← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8556

المطلق والمقيد

حمد بن حمدي الصاعدي

Полный текст (517 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... شكر وتقدير الحمد لله رب العالمين، الذي بيده كل عون وتوفيق، أحمده وأشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. أما بعد: فكثيرون هم الذين أسهموا في إبراز هذه الرسالة حتى وصلت إلى المرحلة التي يشاهدها القارئ بين يديه. وأنا - قبل القارئ - مدين لهم بالشكر والتقدير، لما أبدوه من اقتراحات مفيدة. وما بذلوه من مساعدات علمية مشكورة. وأخص منهم بالذكر أستاذي وشيخي فضيلة الدكتور (محمد عبد الرحمن مندور) المشرف على الرسالة، الذي لم يتوان في تقديم التوجيه السديد، والملاحظة الدقيقة النافعة، مما كان له الفضل - بعد الله تعالى - في إخراج هذه الرسالة إلى حيز الوجود؛ حيث كان يرعاها ويتعهدها بتوجيهاته المفيدة، منذ كانت فكرة حتى نضجت وكملت، كما لا أنسى أن أنوه بالروح العلمية العالية التي لمستها من القائمين على شؤون الدراسات العليا، التي فتحت أمامي مجالات وآفاقاً واسعة سطرت آثارها على هذا البحث شكلاً ومضموناً. فهذه الرسالة بحق ثمرة التجاوب والتعاون العلمي المفيد الذي وجدته من جميع أسرة الجامعة. وهنا لا بد أن أنوه - أيضاً - بالعون العلمي والمادي الذي تبذله حكومتنا الرشيدة لطلاب العلم، ممثلة في الجامعة الإسلامية التي وفرت وما زالت توفر جميع ما من شأنه نجاح البحث العلمي النافع؛ فمكتباتها بما

стр. 2

تحويه من نفائس الكتب ونوادر المخطوطات غير محجوبة، وأبوابها دائماً مفتوحة للطلاب المستفيدين، فالله أسأل أن يجزي الجميع عني خير الجزاء، وأن يهدينا وإياهم إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب.

стр. 3

المقدمة وتشتمل على: ١ - كلمة في نشأة علم أصول الفقه وأهميته. ٢ - أهمية الموضوع وسبب اختياره. ٣ - طريقة كتابة البحث وتخطيطه.

стр. 4

تستمد منه أحكام الفقه الإسلامي، وقد تضمنا من المبادئ والقواعد والتوجيهات العامة ما يهدي إلى سواء السبيل. وبمجهودات الصحابة - رضوان الله عليهم - وما نقلوه عن الرسول ﷺ من شرح وتوضيح وتوجيه، ثم بمجهودات أئمة الأجيال التي أعقبت الصحابة ﵃ جاء البيان التام لمصادر الشريعة الإسلامية، واتضحت المناهج التي يمكن بها استمداد الأحكام التي تحدد مسار الخلق، وترسم لهم الطريق الذي يقودهم إلى بلوغ مصالحهم في الدنيا والآخرة. فبهذه المجهودات المتواصلة تَكَوَّن عِلْمٌ ذو شأن عظيم، وأهمية بالغة هو: علم أصول الفقه الإسلامي. وما دمنا بصدد الحديث عن أهمية أصول الفقه، فلعل مما يفيد في

стр. 5

هذا المقام ما أورده الأسنوي١ في كتاب التمهيد حيث يقول: "وبعد: فإن علم أصول الفقه، علم عَظُمَ نفعه وقدره، وعلا شرفه وفخره؛ إذ هو مثار الأحكام الشرعية، ومنار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشاً ومعاداً، ثم إنه العمدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عليه من المواد٢"٣. وقد ظل علم أصول الفقه محط اهتمام المسلمين على مر العصور، وظل في مقدمة العلوم التي يندفع الدارسون لتلقيها وتدريسها.

стр. 6

والسبب في ذلك يعود إلى أن علم أصول الفقه يتمتع بخاصية تميزه عن سائر العلوم. فهو غزير في مادته، يشبع نهم المقبلين عليه، ويخاطب عقولهم، ويحث فيهم جذوة التفكير - بجانب أهميته ومكانته الرفيعة، فإذا أدرك الباحث أبعاد هذا العلم يجده متصلاً بجميع العلوم الشرعية، والعربية بمواده المتنوعة، فلا يتمكن منه دارس إلاَّ وقد حصلت له ملكة استنباط الأحكام الشرعية. فعلم الأصول على هذا ليس كما يتصوره بعضهم، علماً محصوراً في تعريفات ومناقشات لفظية، جافاً غير آخاذ، بل هو على العكس من ذلك تماماً، يدرك ذلك علماء الأصول الذين عايشوه دراسة وتدريساً، ومما يدل على ذلك أيضاً أن العالم بالفقه والأصول يقدم على غيره في الوظائف المهمة؛ لخطورة وأهمية ما يحمله، فهو الذي يولّى أخطر منصب في الدولة الإسلامية، ألا وهو منصب القضاء؛ فالفقهاء الملمون بالأصول مقدمون على غيرهم في تولي هذا المنصب، ويفضل - من هؤلاء - العارفون بحياة الناس الاجتماعية وعاداتهم المرعية. ومع هذه المكانة العالية لأصول الفقه، والجهود التي بذلت فيه على مر العصور إلا أن التأليف فيه قد جاء متسماً بصفة العموم والإجمال في بعض النواحي والإحالات على المواضيع التي يشبه بعضها بعضاً. أضف إلى ذلك أن أسلوب التأليف في القديم يختلفُ عنه في الوقت

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أضاء الكون بنور الإسلام، وأنزل القرآن على خير الأنام، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل الحكيم العلاَّم، الرسالة الخالدة، والخالية من الأخطاء والأوهام، المتصف بالتآلف والوئام. والصلاة والسلام على خير البرية، ومعلم البشرية سيدنا محمد ﷺ ، أفضل بني آدم خلقاً وسجية، بعث بالحنيفية والأخلاق المرضية، وفسر القرآن بسنته القولية والفعلية، وبيّن الأحكام الشرعية بالكلمات القدسية، وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوا هديه المبين، وتمسكوا بدينه واعتصموا بحبله المتين، ودافعوا عن شريعته بكل غال وثمين، وشددوا النكير على النزاع والخلاف بين المؤمنين، ورفعوا راية الإسلام في المشارق والمغارب قاصدين بذلك رضا رب العالمين. وعلى من اتبع هديه إلى يوم الدين من أمته المجتهدين المخلصين الذين صرفوا أعمارهم في خدمة الشريعة وأحكامها، فوفقوا بين نصوصها، ودفعوا التخالف عنها، وأعملوا راجحها وأولوا مرجوحها؛ فجعلوا لكل مسألة حكمها، ولكل مشكلة حلها، ولكل قضية مسارها، ولكل معارضة جمعها وتوفيقها، فبذلك كونوا ثروة فقهية عظيمة، كانت وما زالت مصدر كل باحث، ومعين كل تشريع.

стр. 8

١ - أهمية أصول الفقه: قد يكون من نافلة القول الحديث عن مكانة وأهمية أصول الفقه - باعتباره قواعد وضوابط كلية - تبين وتفسر نصوص الأحكام من الكتاب والسنة؛ اللذين إليهما مرد الشريعة الإسلامية في مصادرها الأصلية والتبعية؛ فالكتاب وهو كلى الشريعة وأصل أصولها تناول الأحكام بطريقة يزينها طابع الإجمال والعموم في الغالب. وتليه السنة التي كانت ترجمانه وتفصيله، وطريقة الوصول إلى هدايته وتفسيره، قال الله - تعالى -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، فكان بيان ما أجمل من القرآن بطريق السنة، والكل وحي من الله - تعالى - إلى رسوله ﷺ لقوله - تعالى -: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، ولقول رسول الله ﷺ : "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ... "٣ الحديث؛ فالقرآن الكريم والسنة المطهرة هما الأساس الذي

стр. 9

الحاضر، وقلما تجدُ قارئاً لا يجدُ صعوبةً في دراسةِ الأصول، وفهم الأساليب التي كتبت بها. لهذا كله كان من الواجب على الباحثين في الدراسات الأصولية - وخاصة أصحاب رسائل الماجستير والدكتوراه - أن يهتموا بتلك النواحي التي لم تشبع بحثاً وتنقيباً، فيختاروها مواضيع لرسائلهم، وبهذا العمل يحققون أكثر من هدف لأنهم: أولاً: قد أكملوا تلك المواضيع التي لم يتناولها القدماء بالتفصيل. ثانياً: فإن كتابة رسائلهم ستكون متمشية مع أسلوب العصر، وفي ذلك تسهيل وتبسيط لفهم جانب كبير من تراثنا الإسلامي العريق.

стр. 10

٢ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره: إن أهمية الموضوع تنبع من أهمية أصول الفقه نفسه، ومع هذا فإن مواضيع الأصول تتفاوت لمزايا خاصة بها، ولعل موضوعَ معرفة دلالة الألفاظ العربية من ناحية العموم والخصوص - ومنْ ناحية الإطلاق والتقييد من المواضيع الجديرة بالدراسة والبحث؛ لأن معظم أدلة الشرع غالبها العمومات والإطلاقات، فعلى من أراد فَهْم الأحكامِ الشَّرعية المستمَدَّة من نصوص الكتاب والسنة أن يكونَ مدركاً لأحكام الخطاب العام وعلاقته بالخاص، ولأحكام الخطاب المطلق وعلاقته بالمقيَّد، ومقاصد ذلك في اللسان العربي والعرف الشرعي. وقد اهتم الأصوليون - قديماً وحديثاً - بمباحث العام وتخصيصه، وأحكام كل منهما وعنوا بهما عناية فائقة تظهر بإلقاء نظرة على مؤلفاتهم في هذا الفن، كما أفرده بعضهم بمؤلفات ورسائل خاصة١. لكن المطلق حيث كان قريب الشبه بالعام اكتفى بعض الأصوليين من الجمهور بذكره عقب العام وأحكام التخصيص، ثم أحالوا من أراد

стр. 11

معرفة أحكام المطلق وتقييده على ما ذكروه في باب التخصيص، مكتفين بقولهم: "إن كلَّ ما يخصص العام يقيد به المطلق، وكل ما لا يجوز أن يخصص به العام لا يجوز أن يقيد به المطلق". وبالتالي لم تحظ أحكام المطلق بالتفصيل الذي حظيت به أحكام العموم. وهذا النقص والإجمال جدير أن يكون موضوعاً لرسالة علمية؛ لأن للمطلق ماهيته التي كانت مثار نقاش طويل لدى العلماء من حيث تحديدها، والفرق بينها وبين ماهية النكرة، ثم بينها وبين ماهية العام، وهل المطلق من قبيل العام أو الخاص؟ وإذا كان من أنواع الخاص فما تفسير قول العلماء: العام المطلق والفعل المطلق؟ ثم إن للمطلق دلالتَه التي لم يتفق الأصوليون على تصنيفها، أهي قطعيةٌ أم ظنيةٌ؟ ثم ما صلة المطلق بالمقيد؟ وهل يحمل المطلق على المقيد أولاً؟ وإذا كان المطلق يحمل على المقيد فما معنى ذلك، وما سببه؟ وما شروطه؟ وفي أي الحالات يكون حمل المطلق على المقيد وفي أيها يمتنع الحمل؟ ثم ما حكم حمل المطلق على المقيد إذا ما تعدد القيد؟ وما سبب الخلاف في الحالات التي لم يتفق الأصوليون على حمل المطلق على المقيد فيها، وما علاقة اختلافهم هذا بالقول بمفهوم المخالفة، وبالزيادة على النص، وما أثر هذا الخلاف على الفروع الفقهية؟ وأخيراً ما معني التقييد؟ وما الفرق بينه وبين التخصيص وبينه وبين النسخ؟ ثم بأي شيء يكون

стр. 12

تقييد المطلق؟ كل هذه التساؤلات وغيرها كانت سبباً مباشراً؛ لأن يكون موضوع بحثي الذي أتقدم به لنيل درجة الماجستير في قسم أصول الفقه في الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، هو: (المطلق والمقيد وأثرهما في اختلاف الفقهاء) . يضاف إلى ذلك سببٌ آخر شدَّني إلى الكتابة في هذا الموضوع وحملني على امتطاء عبابه، ألاَ وهو: بيان أن أدلةَ الشرعِ متآلفة لا متنافرة، متوافقة لا متعارضة، ليس بينها خلاف في نفس الأمر في المدلولات، ولا تباين في المفهومات، متى كان الدليلان متفقاً على صحتهما، وأخذ الأحكام عن طريقهما، لقوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً﴾ ١، مفهوم الآية: نفي الاختلاف عن القرآن في نفس الأمر، غير أنه في بادئ النظر قد يجد المرء أن هناك تنافياً بين دليلين منطوقاً أو مفهوماً، وذلك راجع لنقص في علمه، أو خلل في فهمه وإدراكه للأصول والقواعد التي تنظم العلاقة بين أدلة الشريعة الإسلامية. فمثل هذا يجب أن يبصر ويعلم؛ ولا يكون إلا بمراجعة الكتب والرسائل التي تعالج هذه المواضيع بأسلوب علمي سهل.

стр. 13

- وأيضاً - فإن الكتابة في تلك المواضيع ستقوم بلا شك بوظيفة تقريب شقة الخلاف بين المذاهب الإسلامية، وإزالة الشكوك التي تساور النفوس الضعيفة، فتقول: إذا كان القرآن واحداً ونبي الإسلام واحداً، فَلِمَ هذا الاختلاف؟ ولماذا لم تتفق كلمة الفقهاء في الفروع، وما هي أسباب تلك الخلافات؟ إلى غير ذلك من التشكيك والأسئلة التي أساسها إما الجهل، أو عدم التَّحري في النقل عن المذاهب، أو عدم الدِّقِّة في الفهم والنظر، لهذا كله استخرت الله تعالى في الكتابة في هذا الموضوع، راجياً منه التوفيق والسداد.

стр. 14

٣ - طريقة البحث وتخطيطه: البحث، أو الرسالة الجامعية العالية عبارة عن قسمين: أحدهما: رئيس ويسمى (صلب الموضوع) ، وتبدأ كتابته بأعلى الصفحات ويحتل في الغالب ثلث الصفحة. والقسم الآخر: تابع للأول ومكمل له، ويسمى (بالهوامش أو التعليقات) ومكانه أسفل صفحات الرسالة، ويفصل بين القسمين خط أفقي. وطريقة بحثي في القسم الأول: (صلب الرسالة) تتلخص في الآتي: أولاً: عند التعريف بالمفهوم الاصطلاحي، أو القاعدة الأصولية. إذا كان المفهوم أو القاعدة منضبطاً وقابلاً للتحديد اللغوي والاصطلاحي، فإني أبدأ أولاً بتعريفه في اللغة، ثم في الاصطلاح، وأشرح التعريف وأبيِّن محترزاته أحياناً. أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك فإنَّ تعريفه يكون بتصويره وتقريبه بالأمثلة التي تبين المراد منه. ثانياً: عند عرض آراء الفقهاء في القواعد والمسائل الأصولية: ١ - أبدأ بذكر أقوال العلماء في المسألة أو القاعدة، فإذا كانت الآراء حول القاعدة وأدلتها أو المسألة قليلة، فإني أذكر عقب كل رأي دليله ومناقشته، وإذا كان هناك ملاحظات أو إضافات أضفتها ولا

стр. 15

أؤخر ذلك كما يفعل بعضُ الباحثين؛ لأن تأخيرَه يشتِّت الفكرَ، ويحول دون تسلسله. ٢ - أما إذا كانت الآراء حول المسألة أو أدلتها كثيرة، فإني أذكر الأقوال مجملة أولاً، ثم أتبع ذلك بأدلة كل مذهب على حدة، وغالباً ما يكون المذهب الراجح هو الأخير إلا ما صرَّحْتُ فيه بوجهة نظري. ٣ - إذا كان الدليلُ عليه اعترض، فإني أذكر الاعتراض والرد عليه عقب الدليل مباشرة ولا أؤخر ذلك خشية تشتيت الذهن وعدم ترابط الأفكار. ثالثاً: أقارن بين الأدلة واستعرض مناقشات كل فريق لأدلة الفريق الآخر، فإذا كانت عندي ملحوظة أو إضافة فإني أذكرها، ثم أرجح ما يطمئن إليه قلبي وأعضد ذلك بوجهات نظري التي استنتجتها من الأدلة والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية. رابعاً: أذكر مثالاً أو أكثر لكل مسألة أو قاعدة تعرضت لبحثها، إذا وجدت من مَثَّلَ لها، وإن لم أجد اجتهد وأمثل من عندي إلا إذا لم أتمكن فأكون معذوراً في عدم التمثيل. وقد أشرتُ عقب كل قاعدة إلى أثر الخلاف في الفروع، ثم خصصت فصلاً كاملاً لأثر الخلاف بيَّنت فيه أثر الاختلاف في القواعد الأصولية العامة في باب المطلق والمقيد على الفروع الفقهية إيماناً مني أن

стр. 16

المهم في دراسة الأصول هو ربط القاعدة العامة بالفروع التي تفرعت عن الاختلاف في تلك القاعدة العامة. خامساً: عند عرض المسألة الفرعية التطبيقية: أرجع إلى كتب الفقه المشهورة واعتمد في كل مذهب على كتبه الخاصة بغية التأكد من صحة ما نسب إلى كل إمام، ولا أنقل مسألة إلا من كتب أصحابها المعتمدة ما وجدت إلى ذلك سبيلاً، وتارة اعتمد على كتب الأحكام المقارنة المشهود لها بالدقة والأمانة، كنيل الأوطار وسبل السلام، وما شاكلها، ثم أبين أن الخلاف فيها ناشئ عن الخلاف في القاعدة الأصولية التي تفرعت عنها، ولا اكتفي بسرد وجهات النظر حول المسألة الفرعية، بل أقوم أحياناً بالترجيح حسب الأدلة التي ذكرتها، وبذلك يمكن أن يستفاد من البحث من الناحية الفقهية بالإضافة إلى الناحية الأصولية. وأما طريقتي في هوامش الرسالة فهي تتلخص في الآتي: أولاً: النصوص الشرعية التي يودرها الأصوليون - سواء أكانت قرآناً أم سنة - لا اكتفي بنقلها عنهم، بل أرجع إلى مصادرها الأصلية، فأضبط الآية القرآنية من كتاب الله العزيز، وأتأكد من سلامتها من ناحية النقل، ثم أذكر رقم الآية واسم السورة. أما إذا كان النص حديثاً فإني أرجع إلى أمات كتب الحديث لأتأكد

стр. 17

من سلامة لفظه، فإن كان مخرجاً في صحيحي البخاري١ ومسلم٢ أو أحدهما اكتفيت بذلك ذاكراً الكتاب والباب الذي وجد فيه اعتقاداً مني أن ذلك أسلم؛ لأن ذكر الجزء والصفحة يختلف تبعاً لاختلاف الطبعات، وأما إذا كان الحديث مخرجاً في غير الصحيحين، فإني أذكر من خرجه ودرجته من الصحة، أو الحسن أو الضعف، إذا وجدت من حكم عليه بذلك من الحفَّاظ وأهل الاختصاص، وإلا اكتفيت بتخريجه من كتب الحديث المعتمدة ما وجدت إلى ذلك سبيلاً. ثانياً: ذكرت في الهامش المراجع التي استقيت منها البحث، مشيراً إلى اسم الكتاب ومؤلفه، والجزء والصفحة، وعدد الطبعات، واسم

стр. 18

الطابع، وتاريخ الطبع، ومكانه، وهذا يجعلني أذكر كل كتاب وطبعته عند النقل منه، فإذا تكرر ذلك فعذري أنه لا توجد لدي جميع المراجع. ثالثاً: الأعلام التي ذكرت في صلب الرسالة، ترجمت لها في الهامش ترجمة موجزة، سواء كان المذكور صحابياً أو غيره، ليكون القارئ على بينة منه، ثم أحيل طالب الزيادة على المراجع التي ذكرت الترجمة بالتفصيل. رابعاً: شرحت المصطلحات والألفاظ الغريبة والأفكار التي وردت في أثناء البحث، وفيها إجمال، أما ما كان له تعلق بالموضوع فقد بينته في صلب الرسالة. فهذه جهودي المتواضعة في هذا البحث، وأرجو أن تكون قد كُلّلَت بالنجاح والتوفيق.

стр. 19

٤ - تخطيط البحث وطريقة تنظيمه: خطة البحثِ أو طريقةُ تنظيمِه تعني في عرف الباحثين رسم صورة متكاملة عن الموضوع المراد بحثه، يحدد فيها الباحثُ المعالمَ التي توضحُ الهيكلَ العام للرسالة، ويكون كلُّ عنصر فيها مكمِّلاً لجانب من جوانب البحث، وحلقة اتصال تربط ما بعدها بما قبلها، ومتى كانت الطريقةُ التي صيغت بها الخطة محكمةً ودقيقةً، فإنها تضفي صورة من الجمال والوضوح التام على الموضوع، وقد جرت العادةُ أن تكون النِّسَبُ التي تربط بين عناصر الخطة متدرجة من الأعلى إلى الأدنى. ولهذا حاولت أن تكون خطةُ بحثي مشتملةً على مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب تقفوها خاتمة البحث، وهي في النتائج التي توصلت إليها خلال معايشتي الطويلة لموضوع المطلق والمقيد: فالمقدمة: اشتملت على أهمية البحث وأسباب اختياره، ثم طريقة الكتابة فيه وتخطيطه. وأما التمهيد: فهو في تقسيم اللفظ المفيد إلى عام وخاص. وفيه أربعة مباحث: الأول: في تعريف العام، وألفاظه.

стр. 20

الثاني: في تعريف الخاص وصيغه. الثالث: في الفرق بين دلالة العام والخاص. الرابع: في أنواع الخاص. وفيه مطلبان: الأول: في تعريف الأمر، وصيغه المشهورة وحكم الصيغة المجردة. والثاني: في تعريف النَّهْي وصيغه المشهورة وحكم الصيغة المجردة. الباب الأول في التعريف بالمطلق والمقيد وفيه فصلان: الأول: في تعريفهما. الثاني: في دلالتهما. الفصل الأول: في التعريف بحقيقة المطلق والمقيد. وفيه: تمهيد في تقسيم اللفظ باعتبار الحال الملابسة له، ومبحثان: الأول: في تعريف المطلق لغة واصطلاحاً. الثاني: في تعريف المقيد لغة واصطلاحاً. الفصل الثاني: في دلالة المطلق والمقيد: وفيه خمسة مباحث: الأول: في الفرق بين المطلق والنكرة.

стр. 21

الثاني: في الفرق بين المطلق والعام. الثالث: في المعهود الذهني بين الإطلاق والتقييد. الرابع: في عروض الإطلاق والتقييد للأفعال والأسماء الشخصية. الخامس: في حكم المطلق والمقيد، إذا لم يردا في موضوع آخر مطلقين أو مقيدين. الباب الثاني في حمل المطلق على المقيد وفيه ثلاثة فصول: الأول: في حكم حمل المطلَق على المقيَّد. الثاني: في تحرير محل النزاع وأسباب الخلاف. الثالث: في أثر الخلاف في حمل المطلق على المقيد. الفصل الأول: في حمل المطلق على المقيد: وفيه ثلاثة مباحث: الأول: في المقصود بحمل المطلق على المقيد وسببه. الثاني: في شروط الحمل. الثالث: في أحوال المطلق والمقيد وحكم الحمل في كل حالة. وفيه ثلاثة مطالب: الأول: في محل الاتفاق.

стр. 22

الثاني: في محل الاختلاف. الثالث: في حكم حمل المطلق على المقيد إذا تعدد القيد. الفصل الثاني: في تحرير النزاع وأسبابه: وتحته مبحثان: الأول: حكم التقييد بالمتأخر. الثاني: في أسباب الاختلاف. وفيه مطلبان: الأول: في الاختلاف في حجية مفهوم المخالفة. الثاني: في الاختلاف في الزيادة على النص. الفصل الثالث: في أثر الخلاف في حمل المطلق على المقيد: وفي ثلاثة مباحث: الأول: في مسائل الطهارة والصلاة. الثاني: في مسائل الحدود والكفارات. الثالث: في مسائل متفرقة. الباب الثالث في مقيدات المطلق وفيه تمهيد وفصلان: التمهيد: يحتوي على النقاط التالية:

стр. 23

١ - العلاقة بين مخصصات العام ومقيدات المطلق. ٢ - معنى التقييد لغة واصطلاحاً. ٣ - المقيد باسم الفاعل ما هو؟ ٤ - الفرق بين التقييد والتخصيص. ٥ - الفرق بين التقييد والنسخ. الفصل الأول: في تقسيم المقيدات، وحكم المتصل منها: الفصل الثاني: في المقيدات المنفصلة: وتحته مبحثان: الأول: في المتفق عليه. الثاني: في المختلف فيه. ثم خاتمة البحث، وفيها النتائج التي توصلت إليه من خلال البحث.

стр. 24

التمهيد وهو في (تقسيم اللفظ المفيد إلى عام وخاص) ويشتمل على تقديم وأربعة مباحث: الأول: في تعريف العام وألفاظه. الثاني: في تعريف الخاص وصيغه. الثالث: في الفرق بين دلالة العام والخاص. الرابع: في أنواع الخاص.

стр. 25

تمهيد: في تقسيم اللفظ المفيد إلى عام وخاص ألفاظ اللغة العربية ذات دلالات متنوعة١.

стр. 26

فمنها: ما يدل على فرد واحد، أو أفراد كثيرة محصورة بعدد معين فيسمى خاصاً. ومنها: ما يدل على أفراد كثيرة لا حصر لها من ذات اللفظ، بل كلها تنضوي تحت هذا اللفظ الواحد إذا أطلق فيسمى عاماً. والقرآن الكريم الذي هو مصدر الأحكام الشرعية نزل باللغة العربية واستعمل ألفاظها بمختلف أنواعها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ ٢، وكذلك كل ما صدر عن الرسول ﷺ من قول فهو: عربي مبين؛ لأنه أفصح من نطق بالضاد٣. لهذا كله كان بدهياً أن يعني علماء الأصول - وهم المختصون بوضع المناهج والخطط لفهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واستنباط الأحكام منها -. أقول: لقد كان بدهياً أن يعنوا بدراسة الألفاظ العربية من هذه الناحية، أي: (ناحية الخصوص والعموم) ويضعوا القواعد والضوابط التي

стр. 27

تحدد المسار الذي يسلكه كل من أراد معرفة الأحكام الشرعية، من الكتاب والسنة، وقد فعلوا ذلك بكل أمانة، وإخلاص، وبمعايير بلغت الغاية في الدقة، وكان من البداهة أن يقع بينهم بعض الاختلاف، في تلك القواعد والضوابط الكلية، ولا سيما ما يتعلق منها بمباحث العموم المتشعبة التي دارت حولها أقوال علماء الأصول، واختلفت نظرتهم فيها من حيث ماهية العموم١، وقوة دلالة العام، ومدى قابليته للتخصيص٢ الذي يحد من استغراقه للأفراد الداخلة تحت عمومه من حيث الظاهر حيث أخذت هذه المباحث قسطاً كبيراً من اهتمامات الأصوليين، والسبب في تشعب

стр. 28

مباحث العموم يعود إلى عدة أسباب نجملها فيها يلي: السبب الأول: اختلاف نظرة العلماء في ماهية العموم. ١ - فمن العلماء من لا يشترط لتحقق هذه الماهية إلا انتظام اللفظ العام جمعاً من المسميات سواء كان الانتظام لهذه المسميات من طريق اللفظ أو المعنى١. ٢ - ومنهم من يشترط لتحقق تلك الماهية استغراق اللفظ الموضوع وضعاً واحداً جميع ما يصلح له دفعة واحدة٢، بحيث لا يخرج شيء مما يصدق عليه معنى اللفظ، ولهذا السبب اختلفت تعاريف العام عند الأصوليين. السبب الثاني: منهج القرآن الكريم في تشريعه للأحكام، حيث أتى على نحو كلِّي وعام في الغالب، مما يستدعي البيان والتفصيل. السبب الثالث: مدى قابلية اللَّفظ العام للتخصيص الذي يحد من تناوله للأفراد ويقصره على بعضها، وإذا كان اللفظ العام يحتمل التخصيص فهل كل دليل أو قرينة صالح؛ لأن يصرف العام عن ظاهره؟

стр. 29

بقطع النظر عن قوة الدليل أو القرينة، أو لا بد من أن يكون الدليل المخصص للعام في قوة العام ثبوتاً ودلالة؟ ولا عبرة للاحتمال الذي لم ينشأ عن دليل مساو للعام في ثبوته ودلالته١. السبب الرابع: هل قبول العام للتخصيص كقبول الخاص للتأويل٢ أو هو أكثر منه؟ ولا ريب أن كثرة قابلية اللفظ للحد من تناوله للأفراد والقاصر له على بعضها تورث شبهة في معناه؛ فلا يقوى على معارضة٣، ما هو أقل قابلية لها منه. تلك هي أهم الأسباب التي حملت الأصوليين على الإفاضة في مباحث العموم، ولا يخفى ما لذلك كله من أثر بالغ في تبين مراد الشارع من العموميات والتنسيق بينها وبين ما يعارضها من أدلة خاصة، وما قد

стр. 30

ينعكس على الفروع الفقهية "المستنبطة" من تلك القواعد التي كان منشأ الاختلاف فيها هو الاختلاف في تلك القواعد والضوابط الكلية العامة. وهذا لا يعني أن علماء الأصول لم يعنوا بدلالات الألفاظ من ناحية الخصوص، ووضع القواعد والأسس التي تنير الطريق لكل من أراد معرفة الأحكام واستنباطها من الألفاظ الخاصة، فإن الخاص له ميدان واسع في تفسير النصوص الشرعية وأهمية واضحة يرى أثرها في عناية علماء الأصول وجهودهم في مباحث الخاص، ذلك أن الخاص في ماهيته ودلالته وأنواعه له علاقة بمسالك الأئمة في الاستنباط وما نشأ عن ذلك من الاختلاف في الفروع والأحكام، فهو يقابل العام كما أنه قطعي في دلالته، ولكنه مع ذلك يحتمل التأويل إذا وجد الدليل، ولكن هل احتماله للتأويل كاحتمال العام للتخصيص أو أقل. ذلك ما اختلفت فيه أنظار العلماء، ولأهمية تلك النقاط السابقة سنتناولها في المباحث التالية.

стр. 31

المبحث الأول: في العام لقد بات من المعروف بداهة لدى كل باحث في الشريعة الإسلامية التي نزلت أحكامها باللغة العربية - سواء أكان يريد تحديد مفهوم حقيقة ما من الحقائق التي لها صلة بأحكام الشرع، أم كان يريد تبيين مفهوم نص من نصوصه - المشتملة على تلك الأحكام، أقول: لقد بات من الأمور المسلمة لدى كل باحث في الدراسات الإسلامية أن عليه معرفة مفردات اللغة العربية وتراكيبها، وما ذاك إلا لأن معرفته هي الأصل والأساس الذي يبنى عليه معرفة أحكام الشريعة، ولا يمكن معرفة مفردات اللغة وتراكيبها في الوقت الحاضر إلا بمراجعة المعاجم اللغوية التي حفظت لنا الاستعمالات العربية. ومن خلال البحث والتنقيب في خلايا تلك المعاجم يوقف على الأوضاع اللغوية، والاستعمالات المختلفة للفظ، وعلى ضوء ذلك يحدد المفهوم اللغوي للحقيقة المراد تعريفها، وغالباً ما يكون المفهوم اللغوي أعم من المفهوم الاصطلاحي١.

стр. 32

ولهذا يزاد بعض القيود والأوصاف التي تحد من المفهوم اللغوي إذا أريد تعريف حقيقة ما من الحقائق التي للشرع فيها عُرْفٌ أخص من العرف اللغوي العام، وعلى هذا يكون لكل حقيقة من الحقائق التي يبحثها علماء الشريعة تعريفان: الأول: تحديد المفهوم اللغوي العام. والثاني: تحديد المفهوم في اصطلاح أهل الفن المراد بحث الحقيقة فيه: أ - فالعام في اللغة اسم فاعل من (عم) بمعنى: شمل، مأخوذ من العموم وهو الشمول، يقال: مَطَرٌ عام أي: شامل للأمكنة كلها، وخصْب عام، إذا وسع البلاد وشملها، وعَمَّ القوم بالعطية، إذا شملهم بها، والقرابة إذا زادت بحيث جاوزت الأبوة انتهت إلى صفة العمومة. من خلال هذه الاستعمالات للفظ العام يمكن أن نعرف العموم في اللغة بعبارة وجيزة، ومن تعريف يتضح معنى العام، فنقول: (العموم في اللغة تناول أمر لمتعدد سواء كان لفظاً أو معنى) ١.

стр. 33

ب - العام في الاصطلاح: أشرنا فيما سبق إلى اختلاف العلماء فيما تتحقق به ماهية العام، ورأيناهم يتَّجهون في القدر الذي يتحقق به مفهوم العموم إلى اتجاهين: الأول: من يرى اشتراط الاستغراق في العام، ومعنى ذلك أن يتناول اللفظ كل ما يصدق عليه معناه دفعة واحدة، بدون حصر بالنسبة للفظ العام من حيث هو. ولأصحاب هذا الاتجاه عدة أقوال في تعريف العام، لم تسلم من الاعتراض ولكنها ليست بمتساوية؛ لأن بعض الاعتراضات الواردة عليها يمكن دفعها بسهولة، وبعضها من الصعب أن يوجد له دافع، ولذا سنختار التعريف الآتي: وهو أن العام: (كلمة تستغرق الصالح لها بلا حصر) ١.

стр. 34

الاتجاه الثاني: من يكتفي في تحقق ماهية العموم بانتظام اللفظ جمعاً من المسميات سواء كان انتظامه لها بطريق اللفظ أو المعنى، ويقصد بانتظام اللفظ للمسميات أن يكون دالاً عليها من جهة (الصيغة) مثل: رجال وزيدون، ويراد بانتظام المعنى لها: أن يكون عمومه باعتبار معناه، لا صيغته كـ (القوم والرهط والجن) ؛ فإن هذه الألفاظ عامة من جهة المعنى حيث تناولت جمعاً من المسميات وليست صيغتها صيغة الجمع. وأصحاب هذه الاتجاه لا يشترطون في العام الاستغراق، ويعرفونه بأنه: (لفظ ينتظم جمعاً من المسميات لفظاً أو معنى) ١. أ - شرح التعرف الأول: وهو أن العام: (كلمة تستغرق الصالح لها بلا حصر) : ١ - كلمة: جنس أو كالجنس في التعريف يشمل العام وغيره، والجنس في الأصل: مفهوم كلي مقول على كثيرين مختلفين في الحقائق في جواب ما هو؟ كقولنا في السؤال عن حقيقة الحيوان في ذاته؟ الذي ينطبق على زيد والفرس باعتباره جسماً نامياً حساساً٢، ثم اصطلح على إطلاقه على أول ما يذكر في التعاريف، ويرجع قولنا: جنس أو كالجنس بالترديد

стр. 35

إلى اختلاف العلماء في العلوم الاصطلاحية هل لها حقائق خارجية أو لا؟ فمن ذهب إلى الأول عبر بالجنس، ومن ذهب إلى الثاني عبر بكـ (الجنس) ١. والتعبير بالكلمة في تعريف العام أولى من التعبير بـ (لفظ) ؛ لأن اللفظ يطلق على المهمل والمستعمل والكلمة خاصة بالمستعمل. ٢ - تستغرق: أي شأنها ذلك، ومعنى استغراق الكلمة أن تتناول كل ما يصدق عليه معناها دفعة دون حصر من ذات اللفظ والمراد بالاستغراق - هنا - معناه اللغوي؛ فلا يكون مرادفاً للعام٢، وبهذا القيد أي: الاستغراق تخرج النكرة في الإثبات إذا لم يقترن بها ما يفيد العموم؛ لأنها تتناول فرداً مبهماً كقولك: (أكرم رجلاً) الصادق بإكرام أي رجل كان. ٣ - الصالح لها: معنى كون الشيء صالحاً للكلمة أن يكون مقصوداً منها في اللغة٣ مثل: (مَنْ) الصالح لمن يعقل و (ما) الصالحة لغير العاقل، وهذا القيد وهو (الصالح لها) لبيان الواقع؛ لأن الكلمة لا تستغرق ما لا

стр. 36

يصلح لها، وفيه فائدة التنبيه على أن العموم شمول اللفظ لما يصدق عليه من معنى. ٤ - بلا حصر: أي: من ذات اللفظ ودلالة العبارة، لا في الواقع؛ لأن أفراد العام مهما كثرت فهي محصورة في الخارج، ولكن اللفظ العام لا يدل على ذلك الانحصار، ويدخل في هذا التعريف للعام اللفظ المشترك١ إذا استعمل في أفراد معنى واحد من معانيه، كقولك: (العين يصح منها الوضوء) ؛ لأن المشترك مع القرينة الدالة على استعماله في أفراد المعنى الواحد من معانيه لا يصلح لغيرها. ب - شرح التعريف الثاني، وبيان محترزاته: وهو أن العام: (لفظ ينتظم جمعاً من المسميات لفظاً أو معنى) . ١ - لفظ: جنس، أو كالجنس في التعريف والتعبير بالكلمة أولى منه كما سبق، وفيه إشارة إلى أن العموم من عوارض الألفاظ دون المعاني٢.

стр. 37

٢ - ينتظم: أي: يشتمل ومفهوم الاشتمال يتحقق بتناول أمر واحد لمتعدد فيكون أعم من الاستغراق في اصطلاح الأصوليين؛ لأن الاستغراق في اصطلاحهم، تناول اللفظ ما يصلح له دفعة واحدة بدون حصر، وبهذا القيد يحترز عن المشترك؛ لأنه لا يشمل معنيين فأكثر، بل يحتمل المعاني الموضوعة لها على السواء، وكذلك تخرج النكرة في سياق الإثبات إذا لم يقترن بها ما يفيد العموم؛ لأنها لا تنتظم جمعاً من المسميات، بل فرداً مبهماً غير معيَّن في الخارج. ٣ - جمعاً من المسميات: الجمع في اللغة ضم الشيء إلى غيره ولكن العُرْفَ قصره على الثلاثة فما فوق، فيكون من شرط اللفظ العام عند أصحاب هذا التعريف أن ينتظم من المسميات ما يصح تسميتها بالجمع، وهذا القيد ينتظم الاستغراق وغيره١. وإنما احترز به عن المعاني؛ لأن اللفظ الواحد لا ينتظم جمعاً من المعاني.

стр. 38

٤ - لفظاً: أي عمومه مستفاد من جهة صيغته كـ (رجال وزيدون) . ٥ - أو معنى: أي عمومه باعتبار معناه دون صيغته مثل: القوم والرَّهط والجن، فإنها ألفاظٌ عامة من جهة المعنى حيث تناولت جمعاً من المسميات وليس صيغتها صيغة الجمع١.

стр. 39

وقد أورد على هذا التعريف اعتراض وهو أنه غير جامع، لأن النكرة المنفية عامة، ولم يتناولها، حيث إنها لا تنتظم جمعاً من المسميات. ودفع هذا الاعتراض: بأوجه منها: أولاً: أن التعريف المذكور لبيان العام الحقيقي، والنكرة المنفية عمومها من جهة القرينة فتكون مجازاً في العموم. ثانياً: سلمنا أن عمومَ النكرة المنفية حقيقيَّ ولكن التعريف المذكور لبيان العام (الصيغي) وليس المراد منه حصر العام الحقيقي وعليه فإيراد الاعتراض غير وارد. ثالثاً: الوضع ليس شرطاً في العام؛ فيجري لفظ العام على إطلاقه وحينئذ يشمل التعريف المذكور عموم النكرة المنفية؛ لأنها تنتظم جمعاً من المسميات معنى١. وقبل أن نودع هذا المبحث نتساءل هل هناك فرق بين تعريف الجمهور والحنفية، وما هي ثمرة الخلاف إذا وجدت؟ وللجواب على هذا التساؤل نقول: نعم، هناك فرق بين التعريفين ولهذا الفرق ثمرة تظهر فيما يلي:

стр. 40

أولاً: أن الجمعَ المعهود والمنكر من قبيل العام عند من عرَّفه بالتعريف الثاني وهم الحنفية لانتظام كل منهما جمعاً من المسميات، وليس الأمر كذلك عند من عرفه بالتعريف الأول الذي أخذ به معظم الأصوليين؛ لأن شرط الاستغراق منتف فيهما. ثانياً: العام الذي خص منه بعض أفراده هل يبقى حقيقة١ في الباقي، أو هو مجاز٢ بعد التخصيص؟
следующие страницы →