العلم فرأوا الإِقامة فرادى، والى هذا المذهب: ذهب ابن المسيب وعروة والزهري ومالك وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه، وإليه: ذهب عمر بن عبد العزيز، ومكحول والأوزاعي، وأهل الشام والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأحمد بن حنبل، ومن تبعهم من العراقيين ويحيى بن يحيى وابن راهوية، ومن تبعهم من الخراسانيين، وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس، وقالوا: أما حديث أبي محذورة فالجواب عنه من وجوه منها: أنّ من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا وأقوم قاعدة في جميع جهات الترجيحات على ما قررناه في مقدمة الكتاب، وغير مخفي على أن الحديث من صناعة، أنّ حديث أبي محذورة لا يوازى حديث أنس في جهة واحدة في الترجيح، فضلا عن الجهات كلها، ومنها أنّ جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أنّ هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، وأنّ الحديث ثابت وكانت منسوخة بدليل ما ذكره الأَثرم قيل لأبي عبد الله أليس حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال: أليس قد رجع النبي صلي الله عليه وسلم/إلى المدينة وأقر بلالا على أذان بن زيد؟! وفي لفظ: ولكن أذان بلال هو آخر الأذانين انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث أنه قال: من شرط الناسخ أن يكون أصح سندًا وأقوم إلى آخره، لاعينه ليس من شرط الناسخ ما ذكر بل يكفي أن يكون صحيحًا متأخرَا معارضًا غير ممكن الجمع بينه وبن معارضه، فلو فرضناهما متساويين في الصحة ووجد ما ذكرناه من الشروط ثبت النسخ، وأما أن يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا نسلم، نعم لو كان دونه في الصحة لكان فيه نظر، وهذا الذي ذكرته هو الذي مثنى عليه في كتابه من ذلك ما ذكره منسوخًا من عند البخاري: أكان النبي صلي الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم بحديث حسنه هو إلى غير ذلك من الأحاديث، وكذا فعله ابن شاهين، وقبله الأثرم، وتبعهم على ذلك الغرفي والله تعالى أعلم، وأمّا قوله فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها فهو ظنّ، والظن لا يغنى من الحق شيء، وأّمما يقوى احتماله إذا نظر
إلى لفظ عام أو مطلق في ألفاظ الإِقامة لفظة لفظة لتبعه هذا الظن، قال أبو عمرو: كقول أبي حنيفة بقول الثوري والحسن بن حيي وعبيد الله بن الحسن، وجماعة من التابعين والفقهاء بالعراق متوارث عندهم بالعمل قرنان بعد قرن،
стр. 1192
وقال الأثرم عن أحمد: من أدم مثنى مثنى لم أعتقه وليس به بأس، وكذلك قاله إسحاق الحنظلي وداود ومحمد بن حزم قالوا: لأنه قد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم جميع ذلك وعمل به أصحابه - رضى الله تعالى عنهم-، ومن هذا الباب إذا كان مسار أهل له الاقتصار على الإِقامة/أم لا فروى عبد الله بن عمر: " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان لا يؤذن في شيء من الصلوات في السفر، ولا يقيم إلا الصبح فأنه كان يؤذن ويقيم " (١) خرجه أبو عبد الله من حديث نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن عمر عن نافع عنه، وقال: صحيح الإِسناد، فقد احتج مسلم بن عبد العزيز ومحمد بنعيم وهو المشهور عن ابن عمرو، وفي سنن البيهقي الكبير (٢) : عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر أؤذن في السفر؟ قال: من تؤذن للنساء. قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه ابن عمر محتمل لولا حديث أبي سعيد في الأذان بالبادية (٣) انتهى، وكذا حديث مالك بن الحويرث مثله، وأمّا الأذان والإقامة للمرأة، فروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن ليَث عن عطاء عن عائشة: "أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء" (٤) من حديث عبد الله بن داود الحرثي ثني الوليد بن جميع عن ليلى بنت مالك وعبد الرحمن بن خالد الأنصاري عن أم ورقة الأنصارية أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقول: "انطلقوا منا إلى الشهيدة فيزورها وأمر أن يؤذن لها ويقام ويؤم أهل دارها في الفرائض " (٥) قال أبو عبيد الله: قد احتج مسلم بالوليد بن جميع،
стр. 1193
وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا، أو رواه ابن الجارود في منتقاه، ولما ذكره الحافظ ضياء الدين رجّح صحته، وقال أبو موسى في كتاب الصحابة: رواه الحديث عن عبد العزيز عن الوليد عن عبد الرحمن عن أبيه عن أم ورقة أنها استأذنت، ورواه وكيع عن الوليد عن جدّته وعبد الرحمن عن أم ورقة، ورواه جماعة/عن الوليد عن جدّته لم يذكروا عبد الرحمن، قال البيهقي: وفي حديث ابن ثوبان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: " كنا نصلى بغير إقامة" قال أبو بكر: وهذا إن صح مع حديث ليث، فلا يتنافيان لجواز فعلها هذا مرة وذاك أخرى، ويذكر عن جابر أنه قيل له: أتقيم المرأة؟ قال: نعم، ومن حديث نافع عن ابن عمر: ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا اغتسال جمعة، قال البيهقي: رواه الحكم بن عبد الله الأصيلي وهو ضعيف، وروينا في الأذان والإِقامة عن أنس بن مالك موقوفًا ومرفوعًا ورفعه ضعيف، وهو قول الحسن بن المسبب والنخعي وابن سيرين.
* * *
стр. 1194
١١٧- باب إذا أذّن وأنت في المسجد فلا تخرج
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر عن أبي
الشعثاء قال:"كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة فأذّن المؤذن فقام رجل
من المسجد. فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم- صلى الله عليه
وآله وسلم-"هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه (١) من حديث ابن
مهاجر، وفيه كلام يقتضى أن يذكر له متابعًا، وهو رواية له أيضا عن ابن أبي
عمر حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد عن أشعث عن أبيه بن وقال فيه أبو
عيسى حسن صحيح، ورواه أبو عبد الرحمن عن أحمد بن عثمان بن حكيم
عن جعفر بن عون عن أبي عيسى عن أبي صخرة جامع بن شدّاد عن أبي
الشعثاء، وزعم بعض العلماء انه موقوف وخالف ذلك ابن عبد البر فقال: هو
مسند عندهم لا يختلفون في هذا أو ذاك/. إنما مسندان مرفوعان يعني هذا.
وقول أبي هريرة: ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله انتهى كلامه.
وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعًا من غير ما طريق بسند جيد من ذلك ما رواه
أبو الشيخ- رحمه الله تعالى- عن نوح بن منصور ثنا عبد الله بن أيوب
الخزومي ثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن أشعث بن سليم عن أبيه: أنه رأى
رجلا خارجًا من المسجد وقد نودي بالأذان فقال:"عصى هذا أبا القاسم
أمرنا رسول الله- ﵌ إذا نودي بالأذان أن لا نخرج
من المسجد" (٢) . وثنا ابن أبي حاتم ثنا أحمد بن محمد الاطرابلسي ثنا
стр. 1195
موسى بن داود ثنا شريك عن أشعث عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال:"إذا
أقيمت الصلاة واحدكم في المسجد فلا يخرج حتى يصلى فإن رسول الله
ﷺ كان يأمر بذلك" (١) . وثنا يوسف بن محمد المؤذِّن ثنا محمد بن
الحارث المخزومي ثنا أبو مصعب ثنا عبد العزيز بن أبي حازم حدثني أبي
وصفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ :
"لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج- إلّا لحاجة- ثم لا يرجع إِلا
منافق- وقال أبو القاسم في الأوسط (٢) : لم يروه موصولًا عن أبي هريرة عن
صفوان وأبي حازم إلا أنّ أبا حازم تفرد به مصعب، قال أبو الشيخ: وثنا
عبد الله بن أحمد بن سعيد الجصّاص ثنا نهشل بن كثير النهشلي بصرى ثقة
ثنا ابن أبي فديك عن أبي حرملة عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
"لا يخرج من المسجد بعد النداء إلّا منافق-/إلا أحد أخرجه حاجة- وهو
يريد الرجعة إلى الصلاة" (٣) . وثنا الوليد بن أبان قرئ على يحيى بن عبدان
وأنا حاضر ثنا أحمد بن أبي يزيد القطان بالري ثنا الوليد بن مسلم ثنا ابن
لهيعة عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي-
﵌ مثله، حدثنا حرملة بن يحيى أنبأ ابن وهب أنبأ
عبد الجبار ابن عمر عن ابن أبي فروة عن محمد بن يوسف مولى عثمان بن
عفان عن عثمان قال رسول الله ﷺ :"من أدركه الأذان في المسجد ثم
خرج لم يخرج لحاجة- وهو لا يريد الرجعة فهو منافق" (٤) هذا حديث
إسناده معلل بأمرين: الأول: ضعّف أبي سليمان إسحاق بنْ عبد الله بن أبي
стр. 1196
فروة عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش
ويقال: كيسان القرشي الأموي المدني أخي إسماعيل وصالح وعبد الأعلى
وعبد الحكم وعمار ويونس، فإن أبا عيسى قال: تركه بعض أهل العلم، منهم
أحمد بن حنبل، وقال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: لا تحل الرواية عنه
فقلت يا أبا عبد الله لا تحل قال: عندي، وفي رواية: ما هو بأهل أن يحمل
عنه ولا يروى عنه، وقال أيضًا: لا أكتب حديث أربعة منهم: إسحاق، وفي
الإِرشاد للخليلي: وذكره وضعّفوه جدًا، وتكلّم فيه مالك والشّافعي وتركاه،
وقال الزهري له يومًا: يا إسحاق تجئ بأحاديث ليست لها لزمه ولا قيمة (١) ،
إذا حدّثت فأسند، وقال مسلم في الكنى: مدني ضعيف الحديث، وفي كتاب
الكنى لأبي بشر: ليس بذاك، وقال محمد بن عبد الله"بن عمار: ضعيف
ذاهب، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال أبو بكر بن خزيمة: لا/
أحتج بحديثه، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: هو كذاب، وذكره
أبو القاسم الباجي في الضعفاء، وقال ابن طاهر: ضعفه غير واحد، وقال أبو
الفرج بن الجوزي في كتاب التحقيق: هو هالك، وبالمرة قاله أبو بكر في
الخلافيات، وقال أبو حاتم والفلاس والنسائي وابن الجنيد والدارقطني: متروك،
وزاد النسائي: ولا يكتب حديثه، وذكره أيضًا في الطبقة العاشرة من أصحاب
نافع المتروك حديثهم، وقال البخاري: تركوه، وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث
متروك الحديث، وقال يحيى: ليس بشي ولا يكتب حديثه، وفي رواية ليس
بشيء كذاب، وفي رواية: ليس بثقة، وسئل سعدونة عن حديث يعلى بن
ثابت عن الوادع بن نافع، فقال: لا يروى الحديث عن رسول الله ﷺ عن
مثل الوادع. وسئل عن حديث إسحاق بن أبي فروة؟ فقال: شراً ممّا قال في
الوادع، وقال ابن المديني: هو منكر الحديث، وقال ابن غسان: جاءني على
قليب عنى عن عبد السلام أحاديث ابن أبي فروة، فقلت: الشيء يصنع بها
قال: أعرفها لا لقلب، وفي رواية قال علي: لم يدخل ذلك في كتبه ابن أبي
стр. 1197
فروة فيما ذكره ابن عساكر في تاريخه، وقال ابن سعد: كان ليّن الحديث
يروى أحاديث منكرة ولا يحتجون بحديثه وكان يرى رأي الخوارج، وقال
الساجي: ضعيف الحديث ليس بحجة، وذكر البرقي في كتاب الطبقات: بان
من ترك حديثه واتهم في رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وذكره أبو
العرب فقال: هو ممن ترك حديثه، قال أبو العرب: وعن محمد بن عبد الله بن
عبد الحكم قال: سمعت محمد بن عاصم، وكان من أهل الصدق قال:
قدمت المدينة ومالك بن/أنس حي فلم أر أهل المدينة يشكون أن إسحاق بن
أبي فروة متهم على الدين. وفي تاريخ يعقوب بن سفيان النسوي: وآل أبي
فروة كل من حدّث عنه ثقة إلا إسحاق فلا يكتب حديثه، وقال الحافظ أبو
بكر البزار في سننه: كان ضعيفا، وقال في مسنده: متروك الحديث. الثّاني:
عبد الجبار بن عمر أبو عمر الأيلي الأموي القرشي؛ وإن وثّقه ابن سعد فقد
قال فيه أبو زرعة: واهي الحديث، وقال أبو حاتم: سألت أبي عنه فقال: منكر
الحديث ضعيف الكذب ليس محله الكذب، وسمعت أبا زرعة يقول: هو
ضعيف الحديث ليس بقوى، وقرأ علينا حديثه بشيء، ولا يكتب حديثه في
رواية ابن الجنيد، وفي كتاب عباس ليس حديثه بشيء، وقال مرة: ضعيف،
وكذلك قاله السعدي والساج في كتاب الضعفاء، وقال في كتاب الكنى:
ليس بثقة، وقال البخاري ليس بالقوي عندهم؛ عنده مناكير، وقال ابن عدى
علّة ما يرويه يخالف فيه، والضعف بين على رواياته، وقال الحربي في كتاب
العلل: عبد الجبار بن عمر رجل من أهل أيلة، سنّه قريب من سن يزيد بن أبي
سمية شيخه، وإّنما روى عنه لفضله، وعبد الجبار رجل يتفقه، وغيره أثبت منه،
وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: ضعيف، وذكره يعقوب في باب: من
يرغب عن الرواية عنهم، وقال الساجي: هو ضعيف، وقال العقيلي: ليس
بالقوى عندهم عنده مناكير، وقال ابن سعيد بن يونس: منكر الحديث، وفي
كتاب الكنى لأبي أحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم، وقد روينا في كتاب
الصلاة للفضل ما يسند هذا عن مسعد عن أبي عون عن شريح رجل من
стр. 1198
عمران عن سعد بن أبيِ وقاص- رضي الله تعالى عنه- قال:"إذا كنت
في المسجد فنودي الأذان/فلا تخرج". قال وحدثني سفْيان عن ابن حرملة
عن سعيد بن المسيب قال رسول الله ﷺ :"من سمع المنادى فخرج فهو
منافق- إلا رجل خرج في حاجة- ثم رجع" (١) وثنا سفيان عن مغيرة عن
إبراهيم قال:"إذا سمعت الإِقامة فلا تخرج" (٢) . وفي كتاب أبي علي
الطوسي عن إبراهيم: يخرج - ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة-، قال أبو علي:
وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه، والذي عليه أصحاب النبي ﷺ أن
لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلّا من عذرٍ، ويكون على غير وضوء،
وقال ابن حزم: ومن كان في المسجد فاندفع المؤذِّن في الأذان لم يحل له
الخروج من المسجد إلا لضرورة والله تعالى أعلم.
стр. 1199
١١٨- أبواب المساجد والجماعات
ومن بني لله مسجدًا
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يونس بن محمد، ثنا الليث بن سعد،،
وثنا أبو بكر، ثنا داود بن عبد الله الجعفري، ثنا عبد العزيز بن محمد جميعا،
عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن الوليد بن أني الوليد عن عثمان بن
عبد الله بن سراقة العدوي عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ
يقول:"من بني لله مسجدا يذكر فيه اسم الله بني الله له بيتا في الجنة " (١) .
هذا حديث خرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان، ثنا
أبو بكر بن أبي شيبة، ورواه ابن لهيعة عن الوليد بن أبي الوليد فقال: عن
أيوب بن خالد عن عمر بن الخطاب، وقال- ﵇:"من بني
مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعه بني الله الكريم/له في الجنة" (٢) . ذكر ذلك
الحافظ أبو نعيم في كتاب المساجد، عن أبي بكر الأجري، ثنا جعفر الفريابي
ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة به، قال: ورواه يحيى بن بكير عن ابن لهيعة،
وقال: ويذكر اسم الله عليه، قال: ورواه يحيى بن أيوب عن الوليد عن
عثمان، وقال عبد الله بن صالح عن الليث:"يذكر اسم الله تعالى فيه" (٣) .
حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الجعفي ثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه
عن محمود بن لبيد عن عثمان ابن عفان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من بني لله مسجدا بني الله له مثله في الجنة" (٤) . هذا حديث خرجاه في
стр. 1200
صحيحيهما. حدثنا العباس بن غياث الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم عن ابن
لهيعة أنه قال حدثني أبو الأسود عن عروة عن علي بن أبي طالب قال رسول
الله ﷺ : لا من بني مسجدا من ماله بني له بيتا في الجنة" (١) . هذا حديث
ضعيف معلل بأمرين الأول قال فيه القاسم في الأوسط: لا يروى عن علي إلا
بهذا الإِسناد تفرد به بن لهيعة ومع ذلك فهو ابن لهيعة، وقد سبق ذكره.
الثاني: انقطاع ما بين عروة وعلي وإن كان مولده سنة ثلاث وعشرين، وسنّه
يوم الحمل ثلاث عشرة سنة فردّ لاستصغارهم إيّاه، وقيل: كان مولده بست
سنين خلت من خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- فقد نصّ أبو حاتم على
أنه لم يسمع من علي فيما حكاه عنه ابنه في كتاب المراسيل، ويزيد وضوحا
أنّ النسائي في مسند علي ادخل بينه وببن المقداد، ومحمد بن سنجر
وأحمد بن سنان القطان في مسندهما، ادخلا بينهما عبد الله بن جعفر،
ورواه صفوان/بن صالح عن الوليد بن مسلم بلفظ:"من بني لله مسجدا
بني الله له بيتا في الجنة" (٢) ، رواه أبو نعيم في كتاب المساجد عن أبي
عمرو بن عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان عنه وكذا رواه عبد الله بن
يوسف، وابن المبارك، وابن وهب عن ابن لهيعة قال ولفظهم سواء نظر من
هذا أن زيادة "من ماله" تفرد بها عباس بن عثمان، وليس بقريب من
أولئك- والله تعالى أعلم-، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن
وهب عن إبراهيم بن نشيط عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين
النوفلي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1201
"من بني مسجدًا كمفحص قطاة أو أصغر بني الله له بيتا في الجنة" (١) .
هذا حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه عن يونس وعيسى بن
إبراهيم الغافقي، ثنا ابن وهب بلفظ:"من حفر ماء لم يشرب منه كبد
حرى من جن ولا إنس ولا ظاهر إلا أجره الله يوم القيامة، ومن بني مسجدًا
كمفحص قطاة أو أصغر بني الله له مسجدا في الجنة" (٢) قال يونس:"من
سبع ولا طاهر"، وقال:"كمفحص"قطاة، وقال الدارقطني في الإفراد: تفرد
ابن وهب بسنده، وفي الباب غير ما حديث؛ من ذلك حديث أبي ذر
الغفاري عن النبي ﷺ قال:"من بني لله مسجدًا، ولو كمفحص قطاة
بني الله له بيتا في الجنة" (٣) . رواه أبو نعيم الحافظ عن محمد بن حميد، ثنا
محمد بن جرير، ثنا الحسن بن خلف، ثنا إسحاق الأزرق عن الثوري عن
الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عنه، وثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أبو حصين
القاضي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش، ورواه
يحيى بن آدم عن قطبة/بن عبد العزيز عن الأعمش مثله، وثنا محمد بن
محمد بن أحمد المقبري، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا سلم بن جنادة،
ثنا وكيع في الدار عن سفيان عن الأعمش، وهذا سند لعمر ظاهره الصحة
لولا ما ذكره أبو نعيم من قوله: أنبأ أبو بكر بن مالك، ثنا جعفر الفريابي، ثنا
علي بن المديني قال: قال لي يحيى بن سعيد: قال لي سفيان- أو شعبة-: لم
يسمع الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي يعني حديث:"من بني لله
مسجدًا … "، وزعم الكرابيسي في كتاب المدلسين: أنه كان يعني الأعمش
يدّلس على إبراهيم كثيرا، وذكر البيهقي في السن الكبير علّة أخرى؛ وهي
أن الدوري حكى عن أحمد بن يونس انه قال: قيل لابن عباس: أنُّ الناس
يخالفونك في هذا الحديث لا يرفعونه، فقال أبو بكر: سمعنا هذا من
стр. 1202
الأعمش وهو شاب، قال البيهقي: وكذلك روى عن شريك وجرير بن عبد
الحميد عن الأعمش مرفوعا، وروى عن الحكم عن يزيد بن شريك عن أبي
ذرّ مرفوعاً، ورواه أبو نعيم مرفوعًا، ورواه أبو نعيم أيضاً من حديث عيسى بن
يونس، عن الأعمش مرفوعًا، ومن حديث محمد بن عبيد عن أخيه يعلى عنه
كذلك، وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: رواه عدّة من أصحاب شريك فلم
يرفعوه، والصحيح عن أبي ذر من حديث موقوف، قال أبو حاتم: ورواه أبو
بكر بن عياش عن الأعمش ورفعه، ونفس الحديث موقوف وهو أصح، وقال
ابن مهدي: هذا الحديث ليس من صحيح حديث الأعمش، وحديث أبي بكر
الصديق- رضي لله تعالى عنه- قال رسول الله ﷺ :"من بني مسجدا لله
ولو مثل مفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنة" (١) ./رواه أبو نعيم عن
الآجري، والحسن بن علي الوراق، حدثنا جعفر الفريابي ثنا سليمان بن
عبد الله الدمشقي، ثنا الحكم بن يعلى بن عطاء السخاوي، ثنا محمد بن
طلحة الإِمامي عن أبي معمر عنه، وثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أحمد بن
حماد بن سفيان، ثنا إسحاق بن محلول، حدثني مخبر بن عبد الرحمن
القرشي عن محمد بن طلحة بن مصرف عن أبيه مثله، وثنا سليمان بن
أحمد ثنا محمد بن نوح العسكري، ثنا وهب بن حفص الحراني، ثنا حبيب بن
فروخ، ثنا ابن طلحة بن مصرف عن أبيه عن مرة الطيب عن أبي بكر به، ثم
قال: كذا قال حبيب عن مرّة الطيب، وقال أبو حاتم الرازي في علله: هذا
حديث منكر، وحديث عبد الله بن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال
رسول الله ﷺ :"من بني مسجلًا بني الله له بيتا في الجنة" (٢) . رواه أبو
الحسن الدارقطني في كتاب الغرائب والإفراد من حديث عمران بن عبيد الله
البصري عن الحكم بن إبان عن عكرمة عنه، وزعم أن عمران تفرد به. انتهى
стр. 1203
كلامه، وهو محتمل الأمرين الأول: أن يريد التفرد بهذا السند، الثاني: تفرده
بالحديث حمله، وأيّاما كان فهو مردود؛ بما ذكره الحافظ أبو نعيم من حديث
يحيى بن عبد الحميد، ثنا شريك عن عمار الدعني عن سعيد بن جبير عنه،
وعن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا ضرار بن صرد، ثنا علي بن هاشم
عن حماد بن زريق عن الدهني مثله، وعن أبي مسلم، ثنا عمرو بن مرزوق،
ثنا شعبة قال: لقن جابر عن عمار الدهني بلفظ:"من بني مسجدًا ولو
كمفحص قطاة … " (١) الحديث، وحديث عمرو بن شعيب/عن أبيه عن جده
قال رسول الله ﷺ :"من بني لله مسجدا ولو كمفحص قطاة … " (٢)
الحديث، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله ﷺ :
"من بني لله مسجدا يذكر الله فيه بني الله له بيتا في الجنة" (٣) . رواه أيضاً
من حديث حجاج بن أرطأة عنه، وحديث ابن عمر قال رسول الله ﷺ :
"من بني مسجدًا بني الله له بيتا في الجنة" (٤) . رواه البزار عن إسحاق بن
شاهين، ثنا الحكم بن ظهير، ثنا ابن أبي ليلى عن نافع عنه، وقال: هذا
الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه- بهذا الإسناد،
والحكم لين الحديث، وقد روى عنه جماعة كثيرة، واحتملوا حديثه، وقال أبو
نعيم الحافظ: رواه عن إسحاق أحمد بن كعب الواسطي، وزاد فيه:"ولو
كمفحص قطاة". وحديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال:"من بني لله
مسجدا صغيرا كان أو كبيرا بني الله له بيتا في الجنة" (٥) . رواه أبو عيسى من
حديث نوح بن قيس عن عبد الرحمن مولى قيس عن زياد النميري عنه،
стр. 1204
وخرجه أبو نعيم من حديث أحمد بن علي الخزاعي، ثنا قرّة بن حبيب، ثنا
عبد الحكم عنه بلفظ:"من بني لله مسجدا في الدنيا يريد به وجه الله.
ومن حديث إبراهيم بن مهدى المصيصي، ثنا عمرو بن ردع عن ثابت عنه،
وفي لفظ قالوا:"إذا يكثر برسول الله قال الله أكبر". ورواه أبو القاسم في
الأوسط من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا شريك عن الأعمش عنه
بلفظ:"كمفحص قطاة"، وقال: لم يروه عن الأعمش إلا شريك. تفرد به
إسحاق، ومن حديث حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة/عن أبان عنه،
ومن حديث يحيى بن أبان عن الثوري عن ابن عمارة عنه بلفظ:"كل بناء
وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مسجدا فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤة.
وحديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ :"من بني بيتا يعبد الله فيه حلالًا
بني الله له بيتا في الجنة من الدر والياقوت". رواه البيهقي (١) في شعب الإِيمان
تأليفه من حديث بشر بن الوليد، وسعيد بن سليمان عن سليمان بن داود، ثنا
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، رواه أبو القاسم في الأوسط (٢) ، من
حديث محمد بن سليمان بن عبد الله الكوفي، ثنا أبي عن المثنى بن الصباح
عن عطاء بن أبي رباح عن المحرز عن أبيه، وقال: لم يروه عن المحرز إّلا
عطاء ورواه أيضا من حديث سليمان بن داود اليماني، ثنا ابن أبي كثير عن
أبي سلمة عنه قال ﵇:"من بني لله بيتا يعبد الله فيه من مال
حلال بني الله له بيتا في الجنة من در وياقوت" (٣) . قال: لم يروه عن يحيى
إلا سليمان. تفرد به سعيد بن سليمان، ولا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا
стр. 1205
الإِسناد، وقال أبو زرعة: هذا الحديث من حديث أبي هريرة: وهم، قال ابن
محمد: قلت: ولم يشبع الجواب يبنى علة الحديث (١) ، والذي عندي أن
الصحيح على ما رواه أبان العطار عن يحيى عن محمد بن عمرو عن أسماء
بنت يزيد بن السكن عن النبي ﷺ ، وعن يحيى عن محمود بن عمرو عن
أبي هريرة موقوفا، وسمعت أبي يقول: هو محمد بن عمرو بن يزيد بن
السكن- والله تعالى أعلم-. ولما ذكر أبو القاسم حديث أسماء بنت يزيد
مرفوعا قال: لم يروه عن كثير إلا أبان. تفرد به موسى بن إسماعيل، ولا
يروى عن أسماء إلّا بهذا الإسناد تفرد به المثنى عن عطاء/. انتهى كلامه، وفيه
نظر لما أسلفناه من عنده، قيل: وحديث معاذ بن جبل قال رسول الله ﷺ :
"من بني لله مسجدا بني الله له بيتا في الجنة" (٢) . رواه أبو نعيم من حديث
عمر بن صبيح، ثنا عاصم بن سليمان عن بريد عن مكحول عن الوليد بن
العباس عنه، وذكره ابن الجوزي في العلل بزيادة:"ومن علّق فيه قنديلا
صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يطفي ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا
صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينقطع ذلك الحصير، ومن أخرج منه مداد
كان له كفلان من الأجر". ثم ردّه بعاصم، وحديث أبي سعيد الخدري قال
رسول الله ﷺ :"من بني لله مس جدا بني الله له بيتا في الجنة" (٣) . رواه
الطبراني في الكبير، من حديث سهل بن تمام بن بريع ثنا عبد الحكم التيمي
عن أبي المتوكل عنه، وحديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ
يقول:"من بني لله مسجدا يصلى فيه بني الله له بيتا في الجنة أفضل
منه" (٤) . رواه أيضا من حديث هشام بن عمار، ثنا الحسن بن يحيى عن
بشر بن حبان عنه، وحديث عمرو بن عنبسة قال رسول الله ﷺ :"من
стр. 1206
بني لله مسجدا دخل الجنة" (١) . أنبأ به المسند أبو بكر الحميدي أنبأ أبو
الطاهر بن عبد القوي عن فاطمة أنبأ ابن زيدة أنبأ أبو القاسم، ثنا محمد بن
النصر الأزدي، ثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني، ثنا بقية عن يحيى
عن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عنه، ورواه النسائي عن
عمرو بن عثمان عن بقية، فوقع لنا موافقة غالبة ولله الحمد. ولفظ ابن أبيِ
حاتم الرازي في كتاب ثواب الأعمال:"من بني مسجدًا لله ذكر الله فيه
بني له بيت/في الجنة" (٢) . وحديث أبي إمامة أن النبي ﷺ قال:"لا يبنى
أحدا مسجدا لله إلا بني الله له بيتا في الجنة أوسع منه" (٣) . رواه أبو نعيم من
حديث صدقة بن خالد عن عثمان بن أبي العائلة عن علي بن يزيد عنه،
وحديث عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ :"من بني لله مسجدا بني
الله له بيتا في الجنة قلت: يا رسول الله وهذه المساجد التي في طريق مكة،
قال: وتلك" (٤) . رواه مسندًا بن مسرهة في مسنده عن أبي داود عن كثير بن
عبد الرحمن الطحان عن عطاء عنهما، وفي لفظ الطبراني من حديث
المثنى بن الصباح عن عطاء:"من بني مسجدا لا يريد به رياء ولا
سمعة" (٥) . وفي لفظ من حديث كثير بن عبد الله المؤذن عن عطاء:"ولو
قدر مفحص قطاة "، وقال: لم يروه عن المثنى إلا محمد بن عيسى بن سميع
تفرد به هشام بن عمار، ولم يروه عن عطاء عنها إلا كثير بن عبد الرحمن
الكوفي، والمثنى بن الصباح، وحديث أبي فرحانة، سمع رسول الله ﷺ
يقول:"ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها؛ فمن بني لله مسجدًا بني الله له
стр. 1207
بيتًا في الجنة"، فقال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في
الطريق"، قال: نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين" (١) ، وفي لفظ:
"ولو مفحص قطاة". رواه أبو القاسم من حديث زياد بن يسار عن عزة بنت
عياض عن جدها أبي قرصافة، وحديث عمر بن مالك الأنصاري: قال رسول
الله ﷺ :"من بني مس جدا بني الله تعالى له بيتا في الجنة" (٢) . وذكره أبو
موسى في كتاب الصحابة من حديث نصر عن علي بن زيد عن زرارة بن
أوفى عنه، ثم قال: رواه/سفيان عن علي بن عمرو بن مالك، وقال حماد
عن مالك القشيري، وقال قتادة: عن زرارة بن مالك، وهذا غير الأول،
وحديث نبيط عن شريك قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وآله
وسلم- يقول:"من بني لله مسجدا بني الله له بيتا في الجنة" (٣) . رواه في
الأوسط من حديث إسحاق بن إبراهيم عن أبيه عن نبيط، وقال: لا يروى
عن نبيط إلا بهذا الإسناد، تفرد به ولده عنه، وحديث قرّة بن خالد عن
الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس يرفعه:"يذهب الأرضون كلّها يوم القيامة
إلا المساجد فإنها تنضم بعضها إلى بعض". قال أبو القاسم (٤) : لم يروه عن
قرة إلا أصرم بن حوشب، وحديث أم حبيبة أن النبي ﷺ قال:"من
بني لله بيتا بني الله له بيتا في الجنًة" (٥) . رواه أيضا من حديث شهر بن
حوشب، وسليمان بن قيس عن عنبسة بن أبي سفيان، ومن حديث شعيب بن
стр. 1208
سنان، ثنا أبو طلال عن أنس عنهما، ذكره أبو القاسم بن مطير في معجمه
الكبير، وحديث أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ :"من بني لله
مسجدا بني الله له بيتا في الجنة أوسع منه" (١) . رواه أيضا من حديث أبان بن
يزيد عن يحيى بن أبي كثير النجار وهو منقطع، ورواه أبو نعيم الحافظ
فوصله من حديث موسى بن إسماعيل ثنا أبان عن يحيى عن محمود بن
عمرو عنهما. غريبه: قال ابن سيده: المسجِد والمسجد الموضع الذي يسجد
فيه، وقد كان حكمه إلا يحيى على مفعل؛ لأن حق اسم المكان والمصدر من
فعل يفعل أنّ يجئ على مفعل؛ لعلّه اسما في المخصص، ولكنه أخذ الحروف
التي شذّت فجار على يفعل قال/سيبويه: وأما المسجد فإنهم جعلوه أسماء
للبيت، ولم يأت على فعل يفعل كما قالوا في المزق: أنه اسم للجلود يعني أنه
ليس على الفعل لقيل مدق؛ لأنه إله واللات تجيء على مفعل لمخرز ومكنس
ومكسح، وفي الصحاح: المسجد واحد المساجد، قال الفراء: كلما كان على
فعل يفعل مثل دخل يدخل؛ فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا، ولا يقع
فيه الفرق مثل دخل مدخلا، وهذا مدخله إلّا أحرفا من الأسماء لزموها وكسر
العين من ذلك المسجد والمطلع، وذكر حروفا ثم قال: فجعلوا الكسر علامة
للاسم، وربما فتح بعض العرب في الاسم، وسمعنا المسجِد والمسجد والمطلع
والمطلِع، قال: والفتح في كله جائز وإن لم تسمعه، وما كان من باب فعل
يفعل مثل جلس يجلس فالموضع بالكسر والمصدر بالفتح للفرق بينهما، لقول
نزل منزلا بفتح الزاي تريد نزولا، وهذا منزله فنكس؛ لأنك تعني الدار، وفي
الجامع للفراء: المسجد- بفتح الجيم- هو موضع السجود، المسجد-
بكسرها- هو البيت الذي يصلي فيه، وحق الاسم والمصدر أن يكونا في
مكان على يفعل مضموم العين وعلى يفعل بفتحها، وإنما قالوا: مسجد
стр. 1209
بالكسر ليفرقوا بين موضع السجود وبين ثبوت الصلاة، ومن العرب من يفتح
فيقول: مسجد في كلى الوجهين ويلتزم القياس وفي جمهرة بن دريد
والمساجد إلا رات (١) ، وقد فسر قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾ وقال
الزجّاج: كل موضع يتعبّد فيه فهو مسجد، والقطاة: قال سيده: وهو طائر
معروف، والجمع قطوات وقطبات، وقد كان بالمدينة مساجد ذكرها أبو داود
في كتاب المراسيل عن بكير بن الأشج قال: كان بالمدينة تسعة/مساجد مع
مسجد النبي ﷺ يسمع أهلها، قال ابن بلال: فيصلون في مساجدهم أقربها
مسجد ابن عمرو بن مندول ومحمد بن ساعدة ومحمد بن عبيد ومحمد بن
سلمة ومحمد بن زامح من بني عبد الأشهل ومحمد بن زريق ومحمد عفار
ومحمد أسلم ومحمد جهينية وشك في التاسع. انتهى. وقد وقع لنا غير ما
ذكر من المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ ذكرها أبو زيد عمر بن شيبة في
أخبار المدينة رافع بن حديج" صلى النبي- ﵌ في
المسجد الصغير الذي يأخذ في شعب الجراد على يمينك لازق بالجبل"، وعن
السيد بن أبي أسيد عن أشياخهم:"أن النبي ﷺ دعا على الجبل الذي عليه
مسجد الفتح، وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حتى
تصعد الجبل"، وعن عمارة بن أبي اليسر"صلى النبي- صلى الله عليه وآله
وسلم- في المسجد الأسفل"، وعن جابر قال:"دعا النبي- صلى الله عليه
وآله وسلم- في المسجد المرتفع ورفع يديه، وعن عمرو بن بشر هبيل:"أن
النبي- ﵌ صلى في مسجد بني حدارة"، وعن
عمر بن قتادة:"أن النبي- ﵌ صلى في مسجد لهم
في بني أمية من الأنصار، وكان في موضع القربين اللتين عند منالة نهيك"،
وعن الأعرج:"أن النبي ﷺ صلى على ذباب" (٢) ، وفي لفظ: كان
стр. 1210
ضرب قتيبة يوم الخندق عليه، وعن جابر بن أسامة قال: " حط النبي- صلى
الله عايه وآله وسلم- مسجد جهينة ليلا"، وفي لفظ:"وصلى فيه"، وعن
سعد بن إسحاق:"أن النبي ﷺ /صلى في مسجد بني ساعدة الخارج من
بيوت المدينة، وفي مسجد بني بياضة، ومسجد بني الحبلى ومسجد ابن
عصبة"، وعن العبّاس بن سهل: " أن الناس رأوا النبي ﷺ صلى في مسجد
بني ساعدة في جون المدينة "، وعن يحيى بن سعد قال: " كان النبي ﷺ
يختلف أبي مسجد، وأبي يعضل فيه غير مرة ولا مرتين"، وقال: " لولا أن
يميل الناس إليه لأكثرت الصلاة فيه"، وعن يحيى بن نصر أن النبي- صلى
الله عليه وآله وسلم- صلى في مسجد أبي بن كعب في بني حرملة، ومسجد
بني عمرو بن مندول، ومسجد بني دسر، ومسجد دار النابغة ومسجد بني
عدى، وجلس في كهور سلع، وعن هشام بن عروة أن النبي- صلى الله
عليه وآله وسلم- صلى في مسجد ملحوث بن الخزرج، ومسجد السبح، وبنى
حطمة ومسجد الفضيح، وفي صدقة الزبير، وفي بني محمد، وفي بيت
صدرمة وفي بني عدى وفي بيت عتبان، وعن الحارث بن سعيد أن النبي
إلا صلى في مسجد بني حارثة وبنى طعر وبنى عبد الأشهل، وعن
إسماعيل بن أبي حبيبة أن النبي- ﵌ صلى في
مسجد واقم، وعن ابن عمير أن النبي ﷺ صلى في مسجد بني معاوية،
وعن كعب بن عجرة أن النبي- صلى ألله عليه وآله وسلم- أول جمعة (١)
جمعها حين قدم المدينة في بني سالم فْي مسجد عاتكة، وعن جابر أن النبي
ﷺ صلى في مسجد الحزبة، ومسجد القبلتين، ومسجد ابن حرام الذي
بالقاع، وعن محمد بن عتبة بن أبي لم مالك أن النبي ﷺ صلى في صدقة،
وعن يحيى بن إبراهيم أن النبي ﷺ صلى في متربة أم إبراهيم، وعن خالد بن
رباح أن النبي- ﵇ صلى في مسجد راتح، وعن زيد بن سعد أن
النبي- ﵇ صلى في حائط أبي الهيثمي، وعن جابر أن النبي- عليه
السلام- صلى الظهر يوم أحد في عينين، وعن على بن رافع أن النبي- عليه
السلام- صلى في بيت امرأة بني الخضر فأدخل ذلك البيت في مسجد بني
стр. 1211
قريظة، وعن سلمة الحطمي أن النبي- ﵇ صلى في بيت المقعدة
عند مسجد بني وائل في مسجد العجوز، وعن أبي هريرة أن النبي-
﵌ عرض المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجِّهًا إلى
بدر، وصلى بها، وعن المطلب أن النبي- ﵌ صلى
في مسجد بني ساعدة وصلى في المسجد الذي عند الشيخين، بات (١) فيه،
وهو الذي عند البدائع، وعن هشام أن النبي ﵇ صلى في مسجد
الشجرة بالمعرس، وعن ابن عمر أن النبي- ﵇ صلى بالبطحاء
الذي بذي حليفة وعن أبيِ هريرة اًن النبي- ﵇ صلى في مسجد
الشجرة، وعن ربيعة بن عثمان أن النبي- ﵇ صلى في بيت أبي
حبيب مسجد بني حذرة قال أبو غسان: قال لي غير واحد من أهل العلم: إن
كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبنى بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد
صلى فيه النبي- ﵇، وذلك أن عمر بن عبد العزيز حن بني
مسجد النبي- ﵌ سأل، والناس يومئذ متوافرون عن
المساجد التي صلى فيها النبي- ﵇ ثم بناها بالحجارة المطابقة،
وعن ابن/أبي خيثمة أن النبي- ﵇ صلى في دار الشفا على يمن
من دخل الدار، وصلى في دار بسرة بنت صفوان، وفي دار عمرو بن أمية
الضمري، ومنزل ابن أبي عمارة، قال أبو زيد: وأما المساجد التي يقال اًنه
صلى فيها، ويقال اًنه لم يصل فيها فهي دار سعد بني خيثمة بقيا ومسجد بني
زريق، ومسجد بنط مارن، ومسجد بني سالم الأكبر، والمسجد الذي بغار
أحد، ومسجد بني حرام الأكبر، وسقيفة بني ساعدة القصوى، والمسجد الذي
ببطن الروحاء عند عرف الطبة، وذكر الأرق في مكة شرفها الله تعالى
مساجد منها مسجد منى وهو مسجد الخيف، ومسجد مزدلفة، ومسجد عرفة
ومسجد المولد، ومسجد خديجة، ومسجد الأرقم، ومسجد عند الروم،
ومسجد الجن، ومسجد الشجرة، ومسجد السرور، ومسجد عن يمين الموقف
بعرفة، ومسجد الكبش، ومسجد باحباد، ومسجد إبراهيم، ومسجد بجوار
стр. 1212
مسجد ثبور، ومسجد عند سوق الغنم، ومسجد بذي طوي، ومسجد
بالجعرانة، والمسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى، ومسجد
التنعيم، والمسجد الذي عند حتيمة جمانة.
стр. 1213
١١٩- باب تشييد المساجد
حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، ثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي
قلابة عن أنس بن مالك، قال رسول الله- ﵌:"لا
تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد". هذا حديث أخرجه بن
خزيمة (١) في صحيحه عن محمد بن رافع، ثنا الموصل بن إسماعيل، ثنا حماد
بلفظ:"إن من أشراط الساعة". وثنا/محمد بن يحيى، ثنا محمد بن عبد
الله الخزاعي، ثنا حماد عن قتادة، وأيوب عن أبي قلابة عن أنس، قال أبو
نعيم: تفرد الخزاعي بذكر قتادة، وقال ابن معين في الأوسط: لم يروه عن
قتادة إلا حماد وقال ابن خزيمة: ثنا عمرو بن العباس، ثنا سعيد بن عامر عن
أبي عامر الحزار قال: قال أبو قلابة: انطلقنا مع أنس نريد الزوائد يعني قصر
أنس، فمررنا بمسجد، فحضرت صلاة الصبح، فقال أنس: لو صلينا في هذا
المسجد، فقال بعض القوم: نأتي المسجد الأخر، قالوا: أي مسجد؟! قال:
فذكر مسجدًا، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ قال:"يأتي على الناس زمان
يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا- أو قال: يعمرونها قليلًا-" (٢) .
وفي كتاب أبي نعيم من حديث محمد بن مصعب العرنساني عن حماد:
"يتباهى الناس ببناء المساجد". وفي حديث على بن جرير الخزار:"يتباهون
بكثرة المساجد". حدثنا جبارة بن المغلس ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن
البجلي عن ليث عن عكرمة عن ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم-:"ستشرفون مساجدكم كما شرفت اليهود كنائسها، وكما
شرفت النصارى بيعها" (٣) . هذا حديث لما ذكره الحافظ ضياء الدين: رده
стр. 1214
بليث المذكور، قيل: واغفل كونه من رواية أبي محمد جبارة بن المغلِّس الحافي
الكوفي، فإن عبد الله بن أحمد عرض على أبيه شيئا من حديثه فأنكرها،
وقال في بعضها: سمعت هذه موضوعة أو هي كذب، وقال ابن معين: هو
كذاب، وكان أبو زرعة حدّث عنه، ثم ترك حديثه بعد ذلك، وقال: قال لي
أبي نمير: ما هو عندي ممن يكذب، كان يوضع له الحديث فيحدّث به، وما
كان عندي/ممن يتعمد الكذب، وذكر ابن عقدة عن محمد بن عبد الله بن
سليمان الحضرمي: سألت ابن نمير فقال: صدوق، وقال أبو حاتم: هو مثل
القاسم بن أبي شيبة، وقال ابن عدي: في بعض حديثه مالا يتابعه أحد عليه،
غير أنه كان لا يتعمّد الكذب، وحديثه مضطرب، كما ذكره البخاري، وقال
ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وقال محمد بن سعد:
يضعف، وذكره أبو جعفر العقيلي والبلخي في كتاب الضعفاء، ويعقوب في
باب: من يرغب عن الرواية عنهم، وقال البزار: كان رجلًا كثير الخطأ، ليس
يحدّث عنه رجل من أهل العلم، إنّما يحدّث عنه قوم فأتتهم أحاديث كانت
عندم أو رجل عنى وأغفل كونه أيضا من رواية عبد الكريم المجهول العين
والمنفرد عنه بالرواية جبارة، وقد وجدنا لهذا الحديث شاهدًا رواه أبو داود
بسند، صححه ابن حزم عن محمد بن الصباح، ثنا سفيان بن عيينة عن
سفيان عن أبي فروة عن أبي يزيد بن الأصم عن ابن عباس: فال رسول الله
ﷺ :"ما أمرت بتشييد المساجد". قال ابن عباس: لزخرفها كما زخرفت
اليهود والنصارى (١) . ورواه أبو نعيم من حديث عبد الأعلى بن حماد، ثنا
معتمر سمعت بشار يحدّث عن أبي فزارة به. حدثنا جبارة ثنا عبد الكريم بن
عبد الرحمن عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب: قال
رسول الله ﷺ :"ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم" (٢) . هذا
стр. 1215
حديث تقدم الكلام على سنده، وقد وردت أحاديث من هذا الباب غير ما
تقدم من/ذلك حديث ليث عن أيوب عن أنس قال رسول الله ﷺ : "ابنوا
المساجد واتخذوها جما" (١) . وفي لفظ:"أمرت بالمساجد جما" (٢) . ذكره
ابن أبي شيبة فيِ مصنفه عن مالك بن إسماعيل، ثنا هريم عنه، ولما سأل
الترمذي محمدا عنه قال: إنما يروى أيوب عن عبد الله بن شقيق قوله، وقال
أبو الحسن: وسئل عنه ولم يتابع ليث عليه، وغيره يرويه عن أيوب عن ابن
شقيق قوله، وحديث مجاهد عن ابن عمر قال:"نهانا رسول الله ﷺ أن
نصلى في مسجد مشرف" (٣) . رواه الدارقطني، وقال: رواه إسحاق بن
منصور وابن غسان عن هريم عن ليث عنه، ورواه عبد الحميد بن صالح عن
هريم عن ليث عن نافع عن ابن عمر، وحديث ابن عباس- رضي الله تعالى
عنه- قال:"أمرنا أن نبني المساجد جما" (٤) . ذكره عبد الغافر الفارسي في
كتابه مجمع الغرائب، قال: ومعناه التي أشرنا لها، وفي كتاب غريب الحديث
لأبي عبيد القاسم بن سلام زيادة: والمدائن شرفا، وحديث علي بن أبي طالب
سمعت رسول الله ﷺ يقول:"ابنوا المساجد". رواه أبو نعيم الحافظ من
حديث محمد بن شعيب، ثنا مبشر بن عبيد عن الحكم عن يحيى بن البزار
عنه، وحديث جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ :"من زوق بيته أو
مسجده لم يمت حتى تصيبه قارعة" (٥) . رواه أيضا من حديث موسى بن
محمد صاحب القديدي، ثنا المنكدر بن محمد المنكدر عن أبيه عنه، ورواه
стр. 1216
ابن الجوزي في علله من حديث أبي البختري وهب بن وهب/، ورده به،
وفي كتاب أبي نعيم بن دكن، ثنا سفيان عن أيوب عن عبد الله بن شقيق
العقيلي قال:"كانت المساجد تبنى جمار المدائن تشرف". ثنا سفيان عن أبي
فزارة عن مسلم المستبطني (١) قال: كان علي بن أبي طالب إذا مر بمسجد
النيم وهو مشرف قال: هذه بيعة النيم عن بيته. الشرفة: ما يوضع على أعالي
القصور والمدن، وشرف الحائط: جعل له شرفه. ذكره ابن سيده، وفي الجامع:
وقولهم قصر مشرف: إنّما معناه طويل، وإذا أرادوا له شرف قالوا: قصر
مشرف، والبيعة: كنيسة النصارى، وقيل كنيسة اليهود، كما ذكره في
المحكم، وفي الجامع: البيعة: بكسر الباء: صومعة الراهب، وقيل. كنيسة
النصارى، والجمع بيع، وقال عياض: البيعة: كنيسة أهل الكتاب. والصلوات
للصابئين، كالمساجد للمسلمين، وفي كتاب الجواليقي: البيعة، والكنيسة:
جعلهما بعض العلماء، فارسيين معربين، وأما البناء المشيد: فهو المعمول
بالتشيد، وكلّ ما أحكم من البناء، فقد شيّد، قال أبو عبيد: البناء المشيّد
المطول، وقال الكسائي: التشييد للواحد، والمشيّدة للجميع، حكاه أبو عبيد
عنه والكسائي: يحل عن هذا. قاله ابن سيده، وفي الجامع: أشدت الحائط
وشيّدته: فهو مشاد، ومشيد إذا طولته، وقيل: لا يكون مشيدا حتى يجصّص
ويطول، والزخرف: الذهب هذا الأصل، ثم سمّى كل زينة زخرفا، وزخرف
البيت: زينه وأكمله، وكلّ ما ذوق وزيّن، فقد زخرف، والتزخرف، والتزين،
والزخارف: ما زين من السفن، والزخرف: زينة النبات. ذكره ابن سيده، وفي
الجامع: كل نفيس يسمّى زخرفا، وقال الهروي: هو كمال/حسن الشيء،
وقال عياض. هو التزويق بالنقش والتلوين. قال الخطابي: المعنى أن اليهود،
والنصارى؛ إنما زخرفوا المساجد عند ما حرفوا وتركوا العمل بما في كتبهم،
نقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم؛ إذا طلبتم الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص
في العمل، وصار أمركم إلى المراياه بالمساجد والمباهاة بتشييدها وزينتها، وفيه
دليل على أن الصلاة لا تجز بالمال كما يجز الصوم وغيره وأمّا قول من قال:
стр. 1217
أراد بالتباهي في المساجد والتفاخر بالأنساب والأحساب وشيمه فمردود بقوله:
ببناء المساجد وبكثرة المساجد.
* * *
стр. 1218
١٢٠- باب أين يجوز بناء المساجد؟
حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن أبي التياح
الضبعي، عن أنس بن مالك قال:"كان موضع مسجد النبي ﷺ لبنى
النجار وكان فيه نخل ومقابر للمشركين، فقال لهم النبي ﷺ ثامنوني به
قالوا: لا نأخذ به ثمنا أبدا، قال: فكان النبي ﷺ يبنيه، وهم يناولونه والنبي
ﷺ يقول:"ألا ان العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة"قال: وكان
النبي ﷺ يصلي قبل أن يبنى المسجد حيث أدركته الصلاة" (١) . هذا
حديث خرجاه في الصحيح من حديث أبي التياح مطولا:"قدم النبي ﷺ
المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عون، فأقام عليه
السلام/فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاعوا متقلِّدين
السيوف، فكأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلة، وأبو بكر ردفه، وملأ بني
النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يصلى في مرابض الغنم، وفيه
فأمر لقبور المشرفي، فنبشت ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا
النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادته الحجارة وفيه لا خير إلا خير إلا
الأخرة". وأما قول خلف رواه مسلم (٢) أيضا في الهجرة عن إسحاق بن
منصور عن عبد الصمد عن أبيه عن أبي التياح، فيشبه أن يكون وحماد ذلك
أن مسلما ليس عنده كتاب هجرة، وكتاب الهجرة إنما هو عند البخاري،
وكذا ذكره الطرقي وابن أبي أحد عشر في جمعه، ورواه الحاكم في دلائل
стр. 1219
النبوة من حديث موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي التياح
بزيادة: وكان المهاجرون والأنصار ينقلون اللين أو التراب لبناء المسجد وهم
يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بعثنا أبدا
فأجابهم النبي ﷺ :
اللهم إنّ الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة (١)
وفي حديث شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ :
"ينقل التراب معنا، وقد وارى الغبار بياض أبطبه"وهو يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا/
فانزلنْ سكينة علينا إن الأُلى لقد بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبيتا (٢)
ومدّ بها صوته- ﵌، وفي حديث حشرج بن
نباته عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال:"لما بني النبي ﷺ المسجد جاء
أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر
فوضعه، فقال هؤلاء: وُلاة الأمر من بعدي" (٣) . وفي كتاب موسى بن عقبة
عن ابن شهاب: كان المسجد مربد التمر لغلا من سهل وسهيل بن عمرو بن
حجر أسعد، قال ابن شهاب: وزعموا أله كان رجال من المسلمين يصلون في
المربد قبل قدوم النبي- ﵇ المدينة، فأعطاه رسول الله ﷺ ثمنه
ويقال: عرض عليها أسعد نخلا له في متى (٤) بياضه ثوابًا من مربدهما فقالا:
стр. 1220
بل تعطيه رسول الله ﷺ ، ويقال: بل اشتراه النبي- ﵇ منهما،
فبناه مسجدا، فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن، وهم يقولون: هذا الحمال إلا
حمال خير هذا أبرر بنا وأطهر، فأجابهم النبي ﷺ :"اللهم إنّ الخير خير
الآخرة" (١) . قال ابن شهاب: فتمثّل رسول الله ﷺ شعر رجل من المسلمين
لم يسم لي ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي ﷺ تمثل بشعر قط غير هذه
الأبيات، أنبأ المشايخ المعمر بقية السلف عبد القادر بن عبد العزيز بن أيوب،
وأبو بكر عبد الله بن علي بن عمرو، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحميد/بن
محمد- رحمهم الله تعالى- قراءة عليهم، وأنا أسمع قال الأول: أنبأ الصالح
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الفتح أنبأ القاضي ضيعة
الملك أبو محمد بقية الله بن يحيى بن على بن حيدر، أنبأ الشيخ أبو محمد
عبد الله بن رفاعة أنبأ أبو الحسن الخلعي، وقال الآخران: أنبأ الشريف تاج
الشرف بن السيد أبي القاسم عبد الرحمن بن علي الحسين أنبأ أبو الطاهر
محمد بن محمد بنان، أنبأ والدي، أنبأ أبو إسحاق الحبال، قال هو والخلعي:
أنبأ أبو محمد عبد الرحمن بن عمر البزار أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أني
الورد، أنبأ أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي أنبأ أبو محمد عبد الملك
ابن هشام، ثنا زياد قال: قال محمد بن إسحاق:"فقال أسعد بن زرارة: يا
رسول الله إنِي مرضيهما منه فابنه مسجدا، فأمر النبي ﷺ ببناء المسجد
فأصيب سعد والمسجد يبنى إصابة الذبحة أو الشهقة". وفي كتاب سعد:
جعل قبلته للقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخرة، وباب يقال له:
باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه، وفي الأكليل من حديث عبد الله بن
عمر عن نافع عن مولاه: أنّه أخبره أنّ المسجد كان على عهده- صلى الله
عليه وآله وسلم- مبنيا باللبن، وسقفه بالجريد، وعمده خشب النّخل، فلم يزد
فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد النبي ﷺ وقال:
لولا أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول:"إني أريد أن أزيد في قبلتنا " (٢) ما
стр. 1221
زدت، فزاد ما بين المنبر إلى موضع المقصورة، ثم غيره عثمان، وزاد فيه زيادة
كبيرة، وبني/جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده حجارة منقوشة،
وسقفه بالساج، وفي حديث مالك بن معول عن رجاء قال: كتب الوليد بن
عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز؛ أن يكسر مسجد النبي ﵇
وحجراته، وكان قد اشتراها من أهلها، وأرغبهم في ثمنها، وأن يدخلها في
مسجد النبي- ﵇ فجاء عمر، فقعد ناحية، وقعدت معه، ثم أمر
بهدم الحجرات، فما رأيت باكيًا ولا باكية أكثر من يومئذ خرعا، حيث
كسرت، ثم بناه، كلما أراد أن يبنى البيت على القبر، وكسر البيت الأول،
الذي كان عليه فطرت القبور الثلاثة، وكان الرجل الذي كان عليها قد انهار
عنها فأراد عمر فليسوها ثم يصفون البناء. قال رجاء: فقلت: إن قمت، قام
الناس معك، فوطئوا القبور فلو أمرت رجلاً أنْ يصلحها، ورجوت أن يأمرني
بذلك، فقال: يا مزاحم قم، فأصلحها، قال رجاء: فأكرمه الله بها، وفي
حديث يزيد بن رومان قام معاوية على منبر النبي ﷺ : فجعله ست درجات،
وحوله عن مكانه، وانكشفت الشمس يومئذ. قال أبو عبد الله وقد أحرق المنبر
الذي أحدثه معاوية، وردّ منبر النبي ﷺ إلى مكانه، وفي حديث علي بن
زيد عن أنس عند أبي نعيم الحافظ: لما بني النبي ﷺ المسجد جعل سقفه
جريدا، وكان إذا بسط يده لحقت السقف، وفي كتاب الزواجر لأبي زيد:
كان مربد، والتيمي في حجر معاذ بن عفراء عن الشِّفاء بنت عبد الرحمن أنها
قالت: كان رسول الله- ﵌ يؤمه جبريل إلى الكعبة،
ويقيم/له القبلة، وكانت من اللبن، وقيل: بل من حجارة منقوشة بعضها على
بعض، ثم إن المهدى بناه ووسعه وزاد فيه، وذلك في: سنة ستة ومائة، ثم زاد
فيه المأمون في سنة: ثنتين وثمانين وأتقن بنيانه، ثم لم يبلغنا أنّ أحدا غير منه
شيئا، ولا أحدث فيه عملا، وفي كتاب أخبار المدينة لأبي زيد بن أبي شيبة:
أن العباس قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ألا أبني لك مقصورة حجابا يكلمك
الناس من ورائه، يكف عنك طغاطهم وأخاهم فال:"لا بل اصبر لهم
стр. 1222
فضول قدمي وبناني حتى يريحني الله منهم" (١) . قال ابن شهاب: فكان أول
من عمل المقصورة معاوية، فأما التي في مسجد النبي ﷺ اليوم؛ فإن عمر بن
عبد العزيز عملها حين بناء المسجد بأمر الوليد، وكان حين عملها مرتفعة عن
الأرض ذراعين فخفضها المهدي فهي على حالها إلى اليوم. وفي لفظ: أول
من أحدث المقصورة مروان في عمل معاوية بحجارة منقوشة، وجعل فيها
كوى. وفي لفظ: أول من عمل مقصورة بلبن: عثمان بن عفان، وكانت فيها
كوى ينظر الناس فيها إلى الإمام، وأنّ عمر بن عبد العزيز عملها بالساج، قال:
والذي بلط حوالي المسجد بالحجارة: معاوية أمر بذلك مروان، وعمل له أسرابا
ثلاثة تصد فيها مياه المطر، وأراد أن يبلط بقيع الزبير، فحال ابن الزبير بينه وبين
ذلك، وكان بين يدي المنبر مرمر، فطرح فيه طنفسة لعبد الله بن حسن، فلما
ولى حسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة؛ غير ذلك المرمر سعة
من جرانية/كلّها حتى ألحقه بالسواري على ما هو عليه اليوم، فلما قدم
المهدي قال لمالك: إني أريد أن أعيد منبر النبي- ﵇ إلى حاله التي
كان عليها، فقال مالك: إنّه من طرقا، وقد سمّر أبي هذه العيدان وشد فحتى
بزعته خفت أن يهار ويحملك فلا أرى أن تغيره، قال أبو زيد: فانصرف رأي
المهدي عن تغييره والله تعالى أعلم.
حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو همام الدلال، ثنا سعيد بن السائب عن،
محمد بن عبد الله بن عياض عن عثمان بن أبي العياض: "أن رسول الله
ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم" (٢) . هذا حديث
إسناده صحيح لتوثيق البستي محمد بن عياض، وباقي من في الإسناد لا يسأل
عن حالهم، ولفظ أبي داود:"طواغيتم". حدثنا محمد بن يحيى، ثنا
عمرو بن عثمان، ثنا موسى بن علي، ثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن
عمر:"وسئل عن الحيطان يلقى فيها الغدرات فقال: إذا سقيت مرارا فصلوا
стр. 1223
فيما يرفعه إلى النبي ﷺ (١) ". هذا حديث إسناده صحيح، عمرو بن عثمان بن
سنان العلائي مذكور في ثقات ابن حبان، ورجاله الباقون حديثهم في
الصحيح، وفي الباب حديث طلق بن علي قال:"خرجنا ونبأنا بالنبي-
﵌ فبايعناه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستف عيناه
من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في أراوة، وأمرنا إذا
أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم، وألقوا مكانها بهذا الماء، واتّخذوه مسجدًا".
رواه النسائي (٢) من حديث ملازم بن عمرو عن عبد الله/بن بدر عن قيس بن
طلق عنه، وسكت عنه عبد الحق لما ذكره، وخطئ في ذلك، وحديث
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ :"كان يصلى في المواضع
التي يبول فيه الحسن والحسين ويقول: إنّ العبد إذا سجد لله سجدة طهر الله
موضع سجوده". رواه أبو القاسم في الأوسط (٣) ، وقال: لم يروه عن هشام
إلا بزيغ أبو الخليل يعني المتكلم فيه بكلام فيه أقداح. قوله: ثامنوني أي:
قدروا ثمنه لأشتريه منكم فأبوا، وفي كتاب ابن سعد: أن النبي ﷺ اشتراه
منهما بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر- ﵁، فيحتمل على تقدير
الصحّة انه أعطاهما ذلك ثواب هبتهما إياه فاعتقد رأى ذلك أنه ثمنه، وهذا
هو الأليق بحاله ﵌ وبيّنه ما تقدم من قول ابن شهاب
وأمّا ارتجازه ﵌ فذكر ابن التِّين: أنّ الرجز مختلف فيه
هل هو شعر، أم لا، قال: وقالوا: إنّما هو كالكلام المسجع، وهى دائرة المشتبه
سمى بذلك؛ لأنه يقع فيه ما يكون على ثلاثة: أجراً مأخوذ من البعير إذا
стр. 1224
شدّت إحدى يديه فبقى على ثلاث قوائم، ويقال: بل هو مأخوذ من قولهم
ناقة، وجزاء: إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها، أو دار في الروض
يحتمل أن يكون من رجزت الجمل: إذا عدلته، قال ابن حبان: وهو شيء
يعدل رجز جمل، وفي المحكم الرجز: اضطرب رجل البعير؛ إذا أراد القيام
ساعة ثم تنبط، وقال أبو إسحاق: سُمى بذلك؛ لأنه يتوالى في أوّله حركة
وسكون، وقيل: لاضطراب أجزائه وتقاربها، وقيل: هو صدور/للإِعجاز، فلما
كان هذا الوزن فيه اضطراب سمى رجزا تشبيها بذلك، وفي الحديث: لما
اجتمعت قريش في أمره ﵇، وقالوا: نقول هو شاعر، فقال بعضهم:
قد عرفّنا الشعر كلّه مقبوضه ومبسوطه وزجره؛ فذكروا الرجز من جملة أنواع
الشعر، وقد تقدّم أيضا قول الزهري في ذلك، ولعلِّ الملجئ له إلى ذلك؛
هروبه من إنشاء النبي ﷺ شيئا منه قابل فلو كان شعرا لما علمه النبي ﷺ ،
قال تعالى: ﴿وما علمناه الشعر﴾ (١) . وما علم أن من أنشد القليل من
الشِّعر متمثلا على جهة الله، ولم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه أنه تعلم
الشِّعر ولا ينسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يقال كل النّاس شعراء؛ لأن
كل فرد لابد أن يتمثّل بشعر أو يتكلم به من غير قصد إذا الشّعر لا يكون إّلا
عن قصد، والذي قال: الخليل هو الكلام الصحيح؛ لأنّ المهزل عنده ليس
بشعر وهو الذي جرى على لسانه ﵇. وأمّا الطاغية؛ فذكر أبو موسى
المديني أنه ليس من الطواغيت يشبه أن يريد به من طغى في الكفر وجاز القدر
في الشرّ أي: عظاهم، ويجوز أن يريد به الأديان، وأما من رواه الطواغيت
فزعم ابن سيده: أنّ- الطاغوت عبد من دون الله تعالى، وقيل: هي الأصنام،
وقيل: الشيطان، وقيل: الكهنة، وقيل: مودة أهل الكتاب، وقوله تعالى:
﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ (٢) قال أبو إسحاق: قيل ها هنا حي بن
أخطب وكعب بن الأشرف، وقوله تعالى: ﴿يُريدُون أن يتحاكمُوا إلى
الطّاغُوتِ﴾ (٣) يعني: إلى الكاهن أو الشيطان، وهو يقع/على الواحد
والجميع، والمذكر المؤنث ووزنه ملفوت؛ لأنه من طغوت، وإنّما أُقِرت طوغوتا
стр. 1225
في التقدير على طغوت؛ لأن قلب الواو عن موضعها أكثر من قلب الباء في
كلامهم، نحو شجر شاك ولاث وهاد، قد يكسر على طواغيت، وطواغ
الأخير عن اللحياني، وفي الجامع: العرب تسمى الكاهن والكاهنة طاغوتًا، وفي
كتاب أبي موسى المديني: هو ما زُيِّن لهم الشيطان أن يعبدوه، وفي الصحاح:
هو كل رأس في الضلال، ومعنى قوله: سقيت أي: صُب عليها الماء مرة بعد
أخرى كما قال ﵌:"صبوا عليه سجلا من ماء" (١) .
والله تعالى أعلم.
***
стр. 1226
١٢١- باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، ثنا سفيان عن عمرو بن يحيى
عن أبيه وحماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري
قال رسول الله ﷺ :"الأرض كلها مسجد إّلا المقبرة والحمام (١) . هذا
حديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد الواحد بن زياد، ثنا
عمرو، وقال: تابعه عبد العزيز بن محمد بن عمرو وقال: وتابع عمارة بن
عربة بن يحيى على روايته عن أبيه يحيى بن عمارة، ثم قال: هذه الأسانيد
كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وخرجه ابن حبان في
صحيحه عن عمران بن موسى، ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد به، ولما خرجه
الدارمي في مسنده الذي زعم أنه صحيح ذكر آخره، قيل لأبي محمد تجرى
الصلاة/في المقبرة، قال: إذا لم يكن على القبر فتقم، قال: والحديث أكثرهم
أرسله، وذكره ابن حزم مصححا له، ثم قال: وقال بعض من لا يبقى عاقبة
كلامه في الدين: هذا حديث أرسله الثوري، وشكّ في إسناده موسى بن
إسماعيل عن حماد مكان ما دار يتم، يقولون: إن المسند كالمرسل، ولا فرق
ثم أي منفعة لهم في شك موسى، ولم يشك حجاج، وإن لم يكن فوق
موسى فليس دونه في إرسال سفيان، وقد أسند حماد وأبو طوالة وعبد الواحد
وابن إسحاق وكلهم عدل، وفي كتاب المعرفة، قال الشّافعي: وحدّث هذا
الحديث في كتابي في موضعين: أحدهما: منقطع، قال أبو عبد الله: وبه يقول
ومفعول أنه كما جاء الحديث ولو لم يتنبه؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على
أرض نجسة، وقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روى عن عبد العزيز بن
محمد ورواه منهم من ذكره عن أبي سعيد، ومنهم سن لم يذكره وهذا
حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن
стр. 1227
النبي ﷺ مرسلا، ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي
سعيد عن النبي- ﵇ مسدا، ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن
يحيى عن أبيه، قال: كان عامة روايته عن أبي سعيد عن النبي- صلى الله
عليه وآله وسلم- ولم يذكر فيه أبا سعيد، وكانت رواية الثوري عن عمرو عن
أبيه عن النبي- ﵇ أصح وأثبت، وقال في العلل: كان الدراوردي
أحيانا يذكر فيه أبا سعيد ورعا، لم يذكره، والصحيح: رواية الثوري وغيره عن
عمرو عن أبيه مرسل، وبنحوه. قاله أبو علي/الطوسي في أحكامه. وفي ما
قالاه نظر: من حيث؛ أن ابن ماجة ساق رواية الثوري بسنده قيل، والله تعالى
أعلم. وقال البيهقي: حديث الثوري مرسل، وقد روى موصولا، وليس بشيء.
انتهى كلامه وهو غريب وصوابه ة لما قدّمناه مسندا صحيحا، وفي قول
الترمذي أنّ ابن إسحاق لم يسنده نظر؛ لما تقدّم من عند ابن حزم، ولما يأتي
من عند البزار، ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، ثنا مسدد،
ثنا عبد الواحد عن عمرو عن أبيه عن أبي سعيد، قال موسى في حديثه: فيما
يحسب عمرو أن رسول الله ﷺ يذكره أبو الحسن بن القطان، فقد أخبر
حماد في رواية: أن عمرا شكّ في ذكر النبي- ﵌،
ومنتهى الذين رووه مرفوعا إلى عمرو، وأنّ الحديث حديثه، وعليه بدر (١)
رضوا شك أولا ثم تيقن، ثم شكّ فإنه لو تعين الواقع منهما أنه الشكّ بعد أن
حدث به متيقِّنا للرفع؛ لكان يختلف فيه، فمن يرى لسان الحديث قادحا لا
يقبله، ومن يراه غير صائر يقبله، وإن قدّرنا حديثه شاكا، ثم تيقّن فهاهنا
يحتمل أن يقال غير بعد الشك على سبب من أسباب اليقين، مثل أن يراه في
مسموعاته أو مكتوباته فيرتفع شكّه فلا يبالى ما تقدم من تشككه، ومع هذا
فلا ينبغي للمحدّث أن يترك بمثل هذا في نقله؛ فإنه إذا فعل فقد أراد مِنّا قبول
رأيه في رواية، وهذا كلّه إنّما يكون إذا سلم أنّ الدراوردي وعبد الواحد
الرافعين له سمعاه منه غير مشكوك فيه، فإنّه من المحتمل أن لا يكون الأمر
كذلك بأن سمعاه مشكوكا فيه؛ كما سمعه/حمّاد، ولكنهما حدثا به، ولم
стр. 1228
يذكر ذلك اكتفاء بحسبانه، وعلى هذا تكون علْة الخبر فاعلم ذلك. انتهى
كلامه. وفيه نطر؛ من حيث قوله عن عمر، والحديث حديثه؛ لما أسلفناه
صحيحا من عند الحاكم من أنّ عمارة بن غزية رواه عن يحيى كرواية ابنه
عمر، ورواه البزار من حديث زياد، ثنا أبو طوالة عن عمرو مرفوعًا، وقال:
رواه جماعة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي- صلى الله عليه وآله
وسلم- ولم يقولوا عن أبي سعيد، ورواه عبد الواحد وعبد الله بن
عبد الرحمن ومحمد بن إسحاق مرفوعا، وقد أسلفناه عن ابن حزم أن
حجّاجًا رواه عن حماد بغير شكّ وكذلك يزيد بن هارون المذكور عندنا
رباح، وهو ردّ؛ لما ذكره ابن القطان أيضًا، وأما تعداد الرواة الذين أسندوه عن
البزار؛ فقد أغفل ما ذكره أبو القاسم؛ إذ رواه من حديث حجاج بن منهال بن
خارجة بن مصعب عن عمرو مسندًا، وأما قول أبي الخطاب بن دحية في
كتابه المولد: حديث أبي سعيد يعني هذا لا يصح من طريق من الطرق بين
ذلك أهل التعديل والتجريح فغير صحيح؛ لما قدّمناه لتصحيحه في الترجيح
الذي سلم به الحديث من التجريح.
حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي، ثنا عبد الله بن يزيد عن يحيى بن
أيوب عن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر قال:
"نهى رسول الله- ﵌ أن يصلى في سبع مواطن:
في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإِبل، وفوق
الكعبة" (١) . هذا حديث لما رواه أبو عيسى قال: حديث ابن عمر/إسناده
стр. 1229
ليس بذلك القوى، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقد روى
الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن
عمر عن عمر عن النبي- ﵌، وحديث ابن عمر
عن النبي- ﵇ اسمه واضح من حديث الليث، وعبد الله بن عمر
العمري: ضعفه بعض اً هل الحديث من قبل حفظه. قال أبو عيسى: وزيد بن
جبيرة الكوفي أثبت من هذا، وأقدم فقد سمع من ابن عمر، وقال أبو محمد
الأشبيلي: غير أبي عيسى يقول في هذا الإِسناد أكثر من هذا، وقال أبو علي
الطوسي في كتاب الأحكام: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوى،
وأشبه، وأصح من حديث الليث، وقال أبو الفرح في العلل المتناهية: هذا خبر
لا يصح، وقال أبو الخطاب بن دحية: هذا حديث باطل عندهم أنكروه على
ابن سيده، ولا يعرف مسندًا إّلا برواية يحيى بن أيوب عنه، ولا يجوز اًن
يحتج عند أهل العلم بمثله، وقال أبو زكريا الساجي: زيد بن جبيرة الأنصاري
الذي يُحدِّث عن داود بن حصين ثقة إلا أنه أتى بمنكر في هذا الحديث-
يعني: حديث ابن عمر- وقال أبو جعفر العقيلي: زيد بن جبيرة منكر
الحديث، من حديثه ما ثناه عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، ثنا المقري، ثنا
يحيى عن أيوب عن زيد عن داود يذكره، وثنا يحيى بن عثمان، ثنا عبد
الله بن صالح، حدثني الليث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن
النبي- ﵇ نحوه، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يحيى بن علي، ثنا
ابن أبي بريم، ثنا الليث بن سعد قال: هذه النسخة/رسالة من عبد الله بن
نافع مولى ابن عمر إلى الليث بن سعد. أمّا بعد: فإن نافعًا كان يحدّث عن
ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه:"نهى أن يصلى في سبع مواطن: مواطن
الإِبل والمجزرة، والمزبلة، وفي مصلى قبلة إلى مرحاض، وقارعة الطريق، والمقبرة،
وظهر بيت الله العتيق" (١) . قال: ولا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع إّلا قد
قال عليه الباطل؛ فأما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنّما جعلت
السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع إن أراد ابن عمر التي هي
стр. 1230
وراء جدار قبلة النبي ﷺ كان مربد الأرواح التي يدهن فيه ثم ابتاعته
حفصة- رضي الله تعالى عنها- منهن فاتحذته دارا، وأمّا ما ذكرت من
مواطن الإبل: فقد بلغنا أنّ ذلك يكسر ما وقد كان النبي ﷺ يصلى على
راحلة، وقد كان ابن عمر، ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم
ناقة بيته وبن القبلة فيصلِّى إليها وهي تبعر وتبول: وأمّا ما ذكرت من الصلاة
في المقبرة؛ فإنّ أبي حدثني أنّ عبد الله بن عمر صلى على رافع بن خديج في
المقبرة، وهو إمام الناس يومئذ، وذكر الفضل بن طاهر في كتاب التذكرة،
ورده يزيد أبو أحمد في كامله في باب ما أنكر على زيد بن جبيرة- يعني أبا
جبيرة الأنصاري- القائل فيه يحيى بن معين: لا شيء، وقال أبو حاتم: منكر
الحديث جدا متروك، وقال الأزدي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف
الحديث، وقال ابن حبان: يروى المناكير عن المشاهير فاستحق السلب عن
رواية، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه/ليس بالقائم، وقال أبو عمر في
الاستفتاء: وأجمعوا على أنه ضعيف الحديث. انتهى. وفيه نظر؛ لما تقدم من
عند الساجي وغيره، ولما ذكر له الحاكم حديثا في مستدركه صحح إسناده،
وأما يحمى بن أيوب أبو زكريا البغدادي الزاهد المقابري وداود بن الحصين وإن
كان فيهما كلام فحديثهما في الصحيح.
حدثنا علي بن داود ومحمد بن أبي الحسين قالا: ثنا أبو صالح، حدثني
الليث عن عبد الله بن عمر، حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب
أن رسول الله ﷺ قال:"سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة، طاهر بيت الله،
والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق" (١) . هذا
حديث سبق الكلام عليه وردّ ٥ أبو علي الطوسي بعلي بن داود أيضا، والله
أعلم. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر عن عمر إلّا من هذا الوجه،
ولا نعلم حدّثه به عن عبد الله عمر إلا الليث بن سعد، وفي الباب حديث
عائشة، وذكر عند النبي ﷺ كتبه بالحديث فقال:"أولئك قوم إذا مات