← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8556

المطلق والمقيد

حمد بن حمدي الصاعدي

Полный текст (517 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يصلح لها، وفيه فائدة التنبيه على أن العموم شمول اللفظ لما يصدق عليه من معنى. ٤ - بلا حصر: أي: من ذات اللفظ ودلالة العبارة، لا في الواقع؛ لأن أفراد العام مهما كثرت فهي محصورة في الخارج، ولكن اللفظ العام لا يدل على ذلك الانحصار، ويدخل في هذا التعريف للعام اللفظ المشترك١ إذا استعمل في أفراد معنى واحد من معانيه، كقولك: (العين يصح منها الوضوء) ؛ لأن المشترك مع القرينة الدالة على استعماله في أفراد المعنى الواحد من معانيه لا يصلح لغيرها. ب - شرح التعريف الثاني، وبيان محترزاته: وهو أن العام: (لفظ ينتظم جمعاً من المسميات لفظاً أو معنى) . ١ - لفظ: جنس، أو كالجنس في التعريف والتعبير بالكلمة أولى منه كما سبق، وفيه إشارة إلى أن العموم من عوارض الألفاظ دون المعاني٢.

стр. 37

٢ - ينتظم: أي: يشتمل ومفهوم الاشتمال يتحقق بتناول أمر واحد لمتعدد فيكون أعم من الاستغراق في اصطلاح الأصوليين؛ لأن الاستغراق في اصطلاحهم، تناول اللفظ ما يصلح له دفعة واحدة بدون حصر، وبهذا القيد يحترز عن المشترك؛ لأنه لا يشمل معنيين فأكثر، بل يحتمل المعاني الموضوعة لها على السواء، وكذلك تخرج النكرة في سياق الإثبات إذا لم يقترن بها ما يفيد العموم؛ لأنها لا تنتظم جمعاً من المسميات، بل فرداً مبهماً غير معيَّن في الخارج. ٣ - جمعاً من المسميات: الجمع في اللغة ضم الشيء إلى غيره ولكن العُرْفَ قصره على الثلاثة فما فوق، فيكون من شرط اللفظ العام عند أصحاب هذا التعريف أن ينتظم من المسميات ما يصح تسميتها بالجمع، وهذا القيد ينتظم الاستغراق وغيره١. وإنما احترز به عن المعاني؛ لأن اللفظ الواحد لا ينتظم جمعاً من المعاني.

стр. 38

٤ - لفظاً: أي عمومه مستفاد من جهة صيغته كـ (رجال وزيدون) . ٥ - أو معنى: أي عمومه باعتبار معناه دون صيغته مثل: القوم والرَّهط والجن، فإنها ألفاظٌ عامة من جهة المعنى حيث تناولت جمعاً من المسميات وليس صيغتها صيغة الجمع١.

стр. 39

وقد أورد على هذا التعريف اعتراض وهو أنه غير جامع، لأن النكرة المنفية عامة، ولم يتناولها، حيث إنها لا تنتظم جمعاً من المسميات. ودفع هذا الاعتراض: بأوجه منها: أولاً: أن التعريف المذكور لبيان العام الحقيقي، والنكرة المنفية عمومها من جهة القرينة فتكون مجازاً في العموم. ثانياً: سلمنا أن عمومَ النكرة المنفية حقيقيَّ ولكن التعريف المذكور لبيان العام (الصيغي) وليس المراد منه حصر العام الحقيقي وعليه فإيراد الاعتراض غير وارد. ثالثاً: الوضع ليس شرطاً في العام؛ فيجري لفظ العام على إطلاقه وحينئذ يشمل التعريف المذكور عموم النكرة المنفية؛ لأنها تنتظم جمعاً من المسميات معنى١. وقبل أن نودع هذا المبحث نتساءل هل هناك فرق بين تعريف الجمهور والحنفية، وما هي ثمرة الخلاف إذا وجدت؟ وللجواب على هذا التساؤل نقول: نعم، هناك فرق بين التعريفين ولهذا الفرق ثمرة تظهر فيما يلي:

стр. 40

أولاً: أن الجمعَ المعهود والمنكر من قبيل العام عند من عرَّفه بالتعريف الثاني وهم الحنفية لانتظام كل منهما جمعاً من المسميات، وليس الأمر كذلك عند من عرفه بالتعريف الأول الذي أخذ به معظم الأصوليين؛ لأن شرط الاستغراق منتف فيهما. ثانياً: العام الذي خص منه بعض أفراده هل يبقى حقيقة١ في الباقي، أو هو مجاز٢ بعد التخصيص؟

стр. 41

يقول علاء الدين البخاري١ شارح أصول البزودي مشيراً إلى ذلك: وفائدة الخلاف بين التعريفين تظهر في العام الذي خص منه، فعلى رأي الجمهور لا يجوز التمسك بعمومه حقيقة؛ لأنه لم يبق عاماً، وعندنا - يعني الحنفية - يجوز التمسك بعمومه حقيقة لبقاء العموم باعتبار الجمعية٢. وفي قوله: لا يجوز التَّمسك بعمومه حقيقة إشارة إلى (محط الخلاف) وأنه راجع إلى أن استعمال العام في بعض الأفراد، يجوز عند الحنفية على سبيل الحقيقة، وعلى رأي الجمهور لا يصح استعمال اللفظ العام في بعض أفراده حقيقة، ويصح مجازاً ذلك أن اللفظ موضوع للاستغراق على رأي الجمهور، وبعد تخصيصه ببعض الأفراد خرج الوضع الذي يصح التمسك به من أيدينا فلم يبق إلا المجاز. ويرى بعض الأصوليين أن العام إذا خص بما لا يستقل - كالاستثناء والشرط - أو خص بالعقل يبقى حقيقة في الباقي؛ لأن ما لا يستقل بتمام

стр. 42

الفائدة هو ولفظ العام بمنزلة الكلام الواحد، وإذا خص بمنفصل يصير مجازاً في الباقي، وهناك آراء أخرى في هذه المسألة تراجع في المطولات. ولعل الراجحَ منها هو مذهب الجمهور الذي ذكرناه فيما سبق، وخاصة إذا علمنا أن الجمهور مع غيرهم يجوزون الاحتجاج به على تناول الأفراد الباقية بعد التخصيص باعتباره دليلاً محتملاً أي: أن دلالته على الباقي ظنية. ثالثاً: الاختلاف في صيغ العموم فهي عند الجمهور لابد أن تكون مستغرقة بوضعها اللغوي، وعند بعض الحنفية يكفي أن تكون منتظمة جمعاً من المسميات١.

стр. 43

٢ - ألفاظ العام: العموم من المعاني التي تدعو إليها حاجة التخاطب وفهم مرادات الخطاب، ولهذا كان من المستبعد أن يغفل الواضع عن وضع الألفاظ الدالة على العموم مع توفر ما يدعو إلى ذلك١. من أجل ذلك كان من المتفق عليه لدى الأصوليين أن للعموم صيغاً في اللغة، لكن تعيين تلك الصيغ وحصرها محل خلاف بين الأصوليين، نظراً لاختلافهم في ماهية العموم كما سبق. فمن يشترط في ماهية العموم الاستغراق ينبغي أن تكون الألفاظ الدالة على العموم عنده مستغرقة بوضعها اللغوي. ومن يكتفي بالاجتماع لا يرى ذلك شرطاً، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الوضع ليس شرطاً عند بعض الأصوليين، وأن مطلق العموم كاف، ولو كان بقرينة خارجة عن دلالة اللفظ لغة، اتضح لنا السبب في تفاوت أنظار الأصوليين في صيغ العموم، ولكن مع ذلك كله فليس هناك ما يمنع من أن تتقارب وجهات النظر بين الأصوليين ويتفقوا على طائفة من الصيغ الدالة على العموم فتشترك في ذكرها جميع الكتب الأصولية؛ لأنها

стр. 44

بمثابة المتفق عليه، لشهرتها وهذا ما سنقتصر على ذكره في هذا المبحث، ومن تلك الصيغ: ١ - الجمع المحلى بأل المفيدة للاستغراق: كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ٢،فلفظ (المؤمنون) في الآية الأولى، والذنوب في الآية الثانية، كل منهما معرف (بأل) الاستغراقية، فيكون شاملاً لكل مؤمن ولكل ذنب، ومثل ذلك في إفادة الاستغراق: الجمع المضاف إلى معرفة كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ٣، فلفظ (أولادكم) في هذه الآية الكريمة جمع مضاف إلى ما ذكر فيكون شاملاً لجميع الأولاد، إلا ما خص الدليل. وتقييدنا (أل) بكونها استغراقية احترازاً من (أل) العهدية٤، فإن

стр. 45

الجمع المحلى (بأل) العهدية لا يكون عاماً، وكذلك يشترط في إضافة الجمع أن تكون لغير معهود١وإلا كان الجمع حينئذ غير عام. ٢- المفرد المعرف بأل الاستغراقية أو الإضافة: ويمثل للأول بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٢، ويمثل للثاني بقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٣. فلفظ الإنسان في الآية الأولى مفرد معرف (بأل) المفيدة للاستغراق، فيدل على استغراقه لكل فرد من أفراد الإنسان، إلا ما استثني، وكذلك لفظ (نعمة الله) في الآية الثانية: مفرد معرف بالإضافة، فيفيد عموم نعم الله ، وإذا قام دليل على أن (أل) الداخلة على المفرد ليست للاستغراق كقولهم: الرجل خير من المرأة؛ فلا يكون المفرد المعرف بالألف واللام حينئذ عاماً؛ لأن التفضيل وقع في المثال السابق بحسب

стр. 46

الجنس لا باعتبار الأفراد، وكذلك إذا كانت الإضافة عهدية؛ فإن المفرد المعرف بها لا يعم كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً﴾ ١. فإن الرسول الثاني المحلى بـ (أل) هو الرسول المعهود في أول الآية: فلا يعم. ٣ - الأسماء الموصولة: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٣. فإن لفظ ﴿الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ : في الآية الأولى اسم موصول يشمل كل آكل لمال اليتيم بدون حق، وكذلك لفظ ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾

стр. 47

في الآية الثانية اسم موصول يشمل كل متوفى سواء كان قبل الدخول أو بعده، فإن العدة تلزم زوجته في الحالين، لهذا العموم، إلا أن يرد عليه مخصص، ولكن يشترط في عموم الاسم الموصول أن لا تكون صلته عهدية، فإن كانت صلة الموصول عهدية فلا يعم. ٤ - أسماء الشرط: مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١، فإن لفظ (مَنْ) في الآية الكريمة شرطية تفيد أن مَنْ شَهِدَ شَهْر رَمَضَانَ من المسلمين وَجَب عليه الصيام، وكذلك قَول الرسول ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سَلَبه"٢ يفيد أن كُلَّ من قتل قتيلاً استحق سلبه٣.

стр. 48

٥ - أسماء الاستفهام وأدواته: كقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٢، فإن لفظ (مَنْ) في الآية الأولى اسم استفهام يفيد أن كل منن يقرض الله قرضاً حسناً يضاعفه له، ويفيد الاستفهام في الآية الثانية، عدم وجود خالق بحق غير الله . ٦ - النكرة في سياق النفي أو النهي: مثال النفي قول الرسول ﷺ : "لا وصيةَ لوارث"٣؛ فإن (الوصية)

стр. 49

في هذا الحديث نكرة واقعة في سياق النفي، فتدل على العموم، وأن كُلَّ وصيةٍ لوارث منهيٌ عنها بهذا الحديث إلا ما خصه الدليل. ومثال النَّهي: قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ ١، فإن قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْخَرْ﴾ واقع في موقع نكرة في سياق النهي فيشمل جميع أنواع السخرية.

стр. 50

٧ - لفظ كل وجميع: فإنهما يدلان على العموم فيما يضافان إليه مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٢. ومثال: جميع قولك: (جميعُ طلبة الجامعة مسلمون) ، غير أن الفرق بينهما أن العموم في كل يوجب شمول الأفراد على الإحاطة، وفي جميع يوجبه على جهة الاجتماع٣.

стр. 51

المبحث الثاني: في الخاص ١ - تعريفه: أ - الخاص في اللغة: المنفرد، مأخوذ من قولهم: اختص فلان بكذا؛ إذا انفرد به دون غيره، وخصني بكذا أفرده لي، وكل اسم لمسمى معلوم على الانفراد يقال له: خاص، والحاصل أن الخصوص في اللغة الانفراد وانقطاع المشاركة١. ب - وأما الخاص في الاصطلاح: فلا يبدو أن هناك ابتعاداً في تعريفه اصطلاحاً عن معناه اللغوي؛ إذ المناسبة بين المعنيين موجودة؛ ولهذا اتفق الأصوليون على أن المراد من الخاص اصطلاحاً: ما يوجب الانفراد ويقطع الاشتراك، وإن اختلفوا في التعبير الموصل إلى تلك الحقيقة، فقد عرفه فخر الإسلام البزدوي٢ بأنه:

стр. 52

(كل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد وانقطاع المشاركة، وكل اسم لمسمى معلوم على الانفراد) ١، وبنحو هذا التعريف عرفه شمس الأئمة السرخسي٢ حيث يقول: (الخاص كل لفظ موضوع لمعنى معلوم مع

стр. 53

الانفراد، وكل اسم لمسمى معلوم على الانفراد) ١، وبالجملة: الخاص ما ليس بعام كما حققه بعض الأصوليين٢. ويبدو أن العلماء يعنون بالمعنى الواحد ما يتناول الحقيقي والاعتباري؛ لأن الخاص قد يكون واحداً بالشخص كزيد وعمر، وسائر أسماء الأعلام. وقد يكون واحداً بالنوع٣، مثل: رجل، امرأة، منزل، سيارة. أو واحداً بالجنس٤ مثل: إنسان، حيوان، وكما يوضع الخاص

стр. 54

للأعيان كما في الأمثلة السابقة؛ فإنه يكون موضوعاً للمعاني، كالذكاء والعِلْم والعقد، والحوالة، وسائر المشتقات المجردة من (أل) الاستغراقية كاسم الفاعل، واسم المفعول، وصيغتي الأمر والنهي١، وحروف المعاني٢ مثل: واو العطف، وهمزة الاستفهام. وإنما كان اللفظ الموضوع للنوع أو الجنس من قبيل الخاص - مع أن للنوع أفراداً كثيرة في الخارج وللجنس أنواعاً عدة - نظراً إلى الحقيقة التي وضع لها اللفظ؛ إذ هي واحدة لا تعدد فيها، فرجل موضوع لإنسان ذكر، وحيوان موضوع لجسم نام حساس. وما دام أن المعتبر في الخاص الوحدة عند الواضع - سواء كانت حقيقية كما في خاص العين، أو اعتبارية كما في خاص النوع والجنس فمن الممكن إدخال أسماء العدد والمثنيات في الخاص٣ أيضاًَ؛ لأنهما أي: اسم العدد والمثنيات، وإن دل كل منهما على متعدد، فهما موضوعات في

стр. 55

اللغة لوحدة اعتبارية -؛ إذ لم يلاحظ عند الوضع كل فرد من أفراد المثنى واسم العدد على حده. وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نعرف الخاص أخذاً من كلام الأكثرين بأنه: (لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد أو لكثير محصور) ١، وبقولنا: أو لكثير محصور نكون قد كشفنا عن المعنى الواحد الاعتباري فيشمله التَّعريف إلى جانب المعنى الحقيقي. شرح التعريف: (لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد، أو لكثير محصور) ١ - اللفظ: كالجنس يشمل الخاص وغيره، والتعبير به هنا متعين تفادياً لتكرار الوضع، لأنه يريد أن يصف المعنى بالواحد، فلو قال: (كلمة وضعت لمعنى واحد ... الخ) لتكرر الوضع في التعريف لأن الكلمة في الاصطلاح لفظ وضع لمعنى بخلاف اللفظ، وتفادياً لذلك لجأ إلى التعريف بالجنس البعيد للحاجة؛ فلا يرد عليه بأن التعريف بالجنس القريب أولى. ٢ - وضع: الوضع جعل الألفاظ دليلاً على المعاني٢، وهذا القيد

стр. 56

كالفصل يخرج ما لم تكن دلالته وضعية، كدلالة اللفظ المهمل على حياة لا فظة. ٣ - لمعنى: المراد به هنا مدلول اللفظ الوضعي١: وهو بمعنى المفهوم فيشمل الذات كزيد، والمعنى كالعلم، والذكاء. ٤ - واحد: الواحد صفة للمعنى وبه خرج المشترك؛ لأنه موضوع لمعنيين فأكثر على سبيل البدل، ويخرج به المطلق على رأي من لم يجعله خاصاً ولا عاماً؛ لأن الوحدة والكثرة من الصفات، والمطلق ملحوظ فيه الذات دون الصفات٢. ٥ - على الانفراد: يراد بهذا القيد كون اللفظ متناولاً لمعنى واحد من حيث إنه واحد مع قطع النظر عن أن يكون له في الخارج أفرادٌ أو لم تكن٣، وبه يخرج العام؛ لأنه وإن كان موضوعاً لمعنى واحد تشترك فيه أفراد العام منظور فيه عند الوضع شمولُه لما تناوله من أفراد. ٦ - أو لكثير محصور: يراد من هذا القيد إدخال الخاص الاعتباري، وهو ما كان انحصاره مستفاداً من نفس اللفظ كالمثنى وأسماء العدد؛ لأنهما

стр. 57

وإن دل كل منهما على متعدد موضوعان في اللغة لوحدة اعتبارية وهي: المجموع في أسماء العدد والتثنية في المثنيات - ولم يلاحظ عند الوضع كل فرد على حدة في المثنيات، ولا كل جزء من أجزاء العدد على حدة. كما لم يلاحظ ذلك عند وضع لفظ زيد اسماً لشخص آخر مثلاً. وقد أورد على تعريف البزدوي والسرخسي للخاص اعتراض. وهو أن كلمة (كل) في قوله: (الخاص كل لفظ وضع لمعنى واحد ... الخ) لم تقع موقعها؛ لأنها لإحاطة الأفراد والتعريف للحقائق١. ودفع هذا الاعتراض بأوجه منها: أولاً: أن كلمة (كل) الغرض منها بيان التسمية وتطبيقها على الأفراد؛ فلا استبعاد؛ لأن التسمية للأفراد دون الحقائق. ثانياً: أن كلمة (كل) شائعة في الحدود على طريقة الأدباء؛ لأنها أقرب إلى إفهام المتعلمين، فكأنه قال: (الخاص كل لفظ أريد به كذا الخ) وحينئذ يحصل المقصود من الحد مع تقريب الفهم وضبط المحدود. ثالثاً: أن كلمة (كل) ليست من الحد، وإنما دخلت عليه بعد تركيبه٢ إشارة إلى ضبط المراد من الخاص.

стр. 58

٢ - صيغ الخاص: يراد بصيغ الخاص: الألفاظ التي دل الاستقراء على أنها وضعت لتدل على معنى واحد على الانفراد، أو لكثير محصور، وسبق القول بأن العلماء يعنون بالواحد ما يتناول المعنى الحقيقي والاعتباري، وأمثلة كل من النوعين كثيرة، ذكرنا فيما سبق ما يمكن أن يكون داخلاً تحت القسمين ونكتفي هنا بذكر بعضها١، فمن تلك الصيغ: ١ - أسماء الأشخاص: كزيد وعمرو ونحو ذلك. ٢ - ما يطلق على النوع أو الجنس، وكان خاصاً به: مثل رجل، إنسان، حيوان. ٣ - ما وضع لمعنى واحد: مثل: العلم، الذكاء، العقد الحوالة، الكفالة ... الخ. ٤ - ما وضع لواحد اعتباري: كالمثنى وأسماء العدد، مثل: عشرة، ومائة وألف ونحوها. ٥ - صيغ الأمر والنهي: وسيأتي الكلام عليها في مبحث مستقل. ٦ - النكرة في سياق الإثبات: إذا لم يقترن بها ما يفيد العموم، وهي نفس المطلق عند بعض الأصوليين، كرجل ورجال، فإنها نكرة في

стр. 59

سياق الإثبات فتدل على الوحدة الحقيقية، إذا كانت مفردة، وتدل على ما فوقها في الوحدة الاعتبارية، كالمثنى وأسماء العدد، والجمع المنكر، فلو قلت مثلاً: أكرمت رجلين، وتصدقت بدراهم، تكون صادقاً بإكرامك رجلين، وبتصدقك بثلاثة دراهم أيّ ثلاثة. ٧ - حروف المعاني: وهي تتناول الآتي: أ - حروف العطف١: مثل: واو العطف، وثم، وبل، ولكن ... الخ. ب - حروف الجر٢: مثل: على، حتى، في، عن، من ... الخ. جـ - أسماء الظروف٣: مثل: قبل، وبعد، وعند ... الخ. د - كلمات الشرط٤: مثل: إن، ولو، وإذ ما، ومتى ... الخ. وقد أطلق عليها كلها لفظ الحرف تغليباً لكثرة الحروف فيها، وسميت بحروف المعاني لوضعها لمعان خاصة، وتمييزاًَ لها عن حروف المباني وهي الحروف التي تتركب منها بنية الكلمة؛ فالهمزة المفتوحة مثلاً إذا قصد بها الاستفهام أو النداء كانت من حروف المعاني، وفي أحمد وأكرم من حروف البناء٥ التي تتركب منها بنية الكلمة، وقد أفاض الأصوليون

стр. 60

في بيان هذه الحروف وما يترتب على ذلك من أحكام وفروع فقهية كثيرة، فمن يريد الزيادة فعليه مراجعة الكتب المطولة١.

стр. 61

تكملة في تقسيمات اللفظ الموضوع أشرنا في تمهيدنا للبحث إلى أن ألفاظ اللغة العربية ذات دلالات متنوعة، وذكرنا هناك ما نظنه راجحاً، وهو انقسام اللفظ المفيد إلى عام وخاص، وسبق الكلام على ماهيتهما، وما لهما من الصيغ مفصلاً، وإكمالاً للفائدة نزيد هنا آراء الأصوليين فيما وضع له اللفظ. فنقول: لم يتفق الأصوليون على تقسيم خاص بما وضع له اللفظ، فقد قسمه البزدوي إلى عام، وخاص ومشترك، ومؤول، وجعل الجمع المنكر من العام بناء على أن الاستغراق ليس شرطاً في العموم عنده١. وتابعه في ذلك صدر الشريعة٢ وغيره من

стр. 62

الأصوليين١ إلا أن صدر الشريعة استدرك على البزدوي إيراده المؤول في الموضوع له اللفظ، فقال بعد أن ذكر الأقسام الثلاثة الأولى: (وإنما لم أورد المؤول؛ لأنه ليس باعتبار الوضع، بل باعتبار رأي المجتهد٢، وزاد عليها جعل الجمع المنكر قسماً مستقلاً وعرفه بأنه: (لفظ وضع وضعاً واحداً لكثير غير محصور وغير مستغرق) . ولكن ابن الهمام٣ من الحنفية كان له رأي فيما وضع اللفظ له، خالف فيه أكثر الأصوليين، إذ قسم اللفظ الموضوع تقسيماً أولياً باعتبار اتحاد الوضع وتعدده. إلى: مفرد: وهو اللفظ الموضوع لمعنى واحد لا غير.٤

стр. 63

وإلى: مشترك: وهو لفظ وضع لمعنيين فأكثر بأوضاع متعددة على أن يستعمل في كل معنى على سبيل البدل لا الاجتماع، مثل: لفظ العين الموضوع ليدل على العين الباصرة، وعلى العين الجارية والجاسوس والذهب، بمعنى: أنه وضع لكل معنى من هذه المعاني على حدة على أن يستعمل في أحدها بعينه، فهو بالنسبة لهذه المعاني مشترك وقد يكون بالنسبة إلى أحدها عاماًَ - إذا ورد بصيغة العموم - كقولك: (عوقب العيون أشد العقاب) ؛ فإنه يستغرق كل عين بمعنى الجاسوس، وكذا لو قيل: امتلأت العيون بالماء؛ فإنه يكون عاماً لاستغراقه لكل عين جارية، وبناء على ذلك يكون للمشترك نظران. الأول: النظر إليه من حيث المعاني التي وضع لها، وهو بالنسبة لهذه المعاني مشترك. الثاني: النظر إليه من جهة الأفراد الداخلة تحت كل معنى من تلك المعاني، وفي هذه الحال قد يكون خاصاً وقد يكون عاماً حسب الصيغة التي يرد بها، فقولك: شربت من عين خاص، وإذا قيل: العيون عذبة الماء كان عاماً، وبعد التقسيم السابق حصر ابن الهمام ما وضع له اللفظ في العام والخاص؛ لأن المشترك كما عرفنا مبني على حسب الصيغة التي يرد بها، فإذا ورد بصيغة خاصة كان من قبيل الخاص، وإذا ورد بصيغة عامة كان من قبيل العام، فلا وجه لإخراجه عن العام، أو الخاص. أما الجمع المنكر، فإن ابن الهمام يراه من الخاص لعدم استغراقه؛ إذ

стр. 64

قال: (لا وجه لإخراج الجمع المنكر عن العام أو الخاص، سواء اشترط الاستغراق أو لم يشترط؛ ذلك أن الجمع المنكر يكون داخلاً في العام عند من لا يشترط الاستغراق، وعند من يقول باشتراط الاستغراق في العموم يكون الجمع المنكر داخلاً في الخاص لعدم استغراقه. ولأن رجالاً في الجمع المنكر مطلق، كرجل في المفرد، والمطلق مندرج تحت الخاص - كما سبق - والاختلاف فيما صدق عليه رجل وهو كل فرد على سبيل البدل، وما صدق عليه لفظ رجال وهو كل جماعة جماعة لا أثر له في الإطلاق والتقييد١. لكن على الرأي الراجح من أن الاستغراق شرط في العموم لا يكون الجمع المنكر عاماً لعدم قبوله أحكام العام الاستغراقي -كالاستثناء والتخصيص والتوكيد باللفظ العام؛ إذ لا يستقيم في اللغة (أكرم رجالاً إلا زيداً) على أن زيداً مستثنى من رجال؛ لكون الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله في اللفظ المستثنى منه، وزيد لم يتعين دخوله في مفهوم لفظ رجال حتى يكون إخراجه منهم إخراجاً صحيحاً؛ ذلك أن المأمور بالإكرام في المثال السابق، يكون ممتثلاً وخارجاً عن عهدة الأمر بإكرامه لثلاثة رجال أي ثلاثة كانوا سواء أكان منهم زيد أم لم يكن، وكذا لا يستقيم لغة في المثال السابق (أكرم رجالاً ولا تكرم زيداً) على أن زيداً

стр. 65

مخصص من لفظ رجال، لعدم عمومه الاستغراقي، بل إنما يصح ذلك على الاستئناف وهو أن يجعل قوله: (ولا تكرم زيداً) ١ كلاماً مستقلاً لا صلة له بما قبله. ثم إن الجمع المنكر لا يقبل التوكيد باللفظ العام، إذ لا يقال: سافر طلاب جميعهم، ويصح سافر الطلاب جميعهم. وبهذا تبين مفارقة الجمع المنكر للعام الاستغراقي، لعدم قبوله أحكام العام كما عرفنا في الأمثلة الآنفة، لكن بقي أن يقال: إذا لم يكن الجمع المنكر من العام فهل يصح جعله قسماً مستقلاً؟ أي: وسطاً بين العام والخاص. والذي يظهر أنه من قبيل الخاص. يقول الشوكاني٢: (الراجح أن الجمع المنكر من قبيل الخاص؛ لأن دلالته على أقل الجمع قطعية، كدلالة المفرد على الواحد) ٣، ويؤيد ذلك

стр. 66

أن جمعاً من الأصوليين ذكروا أن المطلق من الخاص، ولا أحد يشك في أن الجمع المنكر مطلق؛ لأن لفظ رجل مطلق باتفاق، ولا فرق بينه وبين لفظ رجال في الدلالة؛ إذ كل واحد منهما يدل على شائع في جنسه، والاختلاف بالعدد وعدمه لا أثر له في الإطلاق والتقييد - كما سبق، وإذا كان المطلق من الخاص كما هو الراجح عند جمهور الأصوليين والجمع المنكر من قبيل المطلق بناء على المناقشة السابقة يكون الجمع المنكر من الخاص ضرورة؛ لأن الحكم على الأعم حكم على كل جزئي من جزئياته، والجمع المنكر من جزئيات المطلق. وبهذا التوضيح لما وضع له اللفظ بعد تقسيمه تقسيماً أولياً باعتبار اتحاد الوضع وتعدده إلى المفرد والمشترك، يظهر أن ما ذهب إليه الكمال من تقسيم اللفظ الموضوع للدلالة على المعنى إلى العام والخاص، هو الأحق بالاتباع لسهولته وتبادره إلى الذهن، وسلامته من الاعتراض.

стр. 67

المبحث الثالث: دلالة الخاص والعام بين القطعية والظنية أولاً: دلالة الخاص: يقصد بالخاص - هنا - ما تقدم تعريفه، وهو: لفظ وُضِعَ لمعنى واحد على الانفراد أو لكثير محصور، ولم يقترن به ما يصرفه عن حقيقة وضعه اللغوي. ويراد بالدلالة هنا: دلالة اللفظ الوضعية، وهي: كون اللفظ إذا أُطْلِقَ فهم منه المعنى١ أو هي فَهْم المعنى المراد من وضع اللفظ متى أُطْلِقَ بالنسبة للعام بالوضع٢، فمتى كانت دلالة اللفظ على المعنى لا تحتمل غيره سميت قطعية، وإن احتملت مع المعنى الموضوع له اللفظ معنى آخر سميت ظنية، فعلى هذا يكون القطع والظن من صفات دلالة اللفظ على المعنى، لكن القطع يطلق ويراد به أحد معنيين. الأول: أن لا يكون هناك احتمال أصلاً: مثل قطعية المتواتر من الأخبار في ثبوته٣ والمحكم٤ من الآيات في معانيها وهذا النوع: يفيد علم

стр. 68

اليقين في ما يثبت له، فيسمى القطع بالمعنى الأخص. النوع الثاني: أن لا يكون هناك احتمال ناشئ عن دليل مثل: قطعية الحديث المشهور١ في ثبوته، وقطعية النص٢ والمفسر٣ من الألفاظ في المعنى الظاهر منهما، وهذا النوع من القطع يفيد علم الطمأنينة أي: اطمئنان القلب وميله إلى صحة الخبر، وعدم احتمال اللفظ للصرف عن

стр. 69

الظاهر ويسمى القطع بالمعنى الأعم. بقي أن يقال: من أي النوعين دلالة الخاص؟ الذي يظهر أنها من النوع الثاني أي: أن القطع في دلالة الخاص بالمعنى الأعم وهو عدم الاحتمال الناشئ عن دليل لا عدم الاحتمال أصلاً، ذلك أن القطع بمعناه الخاص كما يكون للمتواتر يكون لغيره، وغير المتواتر الاحتمال فيه قائم، كما أن الخاص محتمل للمجاز باتفاق العلماء لصحة توكيده مثل: جاء زيد نفسه، أو عينه، أي: لا رسوله: فمجيء التوكيد بعد اللفظ الخاص دليل على احتماله للصرف عن الظاهر المتبادر، إذا وجدت القرينة الصارفة، قال الكمال ابن الهمام: (الاتفاق على إطلاق وصف قطعي الدلالة على الخاص، وعلى احتماله المجاز واقع) ١، قال الشارح٢ للتحرير بعد ذكر العبارة السابقة: (وعدل عن اتفقوا على أن الخاص قطعي الدلالة إلى قوله: (الاتفاق ... الخ) مع كون التعبير باتفقوا أخصر وأظهر في المراد؛ لأن الأئمة لم يصرحوا بذلك، وإنما فهمت قطعية دلالة الخاص من إطلاقاتهم٣، ويلزم من الاتفاق على احتمال الخاص المجاز أن يراد بالقطع في دلالة الخاص

стр. 70

المعنى الأعم؛ لأن نفي الاحتمال مطلقاً ينفي وجود المجاز في ضمنه. على أنه لا خلاف بين جمهور العلماء في إطلاق وصف القطعية على دلالة الخاص، وإنما الخلاف بينهم في ناحية أخرى وهي: هل الخاص باعتباره قطعي الدلالة بيِّنٌ في نفسه لا يحتمل البيان، أو أنه رغم قطعية دلالته يحتمل أن يصرف إلى غير المعنى الموضوع له اللفظ لغة؟ لعلماء الأصول في ذلك مذهبان: الأول: القول بمنع احتمال الخاص للبيان وبه قال جمهور الأصوليين من الحنفية. واستدلوا على ذلك بأن حقيقة البيان الظهور وإزالة الخفاء لازمة له، ومن شرط اللفظ القابل للبيان أن يكون مجملاً١، أو مشكلاً٢،

стр. 71

وكلاهما غير متحقق في الخاص، لأن الخاص قد وضع لمعنى واحد على الانفراد، فهر بيِّنٌ ظاهر بموجب الوضع اللغوي، فلو احتمل التصرف فيه ببيان آخر لكان في ذلك تحصيل الحاصل، وهو محال١، قال البزدوي بعد أن بيَّن حكم دلالة الخاص من حيث القطعية، وأنه يتناول المخصوص قطعاً ويقيناً بلا شبهة لما أريد به من الحكم، قال: (لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان لكون بيناً لما وضع له) ٢. القول الثاني: أن الخاص يحتمل البيان وبه قال الشافعية ومن وافقهم. واستدلوا على ذلك بأن الخاص وإن كان قطعي الدلالة على ما وضع له، إلا أنه يحتمل التصرف فيه عن أصل وضعه إذا وجد الدليل الصارف بدليل أن الاتفاق واقع على احتمال الخاص للمجاز، والمجاز بيان للمراد من اللفظ.

стр. 72

فليكن مناط احتمال الخاص للبيان هو وجود الدليل الصارف عن أصل الوضع، وإلا كان القول باحتمال الخاص المجاز، وعدم احتماله للبيان متناقضاً، لما سبق أن المجاز بيان للمراد من اللفظ والمسألة مفروضة على الإطلاق١ كما ترى. أضف إلى ذلك أن بعض العلماء قد خالف في المجاز المصطلح عليه عند علماء البلاغة مثل: مجاز٢ الإسناد والاستعارة وسمى ذلك

стр. 73

إيجازاً١، وحيث كان الخاص محتملاً للنوعين (الإيجاز والمجاز) . ولم يعهد أن خالف أحد في احتمال الخاص للإيجاز وبيان الخاص الموجز يظهر أن ما ذهب إليه الشافعية ومن وافقهم هو الأرجح. نقول: هذا على فرض أن الخلاف بين الفريقين قد ورد على محل واحد، مع أن المدقق في ذلك يجد أن النفي والإثبات لم يتواردا على محل واحد، لأن الحنفية عندما نفوا احتمال الخاص للبيان نظروا إلى أصل الوضع وحال الواضع، عندما أراد أن يجعل اللفظ دليلاً على المعنى، ولا شك أن دلالة اللفظ الخاص بالنسبة للواضع قطعية كما يقول الحنفية. وغيرهم نظر إلى أن اللفظ بعد الاستعمال وطريان الإجمال عليه بسبب كثرة المعاني التي استعمل فيها، أو بسبب قلة استعماله في المعنى الموضوع له، مما يجعله غير مألوف لدى أكثر أهل اللغة٢.

стр. 74

ثانياً: دلالة العام: عَرَّفنا العامّ فيما سلف بأنه: (كلمة تستغرق الصالح لها بلا حصر) ، كما عرفنا أيضاً الدلالة بأنها تعني، فهم المعنى من اللفظ متى أطلق. وهنا نقول: لا خلاف بين العلماء في قطعية دلالة العام الذي اقترن به ما يدل على العموم قطعاً، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ١، والعموم في هذه الآية الكريمة جاء من أن (دابة) نكرة في سياق النفي، والنكرة المنفية من صيغ العموم - كما تقدم - فتعم كل دابة، وأما القرينة الدالة على أن الآية عامة قطعاً فهي أن تجويز التخصيص فيها يؤدي إلى وجود شريك مع الله تعالى يرزق بعض الدواب، وهذا محال؛ بل إن اعتقاد ذلك يؤدي بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله. وكذا لا خلاف بين جمهور العلماء أن العام إذا خص٢ منه بعض

стр. 75

أفراده بدليل صحيح أن دلالته على الباقي تبقى ظنية، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ١، بعد أن خرج من عمومه المستأمن بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ ٢؛ ذلك أن العام الذي خصص قد يكون مخصصه معللاً بعلة يمكن تحققها في الأفراد الباقية، ومع هذا الاحتمال لا تبقى دلالة العام المخصوص قطعية، وإنما وقع الخلاف في دلالة العام المجرد من القرينة التي تدل على عمومه قطعاً. ولم يثبت أن خص منه بعض الأفراد بدليل مسلَّم به لدى جميع الأصوليين. آراء العلماء في دلالة العام المطلق: اتفق جمهور٣ علماء الأصول على أن العام شامل لجميع أفراد
следующие страницы →