المبحث الأول: المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلقد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم على مر العصور فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) .
تحتفظ مكتبات العالم ومتاحفه على وجه العموم ومكتبات العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص بالعديد من المصاحف الخطية، إلا أن المكتبة العربية والإسلامية ما زالت بحاجة ماسة إلى بحوث متخصصة توفي في دراساتها التفصيلية تلك المصاحف لتتضح لنا من خلالها الخصائص العامة والسمات الفنية التي دونت بها المصاحف المبكرة والمتأخرة خلال فترة الأربعة عشر قرناً الماضية، هذا بالإضافة إلى دراسة كل ما له علاقة بالقرآن الكريم من تفسير وطباعة وترجمة لمعانيه والقراءات الواردة فيه، إلى غير ذلك من الدراسات العلمية.
والأمل كبير في (ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه) أن تسهم في توفير هذه الدراسات، وأن تصل في نهاية المطاف إلى تقديم رؤية علمية في مجال تنظيم المعلومات عن القرآن الكريم وعلومه وتهيئتها للباحثين.
والبحث الذي نعرض له اليوم يأتي ضمن المحور الأول من المحاور العديدة التي وضعتها لجنة الندوة بعنوان: أهمية القرآن الكريم وعناية المسلمين به منذ نزوله إلى عصرنا الحاضر.
стр. 2
وأرجو من الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في إبراز شيء من المعلومات عن بعض المصاحف المحفوظة في مكتبة المصحف الشريف.
ويطيب لي أن أتقدم بالشكر الجزيل لأصحاب الفضيلة رئيس وأعضاء اللجنة التحضيرية والعلمية للندوة على جهودهم الكريمة، ولكل من قدم لي مساعدة على إنجاز هذا البحث.
مشكلة الدراسة:
تعد مكتبة المصحف الشريف في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة مصدراً رئيساً للمعلومات المتعلقة بالمصاحف المخطوطة ونساخها، وواقفيها، وأنواع الخطوط وتطورها، والورق المستخدم للكتابة، وترجمات معاني القرآن الكريم، والقراءات المدونة على بعض النسخ، إضافة إلى تذهيب بعض النسخ وتجليدها. إلا أن هذه المصاحف الخطية لم تحظ بالاهتمام المطلوب من الدارسين رغم ما تحتوي عليه من معلومات مهمة تفيد الباحثين في مجال الدراسات العلمية والتاريخية.
ومن هنا وجد الباحث أن هناك حاجة ماسة إلى دراسة بعض هذه المصاحف للخلوص إلى رؤية توضح أهمية وقف المصاحف في المجتمع الإسلامي وأثر ذلك في الحركة العلمية.
أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى تحقيق الأمور الآتية:
(١) التعرف على كمية المصاحف المخطوطة في القرن الحادي عشر الهجري باستخدام الطرق الإحصائية.
стр. 3
(١) التعرف على السمات النوعية للمصاحف المخطوطة من حيث أنواع الخطوط والأحجام والورق.
(٢) الكشف عن إسهامات الخطاطين، وحجم إنتاجهم المخطوط من المصاحف ضمن إطار الدراسة.
(٣) التعرف على أزمنة نسخ تلك المصاحف.
(٤) الكشف عن إسهامات الموقفين، وحجم المصاحف الموقوفة.
(٥) التعرف على أزمنة وقف تلك المصاحف.
(٦) التعرف على القراءات المدونة على بعض المصاحف.
(٧) التعرف على التفاسير وترجمات معاني القرآن المدونة على بعض المصاحف.
(٨) التعرف على ما حظيت به بعض المصاحف من التذهيب والزخرفة.
(٩) التعرف على نواحي التجليد التي حظيت بها المصاحف المخطوطة.
أسئلة الدراسة:
تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق أهدافها من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية:
(١) ما حجم المصاحف المخطوطة كمّاً ونوعاً؟
(٢) ما أنواع الخطوط التي كتبت بها تلك المصاحف؟
(٣) من النساخ الذين برزوا في كتابة المصاحف؟ وما حجم إسهاماتهم؟
(٤) ما الفترات الزمنية التي نسخت فيها تلك المصاحف؟
стр. 4
(١) من الموقفون الذين برزوا في وقف المصاحف، وما حجم إسهاماتهم في الوقف.
(٢) ما أبرز الفترات الزمنية التي وقفت فيها تلك المصاحف؟
(٣) ما القراءات المدونة على بعض المصاحف؟
(٤) ما التفاسير وترجمات معاني القرآن المدونة على بعض المصاحف؟
(٥) ما مدى العناية بالمصاحف من حيث التذهيب والزخرفة؟
(٦) ما مدى العناية بالمصاحف من حيث التجليد؟
حدود الدراسة:
(١) الحدود الموضوعية:
توفّي هذه الدراسة المصاحف المخطوطة دون المصاحف المطبوعة.
(٢) الحدود المكانية:
تقتصر هذه الدراسة على جملة من المصاحف المخطوطة المحفوظة في مكتبة المصحف الشريف في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة دون غيرها من المكتبات.
(٣) الحدود الزمانية:
توفّي هذه الدراسة ما توافر في مكتبة المصحف الشريف بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة من المصاحف المنسوخة أو الموقوفة في القرن الحادي عشر الهجري.
الدراسات السابقة:
لم تظهر – على حد علم الباحث – حتى إعداد هذا البحث دراسة تخص المصاحف المخطوطة في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة.
стр. 5
منهج الدراسة:
المنهج الرئيس الذي استخدمه الباحث في هذه الدراسة هو المنهج الببليومتري التحليلي والوصفي في القياس والتحليل الإحصائي المقارن للبيانات المجمعة عن المصاحف المخطوطة التي أمكن حصرها من خلال مكتبة المصحف، حيث عمد الباحث إلى تحليل بيانات (٧٠) مصحفاً تغطي فترة القرن الحادي عشر الهجري.
وقد تم تقسيم الدراسة إلى المباحث الآتية:
المبحث الأول: المقدمة.
المبحث الثاني: لمحة تعريفية بمكتبة المصحف الشريف.
المبحث الثالث: الاتجاهات العددية والنوعية.
المبحث الرابع: نساخ المصاحف وإسهاماتهم.
المبحث الخامس: موقفو المصاحف وإسهاماتهم.
المبحث السادس: النتائج والتوصيات.
الملاحق: (أ) قائمة المصادر والمراجع.
(ب) صور بعض المصاحف.
стр. 6
المبحث الثاني: لمحة تعريفية بمكتبة المصحف الشريف
أولا: التعريف بمكتبة الملك عبد العزيز:
...
المبحث الثاني: لمحة تعريفية بمكتبة المصحف الشريف
التعريف بمكتبة المصحف يتطلب التعريف أولا بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة التي تعد مكتبة المصحف إحدى مجموعاتها الوقفية، لذا سيكون هذا المبحث على النحو الآتي:
أولا: التعريف بمكتبة الملك عبد العزيز:
تأسست المكتبة في ٣/١/١٣٩٣هـ الموافق ٧/٢/١٩٧٣م، حيث وضع الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود (يرحمه الله) حجر أساسها، وافتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود (يحفظه الله) في يوم الثلاثاء ١٦/١/١٤٠٣هـ الموافق ٢/١١/١٩٨٢م.
وتقع المكتبة على شارع أم المؤمنين خديجة ﵂ المتفرع من شارع المناخة، وتطل على ساحات المسجد النبوي من الجهة الغربية (١) .
وتعد هذه المكتبة من أكبر المكتبات التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وهي من المكتبات الإسلامية المهمة ذات السمة الخاصة التي جمعت بين خصائص المكتبة العامة، ومركز المخطوطات، ومركز البحث العلمي.
стр. 7
ونظراً لتوافر عدد كبير من المكتبات الوقفية في مدينة المصطفى ﷺ ، وتظافر الجهود المباركة لجمعها في هذا المركز الإسلامي؛ فقد أدى ذلك إلى تحقيق جو البحث العلمي المتميز، مما ساعد على زيادة الاستفادة من المصادر الأصلية والمراجع النادرة وأمهات الكتب بهذه المكتبة في شتى فروع المعرفة الإنسانية، بغرض الدراسة والتحصيل العلمي مقارنة بين التراث الإسلامي والإنتاج الفكري المعاصر في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية خدمة للبحث العلمي وطلابه (١) .
وتحتضن المكتبة أربعاً وعشرين مجموعة موقوفة تمثل: مكتبة المصحف الشريف، ومكتبة الشيخ/ عارف حكمت، ومكتبة المحمودية، ومكتبة المدينة المنورة، ومكتبات مدارس: الاحسانية، والساقزلي، والشفاء، والعرفانية، والقازانية، وكيلى ناظري، إضافة إلى مكتبات رباط الجبرت، ورباط عثمان بن عفان ﵁، ورباط قرة باش، ورباط بشير آغا، ومكتبات لبعض الشخصيات، أمثال: الشيخ/ محمد إبراهيم الختني، والشيخ/ عبد القادر شلبي، والسادة آل الصافي، والشيخ/ عمر حمدان، والشيخ/ محمد نور كتبي، ومعالي الأستاذ/ حسن بن محمد كتبي، والشيخ/ محمد الخضر الشنقيطي، والشيخ/ عبد الرحمن الخيال، والشيخ/ عبد القادر الجزائري، والشيخ/ عمار بن عبد الله الازعر الهلالي (٢) .
стр. 8
وتضم المكتبة ما يربو على أربعة عشر ألف مخطوط أصلي، بالإضافة إلى عدد كبير من المصورات الورقية، والميكروفيلمية، وتوليها عناية خاصة من حيث الاقتناء والتنظيم والترميم والتجليد. وقد تكونت هذه المخطوطات من مصادر الوقف والإهداء والتبادل، وأغلبها من المكتبات الموقوفة (١) .
كما تحوي المكتبة ضمن مجموعاتها الخاصة عدداً كبيراً من الكتب النادرة خصص لها قاعة مستقلة يبلغ مجموعها (٢٥٠٠٠) خمسة وعشرين ألف كتاب، تمثل جزءاً كبيراً من رصيد المكتبات الموقوفة.
أما المطبوعات الحديثة فتبلغ (٤٠٠٠٠) أربعين ألف كتاب، خصص لها قاعة مفتوحة وتم تنظيمها وترتيبها وفهرستها وتصنيفها، وقد شملت مجموعتها معظم جوانب المعرفة الإنسانية.
ونظراً لأهمية الرسائل الجامعية في إثراء البحوث والدراسات العلمية فقد جمعت المكتبة عدداً منها، كما راعت المكتبة أهمية الدوريات العلمية وما تمثله من قيمة علمية، حيث إنها من أهم أوعية المعلومات لملاحقتها للجديد في الإنتاج الفكري، لذا فقد أولتها المكتبة اهتماماً خاصاً يتمثل في اقتناء عدد كبير منها في مختلف حقول المعرفة (٢) .
ويرتاد المكتبة أساتذة الجامعات والباحثون في مجال التراث الإسلامي والعربي، وذلك لتوافر المخطوطات والكتب النادرة، والنمو المستمر في مجموعاتها. كما يكثر روادها من الطلاب والقراء والمواطنين والمقيمين
стр. 9
والحجاج والزوار والمعتمرين؛ نظراً لقربها من المسجد النبوي الشريف، وموقعها في وسط المدينة المنورة، وتقدم المكتبة خدماتها للباحثين على فترتين صباحية ومسائية على النحو الآتي:
١- خدمات من داخل المكتبة:
(مرجعية – إرشادية – إعارة داخلية – تصوير) .
٢- خدمات من خارج المكتبة:
حيث تسعى المكتبة ضمن خدماتها الأساسية إلى توفير المعلومات البحثية لطالبيها من خارج المكتبة وذلك بواسطة الوحدات الطرفية والمراسلات بينها وبين كل من المكتبات الجامعية والمكتبات العامة والمتخصصة ومراكز البحوث المتاحة (١) .
ولا تقتصر اهتمامات المكتبة وإنجازاتها على تنمية موارد المعلومات الوثائقية من مخطوطات وكتب ورسائل علمية ودوريات ومصغرات فيلمية فحسب، بل تمتد لتشمل الفعاليات الثقافية والعلمية المختلفة مثل زيارات الوفود الرسمية والطلابية لها، وعقد الندوات والمحاضرات والتعاون مع الجامعات في مناقشة الرسائل العلمية، والمشاركة في المعارض الثقافية (٢) .
стр. 10
ثانياً: التعريف بمكتبة المصحف الشريف:
هي إحدى المجموعات الوقفية في مكتبة الملك عبد العزيز، وتضم مجموعة تقدر بـ (١٨٧٨) ألفاً وثمانمائة وثمانية وسبعين مصحفاً من المصاحف الخطية النادرة القديمة (للقرآن الكريم) بالإضافة إلى (٨٤) أربع وثمانين ربعة قرآنية تمثل في مجملها تاريخاً للمراحل التي مر بها تدوين المصحف الشريف، من حيث الورق المستخدم للكتابة والمداد المكتوب به، وتنوع الخطوط، وتعكس مدى اهتمام العلماء المسلمين بكتاب ربهم وعنايتهم به حفظاً ودراسة وتفسيراً وترجمة لمعانيه وخطاً وزخرفة وتذهيباً، مما يعد ثروة علمية ثمينة لدراسة الخطوط وتطورها عبر العصور الإسلامية.
وتوفّي الفترة الزمنية التي نسخت فيها تلك المصاحف أحد عشر قرناً تمتد من القرن الخامس الهجري حتى أوائل القرن الخامس عشر الهجري.
ويعود تاريخ أقدم مصحف إلى عام ٤٨٨هـ، وهو بخط علي بن محمد البطليوسي، مكتوب على رق الغزال وحجمه (١٥×١٣سم) ويأتي بعده من حيث القدم مصحف نسخ عام ٥٤٩هـ، وهي من أزهى فترات الإبداع في فن الخطوط العربية، وهو بخط أبي سعد محمد إسماعيل بن محمد، وحجمه (٢٠×٣٠) وتاريخ وقفه سنة ١٢٥٣هـ.
بينما يرجع تاريخ أحدث مصحف مخطوط إلى عام ١٤٠٥هـ وهو بخط محمد صديق فضل الله الأفغاني، وحجمه (٦٤×٥١سم) .
стр. 11
وهناك مجموعة من الستائر الذهبية وزعت في جنبات قاعة المصحف الشريف، وتعد كل ستارة منها قطعة فنية جيدة لما بذل فيها من الإتقان في الصناعة، والدقة في الإخراج، والذوق الفني والإبداع في اختيار المادة المصنوعة منها (١) .
стр. 12
المبحث الثالث: الاتجاهات العددية والنوعية
أولا: الاتجاهات العددية:
...
المبحث الثالث: الاتجاهات العددية والنوعية
يدور الحديث في هذا المبحث حول الاتجاهات العددية للمصاحف المخطوطة، إلى جانب إيضاح الاتجاهات النوعية للمصاحف من حيث بيان الشكل الوعائي (مصحف – ربعة) بالإضافة إلى بيان أنواع الخطوط، الورق، الأحجام، التذهيب والزخرفة، التجليد، القراءات، التفسير، ترجمات معاني القرآن الكريم، وذلك على النحو الآتي:
أولا: الاتجاهات العددية:
بلغ مجموع المصاحف والأرباح المنسوخة أو الموقوفة في القرن الحادي عشر الهجري (٧٠) مصحفاً تم توزيعها تنازلياً بحسب الجدول رقم (١) ، حيث جاءت المصاحف المنسوخة في المرتبة الأولى وعددها (٦٤) مصحفاً تلتها المصاحف الموقوفة في القرن المشار إليه دون تحديد لتاريخ نسخها وعددها ستة مصاحف.
الجدول رقم (١)
التوزيع العددي للمصاحف المنسوخة أو الموقوفة
م
...
البيان
...
العدد
...
النسبة المئوية
١
...
المصاحف المنسوخة في فترة الدراسة
...
٦٤
...
٩٠.٤٣%
٢
...
المصاحف الموقوفة في فترة الدراسة
...
٦
...
٨.٥٧ %
المجموع
...
٧٠
...
١٠٠%
стр. 13
ثانياً: الاتجاهات النوعية:
١- التوزيع النوعي: -
...
ثانياً: الاتجاهات النوعية:
والحديث في هذا الجانب على النحو الآتي:
١- التوزيع النوعي:-
ونعني بالتوزيع النوعي هنا الشكل الذي خرج فيه المصحف في مجال هذه الدراسة، فهناك شكلان وعائيان هما:
١- المصاحف.
٢- الأرباع.
ويوضح الجدول رقم (٢) السمات النوعية للمصاحف المخطوطة حيث بلغت المصاحف ٦٩ مصحفاً بالإضافة إلى ربعة قرآنية واحدة.
الجدول رقم (٢) يبين التوزيع الوعائي للمصاحف
م
...
البيان
...
العدد
١
...
المصاحف
...
٦٩
٢
...
الأرباع
...
١
المجموع
...
٧٠
стр. 14
٢- أنواع الخطوط:
نال الخط العربي في الإسلام عناية خاصة؛ فقد حرص الخطاطون المسلمون على مدى أربعة عشر قرناً على تجويد الخط العربي وتحسينه ووضع القواعد والمعايير التي تسعى إلى تجويد هذا الفن وإحكامه (١) .
стр. 15
ويمثل الخط العربي الركيزة الكبرى للفنون الإسلامية، ويحتل مكانة متميزة في حياة المسلمين لارتباطه بالدين الإسلامي من خلال تدوين القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وقد نتج عن هذا الارتباط أن أصبح للخط العربي قيمة دينية تجلت في اهتمام الخطاطين والنساخ المسلمين بإتقانه وإظهاره في أجمل صوره وأشكاله، وكان لانتشار الإسلام في بقاع كثيرة من الأرض واحتكاكه ببيئات وثقافات مختلفة أثر كبير في تطوير أساليب الخط العربي وتعدد نماذجه (١) ، وساعد على ذلك ما تمتاز به طبيعة الخط العربي وأشكال حروفه من الحيوية بفضل ما فيها من الموافقة والمرونة وما فيها من اختلاف في الوصل والفصل مما هيأ لها فرص التطور والابتكار بطرق وأساليب متنوعة (٢) .
وقد نالت المصاحف المخطوطة موضوع الدراسة حظها من العناية بالخط، فكان من بينها ما كان خطه نسخاً جميلا أو نسخاً دقيقاً، ومنها ما جمع بين النسخ والثلث، ومنها ما كان خطه مغربياً أوكوفياً أو رقعة. ويمكن توزيع الخطوط التي وردت بها تلك المصاحف وفق الجدول رقم (٣) التالي:
стр. 16
الجدول رقم (٣)
يبين توزيع أنواع الخطوط تنازلياً
م
...
البيان
...
عدد المصاحف
...
النسبة المئوية
١
...
النسخ
...
٥٧
...
٨١.٤٣%
٢
...
المغربي
...
٦
...
٨.٥٧%
٣
...
الرقعة
...
٥
...
٧.١٤%
٤
...
الثلث
...
١
...
١.٤٢%
٥
...
الكوفي
...
١
...
١.٤٢%
المجموع
...
٧٠
...
١٠٠%
стр. 17
٣- الورق المستخدم للكتابة:
قال تعالى ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨،١٩] . وقال تعالى ﴿وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١-٣] .
كان العرب يكتبون على أكتاف الإبل واللخاف (الحجارة البيضاء العريضة الرقيقة) وعلى عسيب النخل، وكانوا يكتبون على الجلود والأوراق الوافدة من الصين في عهد بني أمية، ثم على الورق الخراساني المصنوع من الكتان (١) ، ولم يستعمل الورق بكثرة إلا بعد ما أشار الفضل بن يحيى البرمكي بصناعة الكاغد، ولما ولي هارون الرشيد الخلافة وكثر استعمال الورق أمر ألا يكتب الناس إلا في الكاغد، أما الرق فطل يستعمل إلى جانب الورق حتى
стр. 18
منتصف القرن الثالث الهجري (١) ، وظل البردي يستعمل في الكتابة وبخاصة في مصر حتى انعدم في أوائل القرن الرابع الهجري (٢) .
ولكن المصاحف – محل الدراسة – كتبت كلها على الورق العادي، وجاءت المصاحف متفاوتة فيما بينها من حيث سماكة الورق وجودته. ففي حين نجد أن الغالبية من المصاحف كتبت على ورق عادي نجد أن بعضها كتبت على ورق أبيض مصقول، وبعضها أصفر خفيف، وبعضها بني خفيف أو داكن، وربما يكون لطريقة الحفظ التي مرت بها المصاحف أثر مباشر في تغير ألوان الورق من حال إلى آخر.
стр. 19
٤- أحجام المصاحف:
المتتبع للمقاسات التي وردت بها المصاحف يجد أنها لا تخرج عن أحد شكلين: إما الشكل العامودي بحيث يكون ارتفاع المصحف أكبر من عرضه، أو الشكل الأفقي أو السفيني بحيث يكون عرض المصحف أكبر من ارتفاعه.
لكن المصاحف التي تمت دراستها في هذا البحث كانت من الشكل الأول فقط، وتنوعت مقاساتها تنوعاً كبيراً، وكان أكبر ما كان مقاسه ٨٠×٥٠سم (٣) . وأصغرها ما كان مقاسه ١١×٧ سم (٤) ، وبين هذين المقاسين جاءت بقية المصاحف، ولمعرفة المقاسات التي وردت بها مصاحف القرن الحادي عشر نورد الجدول رقم (٤) التالي وأمام كل مقاس جاءت أعداد المصاحف.
٥- التذهيب والزخرفة:
التذهيب والزخرفة فن من فنون الكتاب التي تكسبه الروعة والجمال، ويتحقق ذلك باستخدام الألوان المختلفة وورق الذهب بعد سحقه وتحويله إلى سائل يدهن بالفرشاة، ويجد هذا الفن ساحة واسعة لتطبيقه في التراكيب المعدة بالوحدات الزخرفية بالأسلوب النباتي (١) .
وقد كانت عملية إخراج المخطوط العربي تمر بعدة مراحل يأتي في مقدمتها الكتابة ثم التصوير والرسم وغالباً ما يكون عمل الناسخ منفصلا عن عمل الرسام، أما المرحلة الثالثة فهي الزخرفة والتحلية أو التذهيب، فالزخرفة عبارة عن أشكال هندسية أو نباتية تعرف باسم الأرابسك تزين بها المخطوطات العربية. وقد بدأت هذه الزخرفة في أول الأمر على هيئة أشكال بسيطة لم تلبث أن تطورت فأصبحت فناً له أصوله وأبعاده المختلفة.
وأغلب الظن أن الزخرفة والتحلية بدأت بالقرآن الكريم حيث لم يكن يصح أن يوجد به صور أو رسوم فاستغل المزخرفون هذه الفرصة في التأنق في زخرفة المصحف بأشكال نباتية وهندسية، وكانت بدايات السور وعلامات الوقف ميداناً خصباً لعملية الزخرفة هذه، وزيادة في التقرب إلى الله كانت هذه الزخارف تكتب بماء الذهب، وقد أمعنوا في هذا الجانب بعد ذلك فكتبوا المصحف كله بماء الذهب، وقد استخدم العرب في زخرفة المخطوطات – ومنها المصاحف – ألواناً مختلفة من الأحبار والأصباغ ولكن عدد هذه الألوان
стр. 22
كان محدوداً وكانت الألوان الغالبة هي الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر (١) .
وكان التذهيب في أول الأمر مقصوراً على أجزاء معينة من الصفحات مثل الأشرطة التي تفصل السطور بعضها عن بعض، والفواصل بين الآيات، وبعض العناصر الزخرفية التي تدل على أجزاء المصحف وأقسامه، وكان الشريط أهم هذه الأجزاء جميعاً وقد زين بعناصر زخرفية مختلفة (٢) . وجرى تذهيب الصفحات الأولى والأخيرة للقرآن الكريم، كما زينت وذهبت علامات نهاية الآيات، وتقسيمات القرآن الأولية على شكل (نصف وثلث وربع..إلخ) وبمرور الزمن تم تذهيب فهرس السور وفهرس عدد الآيات والكلمات والأحرف المكتوبة على صفحات مزينة (٣) . ونرى في المصاحف التي تمت دراستها في هذا البحث أنواعاً من العناصر الزخرفية على هيئة متشابكات، أو رسوماً هندسية من دوائر أو أجزاء من دوائر تتماس أو تتقاطع، أو مربعات صغيرة تقلد الفسيفساء أو عناصر معمارية كالعقود والأعمدة مثلا وقد يعلو هذه أو ينفصل عنها عناصر نباتية مجنحة. أما فواصل الآيات فكانت مجرد دوائر في حين كانت علامات الأجزاء دوائر داخلها
стр. 23
مربعات تتداخل مكونة أشكالا نجمية يكتب بداخلها ما يدل على الجزء من المصحف.
ويبين الجدول رقم (٥) عدد المصاحف من حيث التذهيب والزخرفة
م
...
البيان
...
العدد
...
النسبة المئوية
١
...
مذهب ومزخرف لبعض الصفحات
...
٥٣
...
٧٥.٧١
٢
...
مذهب إطار الصفحات فقط
...
٤
...
٥.٧١
٣
...
غير مذهب
...
١٣
...
١٨.٥٧
المجموع
...
٧٠
...
١٠٠%
وقد تفاوتت المصاحف الواقعة في الحقل الأول من حيث كمية التذهيب والزخرفة إلا أن التركيز في ذلك يكون على أول المصحف وبالتحديد لصفة سورة الفاتحة والصفحة الأولى من سورة البقرة وعلى آخر المصحف، في حين يشمل التذهيب والزخرفة في أحيان كثيرة أسماء السور وفواصل الآيات وعلامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات، وإطار جميع الصفحات.
وفيما يلي بيان بالمصاحف المذهبة والمزخرفة مرتبة حسب أرقام حفظها في مكتبة المصحف الشريف يوضحها الجدول رقم (٦) التالي:
ونورد فيما يلي بعض الأمثلة على الزخرفة والتذهيب من المصاحف التي شملتها الدراسة:
أولا: مصحف شريف نسخ عام ١٠٠١هـ على ورق مقاسه ٢٣×١٤ سم محفوظ برقم ١٣، كتب بالمداد الأسود وعلامات الوقف بالمداد الأحمر، وقد زخرفت ديباجته التي تشمل سورة الفتحة وأول سورة البقرة، ولم تزخرف في بقية الصفحات ووضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر مذهبة منقوطة بالمداد الأحمر، وقد اهتم الخطاط بتحديد أسماء السور بالمداد الأبيض داخل شريط أحمر مشغول بزخارف ذهبية ملونة بالمداد الأزرق والأسود والأبيض والأحمر، كما وضعت علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع والأعشار داخل دوائر مذهبه محاطة بلون أزرق.
ثانياً: مصحف شريف نسخ عام ١٠١٨هـ على ورق مقاسه ١١×٧سم، وهو أصغر مصحف، وكتب بالمدادين الأسود والأحمر ومسطرته ١٢ سطراً، وقد زخرفت ديباجته التي تشتمل على سورة الفاتحة وبداية سورة البقرة، بينما لم تزخرف بقية الصفحات، وقد اهتم الخطاط بوضع علامات المصحف الشريف بالحروف وليس بالزخارف، كما اهتم بتحديد أسماء السور بالتذهيب داخل شريط مستطيل غير مزخرف (١) .
ثالثاً: مصحف شريف نسخ عام ١٠٣٤هـ على ورق مقاسه ٢٢.٥×١٥ سم محفوظ برقم ١٩ كتب بالمدادين الأسود والأحمر، وقد زخرفت وذهبت ديباجته التي تشمل سورة الفاتحة وبداية سورة البقرة بزخارف غاية في الجمال
стр. 26
وصفاء الألوان، ووضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر مذهبه ومزخرفة كما تم تحديد أسماء السور بالمداد الأبيض داخل شريط مذهب مشغول بزخارف ملونة بالمداد الأزرق والأحمر والوردي والأصفر، ووضعت علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات على هيئة زخارف شبه دائرية مشجرة بألوان ذهبية وزرقاء ووردية، وجميع الصفحات محاطة بإطار مذهب يحيط به إطار أزرق.
رابعاً: مصحف شريف نسخ ١٠٤٤ هـ على ورق مقاسه ١٦×١١سم محفوظ برقم ١٤١٣ كتب بالمداد الأسود، وقد زخرفت ديباجته المشتملة على سورة الفاتحة وأول سورة البقرة بزخارف ذهبية دائرية يحيط بها إطار ذهبي وتزينها الألوان الوردية والزرقاء.
وهو مصحف مذهب بالكامل حيث كتب جميعه في دوائر داخل مربعات مذهبة والفواصل بين الآيات على هيئة دوائر ذهبية مغلقة،وأسماء السور لم تكتب وإنما حددت بترك شريط ذهبي عريض قبل بداية السورة، وجاءت علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع على هيئة مشجرات ورقية صغيرة بألوان ذهبية وزرقاء وحمراء.
خامساً: مصحف شريف نسخ عام ١٠٦٦هـ على ورق مقاسه ٢٩.٥×١٩سم محفوظ برقم ٢٦ كتب بالمدادين الأسود والأحمر، وقد زخرفت ديباجته المشتملة على سورة الفاتحة وأول سورة البقرة بزخارف جميلة ذات أرضية ذهبية مشتملة على زخارف جميلة جداً على هيئة دوائر صغيرة، ورسوم نباتية وأشكال هندسية ويحيط ببقية الصفحات إطار مذهب
стр. 27
عريض، ووضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر ذهبية في داخلها وردة صغيرة تنطلق منها عدة خطوط إلى محيط الدائرة، أما أسماء السور فقد كتب بالمداد الأبيض داخل شريط ذهبي تزينه زخارف جميلة بالمداد الأزرق والوردي والأحمر. أما علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات فقد وضعت على هيئة زخارف شبه دائرية وبعضها على هيئة ورقة شجرية تنطلق منها بعض الأغصان الصغيرة، وهذه جاءت بألوان مختلفة منها الذهبي والأزرق والأحمر والوردي.
سادساً: مصحف شريف نسخ عام ١٠٩٠هـ على ورق مقاسه ٢٦×١٧ سم محفوظ برقم ٥١ كتب بالمداد الأسود وعلامات الوقف بالمداد الأحمر. وقد زخرفت ديباجته المشتملة على سورة الفاتحة وأول البقرة بزخارف جميلة هندسية وشجرية ذات ألوان متعددة على أرضية ذهبية. وأحيطت بقية الصفحات بإطار ذهبي، كما وضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر ذهبية تتوسطها خطوط صغيرة، كتبت أسماء السور بالمداد الأبيض داخل شريط ذهبي مشغول بزخارف ملونة بألوان زرقاء ووردية وحمراء وغيرها. أما علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات فقد جاءت على هيئة زخارف هندسية تشبه الدوائر المشجرة وبألوان متعددة منها الأخضر والأزرق والأحمر والذهبي.
ولمزيد من الإيضاح ينظر الملحق رقم (٢) في آخر الدراسة.
стр. 28
٦- التجليد:
عمل المجلد متمم لعملي الخطاط والرسام، لأن المجلد تقع على عاتقه مسؤولية حفظ أوراق المخطوط من التلف، والعناية بمظهره الخارجي بحيث يتلاءم ذلك مع قيمة المخطوط ومحتوياته (١) .
والتجليد هو أسبق فنون الكتاب العربي، فقد ذكر الداني في المقنع (بأن أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر ﵁ (٢) ومن النص يمكن القول إن اللوحين اللذين وردا في هذه الرواية هما لوحان من خشب (٣) ، وظل الجلد هو المادة المثالية لتجليد الكتب غير أن المسلمين في العصور المتأخرة استخدموا الورق المضغوط المدهون بطبقة من (اللاكية) (٤) . وسعى المجلد المسلم إلى تقسيم سطح الجلدة الواحدة إلى متن وإطار وأدخل الخط العربي عنصراً زخرفياً في زخرفة جلود الكتب (٥) . وكان من اهتمام المسلمين بفن التجليد اختراع اللسان الذي تعددت وظائفه الفنية من حفظ الأوراق من التمزق ومنع التراب عنها (٦) . إلى جانب المساعدة في تحديد مكان الوقوف للقارئ عند توقفه عن القراءة ولسهولة العودة إلى المكان الذي وقف
стр. 29
عنده للقراءة مرة أخرى (١) . وقد اختلفت أشكال جلود المصاحف بحسب الشكل الخارجي للمصاحف فمنها الشبيه بالمربع ومنها ما هو أفقي ومنها ما هو عمودي أو رأسي ومنها ما يشبه الصندوق (٢) .
ولم تقتصر الزخرفة على الغلاف الخارجي لجلدة الكتاب ولسانه، ولكنها امتدت إلى باطن الغلاف. وقد استخدمت طرق مختلفة في زخرفة جلود الكتب، من ذلك أن يضغط الجلد أو يختم بالذهب أو بدونه، وكانت الزخرفة بالقص واللصق من الجلد أو الورق المذهب على الأرضية الملونة.
وبمعاينة مصاحف الدراسة تبين أنها مجلدة جميعاً، وأن أغلب الصفات المشار إليها قبل قليل من حيث الزخرفة والتذهيب وخلافه متوافرة فيها، إلا أنه يلاحظ على بعضها أنها مفككة وتحتاج إلى تثبيت التجليد، وتتميز أربعة منها بأنه قد عمل لها جيب خاص يشبه تجليد المصحف من حيث اللون والتذهيب والزخرفة، كما تتميز بعض المجلدات بتغليفها من الخارج بقماش مخمل ذي ألوان جميلة وتبطين المجلدات بورق ملون ومزخرف بزخارف نباتية جميلة.
وقد توزعت ألوان المجلدات على ستة ألوان، كان أكثرها اللون البني بواقع ٥٢ مجلداً مع تفاوت في درجة هذا اللون من حيث كونه بنياً غامقاً أو بنياً فاتحاً وتلاه اللون الأحمر بتسعة مجلدات، ويلي هذا اللون الأخضر بستة
стр. 30
مجلدات، وأخيراً جاءت الألوان الأزرق والأسود والسماوي بواقع مجلد واحد من كل لون.
أما ما يخص التذهيب والزخرفة فكانت تتم في الغالب بطريقة الختم أو الحفر على المجلدات وتتراوح أشكالها بين الطغراء والأهلة والنجوم والزخارف النباتية وبعض الأشكال الهندسية.
стр. 31
٧- التفسير وترجمات القرآن الكريم:
نشأ التفسير مبكراً في عصر النبي ﷺ الذي كان أول شارح لكتاب الله، يبين للناس ما نزل عليه من القرآن الكريم (١) . وقد تنوقل تفسير بعض القرآن عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، واشتهر منهم عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير (٢) .
وتداول ذلك التابعون من بعدهم، ونقل ذلك عنهم، ولم يزل ذلك متناقلا في الصدر الأول حتى صارت المعارف علوماً، ودونت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، وانتهى جميع ذلك إلى أئمة التفسير أمثال: الطبري، والواحدي، والثعالبي وغيرهم (٣) ، وقد اتجه العلماء في تفاسيرهم اتجاهات متباينة، فكان ما يسمى
стр. 32
بالتفسير بالمأثور، وهو امتداد للتفاسير المسندة إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكان منها ما يسمى بالتفسير بالرأي، وتعددت فيه المناهج وتضاربت الأفكار، فحُمد بعضه وذم بعضه، تبعاً لقربه من هداية القرآن أو بعده عنها (١) .
والقرآن الكريم إذا أريد تقريب معانيه لقوم لا يعرفون العربية، فإن ذلك يكون من قبيل الترجمات للمعاني، وليست الترجمات بمصاحف على الإطلاق، وغالباً ما تجد هذا المعنى في مقدمة كل ترجمة من تلك التراجم (٢) . وقد أشار الإمام ابن حجر – وهو من كبار أئمة المحدثين – إلى أهمية الترجمة حيث يقول:" إن الوحي متلواً أو غير متلوّ، إنما نزل بلغة العرب. ولا يرد على هذا كونه ﷺ قد بعث إلى الناس كافة، عرباً وعجماً وغيرهم، لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم (٣) ".
وقد أصدر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة ثلاثين ترجمة لمعاني القرآن الكريم بلغات عديدة كالفرنسية والإنجليزية والفارسية والأوردية والصينية والأسبانية والاندونيسية والصومالية والكورية وغيرها. كما يتم الإعداد لإنجاز ترجمات أخرى مستقبلا، كما أصدر تفسيراً ميسراً ومختصراً يعتمد الأقوال الصحيحة، ويهتم بإبراز المعاني دون إطالة أو
стр. 33
تكرار، ويعنى بالعقيدة الصحيحة، ويبتعد عن التأويل، والألفاظ الغريبة، والخوض المتكلف في القضايا الغيبية، وسيكون نواة لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات المختلفة (١) .
وبمعاينة مصاحف الدراسة تبين وجود خمسة منها قد دون على حواشيها بعض جوانب التفسير مع التركيز على نحو أوسع على أسباب النزول، مع إشارة طفيفة إلى بعض الجوانب النحوية، وأحد هذه التفاسير كان باللغة العربية والباقي باللغة الفارسية وهذه المصاحف هي المحفوظة في المكتبة بالأرقام (٢٠،٣٨،٤٣،٥٢،٥٥) .
وقد وجدت على بعض المصاحف – محل الدراسة – ترجمات لمعاني القرآن الكريم، أحدها كان باللغة التركية ودونت بمداد أحمر بين السطور على المصحف المحفوظ بمكتبة المصحف رقم ٧٥، وهناك ستة مصاحف كانت ترجمة معاني القرآن باللغة الفارسية، وهي المصاحف المحفوظة تحت الأرقام الآتية (١٤،٢٠،٤٣،٥٢،٥٤،٥٥) ودونت الترجمة بمداد أحمر بين سطور المصحف، ما عدا المصحف رقم ٥٤، فقد دونت الترجمة على حاشية المصحف.
стр. 34
٨- القراءات:
عرّف الزركشي القراءات بقوله " القراءات: اختلاف ألفاظ الوحي – المذكور – في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرها (٢) ".
стр. 35
ويقول ابن الجزري: " القراءات: علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزواً لناقله (١) .
وفي ضوء هذين التعريفين وغيرهما يمكن أن يقال إن القراءة هي النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي ﷺ أو كما نطقت أمامه ﷺ فأقرها، سواءً كان النطق باللفظ المنقول عن النبي ﷺ فعلا أو تقريراً، واحداً أو متعدداً. وتنقسم القراءات استناداً إلى توفرها على أوصاف: (صحة السند، وموافقة العربية، ومطابقة الرسم) إلى قسمين: المتواترة والصحيحة (٢) .
ولم يزل القراء يتداولون القراءات وروايتها، إلى أن كتبت العلوم ودونت فكتبت القراءات فيما كتب من العلوم والفنون، وصارت صناعة مخصوصة، وعلماً منفرداً، وقد اشتهر ممن اعتنى بفن القراءات: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، وأبو عمرو الداني، وأبو القاسم الشاطبي (٣) ، وابن عامر، والكسائي وعاصم بن أبي النجود وعلي بن حمزة وغيرهم كثير (٤) .
وتم من خلال معاينة المصاحف ملاحظة اثني عشر مصحفاً سجل على حواشي بعضها، وبين الأسطر بمداد أحمر القراءات المشهورة بين القراء، إلا
стр. 36
أنها تتفاوت فيما بين المصاحف من حيث الطول والقصر، ومن حيث الاستمرار من أول المصحف إلى آخره فالغالب عليها أن بعضها كان باللغة العربية، وبعضها باللغة الفارسية، كما تضمن المصحف رقم ٤١ في نهايته موجزاً عن القراءات وتراجم موجزة أيضاً عن مشاهير القراء، أما أرقام المصاحف التي وجدت عليها القراءات فهي المصاحف المحفوظة بالأرقام الآتية (٢٠،٣٣،٤١،٤٣،٤٥،٥٤،٥٩،١٤١٠،١٤١٨،١٤٢٣،١٧٨١) .
والغرض من ذكر الأرقام هنا التسهيل على الباحثين الذين يرغبون في إعداد دراسات حول هذه القراءات بحيث يسهل عليهم مراجعة تلك المصاحف بأرقام حفظها في مكتبة المصحف الشريف بمكتبة الملك عبد العزيز.
стр. 37
٩- فضائل القرآن ودعاء ختم القرآن:
جاء في نهاية أربعة عشر مصحفاً دعاء ختم القرآن، تفرد المصحف ذو الرقم ٣٤ بالإضافة إلى ذلك بوجود رسالة في منافع سور القرآن في آخره، وكانت ثلاثة منها باللغة الفارسية والباقية وعددها أحد عشر فكانت باللغة العربية، وكانت هذه الأدعية تكتب من قبل خطاط المصحف لأنها تكون بالخط نفسه، وإذا كان الخط مزيناً بالتذهيب فإنه يناله شيء منه. والمصاحف التي ورد في نهاياتها أدعية ختم القرآن هي المصاحف ذات الأرقام الآتية (٢٠، ٢٥، ٣١، ٣٤، ٣٥، ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٦، ٤٧، ٥٤، ٥٥، ٥٨، ١٤٢٣) .
стр. 38
المبحث الرابع: نساخ المصاحف وإسهاماتهم
أولا: التوزيع الزمني:
...
المبحث الرابع: نساخ المصاحف وإسهاماتهم
كان للنساخ دور بارز ومميز في إظهار المصاحف المخطوطة، حيث عملوا على كتابة نسخ متعددة من القرآن الكريم، وقد كان بعضهم يذكر اسمه في نهاية المصحف المخطوط الذي نسخه في حين نجد آخرين يغفلون ذلك وهناك نوع ثالث كان يكتفي بذكر شهرته أو اسمه الأول لتصل إلينا تلك المصاحف بهذا العدد الكبير من النسخ المذهبة المزينة بالزخارف البديعة التي زينت صفحاتها بالخطوط العربية المتقنة.
وقبل أن نتعرف على نساخ المصاحف وإسهاماتهم لابد من الإشارة إلى الفترات الزمنية التي تمت فيها كتابة تلك المصاحف، وذلك على النحو التالي:
أولا: التوزيع الزمني:
إن الدارس لحركة نسخ المصاحف في القرن الحادي عشر الهجري يلاحظ أن أول مصحف تضمنته الدراسة نسخ عام ١٠٠١هـ بينما نسخ آخر مصحف في فترة الدراسة سنة ١١٠٠هـ.
ويمكن توزيع المصاحف المخطوطة على فترات زمنية تتضمن كل منها عشر سنوات ويتلوها حقل للمصاحف التي لم يتحدد تاريخ نسخها بحسب الجدول رقم (٧) التالي.
стр. 39
الجدول رقم (٧)
التوزيع الزمني للمصاحف المخطوطة
م
...
الفترة الزمنية
...
عدد المصاحف
...
النسبة المئوية
١
...
١٠٠١ –١٠١٠هـ
...
٤
...
٥.٧١%
٢
...
١٠١١-١٠٢٠هـ
...
٣
...
٤.٢٨%
٣
...
١٠٢١ –١٠٣٠هـ
...
١
...
١.٤٢%
٤
...
١٠٣١ –١٠٤٠هـ
...
٣
...
٤.٢٨%
٥
...
١٠٤١ –١٠٥٠هـ
...
-
...
-
٦
...
١٠٥١-١٠٦٠هـ
...
٢
...
٢.٨٥%
٧
...
١٠٦١-١٠٧٠هـ
...
٨
...
١١.٤٢%
٨
...
١٠٧١-١٠٨٠هـ
...
١٥
...
٢١.٤٢%
٩
...
١٠٨١-١٠٩٠هـ
...
١٥
...
٢١.٤٢%
١٠
...
١٠٩١-١١٠٠هـ
...
١٣
...
١٨.٥٧%
١١
...
غير محدد
...
٦
...
٨.٥٧%
المجموع
...
٧٠
...
١٠٠%
يتضح من الجدول السابق ما يلي:
(١) أنه خلال الفترة (١٠٠١-١٠١٠هـ) لم ينسخ سوى أربعة مصاحف أحدها نسخ في عام ١٠٠١هـ والثاني في عام ١٠٠٣هـ والثالث منها في عام ١٠٠٤هـ والرابع في عام ١٠١٠هـ.
أما الفترة الثانية (١٠١١ –١٠٢٠هـ) فقد نسخ فيها ثلاثة مصاحف فقط أحدها في عام ١٠١٣هـ بينما نسخ الثاني في عام ١٠١٧هـ تلاه المصحف الثالث حيث نسخ في عام ١٠١٨هـ، ويمتاز هذا الأخير بأنه أصغر مصحف مخطوط في مكتبة المصحف الشريف حيث بلغ حجمه ١١×٧ سم فقط.
стр. 40
أما الفقرة الثالثة (١٠٢١ – ١٠٣٠هـ) فلم ينسخ فيها سوى مصحف واحد جاء نسخة عام ١٠٢٤هـ.
أما الفترة الرابعة (١٠٣١-١٠٤٠هـ) فقد جاءت متساوية مع الفترة الثانية حيث جاء فيها ثلاثة مصاحف نسخت في الأعوام ١٠٣٤هـ، ١٠٣٨هـ، ١٠٣٩هـ.
ويلاحظ هنا أن الفترة الخامسة (١٠٤١ –١٠٥٠هـ) لم تتضمن نسخ أي مصحف. أما الفترة السادسة (١٠٥١ –١٠٦٠هـ) فقد شهدت نسخ مصحفين أحدهما في سنة ١٠٥١هـ والآخر سنة ١٠٥٨هـ.
أما الفترة السابعة الواقعة بين (١٠٦١ – ١٠٧٠هـ) فقد شهدت تطوراً ملحوظاً في نسخ المصاحف، حيث نسخ في هذه الفترة ثمانية مصاحف، نسخت ثلاثة منها في الأعوام ١٠٦٢هـ، ١٠٦٣، ١٠٦٥هـ، بينما نسخ ثلاثة منها في عام ١٠٦٦هـ في حين نسخ الإثنان الأخيران في عام ١٠٦٨هـ.
وبلغ نسخ المصاحف ذروته خلال الفترة الثامنة (١٠٧١-١٠٨٠هـ) إذ بلغ إجمالي عدد المصاحف المنسوخة في هذه الفترة خمسة عشر مصحفاً بنسبة ٢١.٤٢% نسخ منها في النصف الأول سبعة مصاحف في حين نسخ في النصف الثاني ثمانية مصاحف واستمرت الفترة التاسعة (١٠٨١ –١٠٩٠هـ) على المستوى نفسه من حيث عدد المصاحف المنسوخة، وقد نسخ في النصف الأول من هذه الفترة ثمانية مصاحف بينما نسخ في النصف الثاني سبعة مصاحف. إلا أن هذا الانتعاش لم يدم طويلا حيث تراجعت قليلا الفترة العاشرة (١٠٩١-١١٠٠هـ) في حركة نسخ المصاحف، وهي نهاية الفترة الزمنية التي تشملها الدراسة، فقد نسخ فيها ثلاثة عشر مصحفاً بنسبة ١٨.٥٧%.