
منهم، لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها
أجزأته صلاته، قال: وكذلك الحمام إذا صلى في موضع نظيف منه فلا
إعادة عليه. وهذا- أيضا- قول أصحابنا. ورخّص عبد الله بن عمر في
الصلاة في المقبرة وحكِيَ عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر. وعن
مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر. وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام
ولا مقبرة على ظاهر الحديث. وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك.
ورُويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف. واحتج بعض من لم يجز
الصلاة في المقبرة وإن كانت طاهرة التربة بقوله- ﵇: " صَلُوا
في بيوتكم، ولا تتخذوها مقابر " قال: فدل ذلك على أن المقبرة ليست
بمحل للصلاة ".
стр. 957
قلت: هذا استدلال ضعيف؛ لأن المعنى: لا تتخذوها خالية عن
العبادات كالمقابر؛ لا أن المعنى أن المقابر لا تجوز فيها الصلاة.
قوله: " فإنها ملعونة " أي: فإن أرض بابل ملعونة بمعنى: أن أهلها
كانت ملعونة، ولهذا خسف بهم، والأرض لا توصف باللعنة؛ ويؤيد
ذلك ما روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن
شريك، عن عبد الله بن أبي المُحِلّ العامري قال: كنا مع على فمررنا
على الخسف الذي ببابلَ فلم يعدل حتى أجازه. وعن حجر بن عنبس
الحَضرمي، عن عليّ قال ما كانت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث
مرار. قال البيهقي: وهذا النهي إن ثبتَ مرفوعا وليس بمعنى يرجع إلى
الصلاة، إذ لو صلى فيها لم يُعد، وإنما هو كما جاء في قضيّه الحجر.
وقال ابن يونس: أبو صالح الغفاري روى عن علي وما أظنه سمع منه.
وقال ابن القطان: في سَنده رجال لا يعرفون. وقال عبد الحق: هو
حديث واهي. وقال البَيهقي في " المعرفة ": إسناده غير قوي، وقال:
/في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرّم الصلاةَ في
أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصحّ منه وهو قوله- ﵇:
" جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، ويُشبه أن يكون معناه- إن
ثبت-: أنه نهاه أن يتخذ أرض بابل وطنا ودارا للإقامة، فتكون صلاته فيها
إذا كانت إقامته بها. ويخرج النهي فيه على الخصوص؛ ألا تراه يقول:
" نهاني "؟ ولعل ذلك منه إنذار له بما أَصَابه مِن المحنة بالكوفة- وهي
أرض بابل- ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله من المدينة.
٤٧٣- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يحيى بن أزهر،
وابنُ لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغِفاريّ، عن عليّ
- رضى الله عنه- بمعنى سليمان بن داود قال: " فلمَا خرَجَ " مكان " لما
برز " (١)
стр. 958
ش- الحجاج بن شداد: الصنعاني، يُعذ في المصريين. روى عن:
أبي صالح. روى عنه: ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، وحيوة بن
شريح. روى له: أبو داود.
قوله: " بمعنى سليمان بن داود " أي: بمعنى، حديث سليمان بن داود
الزهراني المذكور.
قوله: " قال " أي: قال أحمد بن صالح في روايته: " فلما خرج منها "
مكان قوله: " فلما برز منها " وكلاهما سواء في المعنى.
٤٧٤- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد ح ونا مُسدد: نا
عبد الواحد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول
الله ﷺ . وقال موسى في/حديثه فيما يحسب عَمرو: إن النبيَّ- عليه
السلام- قال: " الأرضُ كلها مَسجدا إلا الحمَامَ والمَقبُرةَ " (١) .
ش- حماد: ابن سلمة، وعبد الواحد: ابن زياد البصري، وعَمرو
ابن يحيى: ابن عمارة المدني، وأبوه: يحيى بن عمارة بن أبي حسن
الأنصاري المدني، وأبو سعيد: الخدري.
قوله: " وقال موسى " أي: موسى بن إسماعيل أحد شيوخ أبي داود.
قوله: " إلا الحمام والمقبرة " استثناء متصل مَنصوب؛ لأن المستثنى واجب
النصب في صور؛ منها: أن يكون بعد " إلا " غير صفة في كلام
مُوجب ذكر المستثنى منه؛ وهاهنا كذلك؛ إذ لو رفع لكان بدلاً من
المسجد لانتفاء بقية التوابع، ويكون بدل بعض لا غير، والبدل يحل محل
البدل منه؛ لأنه المقصود، فيكون التقدير: " الأرض كلها إلا الحمام "
فلم يستقم المعنى، أو نقول: إن البدل في حكم تكرير العامل، فيكون
الحمام مسجدا- أيضا- إذ تقدير الكلام: في الأرض كلها مسجد إلا
стр. 959
الحمام مسجد؛ كما في قولك: جاءني القوم إلا زيدا، لو رفع " زيدا "
يكون التقدير جاءني القوم إلا جاءني زيد؛ وهو خلاف المقصود من
الكلام، فافهم. ثم الحمام إنما يخرج عن كونه مسجدا إذا كانت النجاسة
فيه ظاهرة، أو صلى في مَوضع فيه غُسالات، حتى لو صلى فيه في مكان
طاهر، أو غسل موضعا منه وصلى فيه، يحوز بلا كراهة. وكذلك
المقبرة إنما تخرج عن كونها مسجدا إذا ظهرت فيه صدائد الموتى ونحوها،
حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز- كما ذكرناه مفصلا مع
الخلاف- ورُوِيَ هذا الحديث مسندا ومرسلا، وأخرجه الترمذي، وابن
ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، وذكر أن سفيان أرسله
وقال: وكأن راويه الثوري عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي
﵇ أثبت وأصحّ.
***
٢٤- باب: في الصَّلاة في مَبارِك الإبل
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاَة في مبارك الَإبل، وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء في الصلاة ". والمبارك: جمع مَبرك- بالميم
المفتوحة- وهو مَوضع البروك.
٤٧٥- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا أبو معاوية: نا الأعمش، عن
عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن
عازب قال: سُئِلَ رسولُ الله عن الصلاة في مبَارك الإبِلِ فقال: " لا تُصَلُوا
في مَبَارِك الإبلِ؛ فإنها منَ الشياطين " وسُئِلَ عنَ الصَلاةِ في مَرَابِضِ الغَنَم
فقال: " صًلُوَا فيها؛ فإنها بَرَكَة " (١) .
ش- الحديث بعينه مع رواته بأعيانهم مع زيادة فيه قد مر في " باب
الوضوء من لحوم الإبل "؛ فليراجع فيه/وقال البخاري: باب الصلاة
في مواضع الإبل (٢) : حدثنا صدقة بن الفضل: حدثنا سليمان بن حيان:
стр. 960
حدثنا عبيد الله، عن نافع قال: رأيت ابن عُمر يصلي إلى بَعِيره وقال:
رأيتُ رسول الله يفعله.
قلت: ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل.؛ وإنما صلى
إلى البعير؛ لا في موضعه؛ وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك
عطنًا، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن
مواضع إقامتها عند الماء واستِيطانها.
***
٢٥- باب: مَتَى يُؤمرُ الغلامُ بالصلاةِ
أي: هذا باب فيه بيان حكم الغلام متى يؤمر بالصلاة، وفي بعض
النسخ: " باب متى يؤمر الصبي بالصلاة ". وقال الجوهري: الصَبي:
الغلامُ، والجمع: صُبية وصبيان، وهو من " الواو " ولم يقولوا: أصبية
استغناء بصبية، كما لم يقولَوا: أغلمة استغناء بغلمة، وتصغير صِبيَة:
صُبَية في القياس. وقد جاء في الشعر: أصيبيَة كأنه تصغير أصبيَة؛
واشتقاقه من صَبَا يَصبو صُبُوا وصَبوةً أي: مال؛ ومنه سمي الصَّبي لميله إلى
كل شيء، وقال في " المجمل ": الغلامُ: الطار الشارب؛ وهو بَين
الغُلُومِيَّة؛ والجمع: غلمة وغلمان؛ وأصله: من اغتلم الفحلُ غلمةً،
وهاج من شهوة الضراب؛ والحاصل: أن الصبي والغلام لا يطلقان إلا
على مَن لم يُدرك ولم يبلغ.
٤٧٦- ص- نا محمد بن عيسى: نا إبراهيم بن سَعد، عن عبد الملك
ابن الربيع بن سَبرة، عن أبيه، عِن جلة قال: قال النبيِ- ﵇:
" مُرُوا الصبي بالصلاة إذا بلغَ سبع سنين، وإذا بَلَغَ عشرَ سنين فاضربُوه
عليها " (١) .ًَ
ش- محمد بن عيسى: الطباع، وإبراهيم بن سَعد: ابن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف.
стр. 961
وعبد الملك بن الربيع بن سَبرة الجهني* سمع: أباه، روى عنه:
إبراهيم بن سعد، وزيد بن الحباب، وحرملة بن عبد العزيز وغيرهم.
روى له الجماعة إلا البخاريّ (١) .
وأبوه الربيع بن سَبرة بن مَعبد الجهني المدني. روى عن: أبيه، ويحيى
ابن سعيد بن العاص، وعمر بن عبد العزيز. روى عنه: الزهري،
وابناه: عبد الملك وعبد العزيز وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله العجلي:
حجازيّ ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (٢) .
وسَبرة بن مَعبد ويقال: ابن عوسجة بن حرملة بن سبرة بن خديج
الجُهني يكنى أبا ثُرية- بضم الثاء المثلثة- رُوِيَ له عن رسول الله تسعة
عشر حديثا. روى له مسلم حديثا واحدًا. روى عنه: ابنه: الربيعُ.
توفي في خلافة معاوية. روى له أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن
ماجه (٣) .
قوله: " مروا الصبيَّ " مرُوا أصله: أُأْمُروا؛ لأنه من أمَر يَأمر والأمر منه:
أأمُر، فحذفت الهمزة الثانية للتخفيف فصار أمُر، فاستغنى عن همزة
الابتداء فحذفت فصار: " مُر " على وزن " عُل "؛ وهذا الأمرُ للإرشاد
والتأديب؛ وليس للوجوب؛ إذ الصبيّ مرفوع عنه القلم، فلا يكلف
بالأوامر والنواهي، وإنما عيّن السَنة السّابعة لأنها سنة التمييز، ألا يُرى أن
الحضانة تسقط عند انتهاء الصبيّ إلى سبع سنين؟ ولأن أوّل مراتب عقود
العدد المركب العشرة، والسَبعة أكثرها، وإنما أمر بالضرب عند عشر
ستين لأنه ح (٤) يَقربُ إلى البلوغ؛ لأن أقلَّ البلوغ في حق الصبيّ
اثنا عشر سنةً، وهذا الأمر- أيضا- أمر تأديب وإرشاد ليتخلق
стр. 962
بأخلاق المسلمين ويتعود بإقامة العبادات، وقال الخطابي: وهذا يدل على
إغلاظ العقوبة له إذا تركها متعمداً بعد البلوغ. وكان بعض أصحاب
الشافعي يحتج به في وجوب قتله إذا تركها متعمدا بعد البلوغ، ويَقول:
إذا استحق الصبي الضرب وهو غير بالغ، فقد عقل أنه بعد البلوغ يَستحق
من العقوبة ما هو أشد من الضرب، وليس بعد الضرب شيء مما قاله
العلماء أشد من القتل.
قلت: هذا استدلال ضعيف؛ لأنا / لا نسلم أن الضرب كان عليه
واجبًا قبل البلوغ حتى يستحق ما هو أشد من الضَرب، وهو القتل بعد
البلوغ، ولا نسلم- أيضا- أن القتل واجبٌ بالذنب؛ للحديث المشهور:
" أمرت أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله " الحديث- وأيضا-
الضرب في نفسه يتفاوت، فيُضربُ بعد البلوغ ضربا مُبرَحا حتى يخرج
منه الدم، ويُحبس- كما هو مذهب أبي حنيفة- فهذا أشدُ من الضرب
المجرد، فكيف يَقولُ هذا القائل: " وليس بَعد الضرب شيء أشد من
القتل "؟! وأيضا الضرب قبل البلوغ بطريق التأدب وبعده بطريق الزجر
والتعزير، فكان هذا أشد من الضرب الأول، فليت شعري الذي يستدل
بهذا الدليل الواهي كيف لا يُصحح إسلام الصَبيّ بهذا الحديث؟ لأنه إذا
كان يؤمر بالصلاة وعمره سبع سين، ويُضرب على تركها وعمره عشر
سنين "، كيف لا يصح إسلامُه الذي هو أصلُ سائر العبادات؟ ولا تُقبل
الصلاة ولا غيرها إلا به؟ على أن الصلاة يحتاج فيها الصبي إلى تعقم
أمور كثيرة من الاستنجاء والطهارة، ومعرفة الوقت وغير ذلك من شرائط
الصلاة وأركانها، بخلاف الإسلام؛ فإنه مُجرد قولِ، فافهم.
٤٧٧- ص- نا مؤمل بن هشام: نا إسماعيل، عن سَوار أبي حمزة- قال
أبو داود: وهو سوّار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي-، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " مُرُوا أولادَكُم
بالصلاة وهم أبناءُ سبع سِنين، واضرِبُوهُم عليها وهم أبناءُ عَشرِ سِنين،
وفَرقُوا بَينهم في المضَاجِع " (١) .
стр. 963
ش- مؤمل بن هشام: أبو هشام اليشكري البصري، ختن إسماعيل
ابن علية. روى عن: إسماعيل بن عليّة. روى عنه: البخاري،
وأبو داود، وابنه (١) عبد الله بن أبي داود، والنسائي، وأبو حاتم وقال:
صدوق، وغيرهم. مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (٢) . وإسماعيل
ابن عُلية البصري، وقد ذكرناه مرة.
وسَوار: ابن داود، أبو حمزة الصَّيرفي المزني البصري، صاحب
الحُلي. سمع: ثابتا البناني، وعمرو بن شعيب. روى عنه: إسماعيل
ابن عُليّة، ووكيع، وابن المبارك وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: شيخ
بصري، لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال الدارقطني: بصري،
لا يتابع على أحاديثه فيُعتبر به. روى له: أبو داود (٣) .
قوله: " وهم أبناء " في موضعين وقع حالاً.
قوله: " وفرقوا بينهم في المضاجع " أي: في المراقد؛ وذلك لأنهم إذا
بلغوا إلى عشر سنين يقربون من أدنى حد البلوغ، وينتشر عليهم آلاتهم،
فيخاف عليهم من الفساد.
٤٧٨- ص- نا زهير بن حرب: نا وكيع: حدثني داود بن سَوّار المزني
بإسناده ومعناه، وزاد:" وإذا زَوجَ أحدُكُم خَادمَهُ عَبدَهُ أو أجيرَهُ، فلا يَنظر
إلى ما دونَ السرة وفوقَ الرُكبَةِ " (٤) .
ش- زهير بن حَرب: ابن شداد النسائي، ووكيع: ابن الجراح.
стр. 964
قوله: " بإسناده " أي: بإسناد الحديث المذكور؛ ومعناه؛ ولكنه زاد في
روايته: " وإذا زوج أحدكم خادمه " الخادمُ: واحد الخدم، ويقع على
الذكر والأنثى، لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض
وعاتق؛ ولكن المراد هنا الأنثى بقرينة قوله: " عبده أو أجيره " لأن الذي
يزوجه منهما هي الأنثى؛ وإنما نهى أن لا ينظر إلى ما دون السُّرّة وفوق
الركبة، لأنه بتزويجه إياها حَرُمَت عليه، فصارت كجارية الأجنبي، فلا
يحوز له أن ينظر إلى عورتها؛ ولكن في جارية الأجنبي لا يحوز النظر-
أيضا- إلى بطنها وظهرها؛ لأن ظهرها وبطنها- أيضا- عورة في حق
الأجانب- كما عرف في الفروع.
ص- قال أبو داود: وهِمَ وكيع في اسمه. روى عنه: أبو داود الطيالسي
هذا الحديث قال: نا أبو حمزة سوار الصيرفي.
ش- أي: وهم وكيع بن الجراح في اسم سوّار بن داود فقلبه فقال:
داود بن سَوار؛ واستدل على وهمه بقوله: روى عنه- أي: عن سوار-
أبو داود: سليمان بن داود/الطيالسي قال: حدثنا أبو حمزة سوّار
الصيرفي. وهذا الحديث ذكره الشيخ في كتاب اللباس- أيضا-.
٤٧٩- ص- نا سليمان بن داود المَهريُ: نا ابن وَهب: أخبرني هشام بن
سعد: حدثني معاذ بن عبد الله بن خُبيب الجُهني قال: دَخَلنَا عليه فقال
لامرأتهِ: متى يُصلِّي الصبيُ؟ فقالت: كان رجلٌ منَا يَذكرُ عن رسول الله أنه
سُئِلَ عن ذلك قال: " إذا عَرَفَ يمينَهُ من شِمَالِهِ، فمُروهُ بالصَلاةِ " (١) .
ش- سليمان بن داود: ابن حماد المَهري أبو الربيع المصري،
وعبد الله بن وهب، وهشام بن سعد المدني القرشي.
ومُعاذ بن عبد الله بن خُبيب- بضم الخاء المعجمة- الجهني المدني.
روى عن: أبيه، وعمه، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وجابر بن
أسامة. روى عنه: أسِيد بن أبي أسِيد، وأسامة بن زيد، وعثمان بن
стр. 965
مرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن سليمان. قال ابن معين: ثقة. روى
له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: " إذا عرف يمينه من شماله " هذا إنما يكون في سنة التمييز؛
ويختلف ذلك باختلاف ذكاوة الصبي وبلادته؛ فكم من صبي عمره خمس
سنين أو أكثر من ذلك بقليل يعرف ذلك، وكم من صبي عمره عشر سنين
أو " أقل من ذلك بقليل لا يَعرف ذلك؛ ولكن الغالب في ذلك سبع سنين؛
لأنه سنة التمييز- كما ذكرناه.
***
٢٦- بَابُ: بَدء الأذَانِ
أي: هذا باب في بيان ابتداء الأذان. وفي بعض النسخ: " باب ما
جاء في بدء الأذان ". ولما فرغ عن بيان المواقيت ونحوها شرع في بيان
الأذان الذي هو إعلام للصلاة؛ وقدم المواقيت التي هي إعلام لما فيها من
معنى السببيّة، ثم ذكر الأذان الذي هو إعلام لتلك الإعلام؛ والأذان:
الإعلام بالشيء؛ يقال: آذن يؤذن إيذانا، وأدَّن يؤذن تأذينا؛ والمشدد
مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. وفي " الصحاح ": وأذان
الصلاة معروف، والأذِينُ مثله، وقد ألحّن أذانا.
٤٨٠- ص- نا عباد بن موسى الخُتلي. ونا زيادُ بن أيوب- وحديث
عباد أتم- قالا: نا هُشيم، عن أبي بشر، قال زيادٌ: أخبرنا أبو بشرِ، عن
أبي عُمير بن أنس، عن عُمُومة لهَ من الأنصارِ قال: اهتم النبيُ- عليه
السلام- للصلاة: كيفَ يَجمَعُ الناسَ لها؟ فقيلَ له: انصب رايةَ عند
حُضُورِ الصلاة، فَإذا رَأوها آذَنَ بَعضُهم بَعضًا، فَلم يُعجبه ذَلك. قال:
فَذُكِرَ له القنعِ- يعني: الشّبّور- وقال زيادٌ: شَبورُ اليَهُود- فلم يُعجبهُ ذلك
وقال: " هُو مِن أمرِ اليَهُود ". قال: فَذُكِرَ له الناقُوسُ فقَال: " هو من أمرِ
النصَارى ". فانصرفَ عبدُ الله بنُ زيدٍ وهو مُهتَم لِهَم رَسُولِ الله، فأرِيَ
стр. 966
الأذانَ في مَنامِهِ. قال: فَغَدا على رسول الله فأخبرَهَ، فقال (١) : يا رَسُولَ اللهِ،
إني لبين نائمٍ ويَقظانَ إذ أتاني آتٍ فأرَانيَ الأذانَ. قال: وكان عُمرُ بنُ
الخطاب قد راَهُ قبل ذلك فكَتَمَهُ عشرين يومًا. قال: ثم أخبره النبيَّ- عليه
السلام-، فقالَ له: " ما مَنَعكَ أنَ تُخبِرَنَا (٢) ؟ " فقال: سَبَقَنِي عبدُ الله بن
زيد فاستحيَيتُ، فقالَ رسولُ الله: " يا بلالُ! قُم فانظُر ما يأمُرُكَ به عبدُ الله
ابنُ زَبد فافعله ". قالَ: فأذنَ بلالَ " (٣) .
ش- عباد بن مُوسى: أبو محمد الختلي- بضم الخاء المعجمة والتاء
المثناة من فوق- وزياد بن أيوب: ابن زياد البغدادي. وهُشَيم: ابن بشَير
الواسطي. وأبو بشر: جَعفر بن أبي وَحشية الواسِطي. وأبو عُميِر بن
أنس بن مالك: الأنصاري. روى عن: عمومة له من الأنصار. روى
عنه: أبو بشر. قال الحاكم: اسم أبي عُمير: عبد الله. روى له:
أبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ وسماه: عبد الله- أيضا (٤) -.
قوله: " عن عُمومة " العمومة: جمع عَم؛ كالبعولة: جمع بَعلٍ.
قوله: " انصب " - بكسر الصاد- لأنه من باب ضرب يضرب،
والرايةُ: العلم؛ وأصله واويّ.
قوله: " آذن " - بالمد- أي: أعلم؛ من الإيذان وهو الإعلام.
قوله: " فذُكرَ له القُنع " بضم القاف وسكون النون، و " القَبَعَ " بفتح
القاف والباء/َ المُوحدة، و " القَثع " بالثاء المثلثة الساكنة، و " القَتع "
بالتاء ثالثة الحروف؛ " (٥) فمن قال بالنون- وهو الأكثر في الرواية-
فلإقناع الصوت به وهو رفعه، وأقنع الرجل صوته ورأسه إذا رفعه، ومن
أراد أن ينفخ في البُوق يرفع رأسه وصوته، أو لأن أطرافه أقنعت إلى
стр. 967
داخله أي عُطفت. ومَن قال بالباء الموحدة لأنه يَتبع فَا (١) صاحبه أي:
يَستُره، وقبع الرجل رأسه في جَيبه إذا أدخله فيه؛ لأنه يقبَعُ فم النافخ
أي: يُواريه أو من قَبَع الجوالق أو الجراب إذا ثنَيت أطرافه إلى داخل، أو
من قولهم: قبَع في الأرض قبُوعًا ذهب لذهاب الصوت منه وشدته.
وأما الثاء المثلثة: فأثبته أبو عمر الزاهد، وأبطله الأزهري، كأنه من قَثع
مقلوب قعث وأقتعثه إذا أخذ كفه واستوعبه، لأخذ البوق نفس النافخ
واستيعابه له؛ لأنه ينفخ بشدة ليرفع الصوت به ويُنوه به. ومَن قال بالتاء
ثالث الحروف قال: هو دود يكون في الخشب، وقيل: هذا الحرف
مَدارُه على هُشيم؛ وكان كثير اللحن والتحريف، على جلالة محلّه في
الحديث ".
قوله: " يعني: الشّبُور " تفسير القنع، والشبور بفتح الشين المعجمة
وضم الباء الموحدة المشددة. وقال في " الصحاح ": الشّبَور على وزن
التنور: البُوقُ؛ ويقال: هو مُعرب.
قوله: " الناقوس " خشبة طويلة تُضربُ بخشبة أصغر منها؛ والنصارى
يُعلمون بها أوقات صلواتهم. قال ابن الجواليقي: فأما الناقوس: فيُنظر
فيه أعربيّ هو أم لا؟
قلت: النَّقسُ: هو الضرب بالناقوس يدل على أنه عربي؛ ووزنه:
فاعُول كقَابُوس البحر، فيكون الألف والواو فيه زائدتان.
قوله: " لهَمِّ رسول الله " أي: لهم رسول الله في الصلاة كيف يجمع
الناس لها؟ وَالهم: الحَزَنُ، وأهمني (٢) الأمر إذا أقلقك وَحَزنك.
قوله: " قم فانظر ما يأمرك به " فيه دليل على أن الواجب أن يكون الأذان
قائمًا؛ وكانت هذه القضية عند مَقدمه- ﵇ المدينة النبوية.
وفي " تاريخ النويري ": وفي السنة الثانية من الهجرة: رأى عبد الله بن
стр. 968
زيد بن عبد ربّه الأنصاري صورة الأذان في النوم وورد الوَحي به. وروى
السُّهيلي بسنده من طريق البزار، عن علي بن أبي طالب، فذكر حديث
الإسراء وفيه: فخرج ملك من وراء الحجاب، فأذن بهذا الأذان وكلما
قال كلمةً صدقه الله تعالى، ثم أخذ الملك بيد محمد- ﵇
فقدّمه، فأم بأهل السماء وفيهم اَدم ونوح " ثم قال السهيلي:. وأخلِق بهذا
الحديث أن يكون صحيحا؛ لما يَعضده ويشاكله من حديث الإِسراء.
فلت: ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح؛ بل هو منكر؛ تفرد به:
زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تُنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من
المتّهمين، ثم لو كان هذا قد سمعه رَسول الله ليلة الإِسراء، لأوشك أن
يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة.
ص- قال أبو بشر: فأخبرني أبو عَمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن
زيد لولا أنه كان يومئذ مريضًا لجعله رسول الله مُؤذنًا.
ش- أي: يوم رأى الأذان في منامه كان ضعيفًا؛ وكان له- عليه
السلام- أربعة من المؤذنين؛ وهم: بلال، وعمرو بن أم مكتوم القرشي
العامِري الأعمى، وأبو محذورة أوسُ بن مِعيَرِ الجُمحي، وسَعد بن عائذ
مولى عمار بن ياسر بقُباء- رضى الله عنهم-. وأما عبد الله بن زيد:
فهو ابن عبد رَبه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج أبو محمد
الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا. روى عنه: ابنه: محمد،
وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال الترمذي: سمعتُ
محمد بن إسماعيل يقول: لا يُعرف لعبد الله بن زيد بن عبد ربه إلا
حديث الأذان. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين،
وصلى عليه عثمان بن عفان- رضى الله عنه-. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
стр. 969
٢٧- بَابُ: كيفَ الأذانُ ؟
أي: هذا باب فيه كيفية الأذان.
٤٨١- ص- نا محمد بن منصور الطُّوسي: نا يعقوب: نا أبي، عن
محمد بن إسحاق:/حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمَي، عن
محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه: حدثني أبي: عبد الله بن زيد قال: لما
أمَرَ رسول الله بالناقُوسِ يُعملُ ليُضربَ به للناسِ لجمع الصلاة، طَافَ بي-
وأنا نَائم- رجَل يحمِلُ ناقُوسًا في يده، فقلتُ: يا عبدَ الله! أتًبِيعُ الناقوسَ؟
قال: وما تَصنعُ به؟ فقلتُ: ندعو بهَ إلى الصلاةِ، قال: َ أفلا أدُلُك على ما
هو خير من ذلك؟ فقلتُ له: بلى، قال: فقال: تَقُول: اللهُ أكبر، اللهُ أكبر،
اللهُ أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن
محمدَا رسول الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حب على الصلاة، حيَّ
على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاحَ، الله أكبر، الله أكبرَُ، لا إله
إلا الله. قالَ: ثم استَأخَرَ عنِّي غيرَ بَعيد. ثم قال: ثم تَقولُ (١) إذا أقَمتَ
الصلاةَ: الله أكبر الله أكبرُ، أشهد أنَ لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ
الله، حيَّ على الصلاة، حَيَ على الفلاحِ، قد قَامَت الصلاةُ، قد قَامَتِ
الصَلاةُ، الله أكبر الله أكَبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحَتَ أتيتُ رسولَ الله-
فأخبرتُه بما رأيتُ فقال: " إنها لرُؤيا حُقّ إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه
ما رأيت، فليؤذِّن به؛ فإنه أندى صوتًا منك " فقمتُ مع بلالٍ فجًعلتُ ألقِيه
عليه ويُؤَذّنُ به. قال: فسمع ذلك عُمر بنُ الخطاب وهو في بَيته، فخرجَ
يَجرُ رداءَه يقول (٢) : والذي بعثَكَ بالحقِّ يا رسولً الله لقد رأيَتُ مثلَ ما
أرِيَ (٣) . فقال رسول اللهِ: " فللَهِ الحمدُ " (٤) .
стр. 970
ش- محمد بن منصور: ابن داود بن إبراهيم، أبو جعفر الطُوسي
العابد، سكن بغداد. سمع: يعقوب بن إبراهيم، وروح بن عبادة،
وإسماعيل بن عليّة، وابن عُيينة وغيرهم. روى عنه: أبو داود،
والنسائي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهم. قال النسائي: هو ثقة،
ومرة: لا بأس به. مات سنة أربع وخمسين ومائتين، وله ثمانون سنه (١) .
ويعقوب: ابن إبراهيم بن سعد الزهري. وأبوه: إبراهيم بن سَعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي. ومحمد بن إسحاق:
ابن يسار.
ومحمد بن عبد الله بن زيد بن عبدا ربه الأنصاري الخزرجي المدني.
روى عن: أبيه، وأبي مسعود البدري. روى عنه: أبو سلمة، ونعيم
ابن عبد الله، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي. روى له الجماعة (٢) .
قوله: " طاف بي " من الطيف؛ وهو الخيال الذي يُلم بالنائم، يقال
منه: طاف يَطيف، ومن الطواف: طاف يطوف، ومن الإحاطة بالشيء:
أطاف يُطِيف.
قوله: " رجل " مرفوع على أنه فاعل طاف.
قوله: " وأنا نائم " جملة حالبّة معترضة بين الفعل والفاعل.
وقوله: " يحمل ناقوسَا " في محل الرفع؛ لأنه صفة رجل.
قوله: " أتبيع الناقوس " الهمزة فيه للاستفهام، وكذلك الهمزة في
قوله: " أفلا أدلك " والفاء للعطف.
قوله: " من ذلك " أي: من الناقوس، أي: من ضَربه.
قوله: " قال: فقال " أي: قال عبدُ الله بن زيد: قال الرجل الذي عمل
الناقوس.
стр. 971
قوله: " الله كبر " إلى آخره مَقولُ القَول؛ ومعنى " الله أكبر " أي:
أكبر من كل شيء، وقد عرف أن أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد
الأشياء الثلاثة: الألف واللام، والإضافة، و " مِن "؛ وقد يستعمل
مجردا عنها عند قيام القرينة كقوله تعالى: (يَعلمُ السِّرَّ وأخفَى) (١)
أي: أخفى من السِّرّ، ومنه " الله أكبر "، وقد ذكرنا مرةً أن " أن " في
" أشهدُ أن " مخففة من مثقلة، وأن " إلا " بمعنى " غير ".
قوله: " حيّ على الصلاة " أي: أسرِعوا إليها وهلموا وأقبلوا وتعالوا،
وهو اسم لفعل الأمر، وفتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها؛ كما قيل
ليتَ، ولعلَّ، والعربُ تقول: حيَّ على الثريد. " والفلاح ": النجاة.
قوله: " ثم استأخر عني " استأخر مثل تأخر، أي: تأخر عني؛ وليس
السين فيه للطلب؛ وفيه دلالة على أن الإقامة تكون في غير موقف الأذان
مستحبةً.
قوله: " قد قامت الصلاة " أي: قد قربت وحانت؛ لأن " قد " فيها
للتقريب.
قوله: " إنها " أي: الرؤية التي رأيتها " لرؤيا حق " يعني: من الله
تعالى؛ والرُّؤيا على وزن فُعلى بلا تنوين؛ يقال: رَأى في منامه رؤيا؛
وجمع الرؤيا: رُؤًى بالتنوين مثل (٢) رُعًى؛ وإنما قال: " إن شاء الله "
للتبرك؛ كقوله تعالى: (لَتَدخُلُنَّ المسجِدَ الحرامَ إِن شَاءَ الله) (٣) .
/قوله: " فإنه أندى صوتَا منك " أي: أرفع وأعلى، وقيل: أحسن
وأَعذب، وفيل: أبعد، وهو أفعل من النَدَى- بفتح النون وبالقَصر-
وهو بمعنى الغاية، مثل المَدى، والنَدَى- أيضا- بعد ذهاب الصوت.
وفيه دليل على أن من كان أرفع صوتا كان أولى بالأذان؛ لأنه إعلام،
فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر.
стр. 972
قوله: " يَجرُّ رداءه " جملة وقعت حالاَ من الضمير الذي في " فخرج "،
وكذلك قوله " يقول " حال- أيضا- والفعل الضارع المثبت إذا وقع حالا
لا يحتاج إلى الواو؛ وقد عُرف في مَوضعه.
قوله: " مثل ما أُرِي " - بضم الهمزة وكسر الراء- أيمما: مثل ما أُرِي
عبد الله بن زيد. وفي رواية: " مثل ما رأى " على صيغة المعلوم.
قوله: " فللَّه الحمد " الفاء فيه يجوز أن تكون عاطفة على محذوف
تقديره: لله الشكر، فللَه الحمدُ، ويجوزُ أن تكون زائدة، قد زيدت فيه
لتَحبير الكلام.
و" (١) هذا الحديث والقصة: قد رُوِيَ بأسانيد مختلفة؛ وهذا الإسناد
أصحها. وفيه: أنه ثنى الأذان وأفرد الإقامة؛ واستدل به الشافعي علي
أن الإقامة فرادى. وبه قال مالك وأحمد، وهو قول الحسن، ومكحول،
والزهري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه ".
واستدل أبو حنيفة بأحاديث- نذكرها عن قريب إن شاء الله تعالى-
على أن الإقامة مثل الأذان غير أن فيها " قد قامت الصلاة " مَرّتين.
" (٢) والحديث: أخرجه الترمذي؛ فلم يذكر فيه كلمات الأذان، ولا
الإقامة، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه فلم يذكر فيه
لفظ الإقامة وزاد فيه شعرا. ورواه ابن حبّان في " صحيحه " في النوع
الرابع والتسعين من القسم الأول فذكر [هـ] بتمامه. وقال البيهقي في
" المعرفة ": قال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد الله بن زيد
في قصة الأذان خبر أصح من هذا؛ لأن محمدا سمعه من أبيه، وابن
أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زَيد. ورواه ابن خزيمة في " صحيحه "
وزاد: وخبر ابن إسحاق هذا ثابت صحيح؛ لأن محمد بن عبد الله بن
زيد سمعه من أبيه، ومحمد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم
стр. 973
التيمي؛ وليس هو مما دلّسه ابن إسحاق. وقال الترمذي في " علله
الكبير ": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو عندي
صحيح. ورواه أحمد في " مسنده " (١) .
ص- قال أبو داود: هكذا رواية الزهري عن سعيد بن المسيّب، عن
عبد الله بن يزيد؛ وقال فيه ابن إسحاق، عن الزهري: " الله كبر، الله كبر،
الله كبر، الله أكبر ". وقال معمرٌ ويونس، عن الزهري فيه: " الله أكبر، الله
كبر " لم يُثنِّيا.
ش- أي: مثل رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الله بن زيد:
رواية ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المُسيب، عن عبد الله بن زيد.
وقال الحاكم في " المستدرك (٢) " في فضائل عبد الله بن زيد بن عبد ربه:
" وإنما اشتهر عبد الله بن زيد بن عبد ربه بحديث الأذان؛ ولم يخرجاه في
" الصحيحين " لاختلاف الناقلين في أسانيده، وقد تداوله فقهاء الإسلام
بالقبول، وأمثل الروايات فيه: رواية سعيد بن المسيب، وقد توهم بعض
أئمتنا أن سعيدا لم يلحق عبد الله بن زَيد؛ وليس كذلك، وإنما توفي
عبد الله بن زيد في أواخر خلافة عثمان. وحديث الزهري عن سعيد بن
المسيب مشهور؛ رواه يونس بن يزيد (٣) ، ومعمر بن راشد، وشعيب
ابن أبي حمزة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم.
قوله: " لم يُثنيا " أي: لم يُثَنيا " الله أكبر الله أكبر " بمعنى قالا في
روايتهما عن الزهري: " الله أكبر الله أكبر " مرةً واحدةً. وهو مذهب
مالك- رضى الله عنه-.
٤٨٢- ص- نا مُسدد: نا الحارث بن عُبيد، عَن محمد بن عبد الملك بنِ
أبي مَحذورة، عن أبيه، عن جَده قال: قلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمني سُنةَ
الأذَانِ! قال: فمسَحَ مُقدَّمَ رأسِهِ (٤) قال: تَقُولُ: " الله كبرَ، الله كَبر، الله
стр. 974
أكبر، الله أكبر، تَرفعُ بها صَوتكَ، ثم تَقولُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد
أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله،
تَخفضُ بها صَوتَكَ، ثم تَرفعُ صوتَكَ بالشًّهادةِ: أشهدُ أن لا إله إلا اللهَ،
أشهَد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله، أشهد أن محمدا
رسولُ الله، حَيَ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفَلاح، حَيَّ
على الفَلاَح، فإن كان صلاة لصُّبحِ قلتَ: الصلَاةُ خَيرٌ من النوم، الصلاةُ
خيرٌ من النوم، الله كبر، الله أكبر، لا إله إلا الله " (١) .
ش- الحارث بن عُبيد: الإيادي أبو قدامة البصري/مؤذن مسجد
الري. روى عن: ثابت البناني، وأبي عمران الجَوني، ومالك بن دينار،
وعامر الأحول، ومحمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن
صُهيب، وهود بن شهاب. روى عنه: ابن البارك، ومسدد، وسعيد
ابن منصور وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث. وقال ابن
معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج
به. وقال النسائي: ليس بذاك. روى له الجماعة إلا البخاريّ (٢) .
ومحمد بن عبد الملك بن أبي محذورة: القرشي الجُمحي. روى عن:
أبيه، عن جده. روى عنه: الحارث بن عُبيد. روى له: أبو داود (٣) .
وأبوه: عبد الملك بن أبي محذورة القرشي الجُمحي المكي. روى
عن: أبيه، وعبد الله بن محيريز. روى عنه ابنه: محمد، وابن ابنه:
إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، والنعمان بن راشد، وإسماعيل بن
عبد الملك، وإبراهيم بن إسماعيل. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي (٤) .
стр. 975
وأبو محذورة- بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ذال معجمة
مضمومة، وراء مفتوحة، وتاء تأنيت- اسمه: سَمُرة بن مِعيَرِ- بكسر
الميم، وسكون العين المهملة، وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة وراء-
وقيل: اسمه: سَلمان، وقيل: مسلمة، وقيل: أوس ابن معير بن
لوذان بن وهب بن سَعد بن جُمح. روى له: مسلم، وأبوَ داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: " فمسَح مُقدم رأسه " أي: مسح رسولُ الله مقدم رأس
أبي محذورة؛ ولذلك كان لا يَحُزُ ناصيته ولا يفرقها، لأنه- ﵇
مسح عليها. وقوله " مقدم ": بفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة.
" (٢) وحديث أبي محذورة في الأذان: رواه الجماعة إلا البخاري؛
فأخرجه مسلم مقتصرا منه على الأذان خاصةً؛ وفيه التكبير مرتين
والترجيع، وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصرا ومطولا،
وأخرجه ابن حبان في " صحيحه لما بلفظ أبي داود هذا المذكور. وبه
استدل الشافعي على الترجيع، وبه قال مالك؛ إلا أن عنده لا يؤتى
بالتكبير في أوله غير مرنين. وقال أحمد: إن رجّع فلا بأس به، وإن لم
يرجّع فلا بأس به. والجواب عن هذا: ما قاله الطحاوي في " شرح
الاَثار ": يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمدّ بذلك صوته
كما أراده النبي- ﵇، فقال له- ﵇: " ارجع
فامدد من صوتك ". وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": إن أبا محذورة
كان كافرا قبل أن يُسلم، فلما أسلم ولقنه النبي- ﵇ الأذان،
أَعاد عليه الشهادة وكرّرها ليثبت عنده ويحفظها، ويكرّرها على أصحابه
المشركين، فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها، فلما
стр. 976
كررها عليه ظنها من الأذان، فعَده تسع عشرة كلمةً- وأيضا- فأذان
أبي محذورة عليه أهل مكة؛ وما ذهبنا إليه عليه عمل أهل المدينة؛
والعمل على المتأخر من الأمور ".
فإن قيل: يرد هذا: ما ذكره من قوله: " قلتُ: يا رسولَ الله،
علمني سُنَّة الأذان "؛ وفيه " ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد
أن محمدًا رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بها " فجعله
من سُنَّة الأذان، وهو كذلك في " صحيح ابن حبّان " و " مسند
أحمد " (١) . قلت: هذا مُعارضُ بما أخرجه الطبراني عن أبي محذورة؛
وليس فيه ترجيع.
٤٨٣- ص- نا الحسن بن علي: نا أبو عاصم وعبد الرزاق، عن ابن
جريج: أخبرني عثمان بن السائب: أخبرني أبي وأم عبد الملك بن
أبي محذورة، عن أبي محذورة، عن النبي- ﵇ نحو هذا
الخبر؛ وفيه: " الصلاةُ خَيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم " في الأول من
الصُّبح (٢) .
ش- الحسن بن علي: ابن محمد الخلال الحلواني، وأبو عاصم:
النَّبيل، وعبد الرزاق: ابن همام، وعبد الملك: ابن جريج. وعثمان
ابن السائب: المكي. سمع: أباه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة.
روى عنه: ابن جريج، وحديثه في المكيّين. روى له: أبو داود،
والنسائي (٣) .
والسائب: المكي. سمع: أبا محذورة الجُمحي. روى عنه: ابنه:
عثمان. روى له: أبو داود، والنسائي (٤) .
قوله: " في الأول " أي: في الأذان الأول من صلاة الصبح. وروى
стр. 977
ابن حزم بإسناده إلى أبي محذورة قال: كنت أؤذن لرسول الله في صلاة
الفجر فأقول في الأذان الأول: حي على الفلاح قلت (١) : الصلاةُ خير
من النوم. وصحّحه.
وعند الدارقطني (٢) : " فلما بلغتُ حي على الفلاح قال لي النبيُ
﵇: ألحق فيها: الصلاة خير من النوم.
صِ- قال أبو داود: وحديث مُسدّد أبينُ قال فيه: قال: وعلّمني
الإقامة مرتين مرّتين: " الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله
إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على
الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله كبر
لا إله إلا الله ".
ش- أي: حديث مسدد بن مسرهد أظهر من حديث غيره؛ قال مسدد
في حديثه: قال أبو محذورة: " وعلمني الإقامة مرتين مرتين " إلى آخره.
وهذه الرواية حجّة على الشافعي ومَن معه.
ص- وقال أبو داود: قال عبد الرزاق: " وإذا أقمت فقلها مرتين: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة أسَمِعتَ؟ ".
ش- أي: قال عبد الرزاق بن همام في روايته: " وإذا أقمت فقلها "
إلى آخره، والضمير من " فقُلها " يرجع إلى لفظة " قد قامت الصلاة "
ولا يُقال: إنه إضمار قبل الذكر؛ لأن الإضمار قبل الذكر إنما لا يجوز إذا
لم تكن ثَمَة قرينة تدل عليه؛ وهاهنا دلت القرينة عليه، ولا سيما فسره
بقوله: " قد قامت الصلاَة، قد قامت الصلاة ".
قوله: " أسمعتَ؟ " الألف فيه للاستفهام، والخطاب لأبي محذورة.
стр. 978
ص- قال: فكان أبو محذورة لا يَجُر ناصيَتَه، ولا يَفرقُها، لأن النبيَ
﵇ مسَحَ عليها ".
ش- أي: قال أبو داود: فكان أبو محذورة لا يحزُ- أي: لا يقصّ-
من جززتُ البُر والنخل والصوف جزا؛ والناصية: مقدم الرأس؛ والمراد
منها: شعرها.
قوله: " ولا يَفرقها " مِن فرَقَ شَعرَه إذا جَعله فرِيقين.
٤٨٤- ص- نا الحسن بن عليّ: نا عفانُ وسعيدُ بن عامر والحجّاج-
والمعنى واحد- قال عفان: نا همام: نا عامر الأحول: حدثني مكحول، أن
ابن مُحَيريز حدَّثه أن أبا مَحذورةَ حدثه (١) أن رسولَ الله ﷺ عَلَمَهُ الأذانَ
تسعَة عَشَرَ كَلمةً، والإقامةَ سَبعَةَ عَشَرَ كَلمةً؛ الأذانُ: اللهَ كبر، الله كبر،
الله أكبر، الله أَكبر، أشهد أن لا إله إلا اللهَ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله،
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهد أن محمدًا
رسولُ الله، حَي على الصلاة، حَي على الصلاة، حَي على الفلاح، حَيَّ
على الفلاح، الله أكبر، الله كبَر، لا إله إلا الله. واَلإقامة: الله كبر، الله أكبر،
الله كبر، الله كبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمدًا رسول اللهِ، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَب على الصلاة، حَب
على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَي على الفلاَح، قد قَامت الصلَاةُ، قد
قامتِ الصلاَةُ، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ". كذا في كتاَبِهِ في حديثِ
أبي مَحذورة (٢) .
стр. 979
ش- عفان: ابن مسلم بن عبد الله الصفّار البَصري الأنصاري،
أبو عثمان مولى عروة بن ثابت. سمع: شعبة، وهمام بن يحيى،
وسليمان بن المغيرة، وأبا عوانة، وحماد بن زيد وغيرهم. روى عنه:
أحمد بن حنبل، وقتيبة، والقواريري، وابن معين، وابنا أبي شيبة،
وأبو زرعة وغيرهم. وقال أبو حاتم: هو ثقة متقن متقن (١) . مات
ببغداد سنة عشرين ومائتين. روى له الجماعة (٢) . وسعيدُ بن عامر:
الضبعي، أبو محمد البصري. سمع: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة،
ومحمد بن عمرو بن علقمة وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. قال ابن معين:
الثقة المأمون. وقال أبو حاتم: كان رجلا صالحًا وفي حديثه بعض
الغلط، وهو صدوقي. توفي لأربع بقين من شوال سنة ثمان ومائتين،
وهو ابن ست وثمانين سنةً. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (٣) .
والحجاج: الأعور، وهمام: بن يحيى بن دينار العَوذي.
وعامر الأحول: هو عامر بن عبد الواحد الأحول البصري. روى
عن: عائذ بن عمرو، وعطاء بن أبي رباح، ونافع مولى ابن عمر،
ومكحول وغيرهم. روى عنه: شعبة، والحمادان، وأبان بن يزيد
وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس حديثه بشيء؛ وفي لفظ عنه:
ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: هو ثقة لا بأس به، قيل: يحتج
بحديثه؟ قال: لا بأس به. وقال ابن معين: ليس به بأس. روى له:
الجماعة إلا البخاريّ (٤) .
ومكحول: ابن زِير الدمشقي.
/وابن مُحَيرِيز: هو عبد الله بن مُحيريز بن جنادة بن وهب بن لوذان،
стр. 980
أبو محيريز المكي، نزل الشام وسكن بيت المقدس. سمعِ: أبا محذورة،
وعبادة بن الصامت، وأبا سعيد الخدريّ، وفضالة بن عُبيد، ومعاوية بن
أبي سفيان وغيرهم. روى عنه: أبو قلابة الجرمي، والزهري،
ومكحول، وعطاء الخراساني وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة،
من خيار الناس. روى له: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (١) .
قوله: " تسعة عشر كلمةَ " صوابه: تسع عشرة كلمة، وكذلك سَبع
عشرة.
قوله: " الأذان " مَرفوع بالابتداء، وخبره: " الله أكبر " إلى آخره؛
والتقدير: الأذان هذه الكلمات، وهي " الله أكبر " إلى آخره، وكذلك
قوله: " الإقامة " مَرفوع بالابتداء، وخبره ما بعده بالتقدير المذكور.
قوله: " كذا في كتابه في حديث أبي محذورة " ليس بَموجود في بعض
النسخ أي: في كتاب أبن محيرِيز.
٤٨٥- ص- نا محمد بن بشار: نا أبو عاصم: نا ابن جريح: أخبرني
ابنُ عبد الملك بن أبي محذورة- يعني: عبد العزيز-، عن ابن مُحيرِيز،
عن أبي محذورة قال: أَلقى عَليَّ رسولُ الله- ﵇ التَّأذين هو
بنَفسه فقال: " قُل: الله أكبر، الله كبر، الله أكَبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله
إلا اَللَه، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن
محمدا رسولُ الله (٢) ، ثم قال: ارجع فمُدَّ من صَوتِكَ: أشهدَ أن لا إله إلا
الله، أشهد أن لاَ إله إلا الله، أشهد أن محمدَا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا
رسولُ الله، حَيَ على الصلاة، حَيَ على الصلاة، حَيً على الفلاحِ، حَيَّ
على الفلاحَ، الله أكبر، الله أكبَر، لا إله إلا الله " (٣) .
стр. 981
ش- محمد بن بشار: أبو بكر، بُندار. وابنُ عبد الملك: هو
عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة القرشي. روى عن: عطاء
الخراساني وغيره. روى عنه: أبو توبة الربيع بن نافع وغيره. روى له:
أبو داود (١) .
قوله: " التأذين " نصب على أنه مفعول " ألقى ".
قوله: " هو بنفسه " أي: رسول الله بنفسه؛ ذكره للتأكيد " فقال " أي:
رسول الله إلى آخره، والجواب عنه ما ذكرناه.
٤٨٦- ص- نا النُّفيلي: نا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن
أبي محذورة قال: سمعت جَدّي: عبد الملك بن أبي محذورة، يذكرُ أنه
سَمِعَ أبا محذورة يقولُ: ألقى عَليَّ رسولُ الله الأذانَ حَرفًا حَرفًا: " الله
أكبر، الله أكبر (٢) ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهدَ أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله، أشهد أن لا إله إلا الله،
أشهد أن لا إله إَلا الله، أشهد أن محمدا رسَولُ الله، أشهد أن محمدًا
رسولُ الله، حَيّ على الصلاة (٣) حَيَّ على الفلاح (٣) ". قال: وكان يقولُ
في الفجرِ: " الصلاةُ خَير منَ النوم " (٤) .
ش- النفيلي: عبد الله بن محمد.
وإبراهيم المذكور: أبو إسماعيل المكي القرشي. روى عن: أبيه وجَدّه.
روى عنه: بشر بن معاذ، وعبد الله بن عبد الوهاب وغيرهما. روى له:
الترمذي، والنسائي، وأبو داود (٥) .
стр. 982
قوله: " حرفا حرفًا " أي: كلمةً كلمة؛ من قبيل ذكر الجزء وإرادة
الكل؛ وانتصابه على الحال.
فإن قيل: شرطها أن يكون مشتقا، قلت: غير المشتق يقع حالا في
مواضع؛ منها: إذا دلّ على الترتيب نحو: ادخلوا رجلا رجلاً، وتعلّم
الحسابَ بَابًا بابًا؛ وقوله: " حرفا حرفًا " من هذا القبيل، فافهم.
قوله: " الله أكبر " تقديره: هو الله أكبر إلى آخره، وهو في نسخة
الحكم: أربع، وفي رواية ابن الأعرابي، وأبي عيسى: مثنى، وفيه
حجة لمالك حيث يقول: التكبير في أول الأذان: مرتان، وحجة
للشافعي في الترجيع.
قلت: " (١) روى الطبراني في " معجمه الوسط (٢) " ما يُعارض هذا
قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن: ثنا أبو جعفر النُفيلي: ثنا إبراهيم بن
إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جدي: عبد الملك
ابن أبي محذورة يقول: إنه سمع أباه: أبا محذورة يقول: [أ] لقى
عليّ رسولُ الله الأذان حرفًا: " الله أكبر الله أكبر " إلى آخره؛ لم يذكر
فيه ترجيعا. وهذا كما رأيته (٣) قد ذكره بالإسناد المذكور. وأسند البيهقي
عن إسحاق بن راهويه/: أنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن
أبي محذورة قال: أدركت أبي وجذي يؤذنون هذا الأذان، ويقيمون هده
الإقامة؛ فذكر الأذان مُفسرا بتربيع التكبير في أوله، وتثنية الشهادتين، ثم
يرجع بهما مثنى مثنى- أيضا- وتثنية الحيعلتين والتكبير، ويختم بلا إله
إلا الله [والإقامة فرادى، وتثنية التكبير] (٤) أولها وآخرها. فظهرَ من
هذه الروايات: أن أبا محذورة وأولاده لم يدوموا على الرواية المذكورة
التي فيها التكبير مثنى في أوله، والترجيع في الشهادتين، والإفراد في
الحيعلتين.
стр. 983
٤٨٧- ص- نا محمد بن داود الإِسكندراني: نا زياد- يعني: ابن
يونس-، عن نافع بن عمر، عن عبد الملك بن أبي محذورة أخبره عن
عبد الله بن مُحيريز الجُمحي، عن أبي محذورة، أن رسولَ الله- عليه
السلام- عَلَّمه الأذانَ: يقولُ: " الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إلهَ إلا الله،
أشهد أن لا إله إلا الله " ثم ذكر مثل حديث (١) ابن جريج، عن عبد العزيز
ابن عبد الملك ومعناه (٢) .
ش- محمد بن داود: ابن أبي ناجية الإسكندراني، وزياد: ابن يونس
الحضرمي.
ونافع بن عمر: ابن عبد الله القرشي الجُمحي المكي. سمع: ابن
أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وبشر بن عاصم وغيرهم. روى عنه:
يحيى القطان، وابن المبارك، والقعنبي وغيرهم. قال أحمد بن حنبل:
ثبت ثبت صحيح الحديث ٠ وقال ابن معين: ثقة. مات بمكة سنة تسع
وستين. روى له الجماعة (٣) .
قوله: " ثم ذكر مثل حديث ابن جريج " وهو الذي رواه أبو عاصم عن
ابن جريج الذي في أوله التكبير المربّع.
ص- وفي حديث مالك بن دينار قال: سألت ابن أبي محذورة قلتُ:
حدِّثنِي عن أذانِ أبيكَ عن رسولِ اللهِ، فذكر قال: " الله كبر الله أكبر " قط.
ش- أي: قال أبو داود: وفي حديث مالك بن دينار، عن عبد الملك
ابن أبي محذورة؛ والمقصود: أنه ذكر التكبير في أوله مَرتين. ومالك بن
دينار: أبو يحيى البصري الزاهد.
ص- وكذلك حديث جَعفر بن سليمان، عن ابن أبي محذورة، عن
عمِّه عن جلِّه؛ إلا أنه قال: " ثم ترجع فترفعَ صوتكَ: الله أكبر الله أكبر ".
стр. 984
ش- أي: كحديث مالك بن دينار: حديث جعفر بن سليمان
الضبعي، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عمه ... (١) .
وهذا- كما رأيت- قد اختلفت الروايات عن أبي محذورة وقال ابن
عبد البر: علمه رسول الله الأذان بمكة عام حنين، فرُوِيَ عنه فيه تربيع
التكبير في أوله، ورُوِيَ عنه فيه تثنيته؛ والتربيع فيه من رواية الثقات
الحُفّاظ؛ وهي زيادة يجب قبولها، َ والعمل عندهم بمكة في آل محذورة
بذلك إلى زماننا، وهو في حديث عبد الله بن زيد في قصة المنام، وبه
قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد.
٤٨٨- ص- نا عمرو بن مرزوق: أنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال.
سمعت ابن أبي ليلى ح ونا ابن المثنى: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن
عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال فال: ونا
أصحابنا أن رسولَ الله قال: " لقد أعجبَنَي أن تكونَ صلاةُ المسلمًين أو (٢)
المؤمنين واحدة حتى لقد هَممتُ أن أبث رِجالاً في الدُورِ ينادُونَ الناسَ
بحينِ الصلاة، حتى (٣) همَمتُ أن آمُرَ رِجالاً يَقُومونَ على الآطَام ينادُونَ
المسلمين بحيَنِ الصلاة، حتى نَقَسُوا أو كادوا أن يَنقُسُوا " قال: فجاءَ رجلٌ
من الأنصارِ فقال: ياَ رسولَ اللهِ! إني لمّا رَجَعتُ لما رأيتُ من اهتمامِكَ،
رأيتُ رجلاً كأن عليه ثوبَينِ أخضرينِ، فقامَ على المسجد فأدن، ثم قَعَدَ
قَعدَةً، ثم قام فقال مثلَها؛ إلا أنه يقول: قد قَامت الصلاةُ، ولولا أن يقولَ
الناسُ- قال ابن المثنى: أن تقولوا- لقلتُ: إني كنَتُ يقظانًا غيرَ نائمٍ، فقال
رسولُ الله- وقال ابنُ المُثنى: " لقد أراكَ اللهُ خيرًا " ولم يَقُل عَمرو:
" لقَد (٤) " - " فمُر بلالاً فَليُؤذن ". قال: فقال عُمر: أما إني قد رَأيتُ مثلَ
الذي رأى؛ ولكني لما سُبِقتُ استَحيَيتُ (٥) .
стр. 985
ش-/عَمرو بن مرزوق: البصري، أبو عثمان الباهلي. روى عن:
شعبة، وعكرمة بن عمّار، والحمادين وغيرهم. روى عنه: أبو داود
الطيالسي، وأبو حاتم، والبخاري تعليقًا، وأبو داود، وغيرهم. قال
أبو حاتم: كان ثقة من العُباد. مات بالبصرة في صفر سنة أربع وعشرين
ومائتين (١) .
وعمرو بن مُرة: ابن عبد الله المرادي الكوفي. وابن أبي ليلى:
عبد الرحمن، واسم أبي ليلى: يَسار؛ وقد ذكرناه. وابن المثنى: محمد،
أحد شيوخ أبي داود. ومحمد بن جعفر: الهُذلي المعروف بغندر.
قوله: " أحيلت الصلاةُ ثلاثة أحوال " أي: غُيرت ثلاث تغييرات أو
حُوِلّت ثلاثَ تحويلات، وهذه ما فسرت تفسيرًا جيّدا إلا في حديث مًثله
أخرجه أحمد بن حنبلً في " مسنده (٢) " وهذا لفظهُ: ثنا أبو النضر قال:
ثنا المَسعوديّ قال: حدثني عمرو بن مُرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن معاذ بن جَبل قال: أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال؛ فأما أحوال
الصلاة: فإن النبي- ﵇ قدِم المدينةَ وهو يُصلِّيِ سَبعة عشر شهرا
إلى بَيت المَقدس، ثم إن الله أنزل عليه (قَد نرَى تَقَلُبَ وَجهِكَ
فِي السَمَاء فَلَنُولَيّنًّكَ قبلَةً تَرضَاها) الآية (٣) ، فوجهَه الله إلى مكة؛ فهذا
حَولٌ. قاَل: وكانواَ يجتمعون للصلاة (٤) ويؤذن بها بَعضُهم بعضًا حتى
نقسوا أو كادوا ينقسوا، ثم إن رجلا من الأنصار يُقال له: عبد الله بن
زَيد أتى رسولَ الله فقال: يا رسول الله! إني رأيتُ فيما يرى النائم ولو
قلتُ: إني لم أكن نائمًا لصدقتُ إني أنا بين النائم واليقظان إذ رأيتُ
شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلةَ فقال: الله أكبرُ الله أكبر،
أشهد أن لا إله إلا الله مثنى، حتى فرغ من الأذان ثم أمهل ساعةً، ثم
قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة قد قامت