← Акыда

Акыда · id 8549

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت يوسف السعيد

محمود شكري الألوسي

Полный текст (270 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسألة الأولى أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في عبادة١ الله تعالى، ويرون ذلك من تعظيم الصالحين الذي يحبه الله, ويريدون أيضا٢ بذلك شفاعتهم٣, لظنهم أنهم يحبون ذلك: كما قال تعالى: في أوائل الزمر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥ وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ , فأتى بالإخلاص, وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه,

стр. 37

وأن١ من فعل ما استحسنوا٢, حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار. وهذه المسألة هي الدين كله, ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر, وعندها وقعت العداوة, ولأجلها شرع الجهاد, كما قال تعالى في البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٣

стр. 38

الثانية: أنهم متفرقون, ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة, فأمرهم الله بالاجتماع, ونهاهم عن التفرقة: فقال عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١ يقال: أراد سبحانه بما ذكر ما كان بين الأوس٢ والخزرج٣ من الحروب التي تطاولت مائة وعشرين سنة, إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام, فزالت الأحقادز قاله ابن إسحاق٤.

стр. 39

وكان يوم بعاث١ آخر الحروب التي جرت بينهم. وقد فُصّل ذلك في " الكامل"٢. ومن الناس من يقول: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل والقتال العريض, ومنه حرب البسوس٣, كما نقل عن الحسن٤ ﵁. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ٥. إلى غير ذلك من الآيات الناصة على النهي عن الاستبداد والتفرق وعدم الانقياد والطاعة مما كان عليه أهل الجاهلية.

стр. 40

الثالثة:أن مخالفة ولي الأمر, وعدم الانقياد له –عندهم- فضيلة, وبعضهم يجعله دينا, فخالفهم النبي ﷺ في ذلك, وامرهم بالصبر على جور الولاة والسمع والطاعة والنصيحة لهم, وغلظ في ذلك, وأبدى وأعاد. وهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح عنه ﷺ : " يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعا, وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم"١. وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من كره من أميره شيئا, فليصبر, فإنه من خرج من السلطان شبرا, مات ميتة جاهلية"٢ وروى أيضا عن جنادة بن أبي أمية, قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض, فقلنا: أصلحك الله, حدّث بحديث ينفعك الله به سمعته من رسول الله ﷺ .

стр. 41

قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعنا, فكان١ فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا, وأن لا ننازع الأمر أهله, إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهات"٢. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة, ولم يقع خلل في دين الناس أو دنياهم إلا من خلال الإخلال بهذه الوصية.

стр. 42

الرابعة: أن دينهم مبني على أصول: أعظمها التقليد, وهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار من الأولين والآخرين: كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١. فأمرهم الله تعالى بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ , قال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٣. إلى غير ذلك مما يدل على أن أهل الجاهلية كانوا في ربقة التقليد, لا يحكمون لهم رأيا, ولا يشغلون فكرا, فلذلك تاهوا في أودية الجهالة, وهكذا كل من سلكهم في أي عصر كان.

стр. 43

الخامسة:الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم: فحذرهم الله تعالى من ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. إلى آيات أخر تنادي ببطلان الاقتداء بالفساق وأهل الضلالة والغي, وذلك من سنن الجاهلية وطرائقهم المعوجة.

стр. 44

السادسة:الاحتجاج بما كان عليه أهل القرون السالفة, من غير تحكيم العقل, والأخذ بالدليل الصحيح. وقد أبطل الله تعالى- ذلك يقوله في "طه": ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى. قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى. كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ ١ ... إلخ. وقال تعالى في " القصص": ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ.وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢. وقال عز ذكره في سورة "المؤمنين": ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ.فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ. إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ٣

стр. 45

وقال ـ تعالى ـ في (ص) : ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ءالهتكم إن هذا لشيئ يراد ما سمعنا بهذا في الملّة الأخرة إن هذا إلاّ اختلاق﴾ . فجعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرّسل: أنه لم يكن عليه أسلافهم، ولاعرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم، وجمود قرائحهم، ولو كانت لهم أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، لعرفوا الحقّ بدليله، وانقادوا لليقين من غير تعليله، وهكذا أخلافهم وورّاثهم، قد تشابهت قلوبهم.

стр. 46

السابعة: الاعتماد على الكثرة, والاحتجاج بالسواد الأعظم, والاحتجاج على بطلان الشيء بقلة أهله, فأنزل الله تعالى, ضد ذلك وما يبطله, فقال في " الأنعام": ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١. فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة وقلب, فالحق أحق بالاتباع, وإن قلّ أنصاره, كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ٢, فأخبر الله عن أهل الحق أنهم قليل, غير أن القلة لا تضرهم: تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل٣

стр. 47

المقصود أن من له بصيرة ينظر إلى الدليل, ويأخذ ما يستنتجه البرهان, وإن قلّ العارفون به, المنقادون له. ومن أخذ ما عليه الأكثر وما ألفته العامة من غير نظر الدليل فهو مخطيء, سالك سبيل الجاهلية, مقدوح عند أهل البصائر.

стр. 48

الثامنة:الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبا, فرد الله تعالى ذلك بقوله في "هود": ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . ومعنى الآية: ﴿فَلَوْلا كَانَ﴾ تحضيض فيه معنى التفجع, أي: فهلا كان ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ , أي: الأقوام المقتربة في زمان واحد ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ , أي: ذوو خصلة باقية من الرأي والعقل, أو ذوو فضل, على أن يكون البقية اسما للفضل, والهاء للنقل, ومن هنا يقال: فلان من بقية القوم, أي: من خيارهم , ومنه قولهم: " في الزوايا خبايا, وفي الرجال بقايا", ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم, وفسر الفساد بالكفر وما اقترن به من المعاصي, ﴿إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا﴾ استثناء منقطع, أي: ولكن قليلا ممن أنجيناهم, لكونهم كانوا ينهون.

стр. 49

التاسعة: الاستدلال على المطلوب, والاحتجاج بقوم أعطوا من القوة في الفهم والإدراك, وفي القدرة والملك, ظنا أن ذلك يمنعهم من الضلال. فردّ الله تعالى ذلك عليهم بقوله سبحانه, في "الأحقاف": ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ. وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ ١. ومعنى الآية: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ أي: قوّينا٢ عادا وأقدرناهم. و"ما" في قوله تعالى: ﴿فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ موصولة أو موصوفة, و"عن" نافية, أي: في الذي, أو في شيء ما مكناكم فيه من السعة والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادي التصرفات, كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ٣ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ٤ , ولم يكن النفي بلفظ "ما" كراهة لتكرير اللفظ, وإن اختلف المعنى, ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾ ليستمعلوها فيما خلقت له, ويعرفوا

стр. 50

بكل١ منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم, ويستدل بها على شؤون منعمها , ويداوموا على شكره جل ثناؤه. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ﴾ حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل, ﴿وَلا أَبْصَارُهُمْ﴾ حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ أي: شيئا من الأشياء٢, و "من" مزيدة للتوكيد, وقوله: ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ تعليل للنفي. ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء, ويقولون: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ . فهذه الآية تبطل الاحتجاج يقوم أعطوا من القوة في الفهم والإدراك وسعة الأذهان وغير ذلك ما لم يكن مثله للعرب الذين أدركوا الإسلام, ومع ذلك ضلوا عن سواء السبيل, وكذبوا الرسل بالأباطيل, فالتوفيق للإيمان بالله ورسله, والإذعان للحق, وسلوك سبله, إنما هو فضل من الله تعالى لا لكثرة مال ولا لحسن حال, ومن يرُدّ الحق ويستدل بكون من هو أحسن حالا منه لم يقبله, ولم يحكم عقله, ويتبع ما يوصل غليه الدليل, فقد سلك سبيل الجاهلية, وحاد عن الحجة المرضية. ومثل هذه الآية: قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣.

стр. 51

كان اليهود يعلمون من كتبهم رسالة محمد ﷺ , وأن الله سيرسل نبيا كريما من العرب, وكانوا من قبل يستفتحون على المشركين ببعثته, ويقولون: يا ربنا أرسل النبي الموعود إرساله, حتى ننتصر على الأعداء, فلما جاءهم عرفوا, وهو محمد ﷺ , كفروا به, حسدا منهم أن تكون النبوة في العرب, وهم يزعمهم أحسن أثاثا ورئيا, ولم يعلموا أن النبوة والإيمان بها فضل من الله يؤتيه من يشاء. ومثلها أيضا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ . الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ عائد على العلم في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ , فكتمانه الحق, وعدم جريهم على مقتضى علمهم لما فيهم من الجاهلية, والاعتقاد أن فضل الله مقصور عليهم ولا يتعداهم على غيرهم. وآية "الأنعام" موافقة لهذه الآية لفظا ومعنى, وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 52

العاشرة: لاستدلال بعطاء الدنيا على محبة الله تعالى: قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ. وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١. وقال في سورة " القصص ": ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ. قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.

стр. 53

وفي آيات أخرى في سورة "القصص" يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١. على آخر الآية. فقد كفانا الله تعالى إبطال هذه الخصلة الجاهلية بقوله في الآية الأولى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ , وفي الآية الأخرى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ ... إلخ, فعلمنا من ذلك محبة الله ورضى الله إنما يكون بطاعته والانقياد لرسله, والإذعان للحق باتباع البرهان. وأما كثرة المال, وسعة الرزق, وعيش الرخاء, فلا دليل فيه على نجاة المنعم عليه بمثل ذلك, ولو كانت الدنيا وما فيها تعادل عند الله جناح بعوضة ما سقى من عصاه شربة ماء. قال سبحانه: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ ٢. وعلى ذلك قول القائل٣: كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

стр. 54

ومما ينسب لبعض الأكابر: رضينا قسمة الجبار فينا ... لنا علم وللأعداء مال فإن المال يفنى عن قريب ... وإن العلم باق لا يزال والشواهد كثيرة. والمقصود أن ما كان عليه أهل الجاهلية من كون زخارف الدنيا من الأدلة على قرب من حازها من الله وقبوله عنده, فقول بعيد عن الحق, ومذهب باطل لا ينبغي لمن له بصيرة أن يعوّل عليه.

стр. 55

الحادية عشرة: الاستدلال على بطلان الشيء بأخذ الضعفاء به, وضعف فهم من أخذ به, على ما يدل عليه قول قوم نوح له كما حكاه عنهم الكتاب الكريم. قال تعالى في سورة "الشعراء": ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) . (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) ١. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ. قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ. وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ. إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٢. فانظر إلى قوم نوح كيف كيف استنكفوا من اتباع نبيهم لسبب اتباع الضعفاء له, وذلك لكون مطمح انظارهم في الدنيا, وغلا لو كانت الآخرة همهم, لاتبعوا الحق أينما وجدوه, ولكن لجاهليتهم اعرضوا عن الحق لاتباع شهواتهم. وانظر إلى هرقل لما كان من العقل والبصيرة على جانب عظيم, اعتقد اتباع الضعفاء دليلا على الحق, فقال في جملة ما سأل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ : "وسألتك عن أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم, فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه, وهم اتباع الرسل"٣.

стр. 56

ومثل ذلك قوله تعالى في سورة "هود": ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ. فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ الآيات.

стр. 57

الثانية عشرة: من خصال أهل الجاهلية رمي من اتبع الحق بغير الإخلاص, وطلب الدنيا, فرد الله عليهم بقول نبيهم الذي حكاه الله عن نوح في الآية الأولى المذكورة في المسألة الحادية عشرة, بقوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ. قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ . ومقصودهم أن أتباعك فقراء, آمنوا بك لينالوا مقصدهم من العيش, لا أن إيمانهم كان لدليل يقتضي صحة ما جئت به, ردّ عليهم بما ردّ.

стр. 58

الثالثة عشرة: من خصال أهل الجاهلية: الإعراض عن الدخول في الحق الذي دخل فيه الضعفاء, تكبرا وأنفة. فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله في سورة "الأنعام": ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ . ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ . وغير ذلك. وحاصل الردّ: أن من آمن من هؤلاء الضعفاء, إنما كان إيمانه عن برهان, لا كما زعم خصومهم, ولست أنت بمسؤول عنهم, ولا هم مسؤولون عن حسابك, فطردهم عن باب الإيمان من الظلم بمكان.

стр. 59

الرابعة عشرة: لاستدلال على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا. قال تعالى في سورة "الأحقاف": ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ . بعد قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .

стр. 60

الخامسة عشرة: لاستدلال بالقياس الفاسد, وإنكار القياس الصحيح, وجهلهم بالجامع والفارق. قال تعالى في سورة "المؤمنين": ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ. إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ١. ومعنى٢ الآية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ : شروع في بيان إهمال الناس, وتركهم النظر والاعتبار فيما عدّد سبحانه من النعم قبل هذه الآية, وما حاقهم٣ من زوالها, وفي ذلك تخويف لقريش. وتقديم قصة نوح ﵇ على سائر القصص مما لا يخفى وجهه, فقال متعطفا عليهم, ومستميلا لهم إلى الحق: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ , أي: اعبدوه وحده. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ : استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها. ﴿فَلا تَتَّقُونَ﴾ : الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه, والفاء للعطف على

стр. 61

مقدّر يقتضيه المقام, أي: أتعرفون ذلك, أي: مضمون قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ , فلا تتقون عذابه تعالى الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ترك عبادته سبحانه وحده وإشراككم به في العبادة ملا يستحق الوجود لولا إيجاد الله إياه, فضلا عن استحقاق العبادة, فالمنكر عدم الاتقاء, مع تحقق ما يوجبه. ﴿فَقَالَ الْمَلأُ﴾ أي: الأشراف الذين كانوا من قومه, وصف الملأ بالكفر مع اشتراك الكل فيه, للإيذان بكمال عراقتهم وشدة شكيمتهم فيه, وليس المراد من ذلك إلا ذمهم, دون التميز عن أشراف آخرين آمنوا بع ﵇, أو لم يؤمن به أحد من أشرافهم, كما يفصح عنه قوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ وهذا القول صدر منهم لعوامهم. ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: في الجنس والوصف, من غير فرق بينكم وبينه. وصفوه ﵇ بذلك مبالغة في وضع رتبته العالية وحطها عن منصب النبوة, ووصفوه١ بقوله : ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ : إغضابا للمخاطبين ﵇ وإغراء لهم على معاداته. والتفضل: طلب الفضل, وهو كناية عن السيادة, كأنه قيل: يريد أن يسودكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ : بيان لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد, بعد تحقيق بشريته ﵇. أي: ولو شاء الله تعالى إرسال الرسل, لأرسل رسلا من الملائكة,

стр. 62

وإنما قيل: لأنزل, لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ , هذا إشارة إلى الكلام المتضمن الأمر بعبادة الله , خاصة والكلام على تقدير مضاف, أي: ما سمعنا بهذا الكلام في آبائنا الماضين قبل بعثته ﵇, وقدر المضاف, لأن عدم السمع بكلام١ نوح المذكور لا يصلح للرد, فإن السماع بمثله٢ كاف٣ في القبول. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ , أي: ما هو إلا رجل به جنون أو جن يخبلونه, ولذلك يقول ما يقول. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ , أي٤: فاحتملوه, واصبروا عليه وانتظروا لعله يفيق مما هو فيه محمول على مرامي أحوالهم في المكابرة والعناد. وإضرابهم عما وصفوه ﵇ به من البشرية, وإرادة التفضل إلى وصفه إلى ما ترى, وهم يعرفون أنه ﵇ أرجح الناس عقلا وأرزنهم قولا, وهو [على ما تقدم٥] محمول على تناقض مقالاتهم الفاسدة- قاتلهم الله تعالى أنا يؤفكون٦. والقياس الفاسد والصحيح, والجامع والفارق, مفصل في كتب الأصوليين. فبين الرسل ﵈ وسائر الناس مشابهة من جهة البشرية.

стр. 63

ولوازمها الضرورية, فيصح حين إذن قياس الرسل على غيرهم فيها, وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . وبين الرسل والأنبياء ﵈ وغيرهم من البشر فروق كثيرة. منها: أن الله تعالى اصطفاهم على الناس برسالاته , وبكلامه ووحيه, فلا يقاس أحد من الناس بهم حين إذ من هذه الجهة, كما لا يصح قياس غيرهم بهم في سائر خصائصهم التي فصلت في غير هذا الموضع, فالجاهلية لم يميزوا بين القياس الصحيح والفاسد, ولا عرفوا الجامع ولا الفارق, كما سمعت من قياس الرسل على غيرهم, وهكذا أتباعهم اليوم ومن هو على شاكلتهم.

стр. 64

السادسة عشرة: الغلو في الصالحين من العلماء والأولياء, كقوله تعالى في سورة "التوبة": ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١. فاتخاذ أحبار الناس أربابا يحللون ويحرمون, ويتصرفون في الكون, وينادون في دفع ضر أو جلب نفع من جاهلية الكتابيين, ثم سرى إلى غيرهم من جاهلية العرب, ولهم اليوم بقايا في مشارق الأرض ومغاربها, تصديقا لقول النبي ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم ... " الحديث٢, حتى نرى غالب الناس اليوم معرضين عن الله, وعن دينه

стр. 65

الذي ارتضاه, متوغلين في البدع, تائهين في أودية الضلال, معادين للكتاب والسنة ومن قام بهما, فأصبح الدين منهم في أنين, والإسلام في بلاء مبين, وحسبنا الله, ونعم الوكيل.

стр. 66

السابعة عشرة: قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ. وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١. وفي سورة النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٢. الغلف: جمع أغلف, كأحمر وحُمر, وهو الذي لا يقفه, وأصله ذو القلفة: الذي لبا يُختن, أو جمع غلاف, ويجمع على غُلُف بضمتين أيضا. أرادوا على الأول: قلوبنا مغشاة بأغشية خَلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها. وهكذا قولهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ ٣ , قصدوا به إقناط النبي ﷺ عن الإجابة, وقطع طمعه عنهم بالكلية.

стр. 67

ومنهم من قال: معنى غلف: مغشاة بعلوم من التوراة تحفظها أن يصل إليها ما تأتي به: أو بسلامة من الفطرة كذلك. وعلى الثاني أنها أوعية العلم, فلو كان ما تقوله حقا وصدقا لوعته. قال ابن عباس١ وقتادة والسدي٢: أو مملوءة علما, فلا تسع بعد شيئا, فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره. ومنهم٣ من قال: أرادوا أنها أوعية العلم, فكيف يحل لنا اتباع الأمي, ولا يخفى بعده٤. وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ. وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ. قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ٥. وهذه الىية بمعنى الأولى, وقد كذبهم الله تعالى في دعواهم هذه في آيات كثيرة, وذكر أن السبب في عدم الفهم إنما هو

стр. 68

الطبع على القلوب بكفرهم, لا القصور في البيان والتفهيم. وما أحسن قول القائل: والنجم تستصغر الأبصار صورته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر

стр. 69

الثامنة عشرة: من خصال الجاهلية أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. ومعنى: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ , أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أُنزل في تقرير حكمها٠ ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل- وهو الظاهر فيه - إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم, وإما أنفسهم. ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم في المنزل من الأحكام. وذموا على هذه المقالة, من التعريض بشأن القرآن-ودسائس اليهود مشهورة- أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام, ونزلوه على الخاص, هو الإيمان بما أنول عليهم, كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه.

стр. 70

﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ , أي: هم مقارنون لحقيّته , أي: عالمون بها. ﴿مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا, فالتصديق لازم لا ينتقل, وقد قررت مضمون الخبر , لأنها كالاستدلال عليه, ولهذا تضمنت رد قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ حيث إن من لم يصدق بما وافق التوراة, لم يصدق بها. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أمر للنبي ﷺ أن يقول ذلك تبكيتا لهم, حيث قتلوا الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة, وهي لا تسوغه.

стр. 71

التاسعة عشرة: من خصالهم: الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر: كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ١ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. والكلام على هذه الآية في التفاسير المشهورة. وهذه الخصلة الجاهلية موجودة اليوم في كثير من الناس, لا سيما من انتسب إلى الصالحين وهم عنهم بمراحل, فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات وضرب السلاح والدخول في النيران, وغير ذلك

стр. 72

مما وردت الشريعة بإبطاله, فأعرضوا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم, واتبعوا ما ألقاه إليهم شيطاينهم, وادعوا أن ذلك من الكرامات, مع أن الكرامة لا تصدر من فاسق, ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقهم ظاهر للعيان, ولذا اتخذوا دينهم لعبا ولهوا, وفي مثلهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .

стр. 73

العشرون: تناقضهم في الانتساب, فينتسبون إلى إبراهيم ﵇ وإلى الإسلام, مع إظهارهم ترك ذلك, والانتساب إلى غيره.

стр. 74

الحادية والعشرون: تحريف كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. ولكم في هذا العصر من هو على شاكلتهم, تراه يصرف النصوص ويؤولها إلى ما يشتهيه من الأهواء.

стр. 75

الثانية والعشرون: تحريف العلماء لكتب الدين. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ . ومن نظر إلى قضاة هذا الزمان وما تلاعبوا به من الأحكام, وصرف النصوص إلى ما تهواه أنفسهم, وتبديل الحق وإبطاله, بما ينالونه من الرشا وغير ذلك مما هم عليه اليوم, تبين له من ذلك بحر لا ساحل له. وهكذا بعض المبتدعة وغلاة القبور, وقد بُيّن خالهم في غير هذا الموضع.
следующие страницы →