١٢١- باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، ثنا سفيان عن عمرو بن يحيى
عن أبيه وحماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري
قال رسول الله ﷺ :"الأرض كلها مسجد إّلا المقبرة والحمام (١) . هذا
حديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد الواحد بن زياد، ثنا
عمرو، وقال: تابعه عبد العزيز بن محمد بن عمرو وقال: وتابع عمارة بن
عربة بن يحيى على روايته عن أبيه يحيى بن عمارة، ثم قال: هذه الأسانيد
كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وخرجه ابن حبان في
صحيحه عن عمران بن موسى، ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد به، ولما خرجه
الدارمي في مسنده الذي زعم أنه صحيح ذكر آخره، قيل لأبي محمد تجرى
الصلاة/في المقبرة، قال: إذا لم يكن على القبر فتقم، قال: والحديث أكثرهم
أرسله، وذكره ابن حزم مصححا له، ثم قال: وقال بعض من لا يبقى عاقبة
كلامه في الدين: هذا حديث أرسله الثوري، وشكّ في إسناده موسى بن
إسماعيل عن حماد مكان ما دار يتم، يقولون: إن المسند كالمرسل، ولا فرق
ثم أي منفعة لهم في شك موسى، ولم يشك حجاج، وإن لم يكن فوق
موسى فليس دونه في إرسال سفيان، وقد أسند حماد وأبو طوالة وعبد الواحد
وابن إسحاق وكلهم عدل، وفي كتاب المعرفة، قال الشّافعي: وحدّث هذا
الحديث في كتابي في موضعين: أحدهما: منقطع، قال أبو عبد الله: وبه يقول
ومفعول أنه كما جاء الحديث ولو لم يتنبه؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على
أرض نجسة، وقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روى عن عبد العزيز بن
محمد ورواه منهم من ذكره عن أبي سعيد، ومنهم سن لم يذكره وهذا
حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن
стр. 1227
النبي ﷺ مرسلا، ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي
سعيد عن النبي- ﵇ مسدا، ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن
يحيى عن أبيه، قال: كان عامة روايته عن أبي سعيد عن النبي- صلى الله
عليه وآله وسلم- ولم يذكر فيه أبا سعيد، وكانت رواية الثوري عن عمرو عن
أبيه عن النبي- ﵇ أصح وأثبت، وقال في العلل: كان الدراوردي
أحيانا يذكر فيه أبا سعيد ورعا، لم يذكره، والصحيح: رواية الثوري وغيره عن
عمرو عن أبيه مرسل، وبنحوه. قاله أبو علي/الطوسي في أحكامه. وفي ما
قالاه نظر: من حيث؛ أن ابن ماجة ساق رواية الثوري بسنده قيل، والله تعالى
أعلم. وقال البيهقي: حديث الثوري مرسل، وقد روى موصولا، وليس بشيء.
انتهى كلامه وهو غريب وصوابه ة لما قدّمناه مسندا صحيحا، وفي قول
الترمذي أنّ ابن إسحاق لم يسنده نظر؛ لما تقدّم من عند ابن حزم، ولما يأتي
من عند البزار، ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، ثنا مسدد،
ثنا عبد الواحد عن عمرو عن أبيه عن أبي سعيد، قال موسى في حديثه: فيما
يحسب عمرو أن رسول الله ﷺ يذكره أبو الحسن بن القطان، فقد أخبر
حماد في رواية: أن عمرا شكّ في ذكر النبي- ﵌،
ومنتهى الذين رووه مرفوعا إلى عمرو، وأنّ الحديث حديثه، وعليه بدر (١)
رضوا شك أولا ثم تيقن، ثم شكّ فإنه لو تعين الواقع منهما أنه الشكّ بعد أن
حدث به متيقِّنا للرفع؛ لكان يختلف فيه، فمن يرى لسان الحديث قادحا لا
يقبله، ومن يراه غير صائر يقبله، وإن قدّرنا حديثه شاكا، ثم تيقّن فهاهنا
يحتمل أن يقال غير بعد الشك على سبب من أسباب اليقين، مثل أن يراه في
مسموعاته أو مكتوباته فيرتفع شكّه فلا يبالى ما تقدم من تشككه، ومع هذا
فلا ينبغي للمحدّث أن يترك بمثل هذا في نقله؛ فإنه إذا فعل فقد أراد مِنّا قبول
رأيه في رواية، وهذا كلّه إنّما يكون إذا سلم أنّ الدراوردي وعبد الواحد
الرافعين له سمعاه منه غير مشكوك فيه، فإنّه من المحتمل أن لا يكون الأمر
كذلك بأن سمعاه مشكوكا فيه؛ كما سمعه/حمّاد، ولكنهما حدثا به، ولم
стр. 1228
يذكر ذلك اكتفاء بحسبانه، وعلى هذا تكون علْة الخبر فاعلم ذلك. انتهى
كلامه. وفيه نطر؛ من حيث قوله عن عمر، والحديث حديثه؛ لما أسلفناه
صحيحا من عند الحاكم من أنّ عمارة بن غزية رواه عن يحيى كرواية ابنه
عمر، ورواه البزار من حديث زياد، ثنا أبو طوالة عن عمرو مرفوعًا، وقال:
رواه جماعة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي- صلى الله عليه وآله
وسلم- ولم يقولوا عن أبي سعيد، ورواه عبد الواحد وعبد الله بن
عبد الرحمن ومحمد بن إسحاق مرفوعا، وقد أسلفناه عن ابن حزم أن
حجّاجًا رواه عن حماد بغير شكّ وكذلك يزيد بن هارون المذكور عندنا
رباح، وهو ردّ؛ لما ذكره ابن القطان أيضًا، وأما تعداد الرواة الذين أسندوه عن
البزار؛ فقد أغفل ما ذكره أبو القاسم؛ إذ رواه من حديث حجاج بن منهال بن
خارجة بن مصعب عن عمرو مسندًا، وأما قول أبي الخطاب بن دحية في
كتابه المولد: حديث أبي سعيد يعني هذا لا يصح من طريق من الطرق بين
ذلك أهل التعديل والتجريح فغير صحيح؛ لما قدّمناه لتصحيحه في الترجيح
الذي سلم به الحديث من التجريح.
حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي، ثنا عبد الله بن يزيد عن يحيى بن
أيوب عن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر قال:
"نهى رسول الله- ﵌ أن يصلى في سبع مواطن:
في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإِبل، وفوق
الكعبة" (١) . هذا حديث لما رواه أبو عيسى قال: حديث ابن عمر/إسناده
стр. 1229
ليس بذلك القوى، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقد روى
الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن
عمر عن عمر عن النبي- ﵌، وحديث ابن عمر
عن النبي- ﵇ اسمه واضح من حديث الليث، وعبد الله بن عمر
العمري: ضعفه بعض اً هل الحديث من قبل حفظه. قال أبو عيسى: وزيد بن
جبيرة الكوفي أثبت من هذا، وأقدم فقد سمع من ابن عمر، وقال أبو محمد
الأشبيلي: غير أبي عيسى يقول في هذا الإِسناد أكثر من هذا، وقال أبو علي
الطوسي في كتاب الأحكام: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوى،
وأشبه، وأصح من حديث الليث، وقال أبو الفرح في العلل المتناهية: هذا خبر
لا يصح، وقال أبو الخطاب بن دحية: هذا حديث باطل عندهم أنكروه على
ابن سيده، ولا يعرف مسندًا إّلا برواية يحيى بن أيوب عنه، ولا يجوز اًن
يحتج عند أهل العلم بمثله، وقال أبو زكريا الساجي: زيد بن جبيرة الأنصاري
الذي يُحدِّث عن داود بن حصين ثقة إلا أنه أتى بمنكر في هذا الحديث-
يعني: حديث ابن عمر- وقال أبو جعفر العقيلي: زيد بن جبيرة منكر
الحديث، من حديثه ما ثناه عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، ثنا المقري، ثنا
يحيى عن أيوب عن زيد عن داود يذكره، وثنا يحيى بن عثمان، ثنا عبد
الله بن صالح، حدثني الليث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن
النبي- ﵇ نحوه، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يحيى بن علي، ثنا
ابن أبي بريم، ثنا الليث بن سعد قال: هذه النسخة/رسالة من عبد الله بن
نافع مولى ابن عمر إلى الليث بن سعد. أمّا بعد: فإن نافعًا كان يحدّث عن
ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه:"نهى أن يصلى في سبع مواطن: مواطن
الإِبل والمجزرة، والمزبلة، وفي مصلى قبلة إلى مرحاض، وقارعة الطريق، والمقبرة،
وظهر بيت الله العتيق" (١) . قال: ولا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع إّلا قد
قال عليه الباطل؛ فأما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنّما جعلت
السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع إن أراد ابن عمر التي هي
стр. 1230
وراء جدار قبلة النبي ﷺ كان مربد الأرواح التي يدهن فيه ثم ابتاعته
حفصة- رضي الله تعالى عنها- منهن فاتحذته دارا، وأمّا ما ذكرت من
مواطن الإبل: فقد بلغنا أنّ ذلك يكسر ما وقد كان النبي ﷺ يصلى على
راحلة، وقد كان ابن عمر، ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم
ناقة بيته وبن القبلة فيصلِّى إليها وهي تبعر وتبول: وأمّا ما ذكرت من الصلاة
في المقبرة؛ فإنّ أبي حدثني أنّ عبد الله بن عمر صلى على رافع بن خديج في
المقبرة، وهو إمام الناس يومئذ، وذكر الفضل بن طاهر في كتاب التذكرة،
ورده يزيد أبو أحمد في كامله في باب ما أنكر على زيد بن جبيرة- يعني أبا
جبيرة الأنصاري- القائل فيه يحيى بن معين: لا شيء، وقال أبو حاتم: منكر
الحديث جدا متروك، وقال الأزدي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف
الحديث، وقال ابن حبان: يروى المناكير عن المشاهير فاستحق السلب عن
رواية، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه/ليس بالقائم، وقال أبو عمر في
الاستفتاء: وأجمعوا على أنه ضعيف الحديث. انتهى. وفيه نظر؛ لما تقدم من
عند الساجي وغيره، ولما ذكر له الحاكم حديثا في مستدركه صحح إسناده،
وأما يحمى بن أيوب أبو زكريا البغدادي الزاهد المقابري وداود بن الحصين وإن
كان فيهما كلام فحديثهما في الصحيح.
حدثنا علي بن داود ومحمد بن أبي الحسين قالا: ثنا أبو صالح، حدثني
الليث عن عبد الله بن عمر، حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب
أن رسول الله ﷺ قال:"سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة، طاهر بيت الله،
والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق" (١) . هذا
حديث سبق الكلام عليه وردّ ٥ أبو علي الطوسي بعلي بن داود أيضا، والله
أعلم. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر عن عمر إلّا من هذا الوجه،
ولا نعلم حدّثه به عن عبد الله عمر إلا الليث بن سعد، وفي الباب حديث
عائشة، وذكر عند النبي ﷺ كتبه بالحديث فقال:"أولئك قوم إذا مات
стр. 1231
فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك
شرار الخلق عند الله " (١) . وحديث ابن عباس قال ﵇:
"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما
صنعو" (٢) . وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣) . خرجاه في صحيحهما، وحديث جندب
سمعت النبي ﷺ /قبل أن يموت بخمس وهو يقول:" إني أبرأ إلى الله أن
يكون لي منكم خليل ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم
وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذ القبور مساجد" (٤) . وحديث أبي مرثد
الغنوى أن رسول الله ﷺ قال:"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
رواهما مسلم، وحديث ابن عمر؛ قال ﵇: "اجعلوا في بيوتكم
من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا" (٦) . ذكره البخاري، قال الإسماعيلي: إنّ
هذا الحديث يدلُّ على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر، وفي كتاب
стр. 1232
ابن المنذر هذا يدل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة، وللعلماء في معنى
هذا الحديث قولان: أحدهما: أنه ورد في صلاة النافلة، وهو الظاهر، الثاني:
في الفريضة، يعني بذلك: من لا يقدر على الخروج، وفيه بعد في كتاب ابن
التين؛ فأوّل البخاري هذا مع الصلاة في المقابر وأخذ عليه، وذلك أن جماعة
أولوه على أنه ﵇ ندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون
في قبورهم، فقال: " لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم"، وهي
القبور، وأمّا جواز الصلاة في المقابر أو المنع فليس في الحديث ما يوجد منه
ذلك، وحديث علي- رضي الله تعالى عنه- أنه هو يقاتل وهو يسير، فجاء
المؤذن، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام، فلما فرغ قال:"إنّ حبيبي عليه
السلام نهاني أن أصلى في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها
ملعونة". ذكره أبو داود (١) من حديث الحجاج بن شداد عن أبي صالح
الغفاري سعيد بن عبد الرحمن عنه، وذكره أبو عبد الله/الجعفي في صحيحه
بلفظ: ويذكر عن علي أنه كره الصلاة بخسف بابل، وذكر ابن يونس أبا
صالح هذا؛ فقال: روى عن علي، وما أظنه سمع به، وقال الأشبيلي: هذا
حديث واهي، وزعم ابن القطان: أنّ فيه رجالا لا نعرف حالهم، وقال
البيهقي في المعرفة: إسناده غير قوي، وقال الخطابي: إسناد هذا الحديث فيه
مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حزم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما
هو منه وهو قوله ﵊:"جعلت لي الأرض مسجدا
وطهورا" (٢) . ويشبهه أن يثبت الحديث أن يكون نهاه أن يتّخذها وطنا ودارا
للإِقامة، فتكون صلاته فيها يوما إذا كانت إقامته بها، ويخرج النهى فيه على
стр. 1233
الخصوص ألا ترى إلى قوله نهاني حبيبي، أو يحتمل أن يكون أمره ما يلقى
من المحنة بالكوفة وهى هن أرض بابل، والله تعالى أعلم.
وفي السن الكبير البيهقي (١) : وروينا عن عبد الله بن أبي محل العامري
قال:"كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه".
وعن حجر بن عدي الحضرمي عن علي قال:"ما كنت لأصلى في أرض
خسف الله بها ثلاث مرات" (٢) . قال أبو بكر: وهذا النهي إن ثبت مرفوعًا
ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة فلو صلى فيها لم يعد؛ وإنما هو كما جاء في
حديث الحجر، وحديث ابن عمر قال ﵊:"لا تدخلوا
على هؤلاء المعذّبين إلا أن يكونوا باكين، فإن لم يكونوا باكين فلا تدخلوا
عليهم لا يصيبكم ما أصابهم" (٣) . أدخله البخاري في باب الصلاة، في
موضع الخسف والعذاب، وفي كتاب البيهقي: وروينا عن ابن عمرو بن
العاص/أنه: كان يكره أن يصلي الرجل في الحمام، وروينا عن ابن عباس
أنه: كره أن يصلى إلى حش أو حمام أو قبر، ورأى عمر إنسان يصلى وبن
يديه قير لا يشعر به فناداه: القبر القبر، وحديث أبي سعيد مولى المهدى قال
رسول الله ﷺ :"لا تتخذوا بيوتكم قبورا" (٤) . أنبأ به المسند الجودري عن
أبي الحسن المحمودي أنبأ الحافظ أبو طاهر، أنبأ أبو مسعود محمد بن عبد
الله بن أحمد السودجاني، أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمدان
الخيال، قال السلفي: وأنبأ أبو القاسم الفضل بن علي السكري أنبأ أبو بكر
محمد بن أحمد الدكراني قالا: أنبأ أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم،
стр. 1234
ثنا جدي أبو موسى عن عيسى بن إبراهيم، ثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني
بجميع كتاب الثواب تأليفه، ثنا حبان عن محمد بن عجلان عنه، وحديث
الحسن قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو هريرة أن
النبي ﷺ :"نهى عن الصلاة في المسجد تجاه حش، أو حمام، أو
مقبرة" (١) . ذكره أبو أحمد من حديث عبادة بن كثير الثقفي عن عثمان
الأعرج عنه، وردّه بضعف عباد، وزاد ابن القطان علّة أخرى؛ وهى الجهالة
بحال عثمان؛ فإنّها لا تعرف، وفي كتاب البزار من حديث الأشعث عنه عن
أنس:"نهى النبي ﷺ عن الصلاة بين القبور" (٢) . وسنده صحيح. قاله عبد
الحق في الكبرى، وحديث أبي هريرة يرفعه:"لا تجعلوا بيوتكم مقابر" (٣) .
رواه مسلم، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند حديث عمر إن شاء الله تعالى
غريبه/: قال ابن سيده: القبر مدفن الإنسان، وجمعه: قبور، والمقبرة: موضع
القبور، قال سيبويه: المقبرة ليس على الفعل، ولكنه اسم، وفي الصحاح: وقد
جاء في الشّعر المقبرة قال الشاعر:
لكل أناس مقبر نعتا بهم … فهم ينقصون والقبور تزيد
وهو المقبِري والمقبري، قال ابن مري: وقول ابن نصر أن المقبر- بفتح
الباء- قد جاء في الشعر، يقتضى أنه من الشاذ وليس كذلك؛ بل هو قياس
مطرد في أسم المكان من قبر يقبر المقبر، ومن خرج يخرج المخرج، ومن دخل
يدخل المدخل، وهو قياس مطرد لم يشذ منه غير الألفاظ المعروفة، مثل
المنبت، والمسقط، والمطلع، والمشرق، والمغرب، ونحوها، قال ابن سيّده:
стр. 1235
والحمام: الديماس مشتق من الحميم مذكر وهو أحد ما جاء من الأسماء على
فعال نحو: اقتران والحمام، والجمع حمامات، قال سيبويه: جمعوه بالألف
والتاء، وإن كان مذكرًا حي لم يكسر، جعلوا ذلك عوضا من التكسير، وفي
الصحاح: الحمام مشدد واحد الحمامات المبنية، وفي الأوائل: أؤل من اتُّخذ له
الحمام، سليمان، قالوا: أراد أن يتذكر به الآخرة فلما دخلها قال: آه من عذاب
الله تعالى، وأما المجزرة فزعم الجوهري: أن المجزر بكسر الراء موضع جزر
الجزور ويقال: جزرت الجزور أجزرها بالضم، واجتزرتها إذا نحرتها وجلدتها،
وفي الحديث عن عمر:"إياكم وهذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة
الخمر" (١) . قال الأصمعي: يعني ندى القوم؛ لأن الجزور إنما تذبح عند جمع
الناس، قال: والمزبلة: بالضم أيضًا، موضع الزبل وهو السرجين، قال أبو
محمد ابن حزم: ولا تحل الصلاة في حمام سواء مبد أما به إلى/منتهى جميع
حدوده، ولا على سطحه وسقف موقده وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما،
فإن سقط من بنيانه شيء يسقط عنه اسم حمام، جازت الصلاة في أرضه
حينئذ، ولا في مقبرة لمسلم كانت أو لكافر، فإن ثبت وأخرج ما فيها من
الموتى جازت الصلاة فيها، ولا إلى قبر ولا عليه ولعانه قبر نبي، وبهذا تقول:
طوائف صن السلف روينا عن نافع بن جبير أنه قال:"كان ينهى أن يصلى
وسط القبر والحمام والحشان". وعن ابن عباس قال:"لا تصلين إلى حش،
ولا حمام، ولا في مقبرة". قال أبو محمد: ولا نعلم لابن عباس في هذا
مخالفا من الصحابة، وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات
قبلة: الحمام، والحش، والمقبرة، وعن العلاء بن زياد عن أبيه وخيثمة بن عبد
الرحمن أنهما قالا:"لا تصلي إلى حمام، ولا إلى حش، ولا وسط مقبرة"
وقال أحمد: من صلى في حمام أو مقبرة أو إلى مقبرة أعاد أبدًا، وعن علي:
стр. 1236
من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد، وعن ابن عباس رفعه:"لا تصلوا
على قبر، ولا إلى قبر" (١) . قال ابن جريج:"قلت لعطاء أيكره أن يصلى إلى
قبر أو وسط القبور؟! قال: نعم، كان ينهى عن ذلك، فإن كان بينك وببن
القبر سترة ذراع فصلّ"، وعن عمرو بن دينار نحوه، وكان طاوس يكره
الصلاة وسط القبور كراهية شديدة، قال أبو محمد: فهؤلاء الصحابة لا نعلم
لهم من الصحابة أيضا مخالفا، وكره الصلاة على القبر وإلى القبر، وفي
المقبرة: أبو حنيفة، والأوزاعي، وسفيان، ولم يرى مالك بذلك النهى عن
الصلاة على ظهر الكعبة فسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، والله أعلم.
стр. 1237
١٢٢-باب ما يكره في المساجد
حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، ثنا محمد
ابن حمير، ثنا زيد بن جبيرة الأنصاري عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن
عمرو عن رسول الله ﷺ قال:"خصال لا ينبغي في المسجد، لا تتخذ
طريقا، ولا يشهر فيه سلاحا، ولا يبيض فيه نفوس، ولا ينثر فيه نبلا، ولا يمر
فيه بلحم نيىء ولا يضرب فيه حدًا، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ
سوقاً" (١) . هذا حديث لما ذكره أبو أحمد بن عدي وأبو الفضل في كتاب
التذكرة ضعّفاه بزيد، وقال أبو الفرح في العلل المتناهية: هذا خبر لا يصح،
ورواه أبو نعيم من حديث يحيى بن صالح أبو حاطي ثنا علي بن حوشب عن
أبي قبيل حيي بن هانئ عن سالم عنه بلفظ:"لا تتخذوا المساجد طرقا إّلا
لذكر أو صلاة" (٢) . ثم قال: تفرد به أبو قبيل عن سالم. حدثنا عبد الله ابن
سعيد الكندي، ثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جدّه قال:"نهى رسول الله ﷺ عن البيع والابتياع، وعن تناشد
الأشعار في المساجد" (٣) . ثم كرر ذكره في باب إنشاد الضوال، وهو حديث
خرجه ابن خزيمة، في صحيحه عن عبد الله بن سعيد، ثنا أبو خالد ولفظه:
"عن البيع والابتياع وأن ينشد الضوال وعن تناشد الأشعار، وعن التحلق
стр. 1238
للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة- يعني في المسجد-". ولما رواه أبو عيسى
عن قتيبة، ثنا الليث عن ابن عجلان قال فيه: حديث حسن والالتفات إلى
قول ابن حزم هذا: خبر لا/يصح؛ لأنه من طريق عمرو عن أبيه عن جده
وهي ضعيفة أو من طريق هي أسقط منها، زاد أحمد: وأن لا يشترى فيه،
وعند البيهقي: وعن تعريف الضالة: حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا
مسلم بن إبراهيم، ثنا الحرث بن نبهان، ثنا عتبة بن يقظان عن أبي سعيد عن
مكحول عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال:"جنبوا مساجدكم
صبيانكم، ومجانينكم، وشرائكم، وبيعكم، ومصوماتكم، ورفع أصواتكم،
وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على وسل سيوفكم أبوابها المطاهر
وجمروها في الجمع" (١) . هذا الحديث معلل بأمور منها: الحارث بن نبهان
الجرمي القائل فيه أحمد: هو رجل صالح، لم يكن يعرف الحديث ولا يحفظه
وهو منكر الحديث، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه ليس بشيء، وفي رواية:
كثير الغلط، وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف الحديث منكره، وقال أبو
زرعة: ضعيف الحديث في حديثه وهن، وعجب من قول ابن معين ليس
بشيء، وقال البخاري: منكر، وفي علل أبي عيسى عنه: ولا يبالي ما حدث
وضعّفه جدا، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: خرج عن حد
الاحتجاج به، وقال الدارقطني: ليس بالقوى، وفي تاريخ محمد بن أبي شيبة
سألت ابن المديني عن ابن نبهان فقال: كان ضعيفًا ضعيفًا، وقال الآجري:
سألت أبا داود عن ابن نبهان فقال: ليس بشيء، وقال الساجي: عنده مناكير
وذكر أبو جعفر العقيلي: أنه منكر الحديث، وفي كتاب أبي العرب قال: أبو
стр. 1239
الحسن بن نبهان ضعيف الحديث، قال أبو العرب: كان الحديث قدم إلينا من
إفريقية فسمع منه البهلول بن راشد، وكان/الحديث، فزاد ذكره الدولابي في
كناه، ووصفه بلا شيء، وقال أبو إسحاق الحربي: غيره أوثق منه، وذكر ابن
لعطة: أنه منكر الحديث. الثّاني: عتبة بن يقظان وإن ذكره ابن حبان في
كتاب الثقات، فقد قال النسائي: كان غير ثقة، وقال علي بن الحسن بن
الجنيد: لا يساوي شيئا فيما ذكره ابن أبي حاتم. الثالث: أبو سعيد لا يعرف
حاله، ولم نر له راوياً غير عتبة. الرابع: مكحول، وإن كان البخاري في
تاريخه الأوسط زعم أنه سمع من واثلة، وكذلك البزار، والجوزقاني؛ فقد ذكره
أبو مسهر، وقيل له: هل سمع مكحول من أحد من الصحابة، فقال: ما صح
عندنا إلّا أنمر، قلت: فواثلة فأنكره، قال عبد الرحمن: سألت أبي عن
مكحول عن واثلة، فقال: مكحول لم يسمع من واثلة؛ إّنما دخل عليه، وروينا
عن أبي عبد الله بن البيع في كتاب معرفة علوم الحديث حديث مكحول عن
الصحابة حوالة، ورواه أبو أحمد بن عدى في كامله من حديث
عبد الرحمن بن هانئ وهو متهم بالكذب عن العلاء وهو ضعيف عن مكحول
عن واثلة وأبي الدرداء وأبي أمامة قال: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: " جنبوا
مساجدكم … "فذكره بزيادة:"واجعلوا على أبوابها المطاهر". وغير ذلك،
ثم رواه أبو العلاء، وكذلك أبو الفضل بن طاهر وأبو محمد الأشبيلي، وأمّا
أبو الحسن بن القطان وصاحب العلل المتناهية؛ فرواه بها، وأما إغفال ابن
عساكر ومن بعده حديث ابن ماجة هذا فغير صواب، وقد استدركناه في
كتابنا المسمّى بالأطراف بتهذيب الأطراف، وفي الباب غير حديث؛ من ذلك
حديث حكيم بن حزام قال:"نهى رسول الله ﷺ /أن يستقاد في المسجد،
وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود". خرجه أبو داود (١) من حديث
صدقه بن خالد عن محمد بن عبد الله الشعيثي عن زفر بن وثيمة عنه وزعم
أبو محمد الأشبيلي أنه حديث ضعيف، وقال ابن القطان: لم يثنى أبو محمد
стр. 1240
من أمره شيئا وعليه الجهل بحال زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان؛
فإنه لا يعرف بأكثر من رواية محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي عنه،
وروايته هو عن حكيم. انتهى كلامه. وفيه نطر من حيث؛ نظر في غير موضع
النظر، وذلك أنّ من لا يصلح أن يكون علّة لحديث فإنه ممن سأل عثمان بن
سعيد الدارمي أبا زكريا يحيى بن معين؛ فقال: ثقة، وذكره أبو حاتم البستي
في كتاب الثقات، وروى له الحاكم في مستدركه حديثا صح إسناده، وروى
عن المغيرة بن شعبة، وروى عنه أيضا محمد بن عبد النضري فيما ذكره أبو
نعيم في كتاب المساجد، وأظنهما واحدا، وعلى كل حال زالت العلّة التي
عصب بها ابن القطان رأس زفر، وأمّا الشعيثي الذي أبرزه أبو محمد عبد
الحق؛ فهو ثقة عند جماعة: منهم: دحيم، والمفضل بن غسان فصح على هذا
إذا الحديث، ولقائل أن يقول: ليس الأمر على ما ذكرت، وذلك أنه حديث
منقطع، والمنقطع لا يكون صحيحا، وبيانه عدم اتصال ما بين زفر وحكيم
الذي أشار إليه ابن حبان بقوله: روى عن حكيم، إن كان سمع منه، وهذا
وإن كان ظنا لا يقينا فإنّه يخدش في الاتصال؛ لكوننا لم نعرف مولده ليتّضح
سماعه منه أو عدمه، ولانا لم نره صرح بسماعه منه، وإن لم يتّهم بتدليس/
فغير كان حداثنا رواية عنه مع هذا الخدش. والله تعالى أعلم، وقد وجدنا
دحيما لما ذكره وأوضح ما استبهم علينا من حاله بهذا أنه لم يكن حكيما،
وأما ما كرهه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر؛ من أن وكيع بن الجراح رواه عن
الشعبي، عن عبد الرحمن المزني عن حكيم، وكذا ذكره الدارقطني رواه عن
حكيم العباس بن عبد الكريم، فغير محمد، لعدم ذكر هذين في شيء من
التواريخ جملة فيما أمر حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال:"جنبوا
مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" (١) . رواه البزار وقال: ليس لهذا الحديث
أصل من حديث عبد الله، وفي كتاب أبي نعيم من حديث الحكم بن عبد
الملك عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عنه مرفوعا:"من أشراط الساعة أن يمُر
الرجل في المسجد لا يصلي فيه". وفي المستدرك (٢) من حديث خارجة بن
стр. 1241
الظت البرجمش"قال: دخلت مع عبد الله، فإذا القوم ركوع فركع فمر
رجل فسلّم عليه، فقال عبد الله: صدق الله ورسوله أنه كان يقول: " لا تقام
الساعة حتى تتخذ المساجد طرقا … " (١) الحديث، وقال فيه: صحيح الإسناد
ولم يخرجاه، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه ومن رفعه مطولا، وحديث
مكحول رفعه إلى معاذ بن جبل رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: لا جنِّبوا
مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم، وشراءكم، وبيعكم، وجمروها يوم
جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهر". رواه أبو نعيم في كتاب المساجد من
حديث محمد بن مسلم الطائفي/عن عبد ربه بن عبد الله الشامي عن
يحيى بن العلاء عنه، وفي التفسير المنسوب للضحاك من حديث برد عن
مكحول عنه مرفوعا بلفظ:"ينهون صبيانكم عن اللعب في المساجد
ويهودكم ونصاراكم أن يدخلوا المسجد، أو ليمسخنّكم الله قردة وخنازير ركعا
وسجدا" يرد عن مكحول فال ﵇: " لا تفرد أهل الكفر بالله أن
يدخلوا مساجدكم لما هم فيه من النجاسة لمه. يرد عن مكحول قال عليه
السلام: " جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم، وبيعكم
وشراءكم، وسلاحكم، وجمروها بين كل سبعة أيام، وصفوا الطاهر أبوابها
وأفنيتها لمه (٢) . وحديث محمد بن محبر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه
عن علي قال: صليت العصر مع عثمان فرأى خياطا في ناحية المسجد، فأمر
بإخراجه فقيل له: يا أمير المؤمنين أنه يكنس المسجد، ويغلق أبوابه، ويرش أحيانا
فقال عثمان: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا جنبوا صناعكم
مساجدكم " (٣) . ذكره أبو أحمد وقال: هذا حديث غير محفوظ، ورواه أبو
الفرح يكذب محمد بن محيرز أبي حمام الثقفي البصري الصانع الدلال
الرازي عن جعفر والثوري، كذا ذكره ابن الجوزي في كتاب الضعفاء
стр. 1242
والمتروكين. وفيه نظر في ثلاثة مواضع: الأول: تركيبها من ترجمتي الدلال
والثقفي. الثاني: فإن الثقفي؛ إنما حدّث أبو همام عن الثوري وهشام بن سعد
وغيرهما. الثالث: أن الضعيف الثقفي، لا الدلال ذكرهما كذلك ابن أبي
حاتم، والمنجيلي، وغيرهما، أوضحنا ذلك في كتابنا الاكتفاء بفتح كتاب
الضعفاء/. وحديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ :"إذا رأيتم الرجل يبيع
ويشترى في المسجد فقولوا: لا أرع الله تجارتك". خرجه ابق حبان في
صحيحه (١) ، وحديث جابر بن عبد الله قال:"نهى رسول الله ﷺ أن يسل
السيف في المسجد" (٢) . قال عبد الحق: رواه عمر بن هارون عن ابن جريج
أخبرني أبو الزبير سمع جابرًا يذكره وعمر ضعيف، والصحيح حديث عبد
الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: نهى رسول الله ﷺ …
مرسل، قال ابن القطان: لم يعز أبو محمد حديث جابر ولا أعرف له إّلا
موقعًا. انتهى. وفيه نطر؛ من حيث أعنى على كلام أبي محمد في عمر بأنه
ضعيف وهو لير بهذه المنزلة عند العلماء، قال ابن معين: هو كذاب
الحديث، وتركه أحمد وابن مهدي والنسائي، وقال ابن حبان: يروى عن
الثقات المعضلات، ويدعى شيوخًا لم يرهم، فقد رأينا لهذا الحديث موقعا،
وهو ما رواه الطبراني في الأوسط بسند صحيح من حديث عمرو بن دينار
عنه مرفوعا:"إذا دخلتم بالسهام المساجد فامسكوا بنصالها لا تجرحوا أحدًا
من المسلمين" (٣) . وقال: تفرد به سهل بق زنجويه عن وكيع يعني عن
الأعمش عن ابن عتبة عنه، وحديث ابن عباس: قال رسول الله ﷺ :"لا
يقتل الوالد بالولد، ولا تقام الحدود في المساجد " (٤) . رواه أبو أحمد من
стр. 1243
حديث إسماعيل بن مسلم المكي عن عمرو بن دينار عن طاوس عنه، وقال
إسماعيل: ضعيف، وله أحاديث غير محفوظة هذا منها، وأشار أبو نعيم إلى
تفرد به عن عمرو، ولفظه في التفسير المنسوب للضحاك رواية جرهم عنه عن/
ابن عباس مرفوعا، وهو في المساجد: " ولا تتخذوها طرقا، ولا تمر فيه
حائض، ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل، ولا ينفر فيه نبل، ولا يسل فيه
سيف، ولا يضرب فيه حد، ولا يتخذ فيه مجلس للقضاء، ولا ينشد فيه شعر
فإن أنشد فقل بغّض الله، قال: ولا يبتاع، ولا يشتري، فإن باع فيه أو اشترى
فقل: لا أرع الله تجارتك، ولا ينشد فيه ضالة فإن أنشدها فقل: لا ردّها الله
عليك، ولا تزيّن بالقوارير، ولا يصور بالتصاوير، ولا ينفخ فيه بالمزامير، ولا
يضرب فيه بالدفوف فإنما شيدت بالأمانة ورفعت بالكرامة" (١) . وحديث
جبير بن مطعم قال رسول الله ﷺ :"لا تقام الحدود في المساجد"، ولا
ينشد فيها الإشعار ولا يستفاد فيها، ولا يرفع فيها الأصوات " (٢) . رواه أبو
نعيم من حديث بقية، قال: حدثني مقاتل عن عمرو عن نافع بن جبير بن
مطعم عن أبيه، ورواه أيضا مختصرا من حديث سلمة عن ابن إسحاق،
وحدّثني أبي عن جبير به ورواه عمرو بن دينار عن نافع عن أبيه بلفظ:"لا
تسل السيوف ولا تنشر النبل في المساجد، ولا يحلف بالله في المسجد، ولا
يبيع القابلة في المسجد مقيما ولا ضيفا، ولا يبنى التصاوير، ولا تزين بالقوارير
فإنما بنيت بالأمانة وشرفت بالكرامة" (٣) . وحديث ابن عباس وابن عمر عن
النبي ﷺ :"أنه نهى أن تتخذ المساجد طرقا، أو. تقام فيها الحدود، أو تنشر
فيها الأشعار، أو يرفع فيها الصوت" (٤) . ذكره أبو أحمد من حديث فرات بن
стр. 1244
السائب وهو منكر الحديث عن ميمون بن مهران عنهما، وحديث أسيد بن
عبد الرحمن:/أن شاعراً جاء إلى النبي ﷺ وهو في المسجد فقال:"أنشدك
يا رسول الله قال: لا، قال: بلى فأذن إلي فقال النبي ﷺ : فاخرج من
المسجد فخرج فأنشد فأعطاه النبي ﷺ ثوبًا وقال: هذا بدل ما مدحت به
ربك". رواه عبد الرزاق (١) في مصنفه عن إبراهيم بن أبي يحيى شيخ
الشافعي عن ابن المنكدر عنه، وحديث أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ
قال:" من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلًا، فيقال الليلتين، وأن تتّخذ
المساجد طرقًا، وأن يطهر موت الفجأة" (٢) . ذكره ابن بنت منيع في معجم
الصحابة عن شريك، ثنا ابن العباس بن زريح عن الشعبي عنه، وسئل عنه
الدارقطني فقال: رواه عبد الكريم بن المعاني عن شريك مرفوعًا، وغيره يرويه
عن الشعبي مرسلا، وفي كتاب أبي نعيم من حديث عبد الله بن ضرار بن
عمرو الملطي عن أبيه عن قتادة عنه مرفوعا:"جنبوا مساجدكم صبيانكم
ومجانينكم ورفع أصواتكم" (٣) . وحديث أبو موسى الأشعري: قال رسول الله
ﷺ : " إذا مرّ أحدكم في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل، فليمسك عن
نصالها بكفه لا يصيب أحدًا من المسلمين منها" (٤) . خرجاه في الصحيح،
وكذا حديث جابر قال: مر رجل في المسجد ومعه سهام فقال له النبي ﷺ :
"امسك نصالها ". وحديث محمد بن عبد الله قال: كنا عند أبي سعيد
الخدري فقلب رجل نبلا فقال أبو سعيد: أما كان هذا يعلم: أن رسول الله
ﷺ نهى عن تقليب السلاح وسلّه. رواه أبو القاسم في الأوسط (٥) عن
стр. 1245
علي بن سعيد الرازي/ثنا إسحاق بن خلف الأعم، ثنا مروان بن معاوية، ثنا
أبو البلاد عنه، ورواه أبو نعيم من حديث خالد بن إلياس، ثنا يحيى بن عبد
الرحمن عنه بلفظ: قال ﵇:"طيبوا مساجدكم وجمّروها، فإن
المساجد بيوت الله في الأرض ومجالس المؤمن، وجنبوها مجانينكم،
وصبيانكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم" (١) . وسيأتي ذكره فيما بعد،
وحديث السائب بن يزيد قال:"كنت نائمًا في المسجد فصحبني رجل
فنظرت فإذا عمر فقال: اذهب فأنني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما أو
من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف فقال لو كنتما من أهل البلاد
لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ". رواه (٢) البخاري،
وقد وردت أحاديث تعارض هذه منها: حديث أبي واقد عند البخاري (٣) :
"بينما في المسجد فأقبل ثلاثة نفر فأما أحدهما: فرأى فرجة فجلس في
الحلقة". وكذا حديث كعب بن مالك:"أنه تعاطى ابن أبي حدرد دينًا
كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله
ﷺ " (٤) . وحديث أبي قتادة:"بينما نحن جلوس في المسجد خرج علينا
النبي ﷺ يحمل أمامة على عاتقه" (٥) . وحديث يريدة:"خطبنا النبي ﷺ
فأقبل الحسن والحسين فأخذهما فأقعدهما". رواه أبو داود (٦) بسند صحيح،
وحديث عائشة عند مسلم (٧) قالت:"رأيت الحبشة يلعبون بحرابهم في
стр. 1246
مسجد النبي ﷺ وهو يسترني بردائه لكي انظر إلى لعبهم"، وكذا حديث
حسان، وقوله لعمر:"كنت أنشد فيه الشعر، وفيه من هو خير منك" (١) .
وحديث سهل بن سعد في التلاعن:"وأنهما تلاعنا/في المسجد" (٢) إلى
غير ذلك". من الأحاديث المبيحة لما حظر ولا فحملها بعضهم على الإباحة
وإلا منع، وأنّ الأولى تنزيه المساجد، وأن لا يجعل ذلك ألا ديدنا فيها، ودفعها
بعضهم جملة، لكونها معلولة، وزق ابن خزيمة في صحيحه: من إنشاد الشعر
الجائز إنشاده وبين الممنوع من إنشاده. غريبه: انبض القوس: مثل: انفيها
جذبت وترها التصوت، وانبض بالوتر كذلك، وانبض الوتر أيضا: جذبه بغير
سهم، ثم أرسله، عن يعقوب. قال اللحباني: الإنباض أن تمد الوتر ثم ترسله
فيسمع له صوت، وفي المثل: لا تعجّل بالإنباض قبل التوتير، مثل في
استعجال الأمر قبل بلوغ أناه، وقال أبو حنيفة: انبض في قوسه، ونبض
أصابها، وأنشد:
لئن نصبت لي الروقين معترضا … لأرمينك رميا غير تنبيض
أي: لا يكون نزعي تنبيضا وتنقيرًا، يعني: لا يكون توعدا بلا بقاعا. ذكره
ابن سيده، وأنشد بعضهم شاهدا عليه قول مهلهل:
انبضوا معجن القسي وأثر فينا … كما توعد الفحول الفحولا
وهو بيت مصنوع. حكاه الأخفش في أماليه عن الأصمعي.
стр. 1247
١٢٣- باب النوم في المسجد
حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الله بن غير، أنبأ عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر قال:"كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ".
هذا حديث خرجاه في الصحيح (١) ، وفي الباب أحاديث، منها: حديث
سهل بن سعد: جاء إلى بنت فاطمة فقال: اين ابن عمك؟ فقالت:"كان
بيني وبيته شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي فقال النبي لإنسان: انظر أين
هو فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد/فجاء رسول الله ﷺ وهو
مضطجع وقد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب" (٢) . الحديث روياه أيضا،
وحديث أبي هريرة قال:"لقد رأيت سبعين من أهل الصفة في المسجد ما
منهم رجل عليه رداء"رواه البخاري (٣) ، وحديث عائشة:"ضرب رسول
الله ﷺ لسعد خيمة في المسجد يعوده من قريب فلم يدعهم في المسجد إلّا
والدم يسيل". رواه في الصحيح (٤) ، وحديث المرأة التي كان لها خفش في
المسجد، وحديث ربطه يمامة بن أسال في المسجد، وهما في الصحيح،
وحديث عثمان بن أبي العاص:"أن وفد ثقيف أمر لهم النبط ﷺ المسجد
ليكون أرق لقلوبهم". رواه أبو داود (٥) ، وحديث عبد الله بن زيد:"أنه
رأى النبي ﷺ مستلقيا في المسجد". عند البخاري (٦) ، وفيه عن سعيد قال:
كان عمر، وعثمان يفعلان ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 1248
١٢٤- باب أي مسجد وضع أول؟
حدثنا علي بن ميمون الرقط، ثنا محمد بن عبيد وثنا علي بن محمد، ثنا
أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر، قال: قلت
يا رسول الله أي مسجد وضع أوّل؟ قال:"المسجد الحرام"قلت: ثم أي؟
قال:"ثم المسجد الأقصى"قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاما، ثم
الأرض لك مُصفى فصل حيث أدركتك الصلاة". هذا حديث خرجاه في
الصحيح (١) ، وفي صحيح ابن خزيمة (٢) ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير عن
الأعمش عن إبراهيم التيمي قال:"كنت أنا وأبي نجلس في الطريق فيعرض
علي القرآن وأعرض. قال: فتمر السجدة/فيسجد فقلت له: أتسجد في
الطريق؟ قال: نعم سمعت أبا ذر يذكره". وفي حديث عبد الأعلى عن
إبراهيم عند أبي نعيم الحافظ قلت كم بينهما؟ قال: أربعون سنة قلت: ثم
أي؟ قال:"أينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد" (٣) . وقال ابن حبان
في صحيحه: ذكر الخبر المرخص قول من زعم أنّ بين إسماعيل وداود ألف
سنة، فذكر حديث أبي ذر وتتبع ذلك عليه الحافظ ضياء الدين المقدسي في
كتابه المسمى: علل التقاسم، والأنواع بقوله: طن أبو حاتم وتوهم أنّ أول
وضع البيت لما بناه إبراهيم وإسماعيل، ﵉، وقد روى أنّ آدم-
﵇ حجّ البيت فقالت له الملائكة: قد حججنا هذا البيت قبلك
بألفي سنة، أو ما هذا معناه ثم إن بين إسماعيل، وداود- ﵉
من القرون ما لا يخفي على المميز وذلك أكثر من أربعين سنة، فإن داود كان
стр. 1249
بعد موسى- ﵇، ووجه الحديث أن هذين المسجدين وضعا قديما ثم
خربا ثم بنيا، والله تعالى أعلم. وزعم القرطبي أنّ بين إبراهيم، وسليمان-
﵉ أيام طويلة قال أهل التاريخ: أكثر من ألف سنة، قال: ويرتفع
الإشكال؛ بأن يقال: أن الآية والحديث لابد أن على إبراهيم وسليمان ابتداء
وضعهما بعد ذلك تجديدا أما كان أسسه غيرهما، وقد روى أنّ أوّل من بني
البيت آدم، ﵇، وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت
المقدس بعده بأربعين سنة، وبنحوه قاله ابن الجوزي في مشكله. انتهى
كلامهم- وفيه نظر؛ من حيث أنّ ابن هشام في كتاب البخاري أن آدم-
﵇ لما بني البيت أمره جبريل بالمسير إلى بيت المقدس/، وأمره بأن
يبنيه فبناه ونسك فيه. انتهى. وقد ورد عن علي- رضى الله تعالى عنه- ما
يبين هذا الإشكال، ويوضِّحه إيضاحًا لا حاجة لنا معه إلى هذا التحرص
والحسبان أنبأ به المسند المعمر بدر الدين يوسف بن عمر التركي- ﵀
قراءة عليه وأنا أسمع أنبأ المسند أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم الأرناحي قراءة
عليه عن الحافظ أبي محمد المبارك بن علي أنبأ أبو الحسن عبيد الله بن
محمد بن أحمد أنبأ الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي أنبأ أبو عبد الله
الحافظ ثنا بكر بن محمد القتيمة في نمرة، ثنا أحمد بن حبان بن ملاعب ثنا
عبيد الله بن موسى ومحمد بن سابق قالا: ثنا إسرائيل ثنا سماك بن حرب عن
خالد بن عرعرة قال: سئل علبا- ﵇ عن أول بيت بني في
الأرض قال:"لا كان نوح قبل، وكان في البيوت، وكان إبراهيم قبله،
وكان في البيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس فيه البركة والهدى، ومقام
إبراهيم، ومن دخله كان آمنا … ". الحديث فهذا علي- رضى الله تعالى
عنه- بيّن أن المراد بالوضع غير البناء، وإذا كان هكذا فلا إشكال، إذ مفهوم
حديثه يقتضى وضع ذلك فيه من الله تعالى قبل أن يضع مثله في مكان
المسجد الأقصى، وسياق الآية الكريمة يدل عليه أيضا فيزيد وضوحا بما ذكره
في تاريخ بيت المقدس تأليف محمد بن محمد بن عبدك الكنجي، ومن خطّه
نقلت: أنّ أبا عمرو الشيباني قال: قال علي بن أبي طالب: كانت الأرض
ماء فبعث الله ريحًا فمسحت الأرض مسحًا فطهرت على الأرض زبدة
стр. 1250
فقسمها الله أربع قطع فخلق من قطعة مكة، ومن الثانية المدينة، ومن الثالثة
بيت المقدس/، ومن الرابعة مسجد الكوفة وعن كعب قال: بني سليمان بيت
المقدس أسسه سام بن نوح، ﵇، وأماما ورد أيضا، قال ابن حبان:
بأنّ آدم ﵇ حج البيت وليس فيه تصريح بكونه مبنيًا يومئذ لاسيما
على رواية من روى، أنه كان إذ ذاك الوقت خيمة أو ياقوتة. انتهى. من وجه
الدلالة من هذا أن الأنام التي خلقت فيها السموات والموجودات كل سهم
منها ألف سنة على ما رجحه أبي جرير واحتج له فيحتمل أن يكون خلق
البيت قبل خلق المسجد الأقصى بهذا المقدار من سني الدنيا، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1251
١٢٥- باب المساجد في الدور
حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني، ثنا إبراهيم بن سعد عن ابن
شهاب عن محمود بن الربيع الأنصاري:"وكان جعل مجة مجّها رسول الله
ﷺ من دلو في بئر لهم" (١) . عن عتبان بن مالك السالمى وكان إمام قومه
بني سالم، وكان شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ قال:"جئت رسول الله
ﷺ فقلت: يا رسول الله إنى قد أنكرت من بصري، وأن السيل يأتيني
فيحول بيني وبين مسجد قومي، ويشق علي اجتيازه فإن رأيت أن يأتيني
فيصلى في بيتي مكانا اتخذ مصلى فافعل؟ قال: افعل، فعدا على رسول الله
ﷺ وأبو بكر بعد ما أشهد النهار، فاستأذن فأذنت له فلم يجلس حتى قال:
أين تحب أن أصلى لك من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحبّ أن أصلّى
فيه/فقام رسول الله ﷺ فصلّى بنا ركعتين ثم احتبسه على خزير يصنع لهم"
هذا حديث خرجاه مطولا في الصحيح (٢) ، ورواه أبو الشيخ من حديث
النّضر بن أنس عن أبيه قال: لما أصيب عتبان فجعله من مسند أنس. حدثنا
يحيى بن الفضل المقري، ثنا أبو عامر، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي
صالح عن أبي هريرة:"أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله ﷺ أن
يقال فخطّ لي مسجدا في دارى أصلى فيه، وذلك بعدما عمى فجاء
ففعل" (٣) . هذا حديث إسناده صحيح، وكأنه اختصار من الحديث الأول،
والله تعالى أعلم. حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا بن عدي عن ابن عون عن
أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن أبي الجارود عن أنس بن مالك
стр. 1252
قال:"صنع بعض عمومتي للنبي ﷺ طعامًا فقال للنبي ﷺ : إنى أحب
أن جمل في بيتي وتصلى فيه. قال: فأتاه في البيت فحلّ من هذه الفحول
فأمر بناحية منه فكنس ورشق فصلى وصلينا معه، قال ابن ماجة: الفحل الحصير
الذي قد اسود" (١) . هذا حديث إسناده صحيح، وقد تقدم في كتاب
الطهارة صلاته ﵇ في بيت أم سليم، وفي كتاب الصلاة صلاته عليه
السلام في الأماكن التي اتخذت مساجد. غريبة: الدار مؤنثة، وإنّما قال الله
تعالى:"ولنعم دار المتقين" (٢) فذكر على معنى المثوى، والموضع كما قال:
"نعم الثواب وحسنت مرتفقا" (٣) فأنث على المعنى واد في العدد أدر،
والكثير ديار مثل جبل وجبيل/وجبال، ودور أيضًا مثل: أسد وأسيد ذكره
الجوهري، وفي الجامع: الدار: الأرض، والدور القبائل، وفي الحديث:"ما
بقيت دار إلا بني فيها مسجد" (٤) ، وفيه قوله ﵇:"ألا أنبئكم بخير
دور الأنصار، والخزيرة اللحم يقطع صغارًا ثم ينطبخ بالماء والملح، فإذا انتهيت
طبخًا درّ عليه الدقيق فقصر به ثم أدم بأي أدام شيء، ولا يكون الخزيرة إلا
وفيها لحم" (٥) . وقيل: الخزيرة: مرقة، وهو أن تصفي بلالة النخالة ثم تطبخ،
وقيل: الخزيرة: الحساء من الدسم والدقيق، قال: فتدخل في حناجر أقنعت
لعاوتها من الخزير المعرف. ذكره ابن سيده. وفي الصحاح: الخزير والخزيرة أن
стр. 1253
ينصب القدر بلحم يقطع صغارا فإذا طبخ درّ عليه الدقيق وإن لم يكن فيها
لحم فهي عصيدة، وفي غريب ابن قتيبة: وقيل: وهي حساء من دقيق ودسم،
وفي البخاري عن النضر، والتهذيب للأزهري، عن أبي الهيثم: إذا كان من
دقيق فهي خزيرة، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة، وقال ابن سيده: وقيل
الجريرة: هي الدقيق الذي يطبخ بلبن، والفحل: حصير ينسج من فحال
النخل- يعني: ذكره- والجمع فحول، وزعم أبو حنيفة: أن أبا عمرو
الشيباني قال: لا يقال فحل إّلا في ذي الزوج، وكذلك قاله أبو نصر، قال أبو
حنيفة: والناس على خلاف هذا، وقال أبو عبيد: هو الحصير المعمول من
سعف النخل، وقال سمر: قيل له ذلك؛ لأنه مستوى من الفحل من النخيل
فتكلّم به على التجّوز كما قالوا يلبس الصوف، والقطن، وإنّما بني بباب بقول
منها، وأما منزل غسّان فكان في بني سالم بن عوف، وفي كتاب الطبراني
من حديث ابن أي أويس عن أبيه عن ابن شهاب عن محمود عنه:"أنّ
النبي- صلى الله عليه وآله/وسلم- أتاه يوم السبت، ومعه أبو بكر وعمر" (١) .
وفي رواية:"فأتاني ومن شاء من أصحابه". وأما ما ورد في بعض الطرق أنه
لقى النبي ﷺ فقال له" إنى أحبّ أن تأتيني"، وفي بعضها:"بعث إليه"؛
فيحتمل أنه أرسل إليه أولا ثم مشى إليه بعد قوله:"أنكرت من بصري"،
وفي رواية:"أنا خزير البصر"، وفي رواية:"أعمى"، وفي رواية:"أصابني
في بصرى بعض الشيء" يحتمل أن يريد ما نكرت، وأصابني في بصري
بعض الشيء ذهاب البصر كلّه، ويحتمل أنه ذهب بعظمه، وسمّاه عمى لقربه
منه، ومشاركة إيّاه في فوات بعض ما كان حاصلا في حال السلامة، وأمّا
قوله: السيل يحول بيتي وبن مسجد قومي: حمله بعضهم على جواز الصلاة
في المساجد التي حول المدينة زمن النبي ﷺ ، وفي كتاب الطبراني ما يدفع
هذا التأويل، وإن كان الأوّل جائزا لكن من غير هذا الحديث يؤخذ، وهو
ما رواه من طريق أبي بكر بن أنس بن مالك فلا أستطيع أن أُصلِّى بعدك في
مسجدك، وفي قوله اتّخذه يصلي: إباحة له في أن يُصلِّي في بيته لعذره،
стр. 1254
وفي تعيينه ﵇ موضعا للصلاة إشعار بأن قوله: ولا يوطن الرجل
موضعا في المسجد، محمول على من فعل ذلك رياء وسمعة، والله تعالى
أعلم.
* * *
стр. 1255
١٢٦- باب تطهير المساجد، وتطييبها
حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، ثنا
محمد بن صالح المدني، ثنا مسلم بن أبي مريم عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله ﷺ :"من أخرج أذى من المسجد بني الله له بيتا في
الجنة" (١) هذا حديث/إسناده صحيح، وقد تقدم لفظه من كتاب أبي نعيم
مطولا من حديث عبد الله بن محمد بن وهب، ثنا عبد الله بن مصعب
الزبيري، ثنا عيسى بن المغيرة، ثنا خالد بن إلياس، حدثني يحيى بن عبد
الرحمن بن حاطب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه، حدثنا عبد الرحمن بن
بشر بن الحكم، وأحمد بن الأزهر، ثنا مالك بن سعيد، ثنا هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة:"أن رسول الله أمر بالمساجد أن تبني في الدور، وأن
تطهر" (٢) . وثنا رزق الله، ثنا يعقوب الحضرمي، ثنا زائدة عن هشام به مرفوعا
هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الرحمن بن بشر بلفظ:"أمر
ببناء المساجد في الدور" (٣) . وعن أحمد بن الأزهر بزيادة:"وأن تطهر
وتطيب". فهذا ابن ماجة كما ترى أدرج لفظ أحد شيخيه عن لفظ الآخر
داخل بلفظ أحدهما مع ذلك، ورواه ابن حبان في صحيحه (٤) عن الحسن بن
سفيان، ثنا أبو كريب، ثنا الحسين بن علي عن زائدة عن هشام بلفظ:"وأن
стр. 1256
تطيب وتنطف"وذكر٥ ابن حزم محتجًا به، وقال أبو الحسن بن القطان:
لاشكّ في صحة رفعه، وأبي ذلك جماعة، منهم ابن أبي حاتم، إذ سأل أباه
عنه فقال: إّنما يروى عن عروة عن النبي ﷺ مرسل، ولما رواه أبو عيسى عن
محمد بن حاتم عن عامر بن صالح عن هشام مرفوعا اتبعه، ثنا هناد، ووكيع،
وابن أبي عمر كلهم عن سفيان عن هشام عن أبيه: أن النبي … فذكره،
وقال: هذا أصح من الأوّل، قرأت على المسند بقية السلف أبي العباس أحمد
الخطوي، أنبأ به عبد اللطيف بن عبد المنعم عن يوسف بن المبارك/قال: أنبأ
سعد الخير قراءة عليه وأنا سمع في شوال سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، أنبأ
الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد العزيز الأبحري، أنبأ الشيخان أبو بكر
محمد ابن الحاجب، وأبو حفص عمر بن حمارة عن أبي سعيد القيم بن
علقمة قال: سمعه الخير أنبأ أيضًا أبو المحاسن عبد المحسن بن عبد العزيز بن
عبد السلام الأبحري، أنبأ أبو حفص، أنبأ أبو سعيد بن علقمة، أنبأ الحافظ أبو
الحسن بن علي بن نصر بن منصور الطوسي، قال: وقد روى عامر الزبيري
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ النبي ﷺ فذكره مرفوعا قال:
وروى وكيع، وعبدة جميعًا عن هشام عن أبيه مرسلا هذا أصح من حديث
الزبيري، وقال عبد الحق: إسناده مشهور وإن كان قد روى مرسلا، وهذا
العمري أوّل إذا حقق لم يحقق؛ لأنّ هذا الحديث أسنده جماعة من أصحاب
هشام، منهم سفيان بن سعيد الثوري من رواية علي بن الحسن بن أبي عيسى،
ثنا عبد الله بن الوليد عنه، ويحيى بن هاشم من رواية أبي بكر عن خلاد عن
الحارث بن أبي أسامة عنه فيما ذكره أبو نعيم الحافظ، وقال الفضل بن دكين:
ثنا سفيان عن هشام فذكره مرفوعاً، وزعم أبو الحسن علي بن عمر أنّ عبد
الله بن المبارك، وابن عيينة، وعبد الله بن عروة، ويونس وحبان بن علي رووه
عن هشام عن أبيه عن عائشة، والصحيح عن جميع من ذكرناه عن غيرهم
عن هشام مرسلًا. انتهى كلامه. ولو رأى حديث الثوري سفيان لأذعن له
كل الإذعان؛ لأنه مسند كالشمس مرية في صحته، ولا لبس ولقائل أن
يقول: هب أنّ سائر المخلوقين خالفهم ولم يتابعه/أحد له عارفه فكان ماذا
أليس قوله أولى بالصواب؟ وإليه في الحفظ والإتقان: المرجع، والمآب لا سيما،
стр. 1257
ولم يرد خلاف قوله إلا عن ابن عيينة، وقد تقدّم الخلاف عليه في ذلك،
وهذه مسألة اختلف فيها: هل الحكم للمسند أو المرسل؟ وهل يعتبر فيهما
الأحفظ أو الأكثر؟ وهل الحكم للزائد أو للناقص؟ وهل إذا تساويا يكون علّة
مؤثرة أم لا؟ وههنا يترجح الأخلف في هذا الحديث؛ لأنّ الذين أسندوه كثر
وأحفظ من الذين أرسلوه، ولأنّ الزيادة من الثقة الحافظ مقبولة إجماعا، والله
تعالى أعلم.
وقد روى أبو داود في سننه حديثا شاهدا له من حديث سمرة بن جندب،
وكنب إلى بنيه أنّ رسول الله ﷺ :"كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في
ديارنا، ونصلح صفتها، ونطهّرها" (١) . ولفظ أحمد (٢) في مسنده:"وأمرنا
أن ننظفها ". وما ذكره أبو محمد الأشبيلي بعد حديث عروة قال: الأول
أشهر إسنادا، قال ابن القطان: يقتضى ظاهر كلامه أن حديث عائشة وهذا لا
شيء؛ لأنه إسناد مجهول النية فيه جعفر بن سعد بن سمرة وحبيب بن
سليمان، وما من هؤلاء من يعرف له حاله، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم،
وهو إسناد يرى به جملة أخبار ذكر البزار منها نحو المائة، ولما ذكر عبد الحق
حديث سمرة بهذا الإسناد فيمن نسى صلاة أو نام عنها كذا قال: في هؤلاء
ولم ينتهي كلامه، وفيه نظر؛ من حيث أنّ هؤلاء ليسوا كما قال؛ بل حالهم
معروفة لا مجهولة، أنبأ جعفر، فروى عنه جماعة منهم: سليمان بن موسى
ومحمد بن إبراهيم بن حبيب وعبد الجبار بن العباس الشامي، وصالح بن أبي
عتيقة الكاهلي/، وسليمان بن سمرة روى عنه ابنه حبيب وعلي بن ربيعة
الوالي، وحبيب بن سليمان ذكرهم ابن حبان البستي في الثقات، وروى أبو
بكر الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن القاسم المطر، وثنا
العلاء بن سالم، ثنا حفص بن عمر، ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن
أبي الزبير عن جابر:"كان رسول الله ﷺ : يأمر باتخاذ المساجد في
الدور " (٣) . رواه أبو نعيم عن عمر بن أحمد القاضي، ثنا العباس بن علي، ثنا
стр. 1258
العلاء بن سالم فذكره، وفي علل الدار قطي: روى قران بن تمام عن هشام بن
عروة عن أبيه عن الفرائضة عن النبي ﷺ :"أنه أمر ببناء المساجد في الدور
وأن تطبّب" (١) ، ولا يصح، وقد قدمنا ذكر المساجد التي كانت في الدور،
حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو معاوية عن خالد بن إياس عن بحر بن عبد
الرحمن بن حاطب عن أبي سعيد الخدري قال:"أو نتخذ سرج في
المساجد" (٢) . تميم الداري هذا: أثر إسناده ضعيف؛ لضعف رواية أبي الهيثم
خالد بن إياس بن صخر العدوي القرشي، ويقال: الأسلمي، وقال مسلمة بن
قاسم في كتاب الصلة: كان مدنيًا روى عنه العقيلي، وفي قوله نظر إن أراد
أبا جعفر الحافظ؛ لتأخره عن إدراكه وأظنه يريد غيره، والله تعالى أعلم. قال
فيه الإمام أحمد: هو منكر الحديث، وقال عباس عن يحيى: ليس بشيء، ولا
يكتب حديثه، وفي كتاب ابن البرقي عنه: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه،
وقال أبو حاتم الرازي: هو ضعيف الحديث منكر الحديث، وقال عبد الرحمن:
فقلت يكتب حديثه فقال: رحنا، وسئل عنه أبو زرعة فقال: ليس بقوى
سمعت أبا نعيم يقول: لا يسوى حديثه وسلب، وذكر بعد لا يسوى حديثه
فليستبين، وقال/النسائي متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها
غرائب إفرار عمن يحدّث عنهم، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال البخاري:
ليس بشيء، وقال الساجي: منكر الحديث، وذكره العقيلي، وأبو العرب في
كتاب الضعفاء، وقال الحافظ ابن سعيد محمد بن علي بن عمر بن مهدى
النقاش في كتاب الضعفاء تأليفه: روى عن ابن المنكدر، وغيره أحاديث
موضوعة، وفي كتاب الصحابة للمديني من حديث محمد بن الحسن: هو
ابن قتيبة، ثنا سعيد بن زياد بن فايد عن أبيه عن جدّه عن أبي هند قال:
حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة زيتًا، وقناديل، ومعطا، فلما انتهى
стр. 1259
إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما يقال له: أبو البراد فقام فشدّ
المعطُ، وعلّق القناديل، وصب فيها الماء، والزيت، وجعل فيها الفتيل، وأمر أبا
البراد فأسرجها، فقال: من فعل هذا؟ "قالوا: تميم يا رسول الله قال:"نوّرت
الإسلام نوّر الله عليك في الدنيا والآخرة أما أله لو كانت لي ابنة لزوجتها"،
فقال نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: لي ابنة يا رسول الله تسمى أم المغيرة،
فافعل فيها ما أردت، فأنكحه إياها على المكان. حدثنا إسماعيل بن عبد الله
الرفي، ثنا عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن زياد عن أخيه عثمان بن أبي
سودة عن ميمونة مولاه النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله ائتنا في بيت
المقدس فقال:"ائتوه فصلوا فيه، وكانت البلاد إذ ذاك حربًا، فإن لم تأتوه
وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله " (١) . هذا حديث إسناده صحيح
عثمان روى عنه جماعة منهم: الأوزاعي، وزيد بن واقد الدمشقي، وأبو سنان
عيسى بن سنان/، وحماد بن واقد، وشبيب بن شيبة،
وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ورجاء بن أبي سلمة، وعبيد الله بن حبان،
وشعيب بن رزين الطائفي، وأخوه زياد، قال صاحب تاريخ بيت المقدس:
روى عنه: سعيد بن عبد العزيز، ومعاوية بن صالح، زاد ابن حبان: وزيد بن
واقد، وأهل الشام حين ذكره، وأخاه في كتاب الثقات، وصحح ابن البيع
حديثا روياه، وقال أبو زرعة البصري في تاريخه: حدثني هشام، ثنا مغيرة عن
رجاء بن أبي سلمة عن عطاء الخراساني قال: كان إذا ذكر ابن محيرز،
وها نيء بن كلثوم، ورجاء بن حيوة، وابن الديلمي، وابن أبي سودة يقول: قد
كان في هؤلاء من هو أشد اجتهادا من هانىء، ولكنه كان يفضلهم بحسن
الخلق، وثنا محمد بن المبارك، ثنا صدقة بن خالد عن زيد بن واقد قال: قال
زياد بن أبي سودة: كانت أمي مولاة لعبادة بن الصامت، وأبي مولى
لعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنبأ هشام، ثنا يحيى بن حمزة قال: قال
الأوزاعي: عثمان قد أدرك عبادة وكان مولاه، ثنا محمود بن خالد سمعت
مروان بن محمد يقول: عثمان بن أبي سودة، وزياد من أهل بيت المقدس
ثقتان ثبتان، وأبنا محمود بن خالد قال: سمعت أبا مسهر يقول: عثمان أبي
стр. 1260
سودة أسنّ من زياد، وقد أدرك عثمان عبادة، ولفظ أحمد بن حنبل في
مسنده: يا رسول الله ائتنا في بيت المقدس، قال:"أرض المحشر، والمنشر
ائتوا فصلوا فيه؛ فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره"قالت: أرأيت إن لم
نطق أن نتحمل إليه؟ قال: " فليهدله زيت يسرج فيه فإن من أهدى له كمن
صلى فيه" (١) . ولفظ ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط:"ائتوه فصلوا فيه
قلت: كيف؟ وبيننا وبينه الدوم/"، وفي آخره قال الأوزاعي: أوحى الله تعالى
إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن أمر بني إسرائيل أن يكثروا في مساجدهم
النور قال: فطنوا أنه أّمما يراد به المصابيح فأكثروها، وإنما يراد به العمل
الصالح، ولا التفات إلى قول عبد الحق في الوسطى، وذكره من عند أبي
داود من حديث عثمان بن أبي سودة عنها ليس بهذا الحديث بقوي؛ فإنه وهم
من وجوه:
الأول: جعله إياه عن عثمان، فإن الحديث عند أبي داود الذي من عنده
نقله هكذا: ثنا النفلي، ثنا مسكين عن سعيد بن عبد العزيز عن ابن أبي سودة
عن ميمونة كذا الصفة في رواية اللؤلوي، وابن العبد، وابن داسة الرملي،
وكذا ذكره عنه أيضا أصحاب الأطراف.
الثاني: نقضه هذا القول بغيره وهو أنه سمّاه في الأحكام الكبرى زيادا،
وكذلك لما ذكره من عند أبي داود بسنده إلى ابن أبي سودة، قال ابن أبي
سودة: هذا هو زياد أخو عثمان بن أبي سودة، وهذا وإن كان أيضا خطأ فهو
إلى الصواب أقرب؛ لأن سعيدا إنّما عهدناه يحدّث عن عثمان بوساطة زياد
أخيه لو ذكره ابن أبي خيثمة، وأبو علي بن السكن، والإمام أحمد، والطبراني،
وغيرهم، وأمّا زياد: فإنّ حديثه عن ميمونة لا يتصل إّلا بوساطة أخيه عثمان
كما جوده ابن ماجة، وأبو علي بن السكن من حديث ثور بن يزيد عن زياد
عن أخيه عثمان، ولما عرف أبو حاتم الرازي، وغيره زياد: أوصفوه بالرواية عن
أخيه، فإن قلت: لعل الإشبيلي قد علم أنه إنّما رواه عن ميمونة عثمان لا زياد
تفرد به، فالجواب أنه إنما نسب الحديث إلى أبي داود، ولم يقع عنده إلّا
مبهما، فإن كان علمه عن عثمان فليس له/أن يعزوه كذلك إلى أبي داود،
стр. 1261
ولئن أغصنا عما قاله فليس يقل بتفسيره إياه بزيادة بعد، وهو تناقض طاهر لا
شك فيه، والله تعالى أعلم.
الثالث: قوله ليس بقوي، وقد بينا قوته، وأمّا قول ابن القطان هو خبر غير
صحيح؛ للجهل بحال زياد، وأخيه كذلك أيضا، وتفْسير الأوزاعي يردّ عليه
قوله ﷺ :"يزيت يسرج في قناديله"ويزيده وضوحا ما رواه أبو نعيم الحافظ
عن أبي بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، أنبأ إسحاق بن بشر
الكاهلي، ثنا مهاجر بن كثير عن الحكم بن مسقلة العبدي عن أنس بن مالك:
قال رسول الله ﷺ :"من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم تزل
الملائكة، وحملة العرش يستغفرون له مادام في ذلك المسجد ضوء من ذلك
السراج" (١) .
***
стр. 1262
١٢٧- باب كراهية النخامة في المسجد
حدثنا محمد بن عثمان العثماني أبو مروان، ثنا إبراهيم بن سعد عن ابن
شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عون عن أبي هريرة، وأبي سعيد
الخدري أنهما أخبراه:"أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد
فتناول حصاة فحكها، ثم قال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه، ولا
عن يمينه، وليبزق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى" (١) . هذا حديث اتفقا
على تخريجه، زاد أبو داود (٢) من حديث أبي سعيد بعد:"فحكها بحصاة
ثم أقبل على الناس مفضيا فقال: أيحب أحدكم أن يبصق في وجهه؟ إنّ
أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربّه، والملك عن يمينه فلا يستقبل عن
يمينه"، وفيه:"فإن عجل به أمره فليفعل هكذا يعني: يتفل/في ثوبه". وفي
لفظ البخاري (٣) من حديث أبي هريرة:"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا
يبصق أمامه فإنما يناجى الله تعالى مادام في صلاته ولا عن يمينه فإن عن يمِينه
ملكا". وفي لفظ لمسلم (٤) :"ما بال أحدكم يقوم يستقبل ربه فيتنخّم أمامه،
أيحبّ أن يستقبل فيتنخّم في وجهه، فإذا تنخّم أحدكم فليتنخم عن يساره أو
تحت قدمه؛ فإن لم يجد فليفعل هكذا: يعني: يتفل في ثوبه ثم يِمسح بعضه
على بعض". قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يرد ثوبه بعضه
على بعض، ولفظ الكجي من حديث سليمان بن حرب، ثنا شعبة عن
القاسم بن مهران عن أبي رافع عنه."أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة
المسجد فأمرني فحتها، وقال مرة فقمت فحتها، وفي آخره: فإن لم يستطع
стр. 1263
ففي ثوبه" (١) . وفي صحيح أبي بكر بن خزيمة (٢) :"من دخل هذا المسجد
فبزق فيه أو تنخم فيه فليحصر فيه فليبعد فليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه
لم يخرج به"، وعند أبي نعيم:"ثم ليخرج به". رواه سليمان بن حرب عن
شعبة عن القاسم بن مهران عن رافع عنه بلفظ:"فلا يبزق عن يمينه، ولا
عن يساره، ولا بين يديه، ولكن تحت قدمه اليسرى"قال أبو زرعة: ما روى
بأن يبزق عن يساره أصح من هذا، وقال أبو حاتم: أخطأ فيه سليمان بن
حرب، وفي رواية عند أبي نعيم:" البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها
دفنها" (٣) .
حدثنا محمد بن طريف، ثنا عابد بن حبيب عن حبيب عن أنس أن النبي
ﷺ :"رأى نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه فجاءته امرأة
من الأنصار فحكتها/وجعلت مكانها خلوقاً فقال رسول الله ﷺ ما أحسن
هذا". هذا حديث اتفقا عليه وللبخاري (٤) :"فقام يحكه بيده، وقال: إن
أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجى ربه أو إن ربه بينه وبن القبلة فلا يبزقن
أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه
فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال: أو يفعل هكذا"، وفي لفظ
عندهما (٥) :"فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت
قدمه"، وفي لفظ:"البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" (٦) ، وعند
стр. 1264
النسائي (١) :"بزق النبي ﷺ في ثوبه، وحك بعضه ببعض"، وعند أبي
خزيمة (٢) :"عرضت علي أجور أُئتي حتى القذاة يخرجها الرجل من
المسجد"، وفي لفظ: التفل في المسجد ما ذكره الترمذي استغربه، وفي
كتاب أبي نعيم من حديث عبد الله بن جرار بن عمرو عن أبيه عن قتادة عن
أنس يرفعه:"من ابتلع أربعة أعظاما للمسجد ولم يمح اسمًا من أسماء الله
تعالى ببزاق كان من ضنا بين عبد الله تعالى"، وفي لفظ:"النخامة كفارتها
أن تواريها" (٣) ، وفي لفظ:"فاٍن أخرجه من المسجد كتب له حسنة".
حدثنا محمد بن رمح المصري، ثنا الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن
عمر قال: رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد وهو يصلي بين يدي
الناس فحتها، ثم قال حين انصرف من الصلاة:"إن أحدكم إذا كان في
الصلاة فاٍن الله قبل وجهه فلا يتخمن أحد قبل وجهه في الصلاة" (٤) . هذا
حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ:"رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكه،
ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي/فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن
الله قبل وجهه إذا صلى". ورواه جويرية ابن أسماء بنت نافع عن
ابن عمر عند أبي نعيم بلفظ:"بينما النبي ﷺ يصلى بأصحابه فرأى نخامة
في قبلة المسجد فحكها بيده، فلما قضى صلاته … " (٥) . قال: الحديث ففي
هذا أنّ الحك كان وهو يصلي، وتعلّق بعضهم باْن هذا ليس عملا كثيرًا
стр. 1265
يفسد الصلاة، فأردنا أن نعرف حقيقة ذلك، فوجدنا أبا داود بين أنه كان
يخطب وأن البزاق أثناء الخطبة، فهذا إذا قلنا إنها واقعة واحدة، ولفظه:
"بينما النبي ﷺ يخطب يومًا إذ رأى نخامة في قبلة المسجد فتغيظ على
الناس، ثم حكها، وقال أن الله تعالى قال واحسبه" (١) . قال: فدهن
يزعفران فتحته به قيل وجهه، وقال:"إذا صلى أحدكم فلا يبزق بين يديه" (٢) .
وفي مسند الدارمي (٣) :"فتغيظ على أهل المسجد فعال لا تنخمن، ثم أمر
بها فحك مكانها، وأمر بها فلطخت"، قال حماد بن زيد: لا أعلم أيوب إلا
قال: بزعفران، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث عاصم بن عمر عن ابن
سوقة عن نافع عنه قال رسول الله ﷺ "ولم يرفعه إلا من تنخم في قبلة
السجد بعث وهو في وجهه"ثنا الزعفراني، ثنا شبابة، ثنا عاصم بن محمد
عن ابن سوقة عن نافع عنه قال ﷺ :"يبعث صاحب النخاعة في القبلة يوم
القيامة وهي في وجهه" (٤) ، قال أبو بكر: الأول: عاصم بن عمرو، وهو
عندي أخو عبد الله، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمرو. الثاني:
عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلما تدمّرت فإذا
عاصم بن محمد غير عاصم بن عمر على ما بينت/من نسبتهما، وقال
البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلّا عن ابن سوقة، وعند ابن
خزيمة: فجاء الرجل الذي نخع فحكمنا ثم طلى مكانها بالزعفران، وفي لفظ:
فحكّها النبي ﷺ بيده، وعند أبي نعيم من حديث مسعود بن سعد عن ابن
إسحاق عن نافع عنه: فأخذ حصاة فقام فحتها ثم قال:"إذا قام أحدكم