← Акыда

Акыда · id 8549

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت يوسف السعيد

محمود شكري الألوسي

Полный текст (270 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحادية والستون: تناقض مذهبهم لما تركوا الحق. قال تعالى في سورة ق: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ١. فقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ ... ﴾ إلخ, إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم, وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات, في أول وهلة, من غير تفكر ولا تدبر. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مضطرب, وذلك بسبب نفيهم النبوة عن البشر بالكلية تارة, وزعمهم أن اللائق بها أهل الجاه والمال كما ينبئ عنه قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٢ تارة أخرى, وزعمهم أن النبوة سحر مرة أخرى, وأنها كهانة أخرى, حيث قالوا في النبي ﷺ مرة: ساحر, ومرة: كاهن, أو هو اختلاف حالهم ما بين تعجب من البعث واستبعاد له وتكذيب وتردد فيه, أو قولهم في القرآن: هو شعر تارة, وهو سحر أخرى. وقال تعالى في الذاريات: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ. إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ

стр. 177

مُّخْتَلِفٍ. يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ. قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ ١. ﴿الْحُبُكِ﴾ : جمع حبيكة, كطريقة أو حباك, كمثال ومثُل, والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب, أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة, وهي ما يدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته إذا تأملها الناظر. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ , أي: متخالف متناقض في أمر الله , حيث تقولون: إنه جل شأنه خلق السماوات والأرض, وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه, وفي أمر الرسول فتقولون تارة: إنه مجنون وأخرى إنه ساحر, ولا يكون الساحر إلا عاقلا, وفي أمر الحشر, فتقولون تارة: لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلا, وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة, إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كلفوا بالإيمان به٢. وقوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف عن الإيمان بما كلفوا الإيمان به. ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أي: الكذابون من أصحاب القول المختلف. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ الغمرة: الجهل العظيم يغمرهم ويشملهم شمول الماء الغامر لما فيه, والسهو: الغفلة. قال تعالى في أواخر سورة الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٣.

стр. 178

هذه الآية استئناف لبيان أحوال أهل الكتابين إثر بيان حال المشركين, بناء على ما روي عن ابن عباس١ وقتادة٢: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى. أي: بددوا دينهم, وبعضوه فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم. ﴿وَكَانُوا شِيَعاً﴾ أي: فرقا تشايع كل فرقة إماما, وتتبعه أي تقويه وتظهر أمره. أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة, كلهم في الهاوية إلا واحدة, وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة, كلهم في الهاوية إلا واحدة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة"٣. واستثناء الواحدة من فرق كل من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخ, وأما بعده, فالكل في الهاوية, وإن اختلفت أسباب دخولهم. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ , من السؤال عنهم والبحث عن تفرقهم أو من عقابهم, أو أنت بريء منهم. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ : تعليل للنفي المذكور, أي: هو يتولى وحده أمرهم: أولاهم وأخراهم ويدبره حسب ما تقتضيه الحكمة.

стр. 179

ومن الناس من قال: المفرقون أهل البدع من هذه الأمة: وقد أخرج الحكيم الترمذي١ وابن جرير٢ والطبراني٣ وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ... ﴾ إلخ: "هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة". فيكون الكلام حينئذ استئنافا لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال المشركين إشارة على أنهم ليس منهم ببعيد٤. والمقصود أن أهل الجاهلية سواء كانوا أميين أو كتابيين قد فرقوا دينهم, وتغايروا في الاعتقاد, فكان عباد الأصنام كل قوم لهم صنم يدينون له, ولهم شرائع مختلفة في عبادتها, ومنهم من كان يعبد كوكبا, ومنهم من كان يعبد الشمس, ومنهم , ومنهم, وكذلك الكتابيون على ما بينا. فالافتراق ناشئ عن الجهل وإلا فالشريعة الحقة في كل زمان لا تعدد فيها ولا اختلاف, ولذلك ترى القرآن يوحد الحق ويعدد الباطل: قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٥.

стр. 180

فانظر كيف أفرد النور الذي هو الحق, وجمع الظلمات التي عي الباطل والزيغ, فتفرقة الآراء والاختلاف في الاعتقاد من خصال الجاهلية وما كان عليه أهل الباطل, والاتفاق على العقيدة الحقة هو من دأب أتباع الرسل والمتمسكين يما شرعه الله تعالى.

стр. 181

الثانية والستون: دعواهم العمل بالحق الذي عندهم. كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها. ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل وهو الظاهر, وفيه إيماء إلى عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم, وإما أنفسهم, معنى الإنزال عليه: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام. وذُمُوا٢ على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن, ودسائس اليهود مشهورة٣ وتمام الكلام في التفسير.

стр. 182

الثالثة والستون: الزيادة في العبادة, كفعلهم يوم عشوراء.

стр. 183

الرابعة والستون: النقص منها, كتركهم الوقوف. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ , أي: من عرفة لا من مزدلفة. والخطاب عام والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف بجمع. فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة, وكانوا يسمون الحمس, وكان سائر العرب يقفون بعرفات, فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها, ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ . ومعناها: ثم أفيضوا أيها الحجاج من مكان أفاض جنس الناس منهقديما وحديثا, وهو عرفة لا من مزدلفة.

стр. 184

الخامسة والستون: تعبدهم بترك أكل الطيبات من الرزق, وترك زينة الله التي أخرج لعباده. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ١ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وسبب النزول- على ما روي عن ابن عباس- أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة, حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة, فتعلق على أسفلها سيورا مثل هذه السيور التي كانت على وجه الحمر من الذباب, وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ ... ﴾ إلخ٣. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ مما طاب لكم.

стр. 185

قال الكلبي: "كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا, ولا يأكلون دسما في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم, فقال المسلمون: يا رسول الله! نحن أحق بذلك, فأنزل الله تعالى الآية". ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ بتحريم الحلال كما هو مناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من الثياب وكل ما يتجمل به. ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ , أي: من المستلذات, وقيل: المحللات من المآكل والمشارب, كلحم الشاة وشحمها ولبنها. ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ , أي: هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى والكفرة – إن شاركوهم فيها- فالبتبع. ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يشاركهم فيها غيرهم.

стр. 186

السادسة والستون تعبدهم بالمكاء والتصدية. قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ١. تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ , أي: المسجد الحرام الذي صدوا الناس عنه, والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله, وينبغي أن يعظم بالعبادة, وهم لم يفعلوا. ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ , أي: تصفيقا, وهو ضرب اليد باليد حيث يسمع له صوت. والمراد بالصلاة إما الدعاء أو أفعال أخر كانوا يفعلونها , ويسمونها صلاة وحمل المكاء والتصدية عليها بتأويل ذلك بأنها لا فائدة منها ولا معنى لها كصفير الطيور وتصفيق اللعب. وقد يقال: المراد أنهم كانوا وضعوا المكاء والتصدية مكان الصلاة التي يليق أن تقع عند البيت.

стр. 187

يروى أنهم كانوا إذا أراد النبي ﷺ أن يصلي, يخلطون عليه بالصفير والتصفيق. ويروى أنهم يصلون أيضا. ويروى أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة: الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. وباقي الىية معلوم. والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة بل من شعائر الجاهلية. فما يفعله بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية يزعمون أنهم يذكرون الله, فهو من قبيل فعل الجاهلية, وما أحسن ما يقول القائل فيهم: أقال الله لي صفق وغني وقل كفرا وسمي الكفر ذكرا وقد جعل الشارع صوت الملاهي صوت الشيطان, قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ .

стр. 188

السابعة والستون: دعواهم الإيمان عند المؤمنين, فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به١.

стр. 189

الثامنة والستون: دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم١.

стр. 190

التاسعة والستون: دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم. وهذه حال اليهود, فإنهم يعلمون من كتبهم صدق نبوة النبي ﷺ , ومع ذلك يدعون الناس إلى مخالفته والكفر به, وتكذيبه, كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ البقرة: ١٠٩, وقال تعالى: ﴿َا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ آل عمران: ٧١. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ آل عمران:٩٩. ومشابهوهم في عصرنا هذا كثير, وذلك أن أغلب دعاة الضلالة بعلمون أن الحق هو ما جاء به محمد ﷺ ويستيقنون ذلك, ومع ذلك الناس على خلافه, ويشككونهم فيه, حسدا من عند أنفسهم فغلى الله المشتكى وهو المستعان.

стр. 191

السبعون: المكر الكبار كفعل قوم نوح. قال تعالى في سورة نوح ﵇: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً. وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ . ومعنى الكبار: الكبير. والمكر الكبار: احتيالهم في الدين, وصدهم للناس عنه, وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح ﵇. وهكذا فعل أخلاف هؤلاء من مردة الدين وأتباع الهوى وعبدة الدنيا, يفعلون مع دعاة الحق كما فعل قوم نوح ﵇ معه, وقد تشابهت قلوبهم, نسأله تعالى أن يعيذ رجال الحق من كيد مثل هؤلاء الفجرة ويصونهم من مكرهم. فقد جربتهم فرأيت منهم خبائث بالمهيمن نستجير

стр. 192

الحادية والسبعون: أئمتهم: إما عالم فاجر, وإما عابد جاهل. قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً١ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٢. فذكر في الآية أن فريقا من أسلاف اليهود وهم الأحبار, كانوا يسمعون التوراة ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم, بل كانوا يحرفونها بتبديل كلام من تلقائهم, كما فعلوا ذلك في نعته ﷺ , فإنه روي أنه من صفاته فيها أنه أبيض ربعة, فغيروه بأسمر طويل, وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه, كما في البخاري٣.

стр. 193

﴿وَمِنْهُمْ﴾ فريق. ﴿أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ إلا بالدعاوى الكاذبة, والمراد بهم جهلة مقلدة, لا إدراك لهم. وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من التفسير. والمقصود أن تحريف الكلم, واتباع الهوى, والقول على الله من غير علم من خصال الجاهلية. وأنت تعلم حال أحبار السوء اليوم والرهبان الذين يقولون على الله ما لا يعلم قد تجاوزوا الحد في اتباع الهوى وتأويل النصوص وما أشبه ذلك مما يستحيي منه الإسلام, والأمر لله.

стр. 194

الثانية والسبعون: زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس. دليل هذه المسألة قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ ١, أي: صاروا يهودا. ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ , أي: أحباء له سبحانه , ولم يضف ﴿أَوْلِيَاءُ﴾ إليه تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ ٢, ليؤذن بالفرق بين مدعي الولاية ومن يخصه بها. ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ أي: متجاوزين عن الناس. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ , أي: فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم, واثقين بأنه حق, فتمنوا الموت, فإنه من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي هي قرارة الأنكاد٣ والأكدار. وأمر ﷺ أن يقول لهم ذلك إظهارا لكذبهم, فإنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٤ , ويدعون أن الآخرة لهم عند الله خالصة,

стр. 195

ويقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً﴾ , وكما أخبر تعالى: عن الكتابيين في كتابه, فقال جل شأنه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١. وروي أنه لما ظهر رسول الله ﷺ كتبت يهود المدينة ليهود خيبر: إن اتبعتم محمدا أطعناه, وإن خالفتموه خالفناه, فقالوا: نحن أبناء خليل الرحمن, ومنا عزير ابن الله والأنبياء, ومتى كانت النبوة في العرب؟! نحن أحق بها من محمد, ولا سبيل إلى اتباعه, فنزلت: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية٢. ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً﴾ : إخبار بحالهم المستقبل, وهو عدم تمنيهم الموت, وذلك خاص بأولئك المخاطبين. وروي أن رسول الله ﷺ قال لم: " والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص يريقه"٣. فلم يتمنه أحد منهم, وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين بصدقه ﷺ , فعلموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم, ولحقهم الوعيد, وهذه إحدى المعجزات. ﴿ِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بسببه, وكأنه قيل: انتفى تمنيهم بسبب ما قدمت, والمراد بما قدمته أيديهم, الكفر والمعاصي الموجبة لدخول

стр. 196

النار, ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله, عبر بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ , أي: بهم, وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون ويذرون من الأمور التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل, أي: والله عليم بما صدر منهم من فنون الظلم والمعاصي, وبما سيكون منهم, فيجازيهم على ذلك. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ ولا تجسرون على أن تمنوه مخافة أن تؤخذوا بوبال أفعالكم. ﴿فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ البتة, من غير صارف يلويه, ولا عاطف يثنيه. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي بأن يجازيكم بها. وهذا ديدن الزائغين وشأن الملحدين كما قال تعالى عن اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ . وقد ورث هذه الخصلة كثير ممن ينتمي إلى الملة الإسلامية, بل كل من الفرق يقول: نحن أولياء الله, ومع أن النبي ﷺ قال في حديث الفرق في بيان الفرقة الناجية: "وهم ما أنا عليه وأصحابي

стр. 197

الثالثة والسبعون: دعواهم محبة الله مع ترك شرعه, فطالبهم سبحانه بقوله في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. قال الحسن٢ وابن جريج٣: "زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله, فقالوا: يا محمد! إنا نحب ربنا, فأنزل الله تعالى هذه الآية". وروى الضحاك عم ابن عباس قال: " وقف النبي ﷺ على قريش في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشُنوف٤, وهم يسجدون لها, فقال: " يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل, ولقد كانا على الإسلام", فقالت قريش: يا محمد! إنما نعبد هذه حبا لله, لتقربنا على الله

стр. 198

زلفى, فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ... ﴾ إلخ. وفي رواية أبي صالح أن اليهود لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أنزل الله هذه الآية, فلما نزلت عرضها رسول الله ﷺ على اليهود, فأبوا أن يقبلوها. وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: "نزلت في نصارى نجران, وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح, نعبده حبا لله, وتعظيما له, فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم". وبالجملة: من تلبس بالمعاصي لا ينبغي له أن يدعي محبة الله. وما أحسن قول القائل: عصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

стр. 199

الرابعة والسبعون: تمنيهم على الله الأماني الكاذبة. قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ١. أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال: " دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيت المدارس٢ على جماعة من اليهود, فقال النعمان بن عمرو والحارث بن ويد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: "على ملة إبراهيم ودينه", قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا, فقال بهما رسول الله ﷺ : "فهلما إلى التوراة, فهي بيننا وبينكم, فأينا٣ عليه" فأنزل الله تعالى هذه الآية"٤. وفي البحر: " زنى رجل من اليهود بامرأة, ولم يكن بعد في ديننا

стр. 200

الرجم, فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ , تخفيفا على الزانيين لشرفهما, فقال رسول ﷺ : "إنما أحكم بكتابكم", فأنكروا الرجم, فجيء بالتوراة, فوضع حبرهم١ ابن صوريا يده على آية الرجم, فقال عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله, فأظهرها, فرجما, فغضبت اليهود, فنزلت"٢. ومعنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ , أي: المذكور من التولي والإعراض حاصل لهم بسبب هذا القول الذي رسخ اعتقادهم به٣, وهونوا به الخطوب, ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي والذنوب. والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل. ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ , أي: غرهم افتراؤهم وكذبهم, أو الذي كانوا بفترونه من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ , أو من قولهم: ﴿َحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ , أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا, وإن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تحلة القسم٤, فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ....﴾ إلخ. روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود,

стр. 201

فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد, ثم يأمر بهم إلى النار. وهكذا رأينا كثيرا من أهل زماننا ما يفعلون من المنكرات, اعتمادا على الشفاعة, أو على علو الحسب وشرف النسب, والله المستعان. وفي سورة البقرة: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .

стр. 202

الخامسة والسبعون: اتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. هذه المسألة من خصال الكتابيين أيام جاهليتهم. وفي ذلك ورد الحديث الصحيح: "لعن الله اليهود والنصارى, اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١, ثم قال: " فلا تتخذوها مساجد". وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى, اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"٢. وفي لفظ لمسلم: "لعن الله اليهود والنصارى, اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس, قال: "لما نزل برسول الله ﷺ , طفق يطرح خميصة على وجهه, فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه, فقال: -وهو كذلك-: "لعن الله اليهود والنصارى,

стр. 203

اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد", يحذر مما صنعوا"١. وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: "مارية", وذكرتا من حسنها وتصويرها فيها, فقال رسول الله ﷺ : " أولئك إذا مات الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا, وصوروا فيه تلك الصور, أولئك شرار الخلق عند الله"٢. وعن ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج", رواه أهل السنن الأربعة٣.

стр. 204

فهذا التحذير منه, واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة. وفي هذا دليل على الحذر من جنس أعمالهم, حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن يكون من هذا الجنس. ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة, من بناء القبور مساجد, واتخاذ القبور مساجد بلا بناء, وكلا الأمرين محرم, ملعون فاعله بالمستفيض من السنة, وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار, ولهذا كان السلف يبالغون في المنع.

стр. 205

السادسة والسبعون: اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. كما ورد عن عمر ﵁ – فغن هذه المسألة –أيضا- من بدع جاهلية الكتابيين, كانوا يتخذون آثار أنبيائهم مساجد. فورثهم الجاهلون من هذه الأمة, فتراهم يبنون على موضع اختفى به النبي ﷺ , أو وصل قدمه المبارك إليه, أو تعبد فيه, وهذا ليس مما يحمد في الشريعة, لجره إلى الغلو. وفي العراق مواضع كثيرة بنوا عليها مباني, كالمقام الذي زعموا أن الشيخ الكيلاني تعبد فيه, وكأثر الكف الذي زعم الشيعة أنه أثر كف الإمام علي لما وضع على الصخرة فأثر فيها, فبنوا عليها مسجدا, وكعدة أماكن زعموا أن الخضر رؤي فيها, ولا أصل له, إلى غير ذلك مما لا يستوعبه المقام. فينبغي لمن يدعي الإسلام أن يتجنبها, وينهى عن حضورها, وإن رمي بالإنكار, وعداوة والأشرار, وكيد المارقين الفجار. وفي المسألة تفصيل لا بأس بذكره. قال شيخ الإسلام: "فأما١ مقامات الأنبياء والصالحين وهي الأمكنة التي قاموا فيها وأقاموا, أو عبدوا الله سبحانه لكنهم لم يتخذوها مساجد, فالذي بغني في ذلك قولان عن العلماء مشهوران:

стр. 206

أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته, وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة, إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع, ومثل أن يكون النبي ﷺ قصدها للعبادة, كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم, وكما كان يتحرى الصلاة عند الإسطوانة١, وكما تقصد المساجد للصلاة, ويقصد الصف الأول, ونحو ذلك. والقول الثاني: أن لا بأس باليسير من ذلك, كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﷺ وإن كان النبي ﷺ [قد] ٢ سلكها اتفاقا لا قصدا. وسئل الإمام أحمد عن الرجل يأتي المشاهد, ويذهب إليها, ترى ذلك٣: قال: أما على حديث ابن أم مكثوم أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى٤, وعلى ما كان يفعله ابن عمر, يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره, فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد, إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا وأكثروا فيه. وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم أنه سئل عن الرجل يأتي المشاهد

стр. 207

التي بالمدينة وغيرها يذهب إليها؟ فقال: أما حديث على حديث ابن أم مكثوم أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا, وعلى ما كان يفعل ابن عمر, كان يتتبع مواضع سير النبي ﷺ , حتى رؤي يصب١ في موضع ماء, فسئل عن ذلك, فقال: " رأيت النبي ﷺ يصب ههنا٢ ماء"٣, وقال: أما على هذا فلا بأس, قال: ورخص فيه, ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدا, وأكثروا في هذا المعنى, فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواه الخلال في كتاب الأدب. فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد- وهي الأماكن التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة- بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا, والكثير٤ الذي يتخذونه عيدا كما تقدم. فإنه قد روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال: "رأيت سالم٥ بن عبد الله يتحرى أما كن الطريق, ويصلي فيها, ويحدث أن أباه كان يصلي فيها, وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة"٦.

стр. 208

فهذا كما رخص الإمام أحمد. وأما كراهته١, فروى سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها, فقرأ بنا في الفجربـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ٢, و ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ٣ في الثانية, فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد, فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد ﷺ فيه, فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم, اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا, من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل, ومن لم تعرض له الصلاة فليمض٤"٥. فقد كره عمر اتخاذ مصلى النبي ﷺ عيدا, وبيّن أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا, وكانوا يتبعون آثار أنبيائهم, ويتخذونها كنائس وبيعا. وروى محمد بن وضاح وغيره: "أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ , لأن الناس

стр. 209

كانوا يذهبون تحتها, فخاف عمر الفتنة عليهم ". وما ذكره عمر هو الحري بالقبول, وهو مذهب جمهور الصحابة, غير ابنه , وهو الذي يجب العمل به, ويعول عليه.

стр. 210

المسألة١ السابعة والسبعون: اتخاذ السرج على القبور. دليل حرمة ذلك ما ورد عن رسول الله ﷺ من الحديث الذي سبق ذكره من لعن من يفعل ذلك. وليتك رأيت ما يوقد في ترب أئمة أهل البيت ونحوها من الشموع, ولا سيما في ليالي رمضان والليالي المباركة, وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا٢.

стр. 211

الثامنة والسبعون: اتخاذها أعيادا١. اعلم أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما تعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك. فالعيد يجمع أمورا: منها: يوم عائد, كيوم الفطر, ويوم الجمعة. ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه, وقد يكون مطلقا. هؤلاء مسلمو أهل العراق, لكل تربة وليّ يوم مخصوص يجتمعون فيه للزيارة, كزيارة الغدير, ومرد الرأس. ومنهم من خص له يوم من أيام الأسبوع, فالجمعة لفلان, والسبت لفلان٢, والثلاثاء لفلان, وهكذا. ومن ذلك بعض الأيام والليالي المباركة, كليلة القدر, وأيام

стр. 212

الأعياد, وليلة النصف من شعبان, وغير ذلك, كل ذلك مما لم ينزل الله به سلطان, ومن مكايد الشيطان.

стр. 213

التاسعة والسبعون: الذبح عند القبور. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. أمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله, ويذبحون له. أي: أنه أخلص لله صلاته وذبيحته, لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها, فأمر الله تعالى بمخالفتهم, والانحراف عما هم فيه والانقياد بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى, فمن تقرب لغير الله تعالى ليدفع عنه ضيرا, أو يجلب له خيرا, تعظيما له, من الكفر الاعتقادي والشرك الذي كان عليه الأولون. وسبب مشروعية التسمية وتخصيص مثل هذه الأمور العظام بالإله الحق المعبود العلام, فإذا قصد بالذبح غيره كان أولى بالمنع. وصح نهيه ﷺ عن الذبح عمن استأذنه بالذبح ببوانة, وأنه قد نذر ذلك, فقال ﷺ : " أكان فيها صنم؟ قال: لا, قال: هل كان فيها عيد من أعياد المشركين؟ ",

стр. 214

قال: لا, قال: أوف بنذرك", أخرج ذلك أبو داود في سننه١. وهذا السائل موحد مقرب لله وحده, لكن المكان الذي فيه معبود غير الله, وقد عدم, أو محل لاجتماعهم يصلح مانعا, فلما علم ﷺ أن ليس هناك شيء من ذلك , أجازه, ولو علم شيئا مما سأل عنه, لمنعه صيانة لحمى التوحيد وقطعا لذريعة الشرك. وصح أيضا عنه ﷺ أنه قال: "دخل الجنة رجل في ذباب, ودخل النار رجل في ذباب", قالوا: "كيف ذلك يا رسول الله؟! , قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا, قالوا له: قرب ولو ذبابا, فقرب ذبابا, فخلوا سبيله, فدخل النار, وقالوا للآخر قرب, قال: ما كنت أقرب شيئا لأحد دون الله , فضربوا عنقه, فدخل الجنة"٢. ففي هذا الحديث من الفوائد: كون المقرب دخل النار بالسبب الذي لم يقصده, بل فعله تخلصا من شرهم, وأنه كان مسلما, وإلا لم يقل: دخل النار.

стр. 215

وفيه ما ينبغي الاهتمام به من أعمال القلوب التي هي المقصود الأعظم والركن الأكبر. فتأمل في ذلك, وانظر إلى فؤادك في جميع ما قالوه, وألق سمعك لما ذكروه, وانظر الحق, فإن الحق أبلج والباطل لجلج, فبالنظر التام إلى ما كان عليه المشركون من تقريبهم لأوثانهم, لتقربهم إلى الله, لكونهم شفعاء لهم عند الله, وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكته أو أولياء الله, يتبين لك ما عليه الناس الآن, والله المستعان.
следующие страницы →