← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 855

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - ابن باز

ابن باز

Полный текст (432 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقريظ الشيخ الدكتور علي بن عبد العزيز الشبل حفظه الله الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنَا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه، وبعد: فهذه دُرَّةٌ علميةٌ من درر شيخنا العلامة الفقيه/ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز (١٣٣٠ - ١٤٢٠ هـ)، وتحفةٌ من دروسه العلميةِ المباركة في شرح آخر كتاب من «صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري»، وهو كتاب التوحيد، فجاءت تعليقاته وتقريراته مطردةً مع منهجيةِ شيخنا في شروحه وتدريسه. والمؤمَّل جمع جميع تقريرات الشيخ ابن باز على «صحيح البخاري» في مجموعةٍ واحدةٍ. وقد بشرني الأخ الكريم الشيخ/ محمد بن أبكر بن عبد الرحيم القرعاني بسعيهم على ذلك؛ فشكرَ الله له جهده وعنايته وأثابه. وأجزلَ المثوبةَ لشيخنا ابن باز، وللإمام البخاري، وعلماء المسلمين خيرًا، ورفع درجاتهم، ورضي عنا وعنهم، وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى، ووالدينا، ومشايخنا والمسلمين؛ إنه سبحانه لطيفٌ لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم. وكتبه/ علي بن عبد العزيز بن علي الشبل الرياض ظهر ٢٠/ ٢/ ١٤٣٩ هـ

стр. 2

مقدمة مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فيطيب لـ «مؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية» أن تضع بين يدي القارئ الكريم هذا ا لشرح لسماحة شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ على كتاب التوحيد من كتاب «صحيح البخاري» للإمام الحافظ المحدث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀. وقد تولّى الاعتناء بهذا الجزء من الكتاب وإعداده للنشر أحد تلاميذ سماحته، والباحث المتعاون في المؤسسة الشيخ/ محمد بن أبكر بن عبد الرحيم القرعاني، وفقه اللَّه، حيث قام بتفريغ المادة الصوتية، ومطابقتها، وضبطها وفق القواعد العلمية المقررة في المؤسسة، إضافة إلى خدمات العزو، والتخريج الموجز، نسأل اللَّه تعالى أن ينفع بهذا العمل وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. وقد تفضل بمراجعة الكتاب فضيلة الشيخ الدكتور/ علي بن عبد العزيز الشبل، وفضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن وهف القحطاني، والشيخ/ فهد بن عثمان بن باز، وغيرهم من المشايخ، ضاعف الله لهم الأجر والمثوبة. نسأل الله أن يبارك في هذا العمل، ويجزل الأجر والمثوبة لكل من أسهم في إخراجه، وأن يجعل هذا الشرح من العلم النافع الذي

стр. 3

يجري أجره على سماحة والدنا الشيخ/ عبد العزيز بن باز ﵀ في قبره، وأن يجمعنا به والقارئ الكريم في الفردوس الأعلى مع الأحبة محمد ﷺ وصحبه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللَّه وسلم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية

стр. 4

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمةُ المعتني بالكتابِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا شرحُ كتاب التوحيد من «صحيح البخاري»، لسماحة شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. وكان ذلك دروسًا ألقاها سماحته ﵀ في جامع الإمام تركي بن عبد الله (الجامع الكبير)، في الرياض عام ١٤٠٩ هـ، في درس الفجر بقراءة الشيخين الجليلين عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، وعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم حفظهما الله. وهو شرحٌ نفيسٌ جدًّا، مُلِئ بالدرر والفوائد، والتقريرات العلميَّةِ الدَّقيقة لسماحته ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والرَّدِّ على المخالفين. ولقد أنعمَ المولى جلَّ وعلى عليَّ أن هيّأ لي شرف الاعتناء بهذا ا لشَّرحِ العظيم وإعداده بعد أخذ الإذن من مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية، جزى الله القائمين عليها الجزاء الأوفى.

стр. 5

وكنت ممن أنعم الله عليهم بالتتلمذ على سماحة الشيخ ﵀ منذ عام ١٤٠٥ هـ إلى وفاته ﵀. ولأهمية هذا الشَّرح، وحاجة الأمة إلى إخراجه مطبوعًا -ليعم النفع به، وتكمل الفائدة، ويسهل الرجوع إلى مسائله- قمتُ بتحويل مسموعه إلى مكتوبٍ من الأشرطة السمعية، ومقابلة المكتوب بالمسموع، وتخريج الأحاديث، فما كان من صوابٍ فمن الله وحده، وما كان من نقص أو خطإٍ فمنِّي ومن الشيطان وأستغفر الله منه، ورحم الله من وجد خللًا فنبّهني عليه على البريد الإلكتروني لإصلاحه. وجزى الله سماحة شيخنا الجزاء الأوفى على شرحه القيِّم لهذا الكتاب العظيم، ورحم الله الإمام محمد بن إسماعيل البخاري على تأليفه «صحيح البخاري»، وأسأل الله أن ينفع بهذا الشرح المبارك كما نفع بأصله، وأن يجعله من العلم النافع الذي يجري أجره لسماحة الشيخ في قبره، وأن يجعله في ميزان حسناته، وميزان حسنات من سجَّله وأخرجه ونشره، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه خير مسئولٍ، وأكرم مأمول. وفي ختامِ هذا التقديم أتقدمُ بالشُّكر الجزيل والعرفان الجميل لسماحة والدنا الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة، ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، لإشرافه المباشر على إخراج علم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.

стр. 6

والشُّكر موصولٌ لفضيلة الشيخ الدكتور/ علي بن عبد العزيز الشبل، ولفضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن وهف القحطاني، ولفضيلة الشيخ/ فهد بن عثمان بن باز. الذين بذلوا وسعهم وجهدهم في مراجعة هذا الكتاب، كما تفضل الدكتور/ الشبل بالتقديم له. ثم الشُّكر موصولٌ لمؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية، ممثلة في أمينها، ومديرها، وكافَّة العاملين في المؤسسة على إتاحتهم لي هذه الفرصة الثمينة لإخراج هذا الكتاب المفيد النافع. والشكر موصولٌ أيضًا لشيخنا الجليل/ عبد الله بن محمد المعتاز على اهتمامه بنشر علم سماحة الشيخ ابن باز ﵀، وتشجيعه على ذلك. والشُّكر موصولٌ لجميع المشايخ الذين ساهموا معي في مراجعة الكتاب وإبداء الملاحظات والاستدراكات، والذين بذلوا جهدهم في إخراج هذا الكتاب القيم. كما أشكرُ الأخت الكريمة نوال بنت عبد العزيز الجبرين - وفقها الله - وقد تبرعت بتكاليف طباعةِ الملازم وتجهيز الكتاب. وكما أشْكرُ كل من ساهم في طباعة الكتاب، وتمويله، وأن يجعلها في موازين حسناتهم يوم الدِّين. وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن ينفعني به في الحياة وبعد الممات؛ إنه جوادٌ كريمٌ مجيبُ الدعوات.

стр. 7

والحمدُ لله الذي بنعمتهِ تتم الصالحات. وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا. كتبه/ محمد بن أبكر بن عبد الرحيم القرعاني تلميذ سماحته، والباحث المتعاون في مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية الرياض ٢٥/ ٣/ ١٤٣٩ هـ جوال: ٠٥٤١٣١٠٦٤٦ البريد الإلكتروني:aboanass123456@hotmail.com

стр. 8

ترجمة الإمام البخاري ﵀ نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري. مولده: يوم الجمعة بعد الصلاة، لثلاث عشرة من شوال سنة ١٩٤ هـ ببخارى، مدينة معروفة في أزبكستان، فهو بخاريٌّ، فارسيُّ الأصل، أما تسميته بالجعفي فهي نسبة ولاء الإسلام؛ لأن جدَّه الأعلى المغيرة أسلم على يد اليمان الجعفي؛ فهو مولى له بولاء الإسلام. نشأته وطلبه العلم: رُبّي بالحلال الطيِّب، حيث قال أبوه إسماعيل المحدث، عند وفاته: «لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة». أول سماعه سنة ٢٠٥ هـ بداية من أهل بلده، وقد أُلهم حفظ الحديث منذ الصغر. أول ترحاله سنة ٢١٠ هـ، حج مع أخيه وأمه فبقي بمكة في طلب الحديث، ثم رحل إلى أكثر محدثي الأمصار: في خراسان، والشام، ومصر، ومدن

стр. 9

العراق، وقدم بغداد مرارًا. كتب عن ألف وثمانين نفسًا، وقيل له: أتحفظ جميع ما أدخلته في المصنف؟ فقال: «لا يخفى علي جميع ما فيه». وكان يقول: «أحفظ مائة ألف حديث صحيحٍ، ومائتي ألف حديث غير صحيح»، وعنه في رواية: «وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة». صفاته الخَلْقية والخُلُقية: نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير، طيب النفس، رقيق الشعور، قليل الأكل، مفرط الكرم، كثير الإحسان إلى الطلبة، ممتلئ بالنشاط والإخلاص وحب العمل - مع شدة زهده وكثرة ورعه - كما تعود الرياضة فكان يجيد الرمي مصيبًا فيه. وفاته: ليلة السبت الموافقة ليلة عيد الفطر، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر، عام ٢٥٦ هـ في خرتنك - قرية من قرى سمرقند - وعنه قال الحافظ: «فقد رُبي في حجر العلم، وارتضع ثدي الفضل، فكان فطامه على هذا اللِّباء». * * *

стр. 10

ترجمة موجزة لشارح الكتاب سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (١) اسمه ونسبه وكنيته ولقبه: هو سماحة الإمام المجتهد، بقية السلف، ومفتي المسلمين في زمانه العلاَّمة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن باز. كنيته: أبو عبد الله، وهو أكبر أولاده. لقبه المشهور به: ابن باز. مولده ونشأته وأسرته: ولد في مدينة الرياض في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة من عام ثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية (١٢/ ١٢/ ١٣٣٠ هـ) وبها نشأ وشبَّ وشاب وكبر، ولم يخرج منها إلا ناويًّا الحج أو العمرة قاصدًا مكة، أو _________ (١) ينظر ترجمته: في «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لسماحته (١/ ٩ ــ ١٢) و «الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» للشيخ عبد الرحمن بن يوسف الرحمة (ص ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٤، ٤٥، ٣٧٧) وكتاب «جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز»، راوية الشيخ محمد الموسى إعداد: محمد بن إبراهيم الحمد (٣٣) و «الإبريزيِّة في التسعين البازية»، د. حمد بن إبراهيم الشتوي (١٨، ٢٠، ٢١، ٣٠، ١٨٩) وترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز، من إعداد واعتناء الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم (١٣، ٢٣، ٢٦، ١٣٨) وغيرها

стр. 11

العمل في كل من الخرج، والمدينة، والطائف، وجدة. وقد نشأ في بيت عامر بالصَّلاح وحبّ الخير، في حضن والدته، فقد توفي والده عام ثلاث وثلاثين وثلاث مئة وألف هجرية [١٣٣٣ هـ]، وكان عمره آنذاك دون الثالثة، فعاش يتيمًا في حجر أمه، التي أحسنت تربيته ونشأته، مع شقيقه محمد، وأخيه من أمه إبراهيم، وأخته من أمه منيرة، وكلهم أكبر سنًا من سماحته. وكان لوالدته رحمها الله التي توفيت عام [١٣٥٦ هـ] دور بارز، وأثر بالغ في توجهه نحو العلم الشرعي، وطلبه له ومثابرته عليه، ففضلها عليه كبير، حيث اعتنت بتربيته وغرست فيه الصفات الحميدة، كما كانت البيئة التي عاش فيها بيئة علمية، فقد كان في مدينة الرياض كبار أئمة الدعوة السلفية في هذا العصر. حياته العلمية والعملية: بدأ حياته العلمية: بالدراسة منذ الصغر؛ فحفظ القرآن الكريم قبل البلوغ، على يد الشيخ عبد الله بن مفيريج، ثم تلقى العلوم الشرعية والعربية، على يد كوكبة من علماء الدعوة، ذكر منهم سماحته ستة شيوخ، وكان أول شيوخه فيما ذكره د. سليمان أبا الخيل: الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (١)، ومن أبرز وأشهر شيوخه مفتي الديار السعودية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ﵀، والذي أخذ عنه جميع العلوم الشرعية حيث لازمه عشر سنوات من عام (١٣٤٧ ــ ١٣٥٧ هـ). أما تلاميذه: فأكثر من أن نحصيهم في هذه الأسطر لكثرتهم وطول المدة، _________ (١) ينظر: «منهج الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الدعوة إلى الله»، لـ د. سليمان أبا الخيل (ص ٣٧، ٣٨).

стр. 12

حدود سبعون عامًا، فقد تتلمذ على يديه خلق كثير، ذكر منهم الشيخ عبد الرحمن ابن يوسف الرحمة في ترجمته لسماحته أكثر من (٤٧٤) طالبًا (١). وأمَّا حياته العملية: فقد تولى عدة أعمال، منها: القضاء في منطقة الخرج بالدلم مدة أربعة عشر عامًا وأشهرًا من عام (١٣٥٧ إلى ١٣٧١ هـ)، ومنها: التدريس بالرياض في المعهد العلمي وكلية الشريعة، من سنة (١٣٧٢ ـ ١٣٨٠ هـ) درَّس الفقه والتوحيد والحديث، حدود تسع سنوات وبضعة أشهر، ومنها: العمل إداريًّا في التعليم من مطلع عام (١٣٨١ ـ ١٣٩٥ هـ) نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حدود (١٠) أعوام، ثم رئيسًا لها حدود (٥) أعوام. وفي (١٤/ ١٠/ ١٣٩٥ هـ) صدر أمر ملكي بتعيينه في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية، والإفتاء والدعوة والإرشاد، حتى مطلع سنة (١٤١٤ هـ). وفي (٢٠/ ١/ ١٤١٤ هـ) صدر أمر ملكي بتعيينه في منصب المفتي العام للمملكة، ورئيسًا لهيئة كبار العلماء، ورئيسًا لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، ورئيسًا للجنة الدائمة للإفتاء، وبقي في هذا المنصب إلى أن توفاه الله في يوم (٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ) ﵀ رحمة واسعة. وإلى جانب هذا العمل الوظيفي الرسمي كان سماحته عضوًا أو رئيسًا لكثير من المجالس العلمية الرسمية في المملكة وفي العالم الإسلامي: كرابطة _________ (١) ينظر: «الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» للشيخ عبد الرحمن الرحمة (ص ٨٤ ــ ١٢٤).

стр. 13

العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع للرابطة، والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة، وعضوية الهيئة العليا للدعوة في المملكة، وغيرها من العضويات، وما من منصب تقلَّده إلا وكانت له فيه إبداعات وبصمات وأوليات خالدة ﵀. صفاته الخَلقية والخُلقية: أمَّا صفاته الخَلقيَّة: فقد كان ربعة من الرجال ليس بالطويل ولا بالقصير، وإلى الطول أقرب، حنطي اللون، مستدير الوجه، ناتئ الجبهة، غاير العينين، أقنى الأنف قليلا، خفيف الشارب قليل اللحية على العارضين كثة في الذقن، ويمتاز بالتوسط في عموم أعضاء جسمه. أمَّا صفاته الخُلقية: فقد جبل اللهُ الشيخ على صفات نبيلة، وشمائل فريدة، وسجايا كريمة قلَّ أن تجتمع في شخص في عصرنا هذا، ولا يمكن حصرها وتعدادها خصلة، خصلة، فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن الرحمة في ترجمته للشيخ تسعين صفة ومنقبة تميَّز بها سماحته ﵀، وقد ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد أبرز أربعين صفة خلقية لسماحته (١). وقد قال عنه سماحة المفتي العام للمملكة فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ: «ضرب في كل ميدان من ميادين الخير بسهم، فسبحان من جمع له الخير من أطرافه، وبارك له في عمره وعمله .. ، وهذا من أمارات الخير له _________ (١) ينظر: «الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» للشيخ عبد الرحمن الرحمة (٣٧، ٤٥ ــ ٦٠) وكتاب «جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز»، للحمد والموسى (٣٩ ــ ٤١).

стр. 14

غفر الله له ورحمه» (١). مؤلفاته وفتاواه ودروسه: أمَّا مؤلفاته المطبوعة فكثيرة جدًّا: وأكثرها قد جمع في كتابه المشهور «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة»، الذي قام بجمعه معالي الدكتور الشيخ محمَّد ابن سعد الشويعر - حفظه الله - في ثلاثين مجلدًا، وقد جمع فيه أكثر تراث سماحة الشيخ ﵀ (٢). كما حُوِّلت تسجيلات برنامجه الإذاعي إلى كتاب بعنوان: «فتاوى نور على الدرب»، وقد طُبع منها حتى إعداد هذه الترجمة (٣١) مجلدًا والتي ستبلغ (٣٥) مجلدًا، وقد تم إكمال العمل فيها بالرئاسة -إدارة البحوث العلمية والإفتاء. وأصدرت مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية، بعض شروح وتعليقات سماحته على بعض كتب أهل العلم منها: «شرح التبصير في معالم الدين» لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀، وتعليق سماحته على «مقدمة تفسير الحافظ ابن كثير مع تعليق على تفسيره لسورة الفاتحة»، وشرح _________ (١) اقتباس بتصرف من تقديمه لكتاب فتاوى نور على الدرب لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (١/ ٤). (٢) ذكر سماحته في «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» ثلاثة وعشرين مؤلفًا (١/ ١١، ١٢) وزاد عليها تلميذه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم (٢٤ عنونًا) في مقدمة كتاب «التحفة الكريمة» (ص ٢٠ - ٢٦) وأفرد لها محمد يوسف المجذوب كُتبًا صغيرًا، وقد طبع في حياة سماحة الشيخ ﵀، كما أفردها بمؤلَّف صالح بن راشد الهويمل بعنوان: «الإيجاز في سيرة ومؤلفات ابن باز».

стр. 15

«عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ﵀، وشرح كتاب «الواسطية»، و «الفتوى الحموية» كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشرح كتاب «كشف الشبهات»، وتعليقات على كتاب «القواعد الأربع»، وكتاب «فضل الإسلام»، وشرح كتاب «التوحيد»، جميع هذه الكتب الأربعة الأخيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وتعليقات سماحته على كتاب «وظائف رمضان» تلخيص الشيخ العلامة عبد الرحمن ابن قاسم العاصمي ﵀، من لطائف المعارف لابن رجب ﵀. كما أشرفت المؤسسة على ما صدر من بعض مخطوطات سماحته منها: بتحقيق تلميذه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، حاشية في «بلوغ المرام» في مجلدين، و «التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة» و «تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة والحسان» و «تحفة الإخوان بتراجم بعض الأعيان». وتعليقات سماحته على كتاب «تقريب التهذيب» صدر بعنوان: النكت، بتحقيق د. عبد الله بن فوزان الفوزان، وكتاب «الفوائد العلمية من الدروس البازية» الذي جمعه الشيخ الدكتور عبد السلام بن عبد الله السليمان، من دروس عامي ٩٨، ١٣٩٩ هـ). وما صدر، بعنوان: «حديث الصباح، وحديث المساء، ودروس وفتاوى المسجد الحرم» من جمع الشيخ صلاح الدين أحمد عثمان، أمين مكتبة سماحته في حياة الشيخ ﵀. وقريبًا ستصدر المؤسسة، شرح سماحته لكتاب «الوابل الصيب شرح

стр. 16

صحيح الكلم الطيب» لابن القيم ﵀، إن شاء الله وغيرها من التعليقات والشروح بعد خدمتها علميًّا. زوجاته وعقبه ووفاته ورثاؤه: تزوج ﵀ أربع نسوة: أولى زوجاته: تزوجها عام ١٣٥٤ هـ وطلقها عام ١٣٥٦ هـ ولم ينجب منها. ثاني زوجاته: تزوجها عام ١٣٥٧ هـ وهي أم أولاده الكبار: عبد الله، وعبد الرحمن، وثلاث بنات. وثالث زوجاته: هي ابنة عمِّه، مكثت عنده ستة أشهر، ثم طلقها، ولم تلد له، ذكرها تلميذه عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم في ترجمته له نقلًا عن الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز حفظهم الله جميعًا، وهو رئيس اللجنة العلمية بالمؤسسة. ورابع زوجاته: تزوجها عام ١٣٨٦ هـ وهي أم أولاده الصغار، أحمد، وخالد، وثلاث بنات. وبهذا يُعلم أن سماحته قد تزوج أربع نسوة أنجب من الاثنتين أربعة أبناء، وست بنات، فمجموع ذريته عشرة، أسبغ الله عليهم النعم، وكفاهم الله الشرور والنِّقم، وجعلهم خير عقب لخير سلف بارِّين بوالديهم، آمين، آمين (١). _________ (١) ينظر: «الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» (ص ٣٤، ٣٥) و «الإبريزية في التسعين» للشتوي (ص ٢١) وترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز للشيخ عبد العزيز ابن قاسم (ص ٢٣).

стр. 17

وفاته: توفي ﵀ قُبيل فجر يوم الخميس السابع والعشرين من شهر محرم سنة عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة، بمدينة الطائف (٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ) ونقل جثمانه إلى مكة وغسِّل في بيته، وصلي عليه في المسجد الحرام بعد صلاة الجمعة، وحضر الجنازة جمٌّ غفير، قيل أكثر من مليونين، كما صلِّي عليه صلاة الغائب في عموم جوامع المملكة العربية السعودية، وفي عدّة دول إسلامية. وقبر في مقبرة العدل، عن عمر يناهز التسعين عامًا، ﵀ رحمة واسعة، وجزاه خيرًا على أعماله العظيمة التي قام بها لخدمة الإسلام والمسلمين، وجعل الجنة مثواه، إنه قريبٌ مجيبٌ. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. * * *

стр. 18

بابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ ﵎ ٧٣٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ» (١). ٧٣٧٢ - وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ ابْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (٢).

стр. 19

٧٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟». قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟». قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (١). ٧٣٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٧٣٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ

стр. 20

زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟». فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى نَبِيِّنا مُحمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجْمعِينَ، أمَّا بَعدُ: فَهذَا الكِتَابُ مِنَ المُؤلِّفِ -كِتَابُ التَّوحِيدِ- وَما ذُكِرَ فيهِ مِنَ الأَحَادِيثِ أَرَادَ بِه المُؤلِّفُ ﵀ التَّنبِيهَ عَلَى أنَّ هَذَا هُوَ أَصلُ الدِّينِ، وَأَسَاسُ المِلَّةِ: وهُوَ الدَّعَوةُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ قَبلَ كلِّ شَيءٍ؛ وَلِهذَا قَالَ: «كِتَابُ التَّوحِيدِ»، ثمَّ ذَكرَ هذِهِ الأَحَادِيثَ. الأُمَّةُ الكَافِرةُ يَجبُ أنْ تُبدَأَ بِالدَّعْوةِ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ؛ حَتَّى تُسلِمَ، حَتَّى تَدخُلَ فِي الحَقِّ، ثم تُعلَّمَ الفَرائِضَ-فَرائِضَ الإِسْلَامِ وَمَا حرَّمَ اللهُ فِيهِ- وَلِذلِك بَدأَ النَّبيُّ ﷺ وبَدَأتِ الرُّسلُ أُمَمَهُم بِالدَّعوَةِ إِلَى تَوحِيدِ

стр. 21

اللهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فهَذهِ أوَّلُ دَعوَتِهم، وزُبْدتُها وخُلَاصَتُها، وَأَساسُها: الدَّعوَةُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَالنَّهيُ عَنِ الشِّركِ بِاللهِ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وَنَبيُّنا ﵊ أوَّلُ شَيءٍ بَدأَ بِهِ قَومَهُ: دَعْوتُهُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، قَالَ: «يَا قَوْمِ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا» (١). وَمكَثَ فِيهِمْ عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُوهُم إِلَى هذِهِ الكَلِمةِ، وإِلَى تَحْقيقِها وَالعَملِ بِها، لَا مُجرَّدُ قَولِها، لوْ كَانَ قَولُهَا يَكفِي لَبَادَروا إِليْها لَا يَضرُّهُم، المَقْصُودُ المَعْنَى وَخَلْعُ الأَوْثانِ، وَخلْعُ الآلِهَةِ الَّتِي تُعبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَالبَراءَةُ مِنْها، وَاعْتِقادُ بُطْلانِها، وَالإِيمَانُ بِاللهِ وَحدَهُ، وَتَخصِيصُهُ بِالعِبادَةِ. عَشرُ سِنِينَ وهُوَ يَقُولُ لَهُمْ: قُولُوا: «لَا إِلهَ إلَّا اللهُ»، فَلْمْ يُؤمِنْ بِهِ إلَّا القَلِيلُ، وَقَالُوا عِنْدَ ذَلِك: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]. تَعَجَّبُوا مِنْ خَلعِهِ الأَوْثانَ وَإِبْطالِهِ إِيَّاهَا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٧]، هَكَذا يُخاطِبُونهُ، وهَكَذا يَقُولُونَ فِي حقِّهِ؛ لِجَهلِهِم وَضَلالِهِم وَاسْتِقرَارِ الشِّركِ فِي قُلُوبِهم، تَوارَثُوهُ كَابِرًا عَنْ كَابرٍ؛ وَلِهذَا لمَّا بَعثَ النَّبيُّ ﷺ مُعاذًا ﵁ إِلَى اليَمَنِ قَالَ لهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ» فِيهِمْ يَهُودُ وَنَصارَى فِي ذَاكَ الوَقتِ، وكَانَ عِنْدَهُمْ عُلُومٌ، وَعِندَهم كِتابٌ.

стр. 22

وَالمَعْنى: أَعِدَّ لهُم مَا يَنْبغِي أنْ يُخاطَبوهُ، وَعلَّمهُ أنْ يَقُولَ لهُم: قُولُوا: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، عَلَّمَهُ أنْ يَدعُوَهُم إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، يَدعُوَهم إِلَى أنْ يُوحِّدُوا اللهَ. وَفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ» (١). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ». وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ» (٢). يَعنِي: قَبلَ كُلِّ شَيءٍ. * وَالظَّاهرُ: أنَّ هذِهِ الأَلْفَاظَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّواةِ حَسبَ مَا نَقلُوهُ عَنِ الصَّحابَةِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ . وَهذِهِ الأَلْفاظُ كُلُّها تَدورُ عَلَى خَلعِ أَوْثانِهم الَّتِي يَعْبدُونَها مِنْ دُونِ اللهِ، وعَلَى إِفْرادِ اللهِ بِالعِبادَةِ، وَتَوحِيدهِ بِالعِبادةِ ، وَالإِيمَانِ بِرَسولِهِ مُحمَّدٍ ﵊؛ «فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» ثمَّ ذَكرَ الزَّكاةَ. فعُلِمَ بِهذَا أنَّ الأَسَاسَ هُوَ أنْ يَدعُوَ النَّاسَ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، وَالإِخْلاصِ لَهُ، وَتَركِ الأَوْثانِ وَالأَصْنامِ الَّتِي يَعْبدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، وَأنْ تَكُونَ العِبَادَةُ للهِ وَحدَهُ دُونَ كلِّ مَا سِواهُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿إِيَّاكَ

стр. 23

نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. وَهكَذَا الحَدِيثُ الثَّانِي أنَّهُ قَالَ لِمُعاذٍ ﵁: «مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» فَأخْبرَ مُعاذٌ ﵁ أنَّهُ لَا يَدرِي، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، هذِهِ عَادةُ الصَّحابَةِ ﵃ إذَا سُئِلُوا عمَّا لَا يَعلَمُونَ قَالُوا: اللهُ ورَسُولهُ أَعلَمُ، وهَذَا فِي حَياتِهِ ﷺ ، بَعدَ وَفاتِهِ يُقالُ: (اللهُ أَعلَمُ، أوْ لَا أَدرِي) لِأنَّهُ لَا يَعلَمُ أَحْوالَ العِبادِ بَعدَ وَفاتِهِ ﵊، فقَالَ لَهُ ﷺ : «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» هَذَا حقُّهُ الأَعظَمُ، حقُّهُ الأَعظَمُ أنْ يَعبُدوا اللهَ وَحدَهُ دُونَ كلِّ مَا سِوَاهُ، وأَنْ يُطِيعوا أَوامِرهُ، ويَنْتهُوا عَنْ نَواهِيهِ عَلَى وَجهِ الإِخْلاصِ لَهُ . «فَيعْبُدوهُ» أيْ: يَعبُدُوهُ بِالطَّاعَاتِ الَّتِي أَمرَهُم بِها: صَلاتِهِم وزَكَاتِهِم وصَومِهِم وحَجِّهِم وغَيرِ ذَلِك، يَخصُّوهُ بِذلِك ويُفرِدُوهُ بِذلِكَ؛ هَذَا حقُّهُ عَليِهم ، وأنْ يَخلَعُوا تِلكَ الأَوْثانَ الَّتِي يَعبُدونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَحْجَارٍ، وَأشْجَارٍ، وَأَمْوَاتٍ، وَكَواكِبَ وغَيرِ ذلِكَ. ثمَّ ذَكرَ حَدِيثَيْ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) لِعظَمِ شَأنِهَا؛ لِأنَّها سُورَةُ التَّوحِيدِ، وسُورَةُ العَقِيدةِ، وَأَخبرَ أنَّهَا تَعدِلُ ثُلثَ القُرآنِ، وأنَّ الَّذِي كَانَ يُصلِّي بِها فِي قَوْمِهِ ويَقرأُ بِها فِي آخِرِ صَلاتِهِ، قَالَ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» يَعنِي: كَمَا أَحبَّهَا. وفِي لَفظٍ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» وهِيَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فهِيَ سُورَةُ التَّوحِيدِ، وسُورَةُ العَقِيدةِ، فِيهَا بَيانُ أنَّهُ هُوَ الوَاحدُ

стр. 24

الأَحدُ فِي جَمِيعِ الوُجوهِ: فِي ذَاتهِ، وَأسْمائهِ، وصِفاتِهِ، وَاسْتِحقاقِهِ العِبادَة، وَأنَّهُ لَا كُفُؤَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ، وَأنَّهُ لمْ يَلدْ، ولمْ يُولَدْ، ولمْ يَكنْ لَهُ كُفُوًا أَحدٌ، وَأنَّهُ الصَّمَدُ الَّذِي تَصْمُدُ إِليْهِ الخَلائِقُ فِي حَاجَاتِها، كُلُّ الخَلائِقِ يَصمُدُونَ إِليْهِ وتَقصِدهُ فِي حَاجَاتِها كُلِّها؛ فلِهذَا كَانتْ هذِهِ السُّورَةُ تَعدِلُ ثُلثَ القُرآنِ؛ لِأنَّهَا نَزَلتْ فِي تَوحِيدِ اللهِ مَحْضًا خَالِصًا لَيسَ معهُ شَيءٌ. * والقُرآنُ أَقْسَامٌ ثَلاثَةٌ: قِسْمٌ: يُخبِرُ عَنِ اللهِ وعَن صِفَاتهِ وَأَسْمائِهِ وحقِّهِ، وَهذِهِ هِيَ السُّورةُ. وقِسْمٌ ثَانٍ: يُخبِرُ عمَّا كَانَ وَمَا يَكونُ. وَالقِسْمُ الثَّالثُ: أَوامِرُ ونَواهٍ. فَصارَتْ هذِهِ السُّورةُ تَعدِلُ ثلُثَ القُرآنِ؛ لِأنَّهَا نَزلَتْ مَحْضًا فِي تَوحِيدِ اللهِ، وَالإِخْلاصِ لَهُ، وَبَيانِ حقِّهِ . * * *

стр. 25

باب قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] ٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، وَأَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (١). ٧٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، تَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي المَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي

стр. 26

قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (١). وَأَرادَ ﵀ بِهذَا [البَابِ] أنَّ اللهَ سُبحانَهُ هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَرحَمُ عِبادَهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ، كَمَا أنَّ اللهَ المُستحِقُّ لِلعِبادةِ، هُوَ الرَّحمَنُ أيْضًا الَّذِي يَرحَمُ العِبادَ، لَا مُنافَاةَ بَينَ كَونِهِ الإِلَهَ وبَينَ كَونِهِ الرَّحمَنَ، فَالدَّعوةُ إِلَى تَوحِيدهِ وَأنَّهُ الإِلهُ الحقُّ لَا تُنافِي الدَّعوةَ إِلَى سُؤالِهِ ورَجائِهِ وطَلبِ الرَّحمةِ منهُ ، هُوَ الرَّحمَنُ وهُوَ الإلهُ الحقُّ، هُوَ الرَّحِيمُ وهُوَ الجَوادُ وهُوَ الكَرِيمُ، وهُوَ السَّمِيعُ، وَأنَّهُ لَا تَنافِيَ بَينَ أَسْمَائهِ وصِفَاتهِ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]. كِلاهُمَا أَسمَاءٌ للهِ ، وكِلاهُمَا حقٌّ. وَهكَذَا بَقيَّةُ الأَسمَاءِ وبَقيَّةُ الصِّفاتِ لَا تَنافِيَ بَينَها، فهُو اللهُ المُستحِقُّ لِلعِبادةِ، وهُوَ الرَّحمنُ الَّذِي يَرحمُ عِبادَهُ، وهُوَ الَّذِي وَسِعتْ رَحمتُهُ كُلُّ شَيءٍ ؛ ولِهذَا قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» اللهُ يَرحمُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحمَاءَ، فمَن تَكبَّرَ عَلَى النَّاسِ وظَلمَهم وتَعدَّى عَليهِم ولمْ يَرحمْهُم فهُو جَديرٌ بِأنْ لَا يُرحَمَ مِنْ اللهِ، بلْ يُعذَّبُ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ يَومَ القِيَامَةِ» (٢)، وأمَّا الَّذينَ يُعذِّبونَ النَّاسَ وَلَا يَرحَمُونَهم يَستَحقُّونَ أنَّهُ لَا يَرحَمُهم؛ وَلِهذَا قَالَ:

стр. 27

«مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ». وجَاءَ فِي بَعضِ رِوايَاتِ الحَدِيثِ فِي «الصَّحيحِ»: أنَّ أَسْبَابَ ذلِكَ أنَّ بَعضَ الأَعرابِ قَالَ: أَتُقبِّلونَ صِبْيانَكم؟ فقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «نَعَمْ»؛ فَقالَ الأَقْرعُ: عِنْدِي كذَا وكَذَا مِنْ الوَلدِ فَلمْ أُقبِّلْ أَحدًا مِنْهم، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ». وَهكَذَا قِصَّةُ المَرأَةِ - قِصةُ ابْنتِهِ - لمَّا دَعتْ أبَاهَا إِلَى الحُضورِ عِندَها بِسبَبِ احْتِضَارِ صَبِيِّها، وَمَا حَصَلَ عَليهِ مِنْ شدَّةِ المَرَضِ وأمَارَاتِ المَوتِ؛ دَعتْ أبَاهَا أنْ يَحضُرَ ﵊، وكَانَ ليِّنًا رَقِيقًا رَفيقًا ﵊ رَحيمًا، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ : «ارْجِعْ إِلَيْهَا وَقُلْ لَهَا: فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَلِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى». فَردَّتْ عَليهِ تَطلُبُ منهُ أنْ يَحضُرَ، أَقْسَمَتْ عَليهِ أَنْ يَحضُرَ ﵊، فَأجابَ دَعْوتَها وقَامَ لِحُسنِ خُلُقهِ ﷺ ورَحمتِهِ ورَأفتِهِ بِأهلِ بَيتِهِ وبِالمُسْلِمينَ ﵊ كَمَا قَالَ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فَقامَ إِليْها جَبْرًا لهَا ومعَهُ سَعْدُ بنُ عُبادةَ ومُعاذٌ وجَماعةٌ ﵃ كَمَا فِي الرِّوايَاتِ الأُخرَى، فلمَّا وَصلَ إِلَى البَيتِ قُدِّم إِليهِ الصَّبيُّ وهُوَ فِي المَوتِ يَتقعْقَعُ؛ ففَاضَتْ عَيناهُ ﵊ بَكَى وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا؟! قَالَ: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».

стр. 28

فكَونُ الإِنْسانِ يَبكِي عِنْدَ المُصِيبةِ وتَدمَعُ عَينُهُ رَحمةً لَا بَأسَ بِذلِكَ، إنَّمَا المُنكَرُ الصِّياحُ والنِّياحُ، ولطمُ الخُدودِ وشقُّ الثِّيابِ وأَشباهُ ذلِك، أمَّا كونُهُ تَفِيضُ عَينَاهُ، يَبكِي، يَدمَعُ، هذِهِ رَحمةٌ، واللهُ يَرحَمُ عِبادَهُ بِهَذِهِ الرَّحمةِ. * * *

стр. 29

بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (١). وَهذَا مِنْ كَرمِهِ صَبُورٌ عَلَى الأَذَى، وَلَا أَحدَ أَصبَرُ مِنهُ عَلَى الأَذَى، غَالِبُ أَهْلِ الأَرضِ يُشرِكونَ بِهِ وَيَعبُدُونَ سِواهُ ويُقْدِمونَ عَلَى مَعاصِيهِ وهُوَ يُعافِيهِم ويَرزُقُهم ويُمْهلُهُم ويُنْظِرهُم، مَا هُنَاكَ أَوسَعُ مِنْ هذِهِ الرَّحمةِ؛ وَلِهذَا قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] وَقالَ فِي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]. فَلوْلَا سِعةُ جُودِهِ ورَحمَتهِ وَفَضلِهِ وإِحْسانِهِ وعَظِيمِ عَفوِهِ لَمَا أَمْهلَهُم وهُم

стр. 30

يُشرِكُون بِهِ، وَيَعصُونَ أَمرَهُ، وَيَأتونَ نَهيَهُ، وهُوَ يُعافِيهِم ويَرزُقُهم بِالصِّحَّةِ والأَمْوالِ والأَوْلادِ وهُم عَلَى كُفرِهِم، وعَلَى مَعصِيَتهمْ! هذِهِ غَايةُ الإِمْهالِ والإِنْظارِ والصَّبرِ عَلَى الأَذَى. وفِي هَذَا إِقامَةُ الحُجَّةِ وقَطعُ المَعذِرةِ، أنَّهُ يُمهِلُهم، وأُنظِروا ومُتِّعُوا كَثِيْرًا، ولَكنَّهُم لم يَرْعَوُوا، ولمْ يَنتَبِهوا ولمْ يَرجِعُوا للصَّوَابِ؛ فلِهذَا اسْتحقُّوا العِقابَ مِنْ اللهِ يَومَ القِيامَةِ. وقدْ يُعاجِلُهُمْ بِالعُقوبَةِ فِي الدُّنْيا، قَالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. * * *

стр. 31

بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]، وَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وَ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] قَالَ يَحْيَى: الظَّاهِرُ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالبَاطِنُ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. ٧٣٧٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ». ٧٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» (١).

стр. 32

وَهذَا الَّذِي قَالتْهُ عَائشَةُ ﵂ هُوَ الَّذِي عَليْهِ أَهْلُ السُّنةِ وَالجَماعَةِ قَاطِبةً، إلَّا خِلافًا شاذًّا قَلِيْلًا فِي الرُّؤيَةِ، والَّذِي عَليْهِ عَامَّةُ العُلمَاءِ أنَّهُ لمْ يَرَ ربَّهُ بِعيْنَيهِ؛ لِأنَّ اللهَ قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يَعنِي: لَا تَرَاهُ، وَبِهذَا احْتجَّتْ عَائشَةُ ﵂. وسَألَ أبُو ذرٍّ ﵁ النَّبيَّ ﷺ : هلْ رَأيْتَ ربَّكَ؟ فقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (١). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «رَأَيْتُ نُورًا» (٢). أَخرَجَهُ مُسلِمٌ فِي «الصَّحيحِ»، وقَالَ ﵊: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (٣). فَالرُّؤيةُ أَعلَى نَعيمِ أَهْلِ الجنَّةِ، ولَيْستْ مِنْ نَعيمِ الدُّنْيا، بلْ هِيَ أَعلَى نَعيمِ أَهْلِ الجنَّةِ؛ وَلِهذَا لَا تَكونُ إلَّا فِي الآخِرةِ لِأهْلِ الجنَّةِ فِي القِيامَةِ وفِي دَارِ الكَرامَةِ، أمَّا الكفَّارُ فهُم مَحجُوبُونَ عَنْ هذِهِ الرُّؤيَةِ فِي الآخِرةِ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. وقَالَ آخَرُونَ فِي مَعنَى الآيَةِ: مَعنَى «لَا تُدْرِكُهُ»: لَا تُحيطُهُ، وإنْ رأتْهُ فِي الآخِرةِ، فَالآيَةُ مُحكَمةٌ؛ إذْ لَا يُحِيطُ بِهِ النَّاسُ، وإنْ رَأوْا وَجْهَهُ الكَرِيمَ وكشَفَ لهُم الحِجابَ، لكِنْ لَا يُحِيطُونَ بِهِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ، كَمَا

стр. 33

أنَّهُم لَا يُحِيطونَ بِهِ عِلمًا، فهَكذَا لَا يُحِيطُونَ بِهِ رُؤيَةً، وإِنْ رَأوْا وَجهَهُ الكَريمَ ، ونَفيُ الأَخصِّ لَا يَستلزِمُ نَفيَ الأَعمِّ - فَرُؤيتُهُ أعمُّ - وقدْ يَرَى الإِنْسَانُ الشَّيءَ وَلَا يُحِيطُ بِهِ، كَمَا قَالَ جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. رَأوْهُ مِنْ بَعِيدٍ قَالُوا: إنَّا لَمُدرَكُونَ، خَافُوا مِنْ وُصُولِ جَيشِ فِرعَونَ إِليْهم وإِدْراكِهم إِيَّاهُم، فَالإِدْرَاكُ أَخصُّ، والرُّؤيةُ أَعمُّ، فَالرُّؤيةُ غَيرُ مَنفيَّةٍ يَومَ القِيامَةِ، بَلْ وَعدَ اللهُ بِها المُؤمِنينَ، أمَّا الإِدْراكُ فهُو مَنفيٌّ مُطلقًا.

стр. 34

باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] ٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (١). باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ».

стр. 35

وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ … (١). هَذهِ الأَحادِيثُ فِيهَا الدَّلالَةُ عَلَى أنَّهُ سُبْحانَهُ هُوَ المَلكُ، وهُوَ السَّلامُ، وهُوَ العَزِيزُ الجَبَّارُ، وهُوَ المُتصَرِّفُ فِي عِبادِهِ كَيفَ شَاءَ فِي الدُّنيَا وفِي الآخِرةِ. وكَانَ الصَّحابَةُ ﵃ إذَا جَلَسُوا فِي الجَلسةِ الثَّانيَةِ فِي الرَّكعَةِ الثَّانيةِ وفِي الجَلسَةِ الأَخيرَةِ يَقُولُونَ: السَّلامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبادِهِ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ، السَّلامُ عَلَى جِبْريلَ وَمِيكَائِيلَ. فعَلَّمهُمُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ . وَالمَعنَى: أنَّهُ هُوَ المُسلمُ لِعبَادهِ، وهُوَ السَّالِمُ مِنْ كلِّ نَقصٍ جل وعلا، وهُوَ الكامل فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائهِ وَصِفَاتِه ، وهُوَ السَّلَامُ من كُلِّ سُوءٍ؛ فَلَا يُدْعَى لَهُ بِالسَّلَامِ؛ لِأنَّهُ هُوَ المُسَلِّمُ لِعبَادهِ، بِيدِهِ التَّصرُّفُ جل وعلا، وهُوَ مَالِكٌ لِكلِّ شَيءٍ، قَالَ ابْنُ القيِّمِ ﵀ فِي «النُّونيَّةِ»: وهُو السَّلامُ عَلَى الحَقيقَةِ سَالمٌ … مِنْ كلِّ تَمثِيلٍ ومِن نُقْصانِ والمَقصُودُ: أنَّهُ هُوَ السَّلامُ مِنْ كلِّ نَقصٍ، فَلا يَلِيقُ أنْ يُدعَى لَهُ بِالسَّلامِ فَيُقالُ: السَّلامُ عَلَى اللهِ؛ لأنَّ السَّلامَ مِنهُ سُبْحانَهُ، هُوَ المُسلِّمُ لِعِبادهِ جل وعلا، ولَكِن يُقالُ: اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ. وَيُقالُ: إنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ؛

стр. 36

وَلِهذَا قَالَ جل وعلا: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] فهُوَ السَّالمُ مِنْ كلِّ نَقصٍ، وهُوَ المُسلِّمُ لِعِبادِهِ جل وعلا. ثمَّ علَّمهُم أنْ يَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». هَكذَا علَّمَهم ﷺ فِي الصَّلاةِ بَعدَ الرَّكعَتَينِ وبَعدَ الأَخِيْرَةِ - بَعدَ الثَّالِثةِ فِي المَغرِبِ، وبَعدَ الرَّابعَةِ فِي الظُّهرِ والعَصْرِ والعِشَاءِ، وبَعدَ الثَّانيَةِ فِي الفَجْرِ والجُمُعةِ والعِيدِ والنَّوافِلِ ونَحوِ ذلِك. وهذِهِ التَّحيَّاتُ فَرضٌ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ أمَرَ بِها ﵊، وهِي فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ آكَدُ؛ وَلِهذَا عدَّهَا جَمعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الأَرْكَانِ فِي التَّشهُّدِ الأَخيرِ، وفِي الأوَّلِ مِنْ الوَاجِبَاتِ الَّتِي تَسقُطُ بِالنِّسْيَانِ. ويدُلُّ عَلَى ذلِكَ أنَّهُ ﷺ سَهَا عنْهَا ذَاتَ يَومٍ فلمْ يَجلِسْ فِي التَّشهُّدِ الأوَّلِ، فجَبرَ ذلِك بِسُجُودِ الَّسهوِ ﵊. ثمَّ هُوَ جل وعلا المَلِكُ، معَ أنَّهُ السَّلامُ، فهُو المَلكُ، مَالكُ الدُّنيَا وَالآخِرةِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٣)﴾ [الفاتحة: ١ - ٣] وفِي القِراءَةِ الأُخرَى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهُو المَالِكُ لكلِّ شَيءٍ ؛ وَلِهذَا أَخبَرَ ﷺ أنَّ اللهَ يَومَ القِيامَةِ يَقبِضُ الأَرضَ، ويَطوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَقولُ: «أنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟». وهَذَا

стр. 37

تَفسِيرٌ لِقولِهِ جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. فهَذهِ الأَرضُ معَ عَظمَتِها واتِّسَاعِها وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وغَيرِهَا يَقبِضُها جل وعلا بِيَدِهِ ، وفِي حَديثِ ابْنِ عُمرَ ﵄: «بِيَدِهِ الشِّمَالِ» (١) والسَّمَواتُ تُطوَى بِيمِينهِ -معَ كَونِها سَبْعًا، ومعَ طُولِهَا وكَثافَتِها- فَيَهزُّهنَّ ويَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أيْنَ الجبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتكبِّرُونَ؟ يُبيِّنُ عَظمَتَهُ وكِبْرياءَهُ، وَأنَّهُ المَالِكُ لِكلِّ شَيءٍ، وَأنَّهُ القَادِرُ عَلَى كلِّ شَيءٍ . فَجدِيرٌ بِالعِبَادَ وجَدِيرٌ بِكلِّ مُكلَّفٍ أنْ يَعبُدَ هَذَا المَلِكَ العَظِيمَ، وأنْ يَخصَّهُ بِالعِبادَةِ، وأنْ يُفرِدَهُ بِالعِبَادةِ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وأنْ يُطِيعَ أَوامِرَهُ، ويَنتَهِي عَنْ نَواهِيهِ، وأنْ يَقِفَ عِنْدَ حُدُودِهِ؛ حَتَّى يَلْقاهُ يَومَ القِيامَةِ وهُوَ رَاضٍ عنهُ؛ فَيَفوزَ بِالسَّعادَةِ وَالجنَّةِ وَالكَرامَةِ. * * *

стр. 38

باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وهو (١) آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». وَقَالَ أَيُّوبُ: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». ٧٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، الَّذِي

стр. 39

لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» (١). ٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يُلْقَى فِي النَّارِ». (ح) وقَالَ لِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ، قَدْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ، حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ» (٢). وَهذَا يَدلُّ عَلَى أنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ العِزَّةُ الكَامِلَةُ، وَالعَزيزُ: هُوَ الغَالِبُ القَاهرُ، لَا يُغالَبُ وَلَا يُمَانَعُ، فلهُ العِزَّةُ الكَاملَةُ ، كَمَا أنَّ لَهُ المُلكَ الكَامِلَ جل وعلا. ولِهذَا لَا بَأسَ أنْ يُحلفَ بِعزَّةِ اللهِ، أوْ بِعزَّةِ اللهِ لَأفْعلْ كَذَا، أوْ لَأفْعلَنَّ كذَا؛ وَلِهذَا جَاءَ فِي هذِهِ الأَحَادِيثِ الشَّابُّ الَّذِي خَرجَ مِنْ النَّارِ وَأنْجاهُ اللهُ مِنْها إِلَى الجنَّةِ وقَالَ: رَبِّ اصْرفْ وَجهِي عَنِ النَّارِ، وعِزَّتكَ لَا أَسْألُك غَيرَ ذلِك.

стр. 40

وكذَلِك إِقْسَامُ أيُّوبَ ﵇: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَركَتِك». أيُّوبُ: هُوَ نَبيُّ اللهِ أيُّوبُ ﵊، فَإنَّهُ كَانَ يَومًا يَغتسِلُ، فأَنزَلَ اللهُ عَليهِ رِجْلًا مِنْ جَرادٍ، فجَعَلَ يَحْثُو؛ فقَالَ لَهُ جل وعلا: أَلَمْ أَكنْ أَغْنَيتُكَ عَنْ هذَا؟! فقَالَ: «وَعِزَّتكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَركَتِكَ». كذَلِك تَقُولُ جَهنَّمُ، لَا تَزالُ يُلقَى فِيهَا - يُلقَى فِيهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ - وهِي تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. كَمَا قَالَ : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠]. فَلا تَزالُ يُلقَى فِيهَا وهِيَ تَقولُ: هَلْ مِنْ مَزيدٍ، حَتَّى يَضعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدمَهُ؛ فَينْزوِي بَعضُها إِلَى بَعضٍ وتَقولُ: (قَطْ قَطْ). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: (قَدْ قَدْ). (قَدْنِي قَدْنِي). يَعنِي: حَسْبِي حَسْبِي وعِزَّتِك، أمَّا الجنَّةُ فَلا يَزالُ يَبقَى فِيها فَضْلٌ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ السَّعَةِ العَظِيمَةِ؛ فَيُنشِئُ اللهُ لهَا أَقْوَامًا؛ فيُدخِلُهم الجنَّةَ فَضْلًا منْهُ . ومَعنَى «سُبْحَانَ ربِّكَ ربِّ العِزِّةِ» يَعنِي: صَاحبِ العِزَّةِ، كذَلكَ فِي لَفظِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ» (١) يَعنِي: صَاحبَ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ والصَّلاةِ القَائِمةِ. ويُقالُ: ربُّ الدَّارِ، وربُّ الدَّابَّةِ. يَعنِي: صَاحِبُها. * * *
следующие страницы →