٣ - الخلاف في فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة للقادر:
اختلف العلماء في القراءة الواجبة في الصلاة على قولين:
القول الأول: إن ركن القراءة الواجبة في الصلاة هي الفاتحة. وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.١
القول الثاني: أن الفرض هو القراءة المطلقة، والفاتحة زيادة. وهو قول الحنفية،٢ وليست ركناً من أركان الصلاة، بل هي واجب من واجباتها.٣
وتراجع أدلة الأقوال ومناقشتها في المراجع المذكورة في الحاشية.
стр. 387
٤ - الخلاف في فرضية الترتيب في أعضاء الوضوء:
اختلف العلماء في ترتيب أعضاء الوضوء على قولين مشهورين:
القول الأول: أن الترتيب فرض من فروض الوضوء؛ أخذاً من قوله ﷺ : " ابدؤوا بما بدأ الله به" ١ الشامل للوضوء، وهو وإن ورد في الحج إلا أنه عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومن فعله ﷺ فإنه لم يتوضأ إلا مرتباً، ولو لم يجب لتركه في وقت، أو دلّ عليه بياناً للجواز.٢
وهذا مذهب الجمهور ومنهم الإمام الشافعي والإمام أحمد.٣
القول الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو أن الترتيب سنة من سنن الوضوء؛ جرياً على أصلهم من أن الزيادة على النص نسخ، فيشترط أن يكون الناسخ متساوياً مع المنسوخ؛ إذ القرآن لم يأمر إلا
стр. 388
بتطهير أربعة أعضاء. وتطهيرها حاصل بدون الترتيب.١
стр. 389
٥ - الخلاف في فرضية أو شرطية الترتيب في الطواف:
وهذه المسألة مثل مسألة الترتيب في أعضاء الوضوء، والتعليل قريباً من بعض، وهو أن الوارد في القرآن الأمر بالطواف، وهو يتحقق بما يُسمى طوافاً، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثابت بدليل آخر وهو الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط، وإنما ثبت ذلك بالسنة الأحادية، وهي لا توجب أكثر من الوجوب، فيثبت بها الوجوب دون الفرض في الزائد على أكثر الأشواط والترتيب؛ لأنه لم يرد فيه نص قطعي.١
стр. 390
المبحث الثاني في مسائل متعلقة بالحدود والكفارات:
١ - التغريب على الزاني البكر:
اتفق المسلمون على أن الزاني البكر والزانية البكر يجلدان مائة جلدة لقوله - تعالى -: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١.
واختلف الفقهاء: في ضم التغريب إلى الجلد في حق الزاني البكر أيعتبر جزءاً من الحد أم لا يعتبر جزءاً منه؟
أ - فذهب الحنفية إلى أن الحد هو الجلد مائة فقط، وليس التغريب جزءاً منه، بل هو من باب التعزير الموكول إلى نظر الإمام إن رأى مصلحة غرب تعزيراً لا حداً٢.
ب - وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن التغريب جزء من الحد٣.
وكان من الأسباب التي أدت إلى هذا الخلاف ورود الجلد مطلقاً
стр. 391
عن قيد التغريب في القرآن، وورود التغريب في السنة الأحادية١.
فالحنفية بناء على قاعدتهم في أن الزيادة على النص نسخ له قالوا: بعدم التغريب؛ لأن هذه الزيادة لم تثبت بطريق صالحة لنسخ مطلق الكتاب.
وأما الجمهور؛ فلأن الزيادة عندهم بيان قالوا: بوجوب التغريب ولو كان طريق ثبوته بأخبار الآحاد؛ لأن البيان لا يشترط فيه مساواة المبين للمبين.
وقد مال إلى مذهب الحنفية في هذه المسألة الدكتور مصطفى الزلمي في رسالته أسباب اختلاف الفقهاء، معللاً ذلك بأن قوله - تعالى -: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، نص قطعي الدلالة والثبوت، والمراد منه بين في نفسه، فلا إجمال فيه حتى يبينه الحديث.
стр. 392
ثم قال: إن التغريب عقوبة تبعية، وليست من أصل الحد، غير أن تعليل الحنفية ذلك بأنه زيادة على النص وهي نسخ؛ فلا تجوز بخبر الواحد تعليل غير سليم بالإضافة إلى أنه منقوص بكثير من تطبيقاتهم الفقهية المبنية على الزيادة على النص، كنقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة١ وغيرها.
وهذا التعليل مدفوع: بأن الجمهور لا يقولون: إن الحديث بَيَّن المراد من الآية، بل هو بيان أن الحد مجموع الأمرين، والآية لم تتعرض له، وإنما ذكرت أن الزاني يجلد مائة جلدة، وهذا مسلم به.
قال الشوكاني: "إن النبي ﷺ هو المبيِّن لمراد الله تعالى، وقد أقسم في الحديث الذي وردت فيه الزيادة على أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء٢ بكتاب الله، ثم خطب بذلك عمر ﵁ على رؤوس
стр. 393
المنابر وعمل به الخلفاء الراشدون، ولم ينكره أحد فكان إجماعاً"، وبالنسبة١ لقوة الحديث، يقول الشوكاني في هذا الصدد: "إن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة عند الحنفية، فيما ورد من السنن زائداً على القرآن، فليس لهم معذرة عنها بذلك، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل مع أنه زيادة على ما في القرآن، وأيضاً فليست هذه الزيادة مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزئاًَ حتى تتجه دعوى النسخ"٢.
стр. 394
٢ - اشتراط الإيمان في كفارة الظهار:
١ - ذهب الحنفية ومن وافقهم إلى أن الإيمان في كفارة الظهار ليس شرطاً وأن الرقبة الكافرة تجزئ١.
واستدلوا على ذلك فقالوا: إن المنصوص في آية الظهار هو اسم الرقبة وليس فيها ما ينبئ عن صفة الإيمان أو الكفر، فالتقييد بصفة الإيمان مثلاً: يكون زيادة على النص القرآني وهي لا تثبت بخبر الآحاد أو القياس.
٢ - وذهب الجمهور إلى اشتراط الإيمان، وقالوا: إن غير المؤمنة لا تجزئ لقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ ٢، ولا خبث أشد من الكفر، وبما روي عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ برقبة سوداء، وقال: علي رقبة أفتجزئ عني، فامتحنها الرسول بالإيمان فوجدها مؤمنة فقال له: أعتقها فإنها مؤمنة"؛ فامتحانه إياها بالإيمان دليل على أن الواجب لا يتأدي بغير المؤمنة؛ ولأن ذلك تحرير في تكفير، فلا يجزئ فيه غير المؤمنة كما في كفارة القتل الخطأ٣.
стр. 395
٣ - قطع يد السارق من المفصل:
يطلق القطع على الإبانة، وعلى الجرح - أي شق العضو من غير إبانة له بالكلية - ولما كان الأصل في الإطلاق الحقيقة فيكون مشتركاً لفظياً بينهما. ولا قرينة ترجح أحدهما على الآخر فيكون مجملاً. والمجمل لا يُعمل به إلا بعد البيان، وقد بيّنت السنة الفعلية بأن القطع من مفصل الكوع، فكان ذلك تفصيلاً للمعنى الإجمالي للآية؛ إذ روي عن عمرو بن شعيب أنه قال: "أتي النبي ﷺ بسارق فقطع يده من مفصل الكف".١
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كانت السنة في القطع الكفين".٢
فمن يرى أن الأمر بالقطع من الخاص الذي لا يحتمل البيان يشترط في السنة أن تكون متواترة أو مشهورة حتى تقوى على بيان قطعي الكتاب.
стр. 396
ومن لا يرى ذلك ويجوز بيان الكتاب بالسنة ولو كانت أحادية، يجوز عنده بيان قطعي الكتاب بظني السنة؛ لأنه لا يشترط في المبيِّن مساواته للمبيَّن.١
стр. 397
المبحث الثالث: في مسائل متفرقة
١ - آيتا المشيئة، وسميتا بذلك لذكر المشيئة فيهما مرة مطلقة ومرة مقيدة:
روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ ١، ناسخ لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا﴾ ٢، وهذا على التحقيق من باب تقييد المطلق؛ لأن قوله: ﴿نُؤتِهِ مِنْهَا﴾ مطلق ومعناه مقيد بالمشيئة وإلا فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ، والسبب الذي دعا ابن عباس إلى تسمية ذلك نسخاً هو: أن السَّلَف كانوا يسمون التخصيص والتقييد والبيان نسخاً، لأن المعنى اللغوي متحقق في ذلك، وهو مطلق التغيير المتبادر من اللفظ الأول بعد مجيء اللفظ الثاني.
стр. 398
٢ - اختلاف الإمامين مالك والشافعي - رحمهما الله - فيمن ارتد والعياذ بالله:
ذهب مالك ﵀ إلى أن عمل المرتد يبطل بمجرد ردته لقول تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
وقال الشافعي ﵀ -لا يبطل عمله إلا بالوفاة على الكفر، لأن المطلق هنا محمول على المقيد في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢.
واعترض مالك دليل الشافعي هذا وقال: إن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى؛ لأنه قد ترتب فيها مشروطان، وهما الحبوط والخلود على شرطين، هما الردة والوفاة على الكفر، وإذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع، فيكون الحبوط لمطلق الردة، والخلود لأجل الوفاة على الكفر، وحينئذ يبقى المطلق على إطلاقه لعدم التعارض، فتكون الآيتان خارجتين عن باب حمل المطلق على المقيد.
ودفع هذا الاعتراض بأن قوله: إذا رتب مشروطان على شرطين
стр. 399
وأمكن التوزيع عمل به صحيح، ولكنه مشروط بأن يصح استقلال كل من المشروطين عن الآخر، أما إذا لم يصح الاستقلال فلا، والمشروطان في هذه المسألة من النوع الثاني الذي لا يصح فيه الاستقلال؛ لأنهما سبب ومسبب، والسبب لا يستغني عن مسببه، وكذلك المسبب لا يستغني عن سببه، فمال قاله الشافعي أوجه١.
стр. 400
٣ - حكم مدافعة المار بين يدي المصلي، وأنه مقيد بوجود السترة:
ورد في شأن هذه المسألة حديثان صحيحان:
الأول: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يدي المصلي".
وهذا حديث مطلق؛ حيث لم يذكر فيه أن المصلي له سترة أو لا.
والثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبي فليقاتله، فإنما هو شيطان".
وهذا الحديث مقيد بما إذا صلى إلى شيء يستره.
ولهذا قال في تيسير العلام شرح عمدة الأحكام: "ما ورد من دفع المار ومقاتلته، وعدم الضمان في ذلك، لمن جعل أمامه سترة. فأما من لم يجعل سترة، فليس له حرمة؛ لأنه المفرط في ذلك، كما هو مفهوم الحديث".١
стр. 401
٤ - حكم طاعة الأمير، وأنه مقيد بما لم يكن معصية:
قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ١، والمراد بأولي الأمر كل من له ولاية شرعية، سواء كان الأمير العام، أو العالم الشرعي، أو الأمير أو الرئيس الخاص بالإنسان، وهذه الآية الكريمة قد أوجبت طاعة أولي الأمر، وهذا الأمر في الآية قد جاء مطلقاً، لكن هذا الإطلاق قد جاء تقييده في نصوص أخرى، منها حديث: "إنما الطاعة في المعروف"٢، وحديث: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"٣، وغير ذلك من النصوص التي تدل على اشتراط أن تكون الطاعة في غير معصية الله تعالى.٤
стр. 402
الباب الثالث: في مقيدات المطلق
الفصل الأول: في تقسيم المقيدات وحكم المتصل منها
...
تمهيد في العلاقة بين مخصصات العام ومقيدات المطلق
جرت عادة جمهور الأصوليين أن يتكلموا عن العام والخاص قبل الكلام على المطلق والمقيد، وقد أفاض الأصوليون في الكلام على تخصيص العام والمخصصات التي يقع بها التخصيص.
وحيث كان هناك شبه بين مخصصات العام ومقيدات المطلق، اكتفى الأصوليون عن تفصيل القول في مقيدات المطلق بما قالوه في باب التخصيص والمخصصات، ثم أحالوا من أراد الاستزادة على ذلك، يقول الآمدي في أحكامه بعد أن عرف المطلق والمقيد: "وإذا عرف معنى المطلق والمقيد فكل ما ذكرناه في مخصصات العموم فهو بعينه جار في مقيدات المطلق، فعليك باعتباره ونقله إلى هنا"١.
ويقول الشوكاني في إرشاد الفحول: "اعلم أن ما ذكر في التخصيص للعام فهو جار في تقييد المطلق فارجع في تفاصيل ذلك إلى ما تقدم في باب التخصيص"٢.
لكن بعض٣ شراح الكتب الأصولية خطا خطوة في البيان عن
стр. 403
مقيدات المطلق فلم يكتف بالإحالة كما فعل غيره، فخص بعض المقيدات بالذكر، ومن هؤلاء الأنصاري في غاية الوصول حيث ذكر أن ما يخص به العام يقيد به المطلق، وما لا يخص العام لا يقيد به المطلق، وعلل ذلك بأن المطلق عام من حيث المعنى، ثم فرع على هاتين القاعدتين فقال: "يجوز تقييد الكتاب به وبالسنة والسنة بها وبالكتاب، ويجوز تقييدهما بالقياس، والمفهومين، وفعل الرسول وتقريره بخلاف مذهب الراوي وذكر بعض جزئيات المطلق على الأصح في غير مفهوم الموافقة"١.
وذكر البناني في حاشيته على شرح المحلى وجمع الجوامع مثل ما ذكره الأنصاري، وكذلك صاحب الكوكب المنير٢.
وهذا يعني أن الكلام على مقيدات المطلق وأحكام التقييد والتمثيل لها فيه شيء من الصعوبة، لقلة من كتبوا فيه بالتفصيل، وبناء على إرشادات الأصوليين الآنفة الذكر، فإن منهجي في بحث مقيدات المطلق يعتمد على الرجوع إلى ما كتبه الأصوليون في مخصصات العام، واعتبار ذلك في مقيدات المطلق، وحيث تكون الحاجة ماسة إلى ذكر أقوال
стр. 404
العلماء في القاعدة والتمثيل لها، فإني أذكر ما قيل في التخصيص والمخصصات ليكون دليلاً على مرادهم في تقييد المطلق.
ولكن إذا كان الحكم لا ينطبق على المطلق لما سبق من الفرق بينه وبين العام، فإني أُبيِّن ذلك، اعتقاداً مني أن الاختلاف في الذات يبنى عليه الاختلاف في الأحكام، وهذا يقتضي أن أعرض ما قيل في مخصصات العام على أحكام المطلق وخصائصه السابقة، فما لا يتعارض معها جاز التقييد به، وما كان منها متعارضاًَ مع تلك الخصائص والأحكام منعنا التقييد به وبينا السبب في ذلك.
وقبل أن نبدأ في تفصيل الكلام على مقيدات المطلق ينبغي أن نعرف معنى التقييد والمقيد باسم الفاعل والفرق بين التقييد والتخصيص وبينهما وبين النسخ، فنقول:
١ - التقييد:
تفعيل، مأخوذ من الفعل الرباعي: "قَيَّدَ" يقال: قَيّد الحيوان تقييداً؛ إذا جعل في رجله قيداً ونحوه من موانع الحركة.
وفي الاصطلاح:
إضافة قيد إلى اللفظ المطلق واعتبار ذلك في مدلوله، وحيث عرفنا المُقَيّد باسم المفعول فيما سلف بأنه اللفظ الذي اقترن به ما يحد من شيوعه وانتشاره بين أفراد جنسه.
يمكن تعريف التقييد بأنه: "تحديد شيوع اللفظ المطلق بقيد يقلل من
стр. 405
انتشاره بين أفراد جنسه"١.
٢ - أما المُقَيِّدُ باسم الفاعل:
فقد اختلف العلماء في المراد به، وكان لهم في ذلك رأيان:
الأول: أن المقيد إرادة المتكلم، والدليل كاشف عن تلك الإدارة، واختار هذا القول، كما يقول الشوكاني: ابن برهان٢ وفخر الدين الرازي.
الثاني: أن المقيد هو الدليل الذي وقع به التقييد، والحق أن المقيِّد حقيقة هو المتكلم لكن لما كان المتكلم يقيد بالإرادة أسند التقييد إلى إرادته فجعلت مُقَيَّدة، ثم جعل ما دل على إرادة المتكلم وهو الدليل مقيداً في الاصطلاح والمراد: - هنا - إنّما هو الدليل الذي يحصل به التقييد٣.
стр. 406
٣ - الفرق بين التقييد والتخصيص:
أ - ذهب جمهور الأصوليين - ومنهم الشافعية والمالكية والحنابلة - إلى عدم التفريق بين التقييد والتخصيص، حيث يطلقون على كل منهما قصراً أو تخصيصاً على سبيل الترادف، وذلك؛ لأن التخصيص عندهم هو: قصر شمول العام على بعض أفراده بدليل١، أو هو إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص٢ والمطلق عندهم نوع من العام فيسمى تقييده قصراً أو تخصيصاً.
ب - وذهب الحنفية إلى التفرقة بين التخصيص والتقييد فقالوا: إن التقييد نوع من قصر العام على أفراده، ولكنه لا يسمى تخصيصاً في الاصطلاح، لعدم استقلال الدليل الذي يكون به التقييد عن اللفظ العام في المعنى.
وأما التخصيص: فهو "قصر العام بدليل مستقل مقارن للعام في نزوله ومساوٍ له في قوته" ٣.
стр. 407
فأساس التفرقة يقوم على أن مفهوم التخصيص عند الحنفية أخص منه لدى الجمهور؛ إذ يشترط الحنفية في المخصص للعام ابتداءً إذا كان كلاماً١ أن تتوفر فيه ثلاثة شروط لا يرى الجمهور اشتراطها في المخصص.
الأول: استقلال المخصص في المعنى؛ بحيث يكون نصاً مفيداً تام المعنى في ذاته.
الثاني: أن يكون مقارناً للعام في زمن تشريعه.
الثالث: مساواته للعام في الدلالة والثبوت، فإذا كان الدليل غير مستقل في معناه فهو عند الحنفية يسمى قصراً لا تخصيصاً، ومرادهم من هذا الدليل غير المستقل المخصصات المتصلة، كالصفة والشرط والغاية ونحوها؛ فإن كلاً من هذه القيود لو فصل عما قبله لم يفدْ شيئاً؛ إذ هي ليست مستقلة في معناها، بل هي تابعة للكلام السابق٢، على أن الحنفية يجوزون إطلاق لفظ القصر على التخصيص دون العكس، وبذلك يكون القصر عندهم أعم، فكل تخصيص قصر وليس كل قصر تخصيصاً٣.
стр. 408
وحيث عرفنا معنى التقييد والتخصيص عند الجمهور والحنفية نلخص الفروق بينهما في النقاط التالية على رأي الحنفية مع التنبيه إلى أنه يمكن إرجاع تلك الفروق إلى الاختلاف بين العام والمطلق الذي سبق الكلام عليه في أثناء حديثنا عن دلالة المطلق فنقول:
١ - يؤخذ من تعريف التقييد أنه إخراج ما كان صالحاً لتناول اللفظ المطلق عن طريق البدل لولا ورود المقيد.
كما يؤخذ من تعريف التخصيص أنه إخراج لبعض الأفراد التي استغرقها اللفظ العام بوضعه اللغوي على تقدير عدم المخصص.
٢ - التقييد تصرف فيما سكت عنه اللفظ المطلق، وأما التخصيص فهو تصرف فيما تناوله اللفظ العام ظاهراً، فلو قلت: "أعط الرجل الفقير درهماً بعد قولك: "أعط الرجل درهماً" لكان التقييد بالصفة - وهي الفقر هنا - تصرفاً فيما سكت عنه لفظ "الرجل" في وضعه اللغوي وبياناً له؛ لأن لفظ الرجل في وضعه اللغوي إنما يدل على خلاف المرأة، وهو كما ترى لا يدل على غني أو فقير، بل هو ساكت عن ذلك، فجاء التقييد إذاً تصرفاً فيما سكت عنه اللفظ في الوضع اللغوي ومبيناً لما لم يتناوله لغة بخلاف التخصيص؛ فإنه تصرف فيما تناوله اللفظ ظاهراً؛ لأنه لو قيل في العام: "عاقب المذنبين" ثم قيل: "لا تعاقب الأطفال منهم"، لكان القسم الأول من الكلام وهو "عاقب المذنبين" متناولاً للقسم الثاني بوضعه اللغوي، وعملاً بدلالة العموم، فجاء الشطر الثاني من الكلام متصرفاً فيما
стр. 409
تناوله الشطر الأول لغة ومبيناً عدم شموله للأطفال المذنبين.
٣ - التقييد من حيث هو يقتضي إيجاب شيء زائد، فلو قال الشارع: "اعتق رقبة" أجزأ المأمور بالعتق إعتاق أيّ رقبة كانت، سواء كانت مؤمنة أو كافرة، ولكن إذا قيدها بالإيمان فقال: "أعتق رقبة مؤمنة" وجب على المأمور إعتاق رقبة مؤمنة، ولا يجزئه غيرها، فالتقييد إذاً زيادة قيد على اللفظ المطلق واعتبار ذلك في مدلوله وفيه نوع مشقة١.
أما التخصيص فهو في حقيقته لا يقتضي الإيجاب، وإنما يقتضي الدفع لبعض ما تناوله الحكم العام، وذلك نقصان في الحكم وتخفيف عن المكلف٢.
٤ - التقييد مفرد والتخصيص جملة، ومراد الأصوليين بالمفرد هنا ما لا يستقل بنفسه عن إفادة تمام المعنى، وبالجملة ما كان مستقلاً بذاته في إفادة المعنى.
٥ - التقييد أعم من التخصيص؛ لأنه يدخل على الخاص، وقد
стр. 410
يدخل على العام، بخلاف التخصيص؛ فإنه لا يدخل إلا على العام١.
٤ - الفرق بين التقييد والنسخ:
عرفنا معنى التقييد ولبيان الفرق بينه وبين النسخ لا بد من تحديد مفهوم النسخ عند المتقدمين والمتأخرين.
النسخ في لسان السلف يطلق ويراد به رفع الحكم تارة، ورفع ما اقتضاه اللفظ العام والمطلق تارة أخرى، وبيان المراد من اللفظ المجمل والمبهم تارة ثالثة، حتى إنهم كانوا يسمون الإخراج بالاستثناء والصفة نسخاً، لتضمن ذلك كله رفع الظاهر من اللفظ، وبيان أن مراد الشارع في التكليف والعمل هو ما دل عليه الناسخ حقيقة، وما دل عليه المخصص والمقيد ظاهراً٢، وهذا المفهوم للنسخ أعم من المفهوم المصطلح عليه لدى علماء الأصول، حيث خصوا اسم النسخ بالنوع الأول، وعرفوه بناء على ذلك بأنه: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه" ٣، فعلى اصطلاح الأصوليين تظهر الفروق بين التقييد والنسخ في المقارنة التالية، وهي من ناحيتين:
стр. 411
الأولى: في أوجه الاتفاق بين التقييد والنسخ:
١ - حيث يتفق التقييد والنسخ في أن كلا منهما بيان للمطلوب من المكلف ومعنى ذلك: أنه بعد مجيء المخصص والمقيد والمبين قد أصبح حكم اللفظ العام والمطلق والمجمل مشابهاً لحكم اللفظ المنسوخ في الظاهر من حيث العمل فيما يستقبل من الزمان.
ووجه الشبه: أن في كل منها تركاً لما أفاده اللفظ الأول ظاهراً، إما حقيقة كما في اللفظ المنسوخ وإما ظاهراً كما في العام المخصوص والمطلق المقيد، والمجمل المبين، إذا كان إجماله من وجه أو على القول، بأنه ما تساوت فيه الدلالة، ولهذا استسهل السلف إطلاق اسم النسخ على المراد من هذه الألفاظ لاشتراكها في معنى واحد١، وهو تغيير اللفظ الأول بعد مجيء الثاني.
٢ - أن كلا منهما قائم على التعارض بين النصين، وإن كان التعارض بين المطلق والمقيد لا يعد تعارضا إذا قيس بالتعارض الذي يقوم عليه النسخ؛ لأن التقييد فيه عمل بالدليلين، بخلاف النسخ الكلي؛ فإن فيه عملاً بالدليل الناسخ، وإهداراً للدليل المنسوخ.
٣ - ذكر بعض أصحاب الأصول أن في كل من التقييد والنسخ
стр. 412
تركاً للمطلق، والدليل المنسوخ وعملاً بالمقيد والدليل الناسخ، وهذا لا يطرد إلا في النسخ الكلي؛ فإنه يعمل فيه بالدليل الناسخ فقط، وأما المطلق فإننا عندما ضيقنا دائرته بالقيد الذي ورد عليه لم نهمله بالكلية، بل عملنا به في بعض أحواله١، وهذا هو مراد الشارع منه، بخلاف النسخ فقد نسخ مراد الشارع من الحكم.
الناحية الثانية: في أوجه الفرق بين التقييد والنسخ:
يفترق التقييد والنسخ في الأوجه التالية:
١ - أن النص المطلق لم يرتفع حكمه، وإنما ضاقت دائرته بالقيد الذي ورد عليه، أما المنسوخ فقد رفع حكمه بالدليل الناسخ.
٢ - المطلق ما زال كما هو دليلاً على الحكم مع مراعاة القيد عند العمل.
أما المنسوخ: فلا يمكن أن يعتبر دليلاً بعد نسخه، فالتقييد على هذا وصف للنص المطلق يقلل من مدلوله، والنسخ ليس كذلك؛ لأنه إهدار للدليل المنسوخ، هذا إذا كان النسخ كلياً، أما عند من يرى النسخ الجزئيَّ؛ فلا مانع من أن يكون الحكم المنسوخ بعضه معمولاً به باعتبار البعض الذي لم يدخله النسخ.
стр. 413
٣ - التقيد مفرد، لأنه وصف للمطلق في المعنى كما سبق، والأصل في الوصف أن يكون بلفظ مفرد، ومن ثم فهو غير مستقل بنفسه عن الموصوف.
أما النسخ: فهو جملة تامة في معناها، لأن من شرطه التأخر عن المنسوخ والاستقلال في المعنى لازم له.
٤ - التقييد يقع بالسابق والمقارن واللاحق الذي لم يتأخر عن وقت العمل عند جمهور الأصوليين.
أما النسخ: فلا يكون إلا باللاحق أي بالمتأخر في نزوله عن المنسوخ، ومذهب الحنفية في التقييد بالمتأخر كالتخصيص به، يعتبرون كليهما نسخاً١، فعلى هذا التقييد وإن كان نسخاً فهو أعم من النسخ المتعارف، من حيث ما يثبت به أو من حيث طريقه.
٥ - التقييد: قد يدخل على الأوامر والأخبار وغيرهما إذا اشتملت على حكم شرعي٢.
أما النسخ: فلا يدخل إلا على الأحكام الشرعية، وعليه فالتقييد أعم من حيث المحل.
стр. 414
الفصل الأول في تقسيم المقيدات وحكم المتصل منها
стр. 415
أولاً: تقسيم المقيدات:
تقدم لنا معنى التقييد وأنه تحديد شيوع اللفظ المطلق بما يقلل من انتشاره بين أفراد جنسه.
وكلامنا في هذا الفصل في بيان بأي شيء يكون التقييد؟
ونظراً إلى التشابه الموجود بين العام والمطلق، فإن مقيدات المطلق تختلف تبعاً لاختلاف المذاهب في مخصصات العموم، وشروط المخصص ولكنها في الجملة:
١ - إما أن تكون كلاماً.
٢ - أو غير كلام، ويراد بغير الكلام هنا التخصيص بالعقل والحس ١ ونحوهما.
والمقيدات الكلامية تنقسم إلى قسمين أيضاً:
стр. 416
أ - مقيدات متصلة:
وهي ما كانت غير مستقلة بنفسها، بل تابعة للمطلق في تمام الفائدة مثل: التقييد بالشرط والصفة ونحوهما.
ب - ومقيدات منفصلة:
وهي ما كانت مستقلة بنفسها عن اللفظ بتمام الفائدة، وهذا القسم يتنوع إلى نوعين:
١ - مستقل مقارن للمطلق في نزوله إن كان قرآناً أو في وروده إن كان سنة.
٢ - ومستقل متأخر عن اللفظ المطلق كما سيأتي.
وتقسيم المقيدات إلى متصلة ومنفصلة إنما هو على رأي الجمهور ومنهم الشافعية ١، وخالف في ذلك الحنفية حيث قصروا المقيدات على ما كان منفصلاً مقارناً دون المتصل والمستقل المتأخر؛ فلا يسمى كل منهما مقيداً عند الحنفية.
أما المتصل: فقد منعوا ٢ التقييد به لأمرين:
الأول: ما سبق أن شرط المقيد عندهم أن يكون مستقلاً بتمام
стр. 417
الفائدة عن اللفظ المطلق، والمقيدات المتصلة في نظرهم ليست كذلك؛ لأنها أجزاء من الكلام المتصلة به، لا غنى لها عنه، ولا استقلال لها بدونه ١.
والثاني: أن التقييد عندهم لا بد فيه من معنى المعارضة، والتقييد بالصفة والشرط ونحوهما من المقيدات المتصلة لا يتصور إلا مع القول بمفهوم المخالفة وهم لا يقولون به، كما سلف.
وأما إذا كان الدليل مستقلاً ومتأخراً عن المطلق مدة يصح القول فيها بالنسخ؛ فإنه يكون ناسخاً ٢ لا مقيداً عند الحنفية إن تساوى مع المطلق في قوة الثبوت والدلالة.
стр. 418
ثانياً: أقوال العلماء في المقيدات المتصلة:
سلف أن عرّفنا المقيدات المتصلة بأنها: ما لا يستقل بنفسه عن اللفظ المطلق، بل يكون تابعاً للمطلق في تمام معناه ١.
مثل قوله - تعالى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ؛ فإن لفظ مؤمنة غير مستقل في الدلالة؛ لأن دلالتها لا تستفاد بدون اتصالها بالمطلق الموصوف بها.
وكما اختلف الحنفية مع الجمهور في تسميتها مقيدات، اختلف الجمهور أنفسهم في عددها، وفيما يعتبر منها مقيداً للمطلق، ولمعرفة أقوالهم في هذه المسألة نورد أقوالهم في تخصيص العام بها.
وهي ثلاثة أقوال:
الأول: القول بأن المخصصات المتصلة أربعة هي:
١ - الاستثناء: كقوله - تعالى -: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٢.
٢ - الشرط: كقوله - تعالى -: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ ٣.
стр. 419
٣ - الغاية: كقوله - تعالى-: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ١.
٤ - الصفة مثل قوله ﷺ : "في الغنم السائمة زكاة" ٢.
القول الثاني:
إن المخصصات المتصلة خمسة: وزاد على الأربعة السابقة بدل البعض كقوله - تعالى -: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ٣.
وبه قال ابن الحاجب ٤ وتابعه السبكي ٥.
وقد اعترض على هذا الرأي بأن المبدل منه مستعمل في معنى البدل والمقصود بالحكم إنما هو البدل، ولكن نسب إلى المبدل منه بقصد توطئة النسبة إلى البدل ليفيد فضل توكيد، فعلى هذا ليس بدل البعض من المخصصات ٦
стр. 420
القول الثالث:
إن المخصصات المتصلة اثنا عشر مخصصاً الخمسة التي تقدمت وسبعة أخرى: ٦ - الحال، ٧ - وظرف الزمان، ٨ - وظرف المكان، ٩ - والجار مع المجرور، ١٠ - والتمييز، ١١ - والمفعول معه، ١٢ - والمفعول لأجله، وبه قال الشوكاني حكاية عن القرافي ١.
هذه خلاصة أقوال العلماء في ما يعتبر من مخصصات العام المتصلة، وحيث إن كل ما ذكر في تخصيص العام جار في تقييد المطلق كما نقلنا ذلك عن أكثر الأصوليين، ومنهم الشوكاني الذي حكى هذه الأقوال وأمر بنقلها إلى باب المطلق والمقيد، فكان معنى كلامه أن تكون هذه الأقوال نفسها جارية على مقيدات المطلق المتصلة، ولكن لما كان للمطلق ميزات وخصائص يختلف بها عن العام، فسوف نعرض لهذه المقيدات مقتصرين على الخمسة الأولى، لأن السبعة الباقية تدخل في الحقيقة تحت الصفة، ومن ثم نرى ما يمكن تقييد المطلق به، وما لا يمكن على ضوء الفروق والميزات التي ذكرناها. في الفرق بين العام والمطلق.
ولكن نبادر إلى القول بأن الاستثناء وبدل البعض لا يمكن أن يكونا
стр. 421
من مقيدات المطلق.
١ -أما الاستثناء؛ فلأنه معيار العموم الذي يختبر به عموم اللفظ، فكل لفظ صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام وليس بمطلق، وأيضاً فإن حقيقة الاستثناء على القول الراجح إخراج ما لولاه لوجب دخوله في اللفظ المستثنى منه، والمطلق ليس كذلك، لأنه عبارة عن النكرة في سياق الإثبات على قول، وهي غير مستغرقة، وحيث كان إخراج بعض مفهومات اللفظ، فرع العلم باندراجه تحته من حيث الإرادة ولا علم بذلك فيما لا استغراق فيه ١، كان الأصح عدم جواز الاستثناء من النكرة في سياق الإثبات؛ لأنك لو قلت: "أكرم رجالاً إلا زيدا" لم يصح الاستثناء؛ لأن زيداً لم يتعين دخوله في مفهوم لفظ رجال حتى يكون إخراجه منهم تقييداً.
نقول: هذا مع الاعتراف بجواز الاستثناء من النكرة إذا كانت جارية مجرى العموم، مثل: اشتريت عبداً إلا ربعه وداراً إلا سقفها، لكن استثناء ربع العبد وسقف الدار ليس بتقييد للمطلق؛ لأنهما أجزاء من كل والمطلق إنما هو كلي يقيد بجزئيه لا بجزئه ٢.
٢ - وكذلك لا يكون بدل البعض مقيداً للمطلق لوجهين:
стр. 422
الأول: أن بدل البعض لا يكون إلا من كل، والمطلق كلي وليس بكل عند بعض العلماء ١.
الثاني: أن يدل البعض في نحو أكلت الرغيف ثلثه هو جزء من كل وتقييد المطلق لا يكون إلا بجزئيه لا بجزئه فلهذا لا يكون بدل البعض من مقيدات المطلق.
стр. 423
٣ - حكم التقييد بالشرط:
الشرط لغة: العلامة.
وسمي ما علق به الجزاء شرطاً؛ لأنه علامة على حصوله ١.
وفي الاصطلاح:
ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ٢.
فالقيد الأول: "ما يلزم من عدمه العدم" احتراز عن المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء عند الأكثر.
والقيد الثاني: "ولا يلزم من وجوده وجود" احتراز عن السبب، فإنه يلوم من وجوده الوجود.
والقيد الثالث: احتراز عن مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود كالحول مع النصاب، ومقارنة الشرط قيام المانع فيلزم العدم، لكن ذلك ليس لذات الشرط، يل لوجود السبب أو المانع ٣.
وإذا كان علماء الأصول قد اصطلحوا على أن الشرط ما يتوقف عليه الشيء، ولا يكون داخلاً في ماهيته ولا مؤثراً فيه، فإن لعلماء النحو
стр. 424
اصطلاحاً خاصاً في تعريف الشرط اللغوي المقصود بهذا المبحث، حيث يعنون به ما دخل عليه أحد الحرفين "إن" أو "إذا" أو ما يقوم مقامهما مما يدل على سببية الأول ومسببية الثاني نحو: "أعتق رقبة إن كانت مؤمنة" فإن تقدير هذا الكلام في اللسان العربي إذا كانت الرقبة مؤمنة فأعتقها، ولازمه إذا لم تكن كذلك فلا تعتقها، فلو أعتق المأمور بهذا الأمر رقبة غير مؤمنة لم يكن ممتثلاً للأمر السابق، ولهذا ١ اعتبر الشرط من مقيدات المطلق عند جميع العلماء.
وقد يشترط في الحكم الواحد شروط متعددة إما على سبيل البدل أو على الجمع ٢.
١ - فمثال ما كان على سبيل البدل: "أعتق رقبة إن كانت مؤمنة أو كاتبة، فأي الشرطين حصل كانت الرقبة مستحقة للإعتاق.
٢ - ومثال ما يكون على الجمع: قولك: "أعتق رقبة إذا كانت مؤمنة وكاتبة"، فلا تستحق الرقبة العتق إلا إذا حصل الأمران جميعاً، فكان الشرط الثاني زيادة قيد، إذ لو اقتصر على الأول لاستحقت الإعتاق بكونها مؤمنة فقط، ولكن بعد ذكر القيد الثاني لا تستحق الإعتاق إذا
стр. 425
كانت مؤمنة ولم تكن كاتبة؛ لأن حصول الإعتاق متوقف على تحقق الشرطين، وهكذا كلما تعدد الشرط.
وإذا ذكرت أشياء متعددة وذكر بعدها شرط فقد اختلف العلماء فيما يعود إليه الشرط.
أ - فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن الشرط يعود إلى الجميع ١.
ب - وحكى الرازي عن بعض الأدباء أن الشرط يختص بالجملة التي تليه، فإن كان متأخراً اختص بالأخيرة وإن كان متقدماً اختص بالجملة الأولى ٢.
ومثال ذلك: قولك: "أكرم علماء وأعط شعراء إن أقاموا عندك"، فعند الجمهور الشرط يعود إلى الجميع، فيجب على المأمور إكرام عدد من العلماء وإعطاء عدد آخر من الشعراء، إن أقاموا عند المخاطب.
وعلى الرأي الآخر الذي نقله الرازي عن بعض الأدباء يكون الواجب إكرام عدد من العلماء على الإطلاق بدون شرط الإقامة عند المخاطب، ولا يعطي الشعراء إلا إذا أقاموا عنده.