فلئم قبلتَ فتلك أسنى نعمةٍ ... أسدى بها ذو منحة وتطوُّلِ١
صحبَتْك غادية السرور وجللتْ ... أرجاء رَبْعك بالسحاب المُخْضِلِ
فقضى الله في سابق علمه أن غَرْسِيةَ بن شانجُه من ملوك الروم -وكان أمنع من النجم- أُسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالأيل وسماه غرسية متفائلًا بأسره. وهكذا فليكن الجد للصاحب والمصحوب. وكان أسر غرسية هذا في ربيع الآخر سنة ٣٨٥.
خرج أبو العلاء صاعد هذا من الأندلس أيام الفتن، وقصد صِقِلِّية فمات بها في قريب من سنة ٤١٠ -فيما بلغني- عن سن عالية.
ولم يزل المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر طول أيام مملكته مواصلاً لغزو الروم، مفرطًا في ذلك لا يشغله عنه شيء. وكان له مجلس في كل أسبوع يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته ما كان مقيمًا بقرطبة. وبلغ من إفراط حبه للغزو أنه ربما خرج للمصلَّى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره، بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد، فتتبعه عساكره وتلحق به أولًا فأولاً، فلا يصل إلى أوائل بلاد الروم إلا وقد لحقه كل من أراده من العساكر. غزا في أيام مملكته نيفًا وخمسين غزوة, ذكرها أبو مروان بن حيان كلها في كتابه الذي سماه بـ المآثر العامرية، واستقصاها كلها بأوقاتها وذكر آثاره فيها. وفتح فتوحًا كثيرة، ووصل إلى معاقل قد كانت امتنعت على من كان قبله، وملأ الأندلس غنائم وسَبْيًا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم. وفي أيامه تغالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي والدور؛ وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون في بناتهم بما يجهزونهن به مما ذكرنا، ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة. بلغني أنه نُودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة -وكانت ذات جمال رائع- فلم تساو أكثر من عشرين دينارًا عامرية. وكان في أكثر زمانه لا يُخل بأن يغزو غزوتين في السنة. وكان كلما انصرف من قتال العدو إلى سُرَادقه يأمر بأن ينفض غبار ثيابه التي حضر فيها معمعة٢ القتال، وأن يُجمع ويُتحفظ به، فلما حضرته المنية أمر بما اجتمع من ذلك أن ينثر على كفنه إذا وضع في قبره.
وكانت وفاته بأقصى ثغور المسلمين، بموضع يعرف بمدينة سالم، مبطونًا؛ فصحت له الشهادة، وتاريخ وفاته سنة ٣٩٣. فكانت مدة إمارته نحوًا من سبع وعشرين
стр. 37
سنة، وكان معافري النسب، وأمه تميمية اسمها فريهة بنت يحيى بن زكريا التميمي، كان يعرف بابن بَرْطَل؛ ولذلك قال فيه أبو عمر أحمد بن محمد بن درَّاج الشاعر المعروف بالقسطلي١ من قصيدة له: من الطويل
تلاقت عليه من تَميم ويَعْرُبٍ ... شموس تلألأ في العلا وبدورُ
من الحميريين الذين أكفُّهم ... سحائب تَهْمِي بالنَّدَى وبحورُ٢
وأبو عمر هذا من فحول شعراء الأندلس والمجيدين منهم، ذكره أبو منصور الثعالبي٣ في: كتاب اليتيمة وقال فيه: القسطلي عندهم كأبي الطيب٤ بصقع الشام.
هذا قول أبي منصور أو معناه. وكنت أنا في أيام شبيبتي مولعًا بشعره كثير الدراسة له، فلم يبق اليوم على خاطري منه شيء أصلًا، خَلا بيتين هما مما ارتجل في بعض مجالسه، وهما: من الكامل
أجدِ الكلام إذا نطقتَ فإنما ... عقل الفتى في لفظه المسموعِ٥
كالمرء يختبر الإناء بصوتهِ ... فيرى الصحيح به من المصدوعِ٦
стр. 38
وزارة المظفر بن أبي عامر*
ثم تقلد الوزارة والحجابة بعد ابن أبي عامر هذا، ابنه أبو مروان عبد الملك بن أبي عامر، وتلقب بـ المظفر، فجرى في الغزو والسياسة عن هشام المؤيد على سَنَن٧ أبيه، وكانت أيامه أعيادًا في الخصب والأمان، دامت سبع سنين، إلى أن مات٨ وثارت الفتن بعده.
стр. 39
وزارة الناصر بن أبي عامر*
ثم تقلد ما كان يتقلده من بعده، أخوه عبد الرحمن، وتلقب بـ الناصر، فخلط وتسمى ولي العهد. ولم يزل مضطرب الأمور مدة أربعة أشهر، إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، لثماني عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ٣٩٩، فخلع هشامًا المؤيد، وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر، فقُتل وصُلب.
وكان محمد بن هشام بن عبد الجبار -المتقدم ذكره- لما قام تلقب بـ المهدي، وبقي الأمر كذلك إلى أن قتل محمد بن هشام بن عبد الجبار، ورد هشام المؤيد إلى الأمر؛ وذلك يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة ٤٠٠؛ وبقي كذلك وجيوش البربر تحاصره مع سليمان بن الحكم بن سليمان، واتصل ذلك إلى خمس خلون من شوال سنة ٤٠٣؛ فدخل البربر مع سليمان قرطبة، وأخلوها من أهلها، حاشا المدينة وبعض الرَّبَض الشرقي، وقتل هشام المؤيد بن الحكم المستنصر؛ وكان -كما ذكرنا- في طول دولته متغلَّبًا عليه لا ينفذ له أمر؛ وغلب عليه في هذا الحصار -أعني حصار البربر- واحد من العبيد بعد محمد بن أبي عامر المنصور وولديه عبد الملك الظافر وعبد الرحمن الناصر.
стр. 40
تفصيل ما سبق إجماله ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي**
ثم قام محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، على هشام بن الحكم في جمادى الآخرة -كما تقدم- فخلعه وتسمى بالمهدي، وكان يكنى أبا الوليد، أمه أم ولد اسمها: مُزْنة، وكان له ولد اسمه عبيد الله. وكان مولد المهدي في سنة ٣٦٦، وقتل وله من العمر أربع وثلاثون سنة. ولم يزل واليًا إلى أن قام عليه -يوم الخميس لخمسٍ خلون من شوال سنة ٣٩٩- هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر مع البربر، فحاربه بقية يومه والليلة الآتية وصبيحة اليوم الثاني؛ فقام عامة أهل قرطبة مع محمد المهدي؛ فانهزم البربر وأسر هشام بن سليمان، فأُتي به إلى المهدي فضَرب عنقه.
стр. 41
بدء الفتنة
واجتمع البربر عند ذلك فقدموا على أنفسهم سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وهو ابن أخي هشام القائم المذكور. فنهض بالبربر إلى الثغر، واستجاش النصارى وأتى بهم إلى باب قرطبة، فبرز إليه جماعة أهل قرطبة، فلم تكن إلا ساعة حتى قتل من أهل قرطبة نيف وعشرون ألف رجل، في جبل هنالك يعرف بجبل قنطش، وهي الوقعة المشهورة، ذهب فيها من الخيار والفقهاء وأئمة المساجد والمؤذنين خلق كثير. واستتر محمد بن هشام المهدي أيامًا، ثم لحق بطليطلة؛ وكانت الثغور كلها من طَرْطُوشة إلى الأشبونة باقية على طاعته ودعوته، واستجاش بالإفرنج وأتى بهم إلى قرطبة؛ فبرز إليه سليمان بن الحكم مع البربر، إلى موضع بقرب قرطبة على نحو بضعة عشر ميلاً يدعى دار البقر، فانهزم سليمان والبربر، واستولى المهدي على قرطبة؛ ثم خرج بعد أيام إلى قتال جمهور البربر، وكانوا قد عاثوا بالجزيرة، فالتقوا بموضع يعرف بوادي أره؛ فكانت الهزيمة على محمد بن هشام المهدي؛ وانصرف إلى قرطبة، فوثب عليه العبيد مع واضح الصقْلبي، فقتلوه وردوا هشامًا المؤيد -كما تقدم من قبل-.
فكانت مدة ولاية المهدي منذ قام إلى أن قتل سبعة عشر شهرًا١، من جملتها الأشهر الستة التي كان فيها سليمان بقرطبة، وكان هو بالثغر؛ وانقرض عقبه فلا عقب له.
стр. 42
ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر*
المتلقب بالمستعين بالله
قام سليمان بن الحكم يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة ٣٩٩، وتلقب بـ المستعين بالله، ثم دخل قرطبة -كما تقدم- في ربيع الآخر سنة ٤٠٠، فتلقب حينئذ بـ الظافر بحول الله، مضافًا إلى المستعين بالله. ثم خرج عنها في شوال من السنة بعينها، فلم يزل يجول بعساكر البربر معه في بلاد الأندلس، يفسد وينهب ويُقفر المدائن والقرى بالسيف والغارة، لا يبقي البربر معه على صغير ولا كبير ولا امرأة، إلى أن دخل قرطبة في صدر شوال سنة ٤٠٣.
стр. 43
أولية بنى حَمُّود
وكان من جملة جنده رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب، يسميان القاسم وعليًّا ابني حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضى الله عنهم-؛ فجعلهما قائدين على المغاربة، ثم ولى أحدهما سبتة وطنجة، وهو علي الأصغر منهما؛ وولى القاسم الجزيرة الخضراء، وبين الموضعين المجاز المعروف بالزُّقاق، وسعة البحر هنالك اثنا عشر ميلًا، وقد ذكر فيما قبل.
وافترق العبيد إذ دخل البربر مع سليمان قرطبة، فملكوا مدنًا عظيمة وتحصنوا فيها، فراسلهم علي بن حمود المذكور -وقد حدث له طمع في ولاية الأندلس- فكتب إليهم يذكر لهم أن هشام بن الحكم إذ كان محاصرًا بقرطبة كتب إليه يوليه عهده، فاستجابوا له وبايعوه، فزحف من سبتة إلى مالقة، وفيها عامر بن فَتُّوح الفائقي، مولى فائق مولى الحكم المستنصر؛ فاستجاب له وأدخله مالقة، فتملكها علي بن حمود وأخرج عنها عامر بن فتوح، ثم زحف بمن معه من البربر وجمهور العبيد إلى قرطبة، فخرج إليه محمد بن سليمان في عساكر البربر، فانهزم محمد بن سليمان، ودخل قرطبة علي بن حمود، وقتل سليمان بن الحكم صبرًا؛ ضرب عنقه بيده يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة ٤٠٧، وقتل أباه الحكم بن سليمان بن الناصر أيضًا في ذلك اليوم، وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة!.
وكانت مدة ولاية سليمان -مند دخل قرطبة إلى أن قُتل- ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر وأيامًا، وكان قد ملكها قبل ذلك ستة أشهر على ما تقدم؛ وكانت مدته -منذ قام مع البربر إلى أن قتل- سبعة أعوام وثلاثة أشهر وأيامًا.
وانقطعت دولة بنى أمية في هذا الوقت وذِكْرُهم على المنابر في جميع أقطار الأندلس، إلى أن عادت بعد ذلك في الوقت الذي نذكره إن شاء الله تعالى.
وكانت أم سليمان هذا أم ولد اسمها: ظبية، ومولده سنة ٣٥٤، ترك من الولد ولي عهده محمدًا، لم يعقب، والوليد، ومسلمة.
وكان سليمان أديبًا شاعرًا؛ قال الحميدي: أنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال: أنشدني فتًى من ولد إسماعيل بن إسحاق المنادي١ الشاعر كان
стр. 44
يكتب لأبي جعفر أحمد بن سعيد بن الدبِّ، قال: أنشدني أبو جعفر قال: أنشدني أمير المؤمنين سليمان الظافر لنفسه، قال أبو محمد: وأنشدنيها قاسم بن محمد المرواني قال: أنشدنيها وليد بن محمد الكاتب لسليمان الظافر أمير المؤمنين: من الكامل
عجبًا يهاب الليث حَدَّ سِناني ... وأهاب لَحْظَ فواتر الأجفانِ١
وأقارع الأهوال لا متهيبًا ... منها سوى الإعْراض والهِجْرانِ٢
وتملكت نفسى ثلاث كالدًّمَى ... زُهْر الوجوه نواعم الأبدانِ٣
ككواكب الظلماء لُحْن لناظر ... من فوق أغصان على كثبانِ٤
هذي الهلال وتلك بنت المشترِي ... حُسْنًا، وهذي أخت غصن البانِ٥
حاكمت فيهن السُّلو إلى الضَّنَى ... فقضى بسلطان على سلطانِي٦
فأبحن من قلبي الحمى وثنينَنِي ... في عز ملكي كالأسير العانِي٧
لا تعذلوا ملكًا تذلل للهوى ... ذل الهوى عز وملك ثانِ
ما ضر أني عبدهن صبابةً ... وبنو الزمان وهن من عُبْدانِي٨
إن لم أُطع فيهن سلطان الهوى ... كَلَفًا بهن فلست من مروانِ٩
وإذا الكريم أحب أمَّن إِلْفَهُ ... خطْب القِلَى وحوادث السُّلوانِ١٠
وإذا تجارى في الهوى أهلُ الهوَى ... عاش الهوى في غِبْطَةٍ وأمانِ١١
وإنما قصد المتسعين بهذه الأبيات معارضة الأبيات التي عملها العباس بن
стр. 45
الأحنف١ على لسان هارون الرشيد٢، فنُسبت إليه، وهي: من الكامل
ملك الثلاث الآنسات عِنانى ... وحللْنَ من قلبي بكل مكانِ
ما لي تُطَاوِعُنِي البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عِصْيَانِي
ما ذاك إلا أن سُلْطَانَ الهوى ... وبه قَوِينَ أعز من سلطانِي
وأبو محمد الذي يحدث عنه الحميدي: هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صلح بن خلف بن مَعْدان بن سفيان بن يزيد الفارسي٣، مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي٤. قرئ علي نسبه هذا بخطه على ظهر كتاب من تصانيفه. وأصل آبائه الأدنين من قرية من إقليم لَبْلَة من غرب الأندلس. سكن هو وأبوه قرطبة، وكان أبوه من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر، ووزراء ابنه المظفر بعده. وكان هو المدبر لدولتيهما، وكان ابنه أبو محمد الفقيه وزيرًا لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر الملقب بالمستظهر بالله، أخى المهدي المذكور آنفًا. ثم إنه نبذ الوزارة واطَّرحها اختيارًا، وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن، فنال من ذلك ما لم ينل أحد قبله بالأندلس. وكان على مذهب الإمام أبي عبد الله الشافعي٥ ﵀، أقام على ذلك زمانًا، ثم انتقل إلى القول بالظاهر، وأفرط في ذلك حتى أربى على أبي سليمان داود الظاهري٦ وغيره من أهل الظاهر. له مصنفات كثيرة جليلة
стр. 46
القدر, شريفة المقصد في أصول الفقه وفروعه، على مَهْيَعِه١ الذي يسلكه، ومذهبه الذي يتقلده، وهو مذهب داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظاهري ومن قال بقوله من أهل الظاهر ونُفاة القياس والتعليل. بلغني عن غير واحد من علماء الأندلس أن مبلغ تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المخالفين له -نحوٌ من أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري٢، فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفًا، فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر الفرغاني في كتابه المعروف بالصلة، وهو الذي وصل به تاريخ أبي جعفر الطبري الكبير: أن قومًا من تلاميذ أبي جعفر لخصوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي في سنة ٣١٠ وهو ابن ست وثمانين سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة. وهذا لا يتهيأ لمخلوق إلا بكريم عناية الباري تعالى وحسن تأييده له.
ولأبي محمد بن حزم بعد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة، وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة؛ فمن شعره: من الطويل
هل الدهر إلا ما عرَفْنا وأدركنا ... فجائعه تبقى ولذاته تفنَى٣
إذا أمكنت فيه مَسَرَّة ساعةٍ ... تولت كمر الطَّرْف واستخلفت حزنَا
إلى تَبِعات في المَعاد وموقف ... نود لديه أننا لم نكن كُنَّا٤
حصلنا على هم وإثم وحسرة ... وفات الذي كنا نقر به عينَا٥
حنينٌ لما ولى، وشغل بما أتى ... وعم لما يُرجى، فعيشك لا يهنَا
كأن الذي كنا نُسَر بكونه ... إذا حققته النفس، لفظ بلا معنَى
стр. 47
وله من قصيدة طويلة: من الطويل
أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكن عيبي أن مطلعي الغربُ
ولو أنني من جانب الشرق طالع ... لجد على ما ضاع من ذكري النَّهْبُ
ولي نحو أكناف العراق صبابةٌ ... ولا غَرْوَ أن يستوحش الكَلِفُ الصَّبُّ١
فإن يُنزل الرحمن رحلِيَ بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكربُ
فكم قائل: أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكُتْبُ!
هنالك يدري أن للبعد قصة ... وأن كساد العلم آفته القربُ! ٢
فيا عجبًا من غاب عنهم تشوقوا ... له، ودنو المرء من دارهم ذنبُ
وإن مكانًا ضاق عني لضيقٌ ... على أنه فُسْحٌ مهامهه سُهْبُ٣
وإن رجالًا ضيعوني لَضُيَّعٌ ... وإن زمانًا لم أنل خصبه جدبُ
ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه:
ولكن لي في يوسف خير أُسوةٍ ... وليس على من بالنبي ائتسى ذنبُ٤
يقول -وقال الحق والصدق-: إنني ... حفيظ عليهم؛ ما على صادق عتبُ
ومن المختار له قوله: من البسيط ... لا يشمتَنْ حاسدي إن نكبة عرضتْ
فالدهر ليس على حال بمُتَّرَكِ ... ذو الفضل كالتِّبْر طَوْرًا تحت مِيقعَةٍ
وتارةً في ذُرا تاج على ملكِ! ٥ ... ومن ذلك قوله: من الوافر
لئن أصبحتُ مرتحلا بشخصي ... فرُوحي عندكم أبدًا مقيمُ
ولكن للعِيان لطيف معنًى ... له سأل المعاينة الكليمُ٦
стр. 48
ومن أجود ما أحفظ له بيتان قالهما في رجل نمام: من الطويل
أنم من المرآة في كل ما درى ... وأقطع بين الناس من قُضُبِ الهندِ١
كأن المنايا والزمان تعلما ... تحيله في القطع بين ذوي الودِّ!
وجد بخطه أنه ولد يوم الأربعاء بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس آخر يوم من شهر رمضان سنة ٣٨٤، وتوفي ﵀ في سِلخ شعبان من سنة ٤٥٦.
وإنما أوردت هذه النبذة من أخبار هذا الرجل وإن كانت قاطعة للنسق, مزيحة عن بعض الغرض؛ لأنه أشهر علماء الأندلس اليوم وأكثرهم ذكرًا في مجالس الرؤساء وعلى ألسنة العلماء, وذلك لمخالفته مذهب مالك بالمغرب واستبداده بعلم الظاهر، ولم يشتهر به قبله عندنا أحد ممن علمت. وقد كثر أهل مذهبه وأتباعه عندنا بالأندلس اليوم.
стр. 49
ولاية ابن حمود الناصر*
ثم ولي علي بن حمود على ما تقدم، وتسمى بالخلافة، وتلقب بـ الناصر، ثم خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه، وقدموا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، ولقبوه بـ المرتضي، وزحفوا به إلى غَرْناطة، وهي من البلاد التي تغلب عليها البربر، ثم ندموا على تقديمه لما رأوا من صرامته وحدة نفسه، وخافوا من عواقب تمكنه وقدرته، فانهزموا عنه ودسوا عليه من قتله غِيلةً٢، وخفي أمره.
وبقي علي بن حمود بقرطبة مستمر الأمر عامين غير شهرين، إلى أن قتله صقالبة له في الحمام سنة ٤٠٨، وكان له من الولد: يحيي، وإدريس.
стр. 50
ولاية القاسم بن حمود المأمون **
ثم ولي بعده أخوه القاسم بن حمود، وكان أسن منه بعشرة أعوام، وكان وادعًا، أمن الناس معه، وكان يذكر عنه أنه تشيع؛ ولكنه لم يظهر ذلك ولا غيَّر على الناس عادة ولا مذهبًا، وكذلك سائر من ولي منهم بالأندلس.
فبقي القاسم كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة ٤١٢، فقام عليه ابن أخيه
стр. 51
يحيى بن علي بن حمود، بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال وصار بإشبيلية، وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر ودخل قرطبة بلا قتال، وتسمى بالخلافة، وتلقب بـ المعتلي؛ فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر وزحف بهم إلى قرطبة، فدخلها سنة ٤١٣، وهرب يحيى بن علي إلى مالقة، فبقي القاسم بقرطبة شهورًا واضطرب أمره.
وغلب ابن أخيه يحيى على المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وهي كانت معقل القاسم، وبها كانت امرأته وذخائره؛ وغلب ابن أخيه الثاني إدريس بن علي صاحب سبتة على طنجة، وهي كانت عُدَّة القاسم، يلجأ إليها إن رأى ما يخافه بالأندلس.
وقام عليه جماعة أهل قرطبة بالمدينة، وغلقوا أبوابها دونه، وحاصرهم نيفًا وخمسين يومًا، وأقام الجمعة في مسجد خارج قرطبة، يعرف بمسجد ابن أبي عثمان، أثره باقٍ إلى اليوم. ثم إن أهل قرطبة زحفوا إلى البربر، فانهزم البربر عن القاسم وخرجوا من الأرباض كلها في شعبان سنة ٤١٤، ولحقت كل طائفة من البربر ببلد غلبت عليه.
وقصد القاسم إشبيلية، وبها كان ابناه محمد والحسن، فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم، طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر، وضبطوا البلد، وقدموا على أنفسهم ثلاثة من أكابر البلد، أحدهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، ومحمد بن يريم الألهاني، ومحمد بن الحسن الزبيدي. ومكثوا كذلك أيامًا مشتركين في سياسة البلد وتدبيره، ثم استبد القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبَّاد بالأمر والتدبير، وصار الآخران من جملة الناس.
ولحق القاسم بشَرِيش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، فزحفوا إلى القاسم فحاصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه، وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية البربر.
وبقي القاسم أسيرًا عنده وعند أخيه إدريس بعده إلى أن مات إدريس، فقُتل القاسم خنقًا سنة ٤٣١، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة، فدفنه هناك.
فكانت ولاية القاسم منذ تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة, أعوام، ثم كان مقبوضًا عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه يحيى وإدريس، إلى أن قتل -كما ذكرنا- في أول سنة ٤٣١، ومات وله ثمانون سنة، وله من الولد محمد والحسن، أمهما أميرة بنت الحسن بن قَنُّون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
стр. 52
ولاية يحيى بن علي المعتلي*
اختُلف في كنيته، فقيل: أبو القاسم، وقيل: أبو محمد؛ وأمه لَبُونةُ بنت محمد بن الحسن بن القاسم المعروف بقنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وكان الحسن بن قنون من كبار ملوك الحسنيِّين وشجعانهم ومَرَدَتهم١ وطغاتهم المشهورين، فتسمى يحيى بالخلافة بقرطبة سنة ٤١٣ كما ذكرنا، ثم هرب عنها إلى مالقة سنة ٤١٤ كما وصفنا، ثم سعى قوم من المفسدين في رد دعوته إلى قرطبة في سنة ٤١٦، فتم لهم الأمل، إلا أنه تأخر عن دخولها باختياره، واستخلف عليها عبد الرحمن بن عطاف اليفرني، فبقي الأمر كذلك إلى سنة ٤١٧، ثم قطعت طاعته جماعة البربر، وصرفوا عاملهم، وبايعوا المعتلي الأموي أخا المرتضي. وبقي المعتلي هذا يردد لحصارهم العساكر، إلى أن اتفقت كلمة البربر على الاستسلام لأبي القاسم, وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن، وعظم أمره بقَرْمُونة، فصار محاصرًا لإشبيلية، طامعًا في أخذها، فخرج يومًا وهو سكران إلى خيل ظهرت من إشبيلية بقرب قرمونة، فلقيها وقد كمنوا له، فلم يكن بأسرع من أن قتلوه، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة ٤٢٧؛ وكان له من الولد: الحسن، وإدريس لأمي ولد.
стр. 53
رد الأمر إلى بني أمية ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر**
ولما انهزم البربر عن قرطبة مع أبي القاسم كما ذكرنا، اتفق رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بنى أميه، فاختاروا منهم ثلاثة، وهم: عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، أخو المهدي المذكور آنفًا، وسليمان بن المرتضي المذكور آنفًا، ومحمد بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان القائم على المهدي بن الناصر.
ثم استقر الأمر لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، فبُويع بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت لرمضان ٤١٤، وله اثنتان وعشرون سنة، وتلقب بـ المستظهر. وكان مولده سنة ٣٩٢ في ذي القعدة، يكنى أبا المطرف، وأمه أم ولد اسمها: غاية.
стр. 54
ثم قام عليه أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر، مع طائفة من أراذل العوام، فقتل عبد الرحمن بن هشام، وذلك لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ٤١٤ المؤرخة، ولا عقب له.
وكان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس، كذا قال أبو محمد علي بن أحمد، وكان خبيرًا به لأنه وزر له. وقال الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد١: كان المستظهر شاعرًا ويستعمل الصناعة فيجيد، وهو القائل في ابنة عمه: من الطويل
حمامة بيت العَبْشَميِّين رفرفت ... فطرتُ إليها من سَرَاتهم صقرَا٢
تقل الثريا أن تكون لها يدًا ... ويرجو الصباح أن يكون لها نحرَا
وإني لطعَّان إذا الخيل أقبلت ... جوانبها حتى تُرى جُونها شُقْرَا٣
ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتي ... وجاعل وَفْري عند سائله وفرَا٤
وهي طويلة، قالها أيام خِطبته لابنة عمه أم الحكم بنت سليمان المستعين. قال أبو عامر: وكان متهمًا في أشعاره ورسائله، حتى كتب أبياتًا ليعلى بن أبي زيد حين وفد عليه ارتجالاً، فعجب أهل التمييز منه، وأما أنا فقد كنت بلوته. وكان ورود يعلى فجأة ولم يبرح من مجلسه حتى ارتجل الأبيات، وأنا والله أخاف أن يزل، فأجاد وزاد. هذا آخر كلام أبي عامر.
стр. 55
ولم يكن كذلك إلى أن خُلع، وقُتل وزيره المذكور في داره؛ دخل عليه عوام أهل قرطبة نهارًا فتولوه بالحديد إلى أن بَرَد، وخلعوا المستكفي بالله وأخرجوه عن قرطبة، بعد أن أقام ثلاثة أيام مسجونًا لا يصل إليه طعام ولا شراب، ثم نفوه -كما ذكرنا- فلحق بالثغور، ورجع الأمر إلى يحيى بن علي الفاطمي.
وانتهى المستكفي المذكور من الثغر إلى قرية تعرف بـ شمنت بالقرب من مدينة سالم، ومعه أحد قواده، وهو عبد الرحمن بن محمد بن السليم، ومن ولد سعيد بن المنذر القائد المشهور أيام عبد الرحمن الناصر؛ فكره هذا القائد التمادي معه، فاستدعى المستكفي غداءه، فعمد القائد إلى دجاجة فدهنها له بعصارة نبت يقال له: البيش١ -وهو كثير ببلاد الأندلس وخصوصًا بتلك الجهة- فلما أكلها المستكفي مات مكانه، فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه؛ فقبره هناك، ولا عقب له٢.
ثم أقام يحيى بن علي الفاطمي في الولاية نافذ الأمر، إلا أنه لم يدخل قرطبة، وإنما كان مقيمًا بقرمونة كما قد قدمنا، إلى أن قُتل في التاريخ الذي تقدم ذكره.
стр. 56
ولاية هشام المعتدّ بالله*
ولما انقطعت دعوة يحيى بن علي الفاطمي عن قرطبة في التاريخ الذي ذكرنا، أجمع رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية، وكان عميدهم في ذلك والذي تولى معظمه وسعى في تمامه، الوزير أبو الحزم جَهْوَر بن محمد بن جهور بن عبيد الله بن محمد بن الغَمْر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عَبْدة٣. وقد كان ذهب كل من ينافس في الرياسة ويخُب في الفتنة بقرطبة؛ فراسل جهور من كان معه على رأيه من أهل الثغور والمتغلبين هنالك على الأمور، وداخلهم في هذا الأمر، فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو أخو المرتضي المذكور آنفًا.
وكان هشام هذا مقيمًا بحصن يدعى البُنْت، من الثغور، عند أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم القائد المتغلب بها؛ فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة ٤١٨، تلقب بـ المعتد بالله.
стр. 57
وكان مولده في سنة ٣٦٤، وكان أسن من أخيه المرتضي بأربعة أعوام، وسنه يوم بويع له أربع وخمسون سنة، أمه أم ولد اسمها: عاتب.
فبقي ينتقل في الثغور ثلاثة أعوام لا يستقر بموضع، ودارت هنالك فتن عظيمة بين الرؤساء المتغلبين واضطراب شديد، إلى أن اتفق أمرهم واجتمع رأيهم على أن يسير إلى قرطبة قصبة الملك. فسار إليها ودخلها في الثامن من ذي الحجة سنة ٤٢٠، فلم يقم بها إلا يسيرًا حتى قامت عليه طائفة من الجند، فخلع، وجرت أمور يطول شرحها، من جملتها إخراج المعتد بالله هذا من قصره هو وحشمه، والنساء حاسرات عن أوجههن، حافية أقدامهن، إلى أن أُدخلوا الجامع الأعظم على هيئة السبايا، فأقاموا هنالك أيامًا يُتعطف عليهم بالطعام والشراب، إلى أن أُخرجوا عن قرطبة.
ولحق هشام ومن معه بالثغور بعد اعتقالٍ بقرطبة، فلم يزل يجول في الثغور إلى أن لحق بابن هود المتغلب على مدينة لَارِدة وسَرَقُسْطة وأَفْرَاغة وطَرْطوشة وما والى تلك الجهات، فأقام عنده هشام إلى أن مات في سنة ٤٢٧ ولا عقب له؛ فهشام هذا آخر ملوك بني أمية بالأندلس.
نسبه: هو هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.
وبخلعه انقطعت الدعوة لبني أمية وذكرهم على المنابر بجميع أقطار الأندلس والعدوة إلى الآن.
فهذا آخر ما انتهى إلينا من أخبار بني أمية بالأندلس على شرط التلخيص.
стр. 58
ذكر أخبار الأندلس بعد انتقال الدعوة الأموية عنها، ومن ملكها من الملوك إلى وقتنا هذا، وهو سنة ٦٢١ مآل قرطبة بعد انتهاء الدولة الأموية
ولما انقطعت دعوة بني أمية كما ذكرنا بالأندلس ولم يبق من عقبهم من يصلح للإمارة ولا من تليق به الرياسة، استولى على تدبير ملك قرطبة جهور بن محمد بن جهور، ويكني: أبا الحزم، وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة هشام المعتد.
وأبو الحزم هذا قديم الرياسة شريف البيت، كان آباؤه وزراء الدولة الحَكَمية والعامرية، وهو موصوف بالدهاء وبُعد الغَوْر وحصافة العقل١ وحسن التدبير. ولم يدخل من دهائه في الفتن الكائنة قبل ذلك، كان يتصاون عنها ويظهر النزاهة والتدين والعفاف؛ فلما خلا له الجو، وأَصْفَر٢ الفِناء، وأقفر النادي من الرؤساء، وأمكنته الفرصة، وثب عليها، فتولى أمرها، واضطلع بحمايتها.
ولم ينتقل إلى رتبة الإمارة ظاهرًا، جريًا على ما قدمنا من إظهار سنن العفاف؛ بل دبرها تدبيرًا لم يُسبق إليه, وذلك أنه جعل نفسه ممسكًا للموضع إلى أن يجيء من يتفق الناس على إمارته فيسلم إليه ذلك. ورتب البوابين والحشم على تلك القصور على ما كانت عليه أيام الدولة. ولم يتحول عن داره إليها، وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك وهو المشرف عليهم. وصير أهل الأسواق جندًا له، وجعل أرزاقهم رءوس أموال تكون بأيديهم محصاةً عليهم يأخذون ربحها ورءوس الأموال باقية محفوظة، يؤخذون بها ويراعون في كل وقت كيف حفظهم لها، وفرق السلاح عليهم وأمرهم بتفرقته في الدكاكين والبيوت، حتى إذا دهمهم أمر في ليل أو نهار كان سلاح كل واحد معه حيث كان من بيته أو دكانه.
стр. 59
وكان أبو الحزم هذا يشهد الجنائز ويعود المرضى، جاريًا على طريقة الصالحين، وهو مع ذلك يدبر الأمور تدبير الملوك المتغلبين. وكان آمنًا وادعًا، وقرطبة في أيامه حرمًا يأمن فيه كل خائف.
واستمر أمره على ذلك إلى أن مات في غرة صفر سنة ٤٣٥، فكانت مدة تدبيره منذ استولى إلى أن مات أربع عشرة سنة وأشهرًا.
ثم ولي ما كان يتولى من أمر قرطبة بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور، فجرى في السياسة وحسن التدبير على سنن أبيه، غير مخل بشيء من ذلك، إلى أن مات أبو الوليد المذكور في سِلخ شوال من سنة ٤٤٣.
فغلب عليها بعد أمور جرت، الأمير الملقب بالمأمون بن ذي النون صاحب طليطلة، فدبرها مدة يسيرة إلى أن مات.
وخلف فيها بعده من البربر رجل يعرف بـ ابن عكاشة، أظن اسمه موسى؛ فكان بها إلى أن غلبه عليها وأخرجه منها الأمير الظافر بحول الله أبو القاسم محمد بن عباد على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فهذا آخر أخبار قرطبة وكونها دارًا للملك.
وبعد غلبة المعتمد عليها صارت تبعًا لإشبيلية.
стр. 60
فصل رجع الحديث إلى بني حمود ومطمع بني عباد في التغلب على قرطبة
وأما أحوال الحسنيين، فإنه لما قتل يحيى بن علي -كما ذكرنا- لسبع خلون من المحرم سنة ٤٢٧ -رجع أبو جعفر بن أحمد بن موسى المعروف بـ ابن بَقَنَّة، ونجا الخادم الصقلبي، وهما مدبرا دولة الحسنيين، فأتيا مالقة، وهي دار مملكتهم، فخاطبا أخاه إدريس بن علي، وكان بسبتة، وكان يملك معها طنجة، واستدعياه، فأتى مالقة، وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة؛ ولم يبايعا واحدًا من ابنيْ يحيى، وهما إدريس وحسن؛ لصغرهما. فأجابهما إلى ذلك، ونهض نجا مع حسن هذا إلى سبتة وطنجة، وكان حسن أصغر ابني يحيى ولكنه أسدهما رأيًا١.
وتلقب إدريس بـ المتأيد، فبقي كذلك إلى سنة ٣٠ أو٣١، فتحركت فتنة، وحدث للقاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد٢ صاحب إشبيلية أمل في التغلب على تلك البلاد، فأخرج ابنه إسماعيل في عسكر مع من أجابه من قبائل البربر، ونهض إلى قرمونة فحاصرها، ثم نهض إلى حصن يدعى أَشُونة، وحصن آخر يدعى إِسْتِجَة، فأخذهما؛ وكانا بيد محمد بن عبد الله، رجل من قواد البربر من بنى برزال؛ فاستصرخ محمد بن عبد الله إدريس بن علي الحسني وقبائل صَنْهَاجة، فأمده صاحب صنهاجة بنفسه، وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقنة أحمد بن موسى مدبر دولته؛ فاجتمعوا مع محمد بن عبد الله. ثم غلبت عليهم هيبة إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عباد، قائد عسكر أبيه القاضي أبي القاسم، فافترقوا، وانصرف كل واحد منهم إلى بلده. فبلغ ذلك إسماعيل بن محمد، فقوي
стр. 61
أمله، ونهض بعسكره قاصدًا طريق صاحب صنهاجة، وقدر صاحب صنهاجة أنه سيلحقه، فوجه إلى ابن بقنة يسترجعه، وإنما كان فارقه قبل ذلك بساعة، فرجع إليه، والتقت العساكر؛ فما كان إلا أن تراءى الجمعان، فولى عسكر ابن عباد منهزمًا، وأسلموا إسماعيل، فكان أول مقتول، وحمل رأسه إلى إدريس بن علي الحسني.
وقد كان إدريس استشعر بالهلاك، فنزل عن مالقة إلى جبل بُبَاشتر، وهو الذي قام فيه ابن حَفْصُون المتقدم الذكر١، فتحصن به وهو مريض مُدْنَف، فلم يعش إلا يومين ومات، وترك من الولد يحيى -قتل بعده- ومحمدًا الملقب بالمهدي، وحسنًا المتلقب بـ السامي. وكان له ابن هو أكبر بنيه اسمه علي، مات في حياة أبيه. وترك ابنًا اسمه عبد الله، أخرجه عمه٢ ونفاه لما ولي.
وقد كان يحيى بن علي المذكور قبلُ قد اعتقل ابني عمه محمدًا والحسن ابني القاسم بن حمود بالجزيرة، وكان الموكل بهما رجلًا من المغاربة يعرف بأبي الحجاج، فحين وصل إليه خبر قتل يحيى، جمع من كان في الجزيرة من المغاربة والسودان، وأخرج محمدًا والحسن، وقال: هذان سيداكم! فسارع أجمعهم إلى الطاعة لهما؛ لشدة ميل أبيهما إلى السودان قديمًا وإيثاره لهم. وانفرد محمد بالأمر دون الحسن، وملك الجزيرة، إلا أنه لم يتسمَّ بالخلافة، وبقي معه أخوه الحسن مدة، إلى أن حدث له رأي في التنسك، فلبس الصوف وتبرأ من الدنيا، وخرج إلى الحج مع أخته فاطمة بنت القاسم، زوجة يحيى بن على المعتلي.
فلما مات إدريس كما تقدم، رام ابن بقنة أحمد بن موسى ضبط الأمر لولده يحيى بن إدريس المعروف بـ حيون، ثم لم يجسر على ذلك الجَسْرَ التام، وتحير وتردد.
ولما وصل خبر قتل إسماعيل بن عباد، وموت إدريس بن علي إلى نجا الخادم الصقلبي، وكان بسبتة، استخلف عليها من وثق به من الصقالبة، وركب البحر هو وحسن بن يحيى إلى مالقة، ليرتب الأمر له؛ فلما وصلا إلى مرسى مالقة، خارت قوى ابن بقنة وهرب إلى حصن كمارش، على ثمانية عشر ميلًا من مالقة.
ودخل حسن ونجا مالقة، واجتمع إليهما من بها من البربر، فبايعوا حسن بن يحيى بالخلافة، وتسمى بـ المستعلي، ثم خاطب ابن بقنة وأمنه، فلما رجع إليه قبض عليه وقتله، وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس.
стр. 62
ورجع نجا إلى سبتة وطنجة، وترك مع الحسن رجلًا كان من التجار يعرف بالسطيفي، كان نجا كثير الثقة به، فبقي الأمر كذلك نحوًا من عامين.
وكان الحسن بن يحيى متزوجًا بابنة عمه إدريس، فقيل: إنها سمته أسفًا على أخيها، فلما مات احتاط السطيفي على الأمر، واعتقل إدريس بن يحيى, وكتب إلى نجا بالخبر.
وكان للحسن ابن صغير عند نجا، فقيل: إنه اغتاله أيضًا فقتله، فالله أعلم.
ولم يعقب حسن بن يحيى، فاستخلف نجا على سبتة وطنجة من وثق به من الصقالبة عند وصول الخبر إليه، وركب البحر إلى مالقة، فلما وصل إليها زاد في الاحتياط على إدريس بن يحيى، وأكد اعتقاله، وعزم على محو أمر الحسنيين جملةً، وأن يضبط تلك البلاد لنفسه، فدعا البربر الذين كانوا جند البلد، وكشف الأمر إليهم علانية، ووعدهم بالإحسان، فلم يجدوا لمساعدته بدًّا، فوافقوه في الظاهر، وعظم ذلك في أنفسهم باطنًا. ثم جمع عسكره، ونهض إلى الجزيرة ليستأصل محمد بن القاسم، فحاربه أيامًا، ثم أحسن بفتور نيات الذين معه، فرأى أن يرجع إلى مالقة، فإذا حصل فيها نفى من يخاف غائلته١ منهم واستصلح سائرهم، واستدعى الصقالبة من حيثما أمكنه ليقوى بهم على غيرهم. وأحسن البربر بهذا منه، فاغتالوه في الطريق من قبل أن يصل إلى مالقة، فقُتل وهو على دابته في مضيق صار فيه، وقد تقدمه إليه الذي أراد الفتك به، وفر من كان معه من الصقالبة بأنفسهم. ثم تقدم فارسان من الذين غدروا به يركضان حتى وردا مالقة، فدخلا وهما يقولان: البشرى البشرى! فلما وصلا إلى السطيفي، وضعا سيفيهما عليه فقتلاه.
ثم وافى العسكر فاستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه، فقدموه وبايعوه بالخلافة، وتسمى بـ العالي. فظهرت منه أمور متناقضة، منها أنه كان أرحم الناس قلبًا، كثير الصدقات؛ يتصدق كل يوم بخمسمائة، ورد كل مطرود عن وطنه إليه، ورد عليهم ضياعهم وأملاكهم، ولم يسمع بَغْيًا في أحد من الرعية. وكان أديب اللقاء، حسن المجلس، يقول من الشعر الأبيات الحسان. ومع هذا فكان لا يصحب ولا يُؤْثر إلا كل ساقط رَذْل، ولا يحجب حُرَمَه عنهم. وكل من طلب منه حصنًا من حصون بلاده ممن يجاوره من صنهاجة أو بني يفرن أعطاه إياه. وكتب إليه أمير صنهاجة أن يسلم إليه وزيره ومدبر أمره وصاحب أبيه وجده: موسى بن عفان السبتي، فلما أخبره بأن الصنهاجي كتب إليه يطلبه منه وأنه لا بد من تسليمه إليه، قال له موسى بن عفان: افعل ما تؤمر،
стр. 63
ستجدني إن شاء الله من الصابرين١! فبعث به إلى الصنهاجي فقتله.
وكان قد اعتقل ابني عمه محمدًا وحسنًا ابني إدريس بن علي في حصن إيرُش، فلما رأى ثقته الذي في الحصن اضطراب آرائه، خالف عليه وقدم ابن عمه محمد بن إدريس. فلما بلغ ذلك السودان المرتبين في قصبة مالقة، نادوا بدعوة ابن عمه محمد بن إدريس، وراسلوه بالمجيء إليهم وامتنعوا بالقصبة.
واجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى، واستأذنوه في حرب القصبة والدفاع عنه؛ ولو أذن لهم ما ثبت السودان فُوَاقَ ناقة٢، فأبى، فقال لهم: الزموا منازلكم ودعوني؛ فتفرقوا عنه.
وجاء ابن عمه، فسُلم عليه، وبُويع بالخلافة، وتسمى بـ المهدي، وولى أخاه عهده، وسماه السامي، واعتقل ابن عمه إدريس بن يحيى في الحصن الذي كان هو معتقلاً فيه.
وظهرت من محمد بن إدريس هذا شهامة وجرأة شديدة هابه بها جميع البربر، وأشفقوا منه، وراسلوا المرتَّب في الحصن الذي فيه إدريس بن يحيى هذا واستمالوه، فأجابهم وقام بدعوة إدريس.
وقد كان إدريس أول ولايته بعد قتل نجا -كما تقدم- قد ولى سبتة وطنجة رجلين من بَرَغْوَاطَة، قبيلة من قبائل البربر، مع عبيد أبيه، اسم أحدهما رزق الله، والآخر سكات؛ فلما خلع إدريس كما تقدم، بقيا حافظين لمكانيهما.
فلما قام -كما ذكرنا- بدعوته صاحب حصن إيرُش، لم يظهر محمد مبالاة بذلك، بل ثبت ثباتًا شديدًا. وكانت والدته تشجعه وتقوي متنه وتشرف على الحرب بنفسها فتحسن إلى من أبلى. فلما رأى البربر شدة عزمه وثباته، فتَّ ذلك في أعضادهم٣ وتخلوا عن إدريس بن يحيى، ورأوا أن يبعثوا به إلى سبتة وطنجة، إلى البرغْواطييْنِ اللذين ذكرنا، وقد كان إدريس جعل ابنه عندهما في حضانتهما؛ فلما وصل إليهما أظهرا تعظيمه ومخاطبته بالخلافة، إلا أنهما حجباه شديدًا ولم يدعا أحدًا من الناس يصل إليه، فتلطف٤ قوم من أكابر البربر حتى وصلوا إليه، وقالوا له: إن
стр. 64
هذين العبدين قد غلبا عليك، وحالا بينك وبين أمرك، فأْذَنْ لنا نكفِيكهما، فأبى؛ ثم أخبرهما بذلك، فنفيا أولئك القوم، وأخرجا إدريس بن يحيى، وبعثا به إلى الأندلس، وتمسكا بولده لصغره؛ إلا أنهما في كل ذلك يخطبان لإدريس بالخلافة.
ثم إن محمد بن إدريس أنكر من أخيه الملقب بـ السامي أمرًا، فنفاه إلى العدوة، فصار في جبال غمارة، وهي بلاد تنقاد لهؤلاء الحسنيين، وأهلها يعظمونهم تعظيمًا مفرطًا.
ثم إن البرابرة خاطبوا محمد بن القاسم الكائن بالجزيرة الخضراء، واجتمعوا إليه ووعدوه بالنصر. فاستفزه الطمع وخرج إليهم، فبايعوه بالخلافة، وتسمى بـ المهدي؛ وصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة: أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين، في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا في مثلها.
فأقاموا معه أيامًا ثم افترقوا عنه إلى بلادهم، ورجع محمد خاسئًا إلى الجزيرة، ومات لأيام؛ فقيل: إنه مات غمًّا؛ وترك نحوًا من ثمانية ذكور.
فتولى أمر الجزيرة بعده ابنه القاسم بن محمد بن القاسم، إلا أنه لم يتسم بالخلافة.
وبقى محمد بن إدريس المهدي بمالقة إلى أن مات سنة ٤٤٥.
وكان إدريس بن يحيى المعروف بـ العالي عند بني يَفْرَن بتاكرونة؛ فلما توفي محمد بن إدريس بن يحيى المهدي ردت العامة إدريس العالي إلى مالقة واستولى عليها، وهو آخر من ملكها من الحسنيين. فلما مات، أجمع البربر رأيهم على نفي الحسنيين عن الأندلس إلى العدوة، والاستبداد بضبط ما كانوا يملكونه من البلاد، ففعلوا ذلك وتم لهم ما أرادوا منه.
كانت الجزيرة الخضراء وما والاها من القرى إلى تاكرونة، ومالقة وما والاها أيضًا إلى حصن منكب وغرناطة وأعمالها، في ملك البربر. وملكوا مع ذلك بعض أعمال إشبيلية، كحصن أشونة، وقرمونة، وشَلَّبَر. ولم يزالوا كذلك إلى أن أخرج من أيديهم ما كانوا يملكونه من أعمال إشبيلية المعتضد بالله أبو عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، ثم أتم ابنه أبو القاسم المعتمد على الله ما ابتدأه أبوه من ذلك.
وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، عليه عولت في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت، خلا مواضع تبينت غلطه فيها، أصلحتها جهد ما أقدر.
وعلى الله قصد السبيل، وهو المسئول في الهداية قولًا وعملاً.
стр. 65
فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها على الإجمال لا على التفصيل
وأما حال سائر الأندلس بعد اختلال دعوة بنى أمية، فإن أهلها تفرقوا فرقًا، وتغلب في كل جهة منها متغلب، وضبط كل متغلب منهم ما تغلب عليه، وتقسموا ألقاب الخلافة؛ فمنهم من تسمى بـ المعتضد، وبعضهم تسمى بـ المأمون، وآخر تسمى بـ المستعين، والمقتدر، والمعتصم، والمعتمد، والموفق، والمتوكل؛ إلى غير ذلك من الألقاب الخلافية؛ وفي ذلك يقول أبو علي الحسن بن رشيق١:
مما يزهدني في أرض أندلسٍ ... سماع مُقتدرٍ فيها ومعتضِدِ٢
ألقاب مملكة في غير موضعِهَا ... كالهر يحكي انتفاخًا صَوْلَةَ الأسدِ!
وأنا ذاكر -إن شاء الله في هذا الفصل- أسماءهم والجهات التي تغلبوا عليها، على نحو ما شرطت من الإجمال؛ إذ لكل منهم أخبار وسير ووقائع لو بسطت القول فيها خرج هذا التصنيف عن حد التلخيص إلى حيز الإسهاب. وأيضًا فالذي منعني عن استيفاء أخبارهم أو أخبار أكثرهم، قلة ما صحبني من الكتب، واختلال معظم محفوظاتي.
стр. 66
ملوك الطوائف
فأولهم في الربع الشرقي، رجل اسمه سليمان بن هود، تلقب بـ المؤتمن، وتلقب ابنه بـ المقتدر، وتلقب ابنه بـ المستعين٣.
стр. 67
كان بنو هود هؤلاء يملكون من مدن هذه الجهة الشرقية: طرطوشة وأعمالها، وسرقسطة وأعمالها، وأفراغة، ولاردة، وقلعة أيوب؛ هذه اليوم كلها بأيدي الإفرنج، يملكها صاحب بَرْشَنُونَة -لعنه الله- وهي البلاد التي تسمى أرْغُن، حد هذا الاسم آخر مملكة البرشنوني مما يلي بلاد إفرنسة.
ويجاور بنى هود هؤلاء رجل آخر اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، يكنى أبا مروان، قديم الرياسة، هو أحق ملوك الأندلس بالتقدم لشرف بيته، ولا أعلم له لقبًا، كان يملك بلنسية وأعمالها.
وكان يلى الثغر رجل آخر يقال له: أبو مروان بن رَزِين، كان يملك إلى أول أعمال طليطلة.
وكان الذي يملك طليطلة وأعمالها: الأمير أبو الحسن يحيى بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن مُطَرِّف بن موسى بن ذي النون١.
وأبو الحسن هذا أقدم ملوك الأندلس رياسة وأشرفهم بيتًا وأحقهم بالتقدم، تلقب بـ المأمون؛ كان أبوه إسماعيل هو الذي تغلب على طليطلة من قبلُ واستبد بملكها أول الفتنة.
ولم يزل أبو الحسن هذا يملك طليطلة وأعمالها كما ذكرنا، إلى أن أخرجه عنها الأدفنش٢ -لعنه الله- واستولى عليها النصارى في شهور سنة ٤٧٨، فهي قاعدة ملك النصارى إلى وقتنا هذا.
وكان يملك قرطبة وأعمالها إلى أول الثغر: جهور بن محمد بن جهور المتقدم ذكره ونسبه, إلى أن غلبه عليها صاحب طليطلة إسماعيل بن ذي النون والد أبي الحسن المذكور آنفًا.
وكان يملك إشبيلية وأعمالها: القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد
стр. 68
اللخمي، تغلب عليها بعد أن أخرج عنها القاسم بن حمود وابنيه محمدًا والحسن على ما سيأتي الإيماء إليه إن شاء الله .
وكان يملك مالقة والجزيرة وغرناطة وما إلى ذلك: البربر بنو بَرْزَال الصنهاجيون على ما قدمناه.
وتغلب على المرية وأعمالها زهير العامري الخادم، ثم ملكها بعده خيران العامري أيضًا الخادم، ثم تغلب عليها بعدهما أبو يحيى محمد بن مَعْن بن صُمَادح المتلقب بـ المعتصم؛ فلم يزل فيها إلى أن أخرجه عنها يوسف بن تاشُفين اللمتوني في شهور سنة ٤٨٤.
وكان يملك دانية وأعمالها: مجاهد العامري١، أصله رومي، مولى لأبي عامر محمد بن أبي عامر، ثم ملكها بعده ابنه علي بن مجاهد، وتقلب بـ الموفق، لا أعلم في المتغلبين على جهات الأندلس أصون منه نفسًا ولا أطهر عرضًا ولا أنقى ساحةً، كان لا يشرب الخمر ولا يقرب من يشربها، وكان مؤثرًا للعلوم الشرعية, مكرمًا لأهلها. توفي قبل فتنة المرابطين بيسير، لا أتحقق تاريخ وفاته٢.
وكان يملك الثغر الذي من الجهة المغربية من الأندلس وبعض المدن المجاورة للبحر الأعظم: ابن الأفطس المتلقب بـ المظفر، ذهب عني اسمه٣، ثم كان له ابن اسمه عمر، يكنى أبا محمد، تلقب بـ المتوكل على الله، كان يملك بطليوس وأعمالها، ويابرة، وشَنْتَرين، والأشبونة.
كان المظفر هذا أحرص الناس على جمع علوم الأدب خاصةً من النحو والشعر ونوادر الأخبار وعيون التاريخ، انتخب مما اجتمع له من ذلك كتابًا كبيرًا ترجمه باسمه، على نحو: الاختيارات للروحي، وعيون الأخبار لأبي محمد بن قُتَيبة٤؛
стр. 69
جاء هذا الكتاب في نحو من عشرة أجزاء ضخمة، وقفت على أكثره، ترجمته المُظفَّري.
وكان لابنه المتوكل قدم راسخة في صناعة النظم والنثر، مع شجاعة مفرطة وفروسية تامة، وكان لا يُغِبُّ الغزو ولا يشغله عنه شيء. واتصلت مملكته إلى أن قتله المرابطون أصحاب يوسف بن تاشفين، وقتلوا ولديه الفضل والعباس صبرًا؛ ضربوا أعناقهم في غرة سنة ٤٨٥.
وكانت أيام بني المظفر بمغرب الأندلس أعيادًا ومواسم، وكانوا ملجأ لأهل الآداب، خلدت فيهم، ولهم قصائد شادت مآثرهم وأبقت على غابر الدهر حميد ذكرهم؛ وفيهم يقول الوزير الكاتب الأبرع ذو الوزارتين أبو محمد عبد المجيد بن عبدون١، من أهل مدينة يَابُرة، قصيدته الغراء، لا بل عقيلته العذراء, التي أزرت على الشعر، وزادت على السحر، وفعلت في الألباب فعل الخمر، فجلت عن أن تُسامَى، وأنفت من أن تُضاهَى٢؛ فقل لها النظير، وكثر إليها المشير، وتساوى في تفضيلها وتقديمها باقل وجرير٣؛ فلله هي من عقيلة خدر قربت بسهولتها حتى أطمعت؛ وبعدت حتى عزت فامتنعت؛ أوردتها في هذا المصنف وإن كان فيها طول مخرج عن الحد الذي رسمته؛ مخل بالتلخيص الذي شرطته؛ لصحة مبانيها، ورشاقة ألفاظها, وجودة معانيها، سلك فيها أبو محمد ﵀ طريقة لم يُسبق إليها، وورد شِرْعة لم يُزاحَم عليها؛ فلذلك قل مثلها لا بل عُدم، وعز نظيرها فما تُوهم ولا عُلم، وهي: من البسيط
الدهر يَفجَع بعد العين بالأثرِ ... فما البكاء على الأشباح والصورِ؟
أنهاك أنهاك, لا آلوك موعظةً ... عن نومةٍ بين ناب الليث والظُّفُرِ
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمةً ... والبيض والسود مثل البيض والسمرِ
ولا هُوادةَ بين الرأس تأخذه ... يد الضِّراب وبين الصارم الذَّكَرِ٤
стр. 70
فلا تغرَّنْكَ من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السَّهَرِ
ما لليالي -أقال الله عَثْرَتنا- ... من الليالي وخانتْها يد الغِيَرِ١
في كل حين لها في كل جارحةٍ ... منا جراح وإن زاغت عن النظرِ
تسر بالشيء, لكن كي تَغُرَّ به ... كالأَيْم ثار إلى الجاني من الزَّهَرِ
كم دولةٍ وليت بالنصر خدمتها ... لم تبقِ منها -وسل ذكراك- من خبرِ
هَوَتْ بدارا وفَلَّتْ غَرْبَ قاتله ... وكان عَضْبًا على الأملاك ذا أُثرِ٢
واسترجعت من بنى ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبنى يونانَ من أَثرِ٣
وألحقت أختها طَسْمًا، وعاد على ... عاد وجُرْهُمَ منها ناقض المِرَرِ٤
وما أقالت ذوي الهيئات من يَمَنٍ ... ولا أجارت ذوي الغايات من مُضَرِ٥
ومزقت سبأً في كل قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكرِ٦
وأنفذت في كليب حكمها، ورمت ... مُهَلْهِلًا بين سمع الأرض والبصرِ٧
ولم ترد على الضِّلِّيل صحته ... ولا ثَنَتْ أسدًا عن ربها حُجُرِ٨
ودوخت آل ذبيان وإخوتهمْ ... عبسًا، وغصت بني بدر على النهَرِ٩
стр. 71
وألحقت بعديٍّ بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعَرِ١
وأهلكت أَبْرَويزًا بابنه ورمت ... بيزدَجُرْد إلى مرو فلم يَحُرِ٢
وبلغت يزدجرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخَزَرِ٣
ولم ترد مواضي رستمٍ وقنا ... ذي حاجب عنه سعدًا في ابنة الغِيَرِ٤
يوم القليب بنو بدر فنُوا وسعى ... قليب بدر بمن فيه إلى سَقَرِ٥
ومزقت جعفرًا بالبيض واختلست ... من غِيله حمزةَ الظلَّام للجُزُرِ٦
وأشرفت بخُبيب فوق فارعةٍ ... وألصقت طلحة الفياض بالعَفَرِ٧
وخضبت شيب عثمان دمًا وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمرِ٨
ولا رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوده إلا الضَّيْحَ في الغُمُرِ٩
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شَمِرِ١٠
стр. 72
وليتها إذ فدت عَمْرًا بخارجة ... فدت عليًّا بمن شاءت من البشرِ١
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسنٍ ... أتت بمعضلة الألباب والفِكَرِ٢
فبعضنا قائل ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حَصَرِ٣
وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يَبُؤْ بشِسْع له قد طاح أو ظُفُرِ٤
وعممت بالظُّبى فَوْدَي أبي أنسٍ ... ولم ترد الرَّدَى عنه قنا زُفَرِ٥
وأنزلت مصعبًا من رأس شاهقة ... كانت بها مهجة المختار في وَزَرِ٦
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا ... راعت عياذته بالبيت والحجرِ٧
وأعملت في لطيم الجن حيلتها ... واستوسقت لأبي الذِّبَّان ذي البَخَرِ٨
ولم تدع لأبي الذبان قاضِبَهُ ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصرِ٩
وأحرقت شِلْوَ زيد بعدما احترقت ... عليه وَجْدًا قلوب الآي والسورِ١٠
стр. 73
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبقِ الخلافة بين الكأس والوترِ١
حَبَابة حب رمان أتيح لها ... وأحمر قطرته نفحة القطرِ٢
ولم تعد قُضبُ السفَّاح نائية ... عن رأس مروان أو أشياعه الفُجُرِ٣
وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم بفخ لآل المصطفى هَدَرِ٤
وأشرقت جعفرًا والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بِرِيقِ الصارم الذكرِ٥
وأخفرت في الأمين العهد، وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبُد الغُدرِ٦
وما وفَتْ بعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مِرَرِ٧
وأوثقت في عُراها كل معتمدٍ ... وأشرقت بقَذَاها كل مقتدرِ
وروعت كل مأمون ومؤتمنٍ ... وأسلمت كل منصور ومنتصرِ
وأعثرت آل عباد لعًا لهمُ ... بذيل زَبَّاءَ لم تنفِرْ من الذُّعُرِ٨
بني المظفر والأيام -لا نُزلتْ- ... مراحل، والورى منها على سفرِ
سُحْقًا ليومكم يومًا ولا حملت ... بمثله ليلة في غابر العمرِ٩
стр. 74
من للأسِرَّة، أو من للأعِنَّةِ، أو ... من للأسنة يهديها إلى الثُّغرِ
من للظبى وعوالي الخط قد عُقدت ... أطراف ألسنها بالعي والحصرِ١
وطوقت بالمنايا السود بِيضَهُمْ ... فاعجب لذاك وما منها سوى الذكرِ
من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسماحة أو للنفع والضررِ
أو دفع كارثة أو ردع آزفةٍ ... أو قمع حادثةٍ تعيا على القدَرِ٢
وَيْبَ السماح وويب البأس لو سلما ... وحسرة الدين والدنيا على عُمَرِ٣
سقت ثَرَى الفضل والعباس هاميةٌ ... تُعزى إليهم سماحًا لا إلى المطرِ٤
ثلاثةٌ ما رأى السَّعدان مثلهمُ ... واخبر ولو عزَّزا في الحوت بالقمرِ
ثلاثةٌ ما ارتقى النَّسران حيث رَقُوا ... وكل ما طار من نَسْرٍ ولم يَطِرِ
ثلاثةٌ كذوات الدهر منذ نأوْا ... عني، مضى الدهر لم يرْبع ولم يحُرِ٥
ومر من كل شيء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبُكَرِ
أين الجلال الذي غضت مهابتُهُ ... قلوبنا وعيون الأنجم الزُّهُرِ٦
أين الإباء الذي أرسوْا قواعدَهُ ... على دعائمَ من عز ومن ظَفَرِ
أين الوفاء الذي أصفوْا شرائعه ... فلم يرد أحد منها على كدرِ٧
كانوا رواسي أرض الله، منذ مضوا ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقرِ٨
كانوا مصابيحها فمُذْ خبوْا عثرت ... هذي الخليقة يا لله في سَدَرِ٩
كانوا شجَا الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خُطا الحضرِ١٠
стр. 75
وَيْلُمِّهِ من طَلُوب الثأر مدركه ... منهم بأُسْد سَرَاة في الوغى صُبُرِ١
من لي ولا من بهم إن أظلمت نُوَبٌ ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سَحَرِ٢
من لي ولا من بهم إن عطلت سنن ... وأُخفيت ألسن الآثار والسيرِ٣
من لي ولا من بهم إن أطبقت محن ... ولم يكن وِرْدُها يدعو إلى صَدَرِ٤
على الفضائل إلا الصبر بعدهم ... سلام مرتقب للأجر منتظرِ
يرجو عسى وله في أختها أمل ... والدهر ذو عُقَبٍ شتى وذو غيرِ٥
قَرَّطتُ آذان من فيها بفاضخة ... على الحسان حصا الياقوت والدررِ٦
سيارة في أقاصي الأرض قاطعة ... شَقَاشِقًا هدرت في البدو والحضرِ٧
مطاعة الأمر في الألباب قاضية ... من المسامع ما لم يقض من وَطَرِ٨
وكان أبو محمد هذا يكتب للمتوكل على الله، ونمت حاله معه؛ وهو أحد كتاب المغرب، وممن جمع منهم فضيلتي الكتابة والشعر، على أنه مقل من النظم، لم يثبت به منه إلا يسير بالنسبة إلى غزارة آدابه ونباهة قدره. وسيمر من مختار رسائله في موضعه من هذا الكتاب ما يدل على ما وصفناه به.
حكى عن نفسه ﵀ أنه كان بين يدي مؤدبه، وسنه إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، فعن للمؤدب أن قال: من المجتث
الشِّعْرُ خُطَّةُ خَسْفِ
وجعل يردد هذا القول. قال الوزير أبو محمد ﵀: فكتبت في لوحي مجيزًا له:
لكل طَالبِ عُرْفِ٩