← Фикх общий

Фикх общий · id 854

أحكام الجنائز

ناصر الدين الألباني

Полный текст (274 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنو ربنا إنك رؤوف رحيم). [سورة الحشر ١٠]. وأما الأحاديث فهي كثيرة جدا، وقد سبق بعضها، ويأتي بعضها في زيارة القبور، ودعاء النبي ﷺ لهم، وأمره بذلك. ومنها قوله ﷺ : (دعوة المرء المسلم لاخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لاخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل). أخرجه مسلم (٨/ ٨٦، ٨٧) والسياق له، وأبو داود (١/ ٢٤٠) وأحمد (٦/ ٤٥٢) من حديث أبي الدرداء. بل، إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك، لان غالبها دعاء للميت. واستغفار له، كما تقدم بيانه. ثانيا: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه، وفيه أحاديث: الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه). أخرجه البخاري (٤/ ١٥٦) ومسلم (٣/ ١٥٥) وأبو داود (١/ ٣٧٦)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٧٩) والطحاوي في مشكل الاثار (٣/ ١٤٠، ١٤١) وأحمد (٦/ ٦٩). الثاني: عن ابن عباس ﵁: (أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرا، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها [إما أختها أو ابنتها] إلى النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى]، [ف] اقض [عن أمك]). أخرجه أبو داود (٢/ ٨١) والنسائي (٢/ ١٤٣) والطحاوي (٣/ ١٤٠) والبيهقي (٤/ ٢٥٥، ٢٥٦، ١٠/ ٨٥) والطيالسي (٢٦٣٠) وأحمد (١٨٦١، ١٩٧٠، ٣١٣٧، ٣٢٢٤، ٣٤٢٠) والسياق مع الزيادة الثانية له، وإسناده [صحيح على شرط الشيخين، والزيادة الأولى لابي داود والبيهقي.

стр. 177

وأخرجه البخاري (٤/ ١٥٨ - ١٥٩) ومسلم (٣/ ١٥٦) والترمذي (٢/ ٤٢ - ٤٣) وصححه، وابن ماجه (١/ ٥٣٥) بنحوه، وفيه عندهم جميعا الزيادة الثانية، وعند مسلم الأخيرة. الثالث: عنه أيضا. (أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: اقضه عنها). أخرجه البخاري (٥/ ٤٠٠، ٤٩٤) ومسلم (٦/ ٧٦) وأبو داود (٢/ ٨١) والنسائي (٢/ ١٣٠، ١٤٤) والترمذي (٢/ ٣٧٥) وصححه البيهقي (٤/ ٢٥٦، ٦/ ٢٧٨، ١٠/ ٨٥) والطيالسي (٢٧١٧) وأحمد (١٨٩٣، ٣٠٤٩، ٦/ ٤٧) (١).

стр. 178

ثالثا: قضاء الدين عنه من أي شخص وليا كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة سبق ذكر الكثير منها في المسألة (١٧). رابعا: ما يفعله الولد الصالح من الاعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شئ، لان الولد من سعيهما وكسبهما، والله يقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقال رسول الله ﷺ : (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه). أخرجه أبو داود (٢/ ١٠٨) والنسائي (٢/ ٢١١) والترمذي (٢/ ٢٨٧) وحسنه، والدارمي (٢/ ٢٤٧) وابن ماجه (٢/ ٢ - ٤٣٠) والحاكم (٢/ ٤٦) والطيالسي (١٥٨٠) وأحمد (٦/ ٤١، ١٢٦، ١٢٧، ١٦٢، ١٧٣، ١٩٣، ٢٠١، ٢٠٢، ٢٢٠) وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي، وهو خطأ من وجوه لا يتسع المجال لبيانها. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو. رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد (٢/ ١٧٩، ٢٠٤، ٢١٤) بسند حسن. ويؤيد ما دلت عليه الاية والحديث، أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه:

стр. 179

الأول: عن عائشة ﵂. (أن رجلا قال: إن أمي افتُلتت (٩) نفسها [ولم توص]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها [ولي أجر]؟ قال: نعم، [فتصدق عنها]). أخرجه البخاري (٣/ ١٩٨، ٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠) ومسلم (٣/ ٨١، ٥/ ٧٣) ومالك في (الموطأ) (٢/ ٢٢٨) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٢٩) وابن ماجه (٢/ ١٦٠) والبيهقي (٤/ ٦٢، ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨) وأحمد (٦/ ٥١). والسياق للبخاري في إحدى روايتيه، والزيادة الاخيرة له في الرواية الاخرى، وابن ماجه، وله الزيادة الثانية، ولمسلم الأولى. الثاني: عن ابن عباس ﵁. (أن سعد بن عبادة - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشئ عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائط المخراف (٢) صدقة عليها). أخرجه البخاري (٥/ ٢٩٧، ٣٠١، ٣٠٧) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٣٠) والترمذي (٢/ ٢٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد (٣٠٨٠ - ٣٥٠٤ - ٣٥٠٨) والسياق له الثالث: عن أبي هريرة ﵁: (أنه رجلا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالا ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم). أخرجه مسلم (٥/ ٧٣) والنسائي (٢/ ١٢٩) وابن ماجه (٢/ ١٦٠) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد (٢/ ٣٧١). الرابع: عن عبد الله بن عمرو: (أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين

стр. 180

رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاما أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : (إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو ححجتم عنه بلغه ذلك، (وفي رواية): فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك). (١) (أخرجه أبو داود في آخر (الوصايا) (٢/ ١٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٩) والسياق له، وأحمد (رقم ٦٧٠٤) والرواية الاخرى له، وإسنادهم حسن.

стр. 181

خامسا: ما خلفه من يعده من آثار صالحة وصدقات جارية، لقوله ﵎: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، وفيه أحاديث:

стр. 182

الأول: عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 183

(إذا مات الانسان انقطع عنه عمله (١) إلا من ثلاثة [أشياء]، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح (٢) يدعو له). أخرجه مسلم (٥/ ٧٣) والسياق له والبخاري في (الادب المفرد) (ص ٨) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٢٩) والطحاوي في (المشكل) (١/ ٨٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد (٢/ ٣٧٢)، والزيادة لابي داود والبيهقي. الثاني: عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده). أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٦) وابن حبان في (صحيحه) (رقم ٨٤، ٨٥) والطبراني في (المعجم الصغير) (ص ٧٩) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم) (١/ ١٥) وإسناده صحيح كما قال المنذري في (الترغيب) (١/ ٥٨). الثالث: عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره. وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته).

стр. 184

أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٦) بإسناد حسن، ورواه ابن خزيمة في (صحيحه) أيضا والبيهقي كما قال المنذري. الرابع: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، [وليس عليهم أزر ولا شئ غيرها] عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر (وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد) وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وصلى [الظهر، ثم صعد منبرا صغيرا]، ثم خطب [فحمد الله وأثنى عليه] فقال: [أما بعد فإن الله أنزل في كتابه]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، والآية التي في (الحشر): ﴿[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] [﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ١٩، ٢٠]. تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة]، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، [من شعيره]، من صاع تمره، حتى قال: [ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة]، ولو بشق تمرة، [فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب]، قال: فجاء رجل من الانصار بصرة [من ورق (وفي رواية: من ذهب)] كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت [فناولها رسول الله ﷺ وهو على منبره] [فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله]، [فقبضها رسول الله ﷺ ]، [قام أبو بكر فأعطى، ثم قام عمر فأعطى، ثم قام المهاجرون والانصار فأعطوا]، ثم تتابع الناس [في الصدقات]، [فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي] حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ : من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها، و [مثل] أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن سنة في الاسلام سيئة كان عليه وزرها.

стр. 185

و [مثل] وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ، [ثم تلى هذه الاية: (ونكتب ما قدموا وآثارهم)]، [قال: فقسمه بينهم]). أخرجه مسلم (٣/ ٨٨، ٨٩، ٨/ ٦١، ٦٢) والنسائي (١/ ٣٥٥، ٣٥٦) والدارمي (١/ ١٢٦، ١٢٧) والطحاوي. في (المشكل) (١/ ٩٣، ٩٧) والبيهقي (٤/ ١٧٥، ١٧٦) والطيالسي (٦٧٠) وأحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢) وابن أبي حاتم أيضا في (تفسيره)، كما في ابن كثير (٣/ ٥٦٥) والزيادة التي قبل الاخيرة له، وإسنادها صحيح، وللترمذي (٣/ ٣٧٧) وصححه وابن ماجه (١/ ٩٠) الجملتان اللتان قبل الزيادة المشار إليها مع الزيادتين فيهما. وأما الزيادة الأولى فهي للبيهقي، وما بعدها إلى الرابعة له ولمسلم، والخامسه حتى الثامنة للبيهقي، وعند الطيالسي الخامسة، والتاسعة للدارمي وأحمد، ولمسلم نحوها وكذا الطيالسي وأحمد أيضا، والعاشرة والثانية عشر والخامسة عشر والتاسعة عشر للبيهقي، والحادية عشر والسابعة عشر للطحاوي وأحمد، والرابعة عشر للطيالسي، والسادسة عشر والسابعة عشر لمسلم والترمذي وأحمد وغيرهم. والرواية الثانية للنسائي والبيهقي: والثالثة للطحاوي وأحمد زيارة القبور: ١١٨ - وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكر الاخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب سبجانه وتعالى كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى، أو تزكيته والقطع له بالجنة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث: الأول: عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، [فإنها تذكركم الاخرة]، [ولتزدكم زيارتها خيرا]، [فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا]) (١) أخرجه مسلم (٥٣/ ٦، ٦/ ٨٢) وأبو داود (٢/ ٧٢، ١٣١) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٧٧) والنسائي (١/ ٢٨٥، ٢٨٦، ٢/ ٣٢٩، ٣٣٠) وأحمد (٥/ ٣٥٠، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٦١)

стр. 186

والزيادة الأولى والثانية له، ولابي داود الأولى بنحوها وللنسائي الثانية والثالثة. قال النووي ﵀ في (المجموع) (٥/ ٣١٠): والهجر: الكلام الباطل، وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الاسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة، واحتاط ﷺ بقوله: (ولا تقولوا هجرا). قلت: ولا يخفي أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسوال الله بحقه. لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك، ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها. وقد قال الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ١٦٢) عقب أحاديث في الزيارة والحكمة منها: (الكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمه فيها، وأنها للاعتبار - ... ، فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعا). الثاني: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة. [ولا تقولوا ما يسخط الرب]). أخرجه أحمد (٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦) والحاكم (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) وعنه البيهقي (٤/ ٧٧) ثم قال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ورواه البزار أيضا والزيادة له كما في (مجمع الهيثمي) (٣/ ٥٨) وقال: (وإسناده رجاله رجال الصحيح). قلت: وهي عند أحمد بنحوها من طريق أخرى، وإسنادها لا بأس به في المتابعات، ولها شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ البزار. أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) (ص ١٨٣) ورجاله موثقون. الثالث: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 187

(كنت نهتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الاخرة، ولا تقولوا هجرا). أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) بسند حسن، ثم رواه (١/ ٣٧٥، ٣٧٦) وأحمد (٣/ ٢٣٧ ٢٥٠) من طريق أخرى عنه بنحوه، وفيه ضعف. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وسيأتي. ١١٩ - والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور، لوجوه: الأول: عموم قوله ﷺ ( .. فزوروا القبور) فيدخل فيه النساء. وبيانه: أن النبي ﷺ لما نهى عن زيارة القبور في أول الامر. فلا شك أن النهي كان شاملا للرجال والنساء معا، فلما قال (كنت نهيتكم عن زيارة القبور) كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الامر من نهي الجنسين، فإذا كان الامر كذلك، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: (فزوروها) إنما أراد به الجنسين أيضا. ويؤيده أن الخطاب في بقية الافعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفا: (ونهيتكم عن لحوم الاضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الاسقية كلها ولا تشربوا مسكرا)، أقول: فالخطاب في جميع هذه الافعال موجه إلى الجنسين قطعا، كما هو الشأن في الخطاب الأول: (كنت: نهيتكم)، فإذا قيل بأن الخطاب في قوله (فزوروها) خاص بالرجال، اختل نظام الكلام وذهبت طراوته، الامر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد، ﷺ ، ويزيده تأييدا الوجوه الاتية: الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: (فإنها ترق القلب وتدمع العين) وتذكر الاخرة). الثالث: أن النبي ﷺ قد رخص لهن في زيارة القبور، في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂:

стр. 188

١ - عن عبد الله بن أبي مليكة: (أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمر بزيارتها). وفي رواية عنها (أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور). أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٨) من طريق بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة، والرواية الاخرى لابن ماجه (١/ ٤٧٥) قلت: سكت عنه الحاكم، وقال الذهبي (صحيح)، وقال البوصيري في (الزوائد) (٩٨٨/ ١): (إسناده صحيح رجاله ثقات). وهو كما قالا. وقال الحافظ العراقي في (تخريج الاحياء) (٤/ ٤١٨): (رواه ابن أبي الدنيا في (القبور) والحاكم بإسناد جيد) (١) ٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى: قالت:

стр. 189

(لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب [رويدا]، فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت: وتقنعت إزاري (١)، ثم انطلقت على اثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت. فهرول فهرولت. فأحضر فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضجعت، فدخل فقال، مالك يا عائش (٢) حشيا (٣) رابية؟ قالت: قلت: لا شئ [يا رسول الله]، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته [الخبر]، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة (٤) أوجعتي، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله!؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، [قال]: نعم قال فان جبريل أتاني حين رأيت فناداني - فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أو فظك، وخشيت أن تستوحشي - فقان: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم،

стр. 190

قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون). أخرجه مسلم (٣/ ١٤) والسياق له والنسائي (١/ ٢٨٦ /، ٢/ ١٦٠، ١٦٠ - ١٦١) وأحمد (٦/ ٢٢١) والزيادات له إلا الأولى والثالثة فإنها للنسائي (١)

стр. 191

الرابع: إقرار النبي ﷺ المرأة التي رآها عند القبر في حديث أنس ﵁: (مر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري .. ) رواه البخاري وغيره، وقد مضى بتمامه في المسألة (١٩) (ص ٢٢)، وترجم له (باب زيارة القبور)، قال الحافظ في (الفتح): (وموضع الدلالة منه أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة). وقال العيني في (العمدة) (٣/ ٧٦): (وفيه جواز زيارة القبور مطلقا، سواء كان الزائر رجلا أو امرأة: وسواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الفصل في ذلك). وذكر نحوه الحافظ أيضا في آخر كلامه على الحديث فقال عقب قوله (لعدم الاستفصال في ذلك): (قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط (١). انتهى). وما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث، ولكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي، وهذا هو الظاهر، إذا تذكرنا ما أسلفناه من بيان أن النهي كان في مكة، وأن القصة رواها أنس وهو مدني جاءت به أمه أم سليم إلى النبي ﷺ حين قدم المدينة، وأنس ابن عشر سنين، فتكون القصة مدنية، فثبت أنها بعد النهي، فتم الاستدلال بها على الجواز، وأما قول ابن القيم في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٥٠):

стр. 192

(وتقوى الله، فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن الزيارة). فصحيح لو كان عند المرأة علم بنهي النساء عن الزيارة وأنه استمر ولم ينسخ، فحينئذ يثبت قوله: (ومن جملتها النهي عن الزيارة) أما وهذا غير معروف لدينا فهو استدلال غير صحيح، ويؤيده أنه لو كان النهي لا يزال مستمرا لنهاها رسول الله ﷺ عن الزيارة صراحة وبين ذلك لها، ولم يكتف بأمرها بتقوى الله بصورة عامة، وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى. ١٢٠ - لكن لا يجوز لهن الاكثار من زيارة القبور والتردد عليها، لان ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض، البلاد الاسلامية، وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور: (لعن رسول الله ﷺ (وفي لفظ: لعن الله) زوارات القبور). وقد روي عن جماعة من الصحابة: أبو هريرة، حسان بن ثابت، وعبد الله ابن عباس. ١ - أما حديث أبي هريرة، فهو من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عنه. أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦ - تحفة) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) وابن حبان (٧٨٩) والبيهقي (٤/ ٧٨) والطيالسي (١/ ١٧١ - ترتيبه) وأحمد (٢/ ٣٣٧)، واللفظ الاخر للطيالسي والبيهقي، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح، وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي في زيارة القبور. فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور في النساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن). قلت: ورجال إسناد الحديث ثقات كلهم، غير أن في عمر بن أبي سلمة كلاما لعل حديثه لا ينزل به عن مرتبة الحسن، لكن حديثه هذا صحيح لما له من الشواهد الاتية. ٢ - وأما حديث حسان بن ثابت، فهو من طريق عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن ثابث عن أبيه به.

стр. 193

أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤١) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) والحاكم (١/ ٣٧٤) والبيهقي وأحمد (٢/ ٢٤٣) وقال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٨/ ٢): (إسناده صحيح، رجاله ثقات). كذا قال، وابن بهمان هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وهما معروفان بالتساهل في التوثيق، وقال ابن المديني فيه: (لا نعرفه)، ولذا قال الحافظ في (التقريب): (مقبول) يعني عند المتابعة، ولم أجد له متابعا، لكن الشاهد الذي قبله وبعده في حكم المتابعة، فالحديث مقبول. ٣ - وأما حديث ابن عباس، فهو من طريق أبي صالح عنه باللفظ الأول إلا أنه قال: (زائرات القبور) وفي رواية (زوارات). أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٠) وأصحاب السنن الاربعة وابن حبان (٧٨٨) والحاكم والبيهقي والطيالسي والرواية الاخرى لهما، وأحمد (رقم ٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٦، ٣١١٨) وقال الترمذي: (حديث حسن، وأبو صالح هذا مولى أم هاني بنت أبي طالب واسمه باذان، ويقال: باذام). قلت: وهو ضعيف بل اتهمه بعضهم، وقد أوردت حديثه في (سلسلة الاحاديث الضعيفة) لزيادة تفرد بها فيه، وذكرت بعض أقوال الائمة في حاله فيراجع (٢٢٣). فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ (زوارات) لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه وكذا حديث ابن عباس في رواية الاكثرين، على ما فيه من ضعف فهي إن لم تصلح للشهادة فلا تضر، كما لا يضر في الاتفاق المذكور الرواية الاخرى من حديث ابن عباس كما هو ظاهر، وإذا كان الامر كذلك فهذا اللفظ (زوارات) إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة. بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، فلا يجوز حينئذ أن يعارض بهذا الحديث ما سبق من الاحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء، لانه خاص وتلك عامة. فيعمل بكل منهما في محله، فهذا الجمع أولى من دعوى النسخ، وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء، فقال القرطبي:

стр. 194

(اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج. وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لهن، لان تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء). قال الشوكاني في (نيل الاوطار) (٤/ ٩٥): (وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر) (١). ١٢١ - ويجوز زيارة قبر من مات على غير الاسلام للعبرة فقط. وفيه حديثان: الأول: عن أبي هريرة قال: (زار النبي ﷺ قبر أمه. فبكى: وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت).

стр. 195

أخرجه مسلم (٣/ ٦٥) وأبو داود (٢/ ٧٢) والنسائي (١/ ٢٨٦) وابن ماجه (١/ ٤٧٦) (١/ ٤٧٦) والطحاوي (٣/ ١٨٩) والحاكم (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٦) وأحمد (٢/ ٤٤١). الثاني: عن بريدة ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ [في سفر، وفي رواية: في غزوة الفتح] فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقداه بالاب والام، يقول: يا رسول لله مالك؟ قال: إني سألت ربي في الاستغفار لامي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، [واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي]، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا). أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٥، ٣٥٧، ٣٥٩) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٩) والرواية الاخرى لهما وإسنادها عند ابن أبي شيبة صحيح، والحاكم (١/ ٣٧٦) وكذا ابن حبان (٧٩١) والبيهقي (٤/ ٧٦) والزيادة الأولى لها: والرواية الاخرى فيها لمن سبق ذكره، والزيادة الاخرى للحاكم وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا: ورواه الترمذي مختصرا وصححه، وروى مسلم وغيره منه الاذن بالزيارة فقط كما تقدم في المسألة (١١٨ ص ١٧٨) الحديث الأول. (١) والمقصود من زيارة القبور شيئان: ١ - انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى، وأن مآلهم إما إلى جنة وإما إلى نار وهو الغرض الأول من الزيارة، كما يدل عليه ما سبق من الاحاديث.

стр. 196

٢ - نفع الميت والاحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء والاستغفار له، وهذا خاص بالمسلم، وفيه أحاديث: الأول: عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يخرج إلى البقيع، فيدعو لهم، فسألته عائشة عن ذلك؟ فقال: إني أمرت أن أدعو لهم). أخرجه أحمد (٦/ ٢٥٢) بسند صحيح على شرط الشخين. ومعناه عند مسلم وغيره من طريق أخرى مطولا، وقد مضى بتمامه في المسألة (١١٩). الثاني: عنها أيضا قالت: (كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم [أهل] دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدن غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد). أخرجه مسلم (٣/ ٦٣) والنسائي (١/ ٢٨٧) وابن السني (٥٨٥) والبيهقي (٤/ ٧٩) وأحمد (٦/ ١٨٠) وليس عنده الدعاء بالمغفرة (والزيادة له ولابن السني. الثالث: عنها أيضا في حديثها الطويل المشار إليه قريبا قالت: (كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون). أخرجه مسلم وغبره. الرابع: عن بريدة قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول:

стр. 197

السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون، [أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع]، أسأل الله لنا ولكم العافية). أخرجه مسلم (٣/ ٦٥) والنسائي وابن ماجه (١/ ٤٦٩)، وكذا ابن أبي شيبة) (٤/ ١٣٨) وابن السني في (٥٨٢) والبيهقي وأحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٩، ٣٦٠)، والزيادتان لهم جميعا حاشا ابن ماجه ومسلما. والزيادة الثانية، أخرجها ابن أبي شيج من حديث علي وإسناده صحيح، ومن حديث سلمان (وإسناده حسن) وكلاهما موقوف عليهما. الخامس: عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ أنى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله. قال [بل] أنتم أصحابي، وأخواننا الذين يأتون بعد، [وأنا فرطهم على الحوض]، فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله: فقال أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر (١) محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم (٢) ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: فأنهم يأتون [يوم القيامة] غرا محجلين من الوضوء. [يقولها ثلاثا]، وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال [منكم] عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم [ألا هلم].فيقال: إنهم قد بذلوا بعدك، [ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم]، فأقول: [ألا]، سحقا سحقا). اخرجه مسلم (١/ ١٥٠ - ١٥١) ومالك (١/ ٤٩ - ٥٠) والنسائي (١/ ٣٥) وابن ماجه (٢/ ٥٨٠) والبيهقي (٤/ ٧٨) وأحمد (٢/ ٣٠٠، ٤٠٨) والزيادات كلها له إلا الاخيرتين فإنها لابن ماجه، ولمالك الثلاثة الأولى مع السادسة، وللنسائي الأولى والثالثة.

стр. 198

وفي الباب عن بشير بن الخصاصية، وقد ذكرت لفظه في التعليق على المسألة (٨٨)، (ص ١٣٥) وعن ابن عباس، وفيه ضعف كما يأتي التنبيه عليه في خاتمة المسألة الاتية بعد مسألة، وعن عمر وغيره، وفيها ضعف كما بينه الحافظ الهيثمي في (المجمع) (٣/ ٦٠). ١٢٢ - وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الاحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة ﵂ وهي من أحب الناس إليه ﷺ عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء. ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الاصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه ﷺ علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع. ومما يقوي عدم المشروعية قوله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) أخرجه مسلم (٢/ ١٨٨) والترمذي (٤/ ٤٢) وصححه وأحمد (٢/ ٢٨٤، ٣٣٧، ٣٧٨، ٣٨٨) من حديث أبي هريرة. وله شاهد من حديث الصلصال بن الدلهمس. رواه البيهقي في (الشعب) كما في (الجامع الصغير). فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهي عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الاخر إلى أنها ليست موضعا لصلاة أيضا، وهو قوله: (صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا). أخرجه مسلم (٢/ ١٨٧) وغيره عن ابن عمر، وهو - عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: ب (باب كراهية الصلاة في المقابر) فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة

стр. 199

الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق (١). ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم (٢) كراهة للقراءة عند القبور، وهو قول الامام أحمد فقال أبو داود في مسائله (ص ١٥٨):

стр. 200

(سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا). ١٢٣ - ويجوز رفع اليد في الدعاء لهما، لحديث عائشة ﵂ قالت:

стр. 201

(خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب! قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه، ثم انصرف، فرجعت إلي بريرة، فأخبرتني، فلما أصبحت سألته، فقلت: يارسول الله أين خرجت الليلة؟ قال: بعثت إلى أهل البقيع لاصلي عليهم). أخرجه أحمد (٦/ ٩٢)، وهو في (الموطأ) (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠) وعنه النسائي (١/ ٢٨٧) بنحوه، لكن ليس فيه رفع اليدين، وإسناده حسن. وقد ثبت رفع اليدين في قصة أخرى لعائشة ﵂ تقدمت في المسألة (١١٩). ١٢٤ - ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة، لنهيه ﷺ عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي، والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها، وقد قال ﷺ : (الدعاء هو العبادة، ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم). أخرجه ابن المبارك في (الزهد) (١٠/ ١٥١) والبخاري في (الادب المفرد) رقم (٧١٤) وأبو داود ((١/ ٥٥١ - بشرح العون) والترمذي (٤/ ١٧٨، ٢٢٣) وابن ماجه (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وابن حبان (٢٣٩٦) والحاكم (١/ ٤٩١) وابن منده في (التوحيد) (ق ٦٩/ ١) وأحمد (٤/ ١٦٧، ٢٧١، ٢٧٦، ٢٧٧) وقال الحاكم: (صحيح الاسناد) ووافقه الذي وهو كما قالا، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). ورواه أبو يعلى من حديث البراءة بن عازب كما في (الجامع الصغير). وفي الباب عن أنس بن مالك مرفوعا بلفظ: (الدعاء مخ العبادة). أخرجه الترمذي (٢٢٣٤) وقال: (حديث غرب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة). قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، فيستشهد به إلا ما كان من رواية أحد العبادلة

стр. 202

عنه فيحتج به حينئذ، وليس هذا منها، لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان. قال الطيبي في شرحه: (أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام [هو العبادة] ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال غيره: المعنى هو من اعظم العبادة فهو كخبر (الحج عرفة) أي ركنه الاكبر، وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله، معرضا عما سواه، لانه مأمور به، وفعل المأمور عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي ويظهر ذلته ومسكنته وافتفاره، إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة). ذكره المناوي في (الفيض). قلت: فإذا كان الدعاء من أعظم العبادة فكيف يتوجه به إلى غير الجهة التي أمر باستقبالها في الصلاة، ولذلك كان من المقرر عند العلماء المحققين أنه (لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة). قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم) (ص ١٧٥): (وهذا أصل مستمر أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء. ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين، وشر واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله. وقبر رسول الله ﷺ ! وكل هذه الاشياء من البدع التي تضارع دين النصارى). وذكر قبل ذلك بسطور عن الامام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي ﷺ بعد السلام عليه. وهو مذهب الشافعية أيضا، فقال النووي في (المجموع) (٥/ ٣١١): وقال الامام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني - وكان من الفقهاء المحققين - في كتابه في (الجنائز): (ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله). قال: (وعلى هذا مضت السنة). قال: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الان من المبتدعات المنكرة

стр. 203

شرعا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله) قال: (فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة). وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، فقال شيخ الاسلام في (القاعدة الجليلة، في التوسل والوسيلة) (ص ١٢٥): (ومذهب الائمة الاربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الاسلام أن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، تم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام. وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة). وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه ﷺ ويستدبر القبلة (١)، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الاسلام في (الجواب الباهر) (ص ١٤) بعد أن ذكر هذا المعنى: وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الاكثرين أرجح، وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح) قلت: لقد ترك الشيخ ﵀ المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة،

стр. 204

لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الاكثرين يقولون باستقبال وجهه ﷺ أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة. الامر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل. لاثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحدا من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول ﷺ أو في القبور عامة. نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال: (مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الاثر). أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦) والضياء في (المختارة) (٥٨/ ١٩٢ / ١) من طريق الطبراني وقال الترمذي: (حسن غريب). قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: (ليس بالقوي). وقال ابن حبان: (ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له). قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الاحاديث الصحيحة وقد مضى قريبا ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: (فأقبل عليهم بوجهه) منكر لتفرد هذا الضيف به. إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في (مرقاة المفاتيح) (٢/ ٤٠٧): (فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء). قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله ﷺ بوجهه على القبور، وأما الاقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر

стр. 205

غير هذا، وهو مما لا أعرفه. فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلا واضحا على أن المار بالقبور يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلا. ولا ينافي ما تقدم عن الامام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكا لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، لانها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل في إسحاق القاضي وغيره. ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لانفسهم فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه فمن البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال (لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها) (١) ١٢٥ - وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار، كذلك أمر رسول الله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: في النار، فكأن الاعرابي وجد من ذلك، فقال: يارسول الله! فأين أبوك؟ قال: (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار). قال: فأسلم الاعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار). أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١/ ١٩١ / ١) وابن السني في (عمل اليوم والليلة)

стр. 206

رقم (٥٨٨) والضياء المقدسي في (الاحاديث المختارة) (٣٣٣١) بسند صحيح، وقال الهيثمي (١/ ١١٧ - ١١٨): (رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح). وقد أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧) من هذا الوجه لكنه جعله من مسند عبد الله ابن عمر، وقال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٨/ ٢): (إسناده صحيح، رجاله ثقات). قلت: لكنه شاذ، والمحفوظ أنه من مسند سعد كما بينته في (سلسلة الاحاديث الصحيحة) (١٨). وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: (إذا مررتم بقبورنا وقبوركم من أهل الجاهلية، فأخبروهم أنهم من أهل النار). رواه ابن السني في (اليوم والليلة) (رقم ٥٨٧) بسند فيه يحيى بن يمان وهو سيئ الحفظ عن محمد بن عمر، ولم أعرفه عن أبي سلمة عنه. لكن الظاهر انه (ابن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ثم واو بعد الراء، سقط من الطابع حرف الواو. وهو حسن الحديث. وما ذكرنا في هذه المسألة هو مذهب الحنابلة كما في (كشاف القناع) (٢/ ١٣٤) وغيره من كتبهم. ١٢٦ - ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه، لحديث بشيرين الحنظلية قال: (بينما أماشي رسول الله ﷺ ... أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك، فنظر، فلما عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه، فرمى بهما) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وقد مضى بتمامه في المسألة (٨٨) (١)

стр. 207

١٢٧ - ولا يشرع وضع الاس ونحوها من الرياحين والورود على القبور، لانه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه " وقد قال ابن عمر ﵄: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة). (١) رواه ابن بطة في (الابانة عن أصول الديانة) (٢/ ١١٢ / ٢) واللالكائي في (السنة)

стр. 208

(١/ ٢١ / ١) موقوفا بإسناد صحيح، والهروي في (ذم الكلام) (٢/ ٣٦ / ١) مرفوعا،

стр. 209

وما أراه إلا وهما. وإنما يصح منه مرفوعا الشطر الأول منه وقد مضى حديث جابر.

стр. 210

ما يحرم عند القبور ١٢٨ - ويحرم عند القبور ما يأتي: ١ - الذبح لوجه الله، لقوله ﷺ : (لاعقر في الاسلام)، قال عبد الرزاق بن همام: (كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة). أخرجه (أبو داود (٢/ ٧١) وقول عبد الرزاق له، والبيهقي (٤/ ٥٧) وأحمد (٣/ ١٩٧) وإسناده صحيح على شرط الشيخين. (١)

стр. 211

٢ - رفعها زيادة على التراب الخارج منها. ٣ - طليها بالكلس ونحوه. ٤ - الكتابة عليها. ٥ - البناء عليها. ٦ - القعود عليها. وفي ذلك أحاديث: الأول: عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبى عليه، [أو يزاد عليه]، [أو يكتب عليه]). أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (٢/ ٧١) والنسائي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥، ٢٨٦) والترمذي (٢/ ١٥٥) وصححه، والحاكم (١/ ٣٧٠) والبيهقي (٤/ ٤) وأحمد (٣/ ٢٩٥ ٣٣٢، ٣٣٩، ٣٩٩). والزيادتان لابي داود والنسائي، وللبيهقي الأولى. والثانية عند الترمذي والحاكم وصحح إسنادها ووافقه الذهبي. وأعلها المنذري (٤/ ٣٤١) وغيره بالانقطاع بين سليمان بن موسى وجابر. لكن هذا بالنظر لطريق أبي داود وغيره، وإلا فقد أخرجها الحاكم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وهذا سند على شرط مسلم. وقد صرح ابن جريج عنده بسماعه من أبي الزبير وهذا من جابر، فزال بذلك شبهة تدليسهما، ومن هذا الوجه جاءت الأولى عند من ذكرنا، وقال النووي (٥/ ٢٩٦): (وإسنادها صحيح). ثم استدل بها على أنه يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه وقال: (قال الشافعي: فإن زاد فلا بأس، قال أصحابنا: معناه أنه ليس بمكروه). قلت: وهذا خلاف ظاهر النهي فإن الاصل فيه التحريم، فالحق ما قاله ابن حزم في (المحلى) (٥/ ٣٣): (ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شئ ويهدم كل ذلك).

стр. 212

وهو ظاهر قول الامام أحمد، فقال أبو داود في (المسائل) (ص ١٥٨): (سمعت أحمد قال: لا يزاد على القبر من تراب غيره، إلا أن يسوى بالارض فلا يعرف. فكأنه رخص إذ ذاك). لكن ذكر في (الانصاف) (٢/ ٥٤٨) عنه الكراهة فقط! وقال الامام محمد في (الاثار) (ص ٤٥): (أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كان يقال: ارفعوا القبر حتى يعرف أنه قبر فلا يوطأ. قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجدا أو علما، أو يكتب عليه، ويكره الآجر أن يبنى به، أو يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأسا، وهو قول أبي حنيفة). قلت: ويدل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر، بقدر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر، فهو موافق للنص المتقدم في المسألة (١٠٧) وأما التجصيص فهو من (الجص) وهو الكلس. والمراد الطلي به قال في (القاموس): (وجصص الاناء ملاه، والبناء طلاه بالجص). ولعل النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع زينة كما قال بعض المتقدمين. وعليه فما حكم تطيين القبر؟ للعلماء فيه قولان: الأول: الكراهة، نص عليه الامام محمد فيما نقلته آنفا عنه، والكراهة عنده للتحريم إذا أطلقت. وبالكراهة قال أبو حفص من الحنابلة كما في (الانصاف) (٢/ ٥٤٩) والاخر: أنه لا بأس به. حكاه أبو داود (١٥٨) عن الامام أحمد. وجزم به في (الانصاف). وحكاه الترمذي (٢/ ١٥٥) عن الامام الشافعي، قال النووي عقبه: (ولم يتعرض جمهمور الاصحاب له، فالصحيح أنه لاكراهة فيه كما نص عليه، ولم يرد فيه نهي). قلت: ولعل الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إن كان المقصود من التطين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعا قدر ما سمح به الشرع، وأن لا تنسفة الرياح ولا تبعثره الامطار، فهو جائز بدون شك لانه يحقق غاية مشروعة. ولعل هذا هو وجه من قال من الحنابلة

стр. 213

أنه يستحب. وإن كان المقصود الزينة ونحوها مما لا فائدة فيه فلا يجوز لانه محدث. وأما الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الامام محمد، وصرح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط! وقال النووي (٥/ ٢٩٨): (قال أصحابنا: وسواء كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه كما جرت عادة بعض الناس، أم في غيره، فكله مكروه لعموم الحديث). واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرف قياسا على وضع النبي ﷺ الحجر على قبر عثمان بن مظعون كما تقدم في المسألة المشار إليها آنفا (ص ١٥٥). قال الشوكاني: (وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في (ضوء النهار)، ولكن الشأن في صحة هذا القياس). والذي أراه - والله أعلم - أن القول بصحة هذا القياس على اطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إذا كان الحجر لا يحقق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله ﷺ الحجر، ألا وهي التعرف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلا وكثرة الاحجار المعرفة! فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة. والله أعلم. وأما قول الحاكم عقب الحديث: (ليس العمل عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف). فقد رده الذهبي بقوله: (ما قلت طائلا، ولا نعلم صحابيا فعل ذلك، وإنما هو شئ أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم - ولم يبلغهم النهي). الثاني: عن أبي سعيد وهو الخدري (أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر).

стр. 214

أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٣ - ٣٧٤) بسند رجاله جميعا رجال الصحيح، إلا أنه منقطع، فقد قال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٧/ ٢): (رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، القاسم برن مخيمرة لم يسمع من أبي سعيد) قلت: فقول السندي في حاشية ابن ماجه: (وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات)، وهم لا أدري ممن هو؟ ورواه أبو يعلى بلفظ: (نهى نبي الله ﷺ أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها) قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٣/ ٦١): (ورجاله ثقات). الثالث: عن أبي الهياج الاسدي قال: (قال لي علي بن أبي طالب: ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا [رواية: صورة] [في بيت] إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته). أخرجه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (٥١/ ٢٨) والترمذي (٢/ ١٥٣ - ١٥٤) حسنه، والحاكم (١/ ٣٦٩) والبيهقي (٤/ ٣) والطيالسي في (رقم ١٥٥) وأحمد (رقم ٧٤١، ١٠٦٤) من طريق أبي وائل عنه، والطبراني في (المعجم الصغير) (ص ٢٩) من طريق أبي إسحاق عنه. وله في مسند الطيالسي (رقم ٩٦) وأحمد (رقم ٦٥٧، ٦٥٨، ٦٨٣، ٦٨٩) طريقان آخر ان عن علي ﵁. (١)

стр. 215

الرابع: عن ثمامة بن شفي قال: (خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم، وكان عاملا لمعاوية على الدرب، (وفي رواية: غزونا أرض الروم، وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الانصاري)، فأصيب ابن عم لنا [ب] (رودس) (١) فصلى عليه فضالة، وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه، (وفي الرواية الاخرى: خففوا عنه) (٢) فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بتسوية القبور). أخرجه أحمد (٦/ ١٨) بالروايتين وإسناده حسن، وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٥ - ١٣٨) بالرواية الاخرى. ورواه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٨٥) والبيهقي (٤/ ٢ - ٣) من طريق أخرى عن ثمامة نحوه أخصر منه، وهو رواية لاحمد (٦/ ٢١) ولفظها عنده: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: سووا قبوركم بالارض).
следующие страницы →