من مقيدات المطلق.
١ -أما الاستثناء؛ فلأنه معيار العموم الذي يختبر به عموم اللفظ، فكل لفظ صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام وليس بمطلق، وأيضاً فإن حقيقة الاستثناء على القول الراجح إخراج ما لولاه لوجب دخوله في اللفظ المستثنى منه، والمطلق ليس كذلك، لأنه عبارة عن النكرة في سياق الإثبات على قول، وهي غير مستغرقة، وحيث كان إخراج بعض مفهومات اللفظ، فرع العلم باندراجه تحته من حيث الإرادة ولا علم بذلك فيما لا استغراق فيه ١، كان الأصح عدم جواز الاستثناء من النكرة في سياق الإثبات؛ لأنك لو قلت: "أكرم رجالاً إلا زيدا" لم يصح الاستثناء؛ لأن زيداً لم يتعين دخوله في مفهوم لفظ رجال حتى يكون إخراجه منهم تقييداً.
نقول: هذا مع الاعتراف بجواز الاستثناء من النكرة إذا كانت جارية مجرى العموم، مثل: اشتريت عبداً إلا ربعه وداراً إلا سقفها، لكن استثناء ربع العبد وسقف الدار ليس بتقييد للمطلق؛ لأنهما أجزاء من كل والمطلق إنما هو كلي يقيد بجزئيه لا بجزئه ٢.
٢ - وكذلك لا يكون بدل البعض مقيداً للمطلق لوجهين:
стр. 422
الأول: أن بدل البعض لا يكون إلا من كل، والمطلق كلي وليس بكل عند بعض العلماء ١.
الثاني: أن يدل البعض في نحو أكلت الرغيف ثلثه هو جزء من كل وتقييد المطلق لا يكون إلا بجزئيه لا بجزئه فلهذا لا يكون بدل البعض من مقيدات المطلق.
стр. 423
٣ - حكم التقييد بالشرط:
الشرط لغة: العلامة.
وسمي ما علق به الجزاء شرطاً؛ لأنه علامة على حصوله ١.
وفي الاصطلاح:
ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ٢.
فالقيد الأول: "ما يلزم من عدمه العدم" احتراز عن المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء عند الأكثر.
والقيد الثاني: "ولا يلزم من وجوده وجود" احتراز عن السبب، فإنه يلوم من وجوده الوجود.
والقيد الثالث: احتراز عن مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود كالحول مع النصاب، ومقارنة الشرط قيام المانع فيلزم العدم، لكن ذلك ليس لذات الشرط، يل لوجود السبب أو المانع ٣.
وإذا كان علماء الأصول قد اصطلحوا على أن الشرط ما يتوقف عليه الشيء، ولا يكون داخلاً في ماهيته ولا مؤثراً فيه، فإن لعلماء النحو
стр. 424
اصطلاحاً خاصاً في تعريف الشرط اللغوي المقصود بهذا المبحث، حيث يعنون به ما دخل عليه أحد الحرفين "إن" أو "إذا" أو ما يقوم مقامهما مما يدل على سببية الأول ومسببية الثاني نحو: "أعتق رقبة إن كانت مؤمنة" فإن تقدير هذا الكلام في اللسان العربي إذا كانت الرقبة مؤمنة فأعتقها، ولازمه إذا لم تكن كذلك فلا تعتقها، فلو أعتق المأمور بهذا الأمر رقبة غير مؤمنة لم يكن ممتثلاً للأمر السابق، ولهذا ١ اعتبر الشرط من مقيدات المطلق عند جميع العلماء.
وقد يشترط في الحكم الواحد شروط متعددة إما على سبيل البدل أو على الجمع ٢.
١ - فمثال ما كان على سبيل البدل: "أعتق رقبة إن كانت مؤمنة أو كاتبة، فأي الشرطين حصل كانت الرقبة مستحقة للإعتاق.
٢ - ومثال ما يكون على الجمع: قولك: "أعتق رقبة إذا كانت مؤمنة وكاتبة"، فلا تستحق الرقبة العتق إلا إذا حصل الأمران جميعاً، فكان الشرط الثاني زيادة قيد، إذ لو اقتصر على الأول لاستحقت الإعتاق بكونها مؤمنة فقط، ولكن بعد ذكر القيد الثاني لا تستحق الإعتاق إذا
стр. 425
كانت مؤمنة ولم تكن كاتبة؛ لأن حصول الإعتاق متوقف على تحقق الشرطين، وهكذا كلما تعدد الشرط.
وإذا ذكرت أشياء متعددة وذكر بعدها شرط فقد اختلف العلماء فيما يعود إليه الشرط.
أ - فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن الشرط يعود إلى الجميع ١.
ب - وحكى الرازي عن بعض الأدباء أن الشرط يختص بالجملة التي تليه، فإن كان متأخراً اختص بالأخيرة وإن كان متقدماً اختص بالجملة الأولى ٢.
ومثال ذلك: قولك: "أكرم علماء وأعط شعراء إن أقاموا عندك"، فعند الجمهور الشرط يعود إلى الجميع، فيجب على المأمور إكرام عدد من العلماء وإعطاء عدد آخر من الشعراء، إن أقاموا عند المخاطب.
وعلى الرأي الآخر الذي نقله الرازي عن بعض الأدباء يكون الواجب إكرام عدد من العلماء على الإطلاق بدون شرط الإقامة عند المخاطب، ولا يعطي الشعراء إلا إذا أقاموا عنده.
стр. 426
والراجح رأي الجمهور عند عدم القرينة، للأمور التالية:
أولاً: أن المراد بالشرط هنا الشرط اللغوي، وهو بمعنى السبب الجعلي والسبب مظنة الحكمة والمصلحة فناسب فيه التعميم، لأن فيه تكثير المصلحة ١.
وثانياً: لأن الشرط وإن كان متأخراً لفظاً فهو متقدم في الرتبة.
وثالثاً: للأسباب التي سنذكرها في عود الصفة إلى الجميع كما سيأتي.
стр. 427
٤ - حكم التقييد بالغاية:
الغاية في اللغة مدى الشيء، ومنتهاه وأقصاه ١.
واصطلاحاً: نهاية الشيء المقتضية مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها ٢.
ولها لفظان: هما: "حتى" و"إلى" ٣، وحكمها في التعدد حكم الشرط.
وتقييد المطلق بها متصور، وذلك إذا كان الإطلاق في جانب الأفعال نحو: "سرحتي الكوفة"، و"نم حتى طلوع الفجر"، و"صلّ إلى منتصف الليل"؛ فإن كل فعل من هذه الأفعال يقدر بمصدره فيكون نكرة في سياق الإثبات وهي حقيقة المطلق، وقد قيد في الأمثلة المذكورة بالغاية.
وهذا على رأي من لا يشترط في الغاية المخصصة تقدم العموم عليها، وأما على مذهب من يشترط ذلك، فلا تكون الغاية عنده من مقيدات المطلق؛ لأن المطلق المتقدم على الغاية لا يدل على الشمول كالعام، وإنما يتناولها بطريق البدل، فإذا كانت الغاية من جزئيات المطلق، صح التقييد بها وإلا بأن كانت جزءاً مثلاً، فلا يصح تقييد الكلي بها، لما سبق أن المطلق يقيد بجزئيه لا بجزئه.
стр. 428
٥ - حكم التقييد بالصفة:
يقصد بالصفة هنا الصفة المعنوية، وهي: مطلق القيد غير الشرط والغاية والعدد، ولا يقتصر بها على النعت النحوي الذي: "هو التابع المكمل لمتبوعه ببيان صفة من صفاته أو صفات ما تعلق به" ١، بل يعني بها الأصوليون معنى أعم من ذلك يتناوله وغيره، وهو كما قلنا: مطلق القيد الآنف الذكر سواء كان نعتاً نحوياً أو لم يكن ٢.
ومثال المطلق الذي قيد بالصفة قولك: "أعتق رقبة"؛ فإن الرقبة مطلقة أي شائعة في جنس الرقاب تتناولها على سبيل البدل، فيجزئ المأمور إعتاق أي رقبة سواء كانت مؤمنة أو كافرة، ولكن إذا قيدت الرقبة بوصف الإيمان فقيل: "أعتق رقبة مؤمنة"؛ فإن وصفها بالإيمان يحد من انتشارها، فيجب اعتباره عند إرادة العتق، بحيث لا يجزئ المأمور إلا إعتاق رقبة مؤمنة، وهكذا كلما زادت صفة زاد التقييد وضاقت دائرة المطلق.
ولا خلاف بين العلماء في جواز قصر شيوع المطلق بالصفة، وإنما الخلاف جار بينهم فيما تعود إليه الصفة المذكورة بعد شيئين فصاعداً عطف أحدهما على الآخر بالواو، ولم تكن هناك قرينة تعين ما تعود إليه
стр. 429
الصفة أيجوز أن تعود إلى جميع ما قبلها أم تختص بما يليها فقط؟
١ - ذهب الحنفية إلى أنها تعود إلى الأخير ١.
٢ - وذهب الجمهور ومنهم الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أنها تعود إلى الجميع ٢.
٣ - وذهب جماعة من الأصوليين إلى التوقف، إلا أن منهم من توقف للاشتراك كالمرتضى ٣ من المعتزلة، ومنهم من توقف لعدم العلم بمدلوله في اللغة كالقاضي من المالكية والغزالي من الشافعية ٤.
قال العضد ٥ بعد أن ذكر القول بالاشتراك والقول بالتوقف لعدم
стр. 430
معرفة مدلوله في اللغة: "وهذان القولان موافقان لقول الحنفية، وإن خالفاه في المأخذ" ١، ومعنى ذلك: أن من توقف للاشتراك ومن قال بالتوقف لعدم معرفة مدلوله في اللغة موافقان لمذهب الحنفية في أن الصفة إنما تعود إلى الأخيرة خاصة لظهور تناولها للأخيرة عند الحنفية، وعدم العلم بعودها إلى ما قبل الأخيرة عند غيرهم، فيلزم عودها إلى الأخيرة ضرورة عدم استقلالها ٢.
أدلة المذاهب:
أولاً: أدلة من قال بالتوقف.
الذي قال بالتوقف إما أنه توقف للاشتراك، أو لعدم العلم بمدلوله لغة، واستدل من قال بالتوقف للاشتراك بما يلي:
١ - قالوا: إنه يحسن الاستفهام عن عود الصفة إلى ما يليها أو إلى الجميع ولو كان عودها إلى ما يليها أو إلى الجميع حقيقة في أحد هذه المحامل دون غيره لما حسن الاستفهام وذلك يدل على الاشتراك ٣.
والجواب أن حسن الاستفهام لا يدل على الاشتراك؛ لجواز أن يكون الاستفهام لدفع احتمال بعيد أو للحصول على اليقين وهذا يكفي
стр. 431
في جواز الاستفهام ١.
٢ - واستدلوا أيضاً:
بصحة إطلاق الصفة وإرادة عودها إلى الأخير أو الجميع أو إلى البعض دون البعض بإجماع أهل اللغة، والأصل في الإطلاق الحقيقة. والمعاني مختلفة وذلك هو الاشتراك ٢.
والجواب عن ذلك أن يقال: إن الأصل عدم الاشتراك، وما ورد فيه عود الصفة إلى معين إنما كان لدليل، والعطف هنا قرينة تدل على عود الصفة إلى الجميع حيث لم يمنع من ذلك مانع، فيجب القول بعود الصفة إلى الجميع للقرينة المذكورة ٣.
٣ - واستدلوا ثالثاً:
بأن الصفة لا تستقل بنفسها فكان احتمال عودها إلى الجميع أو الأخير متساوياً وهذا هو الاشتراك، فيجب التوقف حتى يقوم دليل يعين ما تعود إليه الصفة.
والجواب عن ذلك منع المساواة في عودها إلى الأخير أو الجميع، لأن الواو العاطفة قرينة مرجحة لعودها إلى الجميع.
стр. 432
واحتج من قال بالتوقف لعدم العلم بمدلوله في اللغة بالدليل التالي، حيث قال: إن الصفة وردت عائدة إلى كل ما تقدم عليها وإلى ما يليها خاصة. ولا يعلم أيهما الحقيقة وأيهما المجاز، فنتوقف في الحكم بعودها إلى الجميع أو الأخيرة خاصة حتى يقوم الدليل الذي يعين عود الصفة ١.
ويجاب عن هذا الدليل بأن عود الصفة إلى بعض ما تقدم عليها تارة، وإلى الجميع تارة أخرى، لا يلزم منه الاشتراك ولا المجاز، بل هذه حالات مختلفة تبعاً لسياق الكلام وما يشتمل عليه من قرائن ٢، والعطف هنا قرينة على العود إلى الجميع حيث لم يمنع من ذلك مانع.
ثانياً: أدلة الحنفية:
استدل الحنفية على أن الصفة تعود إلى ما يليها خاصة بعدة أدلة منها:
١ - قالوا: إن الصفة لا تستقل بنفسها في إفادة الحكم، ولهذا وجب تعليقها بغيرها ضرورة، وحيث إنه لا خلاف في عودها إلى ما يليها فتعلق به، وبهذا القدر تندفع الضرورة، فيكتفي بذلك، ولا تتعلق بغيره، لأن الضرورة تقدر بقدرها ٣.
стр. 433
والجواب عن ذلك أننا لا نسلم أن الصفة لا تعود إلا إلى القدر الذي تستقل به في الإفادة، بل الصفة إذا وردت بعد شيء واحد عادت إليه، وإن وردت بعد متعدد عادت إلى الجميع، ولا تقيد بالأخير كما لو دل الدليل على عودها إلى الجميع؛ فإنها تعود إليه إجماعاً، ومع جواز عودها لا يتم ما ذكرتم ١ كما أن هذا الاستدلال منقوض بالشرط والاستثناء بالمشيئة؛ فإن كلا منهما غير مستقل بنفسه، ومع ذلك تعلق بجميع ما تقدمه حتى عند الحنفية فلتكن الصفة كذلك والجامع بينهما عدم الاستقلال في المعنى.
٢ - واستدلوا أيضاً:
فقالوا: إن الكلام الأول مطلق، والأصل أن يبقى على إطلاقه، حتى يقوم دليل على تقييده، وحيث لا يوجد دليل في مسألتنا على عود الصفة إليه فيبقى على إطلاقه ٢.
وجواب ذلك أن العطف بالواو ظاهر في عود الصفة إلى الجميع، لأنه يجعل المتعدد في حكم الشيء الواحد فهو قرينة قوية على عود الصفة إلى الجميع.
стр. 434
٣ - ومن أدلتهم:
أن المطلق الأخير حائل بين الصفة والمطلق الأول، فيكون مانعاً من العود إليه ١، وجواب ذلك أنهما مع العطف كالشيء الواحد فلا يتم ما ذكرتم.
ثم هو منقوض بالشرط، إذ لا فرق بينهما، والشرط يعود إلى الجميع اتفاقاً ٢.
ثالثاً: أدلة القائلين بعود الصفة إلى الجميع:
استدل جمهور الأصوليين على عود الصفة إلى جميع ما تقدمها عند عدم القرينة المانعة بعدة أدلة منها:
١ - قالوا: إن العطف يجعل المتعدد كالشيء الواحد، وما دام أن الصفة بعد الواحد تعود إليه بالاتفاق، فكذلك يكون الحكم في المتعدد؛ لأنه بعد العطف لا فرق بينهما ٣.
٢ - قالوا: إن الشرط يعود إلى الجميع، فكذلك الصفة ٤، لاشتراكهما في عدم الاستقلال بالمعنى.
стр. 435
٣ - قالوا: إن تكرار الصفة بعد كل واحد من الموصوفات مستهجن لغة، وتجنباً لذلك اكتفى بذكرها بعد الأخير لوجود ما يرجح ذلك.
وهو أن المتكلم إذا أراد أن يعيد الصفة إلى الجميع لم يكن أمامه إلا طريقان:
الأول: أن يكرر الصفة عقب كل موصوف وهذا مستهجن لغة.
الثاني: أن يذكر الصفة بعد الموصوف الأخير، فإذا كان غرضه منها أن تعود إلى الجميع ولم نجوز له ذلك لم يبق أمامه طريق لعود الصفة إلى الجميع، فكان ذكرها بعد الأخير متعيناً، وهذا مرجح آخر بجانب العطف لعود الصفة إلى الجميع.
ومن أدلتهم أيضاً:
أن الصفة صالحة إلى أن تعود إلى كل واحد من الموصوفات، وليس بعضها أولى من بعض كما هو "الفرض" فوجب عودها إلى الجميع لعدم المرجح ١.
الراجح:
بعد عرض أقوال العلماء وأدلتهم في هذه المسألة، وبناء على المناقشة السابقة، يظهر أن ما ذهب إليه الجمهور من عود الصفة إلى جميع ما تقدم
стр. 436
عليها حيث لم يمنع من ذلك مانع هو القول المختار.
وأما ما بقي من المخصصات المتصلة، وهي السبعة التي ذكرها الشوكاني وغيره، فقد تقدم أنها داخلة تحت الصفة؛ لأن المراد منها الصفة المعنوية فتأخذ حكم الصفة الذي تقدم الكلام عليه بالتفصيل.
وتقييد المطلق بها هو القول الراجح، إلا الحال فإن عليه ملاحظة نذكرها بعد التمثيل لهذه المقيدات.
وحيث سبق التمثيل لظرفي الزمان والمكان، والجار والمجرور في مبحث دخول الإطلاق والتقييد على الأفعال، فنكتفي هنا بالتمثيل لتقييد المطلق بالمفعول به، والمفعول لأجله، والتمييز.
١ - فمثال: تقييد المطلق بالمفعول له والمفعول معه:
قولك: "أعطه إكراماً واكسه وزيداً" فقد قيد الفعل في الجملة الأولى بكون للإكرام، وقيدت الكسوة في الجملة الثانية بمعية زيد وصحبته، فإن الواو هنا للمعية وليست عاطفة، وذلك جائز إذا كان الإطلاق في جانب الأفعال، لأن المفعول له معناه التصريح العلة التي لأجلها وقع الفعل، والمفعول معه، معناه تقييد الفعل بتلك المعية.
٢ - ومثال تقييد المطلق بالتمييز:
قولك عندي له رطل ذهباً: فالتمييز في هذا المثال هو لفظ "ذهباًَ" وقد جاء مقيداً للمطلق، وهو "رطل"؛ لأنه قبل التمييز كان صالحاً لكل ما يوزن وبعد التمييز أصبح الرطل مقيداً بكونه ذهباً، ومن أمثلة ذلك
стр. 437
أيضاً بيت ابن مالك في ألفيته حيث يقول:
كشبرٍ أرضا وقفيز بُرا ... ومَنَويَن عسلاً وتمرا
فقد ذكر في هذا النظم ألفاظاً مطلقة هي: شبر قفيز، منوين، ثم قيدها بالتمييز فقال: "كشبر أرضاً" "وقفيز بُرا، ومنوين عسلا وتمرا" وإذا جاء التمييز عقب متعدد، فإنه يعود إلى الجميع ١ كما يشير إلى ذلك كلام البيضاوي في المنهاج ٢.
وأما حكم التقييد بالحال:
فهو متوقف على صاحب الحال؛ لأن الحال لا تقيد إلا صاحبها، والمطلق عبارة عن النكرة في سياق الإثبات عند بعضهم، والنحويون مختلفون في مجيء الحال من النكرة، إلا أن الراجح جواز ذلك بمسوغ ٣.
والمسوغات كثيرة منها: أن يكون صاحب الحال موصوفاً، ومنها تقدم الجار والمجرور على صاحب الحال نحو: "في الدار جالساً رجل"، فصاحب الحال في هذا المثال لفظ "رجل" وقد تقدم الخبر، وهو جار ومجرور "في الدار" وجاء منه الحال وهو لفظ "جالسا" وعلى ذلك يجوز تقيد المطلق بالحال إذا كان صاحبها نكرة.
стр. 438
وأما إذا كان صاحب الحال معرفة فلا نقيده حينئذ بالحال، لأنه ليس مطلقاً ١.
стр. 439
الفصل الثاني: في المقيدات المنفصلة
المبحث الأول: في تعريف المقيدات المنفصلة وتقسيماتها
...
المبحث الأول: في تعريف المقيدات المنفصلة وتقسيماتها:
١ - تعريفها:
هي ما يستقل بنفسه عن لفظ المطلق بتمام الفائدة، وتنقسم باعتبار ورودها إلى قسمين:
الأول:
ما يقارن المطلق حين نزوله وهذا النوع اتفق العلماء على جواز تقييد المطلق به، إذا تساوى معه من حيث القطعية والظنية، كما اتفقوا على أن تقييد المطلق بهذا النوع: "المستقل المقارن" يكون بياناً لا نسخاً لما يلي:
١ - أن المعية قرينة البيان.
٢ - أن من شرط الناسخ التأخر عن المنسوخ، وهذا النوع لم يتأخر عن المطلق.
وإنما قيدنا الاتفاق بتساوي الدليلين بناء على اشتراط المعارضة عند الحنفية بين المطلق والمقيد، وهي لا تحقق إلا بتساوي الدليلين، وقد سبق أن ذلك ليس شرطاً، لوجود التعارض بين النصوص الشرعية؛ وإنما هو شرط في بقاء المعارضة وعدم رفعها والتوفيق بين المتعارضين.
القسم الثاني:
ما يتأخر عن المطلق مدة يمكن نسخ الحكم فيها، وفي هذا النوع
стр. 440
جرى الخلاف بين الجمهور والحنفية.
١ - حيث يرى الحنفية أن الدليل "المستقل" الذي يتأخر عن المطلق مدة يمكن النسخ فيها يكون ناسخاً لا مقيداً؛ لأنه لا معنى لتأخره عندهم إلا أن يكون ناسخاً، ولكنهم لا يحكمون بالنسخ حتى يتساوى مع المطلق في القوة.
٢ - ويرى جمهور الأصوليين أن تأخر الدليل لا يكفي للقول بالنسخ، ما لم يتأخر عن وقت العمل، كما أنهم لا يشترطون في التقييد المساواة بين المطلق والمقيد؛ لأن تقييد المطلق من قبيل البيان، والبيان لا يشترط فيه مساواة الدليلين على الراجح.
وبناء على اشتراط المساواة وعدم اشتراطها وشروط المخصص اختلفت المذاهب في عدد المقيدات المنفصلة، وحكم التقييد بها فذكر القرافي في تنقيح الفصول أن مخصصات العام عند مالك خمسة عشرة١،
стр. 441
وذكر الغزالي أن المخصصات عشرة١.
وعدها محب الدين بن عبد الشكور في مسلم الثبوت خمسة عشرة نوعاً٢، إلا أنه ناقشها تبعاً لمذهب الحنفية فقبل بعضاً، ورد بعضاً.
وحيث إن كل ما يخصص به العام يقيد به المطلق إلا ما أخرجه الدليل تكون هذه المخصصات هي مقيدات للمطلق، وبالتالي يجري فيها
стр. 442
الخلاف الحاصل في باب التخصيص، لكنها في الجملة تنقسم إلى قسمين:
أ - مقيدات موضع اتفاق في الجملة.
ب - ومقيدات موضع خلاف.
وسيكون كلامنا عنها حسب الترتيب التالي:
ما كان منها موضع خلاف فسوف نبحثه بالتفصيل.
فالمبحث الأول: المقيدات التي هي موضع اتفاق في الجملة، وهي أربعة:
أولها: تقييد الكتاب بالكتاب، اتفق العلماء على جواز تقييد الكتاب بالكتاب، كل حسب شروطه١ التي اشترطها في المقيد، ومثال ذلك قوله - تعالى -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ٢ مع قوله - تعالى -: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ ٣.
حيث ورد الدم مطلقاً في الآية الأولى، ومقيداً بكونه مسفوحاً في الآية الثانية.
стр. 443
وقد اتفق الفقهاء في جميع المذاهب على حمل المطلق على المقيد ههنا١، فلا يحرم إلا ما كان مسفوحاً، دون ما بقي في العروق واللحم من الدم الذي لا يمكن التحرز عنه.
ونسب إلى بعض الطوائف الخلاف في جواز تقييد الكتاب بالكتاب٢، مستدلين على ذلك بقوله - تعالى -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٣، حيث فوض بيان ما أنزل إلى رسوله، فيجب أن لا يحصل البيان إلا بقوله صلى الله عليه وسلم٤.
ورد هذا الدليل من وجهين:
الأول: أن إضافة البيان إلى الرسول ﷺ ليس فيه ما يمنع من كونه مبيناً للكتاب بالكتاب، إذ الكل وارد على لسانه، فذكر الآية المقيدة بيان منه ويجب حمل وصفه بالبيان على أن البيان وارد على لسانه سواء كان الوارد على لسانه متلوا وهو الكتاب أو غير متلو وهو السنة، فالكل وحي من عند الله تعالى٥.
стр. 444
الوجه الثاني:
أن هذا القول معارض بما هو أوضح منه دلالة على هذه المسألة، وهو قوله - تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، والقرآن شيء فيكون مبيناً لنفسه، وهذا هو المطلوب، وعليه فليس هناك تعارض بين هذه الآية، وآية: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢.
٢ - تقييد الكتاب بالسنة المتواترة:
اتفق العلماء على جواز تقييد الكتاب بالسنة المتواترة٣، لأن السنة المتواترة في منزلة الكتاب من حيث القوة وتقدم أن تقييد الكتاب بالكتاب جائز بالاتفاق مع إطراح قول المخالف لضعفه.
قال الآمدي في تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة: "لا أعرف فيه خلافاً" ٤، وحكى ابن الحاجب الاتفاق على ذلك أيضاً٥.
стр. 445
وقال الشوكاني: "يجوز تخصيص الكتاب بالسنة، المتواترة إجماعاً"١ والتقييد يجري مجرى التخصيص.
وفي حكم السنة المتواترة السنة المشهورة عند الحنفية، فيجوز تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة بها عند الأحناف٢، وتقدم ما يصلح مثالاً لذلك في كفارة اليمين حيث وردت مطلقة في قراءة الجمهور ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ، ومقيدة بالتتابع في قراءة ابن مسعود: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعات﴾ ، هذا الكلام في السنة القولية، وأما الفعلية فسيأتي الكلام عليها.
٣ - تقييد السنة بالسنة المتواترة:
يجوز تقييد السنة بالسنة المتواترة حكاه الشوكاني إجماعاً٣، لأن التقييد ما هو إلا بيان المراد بالمطلق، وما دامت النصوص في منزلة واحدة من الصحة والثبوت، فإن بعضها يصح أن يكون مبيناً للآخر، وحكي عن داود الظاهري٤ وطائفة أن السنة لا تقيد
стр. 446
السنة١، لأن السنة إنما تكون مبينة لا محتاجة إلى البيان لقوله - تعالى -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢، وترد هذه الحجة بأن كون الرسول مبيناً للكتاب بالسنة لا يمنع من أن يبين سنته، فلا وجه للخلاف٣.
٤ - تقييد السنة بالكتاب:
وذلك بأن يأتي لفظ مطلق في حديث، ويأتي مقيداً في آية من كتاب الله فهل يقيد الإطلاق الوارد في الحديث بالقيد الوارد في الآية الكريمة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
١ - ذهب أكثر العلماء إلى أن تقييد السنة بالكتاب جائز٤ وسواء
стр. 447
في ذلك السنة المتواترة وغيرها.
٢ - وذهبت طائفة إلى عدم جواز تقييد السنة بالكتاب، وهم بعض الشافعية وبعض المتكلمين١ ورواية لأحمد٢.
وحجة هذه الطائفة ما تقدم في الآية السابقة من قوله - تعالى -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ .
ووجه الدلالة: أن الله أضاف البيان إلى الرسول ﷺ فكانت السنة مبينة للقرآن، فلو جعل القرآن مبيناً لها لتنافى ذلك مع كونها مبينة، ولأن المبين تابع للمبين، فلو قيدنا السنة بالكتاب صار تابعاً لها٣، ورد الجمهور على ذلك، بما تقدم من أن إضافة البيان إلى الرسول لا يلزم امتناع كونه مبيناً للسنة بما يرد على لسانه من القرآن؛ إذ تلاوته للآية المقيدة بيان منه، والقرآن والسنة كل منهما وحي من عند الله سبحانه كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٤، غير أن الوحي منه ما يتلى فيسمى قرآناً، ومنه ما ليس كذلك فيسمى سنة.
стр. 448
وبيان أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع، ثم إن قولهم: هذا معارض بما وصف الله به كتابه في قوله - تعالى -: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، والسنة شيء فتكون داخلة في هذا العموم، ويكون الكتاب مبيناً لها١.
قال الآمدي: "وما ذكروه من المعنى فغير صحيح؛ فإن القرآن لا بد أن يكون مبيناً لشيء ضرورة قوله - تعالى -: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وأي شيء قدر كون القرآن مبيناً له، فليس القرآن تابعاً له ولا ذلك الشيء متبوعاً، وأيضاً فإن الدليل القطعي قد يبين مراد الدليل الظني، وليس القرآن منحطاً عن رتبة الظن، فيكون القرآن مبيناً للسنة لتساويه معها في قوة الدلالة على أقل التقادير.
وعلى ذلك يكون القول بمنع بيان الكتاب للسنة غير واضح.
٥ - التقييد بالإجماع:
التقييد بالإجماع موضع اتفاق وسواء كان المقيد به كتاباً أو سنة، قال الآمدي في تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع: "لا أعرف فيه خلافاً" ٢.
стр. 449
وحكى الشوكاني الإجماع على جواز التخصيص به١.
والتقييد له حكم التخصيص.
والحجة في ذلك أن الإجماع دليل قاطع، فإذا وردت آية مطلقة أو حديث، ورأينا أهل الإجماع قاضين بما يخالف النص المطلق في بعض صوره علمنا أنهم ما قضوا بذلك إلا وقد اطلعوا على دليل مقيد٢، وإنما الخلاف جار بين العلماء في أن الإجماع هل هو مقيد أو معرف بوجود دليل التقييد؟
والتحقيق أن الإجماع ليس بمقيد بذاته، وإنما هو معرف بوجود دليل التقييد، ويمكن أن نمثل للتقييد بالإجماع بما لو انعقد إجماع على أنه لا يجزئ في الكفارات إلا عتق رقبة مؤمنة، فإن هذا الإجماع يكون مقيداً للإطلاق الوارد في قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣.
стр. 450
المبحث الثاني: في المقيدات المنفصلة التي هي موضع خلاف
...
١ - التقييد بفعل الرسول ﷺ وتقريره:
لقد ذكر الأصوليون أن أفعال الرسول ﷺ وتقريراته من مخصصات العام، كما ذكر بعض شراح الكتب المتأخرون أن ذلك من مقيدات المطلق١.
ولكن يبدو لي أن فعل الرسول وتقريره لا يصلحان لتقييد المطلق لعدم تصور التقييد بهما، ذلك أن الرسول ﷺ لو أعتق رقبة مؤمنة في ظهار لم يكن ذلك دليلاً على تقييد الرقبة المطلقة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ، لأنه ﷺ بفعله هذا يكون ممتثلاً للأمر المطلق؛ إذ إن الرقبة المؤمنة إحدى الرقاب المدلول عليها بقوله - تعالى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ؛ فلا يكون ذلك تقييداً.
وكذا لو أعتق أحد رقبة مؤمنة في كفارة الظهار، وأقره الرسول ﷺ على ذلك لا يكون التقرير دليلاً على تقييد الرقبة المطلقة في آية الظهار، وهذا بخلاف التخصيص بفعله ﷺ ، فإنه متصور؛ لأن الرسول ﷺ إما أن يفعل فعلاً مما نهى عنه بلفظ عام أو يترك فعلاً قد وجب بأمر عام، فيكون ذلك تخصيصاً لما تناوله النهي أو الأمر من أفراد العام.
стр. 451
وليس التقييد كذلك، لما سبق أن بينا من الفرق بين العموم الشمولي والعموم البدلي التناوبي، الذي يتناول كل فرد فرد على سبيل البدل، ويتحقق مدلوله بواحد غير معين.
وما ذكره بعض شراح الكتب المتأخرين من أن أفعال الرسول وتقريراته تكون مقيدة للمطلق، إنما كان ذلك منهم إجراء للتقييد مجرى التخصيص، ولا يسلم لهم ذلك بإطلاق؛ لأن الفرق قائم بين ما يجري فيه التخصيص وما يجري فيه التقييد، كما ذكرنا ذلك في الفروق بين المطلق والعام.
نعم، قد يقال: إن لنا في رسول الله أسوة حسنة، فيلزمنا أن نقتدي به، فيما فعل، والجواب أن ذلك مسلم، ولكن غاية ما يدل عليه الأمر حينئذ أن يكون فعل ذلك هو الأولى والأفضل، ولكن لا يوجب تقييد المطلق ... والله أعلم.
стр. 452
٢ - تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بخبر الآحاد:
سلف أنه لا خلاف في تقييد الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة كل منها بالآخر، كما لا خلاف في تقييد مطلق الكتاب والسنة بالإجماع، وكذلك تقييدهما بخبر الواحد المحفوف بالقرائن المقوية له.
ولكن محل النزاع بين الأصوليين في تقييد مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بخبر الواحد المجرد عن القرائن.
حيث اختلفت وجهات النظر في حكم التقييد به لمطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة إلى عدة أقوال أهمها ما يلي:
القول الأول:
ذهب الحنفية جرياً على قاعدتهم في أن دلالة المطلق قطعية إلى أن خبر الآحاد لا يقيد المطلق من الكتاب والسنة المتواترة أو المشهورة ما لم يقيد المطلق فيها قبله بدليل مقطوع به، وحكي هذا القول عن أبي حنيفة نفسه١.
стр. 453
واستدلوا على ذلك:
بأن المطلق من الكتاب والسنة المتواترة قطعي الدلالة والثبوت؛ لأن المعنى الموضوع له اللفظ يفيده قطعاً عندهم، وخبر الواحد، وإن كان قطعي الدلالة إلا أنه ظني الثبوت، أي: أن خبر الواحد دون مطلق الكتاب والسنة المتواترة في قوة الثبوت؛ فلا يقوى على معارضة ما هو مقطوع به، وذلك أن التقييد عند الأحناف بطريق المعارضة، والظني لا يعارض القطعي؛ لأن من شرط التعارض تساوي الدليلين في الرتبة، وحيث لم يستو خبر الآحاد مع مطلق الكتاب والسنة المتواترة فلا معارضة بينهما، بل يقدم العمل بالأقوى، وهو الدليل المقطوع به١.
ويجاب عن هذا الدليل، بأن المقطوع به في المطلق من الكتاب والسنة المتواترة، إنما هو أصل الحكم، كإعتاق الرقبة في نحو: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولسنا نرفع بالتقييد هذا الأصل، وإنما نقيد شيوعه المحتمل، فهو ظني بهذا الاعتبار وإن كان قطعي الثبوت.
وخبر الواحد وإن كان ظني الثبوت إلا أنه قد يكون قطعي الدلالة،
стр. 454
وبهذا تحصل المساواة بينهما؛ لأن كلا منهما فيه جهة قوة وجهة ضعف، فيتعارضان في الظاهر، ولدفع هذا التعارض يحمل المطلق على المقيد؛ لأن فيه جمعاً بين الدليلين، وأيضاً فإن في العمل بالمقيد خروجاً عن العهدة بيقين، وليس كذلك العمل بالمطلق كما سبق بيان ذلك١، أضف إلى ذلك أن دلالة المطلق على جميع محاله ليست محل اتفاق، بل هي ظنية على رأي الجمهور، فالدليل غير مسلم به.
٢ - القول الثاني:
المنع مطلقاً، أي سواء قيد مطلق الكتاب والسنة المتواترة، قبل خبر الواحد أم لم يقيدا، وإليه ذهب بعض الحنابلة والمتكلمين وبعض الفقهاء٢.
واستدل هذا الفريق بأدلة منها:
١ - قالوا: أجمع الصحابة ﵃ على عدم التخصيص بخير الواحد لعام القرآن والسنة المتواترة، بدليل أن عمر٣ ﵁
стр. 455
قد رد خبر فاطمة بنت قيس١ الذي روته عن النبي ﷺ : " من أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة" ٢، حين طلقها زوجها فبت طلاقها المخصص لعموم قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ ٣ وقال في رده لخبرها: كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري أحفظت أن نسيت؟ ولم ينكر ذلك عليه أحد فكان إجماعاً٤، والتقييد
стр. 456
يجري مجرى التخصيص.
وأجيب عن هذا الدليل بأوجه منها:
أولاً: قالوا: إن انعقاد الإجماع غير مسلم لعدم توفر النقل له.
ثانياً: على فرض التسليم بسكوت الصحابة عليه، فليس فيه ما يفيد إثبات المدعى؛ لأن الكلام في خبر الآحاد الصحيح المتحققة فيه شروط القبول، ورد عمر ﵁ لخبر فاطمة بنت قيس ليس من هذا القبيل؛ لأن عدم فبول عمر لخبرها يدل على اتهامه لها بالغفلة وعدم الضبط، بدليل قوله "أحفظت أم نسيت"، بل ظاهر الحديث يدل على عدم مدعاهم؛ لأن ظاهره عدم الرد لو لم تكن متهمة في حفظها.
واستدلوا ثانياً:
بأن المتواتر مقطوع به وخبر الآحاد مظنون، والمظنون يترك بالمقطوع لعدم مقاومة المظنون للمقطوع والمتروك لا يخص به فلا يجوز تخصيص المتواتر بخبر الواحد١.
ويناقش هذا الاستدلال:
أولاً: بعدم التسليم بالتفاوت بين خبر الواحد والمتواتر من الكتاب والسنة وذلك أن كلا منهما مقطوع به من جهة ومظنون به من جهة
стр. 457
أخرى.. فمطلق الكتاب والسنة المتواترة مقطوع به متناً ومظنون دلالة وخبر الواحد بالعكس فتساويا، كما أنهما متساويان في وجوب العمل بكل منهما، أما المتواتر فبالاتفاق، وأما خبر الواحد فللأدلة القاطعة على وجوب العمل به، فمتى صدق القلب بصدق الراوي وجب العمل بخبره سواء كان متن الحديث متواتراً أم غير متواتر، فلا فرق بين المتواتر والآحاد في وجوب العمل.
وثانياً:
أن ترك المظنون بالمقطوع غير مسلم به على الإطلاق، بل قد يترك أحياناً المقطوع بالمظنون أيضاً، فالبراءة الأصلية متيقنة ومع ذلك فيجوز تركها بخبر الواحد بالاتفاق.
وثالثاً:
أن تقييد خبر الواحد لمطلق الكتاب والسنة ليس فيه ترك لهما بالكلية بل ذلك من قبيل الجمع بين الأدلة المتعارضة وبيان المحتمل بالدليل الظني جائز.
ومن أدلة هذا الفريق أيضاً:
قياس عدم التقييد بخبر الواحد على عدم النسخ به، حيث قالوا: لو جاز تقييد الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، لجاز النسخ به لهما، لأن النسخ تخصيص في الأزمان، والتقييد تخصيص في الأعيان، لكن النسخ به باطل فكذلك التقييد.
стр. 458
ويجاب عن ذلك:
بالفرق بين النسخ والتقييد، فالنسخ رفع، والتقييد بيان، والرفع أصعب من البيان، فيحتاط في رفع الحكم ما لا يحتاط في بيانه؛ فلا يلزم من عدم جواز النسخ بخبر الواحد عدم جواز التقييد به، ولا من جواز التقييد جواز النسخ١، والله أعلم.
القول الثالث:
ذهب القاضي أبو بكر من الشافعية إلى التوقف.
واستدل على ذلك: بأن كلا من مطلق الكتاب والسنة المتواترة وخبر الآحاد قد ثبت حجيته قطعاً، وهما متساويان أيضاً في الدلالة، لأن المطلق من الكتاب والسنة المتواترة قطعي الثبوت وظني الدلالة أحياناً، وخبر الواحد ظني الثبوت وقطعي الدلالة أحياناً، فيمكن أن يقع التعارض بينهما، وعند تعارض المتساويين يجب التوقف لعدم جواز الترجيح بدون مرجح.
ويجاب عن ذلك:
بمنع الترجيح بدون مرجح؛ لأن الأصل في الأدلة الإعمال، وما دام الإعمال ممكناً، فلا يصار إلى الإهمال، وهنا الإعمال ممكن؛ لأن حمل
стр. 459
المطلق على المقيد فيه جمع بين الدليلين، فكان أولى١ للأدلة التي ذكرنا فيها تقديم حمل المطلق على المقيد.
القول الرابع:
جواز التقييد بخبر الآحاد مطلقاً، أي: سواء قيد المطلق قبل تقييده بخبر الواحد بدليل مقطوع به أو لم يقيد، وإليه ذهب جمهور الأصوليين، من مالكية وشافعية وحنابلة وظاهرية وكذلك المحدثون٢.
واستدلوا على ذلك بأدلة أهمها ما يلي:
١ - قالوا: إن كلا من مطلق الكتاب والسنة المتواترة أو خبر الآحاد الصحيح دليل واجب الأتباع باتفاق أطراف النزاع في هذا الموضوع، فيجب اتباعه، ويجب أيضاً دفع ما يتصور من التعارض بينهما، لأن مطلق الكتاب والسنة يجوزان الإتيان بأي فرد كان من الأفراد الصالحة لتناول المطلق والمقيد يوجب الإتيان بالفرد الذي وجد فيه القيد، ولا يمكن العمل بكل منهما، لعدم جواز اجتماع النفي والإثبات في حكم واحد، ولا ترك كل منهما؛ لأنه يؤدي إلى خلو المسألة من الحكم، ولا
стр. 460
يمكن العمل بأحدهما بدون مرجح، فلم يبق إلا الجمع بينهما بقدر الإمكان، ثم إن عملت بالمطلق يلزم إلغاء القيد في المقيد وهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون القيد عبثاً وبدون فائدة.
وإن حملنا المطلق على المقيد نكون قد عملنا بالدليلين معاً، وهذا هو معنى التقييد فيتعين المصير إليه١.
٢ - واستدلوا أيضاً:
فقالوا: إن كلا من مطلق الكتاب والسنة المتواترة وخبر الآحاد قطعي من جهة، وظني من جهة ثانية، فالمطلق المتواتر قطعي من جهة السند وظني من جهة الدلالة، ومقيد خبر الآحاد الخاص، ظني من جهة السند وقطعي من جهة الدلالة فيتعادلان ويتعارضان، ثم يجمع بينهما بالتقييد٢ لتعيين المصير إليه كما سبق في الدليل الأول.
ومن أدلتهم أيضاً على هذه المسألة:
٣ - قالوا: إن إجماع الصحابة قائم على جواز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد.