تصدوا لهم بأنواع الأذى وذلك لأنهم أعلم الأمة بالحنيفية وأعلمهم١ بالتوحيد كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]
ثم إنه قال في رسالة فمن شرح بالكفر صدره وارتد وطابت نفسه بالكفر فهو الكافر:
فالجواب أن يقال تعداده هذه الثلاث تدل على جهلة بنواقض الإسلام لأن كل واحدة من هذه الثلاث يكفر صاحبها وبين هذه الثلاث تلازم فمن شرح صدرا فقد ارتد وطالبت نفسه بالكفر ومن طابت نفسه بالكفر فقد ارتد وشرح بالكفر صدرا فحظ هذا الرجل التنطع بالكلام من غير تصور للمعنى:
ثم إن آخر هذه الآية يرشد إلى أن الذي أوقعهم في انشراح الصدر بالكفر هو إيثار الدنيا على الآخرة فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل:١٠٧] فإذا استحب الوطن أو المال أو الأزواج أو العشيرة أو المساكن أو التجارة أو غير ذلك من أمور الدنيا وترك لأجل ذلك ما وجب عليه من الهجرة والجهاد فقد تناوله هذا الوعيد كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا٢ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .
قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٦] أي: مال إلى الدنيا وزهرتها وآثرها على طاعة الله ومرضاته.٣
فإذا كان هذا هو الواقع من هؤلاء فما هذا القلب الذي اطمأن بالإيمان مع وجود ما ينافي ذلك من إيثار الدنيا والطمأنينة إليها والرغبة فيها
стр. 142
وترك ما أوجب الله تعالى عليه لأجلها.
ومن ادعى ما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]
ثم إنه قال وما أجلسه في بلده إلا حماية لنفسه وماله وولده.
فالجواب أن نقول هذا هو الحذر الأكبر والذنب الأعظم الذي ثبت الوعيد عليه في آية براءة فلو كان لهذا فقه أو معرفة لما اعتذر عن نفسه بأشياء لم يعذر الله بها أحدا من خلقه لفو أحب الله على ما سواه لما آثر محبة النفس والمال والولد عليه.
وقد ثبت في رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: لما أمر الله نبيه ﷺ بالهجرة إلى المدينة فمنهم من يتعلق به أهله وولده يقولون: ننشدك بالله ألا تضيعنا. فيرق عليهم ويدع الهجرة فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١ إذا عرفت ذلك فلا يخفى أن أهل نجد في هذه الحادثة صاروا أصنافا.
فالصنف الأول: دخلوا تحت حكم هذه الآية لما ابتلوا بالعدو أخلدوا إلى الأرض ورضوا بالمقام معهم وتحت أمرهم فتركوا ما وجب عليهم من الفرار بدينهم ومفارقة عدوهم إيثارا لدنياهم وأحبوا المقام وداهنوا أولئك الأقوام وخدموهم وأعانوهم وتقربوا إليهم بما لم يحبه الله ولا يرضاه بلا قسر ولا إكراه:
الصنف الثاني: وهم أشد نقضوا عهد الإسلام واستجلبوا العدو إلى الأوطان وآووهم وظاهروهم ونصروهم ونابذوا المسلمين المهاجرين بالشتم والسب وألبوا العدو عليهم وصارت مسبة من هاجر هي ديدنهم٢ وسفهوا المسلمين واستصلحوا بزعمهم حالهم ظنا منهم أنه لا طاقة لأحد بهذا أو أن أمرهم سيستقر في جميع البلاد النجدية فضل سعيهم وخابت آمالهم والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون:
стр. 143
الصنف الثالث: حصل منهم إقامة بين أظهرهم ولم يتبين منهم ما تبين١ من الصنفين وهؤلاء قسمان: مستطيع للهجرة وغير مستطيع والله أعلم بحالهم:
وهؤلاء لم يظهر٢ في العلانية ما يستدل به على السريرة بل ربما ظهر منهم كراهة الباطل والفساد والمعاصي وهم على خطر والله أسأل أن يمن على الجميع بالتوبة النصوح:
الصنف الرابع: أناس نفروا في الابتداء وجاهدوا وصبروا لكنهم بعد ذلك لم يستقيموا على ذلك وحصل لم فتنة صاروا فيها فرقا فعسى الله أن يتداركهم برحمته وأن يتوب عليهم إنه هو التوب الرحيم:
وأما الصنف الخامس: فهم٣ الذين ثبتوا ولم يمكنوا منهم عدوا وصبروا على ركوب الأهوال في جميع الأحوال نسأل الله لنا ولهم الثبات على الإسلام والاستقامة على الإيمان والفضل الله تعالى على من ثبت واستقام وصبر على أذى الخلق في طاعة الحق وبالله التوفيق:
ووجدت لعالم الحجاز ومفتيهم الإمام محمد بن أحمد الحفظي٤ فصلا نافعا فيما وقع من الفتنة بالحجاز بعد وقعة بسل٥ المعروفة وما جرى في تلك المدة من الافتتان عن الدين وذكر: أن الله أطفأ نار المفسدين وأطلع نور الموحدين ولكنه قد حصل في تلك المدة الماضية أمور عظام هي أكبر الذنوب وأعظم الآثام قد بلغ الشيطان فيها مراده ممن كان يدعي الإسلام.
منها: أن منهم من كره٦ ما أنزل الله في كتابه من شرائع الدين ومنهم من
стр. 144
طعن في ذلك وأبعض الإسلام والمسلمين ومنهم من ظاهر ووالى على طمس أعلام الموحدين وأرادوا إحياء أضدادها من أعمال الجاهلية وأفعال المشركين ومنهم من استهزأ بالله وآياته ورسوله والمؤمنين ومنهم من رضي بذلك وعزم عليه وأعان بنفسه أو ماله أو لسانه:
وقد ورد الوعيد الشديد فيمن أعان ولو بشطر كلمة في قتل مسلم١ فكيف الإعانة على حرب الإسلام والمسلمين ومنهم من تخلق واتصف٢ بأخلاق المنافقين وأبرز ما كان يكنه من الداء الدفين ومنهم من أشاع الكذب والأراجيف بقوة العدو وضعف أهل الإيمان فارحا بذلك شامتا بالمسلمين ومنهم من ظن بالله السوء بأنه أدال العدو واضمحل ما كان من النصر والتمكين ومنهم من نقض بيعته ونكث صفقته واستبدل الرخيص بالثمين:
وهذه الأمور كلها جرت بغير إكراه ولا تعيين وكل واحدة منها تخدش في وجه إيمان فاعلها وتفت في عضد إسلام عاملها وهي من المعاند ردة عن الإسلام وإما نفاق في الدين وذكر الأدلة من القرآن
ثم٣ قال: فالإنسان أعرف بنجاسته وطهارته وأخبر بمعصيته وطاعته وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبربك عليك رقيبا ولعلك أن تقول: هولت الأمر فأقول بل الأمر أكبر مما حسبت وأكثر مما سمعت ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وذكر الأدلة على ذلك:
ثم قال: وفي السنن أن عبد الله بن مسعود ﵁ حكم بكفر أهل مسجد الكوفة٤ قال واحد: إنما مسيلمة على حق فيما قال وسكت
стр. 145
الباقون فأفتى بكفرهم جميعا.
فلا يأمن الإنسان أن يكون قد صدر منه كلمة كفر أو سمعها وسكت عليها ونحو ذلك فالحذر الحذر أيها العاقلون والتوبة التوبة أيها الغافلون فإن الفتنة حصلت في أصل الدين لا في فروعه ولا الدنيا فيجب أن يكون العشيرة والأزواج والأموال والتجارة والمساكن وقاية للدين وفداء عنه ولا تجعل الدين فداء عنها ووقاية لها.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]
فتفطن لها وتأملها فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد أحب من تلك الثمانية كلها فضلا عن واحدة منها أو أكثر أو شيء دونها مما هو أحقر١ فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأولادها انتهى المقصود من كلامه:
رحم الله تعالى هذا الإمام ما أبصر والحمد لله الذي جعل في كل زمان من يقول الحق ويرشد إلى الهدى والصدق وتندفع بعمله حجج المبطلين وتلبيس الجاهلين المفتونين.
فيا لها نعمة٢ لا يستطيع من وفق لها أن يقوم بشكرها فما ذاك إلا بتوفيق الله وفضله وإحسانه
وأما هذا المغرور المسكين وأمثاله فإنهم خاضوا في غمرات الافتتان وأ طمأنت قلوبهم إلى أهل الظلم والعدوان وأكثروا التردد إليهم٣ والمسير إليهم طوعا واختيارا وتعرضوا لما في أيديهم من حطام الدنيا سرا وجهارا فأبن القلب المطمئن بالإيمان إذا كان مدعيه يجري مع الهوى في كل ميدان.
فما أشبه حال هذا وأمثاله بالضرب الثاني من الضروب الأربعة الذين ذكرهم العلامة ابن القيم ﵀: وهم الذين لهم أوفر نصيب من قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ
стр. 146
بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨] يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة ويحبون أن يحمدوا بإتباع السنة والإخلاص وهذا يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والعبادة عن الصراط المستقيم فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الاتباع والإخلاص والعلم فهم أهل الغضب والضلال.
وأما قول المعترض المفتري- في وصف نفسه في تلك الحالة- أنه هاجر للمنا هي عامل بالأوامر فهذا١ في غاية التناقص والمكابرة فقد أقر قبل ذلك بأنه كان في إقامته معهم صابرا على ما ينو به منهم من المهاون والخسائر؟
فإذا كان في عدادهم وفي سوادهم وطاعتهم ومعونتهم بالمال فلا ريب أن هذا كله من المناهي فهو في أوامر أولئك الخلق لا في رضي الإله الحق وكلامه يناقض بعضه بعضا فإن العامل بأوامر الله الهاجر لمناهيه لا تكون حاله كذلك من موالاة الباطل والركون إليه ومظاهرة أهله وتعظيمهم والتذلل لهم والخضوع بين أيديهم وكل هذه الأمور قد أسجل الله في كتابه على فاعلها بالوعيد الشديد وسلب الإيمان وحبوط الأعمال والله المستعان.
فلو ترك هؤلاء المراء والجدل٢ وأحجموا عن هذه الترهات وتابوا وأنابوا إلى عالم السر والخفيات٣ لكان خيرا لهم:
وأما قوله: فذاك عندنا المسلم المهاجر!!!
فأقول: ألا تعجبون يا إخواني من هذا المسكين وأيم الله لا يقول هذا من له أدني٤ مسكة من عقل يدعي الهجرة ويقصرها على من تركها رأسا أين ذهب عقله عن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ [الحج: ٥٨] وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
стр. 147
ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٦,٥٧] إلى غير ذلك من الآيات المعرفة بالهجرة وثوابها وأنها الانتقال من الأوطان والمساكن ومفارقة الأهلين والإخوان في طاعة الله ومرضاته فالمهاجر من١ هجر أهل الكفر والمعاصي بمفارقتهم والانتقال عنهم إلى محل لا يرى فيه منكرا ولا يسمع فيه باطلا تحيزا بدينه كما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة وعليه المسلمون قاطبة.
فما أشبه هذا الرجل في صرف الهجرة عن حقيقتها الشرعية بالباطنية الملاحدة٢ في تأويلهم الشريعة على غير حقائقها التي أرداها الله من العباد.
قال العماد ابن كثير - في الآية الأولى-: يخبر تعالى عمن خرج مهاجرا في سيبل الله ابتغاء مرضاته وترك الأوطان والأهلين والخلان وفارق بلاده في الله ورسوله ونصرة دين الله ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ أي: في الجهاد ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حتف أنفهم٣ من غير قتال فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] .٤
ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله ﷺ وأصحابه هاجروا عن مكة وهي أفضل البلاد وأحبها إلى الله ولحقوا بالمدينة امتثالا لأمر الله وطلبا لمرضاته وعداوة لأعدائه وقد قال الله تعالى: فيمن لم يهاجر معهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧] ولم يشمل هذا الوعيد إلا من ترك الهجرة لعدم الاستطاعة فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ً﴾ [النساء:٩٧ ٩٩] وما سموا مهاجرين وإن كان معذورين ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً﴾ [النساء:؛٧٥] .
فسبحان الله ما أسرع هذا الرجل إلى الخطأ والخطل وإن كان لا يعذر
стр. 148
بالإقامة إلا من جمع هذين الوصفين فما عذر أمريء صبر على المهاون والخسائر ومشاهدة المعاصي والكبائر وهو على مفارقة ذلك كله قادر وما عذره في الصبر على ترك ما وجب عليه وفعل ما حرمه الله تعالى:
لكن هؤلاء فرحوا بما عندهم من المحال وقنعوا بما ألفوه من الخيال وتركب من هذا إيثار ما عندهم على ما سواه وقد يحمل ذلك على أن يأمر بالباطل ويرتضيه ومن لم يأمر به منهم لم ينه عنه بل يقره ولا ينفيه وقد يرجح أهل الشرك والمعاصي على الموحدين:
وهذا مما يبتلى به أهل الأهواء والمعافى من عافاه من إيثار أمر دنياه على أخراه وهذا هو الواقع من بعض هؤلاء وقد ذكر أثمتنا من أهل السنة رحمهم الله تعالى أنه وقع من أناس في زمانهم وقبله لا يبلغ هؤلاء وقد ذكر أئمتنا من أهل السنة رحمهم الله تعالى أنه واقع من أناس في زمانهم وقبله لا يبلغ هؤلاء معشار ما عندهم من الفهم والعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل ولقد أحسن من قال:
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
والبصير لا يغتر باستحسان هؤلاء وأمثالهم ما ركبوه وزينوه من باطلهمولا بتركهم الحق واستهجانهم له ولأهله فإن الله تعالى ميز الخلق بإرادتهم١ وأعمالهم وأقوالهم وبين الصادق من الكاذب وتدبر كتاب الله وتفكر في آياته وحججه وبيناته ولقد أحسن من قال شعرا:
فالحق شمس والعيون نواظر ... لا تختفى٢ إلا على العميان٣
وأما قوله: ومن كفر مسلما فهو الكافر.
فالجواب: أنه ما من أحد إلا وهو يدعي الإسلام لنفسه ولكل قول حقيقة وقد ذكر شيخنا رحمه الله تعالى: تعريفا جامعا لأصل الإسلام قال: وأصل دين الإسلام وقاعدته أمران: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتفكير من تركه. الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة
стр. 149
الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتفكير من فعله والمخالف في ذلك أنواع٠
فأشدهم مخالفة من خالف في الجميع ومنهم من عبد الله وحده ولم ينكر الشرك ومنهم من أشرك ولم ينكر التوحيد ومنهم من أنكر الشرك ولم يعاد أهله ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم ومنهم من لم يجب التوحيد ولم يبغضه ومنهم من أنكره ولم يعاد أهله ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم ومنهم من كفرهم وزعم أنه مسبة للصالحين ومنهم من لم يبغض الشرك ولم يحبه ومنهم من لم يعرف الشرك ولم ينكره ومنهم وهو أشد الأنواع خطرا من عمل بالتوحيد ولم يعف قدره فلم يبغض من تركه ولم يكفرهم ومنهم من ترك الشرك وكرهه وأنكره ولم يعرف قدراه فلم يعاد أهله ولم يكفرهم وكل هؤلاء قد خالفوا ما جاءت به الأنبياء من دين الله انتهى كلامه رحمه الله تعالى:
فيقال لهذا المسكين: تفطن في نفسك هل أنت داخل في هذه الأنواع فإن كنت فيها فما أسلمت١ حتى يثبت لك الإسلام.
ويقال أيضا من هذا الذي كفرك وواجهك بالتكفير فإن ثبت من شخص معروف فينظر: هل وافق الحكم المحل أم٢ لا فإن وافقه فلا اعتراض على من حكم بالدليل.
وإن لم يوافق الحكم المحل قلنا جواب ثان عن قولك من كفر مسلما فهو الكافر فيقال لك [صحح] ٣ نسبة هذا القول إلى قائل معروف يحتج بقوله: ويكفينا في قبوله إذا كان له وجود في دواوين الإسلام التي صنفها الحفاظ من أهل الحديث فإن لم تجد له أصلا بهذا اللفظ فكيف تحكيه جازما به وما كان كذلك فلا ينهض الاحتجاج به.
نعم قد ثبت في الصحيح عن أبي ذر "ومن: دعا رجلا بالكفر أو قال عدو وليس كذلك إلا حار عليه" ٤
فليتأمل قوله: [وليس كذلك] ومعنى قوله: "حار عليه".
стр. 150
أي: رجع قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] قال العلماء وهذا وعبد شديد إذا لم يكن خصومهم كذلك.
والكلام إنما هو على أفعال وأقول تناقض الإسلام فإن للإسلام نواقض مذكورة في كتب الفقه لأرباب المذاهب الأربعة وغيرهم فمن وقع في شيء منها حكموا بردته إلا أن يتوب ويراجع الحق فإن تاب توبة نصوحا وهي التي استكملت شروط التوبة له١ فان الله تعالى يقبل توبة التائبين إذا صحت منهم وظهر منهم٢ من صالح الأقوال والأعمال والأحوال ما يدل على ذلك كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٦] .
فإذا حصلت هذه الأمور الأربعة ظاهر وباطنا فدلت الآية على أن هذا٣ لا يكون مقدما على أحد من المسلمين ولا يتولى شيئا من أعماهم ولو صحت توبته بشروطها المذكورة في الآية.
وأما من لم يعرف له توبة صحيحة فالواجب أن يعامل معاملة أمثاله من المنافقين بالإعراض عنه وجهاده على ما يقع منه لأن الله تعالى ميز عباده بالفتن كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] .
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٦] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] .
وهذا الضرب من الناس ينبغي أن ينزلوا منازلهم التي أنزلهم الله كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] فإذا كانوا قد أتوا شيئا من المكفرات قولا أو عملا أو ارتكبوا بدعة ولم يتوبوا توبة نصوحا فيجب على كل مسلم أن يبغضهم على ذلك كما ورد في الحديث "أوثق عرى:
стр. 151
الإيمان الحب في الله والبغض في الله " ١ فمن لم يحب أهل التوحيد والإيمان ويبغض أهل البدع والضلال فقد نقض أوثق عرى الإسلام.
وقد جاءت الأحاديث والآثار بالتحذير من أهل البدع والترغيب في هجرهم والبعد عنهم
فمن ذلك ما روى اللالكائي في [كتاب] ٢ السنة عن الفضيل بن عياض من أتاه رجل فدله على مبتدع فقد غش الإسلام فاحذروا الدخول على أصحاب البدع فإنهم يصدون عن الحق٣.
وقال أيضا لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة ومن أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه وصاحب البدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره فيأمرك ولا تجلس إليه فمن جلس إلى صاحب بدعة أورثه العمى٤:
وأخرج اللالكائي عن عطاء الخراساني قال ما يكاد الله أن يأذن لصاحب بدعة بتوبة٥ وأمثال هذا كثير عن السلف والأئمة فلو تتبعناه لطال الجواب.
إذا عرف ذلك فلو قدر أن رجلا من المسلمين قال في أناس قد تلطخوا بأمور قد نص العلماء على أنها كفر مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة غيرة لله وكراهة لما يكره الله من تلك الأعمال فغير جائز لأحد أن يقول في حقهم ومن كفر مسلما فهو كافر.
على أنا لا يعلم أن أحدا من المسلمين كفر بعينه اللهم إلا أن يحكي أفعالهم فظن السامع لذلك أنه كفرهم
стр. 152
وأما الحديث الذي ذكرناه فقد تأوله العلماء بما هو مفروف كأمثاله من أحاديث هذا الباب كحديث "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ١ وأيضا فهو مقيد بقوله: [وليس كذلك] .
ولا يخف ما جرى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كقوله: م٢ في مالك بن الدخشم: ِإنه منافق لا يحب الله ورسوله فلم يعنفهم النبي ﷺ بل قال "آلا تراه قال لا إله إلا الله" فقال الله ورسوله اعلم فإنا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين فقال النبي ﷺ "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ٣ وقد قال بعض العلماء إن ذلك الرجل كان من أهل بدر.
ومن المعلوم أن الخوارج طعنوا على ولاة الأمر وكفروا عليا ومن قاتل معه من الصحابة وغيرهم وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم والبشارة لمن قاتلهم كما هو معروف ثابت في الصحيحين والسنن والمسانيد.
ولما قيل لعلى أكفار هم فقال من الكفر فروا فلو ذكرنا الأحاديث الواردة في الخوارج لطال الجواب
وكلام العلماء على الحديث المتقدم ذكره قال النووي في شرح مسلم ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه هذا مما عده بعض العلماء من المشكلات فإن مذهب أهل الحق لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا وفي تأويل الحديث أوجه أجدها أنه محمول على المستحل والثاني معناه رجعت عليه معصيته والثالث أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا ضعيف لأن الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون المحققون أن الخوارج لا يكفرون والرابع أنه يؤول إلى الكفر لأن المعاصي بريد الكفر انتهى ملخصا٤:
فانظر إلى ما حكاه النووي ﵀: من أن الصحيح الذي قاله
стр. 153
الأكثرون المحققون أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم وحسبك بهذا الإمام فمن تأمل أحوال الصحابة ﵃ عرف الخطأ من الصواب لكن من أعظم الآفات عدم العلم وفساد القصد وهما آفة الأكثرين وفساد الدين نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
فما الذي حمل هذا المسكين على التمويه على جهلة الناس وتشكيكهم في أمر دينهم والإلباس؟!!
فمن ذلك قوله: في آخر ورقته فرحم الله امرءا قال الله الحق وبه فالحق أحق أن يتبع.
فالجواب أن يقال تأمل ما تقدم من الجواب فإن الحق بحمد الله فيه ظاهر فإن كان طالب حق وجد وإلا فقد قامت عليه الحجة وانزاحت الشبهة عمن أراد البيان ووفق لفهم العلم والإيمان والله المستعان
فعسى الله أن يمنع عنه موانع الهداية وأسباب الضلالة والغواية فإن هذا الرجل قد قال بمقالة الخوارج وهو لا يدري وذلك في قوله: ومن كفر مسلما فهو الكافر.
وبيانه فيما أسلفناه من كلام النووي ﵀: من أن مذهب السنة والجماعة عدم التكفير بالذنوب وهذا قد حكم بالكفر على مرتكب هذا الذنب فلو قدر أن أحد قال في حق مسلم صحيح الإسلام أنه كافر فأهل السنة لا يكفرونه بذلك لأن ذنب من الذنوب وقد عرفت تأويلهم للحد وأن الأخذ بالظواهر المخالفة لأصول السنة وما عليه الصحابة والتابعون وعلماء الأمة هو رأي الخوارج كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: شعرا:
من لي بشبه خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا حسبان١
ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان٢
هم خالفوا نصا لنص مثله ... لم يفهموا التوفيق بالإحسان
стр. 154
لكنكم خالفتم المنصوص. ... بالشبه١ التي هي فكرة الإنسان٢.
والمقصود بيان حال صاحب الورقة وأنه قال بقوله: الخوارج المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة فكفر المسلمين بدعوى ادعاها لعلة اختلقها أو تلقاها ممن لا يعتمد عليه ولا يعول في الأخبار عليه.
وقد تقدم قوله: في الهجرة أنه٣ من لزم وطنه مع ما يقع فيه من الظلم والفساد أنه هو المهاجر الصابر وقد عرفت أنه عكس الحقيقة وخالف الكتاب والسنة والفطرة السليمة والعقول الصحيحة وأنكر ما هو معصوم من الدين بالضرورة.
وقوله: المشار إليه يشبه قول الباطنية الإسماعيلية الملا حدة٤ الذين تأولوا شرائع الدين على غير حقائقها وقولهم: يتضمن تعطيل الشرائع وهم من أضر المبتدعة على دين الإسلام.
هذا ونحن نعلم أنه قد وقع فيما فيه عن جهالة فلو عرف حقيقة طرق٥ المبتدعة لعلم أن اقتفاء آثارهم من أعظم المطاعن عليه لكنه يقال في حق مثله شعرا:
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ومن عجيب أمر هذا الرجل وأمثاله ممن انتصب للتدريس بلا علم وأفتى من غير إجازة ولا فهم أن منهم من يصرح بتكفير أهل لا إله إلا الله علما وعملا ودعوة وجهادا بكونهم يكفرون عباد الأوثان وهم يقولون لا إله إلا الله وهذا منهم في غاية التناقض والفساد ومخالفة الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهذا شر من قول الخوارج كما لا يخفى على أولي البصائر
стр. 155
وقد أشرت فيما تقدم إلى حاله وأنه لا يدري ما يقول ولا يدري أنه يدري١ فلو سكت لكان يسعنا السكوت عنه.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم٢.
стр. 156
المراسلات
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المراسلات
الحمد لله مولي النعم ودافع النقم.
والصلاة والسلام على المصطفى سيد الأمم وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فقد كانت ولا تزال المراسلات عنوان اللقاء في الحاضر والغابر وبلسم الشفاء ووسيلة من وسائل الدعوة والإخاء وهي من هدي المصطفى ﷺ فقد كتب لهرقل عظيم الروم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم أسلم تسلم وبهذه الصيغة وعلى هذا المنوال جرت المكاتبات بين الخاصة والعامة بلفظ من فلان إلى فلان وتأسيا بالنبي ﷺ سار علماء الدعوة السلفية. ففي القرن الثاني عشر الهجري أخذت المراسلات مأخذها لتجديد النصح والمشاورات والإجابة على الاستفتاءات فقد دونت لنا دواوين علماء الدعوة السلفية في الجزيرة العربية الشيء الكثير من ذلك. ولما لتلك المراسلات من فوائد جمة وحل لمشاكل الأمة فقد وقع الاختيار على ما كتبه العالم النحرير والبدر المنير المجدد الثاني والعالم الرباني الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام من مراسلات لتكون في كتاب واحد عسى أن يكون للقراء فاتحة خير وقرة عين والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وآله وسلم.
إسماعيل بن سعد بن عتيق
١٧/٦/١٤٠٨هـ.
стр. 157
الرسالة الأولى
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"١"
م عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الإمام المكرم فيصل بن تركي ألهمه اله رشده ووقاه شر نفسه
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد تعلم أن نصيحتي لك نصيحة لله نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم لأن بصلاحك يقوم الدين ويصلح أكثر الناس وفي الحديث "الدين النصيحة" قالها ثلاثا قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وقد جعل الله لأهل الإيمان نورا يمشون به في الناس وهذه البلوى التي ابتلى الله بها أهل نجد من فتنة خالد والعسكر وقبله إبراهيم باشا ميز الله بها أهل نجد طيبهم وخبيثهم وتفاوتت مراتبهم في الشر والزيغ والفساد وكثرة السفاهة والقسوة ولا تخفى حالهم إلا على من لا بصيرة له كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا أمر مشاهد لمن جعل الله في قلبه نورا. وقد وسم الله المنافقين بأقوالهم وأعمالهم وجعل الله أهل الإيمان
стр. 158
شهداء على الناس قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .
فيجب على من ولاه الله أمر الدين والدنيا أن لا يتهم من اقامهم الله شهداء على الناس وهو يعلم منهم محبة الإسلام أهله وبعض الباطل وأهله فكيف لا تقبل شهادة من أقامهم الرب شهداء في أرضه على أعمال خلقه؟ وقد قال في المؤمنين المهاجرين والأنصار ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ .
ومن الفساد الكبير على ما ذكر من العلماء ضعف الإيمان وقوة الباطل وقد حذر الله نبيه ﷺ من طاعة الكافرين والمنافقين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ عليما بما يصلح عباده حكيما في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
ولما كان التحذير من أولئك من أهم مقامات الدين قال الله لنبيه ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ وقال: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ وفي الأثر "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم واطلبوا رضاء الله بسخطهم. وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ .
فالمساواة بين أهل الأهواء والزيغ وبين أهل الإيمان والمعاصي وجعلهم في رتبة أهل الإيمان أو فوقهم خلاف ما أحبه الله وأمر به عباده وهو في نفسه فساد وذلك سبب سخط الله وحلول عذابه فعليك بمن إذا قربتهم قربك الله وأحبك وإذا نصرتهم نصرك الله وأيدك واحذر أهل الباطل الذين إذا قربتهم
стр. 159
أبعدك الله وأوجب لك سخطه قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ وفي الحديث "من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا"
وقد رأينا عجبا: أن من التفت إلى أحد دون الله خذله الله به وسلطه عليه قال العلماء ﵏ قضى الله قضاءا لا يرد ولا يدفع أن من أحب شيئا دون الله عذب به ومن خاف شيئا دون الله سلط عليه. وأنت تجد وترى كثيرا من الناس قدمهم ولاة الأمر في شيء من أمورهم فتعززوا على الناس وتجاسروا على الأهواء ومخالفة الشرع في أقوالهم وأعمالهم فخافهم أهل الدين "فنهم" من ذل لهم واعتذر بعدم القدرة "ومنهم" من استصلح دنياه خوفا من كيدهم وأنت تجد هؤلاء إذا ظهرت حالهم كابروا العقول بزخرف من القول والكذب واستعانوا على إفكهم بأمثالهم محافظة على العلو والفساد.
فلو وفق الإمام بالاهتمام بالدين واختار من كل جنس إتقانهم وأحبهم وأقربهم إلى الخير لقام بهم الدين والعدل. فإذا أشكل كلام الناس رجع إلى قوله: ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما يريبك" فإذا ارتاب من رجل هل كان يحب ما يحبه الله نظر في أولئك القوم وسأل أهل الدين من تعلمونه أمثل القبيلة أو الجماعة في الدين وأولاهم بولاية الدين والدنيا؟ فإذا أرشدوه إلى ما كان يصلح لذلك قدمه فيهم ويتعين عليه أن يسأل عنهم من لا تخفى عنه أحوالهم من أهل المحلة وغيرها فلو حصل ذلك لثبت الدين وبثباته يثبت الملك وباستعمال أهل النفاق والخيانة والظلم يزول الملك ويضعف الدين ويسود القبيلة شرارها ويصير على ولاة الأمر كفل من فعل ذلك. فالسعيد من وعظ بغيره وبما جرى له وعليه. وأهل الدين هم أوتاد البلاد ورواسيها فإذا قلعت وكسرت مادت وتقلبت كما قال العلامة ابن القيم ﵀: ولكن رواسيها وأوتادها هم فأنت إذا فعلت ما قلت لك قام بك الدين والعدل وصارت سنة حسنة في هذا الزمان ونلت أجر من أقام السنة كما في الحديث: "من سن في
стр. 160
الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
فإن انعكس الأمر كما هو الواقع كانت سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
ومن المعلوم أن النفس تميل إلى الراحة وطلب رضى الخلق. وفي النظر فيما يرضى الله مخالفة للخلق أو بغضهم ولكن طريق الجنة حزن بربوة واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ .
فإذا عرفت أن العبد لا يأتيه ما يكره إلا من شرور نفسه وسيئات أعماله وأن نواصي الخلق في قبضة الرب ﵎ وأن قلوبهم بين أصبعين من أصابعه أفادك القيام بدينه وأخذت في أسباب ذلك والحب فيه والبغض فيه والتقريب له والإبعاد لأجله وجعلت أفعالك تطابق أمره الشرعي الديني وتتحرى مرضاته في كل قول وفعل وتقديم أو تأخير أو غير ذلك فلو صلح تدبير الإمام فيما ولاه الله من الحاضرة أصلح الله البوادي وغيرهم فإن الأعمال حجة لك أو عليك وأنت سالم والسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وأله وصحبه وسلم.١
стр. 161
الرسالة الثانية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢"
من عبد الرحمن بن حسن إلى عثمان بن منصور.
وبعد أشرفت على خطك وهو كلام من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ولكن نبين لك أنك جئت من الزبير والبصرة هاك الجية وجرى عليك من آل فايز الذي أنت خابر لأجل طول إقامتك في أماكن يعبد فيها غير الله وأراد الله
стр. 162
سبحانه وتعالى أن كبارنا يقدمونك في سدير لأجل اسم العلم والذي بان لهم أنك عرفت صحة هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إلى توحيد الألوهية وإنكار الشرك والبراءة منه الذي ما يصير الإنسان مسلما إلا به والذي يدخل هذا قلبه ويتقدم بالناس ويصير له مشاركة في العلوم يدعو الناس إليه ويحثهم عليه ويبين لهم معنى لا إله إلا الله وما دلت عليه من إخلاص العبادة ونفي الشرك وما تقتضيه من المعاداة والمولاة والحب والبغض كذلك حقوق لا إله إلا الله ولا حصل منك شيء من هذا أبدا ولا حصل منك إلا ضد هذا إذا جاء عندك مشرك أو إنسان ما ينكر الشرك من أهل هذه الأمكنة استأنست معه وقدرته وأكرمته.
فإذا كان يريد أن يتزوج زوجتموه ولا حصل منك إلا إذا أهل سدير يتنازعون في أموالهم أو يستفتونك في مسألة فرعية والذي هذا حاله ما يجوز أن يلين معه الجانب أو يرد له رأس فلو أن لك معرفة في التوحيد أو قبولا له لكنت تكثر ذكره كما قيل: من أحب شيئا أكثر من ذكره بل الذي يذاكر في التوحيد ويلهج به وينكر الشرك ويبغض أهله ويعاديهم ما يجوز عندكم إلا كما يجوز رأس الحمار ولولا هذا كان ما يجهلك أن طلبة العلم هم ربعي وهم إخواني وهم خاصتي ولكن أنت ما لقيت فيك حيلة إذا فتشنا عن كلامك في شرحك وفي غيره وجدنا معتقدك في توحيد في توحيد الألوهية معتقد عبد الله المويس حظه منها اللفظ مع إنكار المعنى وتضليل من عمل بمعناها وقام بمقتضاها والجهال ما يدرون الحقيقة والذي هذه حالته يجب التحذير عنه نصحا لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ويا ليتك ثم ويا ليتك قمت بهذا الدين وأحببت أهله ودعوت إليه وأنكرت ضده لكن القلوب بيد الباري يقلبها كيف شاء وأسأل الله أن يقلب قلبك إلى الإسلام ويدخل فيه الإيمان فإن وفقك الله للتوبة فلا علينا منك ولا علينا منا ولو ما صادقناك ورافقناك ما يضر.
ومن الأمور الظاهرة البينة أنك دأبك تكتب في الخوارج وتذكر كلام شيخ الإسلام فيهم الواقع في كثير من الأمة أعظم من مقاله الخوارج عبادة الأوثان
стр. 163
وتزيين عبادتها وإنكار التوحيد ولو أن في قلبك من التو حيد شيئا فعلت فعل عبد الله أبا بطين ما صبر يوم أن كان داود وأمثاله يشبهون على الناس رد عليهم من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وأقوال العلماء والأئمة ودحض حججهم بالوحي.
والخوارج ما عندنا أحد منهم حتى في الأمصار ما هنا طائفة تقول بقول الخوارج إلا الإباضية في أقص عمان ووقعوا فيما هو أكبر من رأي الخوارج وهي عبادة الأوثان ولا وجدنا خطك في الخوارج إلا أن أهل هذه الدعوة الإسلامية التي هي دعوة الرسل إذا كفروا من أنكرها قلت يكفرون المسلمين لأنهم يقولون "لا إله إلا الله".
والله أعلم آخر ما وجدت من هذه الرسالة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم١
стр. 164
الرسالة الثالة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب عبيد بن رشيد سلمه الله تعالى وهداه ووفقه لما يحبه ويرضاه آمين.
سلام عليكم ورحمته الله وبركاته.
وبعد وصل الخط وسرنا طيبكم وسلامتكم ونحمد إليكم الله تعالى على ما أسداه من الإنعام وما من به من معرفة دين الإسلام نسأل الله المزيد من ذلك والثبات عليه والاستقامة والمحافظة عليه وذلك فضله وإحسانه تعالى لمن وفقه له وهداه له وما ذكرت من أن بعض الناس يوجب صيام الثلاثين من شعبان إذا حال دون منظرة غيم أو قتر ويستدل بقوله: في الحديث "فإن غم عليكم فاقدروا له" ويقول إن القدر التضييق مثل قوله تعالى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ وأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صامه وصامه بعض الصحابة:
стр. 165
فالجواب أن هذا القول أخذ به بعض الحنابلة وبعضهم مع الأئمة الثلاثة وأكثر العلماء لا يقولون بوجوبه ولا باستحبابه قال في الإنصاف وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه وعنه لا يجب قال الشيخ هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه ولا أصل للوجوب في كلامه ولا كلام أحد من الصحابة انتهى كلام شيخ الإسلام.
قلت ذكر ابن عبد البر وغيره أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ أنه صامه إلا عبد الله بن عمر صامه احتياطا قاله ابن القيم وذكر أن ابن عباس ﵁ أنكر صيامه قال الحافظ محمد بن عبد الهادي ﵀: وقد روي من غير وجه مرفوعا النهي من صوم يوم الشك منهم وقد روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم نهوا عن صوم يوم الشك منهم حذيفة وابن عباس ونص الإمام أحمد ﵀: في رواية المروذي أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم شك وهذا القول صحيح بلا ريب قال الحافظ وليس في هذا الحديث الذي استدل به المتأخرون دليل على وجوب الصوم بل هو حجة على عدم الوجوب فإن معنى "اقدورا له" احسبوا له قدره وذلك بثلاثين يوما فهو من قدر الشيء وهو مبلغ ليس من التضييق في شيء والدليل على ذلك ما في صحيح مسلم عن ابن عمر "فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين" أي فأكملوا العدة ثلاثين وابن عمر هو الذي روى حديثهم الذي احتجوا به وصرح في هذه الأحاديث بمعناه وهو إكمال شعبان ثلاثين واستدل الأئمة على تحريم صيامه بحديث عمار وهو رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار بن ياسر وأتي بشاه مصلية فقال كلوا فتنحى بعض القوم فقال عمار: من صام اليوم الذي فيه الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
قلت وهذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع وقد جاء صريحا في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غبي الهلال وهو عند البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله ﷺ قال: أو
стр. 166
قال أبو القاسم ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". قال الحافظ: وهذا الحديث لا يقبل التأويل وذكر أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن عائشة رصي الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم من رمضان لرؤيته فإن غم عليه أتم ثلاثين يوما ثم صام ليلته وهذا صريح في أنه ﷺ لم يشرع لأمة صيام الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال ليلته فبهذا وغيره من الأحاديث يظهر أن الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غم الهلال ليلته وأن السنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال وهو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀: تعالى:
وأما مسألة الفطر للمسافر في رمضان أو الصيام فالذي دلت عليه الأحاديث أن المسافر إذا كان سفره مباحا أنه يخير بين الفطر والصيام فلا ينكر على من صام ولا على من أفطر روى الترمذي عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر وكان يسرد الصوم فقال رسول الله ﷺ "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" قال أبو عيس في حديث عائشة ﵂ هذا حديث حسن صحيح وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره وفيه أحاديث غير هذين الحديثين:
وأما إتمام الصلاة في السفر ففعله أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعائشة أم المؤمنين ﵄ وعند الحنابلة أنه إن أتم في سفر جاز ولم يكره وعلى هذا فلا ينكر على من أتم الصلاة والقصر أفضل
لكن قد يحصل مع الغزاة تردد في قصد الولاة بالغزو ولأنه ربما غلب عليهم إرادة الملك والعلو وإرادة الدنيا والثناء والعز فيكون جهاده عليه لا له كما في الحديث أن النبي ﷺ سأله رجل فقال يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة
стр. 167
ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي في سيبل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سيبل الله" وفي حديث أبي هريرة ﵁ في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم جهنم: يقال للمجاهد إنما قاتلت ليقال هوً جريء فقد قيل فيؤمر به إلى النار فليكن منك على بال قال قتادة رحمه الله تعالى: في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ قال هذا والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر.
وأما إحياء العشر الأواخر من رمضان فهو السنة لما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت كان رسول الله صلى الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وأحيا ليله وجد وشد المئزر وفي الحديث الآخر "من صام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمان واحتسابا غفر له ما تقد من ذنبه" وصح أن النبي ﷺ قام الليل كله حتى السحر إذا عرفت ذلك فلا ينك قيام العشر الأواخر إلا جاهل السنة.
وأما من يوصي بثلث ماله ذرية ضعفاء فقراء فإن كانت الوصية على أعمال البر جاز لمتوليها أن يدفع إليهم من الوصية ما يستعينون به في حاجاتهم وإن كانت الوصية لأناس معينين أعطوا ما وصى لهم به فإن كان على حج غير حجة الإسلام فتصرف على المحتاج من ذريته وكذلك ما كان على أضحية صرفت على فقراء ذريته لأن الصدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا إليها فلا بد من تنفيذ الوصية ابتداء ثم يكون النظر للمتولي عليها انتهى١.
стр. 168
الرسالة الرابعة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٤"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان من أهل العلم والفهم سلمهم الله تعالى سلام عليكم ورحمته الله وبركاته.
وبعد تفهمون حب الدنيا ومضرتها على الدين وقع من الذين لهم مع:
стр. 169
الكدادة١ معاملة بدين السلم وأنا قد أشرفت على شيء من إنسان مظنة للخير ولكن إذا وجد له شبهه طار بها فرحا لما فيها من بعض الراحة من التعب ولو يلتزم المشروع هان عليه العمل به ووجد له راحة أعظم وفي الأحاديث المتفق عليها كحديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي لفظ "حتى يقبضه" وعن ابن عباس مثله وهذه الأحاديث صريحة في النهي عن بيعه قبل القبض والاستيفاء فلا يصدق على القبض والاستيفاء إلا حصوله كله مقبوضا.
وأما إذا أخذ دراهم البدوي مثلا وتمالأ هو وإياه على السعر روح٢ وكيله أو هو بنفسه وأمر الكداد أن يصرم لهما ويزن للبدوي بدراهمه وصار يكيل للبدوي كل زبيل يعلقه مرتين فهذه حيلة رديئة لأنه قد باع الكل قبل قبضه الذي دلت عليه الأحاديث فيكون قد باع ما لم يقبض ولم يدخل في ضمانه وإنما هو مال صاحب النخل باعه له غريمه فإذا قبضه والحالة هذه صار الكل مالا للمدين فيقع الغريم في خطر عظيم. وتصرفه في هذه الدراهم تصرف في مال الغير فإن أنفق على نفسه وأهله منه صار ينفق عليهم من مال غيره فإن بقيت هذه الدراهم وعامل بها مرة ثانية أو أكثر وهو يعامله بماله وتصير تجارة لغيره وليس له إلا الدين الأول في ذمة الغريم ويكون جزءا بالنسبة إلى ما أخذ من المال ثمن المال ثمن أو غيره ولا دخل في ضمانه وإنما ضمانه على صاحب الثمر لو أتلفه أو تلف فهذا مما يترتب على مخالفة المشروع مع تحمل الآثام المخالفة فإن قال قائل هذا أخذ الدراهم في ذمته قلنا هذا سلم, ولا يجوز بالإتفاق والواقع يمنع صحة هذه الدعوى لأنه ما قام بنفسه إلا أنه يكيل له من نخيل هذا المدين بخصوصه فهذه من الحيل التي لا حقيقة لها ولا للإنسان مخرج إلا في
стр. 170
العمل بما شرعه الله ورسوله وترك الحيل رأسا فهو الذي إن باع باع حلالا وإن أكل أكل حلالا وإن عامل فبالحلال هذا وأنتم سالمون والسلام١.
стр. 171
الرسالة الخامسة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٥"
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما.
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ راشد بن مطر سلمه الله وهداه وأعانه على طاعته وتقواه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد الخط وصل وسرنا وأفهم من معرفتكم للإسلام وقبوله زادكم الله من ذلك وبصركم آياته وبيناته وكره إليكم كل مفتون وضلالاته وتذكر أنه في جهتكم أناس من الجهمية والرافضة والمعتزلة فلا ريب أن هذه الفرق الثلاث هي أصل ضلال من ضل من الأمة فأصل الرافضة خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقذفهم فيها وهم الذين أحدثوا الشرك في صدر هذه الأمة بنوا على القبور وعمت بهم البلوى ولهم عقائد سوء يطول ذكرها.
وأما المعتزلة فأولهم نفاة القدر جحدوا أصلا من أصول الإيمان التي في سؤال جبرائيل للنبي ﷺ قال: فاخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" وانكر الصحابة ﵃ عليهم ما احدثوا من هذه البدعة ولهم عقائد سوء يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار ونفوا صفات الرب تعالى ووافقوا الجهمية فخرج
стр. 172
أولهم في عصر التابعين. وأولهم الجعد بن درهم أنكر الصفات وزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير واسط يوم الأضحى وظهر بعده جهم بن صفوان الذي تنسب إليه الجهمية وهذا المذهب وهذا المذهب الخبيث: انتشرت مقالته في خلافة المأمون بن الرشيد فعطلوا الصفات ونفوا الحكمة وقالوا بالجبر.
فهذه الطوائف الثلاث هم أصل الشر في هذه الأمة وصارت فتنة الجهمية أكثر انتشارا ودخل فيها من يدعي أنه على السنة وليس كذلك فخالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وأئمتها وعم ضررهم فجحدوا الصفات وتوحيد الألوهية الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فهم خصوم أهل التوحيد والسنة إلى اليوم فإياكم أن تغتروا بمن هذه حاله- ولو كان له صورة ودعوى في العلم- ممن امتلأ قلبه من فرث التعطيل وحال بينه وبين فهم الأدلة الصحيحة الصريحة شبهات التأويل.
قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس. فصنف المتأخرون من هؤلاء على مذهبهم الفاسد مصنفات: كالأرجوزة التي يسمونها جوهرة التوحيد وفيها إلحاد وتعطيل لا يجوز النظر إليها ولم مصنفات أخرى نفوا فيها علو الرب تعالى والكتاب والسنة يردان بدعتهم ويبطلان مقالتهم فإن الله تعالى أثبت استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ إلى غير ذلك من أدلة الصفات الصريحة في الكتاب والسنة ولا تتسع هذه الرسالة لذكرها.
وهذه الطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا رب العالمين بصفات المعدوم والجماه فلقد أعظموا الفرية على الله وخالفوا أهل الحق من
стр. 173
السلف والأئمة وأتباعهم وخالفوا من ينتسبون إليه فإن أبا الحسن الأشعري صرح في كتابيه الإبانة والمقالات بإثبات الصفات الطائفة المنحرفة عن الحق قد تجردت شياطينهم لصد الناس عن سيبل فجحدوا توحيد الله في الإلهية وأجازوا الشرك الذي لا يغفره فجوزوا أن يعبد غيره من دونه وجحدوا توحيد صفاته بالتعطيل فالأئمة من أهل السنة وأتباعهم لهم المصنفات المعروفة في الرد على هذه الطائفة الكافرة المعاندة كشفوا فيها كل شبهة لهم وبينوا فيها الحق الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وما عليه سلف الأمة وأئمتها من كل إمام رواية ومن له نهمة في طلب الأدلة على الحق ففي كتاب الله وسنة رسوله ما يكفي ويشفي وهما سلاح كل موحد ومثبت لكن كتب أهل السنة تزيد الراغب وتعنيه على الفهم وعندكم من مصنفات شيخنا ﵀: ما يكفي مع التأمل فيجب عليكم هجر أهل البدع والإنكار عليهم.
وأما رفع الأيدي بالدعاء بعد المكتوبة فليس من السنة.
أما الأفغانية الذين جاؤنا ووصلوا إلى جهتكم فهم أهل تشديد وغلو مع جهل وزيف أشبهوا الخوارج الذين كفروا أصحاب رسول الله ﷺ وقد أخبر النبي ﷺ بمروقهم وأمر أصحابه بقتلهم ولهم عبادة وزهد لكنهم أخطأوا في فهم الكتاب والسنة واستغنوا بجهلهم عن أن يأخذوا العلم من أصحاب رسول الله ﷺ كما قال العلامة ابن القيم ﵀: "ولهم نصوص قصروا في فهمها فأتوا من التقصير في العرفان.
وقد ناظر ابن عباس ﵁ أهل النهر وان فرجع بعضهم إلى الحق واستمر بعضهم على الباطل حتى قتلهم علي ﵁ بالنهر وان ففيهم المخدج الذي أخبر به النبي ﷺ فإذا كانت هذه الطائفة قد خرجت في عهد الخلفاء الراشدين فلا بد أن يكون لهم أشباه في هذه الأمة فحذروهم وتأمل قوله تعالى في حق سادات الأمة أصحاب رسول الله ﷺ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ
стр. 174
رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فليس العجب ممن هلك كيف إنما العجب ممن نجا كيف نجا والله أعلم.
وصلى الله على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسلما كثيرا١
стр. 175
الرسالة السادسة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٦"
من عبد الرحمن بن الحسن إلى الإخوان علي بن حمد الجريوي وإخوانه رزقنا الله وإياهم قبول الإسلام وهدانا وإياهم سبل السلام.
سلام عليكم ورحمة الله وبركات.
وبعد وصل الخط وصلكم الله إلى ما يرضيه وتذكرون أمر الهتيمي الذي معه الحيات ويبيع سقوة على الناس البدو والحضر يسقيهم من ريقه ويأخذ عليهم العهد ويدعي أن الحية ما تلدغه ولا أنكر عليه في سدير ألا عبد العزيز بن عبد الجبار جزه الله خيرا وتذكرون أن عثمان بن منصور تابعه وقبل منه سقوته هذا تحققان منكم ومن سبيع الذين جاءونا من جهتكم ويذكرون أنهم توقفوا عنه في مبدأ أمره وأهل القرى كذلك حتى واجه ابن منصور وقبل منه وخط معه خطا وبعد هذا تزاحم عليه البدو والحضر منهم الذي سقوته بدراهم والذي بتمر والذي بعيش والذي بغنم والذي بسمن والذي حصل منهم باعه في تمير وبعد هذا طب المجمعة وطردوه وخط عبد العزيز بن عبد الجبار أشرفنا عليه وذكر كلام العلماء وإنكارهم على من فعل هذا وأخذا لحيات وأن هذه أحوال شيطانية تحصل بواسطة الشياطين إذا تقرب إليهم
стр. 176
بالشرك بالله وهذا ما يوجد إلا في أجهل الناس وأبعدهم عن الله وعن دينه وعبد العزيز جزاه الله خيرا أدى الذي عليه.
وأما ابن منصور فالله أعلم أنه معاقب فلا ندري هذا كله جهل أوله مقصد شر وإلا فالذي على فطرة أو له عقل ينكر هذا بفطرته وعقله وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في كتاب الفرقان من الأحوال الشيطانية أمورا من هذه تركنا ذكرها لئلا يطول الجواب فهذا من جنس أحوال الكهان مع الشياطين والكهانة أنواع هذا منها وفي الحديث "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر يما أنزل على محمد ﷺ " وأمور الكهانة وما شابهها من الاستمتاع بالشياطين والاستكثار منهم محاها الله سبحانه بما أطلع في نجد من الدعوة إلى توحيد الله وامتدت إلى كثير من الجزائر كما محا الله من قبل ببعثة رسول الله ﷺ فسد ﷺ أبواب الشرك وأحوال الجاهلية وحمى الإسلام فمن ذلك ما ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا إن الرقى والتمائم والتولة شرك "فلم يبح من الرقى إلا ما خصه الدليل من الآيات القرآنية والأذكار النبوية والدعوات المعروفة بالألفاظ العربية.
وأما كان بأسماء الشياطين أو ربما لا يعرف معناه فينهى عنه لهذا الحديث وحكمه التحريم فإذا كان هذا حال الرقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه فكيف بما هو ظاهر انه من أعمال الشياطين مع من تولاهم مثل هذا الهتيمي وأمثاله ممن شاهدناهم بمصر؟!! لا شك أنه من أعمال الشياطين ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبود هم الذي يعبدونه من دون الله وأكثر هذه الطرائق محشوة بالشرك والبدع وقوله: في الحديث التولة شرك العلماء أنها تشبه السحر وما يشبه السحر فهو شرك وكذلك التمائم شرك للتعلق بها والاعتماد عليها من دون الله وفي بعضها أسماء الشياطين وما لا يعرف معناه فكل هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصحيح بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله من التوكيل على غيره ونحو ذلك وقد وقع في نفوس كثير من الجهال الذين
стр. 177
اخذوا عن هذا الهتيمي كثير من تصديقه وقبول ما جاءهم به من هذه الضلالة وهذه فتنة وقانا الله شرها وبسط القول في ذلك وذكر ما قاله العلماء له موضع آخر أن شاء الله تعالى وبلغ سلامنا الأخوان وخواص والشيخ علي والشيخ عبد اللطيف ينهون السلام وأنتم سالمون والسلام١.
стр. 178
الرسالة السابعة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٧"
من عبد الرحمن بن حسن إلى ألابن صالح بن محمد الشثري سلمه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا طيبك وعافيتك والحمد لله على ذلك وما ذكرت من عبارة الفقهاء في الحج فأما قولهم: أركان الحج الوقوف وطواف الزيارة بلا نزاع فيها فإن ترك طواف الزيارة رجع معتمرا لأنه على بقية إحرامه فهذا في حق من تركه قال في الإنصاف: وأما المحصر أتى بطوافه وتم حجه وذبح هديا في موضع حصره وهذا المذهب واختار ابن القيم ﵀: في الهدي أنه لا يلزم المحصر هدي, وأما من أحصر لمرضى أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل حتى يقدر على المبيت فإن فاته الحج تحلل بعمرة ويحتمل أنه يجوز له التحلل كمن حصره عدو وهو رواية عن أحمد قال الزركشي ولعلها أظهر واختارها الشيخ تقي الدين قال ومثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة أو لعجزها عنه ولو ذهب الرفقة: وقال في الفروع وكذا من ضل الطريق ذكره في المستوعب هذا حاصل ما ذكره في الإنصاف في حكم من فاته طواف الزيارة لهذه الأسباب وأما إذا أحصر عن فعل واجب فإنه يتحلل على الصحيح من المذهب وعليه دم له وحجه صحيح وقال: القاضي أنه يتوجه فيمن حصر بعد تحلله الثاني: يتحلل.
стр. 179
قلت ولعل مراده أنه لم يبق عليه من المناسك شيء إلا أن يكون طواف الوداع أو رمي الجمار والمبيت بمنى وهذه الأفعال يأتي بها الحاج بعد التحلل وأما إذا بقى عليه شيء من المناسك التي محلها قبل التحلل الثاني فإنه يبقى محرما ليأتي بها كما يأتي بها من لم يحصر عن واجب كالمبيت بمزدلفة ورمى جمرة العقبة فلا يجوز أن يأتي بذلك إلا وهو محرم فتدبر.
وسلم لنا على الشيخ وإخوانه وحمولتنا وخواص الإخوان بخير وينهون السلام.١
стр. 180
الرسالة الثامنة
...
بسم الله الرحمن الحيم
"٨"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن ألبسه الله حلل الإيمان. سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وبعد وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا حيث أشعرنا بطيبك وصحة حالك والمحب بحمد الله بخير وعافية.
وما ذكرت من المسألة التي وقعت عندكم صورتها: أن امرأة دفعت حليها إلى بنتها تتجمل به لزوجها وهم في بيت واحد فكانت تستعمله في حياة أمها فلما ماتت ادعت البنت استحقاقها لذلك.
فالجواب أن الذي يظهر لنا: أن البنت لما لم تدع الهبة لا تملكه بمجرد الأذن في الاستعمال والظاهر أن ذلك إعارة لا تمليك ومفهوم كلام الأصحاب ﵏ الذي أشرتم إليه يدل على هذا لأن الأم لم تجهزها به إلا بيت زوجها فلم يوجد ما هو تمليك وأما الصورة التي سئل عنها الشيخ سليمان بن علي ﵀: اشترته وألبسته البنت أنه ليس للبنت. والظاهر أن ما كان عليها فهو لها بحكم اليد وليس لهذا أصل يعارض هذا الظاهر.