الثامنة والسبعون: اتخاذها أعيادا١.
اعلم أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما تعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك. فالعيد يجمع أمورا:
منها: يوم عائد, كيوم الفطر, ويوم الجمعة.
ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات.
وقد يختص العيد بمكان بعينه, وقد يكون مطلقا.
هؤلاء مسلمو أهل العراق, لكل تربة وليّ يوم مخصوص يجتمعون فيه للزيارة, كزيارة الغدير, ومرد الرأس.
ومنهم من خص له يوم من أيام الأسبوع, فالجمعة لفلان, والسبت لفلان٢, والثلاثاء لفلان, وهكذا.
ومن ذلك بعض الأيام والليالي المباركة, كليلة القدر, وأيام
стр. 212
الأعياد, وليلة النصف من شعبان, وغير ذلك, كل ذلك مما لم ينزل الله به سلطان, ومن مكايد الشيطان.
стр. 213
التاسعة والسبعون: الذبح عند القبور.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
أمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله, ويذبحون له. أي: أنه أخلص لله صلاته وذبيحته, لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها, فأمر الله تعالى بمخالفتهم, والانحراف عما هم فيه والانقياد بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى, فمن تقرب لغير الله تعالى ليدفع عنه ضيرا, أو يجلب له خيرا, تعظيما له, من الكفر الاعتقادي والشرك الذي كان عليه الأولون.
وسبب مشروعية التسمية وتخصيص مثل هذه الأمور العظام بالإله الحق المعبود العلام, فإذا قصد بالذبح غيره كان أولى بالمنع.
وصح نهيه ﷺ عن الذبح عمن استأذنه بالذبح ببوانة, وأنه قد نذر ذلك, فقال ﷺ : " أكان فيها صنم؟ قال: لا, قال: هل كان فيها عيد من أعياد المشركين؟ ",
стр. 214
قال: لا, قال: أوف بنذرك", أخرج ذلك أبو داود في سننه١.
وهذا السائل موحد مقرب لله وحده, لكن المكان الذي فيه معبود غير الله, وقد عدم, أو محل لاجتماعهم يصلح مانعا, فلما علم ﷺ أن ليس هناك شيء من ذلك , أجازه, ولو علم شيئا مما سأل عنه, لمنعه صيانة لحمى التوحيد وقطعا لذريعة الشرك.
وصح أيضا عنه ﷺ أنه قال: "دخل الجنة رجل في ذباب, ودخل النار رجل في ذباب", قالوا: "كيف ذلك يا رسول الله؟! , قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا, قالوا له: قرب ولو ذبابا, فقرب ذبابا, فخلوا سبيله, فدخل النار, وقالوا للآخر قرب, قال: ما كنت أقرب شيئا لأحد دون الله , فضربوا عنقه, فدخل الجنة"٢.
ففي هذا الحديث من الفوائد: كون المقرب دخل النار بالسبب الذي لم يقصده, بل فعله تخلصا من شرهم, وأنه كان مسلما, وإلا لم يقل: دخل النار.
стр. 215
وفيه ما ينبغي الاهتمام به من أعمال القلوب التي هي المقصود الأعظم والركن الأكبر.
فتأمل في ذلك, وانظر إلى فؤادك في جميع ما قالوه, وألق سمعك لما ذكروه, وانظر الحق, فإن الحق أبلج والباطل لجلج, فبالنظر التام إلى ما كان عليه المشركون من تقريبهم لأوثانهم, لتقربهم إلى الله, لكونهم شفعاء لهم عند الله, وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكته أو أولياء الله, يتبين لك ما عليه الناس الآن, والله المستعان.
стр. 216
الثمانون: التبرك بآثار المعظمين, كدار الندوة١, وافتخار من كانت تحت يده بذلك, كما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش؟! , فقال: "ذهبت٢ المكارم إلا التقوى"٣.
هذه الخصلة قد امتدت عروق ضلالها في أودية قلوب الجهلة مسلمين, وزادوا على ما كان عليه أهل جاهلية العرب والكتابيين.
ولا بدع من حكيم بن حزام القرشي الأسدي إذا ما رد على من قال له:
стр. 217
بعت مكرمة قريش, وقد باعها من معاوية بمائة ألف درهم: "ذهبت المكارم إلا التقوى".
كيف لا وقد كان عاقلا سريا فاضلا تقيا سيدا بماله غنيا, أعتق في الجاهلية مائة رقبة, وحمل على مائة بعير, وحج ومعه مائة بدنة قد جللها بالحبرة, وكفها عن أعجازها وأهداها ووقف بمائة وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: "عتقاء الله عن حكيم بن حزام", وأهدى ألف شاة, وهو الذي عاش في الجاهلية ستين سنة, وفي الإسلام ستين سنة, وولد في الكعبة "
стр. 218
الحادية والثمانون
الفخر بالأحساب.
الثانية والثمانون
الاستسقاء بالأنواء.
الثالثة والثمانون
الطعن في الأنساب.
الرابعة والثمانون
النياحة.
أقول: هذه المسائل الأربع دليل بطلانها حديث واحد, وهو ما رواه البخاري ومسلم١, بسنده إلى أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ حدثه قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب, والطعن في الأنساب, والاستسقاء
стр. 219
بالنجوم والنياحة" وقال: "النائحة١ إذا لم تتب قبل موتها, تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران, ودرع من جرب".
الفخر في الأحساب: افتخارهم بمفاخر الآباء.
والطعن في الأنساب: إدخالهم العيب في أنساب الناس, تحقيرا لآبائهم, وتفضيلا آباء أنفسهم على آباء غيرهم.
والاستسقاء بالنجوم: اعتقادهم نزول المطر, بسقوط نجم في الغرب مع الفجر, وطلوع آخر يقابله من المشرق, فقد كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا, وقال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢.
وهذا مفصل في كتب الأنواء٣ بما لا مزيد عليه.
ومعنى قوله في النائحة: " وعليها سربال من قطران": أن الله تعالى يجازيها بلباس من قطران, لأنها كانت تلبس الثياب السود".
وقوله: "درع من جرب": يعني يسلط على أعضائها الجرب والحكة, بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع –وهو القميص- لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ذوي المصيبات.
فهذا حديث دل على بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من هذه الخصال الرديئة.
стр. 220
وورثتهم اليوم من هذه الأمة, تجاوزوا فيها أسلافهم, وزادوا في الطنبور نغمات, فتراهم يفتخرون بمزايا آبائهم وهم بمراحل عنهم, فهذا يقول: كان جدي السيخ الفلاني, وهذا يقول: جدي العالم الرباني, إلى غير ذلك.
وكذلك الطعن في الأنساب, وهذا يقول: إن آباء فلان لم يكونوا من العترة الطاهرة, وذاك يقول: إن آباء فلان لم يكونوا من ذوي الأحساب الباهرة.
وكذلك الاستسقاء بالأنواء, ولم يعتقد كثير من الناس أن ما كان من فعل رب الأرض والسماء.
وهكذا النوح على الأموات, فقد اتخذه كثير من الناس من أفضل الأعمال, وسبب الوصول إلى مرضاة ذي الجلال, لا سيما من اتخذ المآتم الحسينية في كل عام, فهناك من البدع ما تكل عن نقله ألسنة الأقلام, والويل كل الويل, لمن أنكر شيئا من ذلك, فإنهم يوردونهم موارد العطب والمهالك, والأمر لله, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 221
الخامسة والثمانون: تعيير الرجل بفعل غيره, لا سيما أبوه وأمه.
فخالفهم ﷺ , وقال: "أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ".
والحديث في صحيح الإمام البخاري في باب المعاصي من أمر الجاهلية, ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقوله ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية" , وقال الله تعالى في النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وهذا الباب في كتاب الإيمان من صحيحه, ثم قال: "حدثنا سليمان ابن حرب, قال: حدثنا شعبة عن واصل عن معرور, قال: لقيت أبا ذر بالربذة١, وعليه حلة وعلى غلامه حلة, فسألته عن ذلك, فقال إني ساببت رجلا, فعيرته بأمه, فقال لي النبي ﷺ : "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟! , إنك امرؤ فيك جاهلية, إخوانكم خولكم, جعلهم الله تعالى تحت أيديكم, فمن كان أخوه تحت يده, فليطعمه مما يأكل, وليلبسه مما يلبس, ولا تكلفوهم ما يغلبهم, فإن كلفتموهم فأعينوهم"٢.
стр. 222
وقد أطنب شراح الحديث في شرحه, وليس هذا موضع استقصائه, والمقصود منه أن تعيير الرجل بفعل غيره ليس من شأن كامل الإيمان والمعرفة, فإن أبا ذر رضي الله تعالى عنه, قبل بلوغه المرتبة القصوى من المعرفة تساب هو وبلال الحبشي المؤذن, فقال له: يا ابن السوداء, فلما شكا بلال إلى رسول الله ﷺ قال له: شتمت بلالا, وعيرته بسواد أمه, قال: نعم, قال: حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية" فألقى أبو ذر خده على التراب, ثم قال: لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه".
والناس اليوم-والأمر لله- قد كثرت فيهم خصال الجاهلية, فتراهم يعيرون أهل البلد كلهم بما صدر عن واحد منهم, فأين ذلك من خصال الجاهلية؟!.
стр. 223
السادسة والثمانون: الافتخار بولاية البيت.
فذمهم الله تعالى بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ .
وهذه الآية من سورة المؤمنين, وهي من بتمامها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ. مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ ١.
ومعنى الآية على ما في التفسير:
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ : تعليل لقوله قبل: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ﴾ , أي: دعوا الصراخ فإنه لا يمنعكم منا, ولا ينفعكم عندنا, فقد ارتكبتم أمرا عظيما وإثما كبيرا, وهو التكذيب بالآيات, فلا يدفعه الصراخ, فكنتم عند تلاوتها:
﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ , أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض, فضلا عن تصديقها والعمل بها, النكوص: الرجوع, والأعقاب: جمع عقب: وهو مؤخر الرجل, ورجوع الشخص على عقبه: رجوعه في طريق الأول, كما يقال: رجع عوده على بدئه.
стр. 224
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ , أي: بالبيت الحرام, والباء للسببية, وسوغ بها الإضمار مع أنه لم يجر اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم خدام البيت وقوامه.
﴿سَامِراً﴾ , أي: تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه, وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت يسمرون, وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن, وتسميته سحرا أو شعرا.
و ﴿تَهْجُرُونَ﴾ من الهجر –بفتح السكون- بمعنى القطع والترك, والجملة في موضع الحال, أي: تاركين الحق والقرآن أو النبي ﷺ على تقدير عود الضمير ﴿بِهِ﴾ له, وجاء الهجر بمعنى الهذيان, وجوز أن يكون المعنى عليه, أي: تهذون في شأن القرآن أو النبي ﷺ أو أصحابه, أو ما يعم جميع ذلك, ويجوز أن يكون من الهجر –بضم السكون- وهو الكلام القبيح.
فأنكر الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ ليعلموا –بما فيه من وجوه الإعجاز- أنه الحق من ربهم, فيؤمنوا به, ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ , أي: بل جاءهم....إلخ.
والمقصود أن من خصال الجاهلية التكبر بسبب الرئاسة على المواضع المقدسة, كما هو –اليوم- حال كثير ممن يدعي الشرف بسبب ذلك, فمنهم من ادعى الشرف على المسلمين بسبب رئاسته على مكة والمدينة, ومنهم من ادعاه بسبب الرئاسة على المشاهد ومقامات الصالحين, وهؤلاء الذين يدعون انتسابهم إلى عبد القادر الجيلي في بغداد يدعون الشرف بسبب رئاستهم على قبر عبد القادر, واستيلائهم على النذور والصدقات والذبائح والقرابين الشركية, التي يتعبدها جهلة المسلمين من الهنود والأكراد ونحوهم, وهم أفسق خلق الله, وأدنؤهم نفسا, وأرذل
стр. 225
خلق الله مسلكا, فما يفيدهم ذلك عند الله شيئا, وما ينجيهم من مقت الله وعذابه, وإن ظن بهم العوام ما ظنوا, فهم عند الله وعند عباده الصالحين, أحقر من الذر, وأبعد من رحمته يوم القيامة.
стр. 226
السابعة والثمانون: الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء ﵈.
فرد الله عليهم بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وهذه الآية في أواخر الجزء الأول من سورة البقرة, وتفسيرها:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ : الإشارة إلى إبراهيم ﵇ وأولاده في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ... ﴾ ٢ إلخ.
والأمة أتت لمعان, والمراد بها هنا الجماعة, مت "أمّ", بمعنى قصد, وسميت كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد, أو زمان واحد, أو مكان, بذلك لأنهم يؤم بعضهم بعضا, ويقصده.
والخلو: المضي, وأصله الانفراد.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ , والمعنى: إن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم, وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم, كما قال ﷺ : "يا معشر قريش! إن أولى الناس بالنبي:
стр. 227
المتقون, فكونوا بسبيل من ذلك, فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال, وتلقوني بالدنيا, فأصد عنكم بوجهي"١
وهذا الحديث بمعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢.
ومعنى قوله: ﴿وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم.
وهذه الخصلة موجودة اليوم في كثير من المسلمين, ورأس مالهم الافتخار بالآباء, فمنهم من يقول: أنا من ذرية عبد القادر الكيلاني, ومنهم من يقول: أنا من ذرية أحمد الرفاعي, ومنهم من يقول: أنا بكري, ومنهم من يقول: أنا عمري, ومنهم من يقول: أنا علوي أو حسني أو حسيني, ولا فضيلة لهم ولا تقوى, وكل ذلك لا ينفعهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اله بقلب سليم, ورسول الله ﷺ يقول لفاطمة: " يا فاطمة بنت محمد, لا أغني عنك من الله شيئا"٣.
وما قصد أولئك المفتخرين بآبائهم- وهم عارون عن كل فضيلة- إلا أكل أموال الناس بالباطل, وفي المثل: "كن عصاميا, ولا تكن عظاميا"
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي٤
стр. 228
ولله در من قال يرد على المفتخر بذلك:
أقول لمن غدا في كل يوم ... يباهينا بأسلاف عظام
أتقنع بالعظام وأنت تدري ... بأن الكلب يقنع بالعظام
وقال آخر:
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
стр. 229
الثامنة والثمانون: الافتخار بالصنائع, كما افتخر أهل الرحلتين على أهل الحرث.
يريد بالرحلتين: رحلة الشتاء إلى اليمن, ورحلة الصيف إلى الشام, وهي عادة كانت لقريش, كما ذكر في سورة الإيلاف.
والمقصود أنه لا ينبغي للتاجر أن يفتخر بتجارته على أهل الحرث, ولا أهل كل حرفة على المحترفين بحرفة أخرى, فإن كل ذلك من المكاسب الدنيوية التي يتوصل بها إلى عبادة الله وطاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه, ليتوصل بذلك إلى النجاة الأبدية, وهي مدار الفخر, وأما ما سوى ذلك كله فظل زائل ونعيم غير مقيم, فلا ينبغي للعاقل أن يفخر بزخارف الدنيا الدنيئة, ولا يعلم متى يفارقها, نسأله تعالى التوفيق والعمل الصالح الذي يرضيه.
стр. 230
التاسعة والثمانون: عظمة الدنيا في قلوبهم.
كقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ١ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .
أي: من خصال الجاهلية مراعاة الدنيا, وعظمتها في قلوبهم, كما حكى الله عنهم: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ٢ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣.
هذه الىية من سورة الزخرف, وموضع الاستشهاد فيها قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ٤ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .
المراد من القريتين: مكة والطائف.
قال ابن عباس: "الذي من مكة: الوليد بن المغيرة المخزومي, والذي من الطائف, حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي, وكل منهما كان عظيما, ذا
стр. 231
جاه ومال, وكان الوليد بن المغيرة يسمى "ريحانة قريش", وكان يقول: لو كان ما يقول محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود, يعني عروة بن مسعود, وكان يكنى بذلك"١.
وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة. وذلك أنهم أنكروا أولا أن يكون النبي بشرا, ثم لما بكتوا بتكرير الحجج, ولم يبق عندهم تصور رواج لذلك, جاؤوا بالإنكار من وجه آخر, فحكموا على الله سبحانه أن يكون الرسول أحد هذين.
وقولهم: ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾ ذكر على وجه الاستهانة, لأنهم لم يقولوا هذه المقالة تسليما, بل إنكارا, كأنه قيل: هذا الكذب الذي يدعيه, لو كان حقا لكان الحقيق به رجل من القريتين عظيم.
وهذا منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة, إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل الدنية, والتحلي بالفضائل والكمالات القدسية, دون التزخرف بالزخارف الدنيوية.
فأنكر سبحانه عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ , وفيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم بنزول٢ القرآن العظيم على من أرادوا.
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح, ولم نفوض أمرها إليهم, وعلما منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية.
﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الرزق وسائر مبادئ العيش.
стр. 232
﴿دَرَجَاتٍ﴾ متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة, فمن ضعيف وقوي وغني وفقير وخادم ومخدوم, وحاكم ومحكوم.
﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ : ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم, ويستخدموهم في مهنهم, ويسخروهم في أشغالهم, حتى يتعايشوا, ويترادفوا, ويصلوا إلى مرافقهم, لا لكمال في الموسع عليه, ولا لنقص في المقتر عليه, ولو فرضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا, فإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية وهو على طرف الثمام١ بهذه الحالة, فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أنفسهم٢, وفي تدبير أمر الدين, وهو أبعد من مناط العيوق, ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بأمرها.
وفي قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا ... ﴾ إلخ ما يزهد٣ في الانكباب على طلب الدنيا, ويعين على التوكل على الله والانقطاع إليه ﷻ .
فاعتبر "نحن قسمنا بينهم" ... تلقه حقا وبالحق نزل٤
﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ , أي: النبوة وما يتبعها من سعادة الدارين خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الدنية, فالعظيم من رزق تلك الرحمة دون الحطام الدنيء الفاني.
стр. 233
وأنت تعلم أن كثيرا من الناس اليوم على ما كان عليه أهل الجاهلية في هذه الخصلة, فتراهم لا يعتبرون العلم إذا كان صاحبه فقير الحال, وينظرون على الغني, ويعتبرون أقواله.
ولله در القائل:
رب حلم أضاعه عدم الما ل وجهل غطى عليه النعيم
стр. 234
التسعون: ازدراء الفقراء.
فأنزل الله سبحانه قوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ .
أقول: هذه الآية في أوائل سورة الأنعام, وبيان معناها متعلق بما, وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
فلما أمر النبي ﷺ بإنذار المذكورين لعلهم ينتظمون في سلك المتقين, نهي عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم.
ويفهم في بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معا, ولا يفهم ذلك من البعض الآخر.
فقد أخرج الإمام أحمد٢ والطبراني٣ وغيرهما عن ابن مسعود
стр. 235
رضي الله عنه قال: "مر الملأ من قريش على النبي ﷺ وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين, فقالوا: يا محمد, رضيت هؤلاء من قومك! أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا! أنحن نكون تبعا لهؤلاء! أطردهم عنك, فلعلك إن طردتهم أن نتبعك –فأنزل الله تعالى- فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ إ لى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ".
واخرج ابن جرير١ وابو الشيخ والبيهقي في الدلائل وغيرهم عن خباب قال: " جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري. فوجدا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين, فلما رأوهم حوله حقروهم, فأتوه, فخلوا به, فقالوا: نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا, فإن وفود العرب تأتيك, فنستحي أن ترانا قعودا مع هؤلاء الأعبد, فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت, قال: نعم, قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا, فدعا بالصحيفة, ودعا عليا ليكتب – ونحن قعود في ناحية- إذ نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ ... ﴾ غلخ.
ثم دعانا, فأتيناه وهو يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢. فكنا نقعد معه, فغذا اراد أن يقوم قام وتركنا, فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
стр. 236
وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ١ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ٢.
فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا, فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم".
وأخرج ابن المنذر٣ وغيره عن عكرمة قال: بة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة بن عبد عمرو بن نفيل, والحارث بن عامر بن نفيل, ومطعم ابن عدي في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب, فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد والحلفاء, كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه, فذكر ذلك أبو طالب للنبي ﷺ , فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يردون بقولهم, وما يصيرون إليه من أمرهم, فأنزل الله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿َلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ , وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما٤ مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد, والحلفاء: ابن مسعود, والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو وبن عبد عمرو, ومرثد بن أبي مرثد, وأشباههم, ونزل في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ٥, فلما نزلت أقبل عمر, فاعتذر من مقالته, فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا﴾ ٦.
стр. 237
وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ : جملة معترضة بين النهي وجوابه, تقريرا له, ودفعا لما عسى أن يتوهم كونه مسوغا لطرد المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم, كدأب قوم نوح حيث قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ١ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ٢, والمعنى: ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة, كما يقوله المشركون حتى تتصدى له, وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام, وإنما وظيفتك- حسب ما هو شأن منصب الرسالة- النظر إلى ظواهر الأمور وإجراء الأحكام على موجبها, وتفويض البواطن وحسابها إلى اللطيف الخبير, وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي.
وروي عن ابن زيد أن المعنى: ما عليك شيء من حساب رزقهم٣, أي: من فقرهم, والمراد: لا يضرك فقرهم شيء ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون منك فيهم.
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ عطف على ما قبله, وجيء به – مع أن الجواب قد تم بذلك- مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه ينظمه٤, في سلك ما لا شبهة له أصلا, وهو كون انتفاء حسابه ﷺ عليهم, فهو على طريقة قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٥ في راي.
стр. 238
وقال الزمخشري: "إن الجملتين في معنى جملة واحدة تؤدي مؤدى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ , كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه, وحينئذ لا بد من الجملتين , وتعقب بأنه غير حقيق بجلالة التنزيل.
وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جواب للنهي.
стр. 239
الحادية والتسعون: عدم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
والكلام على ذلك مفصل في التفسير وكتب الحديث والعقائد.
والآيات في ذلك كثيرة منها, قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
ومن الشعر الجاهلي في إنكار البعث والنشور.
وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تزين بالسنام
وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام
تحيينا السلامة أم بكر ... فهل لي بعد قومي من سلام
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام٢
وقال آخر٣:
стр. 240
حياة ثم موت ثم نشر حديث خرافة يا أم عمرو
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ .
وقد تكلمنا على معتقدات الجاهلية وأديانهم في غير هذا الموضع.
стр. 241
الثانية والتسعون: الإيمان بالجبت والطاغوت, وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١.
وقد تقدم الكلام على ذلك مفصلا.
والمقصود هنا أن جهلة الكتابيين كانوا يقولون للمشركين: أنتم أهدى من المسلمين, وما عندكم خير مما عليه مجمد وأصحابه.
وترى المتصوفة والغلاة اليوم على هذا المنهج, يقولون: إن دعاة أهل القبور والغلاة خير ممن يمنع عن ذلك من أهل التوحيد وحفاظ السنة.
стр. 242
الثالثة والتسعون: كتمان الحق مع العلم به.
كما حكى الله ذلك عن أحبار بني إسرائيل من اليهود والنصارى, فقد كتموا ما ورد في كتبهم من البشائر المحمدية, وهم يعلمون بورودها وذكرها في كتبهم.
والكلام في هذا الباب مفصل في: "الجواب الصحيح١" لشيخ الإسلام فعليك به فإنه كتاب لم يؤلف مثله.
стр. 243
الرابعة والتسعون: القول على الله بلا علم.
وهو أساس كل فساد وأصل الضلال.
وأكثر الناس حظا من هذه الخصلة الجاهلية مبتدعة المتكلمين, فقد تكلموا في الصفات الإلهية بما لم ينزل الله بها١ من سلطان, وأولوا نصوص الشريعة بما تهواه أنفسهم كما فعله الرازي في كتابه أساس التقديس٢.
وجزى الله شيخ الإسلام خيرا, فقد رد عليه, ونقض أساسه، وسجل ضلاله وجهله، وضيق أنفاسه٣، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ ٤.
стр. 244
الخامسة والتسعون: التناقض الواضح.
قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ١.
وهكذا أهل البدع من الغلاة وغيرهم يدّعون الإسلام, ويعملون أعمالا تناقض ما هم عليه من الدين.
стр. 245
والسادسة والتسعون, والسابعة والتسعون, والثامنة والتسعون, والتاسعة والتسعون, والمائة.
العيافة والطرق والطيرة والكهانة والتحاكم إلى الطاغوت, ونحو ذلك:
وقد تكلمنا على هذه الأمور في كتابنا "بلوغ الأرب في أحوال العرب١"٢ بما لا مزيد عليه, وذكرنا هناك أوابدهم وخرافاتهم وسائر ضلالاتهم.
وكل ذلك من أعمال جهلة المسلمين اليوم, وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وغالب مسائل الأصل رؤوس٣ مسائل في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" ومن أراد التفصيل فليراجع إليه.
وهذه آخر ما أردنا شرحه من المسائل التي أبطلها الإسلام, والحمد لله ولي الإنعام, والصلاة والسلام على خير الأنام ومصباح الظلام وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان على قيام الساعة وساعة القيام.
стр. 246
وكان ذلك في اليوم الخامس من ذي الحجة الحرام, وهو يوم الخميس بعد الظهر من سنة خمس وعشرين من هجرة النبي عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.
٥ ذي الحجة ١٣٢٥هـ
وقد فرغت من كتابته صباح الجمعة في اليوم السابع والعشرين من شهر شعبان سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف من هجرة خير الأنام – ﵊ في بغداد دار السلام, في جامع الحيدر خانة, وأنا الفقير إليه عز شأنه عبد الكريم بن السيد عباس الشيخلي – غفر الله لهما ولجميع المسلمين.
٢٧ شعبان سنة ١٣٤٤
стр. 247
مصادر ومراجع
...
فهرس المراجع
١- إثبات صفة العلو، لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، حققه وعلق عليه د/ أحمد بن عطية الغامدي، مؤسسة علوم القرآن ببيروت، ومكتبة العلوم والحكم بالمينة النبوية، ط١/١٤٠٩هـ.
٢- الأجوبة على أحاديث المصابيح، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
٣- أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، لأبي العباس أحمد بن يوسف بن أحمد المعروف بالقرماني، تحقيق فهمي سعد، عالم الكتب ببيروت، ط١/١٤١٢هـ.
٤- أخبار المدينة النبوية، لعمر بن شبة، تحقيق عبد الله الدويش، دار العليان ببريدة.
٥- الأخبار النجدية، لمحمد بن عمر الفاخري، تحقيق د/عبد الله بن يوسف الشبل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
٦- الأربعون حديثا، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، حققه وخرج أحاديثه بدر البدر، مكتبة المعلا بالكويت، ط١/١٤٠٨هـ.
٧- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكيرم –تفسير أبي السعود، للقاضي أبي السعود بن محمد العمادي الحنفي، مكتبة الرياض الحديثة ١٤٠١هـ
стр. 248
١- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط١/١٣٩٩هـ.
٢- الأزمنة وتلبية الجاهلية، لأبي علي محمد بن المستنير قطرب، حققه وقدم له د/حنا جميل حداد، مكتبة المنار بالزرقاء في الأردن، ط١/١٤٠٥.
٣- الأسماء والصفات، لأبي بكر محمد بن الحسين البيهقي، تحقيق عماد الدين حيدر، دار الكتاب العربي ببيروت، ط١/١٤٠٥.
٤- الاشتقاق، لمحمد بن الحسن الأزدي المعروف بابن دريد، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بمصر١٩٥٨.
٥- أصل الشيعة وأصولها، لمحمد حسين آل كاشف الغطا، قدم له مرتضى العسكري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط٤/١٤٠٢.
٦- أضواء على العقيدة الدرزية، لأحمد الفوزان، دار الوثائق بالكويت، ط٣/١٤١٠.
٧- الاعتقاد، لأبي أحمد بن الحسين البيهقيـ تحقيق أحمد مرسي، حديث أكادمي باكستان.
٨- اعتفادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي، مراجعة علي سامي النشار، دار الكتب العلمية ببيروت، ١٤٠٢.
٩- أعلام العراق، لمحمد بهجت الأثري، المطبعة السلفية بمصر١٣٤٥.
١٠- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لأبي عبد الله بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المشهور بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة ببيروت.
١١- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لأبي العباس
стр. 249
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني, تحقيق ناصر العقل, ط١/١٤٠٤.
١- الأمالي في لغة العرب، لأبي علي بن إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي، دار الكتب العلمية ببيروت.
٢- الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التاريخ، عبد الله بن سعد الرويشد، رابطة الأدب الحديث، ط٢/١٤٠٤.
٣- الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته، لسماحة الشيخ عبد العزيو بن عبد الله بن باز، الرئاسة العامة لإدراة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ١٤٠٣.
٤- الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في الدعوة، رسالة ماجستير بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بالرياض، للباحث محمد السكاكر.
٥- الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، لأبي بكر جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق د/ذيب القحطاني، ١٤٠٩.
٦- الأنواء في مواسم العرب، لأبي محمد بن مسلم بن قتيبة الدنيوري.
٧- الأنواء والأزمنة ومعرفة أعيان الكواكب في النجوم، لعبد الله بن حسين بن عاصم الثقفي، تحقيق د/نوري حمود القيسي ومحمد نايف الديلمي، دار الجيل ببيروت ط١/١٤١٦.
٨- أيام العرب قبل الإسلام، لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، جمع وتحقيق ودراسة د/عادل جاسم البياتي، عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية، ط١/١٤٠٧.
٩- البحر المحيط، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي الغرناطي، دار الفكر ببيروت، ط٢/١٤٠٣.
стр. 250
١- بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، جمع من الباحثين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
٢- البدء والتاريخ، المنسوب إلى المطهر ابن طاهر المقدسي، مكتبة الثقافة الدينية بمصر.
٣- البدع والنهي عنها، لابن وضاح، تحقيق محمد دهمان، دار البصائر بمشق، ط٢/١٤٠٠.
٤- البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، لأبي الفضل السكسكي، تحقيق د/ بسام العموش، مكتبة المنار ط١/١٤٠٨
٥- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، لمحمود شكري الألوسي، عنى بشرحه وتصحيحه وضبطه محمد بهجت الأثري، دار الكتب العلمية، ط٢.
٦- بهجة المجالس وأنس المجالس وشحد الذهن والهاجس، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية ببيروت، ط٢/١٩٨٧.
٧- البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، دار الفكر للجميع.
٨- تاج العروس في شرح القاموس، لمحب الدين أبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، دار الكتاب العربي، مصور عن الطبعة الأولى.
٩- تاريخ الإسلام، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد التركماني المعروف بالذهبي، تحقيق د/ عمرعبد السلام التدمري، دار الكتاب العربي ببيروت.
١٠- تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، د/ عبد الله فياض، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط٣/١٤٠٦.