← Акыда

Акыда · id 8549

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت يوسف السعيد

محمود شكري الألوسي

Полный текст (270 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, أما بعد: فهذه هي الطبعة الثانية من هذا الكتاب المبارك, وقد حرصت على تنقيحها وتلافي ما وقع في الطبعة الأولى من الأخطاء التي لم تكن مقصودة. ومن الطرائف أن أحد العابثين بالكتب وهو المدعو علي مصطفى خلوف قام بالسطو على الكتاب في طبعته الأولى, ونقل الأخطاء كما هي, ولم يتورع عن العبث به وإفساده. وقام الأخ الشيخ عبد الرحمن العسكر بنقده في أحد أعداد جريدة " الجزيرة" وهو العد ذو الرقم ١٠٩٠٦ الصادر يوم الخميس ٢٩/٦/١٤٢٣ فلله الأمر من قبل ومن بعد. والله المستعان, وصلى آله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. وكتبه الفقير إلى عفو ربه القدير يوسف بن محمد السعيد عصر الجمعة ٢٦/٤/١٤٢٤ الرياض- حرسها الله تعالى.

стр. 2

مقدمة التحقيق إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣ أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. هذا, وإن الله- تعالى- بعث نبيه محمدا ﷺ وقد مقت- ﷻ

стр. 3

٥- خرجت الأبيات الشعرية من الدواوين وكتب التخاريج. ٦- عرف بالفرق. ٧- علقت على بعض المواضع التي رأيت التعليق عليها. ٨- وثقت نقولات المؤلف من المصادر التي نقل عنها. ٩- قمت بوضع فهارس للكتاب, وهي: فهري الآيات, والأحاديث والآثار والأبيات والأعلام والفرق والجماعات والكتب الواردة في المتن ومصادر التحقيق والمراجعة, والموضوعات. هذا وأسأل الله –تعالى- أن ينفع بهذا الكتاب وأصله من ألفه, وحققه وسعى في نشره, وقرأه. ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك تبينا محمد وعلى آله وصحبه, والحمد لله رب العالمين.

стр. 4

أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب, ففتح به أعينا عميا, وآذانا صما, وقلوبا غلفا, فحصل ببركة نبوته الخير العظيم. وكان الناس إذ بعث فيهم النبي ﷺ قد حادوا على الصراط المستقيم, وسلكوا طرق الشياطين, فكثر فيهم الفساد والشر, فكانوا أحوج ما يكونون إلى من يدلهم إلى ما أضلوا, وهو دين الله-تعالى- ووحيه. وهذا إنما حصل بسبب بعدهم عن منهج الله- تعالى- وشرعه, فأكثر ما جاء عن الله-تعالى- قد درس, وما بقي منه لا يعلم صدقه من كذبه, إذ سلك فيه المؤتمنون عليه- وهم الأحبار- مسلك التغيير والتبديل, فاشتبه حقه بباطله. ولما بعث نبي الله ﷺ كان غاية همه ومراده عودة الناس إلى الأمر الأول, وهو عبادة الله-تعالى- ونبذ كل ما يعارض ذلك, والقضاء على مآثر الجاهلية, فجد ﷺ في ذلك واجتهد, حتى ترك الناس على البيضاء ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها إلا هالك, وأتم الله- تعالى- به النعمة, وكمّل به الدين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ﴾ ١. وقد حذر الناس من إحياء سنن الجاهلية, والتشبه بأهلها, أو موافقتهم, في شيء من ذلك, فوقع هذا موقعه من الصحابة- ﵃ ومن تبعهم من القرون المفضلة. ولما بعد الناس من نور النبوة, واجتالتهم الشياطين, فاتبعوا أهواء الذين من قبلهم, فدبت إليهم أنواع من البدع والمحدثات التي لم تكن في أسلافهم حتى استمرأ كثير منهم ذلك, فأنكروا على من أنكر عليهم,

стр. 5

وحاربوه, وغدت بينهم البدع سننا والسنن بدعا, وتشبهوا بأهل الجاهلية الأميين والكتابيين, ووقعوا فيما حذر منه ﷺ . ولما رأى علماء هذه الأمة الخاتمة ما وقع فيه المسلمون من ذلك, تجردوا لمحاربته بكل ما يستطيعون, فكان من نتائج ذلك تأليف الكتب المحذرة من الوقوع في ذلك, فألفت في ذلك مؤلفات عدة, منها ما هو خاص بالتحذير من مشابهة الكفار. ومن هذه المؤلفات كتاب "المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية" وهو كتيب صغير الحجم عظيم النفع, جمع فيه مؤلفه الإمام العالم الرباني شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- مسائل كثيرة خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية الأميين والكتابيين. ولكون هذا الكتاب ذا أهمية كبيرة, فغن العالم السلفي أبا المعالي محمود شكري الألوسي- ﵀ قد قام بشرحه شرحا موجزا, استدل فيه لبعض مسائله, وفسر بعض أدلته, وربط بعض مسائله بواقعه الذي يعيش فيه. ولأهمية هذا الكتاب وأصله, رغبت في تحقيقه ونشره, لعل الله –تعالى- أن ينفع به, وأن يجعله ذخرا لي يوم ألقاه. وقد قسمت العمل في هذا الكتاب قسمين: القسم الأول: قسم الدراسة وفيه فصلان: الفصل الأول: التعريف بمؤلفي الكتابين وكتابيهما, وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف الأصل.

стр. 6

المبحث الثاني: ترجمة موجزة للشارح. المبحث الثالث: منهجه في الشرح, ومصادره. المبحث الرابع: طبعات الشرح, وتقويمها. المبحث الخامس: التعريف بالنسخة الخطية للشارح. الفصل الثاني: في الجاهلية, وفيه المباحث الآتية: المبحث الأول: تعريف الجاهلية لغة واصطلاحا. المبحث الثاني: أنواع الجاهلية المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية. القسم الثاني: قسم التحقيق, وكان عملي فيه على النحو الآتي: ١- قابلت بين النسخة الخطية والمطبوعة, واعتمدت طريقة (النص المختار) , لكون كل واحدة منها تكمل الأخرى, وأرى أن القارئ يهمه سلامة النص, وخروجه على نحو ما أراده مؤلفه, وإبقاء الخطأ في النص مع الإشارة إليه في الحاشية- على نحو ما يفعله كثير من المستشرقين وبعض المتأثرين بهم- أرى أنه مما يشتت ذهن القارئ. ٢- ضبطت النص بالشكل, وما كان فيه وجهان أوضحتهما بالشكل, وكذا ما كان فيه ثلاثة وجوه. ٣- عزوت الآيات إلى مواضعها من كتاب الله-تعالى-. ٤- خرجت الأحاديث والآثار الواردة, واجتهدت في نقل أحكام أئمة هذا الشأن العظيم, خاصة المتقدمين منهم, ولم أذكر من المتأخرين سوى الشيخ أحمد بن شاكر-رحمه الله تعالى- والشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

стр. 7

القسم الأول: الدراسة الفصل الأول: تعريف بمؤلف الكتاب المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف النص ... المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية للإمام محمد بن عبد الوهاب. ١١١٥-١٢٠٦هـ شرح العلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي. ١٢٧٣-١٣٤٣هـ درّسه وحققه: د/ يوسف بن محمد السعيد, الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب الفكرية المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م القسم الأول: الدراسة وفيه فصلان: التعريف بمؤلفي الكتابين وكتابيهما.، في الجاهلية الفصل الأول وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف الأصل. المبحث الثاني: ترجمة موجزة للشارح. المبحث الثالث: منهجه في الشرح, ومصادره. المبحث الرابع: طبعات الشرح, وتقويمها. المبحث الخامس: التعريف بالنسخة الخطية للشارح. المبحث الأول ترجمة موجزة لمؤلف الأصل. -هو الإمام العلامة الصلح شيخ الإسلام, ومحي ما اندرس من معالمه, أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد ابن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف التميمي. - ولد -رحمه الله تعالى- في بلدة العيينة في بلاد نجد سنة خمس عشرة ومائة والف من هجرة المصطفى ﷺ في بيت علم ودين, وقد كان والده الشيخ عبد والوهاب (ت١١٥٣) قاضي العيينة ومفتيها, وكان جده الشيخ سليمان (ت ١٠٧٩) قاضي نجد عامة ومفتيها. بدأ-رحمه الله تعالى- في طلب العلم مبكرا, فقد حفظ القرآن قبل العاشرة من عمره, ثم قرأ على والده مبادئ الفقه الحنبلي, ثم استأذنه في الخروج على الحج, فحج, ثم قصد المدينة النبوية ثم عاد إلى العيينة وأكمل القراءة على والده, ثم سافر بعد إلى مكة والمدينة, وأخذ يتردد على علمائها, فكان ممن أفاد منه الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي الحنبلي نزيل المدينة النبوية, والشيخ محمد حياة السندي (ت ١١٦٥) , ثم عاد مرة أخرى إلى العيينة, وقرا فيها على والده, وبدأ دعوته, حيث دعا على التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة, وحذر من الشرك الذي كان سائدا في أعظم ارجاء البسيطة, ثم رحل إلى

стр. 8

العراق, وكان يتردد فيها بين البصرة والزبير, وأخذ هناك عن الشيخ محمد المجموعي, ثم لما أردا العودة إلى بلاده مر ببلدة الأحساء, ونزل هناك على الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي, وأقام عنده يتلقى عنه العلم, ثم رجع إلى نجد, ونشط في دعوته على الله تعالى آمرا بالمعروف, ناهيا عن المنكر, مجاهدا في سبيل الله بكل ما يملك فأحيا الله على يديه سننا قد درست, وترك العمل بها, وعمّ التوحيد أرجاء كثير من العالم الإسلامي. تتلمذ على يدي الشيخ طلبة نجباء, أصبحوا بعد علماء أجلاء, حملوا الدعوة بعده, نهجوا نهجه, فنفع الله تعالى بهم, من هؤلاء: أبناؤه: الشيخ عبد الله (ت ١٢٤٣) والشيخ حسين (ت ١٢٢٤) والشيخ علي (ت ١٢٤٥) وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت ١٢٨٥) والشيخ حمد بن ناصر بن معمر (ت ١٢٢٥) والشيخ حسين بن غنام (ت ١٢٢٥) , والشيخ عبد العزيز الحصين (ت١٢٣٧) . ألف الإمام رحمه الله تعالى كتبا ورسائل كثيرة, قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية جمع أكثرها, وطبعه على نفقتها, وتوزيعه فكانت كثر من عشر مجلدات. ومن هذه لكتب: - كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. - مسائل الجاهلية. - كشف الشبهات. - الأصول الثلاثة. - مختصر زا المعاد.

стр. 9

- مختصر السيرة. - مختصر المغني والشرح الكبير. ألمّ بالشيخ رحمه الله تعالى مرض شديد في أواخر شهر شوال عام ١٢٠٦, واستمر معه المرض حتى توفاه الله تعالى في أواخر شهر ذي القعدة من العام نفسه, فاللهم ارفع درجته في عليين, واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

стр. 10

المبحث الثاني ترجمة الشارح هو أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بهاء الدين بن محمد بن أبي الثناء شهاب الدين بن عبد الله بن صلاح الدين بن محمود لخطيب الألوسي. -ولد رحمه الله تعالى في اليوم التاسع عشر من شهر رمضان عام ثلاثة وسبعين ومائتين وألف من هجرة النبي ﷺ في بغداد من بلاد العراق. -نشأ رحمه الله تعالى, في بيت علم ودين, فقد كان كثير من أسرته علماء وأدباء, فأبوه عبد الله (ت١٢٩١) كان عالما, له مؤلفات, وجده أبو الثناء محمود بن شهاب الدين صاحب "روح المعاني" كان –أيضا- عالما, وإن كان عنده شيء من البدع , فالله يسامحه, ومن أولاء عمه نعمان خير الدين صاحب جلاء العينين, فقد كان خيرا دينا عالما وقورا. -بدأ أبو المعالي رحمه الله تعالى في طلب العلم في سن مبكرة جدا, فأخذ عن أبيه مبادئ العربية والخط, ثم بعد وفاة أبيه كفله عمه خير الدين فأخذ عنه, كما أخذ عن مشايخ بلده, ومنهم الشيخ إسماعيل بن مصطفى. -وبعد أن استوى على سوقه عقد حلقا للعلم في داره ينهل منها الطلاب, ويفيدون منها, كما درّس في جامع عادل خاتون, وجامع

стр. 11

الحيدرية, وجامع السيد سلطان علي, ومدرسة المرجان. -ألف أبو المعالي-رحمه الله تعالى- مؤلفات كثيرة نفع الله تعالى بها, ومن هذه المؤلفات: -غاية الأماني في الرد على النبهاني. -فتح المنان, وهو كتاب أتم به التأسيس في الرد على داود بن جرجيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب- ﵀. -صب العذاب على من سبّ الأصحاب. -بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب. -تاريخ نجد. -شرح مسائل الجاهلية, وهو كتابنا هذا. -شرح منظومة عمود النسب. -الضرائر الشعرية. لقد كان الشيخ رحمه الله تعالى على عقيدة السلف أهل السنة والجماعة, يظهر ذلك جليا في مؤلفاته, وخاصة في "بلوغ الأماني", و"شرح مسائل الجاهلية" و"فتح المنان", وكان رحمه الله تعالى شديدا على أهل البدع, محاربا لهم, متأثرا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. توفي أبو المعالي-رحمه الله تعالى- في اليوم الرابع من شهر شوال عام (١٣٤٢هـ) على أثر مرض ألمّ به في أواخر شهر رمضان من العام

стр. 12

نفسه, نسأل الله تعالى له الرحمة والنجاة من النار, وجزاه على ما قدم للمسلمين خير الجزاء١.

стр. 13

المبحث الثالث منهج الشرح لقد بيّن المؤلف رحمه الله تعالى منهجه في شرحه هذا الكتاب في مقدمة كتابه حيث قال: " ... ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة الآخذة بيد من تمسّك بها إلى منازل الرحمة, أحببت أن أعلّق عليها شرحا يفصّل مجملها, ويكشف معضلها, من غير إيجاز مخل, ولا إطناب ممل, مقتصرا فيه على أوضح الأقاويل, ومبينا ما أورده من برهان ودليل". فهذا منهجه قد أبانه بهذه السطور. وقد أخل رحمه الله تعالى بما ذكره في بعض المواضع, فتجده تارة يطيل في بعضها إطالة غير معتادة, بينما نجده تارة أخرى يذكر المسألة دون أن يتكلم فيها بشيء. في تفسيره للآيات جل اعتماده على كتاب جده أبي الثناء "روح المعاني". وفي مسائل الاعتقاد يعتمد اعتمادا كبيرا على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.

стр. 14

وهو تارة يصرح بالمصدر الذي نقل عنه, وتارة لا يصرح. كما أن الشارح رحمه الله تعالى عني كثيرا بربط هذه المسائل بما يشاهده من أهل زمانه, مما يجعل هذا الكتاب مصدرا معتبرا لمعرفة أحوال الناس وقت الشارح.

стр. 15

المبحث الرابع طبعات الكتاب لقد تمّ طبع هذا الكتاب أول مرة عام ١٣٤٧هـ بالمطبعة السلفية للسيد محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى بمصر, أي بعد وفاة المؤلف رحمه الله تعالى بأربع سنوات, واعتمد فيها على نسخة أهداه إياها الأستاذ محمد بهجة الأثري أحد تلامذة المؤلف, ثم صُوِّر عن هذه الطبعات مرات كثيرة. وقد حرص محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى على أخراجها للناس, كي يفيدوا منها, فكان له ما أراد, فأفاد الناس من هذه الطبعة, وانتشرت بينهم فجزاه الله عنهم خير الجزاء. وفي عام ١٤١٢هـ قامت دار المجد للنشر والتوزيع بالرياض بصف حروف الكتاب صفا جيدا, معتمدة على طبعة الكتاب السابقة, بما فيها تعليقات الناشر. الملحوظات على مطبوعة السلفية ومطبوعة دار المجد: إن كل عمل بشري لا بد أن يلحقه شيء من النقص, وإنه مع حرص السيد محب الدين على إخراج الكتاب بصورة حسنة, لم تسلم هذه الطبعة من الأخطاء, فمن الأخطاء:

стр. 16

١-عدم وصف النسخة الخطية التي اعتمدها في إخراج الكتاب. ٢-عدم تمييزه بين تعليقاته وتعليقات المؤلف, فقد كان له رحمه الله تعالى تعليقات, وللمؤلف تعليقات, فلم يميز بينهما, ولا يعرف ذلك إلا من وقف على المخطوط. ٣-التدخل في نص المؤلف, فقد وضعت عناوين للمسائل ليست في النسخة الخطية التي بين أيدينا , فإن كانت موجودة في النسخة الخطية التي اعتمدها, فهذا يدلل على أهمية وصفها, وتصوير بعض أوراقها في أول الكتاب, وإن لم تكن موجودة فهذا تدخل في النص لم يشر إليه. ٤-جاء على طرّة النسخة التي الخطية التي بين أيدينا ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم, إلى حضرة الإمام الهمام, إمام الأئمة, أعني به جناب الشيخ عبد الله بن خلف بن دحيّان المحترم, أعلى الله تعالى.... آمين, وبعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام, أقدم إليك هذا الكتاب, وهو شرح مسائل الجاهلية, هدية لك, فالرجاء قبولها والتحفظ عليها, لأن إبراهيم أفندي نجل السيد ثابت الألوسي وبهجة الأثري أرسلاها إلى مصر لأجل الطبع, لكن بعد ما غيرا فيها وبدّلا, وهذه صححت مرارا وتكرارا, فلذلك أوصيك بحفظها والسلام, ٣ ذي القعدة ١٣٤٥هـ عبد الكريم السيد عباس". وبعد المقابلة لم يظهر لي سوى ما ذكرته قبل, فلعله يشير بهذا الكلام إليه.

стр. 17

المبحث الخامس وصف النسخة الخطية حصلت على هذه النسخة من صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ-وفقه الله تعالى- وهي مصورة عن مكتبة الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت. وتتكون من خمس وأربعين لوحة, في كل لوحة وجهان, متوسط أسطر كل وجه عشرون سطرا, ومتوسط عدد كلمات كل سطر أربعة عشرة كلمة. وخطها جيد, وهي مكتوبة بقلم عبد الكريم السيد عباس الشيخلي عام ١٣٤٤هـ.

стр. 18

الفصل الثاني: في الجاهلية المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية ... المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية لقد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية, وتحريم التشبه بهم, سواء في عباداتهم أو في أعيادهم, وأجمع أهل العلم على ذلك١. ولكثرة النصوص الواردة في هذا, اجتهدت في حصر دلالاتها, مع الاستدلال لكل دلالة بنص أو أكثر, فكانت على النحو الآتي: أولا: الأمر الصريح بالمخالفة: جاءت أحاديث عن النبي ﷺ صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية, مما يعني وجوب مخالفتهم, لأن الأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف٢, ولا صارف هنا, ومن هذه الأحاديث ما يأتي: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب, وأوفوا اللحى"٣.

стр. 19

وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: "خرج رسول الله ﷺ على مشيخة الأنصار, بيض لحاهم, فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب, قال فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرو, فقال ﷺ تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب, قال فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون, قال: فقال النبي ﷺ فتخففوا وانتعلوا, وخالفوا أهل الكتاب, قال: فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصّون عثانينهم١ ويوفرون سبالهم٢, فقال النبي ﷺ قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم, وخالفوا أهل الكتاب"٣. وقال ﷺ : "خالفوا اليهود, فإنهم لا يصلون في نعالهم, ولا خفافهم"٤.

стр. 20

ثانيا: النهي عن مشابهة أهل الجاهلية في أهوائهم بصيغته: كما جاءت الأدلة صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية, فقد جاءت أيضا صريحة في النهي عن مشابهتهم في أهوائهم بصيغة النهي الحقيقية "لا تفعل" ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤ ففي هذه الآيات نهي من الله تعالى لنبيه ﷺ أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون, "وقد في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته. واهواؤهم هو ما يهوونه, وما عليه المشركون من هديهم الظاهر, الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك, فهم يهوونه, وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه"٥. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ ٦.

стр. 21

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم"١. فهذه بعض الأدلة على النهي عن مشابهة أهل الجاهلية بصيغته. ثالثا: بيان سوء عاقبة من اتبع أهل الجاهلية: لقد جاءت الأدلة صريحة في بيان العاقبة المخزية التي أعدها الله تعالى لمن خالف أمره, وتشبه بأعدائه, مما يدل على شناعة الفعل وقبحه, ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. ففي هاتين الآيتين تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة, والخطاب مع الرسول ﷺ والمراد أمته٤, ووصف –تعالى- التابعين بأنهم ظالمون , ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٥. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومتابعتهم فيما

стр. 22

يختصون به من دينهم وتوابع دينهم, اتباع لأهوائهم, بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك"١. وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ﴾ ٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ثم قوله فاستمتعتم وخضتم, خبر عن وقوع ذلك في الماضي, وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة, كسائر من أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث محمد ﷺ , فإنه ذم لمن حالهم كحالهم إلى يوم القيامة"٣. رابعا: نعت المتشبهين بما يفيد شناعة فعلهم: كما في قوله ﷺ : "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم, وبتغ في الإسلام سنة جاهلية, ومطَّلِب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريقه"٤. وقوله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر, وذراعا بذراع,

стр. 23

حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم, قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن" قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: "وكان ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار, وكان يخاف على أمته اتباعهم, ألا ترى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم ... ". وقال المناوي: "وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي والكفر, ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن اتباعهم, ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام". فهذه بعض الأدلة الدالة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية وحرمة التشبه بهم, وبقي كثير تركتها اختصارا , والله تعالى أعلم.

стр. 24

المبحث الثاني أنواع الجاهلية تنوع الجاهلية أنواعا بحسب اعتبارات مختلفة, وغليك بعض أنواعها: أولا: أنواعها من حيث الإطلاق والتقييد: تتنوع الجاهلية من حيث الإطلاق والتقييد نوعين: النوع الأول: جاهلية مطلقة, وهي الجاهلية العامة, وهذه كانت قبل مبعث النبي ﷺ , أما بعد المبعث فلا, وذلك لقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله, لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس"١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: "فأما في زمان مطلق,

стр. 25

فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ ... "١ وذكر معنى الحديث السابق. ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ٢ وقول حذيفة ﵁: "إنا كنا أهل جاهلية وشر, فجاء الله بهذا الخير ... "٣. وعلى هذا, فلا يجوز إطلاق الجاهلية على قرن من القرون منذ بعثة النبي ﷺ إلى يومنا هذا, وما يقع فيه بعض الكتاب من هذه الإطلاقات ينبغي أن يتفادى بالتصحيح٤. النوع الثاني: جاهلية مقيدة, وهي الجاهلية التي تقوم في بعض البلدان, أو ببعض الأشخاص والجماعات. وهذا النوع يكون حتى بعد مبعثه ﷺ . ومنه قوله ﷺ لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"٥. ثانيا: أنواعها من حيث الفترة الزمنية: تتنوع الجاهية من حيث الفترة الزمنية نوعين:

стр. 26

النوع الأول: جاهلية قبل مبعث النبي ﷺ . وهذا النوع يطلق عليه بعضهم " الجاهلية الأولى". قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ : "هي ما قبل الإسلام"١ النوع الثاني: جاهلية ما بعد مبعثه ﷺ . ويطلق عليها بعضهم " الجاهلية الأخرى". والمراد بها: ما شابه فيه الناس بعد مبعث النبي ﷺ أهل الجاهلية. قال ابن جرير-رحمه الله تعالى-: "فإن فال قائل: أو في الإسلام جاهلية حتى يقال عنى بقوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ التي قبل الإسلام, قيل: فيه أخلاق من أخلاق الجاهلية"٢. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل"٣. ثالثا: أنواعها من حيث متعلقها: تتنوع الجاهلية من حيث متعلقها أنواعا كثيرة جدا, يصعب حصرها, فمنها جاهلية المعتقد, ومنها جاهلية الأخلاق, ومنها جاهلية الاقتصاد, ومنها جاهلية الحكم والسياسة, ومنها جاهلية الفن....إلخ٤

стр. 27

وبالجملة, فكل أمر من الأمور خولف فيه رسول الله ﷺ فهو أمر جاهلي١. رابعا: أنواعها من حيث الحكم تتنوع الجاهلية من حيث الحكم نوعين: النوع الأول: جاهلية كفر. ومن هذا النوع قوله-تعالى-: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٢, وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٣. النوع الثاني: جاهلية معصية, وهي ما تكون بترك واجب أو فعل محرم دون الكفر٤, وهذه لا يكفر صاحبها٥. ومن هذا النوع قوله ﷺ لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"٦ وكذا الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة على الميت. هذه أهم أنواع الجاهلية حسب علمي, والله تعالى أعلم.

стр. 28

المبحث الأول: تعريف الجاهلية لغة واصطلاحا ... المبحث الأول تعريف الجاهلية أولا التعريف اللغوي: الجاهلية في اللغة: مصدر صناعي مأخوذ من الجاهلي نسبة على الجاهل المشتق من الجهل. والجهل خلاف العلم ونقيضه. يقال جَهِل فلان جهلا وجهالة, وجُهِل عليه وتجاهل واستجهل. والجمع منه: جُهل, وجُهُل, وجُهَّل, وجُهَّال, وجُهلاء. قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ١. ومنه قولهم للمفازة التي لا علم بها: "مَجهَل". ويطلق الجهل ويراد به الخفة التي هي خلاف الطمأنينة, ويراد به الطيش, ومنه قولهم للخشبة التي يحرك بها الجمر"مجهل"٢, ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته:

стр. 29

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا١ والجهل ثلاثة أنواع: أحدها: بسيط, وهو خلو النفس من العلم. ثانيها: جهل مركب, وهو اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. ثالثها: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل٢. التعريف الاصطلاحي: اختلفت عبارات الناس في تعريف الجاهلية والمراد منها, وسأذكر هنا بعضا منها, ثم أختم ذلك بالمختار. التعريف الأول: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "المراد بالجاهلية الفترة قبل الإسلام"٣ ويؤخذ على هذا التعريف كونه غير جامع, وذلك أن الجاهلية جاء إطلاقها حتى بعد البعثة, كما قال بن عباس ﵄: "سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسا دهاقا"٤, وابن عباس إنما ولد بعد البعثة٥.

стр. 30

التعريف الثاني: قال ابن الأثير- وتبعه ابن منظور-: " هي-أي الجاهلية- الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام, من الجهل بالله ورسوله ﷺ وشرائع الدين, والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك"١. ويؤخذ على هذا التعريف: أ-تخصيصه العرب بذلك, مع أن غيرهم من الأمم يشركهم فيه. ب- أنه جعل نهاية هذه الحال بظهور الإسلام, وقد مرّ قبل قليل أن الجاهلية أطلقت حتى بعد الإسلام. التعريف الثالث: وهو للأستاذ محمد قطب حيث قال: " هي-أي الجاهلية- حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله, ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله"٢. ويؤخذ على هذا التعريف كونه غير جامع, لأنه أخرج الحال التي تكون عليه أمة من الأمم قبل مجيئها هدى الله. وفيه قصر على الوضع التنظيمي الذي يرفض الحكم بما أنزل الله, مع أن الأمر أعظم من ذلك, فحكم الله ليس في الأمور التنظيمية فقط, بل هو أعم من ذلك كله. التعريف الرابع: وهو التعريف الذي وضعه مجمع اللغة العربية بالقاهرة: "الجاهلية:

стр. 31

هي الحالة التي تكون عليها الأمة قبل أن يجيئها الهدى والنبوة". ويؤخذ على هذا التعريف ما أخذ على التعريف الأول. التعريف الخامس: " الجاهلية: هي الحالة التي تكون عليها أمة قبل مجيئها هدى الله, والحالة التي تمتنع فيها أمة ما أو بعض أمة من الاستجابة لهدى الله". وهذا التعريف هو المختار عندي, والذي أراه مناسبا لهذا المقام, وذلك للآتي: ١-كون هذا التعريف أدخل أهل الفترات, وأدخل من امتنع من أتباع الهدى بعد إذ جاءه. فرسول الله ﷺ بعث في قوم أميين لا علم لهم بالكتاب, فهؤلاء يناسبهم الجزء الأول من التعريف, كما أنه ﷺ لعموم رسالته بعث –أيضا لقوم أهل كتاب, وهؤلاء يناسبهم الجزء الثاني, كما أن في أمته ﷺ من يمتنع من الاهتداء بهديه. ٢-موافقة هذا التعريف لما ذكره العلماء من أقسام الجهل.

стр. 32

القسم الثاني: النص المحقق ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا للدين المبين, وأنزلنا الصراط المستقيم بأوضح البراهين, والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين, الذي أنقذ بشريعته الغراء من جهل الجاهلين, وعلى آله وأصحابه الغر الميامين, الذين جاهدوا في الله حتى أتاهم اليقين. أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى عفو الله وغفرانه, محمود شكري الألوسي البغدادي- كان الله تعالى له وأحسن عمله-, وأناله من الخير أمله١-: إني وقفت على رسالة صغيرة الحجم, كثيرة الفوائد, تشتمل على نحو مائة مسالة من المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين, وهي أمور ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان, ولا أخذت عن نبي من النبيين, ألفها الإمام العلامة, والقدوة الفهامة٢, محيي السنة السَّنية٣, ومجدد الشريعة النبوية, محدث عصره وحافظ دهره تذكرة السلف وعمدة الخلف٤, أبو عبد الله محمد بن

стр. 33

عبد الوهاب النجدي الحنبلي-تغمده الله تعالى برحمته- وأسكنه فسيح جنته. بيد أن مسائل تلك الرسالة في غاية الإيجاز, بل كادت تعد من قبيل الألغاز, قد عبر عن كثير منها بعبارة مجملة, ,اتى بدلائل ليست مشروحة ولا مفصلة, حتى إن من ينظرها يظن أنها فهرس كتاب, قد عدت فيه المسائل من غير فصول ولا أبواب, ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة الآخذة بيد من تمسّك بها إلى منازل الرحمة, أحببت أن أعلّق عليها شرحا يفصّل مجملها, ويكشف معضلها, من غير إيجاز مخل, ولا إطناب ممل, مقتصرا فيه على أوضح الأقاويل , ومبينا ما أورده من برهان ودليل, عسى الله أن ينفع بذلك المسلمين, ويهدي به من يشاء من عباده المتقين, فيكون سببا للثواب, والفوز يوم العرض والحساب, والأمن من أليم العذاب, وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 34

قال المصنف- رحمه الله تعالى١- بسم الله الرحمن الرحيم٢: هذه مسائل خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، مما لا غناء للمسلم عن معرفتها. فالضد٣ يضر حسنَه الضدُ ... وبضدها تتبين الأشياءُ٤

стр. 35

أهم ما فيها وأشده خطرا, عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ﷺ , فإن انضاف إلى ذلك استحسان دين الجاهلية والإيمان به, ثمّت الخسارة والعياذ بالله تعالى كما قال عز ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.

стр. 36

المسألة الأولى أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في عبادة١ الله تعالى، ويرون ذلك من تعظيم الصالحين الذي يحبه الله, ويريدون أيضا٢ بذلك شفاعتهم٣, لظنهم أنهم يحبون ذلك: كما قال تعالى: في أوائل الزمر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥ وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ , فأتى بالإخلاص, وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه,

стр. 37

وأن١ من فعل ما استحسنوا٢, حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار. وهذه المسألة هي الدين كله, ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر, وعندها وقعت العداوة, ولأجلها شرع الجهاد, كما قال تعالى في البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٣

стр. 38

الثانية: أنهم متفرقون, ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة, فأمرهم الله بالاجتماع, ونهاهم عن التفرقة: فقال عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١ يقال: أراد سبحانه بما ذكر ما كان بين الأوس٢ والخزرج٣ من الحروب التي تطاولت مائة وعشرين سنة, إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام, فزالت الأحقادز قاله ابن إسحاق٤.

стр. 39

وكان يوم بعاث١ آخر الحروب التي جرت بينهم. وقد فُصّل ذلك في " الكامل"٢. ومن الناس من يقول: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل والقتال العريض, ومنه حرب البسوس٣, كما نقل عن الحسن٤ ﵁. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ٥. إلى غير ذلك من الآيات الناصة على النهي عن الاستبداد والتفرق وعدم الانقياد والطاعة مما كان عليه أهل الجاهلية.

стр. 40

الثالثة:أن مخالفة ولي الأمر, وعدم الانقياد له –عندهم- فضيلة, وبعضهم يجعله دينا, فخالفهم النبي ﷺ في ذلك, وامرهم بالصبر على جور الولاة والسمع والطاعة والنصيحة لهم, وغلظ في ذلك, وأبدى وأعاد. وهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح عنه ﷺ : " يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعا, وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم"١. وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من كره من أميره شيئا, فليصبر, فإنه من خرج من السلطان شبرا, مات ميتة جاهلية"٢ وروى أيضا عن جنادة بن أبي أمية, قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض, فقلنا: أصلحك الله, حدّث بحديث ينفعك الله به سمعته من رسول الله ﷺ .
следующие страницы →