ومحظور؛ إذ الوسائل لها أحكام المقاصد".١
* قالوا: "إنه قد روي عن عمر ﵁ أنه كان يصافحُ نيابة عن النبي ﷺ , حيث كان النبي يجلس على الصفا ومعه عمر أسفل منه، فجعل ﷺ يشترط عليهنّ البيعة وعمر يصافحُهن"، كما روي "أن النبي ﷺ كلّف امرأة وقفت على الصفا فبايعَتْهنّ".
وقيل: "إنه ﷺ دعا بقدح فيه ماء، فغمس يده فيه، ثم أمر النساء فغمَسْن فيه أيديَهن"٢.
ودُفع هذا: بأنّ هذه الروايات لم تثبت بسند صحيح يُحتجّ به، فلا تقوم بها حُجّة. وقد عارضتْ ما ورد في الصحيح في شأن المبايعة للنبي ﷺ من أنه كان يُبايِعُهن كلاماً دون مصافحة. وفي هذا يقول ابن العربي: "وذلك ضعيف؛ وإنما ينبغي التعويل على ما روي في الصحيح"٣.
стр. 72
وقال الحافظ وليّ الدين أبو زرعة العراقي: "ولا يصحّ شيء من ذلك". ثم قال عمّا روي عن عمر: "وكيف يَفعل عمر ﵁ أمراً لا يَفعلُه صاحبُ العصمة الواجبة"١.
* إن الاستدلال على تحريم المصافحة بترْك النبي ﷺ لها حال بيْعة النساء غيرُ مفيد في الاستدلال، وذلك لأنّ الاقتداء به ﷺ لا يكون إلاّ في الأفعال، وليس في التروك٢.
ودُفِع هذا: بأن الاستدلال بأحاديث البيعة وترْك المصافحة حالَ البيعة ليس هو الدليل الوحيد لدينا؛ بل هناك أدلّة أخرى مُتعدِّدة وردت وسَترد. ومع هذا، فإن مسألة الاقتداء بالنبي ﷺ في التروك كلام خلاصته فيما يأتي:
بأنّ ترْك النبي ﷺ قد يكون مقصوداً، وقد يكون غيرَ مقصود.
أ - فالترك غير المقصود: سلْب محضٌ، وهو لا يدل على جواز ولا كراهة ولا تحريم، وهو ليس محلاً للقدوة؛ وذلك كترْك النبي ﷺ وأبي بكر وعمر دخول الحمّامات. فلا يُحتجّ بهذا على كراهة أو
стр. 73
تحريم، لأنهم ما قصدوا التّرك ولا أمكنهم دخولها فلم يدخلوها، لأنه لم يكن في بلادهم وقتئذ حمّام. وكذا ترْكه ﷺ أنواعاً من القوت واللباس والمركب والمساكن ممّا لم يكن موجوداً بالحجاز في عصره ﷺ , فلا يدلّ ذلك على أنّ ترْك الانتفاع بذلك الطعام أو اللباس والمراكب والمساكن سُنّة١.
ب - والترْك المقصود، وهو الذي يُعبّر عنه بالكفِّ أو الإمساك أو الامتناع، وهو على أقسام:
القسم الأول: الترْك لِدَاعي الجِبِلّة البشرية، كتَرْكه ﷺ أكلَ لحم الضّبِّ مُعلِّلاً ذلك بقوله: "لم يكن بأرض قومي، فأجِدُني أَعَافُه" ٢. كما أنّ النبي ﷺ كان يترك ما لا يشتهيه من الطعام ولا يَعيبُه. فقد ثبت في حديث أبي هريرة: "أنّ النبي ﷺ ما عاب طعاماً قط. إنِ اشتهاه أكَلَه، وإن كَرِهَه تَرَكه"٣.
стр. 74
وهذا القسم لا يدلّ في حقِّنا لا على تحريم ولا على كراهية.
القسم الثاني: الترْك الذي قام الدليل على اختصاصه به، وهو ترْكه ﷺ لما حُرِّم عليه خاصّة، كترْكه أكْلَ الصّدَقة، وقد قال في هذا فيما رواه أبو هريرة ﵁: "إنّا لا تَحِلّ لنا الصّدَقة" ١.
وهذا القسم لا يدل أيضاً في حقِّنا لا على تحريم ولا على كراهة، وإن كان البعض يرى أنه يُقتدَى به ﷺ في الأفعال التي اختصّ بها على سبيل الاستحباب.
القسم الثالث: الترْك بياناً أو امتثالاً لمجمَل معلوم الحُكم عامٍّ لنا وله؛ فيُستفاد حُكْم التّرك من الدليل المبيّن والممثّل. ومثال ذلك: تركه للإحلال من العمرة مع صحابته، وقال فيما روته عنه أم المؤمنين حفصة ﵂: "إني لبّدْتُ رأسي، وقلَّدتُ هدْيِي، فلا أحلّ حتّى أنْحَر". ٢ فقد امتثل ﷺ للنّهْي الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ٣. وهو ترْك التّمتّع لأنه كان قد ساق الهدْي؛ وبهذا تبيّن حُكم مَن ساق الهدْي، وهو تحريم الحلق لظاهر النهي الوارد في الآية.
стр. 75
ومثال الترك الامتثالي: ترْكه ﷺ الصلاة على المنافقين لما نزل قوله سبحانه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ ١. وهذا القسم تشترك فيه الأمّة في الحُكم وهو: التحريم مع رسول الله ص.
القسم الرابع: الترْك المجرّد، وهو: ما ليس من الأقسام السابقة، وهو نوعان:
الأوّل: ما عُلم حُكمه في حقِّه بدليل من قول أو استنباط. وهذا النوع ينبغي أن يكون حُكمنا فيه كحُكمِه ﷺ , عملاً بقاعدة المساواة في الأحكام.
الثاني: ما لم يُعلَم حُكمه في حقِّه ﷺ ؛ فما ظهر منه أنّه ترَكه تعبُّداً وتقرّباً، نحمله على الكراهة في حقِّه، ثم يكون الحكم في حقِّنا كذلك، أخذاً من قاعدة المساواة في الأحكام. وما لم يظهر فيه ذلك، نحْمِله على أنه من الترك المباح.
وهنا نقرِّر بأن مصافحة النساء أمْر ترَكه النبي ﷺ في مقام البيان والتشريع، مع وجود المقتضي –وهو: البيعة–، وعدم المانع من المصافحة؛ فينبغي أن يكون حكمُه التحريم. وهو نفس حُكم القسم الثالث من التروك، لأنه لا فرق بين الفعل والترك في التّأسِّي فيهما.
стр. 76
جاء في كتاب "إرشاد الفحول": "ترْكه ﷺ للشيء كفِعْله له في التّأسِّي به فيه" ١.
وعلى أية حال، فإنّ أقل ما ننتهي إليه: أنّ كراهة المصافحة هي الحُكم في حقه، وبالتالي في حقِّنا. فإذا أُضيفَ إلى ترْكه هذه الأدلّةُ الأخرى، فإنّ التحريم هو المرجَّح في هذا الخلاف ٢.
ب - ومن المعقول:
بعد أن استدل القائلون بحُرمة مصافحة المرأة الأجنبية بالسُّنّة، شرعوا في عرض ما يَعضد ذلك من المعقول.
فقالوا: لقد حرّم الشارع الكريم الزِّنَى، وحذّر من فتنة النساء في غير ما موضع، فمِن هذا قوله ﷺ : "إنّ الدنيا حلوة خضرة، وإنّ الله مستَخْلِفُكم فيها فناظرٌ كيف تعملون؛ فاتّقوا الدنيا! واتّقوا النساء! فإنّ أوّل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" ٣.
стр. 77
وقوله ﷺ فيما رواه عنه أسامة بن زيد ﵁: "ما تركْتُ بعدي فتنةً هي أضرّ على الرِّجال من النساء" ١. والعقل يقتضي أنّه إذا حَرّم الشارع أمراً فإن هذا التحريم يَسري أيضاً بالنسبة للأسباب المؤدِّيَة إليه؛ ومِن ثَمّ وضَع الشارع الحكيم الاحتياطات اللازمة لسَدِّ باب هذه الفتنة، فحرّم النظرَ الحرام، والتبرجَ، والخلوة بالأجنبية، وذلك من باب سدِّ الذرائع. وبدون شك، فإنّ مسّ المرأة الأجنبية يُحرك كوامنَ النفس، ويفتح أبواب الفساد، ويُسهِّل مداخل الشيطان. من أجْل ذلك، كان القول بحرمة المصافحة؛ وهو أوْلى من تحريم النظر. وهذا يُحقِّق المقصود من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ٢. فالنهي في هذا الخطاب يشمل مجرّد الدّنُوِّ منه باقتراف المقدّمات التي تُؤدِّي إليه. وفي هذا يقول صاحب "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن": "وإنّما أمر بغضِّ البصر خوفَ الوقوع في الفتنة. ولا شك أنّ مسّ البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعياً إلى الفتنة، من النظر بالعين؛ وكلّ مُنصف يعلَم صحّة ذلك"٣.
стр. 78
وهكذا قال صاحب "أدلّة تحريم مصافحة الأجنبية": "ولا يجوز أن يُعترَض على إعمال قاعدة "سدّ الذرائع" هنا بسلامة نيّة مَن يُصافح الأجنبية وطهارة قلبه، لأنّ الشريعة السّمحة تحظر الفعل المؤدِّي إلى الفساد بغضِّ النظر عن نيّة صاحبة، لأن المنظور إليه في هذا الباب هو مآلات الأفعال، أي: ما تُؤدِّي إليه؛ فما دام المآل فاسداً كان الفعل المؤدَّي إليه ممنوعاً، سدّاً لذريعة الفساد، وإن لم يَقصد فاعلُه الفسادَ بفعله. فإذا خفِي القصد والنيّة، فالراجح عدم اعتبار القصْد لأنه غيرُ منضبط. ولا بدّ أن نعتبر المنضبط لأنّ التشريع لِمجموع الناس وليس لطائفة مخصوصة"١.
الترجيح: من خلال النظر فيما سبق مما قاله العلماء بشأن حُكم الشرع في مصافحة المرأة الأجنبية، على ما تقرّر من وصْف للأجنبية، وتحليل ما استدلّ به كلُّ فريق، ومناقشة ما أورده من أدلّة تشعّبتْ مسالكُها وتعدّدت طرقُ مناقشتها، فالذي يترجّح هنا الآن هو: القولُ بحرمة مصافحة المرأة الأجنبية مطلقاً، وأنّ هذا هو الأوْلى بالقبول، وهو الأقرب إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، والمحقِّق لمبدأ السلامة بالاعتماد على جانب الحيطة، والحرص على البعد عن كلِّ ما يَجُرُّنا إلى الفتنة المحرّمة شرعاً.
стр. 79
ويُقوِّي هذا ما يأتي:
١ - ثبوتُ عدم مصافحة النبي ﷺ للنساء مطلقاً حال البيعة مع وجود المقتضي وعدم المانع، هذا فضلاً عن أنه لم يفعل هذا، مع عِصْمته ﷺ وانتفاء الرِّيبة عنه، فغيْره أوْلى بذلك. كما أنّ كلّ الشّبهات التي أوردها المجوِّزون أمكن الردُّ عليها. وفي هذا يقول الشيخ الشنقيطي: " ... فيلزمنا ألاّ نصافح النساء اقتداءً به ﷺ ... وكونه ﷺ لا يصافح النساء وقت البيْعة: دليلٌ واضح على أنّ الرجلَ لا يُصافح المرأة، ولا يَمسُّ شيءٌ من بَدنِه شيئاً مِن بَدَنها، لأنّ أخفّ أنواع اللّمس المصافحة؛ فإذا امتنع منها ﷺ في الوقت الذي يَقتضيها - وهو وقت المبايعة - دلّ ذلك على أنها لا تجوز. وليس لأحد مخالفتُه ﷺ لأنه هو المشرِّع لأُمَّته بأقواله وأفعاله وتقريره"١.
٢ - أنّ كلّ مُنصِف يعلَم صحّة أنه مما لا شك فيه: أنّ مَسَّ البدن للبدنِ أقوى في إثارة الغريزة وأقوى داعياً إلى الفتنة من النّظر بالعين؛ وقد نهى الله سبحانه عن مقدِّمات الفاحشة سَدّاً لِباب
стр. 80
الافتتان والتّلذّذ بالمرأة الأجنبية، لاسيما في هذا الزمان الذي قلّ فيه الوازعُ الدِّينيّ، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ١. وفي هذا إفادةُ النّهي عن كلِّ ما يُؤدِّي إليه؛ ولِذا حرَّم الله سبحانه الخلوةَ بالأجنبية، وإدامةَ النظر إليها. وقد أمَر بغضِّ النظر خوف الوقوع في الفتنة, وفي هذا يقول الشيخ الشنقيطي: "إنّ ذلك ذريعةٌ إلى التّلذُّذ بالأجنبية لِقلّة تقوى الله في هذا الزمان، وضياعِ الأمانة، وعدمِ التّورّع عن الرِّيبة ... فالحقُّ الذي لا شك فيه: التباعدُ عن جميع الفِتَن والرِّيَب وأسبابها، ومِن أكْبرِها لمسُ الرَّجل شيئاً من بدن الأجنبية؛ والذريعة إلى الحرام يجب سَدُّها ... "٢.
٣ -ـ جاء في فتاوى اللجنة الدائمة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء ما يلي:
أولاً: أنه لا يجوز أن يضع رجلٌ يدَه في السلام في يدِ امرأة ليس لها بمحرم، ولو توقَّتْ بثوبها٣.
ثانيًا: لا يجوز للمسلم أن تمس بشرته بشرة امرأة من غير محارمه
стр. 81
لا بمصافحة ولا غيرها، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة١.
ثالثًا: لا يجوز للمرأة المسنة – العجوز ولا غيرها من النساء مصافحة الرجل الأجنبي ... وهذا يعم الكبيرة والصغيرة لخوف الفتنة٢.
هذا، ومن الجدير بالتنبيه عليه هنا: أنّ الذي ترجَّح الآن من القول بتحريم مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية مُراعىً فيه الدِّقّة في تحرير محلِّ النزاع على نحو ما سبق، بخصوص بيان المحرّمات على التأبيد وهنّ اللائي يجوز الخلوة بهن والنظر إليهن والسفر بهن ومصافحتهن إذا أُمِنَت الشهوة، لِيبقى التحريم الذي ترجّح هنا قاصِراً على المرأة الأجنبية عن الرجل. وهذه بطبيعة الحال هي التي تستدعي الحيطة والحذر في التعامل معها، فضلاً عن طبيعة بُعْدها في درجة القرابة عن الرجل؛ فلا أقلّ من التحوّط بتحريم مصافحتها، سَدّاً لباب الفتنة، وإعمالاً لقاعدة الأصول المقتضيةِ تحريم مقدّمة الحرام بنفس درجة ذلك التحريم، والله تعالى أعلم.
стр. 82
المبحث الثالث: مدى تأثير مصافحة المرأة على الوضوء
اختلف الفقهاء بشأن مدى تأثير مصافحة المرأة على الوضوء، سواء كانت المصافحة للزوجة، أم للمحارم، أم للأجنبيّة، فضلاً عن اللمس المعتبَر أعمّ من المصافحة. ومنشأ الخلاف في هذه المسألة مرجعُه إلى خلاف آخَر في أمريْن:
أحدهما: الاشتراك الواقع في لفظ "اللّمس" الوارد في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ١. في كلام العرب؛ فإنّ العرب تُطلِقه على اللّمس باليد مَرّة، وأُخرى تُكنِي به عن الجماع. فهل هو هنا محمول على الحقيقة أم على المجاز؟
فمَن حمَلَهُ على الحقيقة - وهي مُجرّد اللّمس باليد -, قال بنقْض الوضوء بمجرّد اللّمس. ومِن هؤلاء مَن رآه من باب العامِّ الذي أُريد به الخاصّ، فاشترط قصْدَ الشّهوة أو وجودَها كالمالكية. وأمّا مَن حمَل اللفظ على المجاز -وهو الجماع - قال بعَدم نقْض الوضوء بمجرّد اللمس.
стр. 83
وثانيهما: معارضة حديث عائشة في تقبيل النبي ﷺ لبعض أزواجه، ثم يُصلِّي دون وضوء١، لعموم اللّمس في الآية ٢.
وتحقيق القول في مدى تأثير المصافحة على الوضوء يتّضح من خلال النّظر في المذاهب الآتية:
المذهب الأوّل: يرى أنّ الوضوء ينتقض إذا وقعت المصافحة بشهوة حتى ولو لم يجد لذّة، أو وجَد لذّة حتى ولو لم يقْصِدْها. ولا ينتقض إذا كانت بغير شهوة، أو كانت من فوق حائل كثيف. وإلى هذا ذهب المالكية، وهو أشهر الراويات عند الإمام أحمد، وهو مروي عن الحكم وحماد والليث، ورواية عن إسحاق والشعبي والنخعي وربيعة والثوري٣.
واستدل هؤلاء بما يأتي:
أ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ
стр. 84
الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ١. فهذه الآية تدلّ بظاهرها على أنّ مُطلق اللّمس ناقض للوضوء، سواء أكان بشهوة أم بغير شهوة، غير أنّ السُّنّة قيّدَتْه بما كان بشهوة.
ونوقش هذا: بأنه ينبغي إبقاء الآية على ظاهرها؛ حيث تدلّ دلالة واضحة على نقض الوضوء باللمس المطلق، سواء بشهوة أم لا؛ فيجب إبقاء الأمر على ظاهره.
ودُفِع هذا: بأنّ هذا الظاهر يجب تقييدُه بالسُّنّة حيث دلّتْ على أنّ الذي يُنقض الوضوء هو ما كان بشهوة دون غيره.
ب - تقبيل الرسول ﷺ لبعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة:
فيما روي عن حبيب بن أبي ثابت٢ عن عروة٣ عن عائشة ﵂: "أن ّالنبي ﷺ قبّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ".
стр. 85
قال عروة فقلت لها: مَن هي إلا أنتِ. فضحكتْ"١.
وما روي عن أبي روق٢ عن إبراهيم التيمي٣ عن عائشة: "أنّ النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ"٤.
و"حديث لمس عائشة لقدَمِه وهو يصلِّي، ولم يقطع صلاته حينما لمستْه السيدة عائشة"٥.
وهذا يدلّ على أنّ اللّمس كان بلا شهوة. فقد روى أبو هريرة ﵁ عن عائشة ﵂ قالت: "فقدْتُ رسولَ الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسْتُه، فوقعتْ يدي على بطن قَدَمَيْه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك؛ أنت كما أثنيْتَ على
стр. 86
نفسك" ١. فهذا الحديث يدلّ على عدم نقض الوضوء بلمس المرأة. ومنه المصافحة ٢.
ومما يؤكِّد هذا: حديثُ حَمْلِه ﷺ لأمامة بنت أبي العاص٣، فيما روى أبو قتادة٤ ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يؤمّ الناس، وأمامة بنت العاص على عاتقه. فإذا ركع وضَعَها، وإذا رفع من السجود أعادها"٥. حيث دل هذا الحديث على أنّ لمس الإناث لا ينقض الوضوء٦.
стр. 87
ولا شك أنّ حمْله لها كان مجرداً من الشهوة، ومِن ثَمّ لم ينتقض وضوؤه. وهذا الوجه متحتِّم من أجل الجمع بين هذه الأدلّة وأدلّة نقض الوضوء مِن لمس المرأة. أي: أن الأحاديث الواردة بنقض الوضوء من لمس المرأة خاصّة بوجود الشهوة؛ فيبقى ما لا شهوة فيه على الأصل وهو عدم النقض. فالجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض ممكن؛ فيجب المصير إليه لأن العمل بكِلا الدليليْن خير من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، بأن تُحمل أدلّة عدم النقض على ما كان بغير شهوة، وتُحمل أدلّة النقض على المسّ المقترن بالشهوة.
جـ - قياس اللّمس غير المقترن بالشهوة على لمس ذوات المحارم، بجامع انعدام الشهوة في كلٍّ. ّ فكما لا ينتقض الوضوء بلمْس المحارم المجرّد من الشهوة، فكذا لا ينتقض وضوء من لمس مجرّداً من الشهوة١. هذا فضلاً عن قياس لمس الرجل لزوجته من غير شهوة على لمس المعتكف لزوجته بغير شهوة، وهذا جائز باتفاق العلماء؛ حيث ثبت: "أنّ النبي ﷺ كان يُدني رأسه إلى السيدة عائشة ﵂ فتُرَجِّلُه وهو معتكف"٢ رغم أنّ ذلك مَظنّة مسِّها لَهُ ومَسِّه لها.
стр. 88
كما أنّ الإحرام أشدّ من الاعتكاف. ولو مسّت المرأة المحُرِم بغير شهوة لم يأثمْ بذلك، ولم يجب عليه دم باتفاق الفقهاء١.
د - واستُدلّ بالعقل على عدم نقض الوضوء باللمس بدون شهوة، وقالوا إن الذي ينقض الوضوء هو اللّمس بشهوة فقط، لأنّ اللمس ليس بحَدث في نفسه، ولكنه نقض لأنه يُفضي إلى الحدث بخروج المذْي أو المني؛ فاعتبر فيه الحالة التي تُفضي إلى ذلك وهي حالة الشهوة٢.
المذهب الثاني:
يرى أنّ الوضوء ينتقض بمصافحة المرأة بدون حائل مطلقاً، سواء كانت المصافحة بشهوة أم بغير شهوة. أمّا إذا وقعت المصافحة بحائل –ولو كان رقيقاً– فلا تنقض الوضوء. وإلى هذا ذهب الشافعية، والإمام أحمد في رواية له، وابن حزم. وهو المروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عمر وزيد بن أسلم من الصحابة، ومكحول والشعبي والزهري من التابعين، ومن الفقهاء
стр. 89
كلّ من النخعي والأوزاعي في إحدى الروايتيْن عنه وإسحاق١.
واستَدلّ هؤلاء بما يأتي:
أ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ٢. فهذه الآية صريحة الدلالة على نقض الوضوء بالمصافحة؛ حيث إن قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ صريح في أنّ اللمس - ومنه المصافحة - من جملة الأحداث الموجِبة للوضوء. واللمس المذكور في الآية يُراد به مجرّد اللّمس باليد، بدليل أنّ الحق سبحانه عطَف اللّمس على المجيء من الغائط، ورتّب عليه الأمر بالتّيمّم عند فقد الماء؛ فدلّ ذلك على أنه من جملة الأحداث. واللّمس يُطلق حقيقة على اللمس باليد ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ٣. كما يُطلق اللمس مجازاً على الجماع، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
стр. 90
تَمَسُّوهُنَّ﴾ ١. واللفظ إذا تردّد بين الحقيقة والمجاز، فالأوْلى حمْلُه على الحقيقة حتى يقوم دليل على إرادة المجاز، ولا دليل هنا. ويؤيِّد بقاءَ اللفظ على الحقيقة في هذه الآية: قراءةُ حمزة والكسائي: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٢. فهي ظاهرة في إرادة المسّ دون الجماع.٣
وأمّا مِن حيث عموم النّقض باللّمس - ومنه المصافحة -, فلأنّ الملامسة مُفاعلة، وهي لا تكون إلاّ مِن فاعليْن، فيُخاطَب بها الرجال والنساء على العموم، ويكون حُكمها ملْزماً للجميع دون تخصيص لواحد منهما، ولا تخصيص لجنس اللّمس من حيث كونه بشهوة أو بدون شهوة، حيث لا دليل عليه٤.
ونوقش هذا بما يأتي:
* أنّ قولَكم بأنّ الآية حُكمها عامّ ومُلزِمٌ للجميع، دون تخصيص لجنس اللّمس هل هو بشهوة أم لا: قولٌ غيرُ مُسلَّم؛ وذلك لأنّ العموم الوارد في الآية مخصوص بالأحاديث التي تُثبِت
стр. 91
عدمَ انتقاض الوضوء باللّمس؛ وعليه فإنه يتحتّم حمْلُ هذه الأحاديث على اللّمس المجرّد من الشهوة.
* أنّ قولَكم: إنّ اللفظ إذا تردّد بين الحقيقة والمجاز، فإنّ حمْلَه على الحقيقة واجب: قولٌ غيرُ مُسلَّم على الإطلاق؛ إلاّ أنه إذا كثُر استعمال اللفظ في المجاز، فإنه يُحمل عليه في هذه الحالة، كما هو الحال في "الغائط" حيث يُراد به عند الإطلاق: "الحدَث" مع أنه مجاز فيه؛ حيث إن حقيقته: المكان الذي اطمأنّ من الأرض.
* أنّ قولكم: إنّ الملامسة مفاعلة، وهي لا تكون إلاّ من فاعليْن، فهذا غيرُ مُسلَّم هو الآخر؛ وذلك لأنّ
المفاعلة هي الأخرى متصوّرة في صورة المسيس باليد١. هذا فضلاً عن أنّ لفظ "المفاعلة" قد يَرِد في الواحد، فيقال: سافر، وهاجر، وطابق النعل. ثم الجماع فعْل الرجل، ومن المرأة التمكين، ومثلُه جارٍ في اللّمس فإنه فعل يجري بين بَشَرتيْن كالجماع٢.
стр. 92
* أنّ الملامسة الواردة في الآية يُراد بها الجماع١؛ وهذا مروي عن عبد الله بن عباس ﵁ حيث قال: "الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والجماع، نكاح؛ ولكنّ الله تعالى كنى". وهذا مروي أيضاً عن علي بن أبي طالب، وبه قال عطاء والحسن البصري٢.
واللمس، وإن كان مجازاً في الجماع، إلاّ أنه عُدل به في هذه الآية عن الحقيقة إلى المجاز، لوجود القرينة الدالة على ذلك، وهي: الأحاديث التي أثبتَتْ عدَمَ نقْض الوضوء باللّمس، خصوصاً وأنّ أسلوب الآية وتركيبَها يدلّ على أن المقصود باللّمس فيها هو: الجماع. وبيان ذلك: أنّ معنى الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ يعني: وقد أحدَثْتُم قبل ذلك، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ؛ فأوجب الوضوءَ بغسل ومسح هذه الأعضاء المذكورة في الآية. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ ، أي: بالاغتسال من الجنابة. فأوجب الوضوءَ من الحدَث الأصغر، والغسلَ من الحدث الأكبر. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ
стр. 93
لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يريد الجماع، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ تتوضّؤون به من الغائط، أو تغتسلون به من الجنابة كما أمرْتكم به في أوّل الآية، ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ ؛ فأوجب في آخِر الآية التّيمّم على ما كان أوجب عليه الوضوء أو الاغتسال بالماء في أوّلها١.
ودُفِع هذا: بأنّ المراد باللّمس في الآية: حقيقتُه. وقول ابن عباس وعليّ معارَض بقول غيرهما من الصحابة، كعمر، وابن عمر، وابن مسعود. وهذا أوْلى من قول ابن عباس وعليّ، لأنه قول يُسنَد إلى الحقيقة وهي مقدّمة على المجاز، ولأنّ الحقيقة في هذه المسألة أحْوطُ للعبادة. والأصل في العبادات الاحتياط؛ ألا ترى: أنه لما تردّدَتْ "إلى" في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بيْن أن تكون حدّاً وبيْن أن تكون بمعنى: "مع"، حُملَتْ على أنها بمعنى: "مع" المرافق، احتياطاً٢؟ وعلى هذا، فإنّ اللّمس –ومنه: المصافحة– يُحمل في الآية
على حقيقته. ويُؤيِّد بقاءَه على المعنى الحقيقي: قراءة: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ ؛ فإنّها ظاهرة في مجرّد اللّمس دون الجماع٣.
стр. 94
ب - واستدلّ أنصار المذهب الثاني أيضاً بالسُّنّة فيما روي عن معاذ بن جبل١ قال: "أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقِيَ امرأةً لا يعرفها. فليس يأتي الرّجل من امرأته شيئاً إلاّ قد أتاه منها، غير أنه لم يجامِعْها؟ قال: فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٢. قال: فقال له النبي ﷺ : "توضّأْ ثُم صَلِّ". وقال معاذ: فقلتُ: يا رسول الله، ألَهُ خاصّة، أمْ للمؤمنين عامّة؟ قال: "بلْ للمؤمنين عامّة". ٣
ففي هذا الحديث، يأمر النبي ﷺ السائلّ بالوضوء من غير تفصيل هل كان اللمس بشهوة أمْ لا؟ فدلّ ذلك على نقض
стр. 95
الوضوء بمجرّد لمس المرأة مطلَقاً١.
ونوقش هذا: بأنّ الحديث الذي تمسّكْتُم به مُعَلٌّ بالانقطاع، لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعْ من معاذ؛ حيث إنّ معاذاً توفي في خلافة عمر، وتوفي عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلامٌ صغيرٌ ابن ستِّ سنين٢؛ كما أنّ أصْل القصّة في "الصحيحيْن" وغيرهما بدون الأمر بالوضوء والصلاة٣؛ وكلّ ذلك يوجب ردَّه.
وعلى فرض التسليم جدلاً بصحّة هذا الحديث، فإنه لا دلالة فيه على النقض، لأنه لم يثبت أنّ الرجل كان
متوضِّئاً قبل أن يأمره النبي ﷺ بالوضوء، ولا ثبت أنه كان متوضِّئاً عند اللمس فأخبره النبي ﷺ أنه انتقض وضوؤه٤. كما يحتمل أنّ النبي ﷺ إنما أمَرَه بالوضوء للتبرك وإزالة الخطيئة لا للحدَث. هذا فضلاً عن أنّ الحال التي ذكَرها الرجل لرسول الله ﷺ لا يشكّ أحد في أنها لا تخلو من
стр. 96
شهوة. فهل يُتصوّر أن يلتقي رجل بامرأة ويأتي منها ما يأتي الرجل من امرأته غير المجامعة، وتخلو هذه الصورة من شهوة؟
المذهب الثالث: يرى أنّ مصافحة المرأة لا تنقض الوضوء مطلقاً؛ لا فرق في ذلك بين كونها بشهوة أم لا، وقعت بحائل أم لا؟ وإلى هذا ذهب الحنفية، وفي رواية للإمام أحمد، وهو مروي عن ابن عباس، وعطاء، وطاووس، ومسروق، والحسن، والثوري١.
واستدل هؤلاء بما يأتي:
أ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ٢. فقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يُراد به الجماع الذي يوجد الجنابة. وهو مروي عن عبد الله بن عباس ﵁ حين قال: "الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والجماع، نكاح؛ ولكنّ الله تعالى كَنى". ومثله مروي عن عليّ بن أبي طالب، وهو قول عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري٣.
стр. 97
ويؤيد هذا: قولُه تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُم﴾ على وزن: "فاعَلْتُمْ"، والمفاعلة لا تكون إلاّ بين شخصيْن وذلك هو: الجماع١.
ونوقش هذا: بأنه لا يُسلَّم لكم ما ذهبتُم إليه من تفسير الملامسة بالجماع. وما روي عن ابن عباس وعليّ وغيرهما مُعارَض بما ثبت عن عبد الله بن مسعود وابن عمر، وكذلك عمر، وعمار، وابن الزبير ﵃ أجمعين -؛ فقد ثبت أنهم قالوا: "القُبلة من الملامسة، وما دون الجماع من الملامسة"٢. ومثْل هذا روي عن الزهري، وعطاء بن السائب، ومكحول، والشعبي، والنخعي٣. أمّا بالنسبة لقولكم: "إنّ الملامسة مفاعلة، وهي لا تكون إلا بيْن اثنيْن"، فمدفوع بأنّ لفظ "المفاعلة" متصوّر من جانب واحد، يقال: سافر، وهاجر، والفاعل واحد٤.
стр. 98
ب - استدلّوا أيضاً بالسُّنّة، ومن هذا:
١ - ما رُوي عن أبي روق إبراهيم التيمي، عن عائشة: "أنّ النبي ﷺ قَبَّلها ولم يتوضّأ"١. وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة عن عائشة ل: "أنّ النبي ﷺ قَبّل امرأةً من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضّأْ". قال عروة: فقلت لها: "من هي إلا أنتِ. فضحكتْ"٢.
ففي هذيْن الحديثيْن: الدلالة الواضحة على عدم نقْض الوضوء بلمْس المرأة مُطلقاً، لأن القُبلة أعظم اللمس، وقد فَعلها رسول الله ﷺ , ثم صلّى ولم يتوضّأ؛ وهذا نصّ في الموضوع.
ونوقش هذا: بأنّ هذيْن الحديثيْن لا يَصحّان؛ فقد ضعّفهما وطعَن فيهما أهلُ الحديث. فقد قال أبو داود في روايته لحديث إبراهيم التيمي: "هو مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئاً"٣. وقال عنه الترمذي أيضاً: "لا يصحّ أيضاً، ولا نعرف
стр. 99
لإبراهيم التيمي سماعاً من عائشة. وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء".١
وقال الترمذي عن حديث عروة: "وإنما ترَك أصحابُنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا، لأنه لا يصحّ عندهم، لحال الإسناد". ثم روى عن علي بن المديني قال: "ضعَّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدّاً وقال: "هو شبْه لا شيء"٢.
وفي هذا يقول ابن قدامه: "وأمّا حديث القُبلة، فكُلُّ طُرُقِه معلومة. قال يحيى بن سعيد: "احْكِ عنِّي أنّ هذا الحديث شِبْهُ لا شيء". قال أحمد: "نرى أنه غلّط الحديثيْن جميعاً –يعني: حديث إبراهيم التيمي، وحديث عروة -؛ فإن إبراهيم التيمي لم يصحّ سماعه من عائشة، وعروة المذكور ههنا: عروة المزني ولم يدرك عائشة". كذلك قاله سفيان الثوري، قال: "ما حدّثنا حبيب إلا عن عروة المزني. ليس هو عروة بن الزبير"٣.
ودُفع هذا: بأنّ هذا الحديث صحّحه ابن عبد البَر وجماعة.
стр. 100
وعلى فرْض التّسليم بضعفه، فإنه يتقوّى بكثرة الرواة، وينجبر بكثرة وتعدّد الروايات، وبحديث عائشة في لمسِها لقَدَم النبي ﷺ وهو في صلاته١.
ورُدَّ هذا الدّفع: بأنه على فرْض التّسليم بصحّته، فإنه يُمكن حمْلُه على أنّ القُبلة كانت من فوق حائل، ولا يمتنع أن يُطلق اسم القُبلة على ذلك.
وطُعن في هذا الرّدِّ: بأنّ القول بذلك فيه تكلّف واضح، ومخالفة للظاهر٢.
ودُفع هذا الطعن: بالتسليم بأنّ اللّمس أو القُبلة كانت بغير حائل، إلاّ أنه يحتمل أنّ التقبيل كان بغير شهوة. وقد قال ابن قدامه: " ... قد يُمكن أن يُقبِّل الرجل امرأتَه لغير شهوة برّاً بها وإكراماً لها ورحمة. ألا ترَى إلى ما جاء عن النبي – ﷺ "أنه قَدِم مِن سفر فقَبَّل فاطمةَ"٣؛ فالقُبلة قد تكون لشهوة ولغير شهوة ... "٤.
стр. 101
ومن هنا، يبقى الحديث محتملاً، ويسقط الاستدلال به١.
٢ - ما رواه أبو قتادة ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يؤُمّ الناس، وأمامةُ بنت العاص على عاتقه. فإذا ركَع وضَعها، وإذا رفع من السجود أعادها"٢.
فهذا الحديث يدلّ على: أنّ لمس الإناث لا ينقض الوضوء، لأن النبي ﷺ كان يحمل أمامةَ بنتَ زينب ابنتِه وهو في الصلاة، ولو كان اللمس ناقضاً للوضوء لما صلّى النبي ﷺ بعد فِعْلِه٣.
ونوقش هذا: بأنّ حمْلها لا يقتضى مباشرة بدَنها؛ إذْ يحتمل أنها كانت موشّحة برداء أو بقفّازيْن وجوربيْن، أو كان ثوبها سابغاً يغطي يديْها ورجليْها٤، فضلاً عن أنها من ذوات الأرحام لأنها ابنة بِنْتِه زينب؛ والوضوء لا يجب من لمس المحارم عند الشافعية في أحد القوليْن. كما أنه لا وضوء عندهم في لمس الصغيرة على أحَد القوليْن٥.
стр. 102
كما أنه يحتمل أنّ اللمس كان بِلا شهوة –وهو الظاهر–، فلم ينتقض الوضوء لأنّ المدار في نقض الوضوء على قصْد اللّذة أو وجودها –عند المالكية والحنابلة–، لا فرق في ذلك بين الأجنبيّة وذات المحارم، والكبيرة والصغيرة؛ فاللمس الناقض هو الذي تتحقّق فيه الشهوة، ومتى وُجدت فلا فَرْق بين الجميع١.
٣ - ما رواه أبو هريرة عن عائشة ﵂ قالت: "فقَدْتُ رسول الله ﷺ ليلةً من الفراش، فالْتمسْتُه، فوقعتْ يَدي على بطْن قدَميْه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك؛ لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيْتَ على نفسك" ٢.
فهذا الحديث يدلّ على عدم نقْض الوضوء بلمس المرأة
- ومنه المصافحة - لأنّ الطاهرة عائشة ل لمسَتْ قدَم رسول الله بِيَدها وهو يُصلِّي، ولو كان ناقضاً للوضوء لما مضَى في صلاته٣.
ونوقش هذا: بأنّ هذا الحديث يحتمل أنّ النبي ﷺ كان داعياً في غير الصلاة.
стр. 103
وهذا جائز للمُحدِث؛ وليس من شرط الدعاء كونُه في صلاة، كما يحتمل أن يكون اللمس من فوق حائل١.
ودُفِع هذا: بأنّ الظاهر: أنه كان في صلاة ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلاّ بِيَقين. وأمّا دعوى الحائل، ففيها تكلّف ظاهر؛ حيث ثبت عن عائشة أنها قالت: "كنت أنام بيْن يدَيْ رسول الله ﷺ ورِجْلاي في قِبْلتِه؛ فإذا سجَد غمَزَني فقبضْتُ رِجْلي، فإذا قام بسَطْتُهما". قالت: "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح"٢.
فقولها: "فإذا سجد غمزني" ظاهر في أنّ اللّمس كان بلا حائل، لأنّ حقيقة الغمز إنما هو باليد، ومنه:
غَمْزُك الكبْش: إذا جسَسْتَه لتنظر أهو سمين أم لا؟ والرِّجْل الغالب عليها ظهورُها من النائم، لاسيما مع الامتداد٣.
جـ - واستدلّوا كذلك بالقياس، حيث قاسوا لمسَ الرّجل للمرأة –ومنه: المصافحة - على لمس الرّجُل للرّجُل وقالوا: لو كان لمسُ المرأة ناقضاً للوضوء، لكان لمسُ الرّجلِ للرَّجُل ناقضاً أيضاً،
стр. 104
كما أن جماع الرّجل الرّجل كجماعه المرأة موجب للغسل، كما قاسوا لمس المرأة عموماً على لمس المرأة المحرم وعلى لمس الشعر١.
ونوقش هذا: بأنّ قياس لمس المرأة على لمس الرجل قياسٌ لا يصحّ، لأنّ الرّجل ليس مظنّة لشهوة. كما أنّ قياس المرأة عموماً على لمس المحارم وعلى لمس الشعر قياسٌ مع الفارق، لأن لمس المحارم لا نُسلِّم أنه لا ينقض الوضوء مطلقاً، ولو سلّمناه فلا نُسلِّم لهم القياس أيضاً، لأنّ المحارم ليست محلاً لشهوة شرعاً٢، ومازال الناس قديماً وحديثاً يتعارفون على أن يعانق الرّجل أُمّه وجَدّته ويُقبِّل ابنتَه حال الصِّغر قُبلةَ الرّحمة، ولا يرَوْن ذلك ينقض الوضوء ولا يُوجب وضوءاً عندهم٣.
وأمّا القياس على الشّعَر، فغير المسلّم لهم أيضاً، لأنّ الشعَر لا يُلتذّ بلمْسه وليس محلاً للشهوة. وقد أبطل أمام الحرميْن القياس في هذا الباب٤.
стр. 105
د - واستدلّوا بالمعقول:
وقالوا: إنّ اللمس ليس بحدَث في ذاته، كما أنه ليس من أسباب الحدَث غالباً، فأشبَهَ لمس المرأةِ المرأةَ والرَّجلِ الرَّجلَ، ولا ينقض الوضوء بهذا١.
ونوقش هذا: بأنّ قولكم: "إن اللّمْس ليس بحدَث في ذاته" مُسلَّم، إلاّ أنه اعتُبِر ناقضاً للوضوء لأنه يُفضى إلى خروج الحدَث، فاعتبرت الحالة التي تُفضي إلى الحدث بحسب الغالب وهي: حالة الشهوة٢. وهذا يخالف لمسَ المرأةِ المرأةَ والرَّجلِ الرّجلَ؛ فإنّ هذا اللمس ليس مظنّة الشهوة.
الترجيح:
من خلال النظر فيما قاله الفقهاء بشأن مدَى تأثير المصافحة للمرأة على الوضوء، بذكْر ما قالوه وأدلّتهم، ومتابعتها بالمناقشات الواردة عليها، يُمكن القول الآن بأنّ الرّاجح:
هو ما ذهب إليه أنصار المذهب الأوّل، - وهُم: المالكية، والمشهور عند الحنابلة – القائلون بنقْض الوضوء بمصافحة المرأة إذا
стр. 106
وقعتْ بشهوة، وإلاّ فلا، لأن هذا القول هو الأوْلى بالقبول بمراعاة أنّه لا تعارض بين ما ترجّح هنا وبين ما ترجّح بالنسبة لأحكام المصافحة للمرأة – على نحو ما سبق -, والذي ترجّح فيه الحرمة بالنسبة للمرأة الأجنبية، لأن المسألة التي معنا الآن - وهي مدى نقض الوضوء بالمصافحة - شاملة للأجنبيّة وغير الأجنبيّة، ولا يلزم من حرمة مصافحة الأجنبية نقض الوضوء بهذه المصافحة حيث إن الجهة منفكّة. وبهذا التوضيح يحصل التوفيق بين ما رجّحناه هنا، وما ترجّح من حرمة مصافحة المرأة الأجنبية، وما اتّفق عليه العلماء بشأن حرمة مصافحة المرأة الأجنبيّة عند تأكّد الفتنة بوجود الشهوة.
هذا، والذي دفعني إلى ترجيح هذا المذهب: أنّ القول به يؤدِّي إلى الجمع بين الأدلّة التي ظاهرُها التعارض؛ وهذا أوْلى من إعمال أحدِها وإهمال الآخَر. فهو مذهب وسط بيْن طرفيْن، يجمع بين الأدلّة، ويَدْفع التعارض عن سُنّة رسول الله ﷺ .
هذا فضلاً عن أنّ القول به فيه: رفْعٌ للحَرج ودفْعٌ للضرر الذي يترتّب على القول بنقض الوضوء مطلقاً. كما أنّ القول بعدم نقض الوضوء بالمصافحة مُطلقاً حتى ولو تحقّقت الشهوة قولٌ فيه تساهل واضحٌ لا يُمكن أن تطمئنّ النفوس إليه، خاصّة وأنّ القول به يفتح مجالاً لمرضى القلوب والنفوس لِيَزيغوا عن سبيل الهدى والرشاد. والله تعالى أعلم.
стр. 107
المبحث الرابع: المصافحة عقب الصلاة
استبان لنا فيما سبق: أنّ المصافحة عند اللقاء سُنّة، بمراعاة ما قيل بشأن مصافحة المرأة الأجنبيّة، ومدى تأثير مصافحة المرأة على الوضوء. وسُنِّيّة المصافحة هذه تتحقّق بدون شك عند كلِّ لقاء، حتى ولو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة، طالما كان ذلك بسبب اللقاء. وهذه المصافحة بعد أداء الصلاة، وعلى هذا السبب - وهو: اللقاء - لا تخرج عن حُكمها الأصلي، وهو القول بأنها سُنّة، على معنى أنّ كونها عقِب الصلاة لا يُخرجها عن هذا الحُكم لأنها حدثَتْ بسببٍ غير الصلاة وهو اللقاء؛ وهذا لا نزاع فيه.
إنما الخلاف في حُكم ما اعتاده كثير من المسلمين من المصافحة عقِب الصلاة، أي: عقِب التسليم، لدرجة أنهم يَحرصون عليها حتى أنها أصبحت محلّ مواظبة منهم؛ وهذا ما دفَع بعض العلماء للتخوّف من أن يظُنّ البعضُ أنها من شعائر الصلاة، وأنّ الصلاة لا تكتمل إلا بها. فاختلف الرأي في هذا الشأن، مما يستلزم تحقيق
стр. 108
القول الآن في هذا الخلاف، لنستنير بحُكم الشرع على هُدًى وبصيرة، لنقول: إنّ الخلاف في هذا على مذهبيْن:
المذهب الأوّل: يرى أنّ المصافحة عقِب الصلاة مُباحة ولا شيء فيها، ولا تأثيم لفاعلها، حتى أنّ بعض هؤلاء قال باستحبابها، تحقيقاً للتعارف والتراحم بعد فراغهم من الصلاة، كأوّل واجهة لهذا عقب الصلاة.
واستدلّ هؤلاء بما يأتي:
أ - ما أخرجه البخاري عن شعبة عن الحَكم قال: سمعت جحيفة قال: "خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضّأ ثم صلّى الظهر ركعتيْن والعصرَ ركعتيْن وبيْن يديْه عَنَزَةٌ". قال شعبة: وزاد فيه عون عن أبيه عن أبي جحيفة١ قال: "كان يمُرّ من ورائها المرأةُ. وقام الناس فجعلوا يأخذون يديْه فيَمسحون بها وجوهَهم. قال: فأخذتُ يَدَه فوضعْتُها على
стр. 109
وجْهي؛ فإذا هي أبْرَد من الثلج وأطْيَب من رائحة المسك"١.
فقد دلّ هذا على وقوع المصافحة بعد الصلاة، حيث ورد فيه: أنّ الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يأخذون بيده ﷺ بعد الصلاة، أي: يصافحون ثم يمْسحون بيده وجوهَهم بعد ذلك٢.
ونوقش هذا: بأنّ أخْذ الصحابة ليَديْ رسول الله ﷺ كان مقصوداً به التّبرّك بيديْه الكريمتيْن. ويدلّ على هذا: أنهم كانوا يَمسحون بهما وجوهَهم. والمتعارَف عليه بين المسلمين: أنّ المصافِح لغيره لا يمسحُ وجْهَه بيدِ مَن صافَحَه؛ هذا فضلاً عن أنّ المصافحة تتم باليد الواحدة، والوارد في الحديث أنّ الصحابة كانوا يأخذون بكلْتا يديْه الشريفتيْن. وفي هذا: الدلالة على أنّ المقصود مِن فعْلِهم هذا هو: التبرك بيدَيْ رسول الله ﷺ , فيَستلمونها ويمسحون بها وجوههم، كما كانوا يتبرّكون بشَعر النبي صلى الله عليه وسلم٣، وعَرَقِه٤، وفضْلِ
стр. 110
وضوئه١؛ وهذا لا يتأتّى لغيْر النبي ص. وعلى هذا، فالحديث لا يدلّ على مشروعية المصافحة عقِب الصلاة على نحو ما زعَمْتُم.
ب - أنه على فرْض التسليم بأنّ المصافحة عقِب الصلاة بِدْعة، إلاّ أنها بِدْعة حسنة أو مباحَة لا حَرج فيها. وهذه بعض الأقوال الدّالّة على هذا:
* ما قاله سلطان العلماء العز بن عبد السلام/ في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" بعد أن قسّم البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة، ومحرّمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة، ثم قال للبدعة المباحة بقوله: "وللبِدَع المباحة أمثلة: ومنها: المصافحة عقيب صلاة الصبح والعصر"٢.
* وقد قال الإمام النووي /: "واعْلَمْ: أنّ هذه المصافحة مستحبّة عند كلِّ لقاء. وأمّا ما اعتاده الناس في المصافحة بعد صلاتَيْ الصبح والعصر، فلا أصْل له في الشرع على هذا الوجْه، ولكن لا بأس به؛ فإنّ أصل المصافحة سُنّة، وكونهم حافظوا عليها