← История

История · id 8559

المعجب في تلخيص أخبار المغرب

عبد الواحد المراكشي

Полный текст (311 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة ازدهرت حركة التصنيف في بلاد المغرب١ في أيام الحكم الإسلامي. واتجه المصنفون في كتاباتهم اتجاهات متنوعة، فمنهم من كتب في التراجم والسير، ومنهم من اختص بالتواريخ والأحداث السياسية وأخبار الممالك والإمارات والملوك. ومنهم من صنف في علوم الأدب والشعر والفلسفة، وغير ذلك. والمعجب في تلخيص أخبار المغرب, واحد من تلك المصنفات النفيسة التي عنيت بأخبار البلاد المغربية وسِيَر ملوكها وأمرائها ودويلاتها، ألفه أبو محمد، عبد الواحد بن علي المراكشي، استجابةً لطلب أحد الأعيان الرؤساء، الذي سأله إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدوده وأقطاره، وشيء من سير ملوكه، وخصوصًا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من لدن ابتداء دولتهم، إلى حدود سنة ٦٢١هـ/ ١٢٢٥م، مع نبذة من سير الذين لقيهم أو روى عنهم من الشعراء، وأهل الفضل والرواية والأدب٢. وقبل شروعه بتأليف الكتاب، اعتذر المراكشي لرئيسه عن أمور ثلاثة: - أولها: ضعف عبارته، وغلبة العي على طباعه. - وثانيها: عدم امتلاكه لكتاب في هذا الشأن يعتمد عليه، ويجعله مستندًا أو مرجعًا، على عادة المصنفين الذين سبقوه أو عاصروه. - وثالثها: قلة محفوظاته وتشتتها بسبب ازدحام همومه، وكثره غمومه٣. ويشتمل هذا الكتاب على فصول كثيرة، بدأها المؤلف بالحديث عن جزيرة الأندلس وحدودها ومدنها وقراها. ثم انتقل إلي أحداث فتحها، وسير ملوكها، ومن كان فيها من الفضلاء حتى نهاية حكم الأمويين. ثم توسع بذكر أخبار الأندلس بعد زوال الحكم الأموي، وأخبار من حكمها من متغلبين، ومرابطين، وموحدين. ويمكننا تحديد منهج المؤلف في كتابه هذا بالنقاط الآتية:

стр. 2

- تصديره الكتاب بمقدمة تشتمل على دوافع تأليفه، وموضوعاته، وتتضمن اعتذارًا صريحًا عن قصر باعه فيما طُلب إليه تصنيفه. - تقسيمه الكتاب إلي فصول تفاوتت في أحجامها، فبينما كان بعضها يقصر فلا يتجاوز الصفحتين أو الثلاث الصفحات، اتسع بعضها الآخر ليتجاوز الخمسين صفحة. - تحديده لسمات منهجه فى جمع الأخبار، وسماع الروايات، وتدوين المشاهدات؛ فبعد اعترافه بالعجز عن كمال التأليف في مقدمة الكتاب، يقول في ختام حديثه عن دولة المصامدة: هذا تلخيص التعريف بأخبار المصامدة،.... وإنما أوردنا من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، وتُجشِّم الضرورة من عُني بالأخبار إلى معرفته ... ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلًا من كتاب، أو سماعًا من ثقة عدل، أو مشاهدةً بنفسي؛ هذا بعد أن تحريت الصدق، وتوخيت الإنصاف في ذلك كله١. - ذكره المصادر التي استقى منها مواد كتابه، وفي طليعتها كتاب٢ ابن أبي نصر فتوح الحميدي٣، مؤلف كتاب: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ثم ما وسعه حفظه من أخبار وأشعار وروايات، وما شاهده وعاينه بنفسه من وقائع وأحداث. - تضمينه الكتاب مجموعة ضخمة من الأشعار، إذ كان لا يكتفي بالبيت الواحد أو البيتين، وإنما كان يورد القصائد الطوال، التي تتجاوز القصيدة الواحدة منها الخمسين بيتًا. وكان يعلل ذلك بنفاسة القصيدة، وجودة معانيها, وحسن تمثيلها للمواقف والأحداث٤. - اعتذاره عن عدم إيراد بعض القصائد كاملة، ورده ذلك إلى ضعف الذاكرة، وقلة الحفظ، في مثل قوله بعد أبيات للشاعر الرمادي٥ في مدح أبي علي القالي٦: هذا ما بقي من حفظي منها٧.

стр. 3

- حرصه بعد الحديث عن كبار الملوك أو الأمراء على ذكر وزرائهم، وحجابهم، وكتابهم، وقضاتهم، وأبنائهم، وشعرائهم، كالذي نجده في ختام ترجمته للأمير عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي١، وختام ترجمته للأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن٢. - تضمينه الكتاب بعض العبارات أو الجمل المعترضة التي كانت تجري على ألسنة الناس آنذاك، مثل: لعنه الله, بعد أسماء ملوك الأعاجم المناوئين للمسلمين في الأندلس، ورحمه الله, بعد أسماء أمراء المسلمين وقادتهم، وأعادها الله إلى المسلمين, بعد اسم كل مدينة غلب عليها الفرنجة أو احتلوها، وأسأل الله إبقاءه إلى أن تقوم الساعة, بعد أسماء المساجد المشهورة. - إكثاره من إيراد عبارة: كما تقدم، أو كما ذكرنا، أو فلان المتقدم الذكر في صفحات كتابه. وسبب ذلك أنه كان يورد الخبر مجملًا في مكان من الكتاب، ثم يعود إلى ذكره مفصلًا في مكان آخر منه. - بالرغم من ميل المؤلف إلى التلخيص والإيجاز، فإن الاستطراد والتطويل كانا يلاحقانه في غير موضع من الكتاب. مثال ذلك: أنه أورد رواية على لسان أبي محمد علي بن حزم٣، ثم استطرد فترجم له، وأورد مقتطفات من أشعاره، واعتذر عن ذلك بقوله: "وإنما أوردت هذه النبذة من أخبار هذا الرجل، وإن كانت قاطعة للنسق، مزيحة عن بعض الغرض؛ لأنه أشهر علماء الأندلس اليوم، وأكثرهم ذكرًا في مجالس الرؤساء وعلى ألسنة العلماء٤. وكذلك فعل المراكشي عندما قال في نهاية حديثه عن أستاذه أبي جعفر الحميري: وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره؛ رغبةً في تنشيط الطالب، وإيثارًا للأحماض٥. - إظهاره لتواضع علمي لا نجده عند الكثير من المصنفين الذين يملئون الأسماع ضجيجًا وادعاءً, بدا ذلك في قوله: مع أن أصغر خدم مولانا لم تجر عادته بالتصنيف، ولا حدث قط نفسه به، وإنما بعثته عليه الهمة الفخرية٦.

стр. 4

- اعترافه بفضل سابقيه، من دون إغفاله لجهده الخاص، حين قال: وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، عليه عولت في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت، خلا مواضع تبينت غلطه فيها، أصلحتها جهد ما أقدر١. ونظرًا لأهمية هذا الكتاب في إغناء المكتبة العربية بما اشتمل عليه من صور حية لحياة ملوك المغرب، وممالكهم، ومعاركهم، وإنجازاتهم العمرانية، واهتماماتهم الدينية والفكرية والأدبية والاجتماعية، وحرصًا منا على بعث التراث العربي الأندلسي، وإظهار مكنوناته النفيسة، نُخرج اليوم هذا الكتاب، ونقدمه للقراء بحُلَّة جديدة، وإضافات مهمة في الضبط والشرح والتوثيق والفهرسة، جَهِدنا أن تكون على مستوى طموحاتهم وحاجاتهم وأذواقهم. ويقوم عملنا في هذا الكتاب وفقًا للخطة الآتية: - تصدير الكتاب بمقدمة تشتمل على حياة المؤلف أبي محمد عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي، وآثاره، ومنهجه في تأليف الكتاب. - ضبط أسماء الأعلام والأماكن والبلدان وغيرها. - ضبط الشواهد الشعرية، وشرحها، وتعيين بحورها. - التعريف بالأعلام غير المترجم لهم في الكتاب ما أمكن، مع الإحالة إلى أهم المصادر التي ترجمت لهم. - تزويد الأعلام المترجم لهم بعدد من الكتب التي ترجمت لهم ما أمكن. - التأكد من سلامة النص من خلال تصحيح بعض الأخطاء الإملائية والمطبعية، أو إضافة ما سقط في بعض مواضع الكتاب من كلمات أو حروف. - تزويد الكتاب بمجموعة من الفهارس الفنية التي تساعد القارئ، وتمكنه من الرجوع إلى مواد الكتاب بسهولة ويسر. واللهَ نسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يلهمنا السداد في الفكر والقول والعمل، إنه سميع مجيب، وبالإجابة جدير. صلاح الدين الهواري ١ ربيع الثاني ١٤٢٦هـ ١٠ أيار ٢٠٠٥م

стр. 5

ترجمة المؤلف حياته وتنقلاته: هو أبو محمد، عبد الواحد بن علي التميمي، المَرَّاكُشِيّ١, المالكي: مؤرخ, بحَّاثة، ولد بمَرَّاكُش في ربيع الآخر سنة ٥٨١هـ/١١٨٥م، في أول أيام أبي يوسف، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي المُوَحِّدِِيّ٢، المنصور، صاحب بلاد المغرب. ثم انتقل إلى مدينة فاس، وهو ابن تسعة أعوام، فقرأ فيها القرآن وجوده ورواه عن جماعة من الأفاضل المُبرّزين في علوم القرآن والحديث والنحو واللغة. وحين تم للمراكشي ما رغب فيه من تحصيل بفاس، عاد إلى مراكش، وظل يتردد بعد ذلك بين المدينتين، ينهل ما يتاح له من علوم ومعارف وفنون. ثم رغب في السفر إلى الأندلس، فعبر إليها في أوائل سنة ٦٠٣هـ/١٢٠٧م، وأدرك جماعة من علمائها وفضلائها، لكنه لم يحصل منهم -كما يقول- إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم٣. ومن الذين لقيهم المراكشي، وتوثقت صلاته بهم من أدباء عصره: أبو بكر بن زُهْر٤، وأديب آخر هو أحد أنجال ابن الطفيل الفيلسوف الأندلسي المشهور. وعندما نزل إِشْبيليَّة، قدمه صديق له يدعى محمد بن الفضل إلى واليها إبراهيم بن أبي يعقوب يوسف، أخي الخليفة الموحدي الناصر، فحظي عنده، وأصبح من أصحابه وجلاسه٥. وعن رأفة هذا الأمير به، وتقريبه إياه، يقول المراكشي: كان لي ﵀ محبًّا، وبي حفيًّا؛ وصلت إليَّ منه أموال وخِلَع جمة غير مرة. وعن بدء علاقته به

стр. 6

وما تلاها من محبة وتلازم، يقول: لم أعرفه أيام وزارته، وإنما كانت معرفتي إياه حين ولوه إشبيلية سنة ٦٠٥هـ،.... ثم علت حالي عنده بعد ذلك، إلى أن يقول لي في أكثر الأوقات: والله, إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه١. ومن الذين أخلصوا له الود من أهل القضاء: أبو عمران، موسى بن عيسى بن عمران القاضي، وفيه يقول: وأبو عمران هذا صديق لي، لم أر صديقًا لم تغيره الولاية غيره. ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئًا من بره. ما لقيته قط في مركبه إلا سلم عليَّ مبتدئًا، وجدد لي برًّا٢. وطمحت نفس المراكشي إلى مصر، فسافر إليها سنة ٦١٣هـ/١٢٢٧م، والتقى ببعض علمائها، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فأدى فريضة الحج سنة ٦٢٠هـ/١٢٢٤م. ثم تجول بعد ذلك في بعض بلدان المشرق٣. آثاره: لم يذكر الذين ترجموا لأبي محمد غير كتاب واحد هو: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، الذي ألفه استجابة لطلب واحد من أعيان عصره. وقد فرغ المراكشي من تأليف هذا الكتاب سنة ٦٢٠هـ/١٢٢٤م. ونشره دوزي سنة ١٢٤٠هـ/١٨٤٧م، وأعاد طبعه سنة ١٢٩٨هـ/١٨٨١م، وترجمه فانيان إلى الفرنسية، ثم نشر الترجمة في الجزائر سنة ١٣١٠هـ/١٨٩٣م.

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف الحمد لله مفني الأمم، وباعث الرِّمم١، وواهب الحكم، ذي البقاء والقِدَم٢، الذي لا مطمع في إدراكه لثواقب الأذهان٣ ونوافذ الهمم. أحمده على ما علم وألهم، وسوغ وأنعم. وصلى الله على كاشف الظلم، ورافع التهم، وموضح الطريق الأَمَم٤، المخصوص بجوامع الكَلِم٥، والمبتعث إلى جميع العرب والعجم، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والكرم، وسلم عليه وعليهم وشرف وعظم. وبعد -أيها السيد الذي توالت علي نعمه، وأخذ بضَبْعي٦ من حَضِيضَي الفقر والخمول اعتناؤه وكرمه، وقضى إحسانه إليَّ ومحبته التي جُبلت٧ عليها بأن ألتزم من بره وطاعته ما أنا ملتزمه- فإنك سألتني -بوأك الله أعلى الرتب، كما عمر بك أندية الأدب، ومنحك من سعادتي الدنيا والآخرة أوفر القِسَم٨، كما جمع لك فضيلتي التدبير والقلم- إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدود أقطاره، وشيء من سير ملوكه، وخصوصًا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من لَدُن ابتداء دولتهم إلى وقتنا هذا -وهو سنة ٦٢١- وأن ينضاف إلى ذلك نبذة من ذكر من لقيتُه، أو لقيتُ من لقيه، أو رويتُ عنه، بوجه ما من وجوه الرواية، من الشعراء والعلماء وأنواع أهل الفضل؛ فلم أر بُدًّا من إسعافك والمسارعة إلى ما فيه رضاك؛ إذ هي الغاية التي أجري إليها، والبغية التي أثابر أبدًا عليها؛ ولوجوب طاعتك عليَّ من وجوه يكثر تعدادها؛ فاستخرت الله فيما ندبتني٩ إليه، واستعنته واعتمدت في كل ذلك عليه؛ فهو الموئل والملجأ،

стр. 8

وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا مع أني أعتذر إلى مولانا -فسح الله في مدته- من تقصير إن وقع، بثلاثة أوجه من الأعذار: فأولها: ضعف عبارة المملوك وغلبة العِيِّ١ على طباعه، فمهما وقع في هذا الإملاء من فتور لفظ، أو إخلال بسرد، فهو خليق بذلك. والوجه الثاني: أنه لم يصحبني من كتب هذا الشأن شيء أعتمد عليه وأجعله مستندًا كما جرت عادة المصنفين. وأما دولة المصامدة خصوصًا فلم يقع إليَّ لأحد فيها تأليف أصلاً، خلا أني سمعت أن بعض أصحابنا جمع أخبارها واعتنى بسيرها، وهذا المجموع لا أعرفه إلا سماعًا. والوجه الثالث: أن محفوظاتي في هذا الوقت على غاية الاختلال والتشتت؛ أوجبتْ ذلك هموم تزدحم على الخاطر، وغموم٢ تستغرق الفكر، فرغبة المملوك الأصغر إجراء مولانا إياه على جميل عادته وحميد خلقه من التسامح والتغاضي، لا زال مجده العالي يرفع الهمم، ويعقد الذمم، ويوصل النعم، ويعمر ربوع الفضل والكرم.

стр. 9

فصل في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها فأول ما يقع الابتداء به ذكر جزيرة الأندلس١ وتحديدها والتعريف بمدنها ونبذ من أخبارها وسير ملوكها، من لدن فتحها إلى وقتنا هذا وهو سنة ٦٢١؛ إذ هي كانت مُعْتمد المغرب الأقصى، والمعتبرة منه، والمنظور إليها فيه. وهي كانت كرسي المملكة، ومقر التدبير، وأم قرى تلك البلاد؛ لم يزل هذا معروفًا من أمرها إلى أن تغلب عليها يوسف بن تَاشُفين اللَّمتوني٢، فصارت إذ ذاك تبعًا لمراكش٣ من بلاد العُدْوَة٤، ثم تغلب عليها المصامدة بعده، فاستمر الأمر على ذلك إلى وقتنا هذا، فأقول وبالله التوفيق: أما حدود جزيرة الأندلس؛ فإن حدها الجنوبي منتهى الخليج الرومي الخارج من بحر مانطس، وهو البحر الرومي٥ مما يقابل طَنْجَة٦، في موضع يعرف بالزُّقاق -سعة البحر هنالك اثنا عشر ميلًا-وهذا الخليج هو ملتقى البحرين، أعني بحر مانطس وبحر أُقيانس٧.

стр. 10

وحداها الشمالي والمغربي البحر الأعظم، وهو بحر أقيانس المعروف عندنا ببحر الظلمة، وحدها المشرقي الجبل الذي فيه هيكل الزهرة الواصل ما بين البحرين: بحر الروم وهو مانطس، والبحر الأعظم. ومسافة ما بين البحرين في هذا الجبل قريب من ثلاث مراحل، وهو الحد الأصغر من حدود الأندلس. وحداها الأكبران الجنوبي والشمالي, مسافة كل واحد منهما نحو من ثلاثين مرحلة. وهذا الجبل الذي ذكرنا فيه هيكل الزهرة الذي هو الحد المشرقي من الأندلس، هو الحاجز ما بين بلاد الأندلس وبين بلاد إفرنسة من الأرض الكبيرة١، أرض الروم التي هي بلاد إفرنجة العظمى. والأندلس آخر المعمور في المغرب٢؛ لأنها كما ذكرنا منتهية إلى بحر أقيانس الذي لا عمارة وراءه. ومسافة ما بين طُلَيْطُلة التي هي قريبة من وسط الأندلس، ومدينة رومية قاعدة الأرض الكبيرة، قريب من أربعين مرحلة، ووسط الأندلس كما ذكرنا مدينة طليطلة العتيقة، التي كانت قاعدة القوطا من قبائل الإفرنج، ثم ملكها المسلمون زمان الفتح على ما سيأتي بيانه، وعرضها تسع وثلاثون درجة وخمسون دقيقة، وطولها ثمانٍ وعشرون درجة بالتقريب، فصارت بذلك قريبًا من وسط الإقليم الخامس. وأقل بلاد الأندلس عرضًا المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، على البحر الجنوبي منها، وعرضها ست وثلاثون درجة, وأكثر مدنها عرضًا بعض المدائن التي على ساحلها الشمالي, وعرض ذلك الموضع ثلاث وأربعون درجة. فتبين بما ذكرنا أن معظم الأندلس في الإقليم الخامس أميل إلى الشمال؛ فلذلك اشتد بردها وطالت مدة الشتاء فيها وعظمت جسوم أهل ذلك الميل وابيضت ألوانهم وكانت أذهانهم إلى الغلظ ما هي، فنَبَتْ٣ عن كثير من الحكمة. وطائفة من الأندلس في الإقليم الرابع، كإشْبِيلية، ومالَقة، وقُرطُبة وغَرْنَاطة، والمَرِيَّة ومُرْسِيَة، فهذه البلاد التى ذكرنا في الإقليم الرابع أعدل هواء وأطيب أرضًا وأعذب مياهًا من البلاد التي في الإقليم الخامس، وأهلها أحسن ألوانًا وأجمل صورًا وأفصح لغة من أولئك؛ إذ كان للميول والسُّموت في اللغات تأثير بين لمن استقرأ ذلك وفهم علته. وجملة مدن الأندلس التي هي أمهات قراها ومراكز أعمالها ومواضع مخاطبات

стр. 11

أولي الأمر منها: أولاها في الحد الشمالي: مدينة شِلْب، ثم مدينة إشبيلية، ثم قرطبة، ثم جَيَّان، ثم أَغِرناطة١، ثم المرية، ثم مرسية، ثم بَلنْسِيَة، ثم مالقة، وهي على البحر الرومي. فالذي على البحر الأعظم من هذه المدائن: شلب، وإشبيلية، وبينهما قريب من خمس مراحل. والذي على البحر الرومي: المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وهي من أعمال إشبيلية؛ ثم مالقة، وهي مستقلة، ثم المرية، ثم دانية؛ هذه كلها على البحر الرومي. ثم سائر ما ذكرنا من المدن ليست على ساحل. ولما استقر أمر المسلمين بالأندلس في غُرة المائة الثانية، تخيروا مدينة قرطبة فجعلوها كرسي المملكة ومقر الإمارة، فلم تزل على ذلك إلى أن انقرضت دولة بني أمية بالأندلس، فتغلب على كل جهة من الجزيرة متغلب على ما سيأتي بيانه. وهذه المدن التي ذكرت هي التي يملكها المسلمون اليوم، وقد كانوا يملكون قبلها مدنًا كثيرة لم أذكرها في هذا الموضع؛ إلا أن ذكرها سيرد فيما يأتي من تفصيل أخبار الأندلس، تعرف ذلك بقولي: أعادها الله للمسلمين. فهذه جملة من أخبار الأندلس وحدودها وبلادها الكائنة بأيدي المسلمين.

стр. 12

ذكر فتح جزيرة الأندلس ولمع من تفصيل أخبارها وسير ملوكها ومن كان فيها من الفضلاء منها ومن غيرها ثم نعود إلى افتتاحها فنقول والله الموفق: افتتح المسلمون جزيرة الأندلس في شهر رمضان سنة ٩٢ من الهجرة، وكان فتحها على يدي طارق١، قيل: ابن زياد، وقيل: ابن عمرو، وكان واليًا على طنجة، مدينة من المدن المتصلة ببر القَيْروان٢ في أقصى المغرب، بينها وبين الأندلس الخليج المذكور المعروف بالزُّقاق، وبالمجاز. رتبه موسى بن نُصَير٣ أمير القيروان. وقيل: إن مروان بن موسى بن نصير خلف طارقًا هناك على العساكر، وانصرف إلى أبيه لأمر عرض له، فركب طارق البحر إلى الأندلس من جهة مجاز الجزيرة الخضراء، منتهزًا لفرصة أمكنته؛ وذلك أن الذي كان يملك ساحل الجزيرة الخضراء وأعمالها من الروم خطب إلى الملك الأعظم ابنته، فأغضب ذلك الملك، ونال منه وتوعده، فلما بلغه ذلك جمع جموعًا عظيمة وخرج يقصد بلد الملك، فبلغ طارقًا خلو تلك الجهة، فهذه الفرصة التي انتهزها ... وقيل: إن العِلْج٤ كتب إليه بالعبور لسبب أنا ذاكره، وهو أن لُذْرِيق ملك الجزيرة-لعنه الله- كان له رسم: يوجه إليه أعيان قواده وأمراء دولته ببناتهم، فيربيهن عنده في قصوره ويؤدبهن بالآداب الملوكية حسبما كانوا يرونه....؛ فإذا بلغت الجارية منهن وحسن أدبها، زوجها في قصره لمن يرى أنه كفء أبيها. فوجه

стр. 13

إليه صاحب الجزيرة الخضراء وأعمالها بابنته على الرسم المذكور، فكانت عنده إلى أن بلغت مبلغ النساء، فرآها يومًا فأعجبته، فدعاها فأبت عليه، وقالت: لا والله حتى تُحضر الملوك والقواد وأعيان البطارقة وتتزوجني، هذا بعد مشورة أبي! فغلبته نفسه واغتصبها على نفسها، فكتبت إلى أبيها تعلمه بذلك، فهذا كان السبب الذي بعثه على مكاتبة طارق والمسلمين، فكان الفتح، فالله أعلم أي ذلك كان. فأول موضع نزله فيما يقال منها: المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء اليوم، نزلها قبيل الفجر، فصلى بها الصبح بموضع منها وعقد الرايات لأصحابه، فبُني بعد ذلك هناك مسجد، عُرف بمسجد الرايات، وهو باقٍ إلى وقتنا هذا، أسأل الله إبقاءه إلى أن تقوم الساعة ... ثم دخل طارق هذا الأندلس وأمعن فيها واستظهر١ على العدو بها، وكتب إلى موسى بن نصير موليه بخبر الفتح وغلبته على ما غلب عليه من بلاد الأندلس وما حصل له من الغنائم، فحسده موسى على الانفراد بذلك، وكتب إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان٢ يعلمه بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده، إذ دخلها بغير إذنه، ويأمره ألا يتجاوز مكانه الذي ينتهي إليه الكتاب فيه حتى يلحق به، وخرج متوجهًا إلى الأندلس، واستخلف على القيروان ابنه عبد الله، وذلك في رجب من سنة ٩٣. وخرج معه حبيب بن أبي عبدة الفهري٣ ووجوه العرب والموالي وعرفاء البربر في عسكر ضخم، ووصل من جهة المجاز إلى الأندلس وقد استولى طارق على قرطبة دار المملكة، وقتل لذريق الملك-لعنه الله- بالأندلس، فتلقاه طارق وترضاه، ورام أن يستلَّ ما في نفسه من الحسد له، وقال له: إنما أنا مولاك ومن قِبلك، وهذا الفتح لك وبسببك؛ وحمل طارق إليه ما كان غنم من الأموال, فلذلك نُسب الفتح إلى موسى بن نصير؛ لأن طارقًا من قِبله، ولأنه أتم من الفتح ما كان بقي على موسى. وأقام موسى بالأندلس مجاهدًا وجامعًا للأموال ومرتبًا للأمور بقية سنة ٩٣ وسنة ٩٤ وأشهرًا من سنة خمس، وقبض على طارق، ثم استخلف على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى٤، وترك معه من العساكر ووجوه القبائل من يقوم بحماية البلاد

стр. 14

وسد الثغور وجهاد العدو، ورجع إلى القيروان، ثم سار منها بما حصل له من الغنائم وأعده من الهدايا إلى الوليد بن عبد الملك -وكان مما وجده بمدينة طليطلة حين فتحها مائدة سليمان بن داود ﵉، فيقال: إنها طوق ذهب وطوق فضة، مكللة باللؤلؤ والياقوت- ومعه -فيما يقال- طارق، فمات الوليد وقد وصل موسى إلى طبرية في سنة ٩٦، فحمل ما كان معه إلى سليمان بن عبد الملك١؛ ويقال: إنه وصل أدرك الوليد حيًّا، فالله أعلم. وأقام عبد العزيز بن موسى بن نصير أميرًا على الأندلس إلى أن ثار عليه من الجند جماعة، فيهم حبيب بن أبي عبدة الفِهْري، وزياد بن النابغة التميمي، فقتله بعضهم، وخرجوا برأسه إلى سليمان بن عبد الملك -وذلك في صدر سنة ٩٨- بعد أن أمروا على الأندلس أيوب ابن أخت موسى بن نصير. ويقال: إنهم كتبوا إلى سليمان بما أنكروا من أمره، فأمرهم بما فعلوه، فالله أعلم. ثم اختلف الأمر هنالك، ومكث أهل الأندلس بعد ذلك زمانًا لا يجمعهم والٍ، ثم ولي عليها السَّمْح بن مالك الخَوْلاني٢ قبل المائة، واجتمع عليه الناس، ثم ولي عليها الغَمْر بن عبد الرحمن بن عبد الله، ثم وليها عَنْبَسة بن سُحَيم الكلبي٣، وعُزل الغمر بن عبد الرحمن، ثم وليها عبد الرحمن بن عبد الله العكي نحوًا من العشر ومائة، وكان رجلًا صالحًا، ثم وليها عبد الملك بن قَطَن الفِهْري٤، ثم عقبة بن الحجاج٥، فهلك عقبة بالأندلس، ورُد عبد الملك بن قطن، ثم جاء بَلْجُ بن بشر٦ فادعى ولايتها من قبل هشام بن عبد الملك٧، وشهد له بعض من

стр. 15

كان معه، ووقعت فتن من أجل ذلك، وافترق أهل الأندلس فيها على أربعة أمراء, حتى أُرسل إليهم واليًا أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي١، فحسم مواد الفتن، وجمعهم على الطاعة بعد الفرقة. وفي تقديم بعض هؤلاء الأمراء على بعض اختلاف، إلا أن هؤلاء المذكورين كانوا أمراءها وولاة الحروب فيها أيام بني أمية قبل ذهاب دولتهم في المشرق.

стр. 16

ذكر من دخل الأندلس من التابعين وأنا ذاكر هاهنا من دخل الأندلس من التابعين للجهاد والرباط: فمنهم محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري، يروي عن أبي هريرة١. ومنهم حَنَش بن عبد الله الصَّنْعاني٢، يروي عن علي بن أبي طالب، وفضالة بن عُبَيْد٣. ومنهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافِقِيّ٤، يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب٥. ومنهم يزيد بن قاسط، وقيل: ابن قَسِيط، السَّكْسكي المصري، يروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ومنهم موسى بن نصير الذي يُنسب الفتح إليه، يروي عن تميم الداري٦.

стр. 17

فصل في فضل المغرب وقد جاء في فضل المغرب غير حديث، فمن ذلك ما حدثني الفقيه الإمام المتقن المتفنن, أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل الشيباني سماعًا عليه بمكة في شهر رمضان من سنة ٦٢٠ قال: حدثني المؤيد بن عبد الله الطوسي قراءة عليه بنيسابور قال: حدثنا الإمام كمال الدين محمد بن أحمد بن صاعد القراوي قراءة عليه قال: حدثنا ابن عبد الغافر الفارسي, حدثنا محمد بن عيسى بن عَمْرَوَيْه الجلودي, حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان, حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري١ قال: حدثنا يحيى بن يحيى عن هشام بن بشر الواسطي عن داود بن أبي هند بن أبي عثمان النهدي عن سعد بن أبي وقاص٢ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خذلهم, حتى تقوم الساعة". ومن فضل الأندلس أنه لم يذكر قط أحد على منابرها من السلف إلا بخير. وما زالت الولاة بالأندلس تليها من قبل بني أمية أو من قبل من يقيمونه بالقيروان أو بمصر، فلما اضطرب أمرهم في سنة ١٢٦هـ بقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك٣، اشتغلوا عن مراعاة أقاصي البلاد، ووقع الاضطراب بإفريقية والاختلاف بالأندلس أيضًا بين القبائل، ثم اتفقوا بالأندلس على تقديم قرشي يجمع

стр. 18

الكلمة إلى أن تستقر الأمور بالشام لمن يخاطَب، ففعلوا، وقدموا يوسف بن عبد الرحمن الفهري١، فسكنت به الأمور، واتفقت عليه القلوب؛ واتصلت إمارته إلى سنة ١٣٨ بعد ذهاب دولة بني أمية بست سنين.

стр. 19

ذكر خبر دخول عبد الرحمن بن معاوية* الأندلس وفي هذه السنة دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأندلس، الملقب بالداخل؛ فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عَبْدَة بن عقبة بن نافع الفهري الوالي على الأندلس المذكور آنفًا، فهزمه؛ واستولى عبد الرحمن على قرطبة دار الملك، وكان دخوله إياها يوم الأضحى من السنة المذكورة، فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة ١٧٢. وكان مولده بالشام سنة ١١٣، أمه أم ولد اسمها: راح، ويكنى أبا المطرف. دخل الأندلس في ذي القعدة، واستولى على قرطبة دار ملكها في التاريخ المذكور؛ وذلك أنه هرب من الشام لما انتشرت دولة بنى العباس، فلم يزل مستترًا ينتقل في بلاد المغرب حتى دخل الأندلس، ودخل حين دخلها طريدًا وحيدًا لا أهل له ولا مال، فلم يزل يُصرِّف حيله ويسمو بهمته والقَدَر مع ذلك يوافقه، إلى أن احتوى على ملكها، وملك بعض بلاد العُدوة. وكان أبو جعفر المنصور١ إذا ذكر عنده قال: "ذاك صقر قريش". وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل؛ ومن قضاته معاوية بن صالح الحضرمي الحِمْصي٢، وله أدب وشعر. ومما أنشد، وقاله يتشوق إلى معاهده بالشام، قوله: من الخفيف أيها الراكب المُيَمِّمُ أرضِي ... أَقْرِ من بعضي السلام لبعضِي٣

стр. 20

إن جسمي كما علمتَ بأرضٍ ... وفؤادي ومالكيه بأرضِ قدر البَيْنُ بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غَمْضِي١ قد قضى الله بالفِرَاق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضِي! وله شعر كثير أبرع من هذا, أورده المؤرخون في كتبهم. وكانت مدة ولايته منذ استولى على قرطبة دار الملك إلي أن توفي، اثنتين وثلاثين سنة.

стр. 21

ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن* ثم ولي بعد عبد الرحمن ابنه هشام، يكنى: أبا الوليد، وسنه حينئذٍ خمس وثلاثون سنة، واتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة ١٨٠. وكان حسن السيرة، متحريًا للعدل، يعُودُ المرضى، ويشهد الجنائز، ويتصدق بالصدقات الكثيرة، وربما كان يخرج في الليالي المظلمة الشديدة المطر ومعه صُرَر الدراهم يتحرى بها المساتير وذوي البيوتات من الضعفاء؛ لم يزل هذا مشهورًا من أمره إلى أن مات في التاريخ المذكور. أمه أم ولد اسمها: حوراء.

стр. 22

ولاية الحَكَم بن هشام الملقب بالرَّبَضيِّ** ثم ولي بعده ابنه الحكم وله اثنتان وعشرون سنة، يكنى: أبا العاص، أمه أم ولد اسمها: زُخرف، وكان طاغيًا مسرفًا، وله آثار سوء قبيحة، وهو الذي أوقع بأهل الرَّبَض الوقعة المشهورة، فقتلهم وهدم ديارهم ومساجدهم. وكان الربض محلة متصلة بقصره، فاتهمهم في بعض أمره، ففعل بهم ذلك، فسمي الحكم الربضي لذلك. وفي أيامه أحدث الفقهاء إنشاد أشعار الزهد والحض على قيام الليل في الصوامع، أعنى: صوامع المساجد، وأمروا أن يخلطوا مع ذلك شيئًا من التعريض به، مثل أن يقولوا: يا أيها المسرف المتمادي في طغيانه، المصر على كِبره، المتهاون بأمر ربه، أفق من سكرتك، وتنبه من غفلتك.. وما نحا هذا النحو؛ فكان هذا من

стр. 23

جملة ما هاجه وأوغر صدره١ عليهم. وكان أشد الناس عليه في أمر هذه الفتنة الفقهاء، هم الذين كانوا يحرضون العامة ويشجعونهم، إلى أن كان من أمرهم ما كان. وحكى أبو مروان بن حيان٢ صاحب أخبار الأندلس، أنه لما تُسُور عليه القصر وأحس بالشر، قال لأخص غلمانه: اذهب إلى فلانة، إحدى كرائمه، وقل لها تعطيك قارورة الغالية٣. فأبطأ الغلام وتلكأ، فأعاد ذلك عليه، فقال: يا مولاي، هذا وقت الغالية؟ فقال له: ويلك يا ابن الفاعلة! بم يعرف رأسي إذا قطع من رءوس العامة إن لم يكن مضمخًا بالغالية؟ ثم إنه ظهر بعد هذا عليهم، وذلك أنهم كانوا يقاتلون القصر وعامة الحشم والجند يشغلونهم، إلى أن دهمتهم الخيل من ورائهم، فانهزموا وقُتلوا قتلًا قبيحًا، وأمر بديارهم ومساجدهم فهدمت وحرقت، وأمر بنفي من بقي منهم عن البلاد، فخرجوا حتى نزلوا جزيرة إقريطش من جزائر البحر الرومي المقابلة لبر بَرْقَة أول المغرب، فلم يزالوا هنالك سنين إلى أن تفرقوا، فرجع بعضهم إلى الأندلس، واختار بعضهم سُكنى صقلية، وانتقل بعضهم إلى الإسكندرية. ومن أعجب ما حكي أبو مروان بن حيان المؤرخ بما يتصل بخبر هذه الوقعة، قال: كان من أشد الناس على الحكم هذا تحريضًا، رجل من الفقهاء اسمه طالوت٤, كان جليل القدر في الفقهاء، رحل إلى المدينة وسمع من مالك بن أنس٥ وتفقه على أصحابه، وكان قويًّا في دينه؛ فلما الحكم بأهل الربض -كما ذكرنا- وأمر بتغريب من بقي منهم، كان ممن أمر بتغريبه طالوت الفقيه، فعسر عليه الانتقال ومفارقة الوطن، ورأى الاختفاء إلى أن تتغير الأحوال، فاستخفى في دار رجل يهودي سنة كاملة، واليهودي في كل ذلك يكرمه أبلغ الكرامة، ويعظمه أشد التعظيم؛ فلما مضت السنة طال على الفقيه الاختفاء، فاستدعى اليهودي وشكره على إحسانه إليه، وقال له: قد عزمت غدًا على الخروج وقصد دار فلان الكاتب؛ لأنه قرأ علي ولي عليه حق التعليم، وقد بلغني أن له جاهًا عند هذا الرجل، فعسى هو يشفع لي عنده

стр. 24

فيؤمنني ويدعني في بلدي! فقال له اليهودي: يا مولاي، لا تفعل، فما آمنهم عليك! وجعل يحلف له بكل يمين يعتقده، أنه لو أقام عنده بقية عمره ما أَمَلَّه ذلك ولا ثقل عليه؛ فأبى إلا الخروج، فخلى بينه وبين ذلك؛ فخرج حتى أتى دار ذلك الكاتب بغَلَس١، فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه رحب به وأدنى مجلسه، وسأله أين كان في هذه المدة؟ فقص عليه قصته مع اليهودي، ثم قال له: اشفع لي عند هذا الرجل حتى يؤمنني في نفسي ويَمُنَّ عليَّ بتركي في بلدي! فوعده بذلك، وركب من فوره ودخل على الحكم، فقال له كل ما سمع من طالوت، ووشى به إليه؛ فأحضره الحكم إليه فعنفه ووبخه، فقال له طالوت: كيف يحل لي أن أخرج عليك، وقد سمعت مالك بن أنس يقول: سلطان جائر مدة خير من فتنة ساعة؟ قال الحكم: الله تعالى! لقد سمعت هذا من مالك؟ قال طالوت: اللهم إني قد سمعته. قال: فانصرف إلى منزلك وأنت آمن. ثم سأله أين استتر؟ فقال: عند يهودي مدة عام، ثم إني قصدت هذا الوزير فغدر بي! فغضب الحكم على أبي البسَّام وعزله عن وزارته، وكتب عهدًا ألا يخدمه أبدًا؛ فرُئي أبو البسام الكاتب بعد ذلك في فاقة وذل، فقيل: استُجيبت فيه دعوة الفقيه طالوت -رحمه الله تعالى-.

стр. 25

ولاية الحكم المُسْتَنْصر* من الوافر٢ ........................ ... .........................

стр. 26

فقال وقد مضى ليل وثانٍ ... ولم يسمعه غنى: ليت شعري أجاري المُؤْنِسي ليلًا غناء ... لخيرٍ قطعُ ذلك أم لشرِّ؟ فقالوا: إنه في سجن عيسى ... أتوه به بليل وهو يسرِى١ فنادى بالطويلة وهي مما ... يكون برأسه لجليل أمرِ٢ ويمم جاره عيسى بنَ موسى ... فلاقاه بإكرام وبرِّ٣ وقال: أحاجة عرضت فإني ... لقاضيها ومتبعها بشكرِ! فقال: سجنتَ لي جارًا يسمى ... بعمرٍو! قال: يُطلَق كل عمرو بسجنى حيث وافقه اسم جار الـ ... ـفقيه ولو سجنتهمو بوِتْرِ! ٤ فأطلقهم له عيسى جميعًا ... لجار لا يبيت بغير سكرِ! فإن أحببت قل لجوار جارٍ ... وإن أحببت قل لطِلاب أجرِ فإن أبا حنيفة لم يَؤُبْ من ... تطلبه تخلصه بوزرِ٥ وتلخيص هذه الحكاية التي نظمها أبو عمر في شعره، أن أبا حنيفة٦ ﵀ كان يجاوره رجل كيال، فكان كل ليلة يأخذ سمكة ورغيفًا وشيئًا من النبيذ، فإذا صلى العشاء الآخرة أكل ثم شرب، حتى إذا انتشى رفع عقيرته٧ واندفع ينشد هذا البيت: من الوافر أضاعوني وأي فتًى أضاعُوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثَغْرِ

стр. 27

فلا يزال يعيده حتى يغلبه النوم، وكان أبو حنيفة -على ما اشتهر عنه- يحيي الليل كله صلاة، فلما كان في بعض الليالي فقد صوت ذلك الرجل، فقال لبعض من عنده: ما فعل جارنا هذا الذي كان يغني كل ليلة؟ أهو مريض أم غائب؟ فقالوا له: إنه مسجون! فقال: ومن سجنه؟ فقالوا: خرج في الليل لبعض حاجته فلقيه أصحاب عيسى بن موسى صاحب الشرطة, فأتوا به فأمر بسجنه؛ فلما أصبح أبو حنيفة لبس ثيابه وركب دابته وقصد عيسى بن موسى في بيته، فلما أُعلم عيسى بمكان أبي حنيفة خرج يتلقاه مسرعًا، وبالغ في تكريمه وبره، وسأله عن حاجته، فقال: لي في سجنك جار اسمه عمرو, فقال عيسى: يُطلق كل من كان اسمه عمرو بسجني من أجل جار الفقيه! فأطلقه وخلقًا كثيرًا معه؛ فأتى الرجل أبا حنيفة يتشكر له، فلما وقعت عينه عليه قال له: أضعناك؟ قال الرجل: لا والله، بل حفظت الجوار -حفظك الله-! والبيت الذي نظمه أبو عمر وكان يغني به الرجل جار أبو حنيفة، هو للعَرْجي١، رجل من ولد عثمان بن عفان٢، سجنه المغيرة خال هشام بن عبد الملك٣ وعامله على مكة، فلم يزل بسجنه إلى أن مات وخرجت جنازته من السجن. ولأبي عمر هذا شعر كثير جيد، وهو من الطبقة الثالثة من طبقات شعراء الأندلس؛ فمما على حفظي له أول قصيدة يمدح بها أبا علي القالي٤ المتقدم الذكر٥، وهي: من الكامل مَنْ حاكمٌ بيني وبين عذولي ... الشَّجْوُ شجوي والعويل عويلِي٦

стр. 28

أَقْصِرْ فما دين الهوى كفر ولا ... أعتدُّ لومك لي من التنزيلِ١ عجبًا لقوم لم تكن أذهانهمْ ... لهوًى ولا أجسادهم لنُحُولِ دقت معاني الحب عن أفهامهمْ ... فتأولوه أقبح التأويلِ٢ في أي جارحةٍ أصون معذبي ... سلِمتْ من التعذيب والتنكيلِ٣ إن قلت في عينى فثَمَّ مدامعي ... أو قلت في قلبي فثم غليلِي٤ لكن جعلت له المسامعَ موضعًا ... وحجبتُها عن عَذْلِ كل عذولِ هذا ما بقي في حفظي منها. وكان أبو عمر هذا من مقدمي شعراء الحكم المستنصر، وكان مختصًّا بأبي الحسن المُصْحَفي٥، منضويًا إليه؛ وهو الذي حمله على هجو محمد بن أبي عامر٦، فلما أفضى الأمر إلى محمد قبض على المصحفي واستصفى أمواله ووضعه في المُطْبِق، فلم يزل به حتى مات جوعًا وهزالًا. وأما ما كان من أبي عمر الشاعر فإنه أوسعه عقوبة ونكالًا، وأمر بتغريبه٧، فشفع له عنده في أن يتركه ببلده، فأذن في ذلك، غير أنه خرج الأمر من جهته ألا يكلمه أحد من العامة ولا من الخاصة؛ أمر مناديه أن ينادَى بذلك في جميع جهات قرطبة. فأقام أبو عمر هذا كالميت إلى أن مات موتة الوفاة في آخر أيام أبي عامر. وكان لحكم المستنصر مواصلًا لغزو الروم ومن خالفه من المحاربين، فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ٣٦٦، فكانت مدة ولايته منذ بُويع له إلى أن مات ست عشرة سنة وأشهرًا؛ وانقرض عقبه بعد موت ابنه هشام المؤيد، لم يعش له ولد غيره.

стр. 29

ولاية هشام المُؤيَّد ابن الحَكَم المستنصر* وتغلب المنصور بن أبي عامر ثم ولي بعده ابنه هشام بن الحكم، يكنى أبا الوليد، أمه أم ولد اسمها: صبح، وسنه إذ ولي عشرة أعوام وأشهر، فلم يزل متغيبًا ولا يظهر ولا ينفذ له أمر. وكان الذي تغلب على أمره أولًا وتولى حجابته وتنفيذ أموره وتدبير مملكته، أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن عامر المعافري القحطاني. وكان أصل ابن أبي عامر هذا من المدينة المعروفة بـ الجزيرة الخضراء، من قرية من أعمالها تسمى طُرّش، على نهر يسمى وادى آرُوا، إلا أنه كان شريف البيت قديم التعين، ورد شابًّا إلى قرطبة، فطلب العلم والأدب وسمع الحديث وتميز في ذلك؛ وكانت له همة يحدث بها نفسه بإدراك معالي الأمور، وتزيد في ذلك حتى كان يحدث من يختص به بما يقع له من ذلك؛ وله في ذلك أخبار عجيبة، قد أورد منها الشيخ الفقيه المحدث الضابط المتقن أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي١ طرفًا في كتابه المترجم بوالأماني الصادقة، فمن جملتها قال الحميدي: حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن حزم٢ قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن إسحاق التميمي قال: كان محمد بن أبي عامر نازلًا عندي في حجرة فوق بيتي، فدخلت عليه في بعض الليالي في آخر الليل، فوجدته قاعدًا على الحال التي تركته عليها أول الليل حين فصلتُ عنه، فقلت له: ما أراك نمت الليلة! قال: لا، قلت: فما أسهرك؟ قال: فكرة عجيبة! قلت: فيماذا كنت تفكر؟ قال: فكرت إذا أفضى إليَّ الأمر ومات محمد بن بشير القاضي، بمن أستبدله؟ ومن الذي يقوم مقامه؟ فجُلْتُ الأندلس كلها بخاطري فلم أجد إلا رجلًا واحدًا.. قلتُ: لعله محمد بن السَّلِيم٣؛ قال: هو والله هو؛ لشد ما اتفق خاطري وخاطرك!

стр. 30

قال الحميدي: وأخبرني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد قال: كان ابن أبي عامر يومًا جالسًا مع ثلاثة من أصحابه من طلبة العلم، فقال لهم: ليختر كل واحد منكم خطة أوليه إياها إذا أفضى إلي الأمر! فقال أحدهم: توليني قضاء كورة رَيَّة، وهي مالقة وأعمالها؛ فإنه يعجبني هذا التين الذي يجئ منها! وقال الآخر: توليني حسبة السوق؛ فإني أحب هذا الإسفنج! وقال الثالث: إذا أفضى إليك الأمر فأْمر أن يطاف بي قرطبة كلها على حمار ووجهى إلى الذَّنَب وأنا مطلي بالعسل ليجتمع علي الذباب والنحل! وافترقوا على هذا؛ فلما أفضى الأمر إليه كما تمنى بلغ كل واحد منهم أمنيته على نحو ما طلب! ولم تزل حاله تعلو منذ ورد قرطبة إلى أن تعلق بوكالة السيدة: صُبح أم هشام المؤيد ابن الحكم والنظر في أموالها وضياعها، فزاد أمره في الترقي معها إلى أن مات الحكم المستنصر؛ وكان هشام صغيرًا كما ذكرنا، وخِيف الاضطراب، فضمن لصبح سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها. وكان قوي النفس، وساعدته المقادير، وأمدته المرأة بالأموال؛ فاستمال العساكر إليه، وجرت أحوال علت قدمه فيها، حتى صار صاحب التدبير والمتغلب على الأمور؛ وحجب هشامًا المؤيد، وتلقب هو بالمنصور، فأقام الهيبة، فدانت له أقطار الأندلس كلها وأمنت به، ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته؛ لعظم هيبته وفرط سياسته. واستوزر جماعة منهم الوزير أبو الحسن جعفر بن عثمان الملقب بالمصحفي، ومنهم الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري١، ومنهم الوزير أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي٢ الذي اختصر كتاب العين٣ -وقد تقدم ذكره- وكان قد ولاه شرطته، وكان الزبيدي هذا من بطانة الحكم المستنصر ووجوه أصحابه. واستوزر أبا العلاء صاعد بن الحسن الرَّبَعي٤ اللغوي البغدادي، وله معه أخبار مستطرفة، ولعلي سأورد طرفًا منها فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.

стр. 31

وكان محبًّا للعلوم مؤثرًا للأدب مفرطًا في إكرام من ينسب إلى شيء من ذلك ويفد عليه متوسلًا به، بحسب حظه منه وطلبه له ومشاركته فيه. ورد عليه الأندلس في أيام إمارته أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي المذكور آنفًا، فعظمت منزلته عنده ونال منه أموالًا جمة. وكان وروده عليه سنة ٣٨٠؛ أظن أصله من بلاد الموصل، دخل بغداد فقرأ بها، وكان عالمًا باللغة والآداب والأخبار، سريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، فكه المجالسة ممتعًا؛ فأكرمه المنصور وأفرط في الإحسان إليه والإفضال عليه؛ وكان مع ذلك محسنًا لظريف السؤال، حاذقًا في استخراج الأموال، طَبًّا١ بلطائف الشكر. أخبرني بعض مشايخ الأندلس بإسناد له، أن أبا العلاء دخل على المنصور أبي عامر يومًا في مجلس أنسه، وقد كان تقدم له أن اتخذ قميصًا من رقاع الخرائط التي كانت تصل إليه فيها الأموال منه، فلبسه تحت ثيابه؛ فلما خلا المجلس ووجد فرصة لما أراد، تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط، فقال له: ما هذا يا أبا العلاء؟ فقال: هذه الخرائط التي وصلت إليَّ فيها صلات مولانا أتخذها شعارًا! وبكى، وأتبع ذلك من الشكر فصلًا كان رواه، فأعجب ذلك المنصور، وقال له: لك عندي مزيد! وكان كما قال. وألف له أبو العلاء هذا كتبًا، فمنها كتاب سماه: كتاب الفصوص، على نحو: كتاب النوادر لأبي علي القالي. واتفق لهذا الكتاب من عجائب الاتفاق أن أبا العلاء دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه وعبر النهر، نهر قرطبة؛ فخانت الغلام رجله فسقط في النهر هو والكتاب؛ فقال في ذلك بعض الشعراء -وهو أبو عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن العَرِيف- بيتًا مطبوعًا بحضرة المنصور، وهو: من السريع قد غاص في البحر كتاب الفُصُوصْ ... وهكذا كل ثقيل يغوصْ! ٢ فضحك المنصور والحاضرون، فلم يَرُعْ ذلك صاعدًا ولا هاله٣، وقال مرتجلًا مجيبًا لابن العريف: من السريع عاد إلى مَعْدِنه إنما ... توجد في قعر البحار الفصوص! ٤

стр. 32

وكتاب آخر على نحو كتاب الخزرجي أبي السري سهل بن أبي غالب، سماه: كتاب الهجفجف بن غيدقان بن يثربي مع الخنوت بنت مخرمة بن أنيف، وكتاب آخر في معناه سماه: كتاب الجوَّاس بن قَعْطَل المَذْحِجي مع ابنة عمه عفراء، وهو كتاب مليح جدًّا، انخرم أيام الفتن بالأندلس، فنقصت منه أوراق لم توجد بعد. وكان المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب، أعني الجواس، حتى رتب له من يخرجه أمامه كل ليلة. ويقال: إن أبا العلاء لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي الأمور بعده من ولده، وادعى وجعًا لحقه في ساقه لم يزل يتوكأ منه على عصًا ويعتذر به في التخلف عن الحضور والخدمة إلى أن ذهبت دولتهم؛ وفي ذلك يقول في قصيدته المشهورة في المظفَّر أبي مروان عبد الملك بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، وهو الذي ولي بعد أبيه، وأولها: من الوافر إليك حَدَوْتُ ناجية الركابِ ... محملة أمانيَ كالهضابِ١ وبعت ملوك أهل الشرق طُرًّا ... بواحدها وسيدها اللُّبابِ٢ وفيها يقول: إلى الله الشَّكية من شكاةٍ ... رمت ساقي فجل بها مُصابِي٣ وأقصتني عن الملك المُرجَّى ... وكنت أَرِمُّ حالي باقترابِي٤ ومما استُحسن له قوله: حسَبتُ المنعمين على البرايا ... فألفيت اسمه صدر الحسابِ٥ وما قدمته إلا كأني ... أقدم تاليًا أم الكتابِ٦ قال أبو عبد الله الحميدي: أخبرني أبو محمد علي ابن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم، أنه سمع أبا العلاء ينشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في عيد الفطر سنة ٣٩٦ - قال أبو محمد: وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر- ولما رآني أبو العلاء أستحسنها وأصغي إليها كتبها لي بخطه وأنفذها إلي. انتهى كلام الحُميدي.

стр. 33

وكان أبو العلاء كثيرًا ما تُستغرب له الألفاظ، ويُسأل عنها فيجيب بأسرع جواب، على نحو ما يحكى عن أبي عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب١، ولولا أن أبا العلاء كان كثير المَزْح لحُمل على التصديق في كل ما يأتي به من ذلك، وقد ظهر صدقه في بعض ما قال؛ فمما يحكى عنه من هذا المعنى أنه دخل على المنصور يومًا وفي يد المنصور كتاب ورد عليه من عامل له في بعض البلاد اسمه ميدمان بن يزيد، يذكر فيه القلب والتزبيل٢، وهذه عندهم أسماء لمعاناة الأرض قبل الزرع، فقال له: أبا العلاء! قال: لبيك مولانا! قال: هل رأيت فيما وقع إليك من الكتب كتاب القوالب والزوابل لميدمان بن يزيد؟ قال: إي والله يا مولانا؛ رأيته ببغداد في نسخة لأبي بكر بن دُرَيد٣ بخط كأكرع النمل في جوانبها علامات الوضاع هكذا هكذا ... فقال له: أما تستحي أبا العلاء؟ هذا كتاب عاملي ببلد كذا وكذا, واسمه كذا, يذكر فيه كذا -الذي تقدم ذكره-، وإنما صنعت لك هذه الترجمة مولدة من هذه الألفاظ التي في هذا الكتاب، ونسبتُه إلى عاملي لأختبرك! فجعل يحلف له أنه ما كذب وأنه أمر وافق. وقال له المنصور مرة أخرى وقد قُدم طبق فيه تمر: يا أبا العلاء، ما التَّمَرْكُل في كلام العرب؟ قال: يقال: تمركل الرجل تمركلًا: إذا التف في كسائه!. وله من هذا كثير، ولكنه مع هذا كان عالمًًا. قال أبو عبد الله الحميدي: حدثني أبو محمد علي بن أحمد قال: حدثني الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة٤، عن أبي عبد الله العاصمي النحوي قال: لما قدم صاعد بن الحسن اللغوي على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، جمعنا معه، فسألناه عن مسائل من النحو غامضة فقصَّر فيها، فلما رآه ابن أبي عامر

стр. 34

كذلك قال: دعوه، هو من طبقتي في النحو، أنا أناظره. قال: ثم سألنا صاعد فقال: ما معنى قول امرئ القيس١: من الطويل كأن دماء الهاديات بنحرهِ ... عصارة حِنَّاءٍ بشيب مُرجَّلِ٢..؟ فقلنا: هذا واضح، وإنما وصف فرسًا أشهب عُقرت عليه الوحش فتطاير دمها على صدره فجاء هكذا. فقال صاعد: سبحان الله! أنسيتم قوله قبل هذا٣: كُمَيْتٌ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حال مَتْنِهِ ... كما زلَّتِ الصفواءُ بالمُتنزّلِ٤؟ قال: فبُهتنا٥ كأنا لم نقرأ هذا البيت قط، واضطُررنا إلى سؤاله عنه، فقال: إنما عنى أحد وجهين: إما أنه تغشى صدره بالعرق، وعرق الخيل أبيض، فجاء مع الدم كالشيب؛ وإما شيء كانت العرب تصنعه، وهو أنها كانت تَسِمُ٦ باللبن الحار في صدور الخيل فيتمعَّط ذلك الشَّعر وينبت مكانه شعر أبيض؛ فأيما عنى من أحد هذين الوجهين فالوصف مستقيم. قال أبو عبد الله: وحدثنا أبو محمد علي بن أحمد قال: حدثني أبو الخيار مسعود بن سليمان بن مُفلت٧ الفقيه، أن أبا العلاء صاعدًا سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور أبي عامر عن قول الشَّمَّاخ بن ضِرار٨: من البسيط دار الفتاة التي كنا نقول لها: ... يا ظبيةً عُطُلاً حُسَّانةَ الجِيدِ٩

стр. 35

تُدني الحمامةُ منها, وهي لاهيةٌ من يانع المُرْد قِنْوان العناقيدِ١ فقالوا: هي الحمامة، تنزل على غصن الأراكة أو الكَرْمة فتنفضه فتتمكن الظبية منه فترعاه. فأنكر ذلك عليهم صاعد وقال: إن الحمامة في هذا البيت هي المرآة، وهي اسم من أسمائها؛ فأراد أن هذه الجارية المشبهة بالظبية إذا نظرت في المرآة أدنت المرآة منها في المنظر شعرها الذي هو كقنوان العناقيد من يانع الكرْم أو المُرْد، فرأته. ومن عجائب الدنيا التي لا يكاد يتفق مثلها، أن صاعد بن الحسن اللغوي هذا أهدى إلى المنصور أبي عامر أُيَّلًا٢, وكتب معه بهذه الأبيات: من الكامل يا حِرْزَ كل مُخوَّف، وأمان كـ ... ـل مشرد، ومعز كل مذللِ٣ جدواك إن تخصُصْ به فلأهله ... وتعم بالإحسان كل مؤمِّلِ٤ كالغيث طَبَّق فاستوى في وَبْله ... شُعثُ البلاد مع المراد المقبلِ٥ الله عونك ما أبرك بالهدى ... وأشد وقعَك بالضلال المشعلِ ما إن رأت عيني، وعلمك شاهد، ... شَرْوَى علائك في معم مُخْوِلِ٦ أندى بمُقْرَبة كسِرحان الغَضا ... رَكْضًا، وأوغل في مُثار القَصْطَلِ٧ مولاي، مؤنس غربتي، متخطفي ... من ظُفْر أيامي، مُمَنِّع مَعْقِلي٨ عبدٌ نشلتَ بضَبْعه وغَرسْتَهُ ... في نعمة أهدى إليك بأيَّلِ٩ سميته غرسِيَّة وبعثتُه ... في حبله ليتاح فيه تفاؤلي

стр. 36

فلئم قبلتَ فتلك أسنى نعمةٍ ... أسدى بها ذو منحة وتطوُّلِ١ صحبَتْك غادية السرور وجللتْ ... أرجاء رَبْعك بالسحاب المُخْضِلِ فقضى الله في سابق علمه أن غَرْسِيةَ بن شانجُه من ملوك الروم -وكان أمنع من النجم- أُسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالأيل وسماه غرسية متفائلًا بأسره. وهكذا فليكن الجد للصاحب والمصحوب. وكان أسر غرسية هذا في ربيع الآخر سنة ٣٨٥. خرج أبو العلاء صاعد هذا من الأندلس أيام الفتن، وقصد صِقِلِّية فمات بها في قريب من سنة ٤١٠ -فيما بلغني- عن سن عالية. ولم يزل المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر طول أيام مملكته مواصلاً لغزو الروم، مفرطًا في ذلك لا يشغله عنه شيء. وكان له مجلس في كل أسبوع يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته ما كان مقيمًا بقرطبة. وبلغ من إفراط حبه للغزو أنه ربما خرج للمصلَّى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره، بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد، فتتبعه عساكره وتلحق به أولًا فأولاً، فلا يصل إلى أوائل بلاد الروم إلا وقد لحقه كل من أراده من العساكر. غزا في أيام مملكته نيفًا وخمسين غزوة, ذكرها أبو مروان بن حيان كلها في كتابه الذي سماه بـ المآثر العامرية، واستقصاها كلها بأوقاتها وذكر آثاره فيها. وفتح فتوحًا كثيرة، ووصل إلى معاقل قد كانت امتنعت على من كان قبله، وملأ الأندلس غنائم وسَبْيًا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم. وفي أيامه تغالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي والدور؛ وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون في بناتهم بما يجهزونهن به مما ذكرنا، ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة. بلغني أنه نُودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة -وكانت ذات جمال رائع- فلم تساو أكثر من عشرين دينارًا عامرية. وكان في أكثر زمانه لا يُخل بأن يغزو غزوتين في السنة. وكان كلما انصرف من قتال العدو إلى سُرَادقه يأمر بأن ينفض غبار ثيابه التي حضر فيها معمعة٢ القتال، وأن يُجمع ويُتحفظ به، فلما حضرته المنية أمر بما اجتمع من ذلك أن ينثر على كفنه إذا وضع في قبره. وكانت وفاته بأقصى ثغور المسلمين، بموضع يعرف بمدينة سالم، مبطونًا؛ فصحت له الشهادة، وتاريخ وفاته سنة ٣٩٣. فكانت مدة إمارته نحوًا من سبع وعشرين

стр. 37

سنة، وكان معافري النسب، وأمه تميمية اسمها فريهة بنت يحيى بن زكريا التميمي، كان يعرف بابن بَرْطَل؛ ولذلك قال فيه أبو عمر أحمد بن محمد بن درَّاج الشاعر المعروف بالقسطلي١ من قصيدة له: من الطويل تلاقت عليه من تَميم ويَعْرُبٍ ... شموس تلألأ في العلا وبدورُ من الحميريين الذين أكفُّهم ... سحائب تَهْمِي بالنَّدَى وبحورُ٢ وأبو عمر هذا من فحول شعراء الأندلس والمجيدين منهم، ذكره أبو منصور الثعالبي٣ في: كتاب اليتيمة وقال فيه: القسطلي عندهم كأبي الطيب٤ بصقع الشام. هذا قول أبي منصور أو معناه. وكنت أنا في أيام شبيبتي مولعًا بشعره كثير الدراسة له، فلم يبق اليوم على خاطري منه شيء أصلًا، خَلا بيتين هما مما ارتجل في بعض مجالسه، وهما: من الكامل أجدِ الكلام إذا نطقتَ فإنما ... عقل الفتى في لفظه المسموعِ٥ كالمرء يختبر الإناء بصوتهِ ... فيرى الصحيح به من المصدوعِ٦

стр. 38

وزارة المظفر بن أبي عامر* ثم تقلد الوزارة والحجابة بعد ابن أبي عامر هذا، ابنه أبو مروان عبد الملك بن أبي عامر، وتلقب بـ المظفر، فجرى في الغزو والسياسة عن هشام المؤيد على سَنَن٧ أبيه، وكانت أيامه أعيادًا في الخصب والأمان، دامت سبع سنين، إلى أن مات٨ وثارت الفتن بعده.

стр. 39

وزارة الناصر بن أبي عامر* ثم تقلد ما كان يتقلده من بعده، أخوه عبد الرحمن، وتلقب بـ الناصر، فخلط وتسمى ولي العهد. ولم يزل مضطرب الأمور مدة أربعة أشهر، إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، لثماني عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ٣٩٩، فخلع هشامًا المؤيد، وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر، فقُتل وصُلب. وكان محمد بن هشام بن عبد الجبار -المتقدم ذكره- لما قام تلقب بـ المهدي، وبقي الأمر كذلك إلى أن قتل محمد بن هشام بن عبد الجبار، ورد هشام المؤيد إلى الأمر؛ وذلك يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة ٤٠٠؛ وبقي كذلك وجيوش البربر تحاصره مع سليمان بن الحكم بن سليمان، واتصل ذلك إلى خمس خلون من شوال سنة ٤٠٣؛ فدخل البربر مع سليمان قرطبة، وأخلوها من أهلها، حاشا المدينة وبعض الرَّبَض الشرقي، وقتل هشام المؤيد بن الحكم المستنصر؛ وكان -كما ذكرنا- في طول دولته متغلَّبًا عليه لا ينفذ له أمر؛ وغلب عليه في هذا الحصار -أعني حصار البربر- واحد من العبيد بعد محمد بن أبي عامر المنصور وولديه عبد الملك الظافر وعبد الرحمن الناصر.

стр. 40

تفصيل ما سبق إجماله ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي** ثم قام محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، على هشام بن الحكم في جمادى الآخرة -كما تقدم- فخلعه وتسمى بالمهدي، وكان يكنى أبا الوليد، أمه أم ولد اسمها: مُزْنة، وكان له ولد اسمه عبيد الله. وكان مولد المهدي في سنة ٣٦٦، وقتل وله من العمر أربع وثلاثون سنة. ولم يزل واليًا إلى أن قام عليه -يوم الخميس لخمسٍ خلون من شوال سنة ٣٩٩- هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر مع البربر، فحاربه بقية يومه والليلة الآتية وصبيحة اليوم الثاني؛ فقام عامة أهل قرطبة مع محمد المهدي؛ فانهزم البربر وأسر هشام بن سليمان، فأُتي به إلى المهدي فضَرب عنقه.
следующие страницы →