والإصلاح بين المعتمد على الله وبين رجل كان تغلب على مرسية يقال له: ابن رشيق -قد تقدم ذكره في أخبار ابن عمار- فأصلح بينهما يوسف أمير المسلمين، على أن يخرج له ابن رشيق عن مرسية، ويعوضه المعتمد عن ذلك مالًا جعله له، ويوليه في جهة إشبيلية ولاية؛ فأجابه ابن رشيق إلى ذلك؛ وتسلم المعتمد مرسية وأعمالها.
ولقي يوسف أمير المسلمين ملوك الأندلس الذين كان عليهم طريقه، كصاحب غرناطة، والمعتصم بن صُمادح١ صاحب المَريَّة، وابن عبد العزيز أبو بكر صاحب بَلَنْسية.
وقعة الزَّلَّاقة
ثم إن يوسف المذكور استعرض جنده على حصن الرقة؛ فرأى منهم ما يسره، فقال للمعتمد على الله: هلم ما جئنا له من الجهاد وقصد العدو؛ وجعل يظهر التأفف من الإقامة بجزيرة الأندلس، ويتشوق إلى مراكش، ويصغر قدر الأندلس، ويقول في أكثر أوقاته: كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيمًا قبل أن نراها، فلما رأيناها وقعت دون الوصف! , وهو في ذلك كله يُسر حَسْوًا في ارتغاء٢! فخرج المعتمد بين يديه قاصدًا مدينة طليطلة، واجتمع للمعتمد أيضًا جيش ضخم من أقطار الأندلس.
وانتدب الناس للجهاد من سائر الجهات، وأمد ملوك الجزيرة يوسف والمعتمد بما قدروا عليه من خيل ورجال وسلاح، فتكامل عدد المسلمين من المتطوعة والمرتزقة٣ زُهاء عشرين ألفًا، والتقوا هم والعدو بأول بلاد الروم.
وكان الأدفنش -لعنه الله- قد استنفر الصغير والكبير، ولم يدع في أقاصي مملكته من يقدر على النهوض إلا استنهضه، وجاء يجر الشوك والشجر؛ وإنما كان مقصوده الأعظم قطع تشوف البرابرة عن جزيرة الأندلس، والتهيب عليهم. فأما ملوك الأندلس فلم يكن منهم أحد إلا يؤدي إليه الإتاوة٤، وهم كانوا أحقر في عينه, وأقل من أن يحتفل لهم!.
стр. 107
ولما تراءى الجمعان من المسلمين والنصارى، رأى يوسف وأصحابه أمرًا عظيمًا هالهم من كثرة عددٍ، وجودة سلاح وخيل، وظهور قوة؛ فقال للمعتمد: ما كنت أظن هذا الخنزير -لعنه الله- يبلغ هذا الحد!.
وجمع يوسف أصحابه وندب لهم من يعظهم ويذكرهم؛ فظهر منهم من صدق النية والحرص على الجهاد واستسهال الشهادة ما سر به يوسف والمسلمون.
وكان ترائيهم يوم الخميس، وهو الثاني عشر من شهر رمضان؛ فاختلفت الرسل بينهم في تقرير يوم الزحف ليستعد الفريقان؛ فكان من قول الأدفنش -لعنه الله-: الجمعة لكم، والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا وأكثر خدم العسكر منهم، فلا غنى بنا عنهم، والأحد لنا؛ فإذا كان يوم الاثنين كان ما نريده من الزحف. وقصد -لعنه الله- مخادعة المسلمين واغتيالهم، فلم يتم له ما قصد ...
فلما كان يوم الجمعة تأهب المسلمون لصلاة الجمعة ولا أمارة عندهم للقتال، وبنى يوسف بن تاشفين الأمر على أن الملوك لا تغدر؛ فخرج هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة؛ فأما المعتمد فإنه أخذ بالحزم، فركب هو وأصحابه شاكِّي السلاح١، وقال لأمير المسلمين: صل في أصحابك؛ فهذا يوم ما تطيب نفسي فيه، وها أنا من ورائكم؛ وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين. فأخذ يوسف وأصحابه في الصلاة، فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصارى، وحمل الأدفنش -لعنه الله- في أصحابه؛ يظن أنه قد انتهز الفرصة؛ وإذا المعتمد وأصحابه من وراء الناس، فأغنى ذلك اليوم غَناء٢ لم يشهد لأحد من قبله؛ وأخذ المرابطون سلاحهم فاستووا على متون الخيل، واختلط الفريقان؛ فأظهر يوسف بن تاشفين وأصحابه من الصبر وحسن البلاء والثبات ما لم يكن يحسبه المعتمد؛ وهزم الله العدو، واتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل وجه، ونجا الأدفنش -لعنه الله- في تسعة من أصحابه؛ فكان هذا أحد الفتوح المشهورة بالأندلس، أعز الله فيه دينه وأعلى كلمته، وقطع طمع الأدفنش -لعنه الله- عن الجزيرة، بعد أن كان يقدر أنها في ملكه، وأن رءوسها خدم له؛ وذلك كله بحسن نية أمير المسلمين.
وتسمى هذه الوقعة عندهم وقعة الزلاقة. وكان لقاء المسلمين عدوهم -كما ذكرنا- في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان الكائن في سنة ٤٨٠. ورجع يوسف بن تاشفين وأصحابه عن ذلك المشهد منصورين, مفتوحًا لهم وبهم. فسُر بهم
стр. 108
أهل الأندلس، وأظهروا التيمن بأمير المسلمين والتبرك به، وكثر الدعاء له في المساجد وعلى المنابر، وانتشر له من الثناء بجزيرة الأندلس ما زاده طمعًا فيها, وذلك أن الأندلس كانت قبله بصدد التَّلاف، من استيلاء النصارى عليها وأخذهم الإتاوة من ملوكها قاطبة. فلما قهر الله العدو وهزمه على يد أمير المسلمين، أظهر الناس إعظامه، ونشأ له الود في الصدور.
ثم إنه أحب أن يجول في الأندلس على طريق التفرج والتنزه، وهو يريد غير ذلك؛ فجال فيها ونال من ذلك ما أحب، وفي خلال ذلك كله يظهر إعظام المعتمد وإجلاله، ويقول مصرحًا: إنما نحن في ضيافة هذا الرجل وتحت أمره، وواقفون عند ما يحده.
بين المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد
وكان ممن اختص بأمير المسلمين من ملوك الجزيرة وحظي عنده واشتد تقريب أمير المسلمين له: أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح المعتصم صاحب المرية. وكان المعتصم هذا قديم الحسد للمعتمد، كثير النفاسة١ عليه؛ لم يكن في ملوك الجزيرة من يناويه٢ غيره، وربما كانت بينهما في بعض الأوقات مراسلات قبيحة. وكان المعتصم يعيبه في مجالسه وينال منه, ويمنع المعتمد من فعل مثل ذلك مروءته ونزاهة نفسه وطهارة سريرته وشدة ملوكيته. وقد كان المعتمد قبل عبور أمير المسلمين بيسير، توجه إلى شرقي الأندلس يتطوف على مملكته ويطالع أحوال عماله ورعيته؛ فلما دانى أول بلاد المعتصم، خرج إليه في وجوه أصحابه، وتلقاه لقاء نبيلًا، وعزم عليه ليدخلن بلاده؛ فأبى المعتمد ذلك. ثم اتفقا بعد طول مُرَاوَدة٣ على أن يجتمعا في أول حدود بلاد المعتصم وآخر حدود بلاد المعتمد، فكان ذلك واصطلحا في الظاهر. واحتفل المعتصم في إكرامه, وأظهر من الآلات السلطانية والذخائر الملوكية المعدة لمجالس الأنس ما ظنه مُكْمِدًا٤ للمعتمد مثيرًا لغمه. وقد أعاذ الله المعتمد من ذلك، وصان خلقه الكريم عنه، وعصمه بفضله منه؛ ثم افترقا بعد أن أقام المعتمد
стр. 109
عنده في ضيافته ثلاثة أسابيع، ورجع المعتمد إلى بلاده. وبإثر ذلك عبر إلى مراكش؛ ولم يزل ما بينه وبين المعتصم معمورًا إلى أن عبر أمير المسلمين كما ذكرنا، فلقيه المعتصم بهدايا فاخرة وتحف جليلة، وتلطف في خدمته حتى قربه أمير المسلمين أشد تقريب؛ وكان يقول لأصحابه: هذان رجلا هذه الجزيرة؛ يعني: المعتصم والمعتمد. وكان أكبر أسباب تقريب أمير المسلمين إياه، ثناء المعتمد عليه عند أمير المسلمين، ووصفه إياه عنده بكل فضل؛ ولم يكن المعتصم بعيدًا من أكثر ما وصفه به.
ولما اشتد تمكن المعتصم من أمير المسلمين، بدا له أن يسعى في تغيير قلبه على المعتمد وإفساد ما بينهما -حسن له ذلك سوء رأيه ودنس سريرته وضعف بصره بعواقب الأمور، وليقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وليبلغ القدر ميقاته؛ وإذا أراد الله تمام أمر هيأ له أسبابًا- فشرع المعتصم فيما أراده من ذلك, ولم يدر أنه ساقط في البئر التي حفر، وقتيل بالسلاح الذي شهر، فكان من جملة ما ألقى إلى أمير المسلمين، أن جعل يقرر عنده عجب المعتمد بنفسه، وفَرْط كِبْره، وأنه لا يرى أحدًا كفؤًا له. وزعم أنه قال له في بعض الأيام -وقد قال له المعتصم: طالت إقامة هذا الرجل بالجزيرة، يعني: أمير المسلمين-: لو عوجْتُ له إصبعي ما أقام بها ليلة واحدة هو ولا أصحابه, وكأنك تخاف غائلته؛ وأي شيء هذا المسكين وأصحابه؟ إنما هم قوم كانوا في بلادهم في جهد من العيش، وغلاء من السعر، جئنا بهم إلى هذه البلاد نطعمهم حسبة وائتجارًا١، فإذا شبعوا أخرجناهم عنها إلى بلادهم! إلى أمثال هذا القول من تحقير أمرهم. وأعانه على ذلك قوم من وجوه الأندلس، إلى أن بلغوا ما أرادوه من تغير قلب يوسف أمير المسلمين على المعتمد.
وقد كان أمير المسلمين ضرب لنفسه ولأصحابه أجلًا وحد له ولهم مدة يقيمونها في الجزيرة لا يزيدون عليها. وإنما فعل ذلك تطييبًا لقلب المعتمد وتسكينًا لخاطره؛ فلما انقضت تلك المدة أو قاربت، عبر أمير المسلمين إلى العدوة وقد وغِر صدره وتغيرت نفسه: من الطويل
وما النفس إلا نطفة في قرارةٍ ... إذا لم تُكدَّر كان صفوًا غديرُها٢
هذا مع ما ذكرنا من طمعه في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها؛ وظهرت للمعتمد قبل عبوره أشياء عرف بها أنه غُيِّر عليه!.
стр. 110
نكبة بني عباد
ورجع أمير المسلمين إلى مراكش وفي نفسه من أمر الجزيرة المُقِيم المُقعِد؛ فبلغني أنه قال لبعض ثقاته من وجوه أصحابه: كنت أظن أني قد ملكت شيئًا، فلما رأيت تلك البلاد، صغرت في عيني مملكتي؛ فكيف الحيلة في تحصيلها؟ فاتفق رأيه ورأي أصحابه على أن يراسلوا المعتمد يستأذنونه في رجال من صلحاء أصحابهم رغبوا في الرباط بالأندلس ومجاهدة العدو والكون ببعض الحصون المصاقبة١ للروم إلى أن يموتوا؛ ففعلوا، وكتبوا إلى المعتمد بذلك، فأذن لهم، بعد أن وافقه على ذلك ابن الأفطس المتوكل صاحب الثغور, وإنما أراد يوسف وأصحابه بذلك أن يكون قوم من شيعتهم مبثوثين بالجزيرة في بلادها، فإذا كان أمر من قيام بدعوتهم أو إظهار لمملكتهم وجدوا في كل بلد لهم أعوانًا.
وقد كانت قلوب أهل الأندلس -كما ذكرنا- قد أُشْرِبت٢ حب يوسف وأصحابه، فجهز يوسف من خيار أصحابه رجالاً انتخبهم، وأمَّر عليهم رجلاً من قرابته يسمى بُلُجِّين، وأسر إليه ما أراده، فجاز بلجين المذكور، وقصد المعتمد من ملوك الجزيرة فقال له: أين تأمرني بالكون؟ فوجه معه المعتمد من أصحابه من ينزله ببعض الحصون التي اختارها لهم، فنزل حيث أنزلوه هو وأصحابه. وأقاموا هناك إلى أن ثارت الفتنة على المعتمد، وكان مبدؤها في شوال من سنة ٤٨٣ بأخذ جزيرة طريف المقابلة لطنجة من العدوة، دون مقدمة ظاهرة توجب ذلك، فتشعبت جموعه وأهواؤُها ملتئمة، وانتثرت بلاده وقلوب أهلها على محبته منتظمة.
ولما أخذ المرابطون جزيرة طريف ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين، انتشر ذلك في الأندلس، وزحف القوم الذين قدمنا ذكرهم، الكائنون في الحصون، إلى قرطبة؛ فحاصروها وفيها عباد بن المعتمد الملقب بـ المأمون، وقد تقدم ذكره، وهو من أكبر ولده؛ فدخلوا البلد، وقتل عباد هذا بعد أن أبلى عذرًا، وأظهر في الدفاع عن نفسه جَلَدًا وصبرًا؛ ذلك في مستهل صفر الكائن في سنة ٤٨٤؛ فزادت الإحنة٣ والمحنة، واستمرت في غُلَوائها٤ الفتنة.
وأجمعت على الثورة بحضرة إشبيلية طائفة، فأُعلم المعتمد بما اعتقدته الطائفة
стр. 111
المذكورة، وكشف له عن مرادها، وأثبت عنده سوء اعتقادها، وأغري بتمزيق أديمها١ وسفك دمها، وحض على هتك حريمها وكشف حرمها؛ فأبى له ذلك مجده الأثيل٢، ورأيه الأصيل، ومذهبه الجميل، وما حباه الله٣ به من حسن اليقين، وصحة العقل والدين؛ إلى أن أمكنتهم الغِرَّة٤ يوم الثلاثاء منتصف رجب من السنة المذكورة، فقاموا بجيش غير مستنصر، واسْتَنْسَرُوا بُغاثًا غير مُسْتَنْسَر٥؛ فبرز هو من قصره، سيفه بيده، وغلالته٦ تَرِفُّ٧ على جسده، لا دَرَقة٨ له ولا درع عليه؛ فلقي على باب من أبواب المدينة يسمى باب الفرج فارسًا من الداخلين مشهور النجدة شاكي السلاح، فرماه الفارس برمحٍ قصيرِ أنابيبِ القناة، طويلِ شفرة السنان؛ فالتوى الرمح بغلالته وخرج تحت إبطه، وعصمه الله منه، ودفعه بفضله عنه؛ وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه فخر صريًعا، وانهزمت تلك الجموع، ونزل المتسنِّمون٩ للأسوار عنها؛ وظن أهل إشبيلية أن الخناق قد تنفَّس.
فلما كان عصر ذلك اليوم، عاودهم القوم، فظُهر على البلد من واديه، ويُئس من سكنى ناديه، وبلغ فيه الأمل حاسده وشانيه١٠، وشبت النار في شوانيه، فانقطع عندها الأمل والقول، وذهبت القوة من أيدي أهلها والحَوْل. وكان الذي ظهر عليها من جهة البر، رجل من أصحاب يوسف أمير المسلمين يعرف بحُدَير بن واسْنُو؛ ومن الوادي رجل يعرف بالقائد أبي حمامة مولى بني سُجُّوت؛ والتوت الحال أيامًا يسيرة، إلى أن ورد الأمير سِيرُ بن أبي بكر بن تاشفين -وهو ابن أخي أمير المسلمين- بعساكر متظاهرة، وحشود من الرعية وافرة، والناس في خلال هذه الأيام قد خامرهم الجزع١١، وخالط قلوبهم
стр. 112
الهلع١، يقطعون السبل سياحة، ويعبرون النهر سباحة، ويتولجون٢ مجاري الأقذار، ويترامون من شرفات الأسوار، حرصًا على الحياة. والموفون بالعهد، المقيمون على صريح الود، ثابتون؛ إلى أن كان يوم الأحد لإحدى وعشرين ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة، وهذا يوم الكائنة العظمى، والطامة الكبرى٣، فيه حُمَّ٤ الأمر الواقع، واتسع الخَرْق٥ على الراقع، ودُخل البلد من واديه، وأصيب حاضره وباديه، بعد أن جد الفريقان في القتال، واجتهدت الفئتان في النزال، وظهر من دفاع المعتمد ﵀ وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا تناهيَ لخَلْقٍ إليه، وفي ذلك يقول المعتمد بعد ما نزل بالعدوة أسيرًا حسيرًا٦: من مجزوء الكامل
لما تماسكت الدموعْ ... وتَنَهْنَه القلب الصَّديعْ٧
قالوا: الخضوع سياسةٌ ... فليبدُ منك لهم خضوعْ
وألذ من طعم الخضو ... ع على فمي السم النَّقيعْ٨
إن تستلب عنى الدُّنَا ... ملكي وتسلمني الجموعْ٩
فالقلب بين ضلوعه ... لم تُسلم القلبَ الضلوعْ
لم أُستلب شرف الطبا ... ع أيُسلب الشرفُ الرفيعْ
قد رُمْتُ يوم نِزالهم ... ألا تُحصِّنني الدروعْ١٠
وبرزت ليس سوى القميـ ... ـص عن الحشا شيء دَفُوعْ
وبذلت نفسي كي تسيـ ... ـل إذا يسيل بها النَّجِيعْ١١
أجلي تأخر، لم يكن ... بهواي ذلي والخشوعْ
стр. 113
ما سرت قَطُّ إلى القتا ... ل وكان من أملي الرجوعْ
شِيَم الأُلى أنا منهمو ... والأصل تَتْبعه الفروعْ! ١
فشُنت الغارة في البلد، ولم يترك البربر لأحد من أهلها سَبدًا ولا لَبَدًا٢، وانتهبت قصور المعتمد نهبًا قبيحًا، وأخذ هو قبضًا باليد، وجُبر على مخاطبة ابنيه: المعتد بالله، والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس المشهورة، لو شاءا أن يمتنعا بهما لم يصل أحد إليهما، أحد الحصنين يسمى رُندَة، والآخر مارْتُلَة؛ فكتب إليهما ﵀، وكتبت السيدة الكبرى أمهما، مستعطفينِ مسترحمينِ، مُعلِمينِ أن دم الكل منهم مُسترهَن بثبوتهما. فأنفا من الذل، وأبيا وضع أيديهما في يد أحد من الناس بعد أبيهما. ثم عطفتهما عواطف الرحمة، ونظرا في حقوق أبويهما المقترنة بحق الله . فتمسك كل منهما بدينه، ونبذ دنياه، ونزلا عن الحصنين بعد عهود مبرمة، ومواثيق محكمة. فأما المعتد بالله فإن القائد الواصل إليه قبض عند نزوله على كل ما كان يملكه. وأما الراضي بالله فعند خروجه من قصره قُتل غِيلةً٣ وأخفي جسده.
ورُحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع أحواله، ولم يصحب من ذلك كله بُلْغة٤ زاد؛ فركب السفين، وحل بالعدوة محل الدفين؛ فكان نزوله من العدوة بطنجة؛ فأقام بها أيامًا، ولقيه بها الحصري الشاعر٥، فجرى معه على سوء عادته من قبح الكُدْية٦ وإفراط الإلحاف٧، فرفع إليه أشعارًا قديمة قد كان مدحه بها، وأضاف إلى ذلك قصيدة استجدها عند وصوله إليه. ولم يكن عند المعتمد في ذلك اليوم مما زود به فيما بلغني أكثر من ستة وثلاثين مثقالًا، فطبع عليها وكتب معها بقطعة شعر يعتذر من قلتها -سقطت من حفظي- ووجه بها إليه. فلم يجاوبه عن القطعة، على سهولة الشعر على خاطره وخفته عليه. كان هذا الرجل -أعني الحصري- الأعمى-
стр. 114
أسرع الناس في الشعر خاطرًا، إلا أنه كان قليل الجيد منه؛ فحركه المعتمد على الله على الجواب بقطعة أولها: من مجزوء الرمل
قُلْ لمن قد جمع العلم ... وما أحصى صوابَهْ
كان في الصرة شعر ... فتنظَّرْنا جوابَهْ
قد أثبناك فهلَّا ... جلب الشعر ثوابَهْ؟
ولما اتصل بزعانفة١ الشعراء وملحفي أهل الكدية ما صنع المعتمد ﵀ مع الحصري، تعرضوا له بكل طريق، وقصدوه من كل فج عميق٢، فقال في ذلك ﵀: من الكامل
شعراء طنجة كلهم والمغرب ... ذهبوا من الإغراب أبعد مذهبِ٣
سألوا العسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق فاعجبْ واعجبِ٤
لولا الحياء وعزة لَخْمِية ... طَيَّ الحَشَا ساواهمُ في المطلبِ
قد كان إن سُئل الندى يُجزل وإن ... نادى الصريخُ ببابه اركبْ يركبِ٥
وله في هذا المعنى ﵀: من الرمل
قُبح الدهر فماذا صنعا ... كلما أعطى نفيسًا نزعَا٦
قد هوى ظلمًا بمن عادتُهُ ... أن ينادي كل من يهوَى لعَا! ٧
مَنْ إذا الغيث هَمَى منهمرًا ... أخجلته كفه فانقطعَا٨
مَنْ غَمامُ الجَوْد من راحته ... عصفتْ ريح به فانتشعَا٩
مَنْ إذا قيل الخَنا صُمَّ وإن ... نطق العافون هَمْسًا سَمِعَا١٠
стр. 115
قل لمن يطمع في نائله ... قد أزال اليأس ذاك الطمعَا١
راح لا يملك إلا دعوة ... جبر الله العُفاةَ الضُّيَّعَا!
وأقام المعتمد بطنجة ﵀ أيامًا على الحال التي تقدم ذكرها، ثم انتقل إلى مدينة مِكْنَاسة٢، فأقام بها أشهرًا، إلى أن نفذ الأمر بتسييرهم إلى مدينة أغمات٣؛ فأقاموا بها إلى أن توفي المعتمد ﵀، ودفن بها فقبره معروف هناك. وكانت وفاته في شهور سنة ٨٧، وقيل: سنة ٨٨، فالله أعلم، وسنه يوم توفي إحدي وخمسون سنة.
فمن أحسن ما مر بي مما رُثي به المعتمد على الله مقطوعة من شعر ابن اللبانة٤ أولها: من البسيط
لكل شيء من الأشياء ميقاتُ ... وللمنى من مناياهن غاياتُ٥
والدهر في صِبْغة الحرباء منغمسٌ ... ألوان حالاته فيها استحالاتُ٦
ونحن من لُعَب الشَّطْرنج في يده ... وربما قُمرتْ بالبيدق الشاةُ٧
فانفُضْ يديك من الدنيا وساكنها ... فالأرض قد أقفرت, والناس قد ماتُوا
وقل لعالمها الأرضيِّ قد كتمتْ ... سريرة العالم العلوي أَغْماتُ
طوت مظلتها، لا بل مذلتها ... من لم تزل فوقه للعز راياتُ
من كان بين الندى والبأس، أنصُله ... هِنديَّة وعطاياه هُنيداتُ٨
стр. 116
أنكرت إلا التواء للقيود به ... وكيف تنكر في الروضات حياتُ
وقلت: هن ذؤاباتٌ فَلِمْ عُكست ... من رأسه نحو رجليه الذؤاباتُ١
رأوه ليثًا فخافوا منه عادية ... عذرتهم فلعُدْوَى الليث عاداتُ٢
وله قصيدة يرثيهم٣ بها، وهي كثيرة الجيد، أولها: من البسيط
تبكي السماء بدمع رائحٍ غادى ... على البهاليل من أبناء عبَّادِ٤
على الجبال التي هُدت قواعدها ... وكانت الأرض منهم ذات أوتادِ
والرابيات عليها اليانعات ذوتْ ... أنوارها فغدت في خفض أوْهادِ٥
عِرِّيسةٌ دخلتها النائبات على ... أساود لهم فيها وآسادِ٦
وكعبةٌ كانت الآمال تعمرها ... فاليوم لا عاكف فيها ولا بادِ٧
تلك الرماح رماح الخط ثقَّفَها ... خَطْب الزمان ثِقافًا غير معتادِ٨
والبِيض بِيض الظُّبا فَلَّت مضاربها ... أيدي الردى وثنتها دون إغمادِ٩
لما دنا الوقت لم تخلف له عِدَةٌ ... وكل شيء لميقات وميعادِ١٠
كم من دراريِّ سعد قد هوت ووهت ... هناك من درر للمجد أفرادِ١١
نُورٌ ونَوْرٌ فهذا بعد نعمته ... ذوى وذاك خبا من بعد إيقادِ١٢
يا ضيف أقفر بيت المَكْرُمات فخذ ... في ضم رَحْلك واجمع فضْلة الزادِ
стр. 117
ويا مُؤمِّل واديهم ليسكنَه ... خف القطين وجف الزرع بالوادِي١
ضلت سبيل الندى بابن السبيل فسرْ ... لغير قصد فما يهديك من هادِي
وفيها يقول:
نسيتُ إلا غداة النهر كونهمُ ... في المنشآت كأموات بألحادِ٢
والناس قد ملئوا العِبْرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق أزبادِ٣
حُطَّ القناع فلم تُستر مخدرة ... ومُزقت أوجه تمزيق أبرادِ٤
تفرقوا جيرة من بعد ما نشئوا ... أهلًا بأهل وأولادًا بأولادِ
حان الوداع فضجت كل صارخةٍ ... وصارخ من مُفدَّاة ومن فادِي
سارت سفائنهم والنوْح يتبعها ... كأنها إبل يحدو بها الحادِي٥
كم سال في الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قِطْعات أكبادِ
من لي بكم يا بني ماء السماء إذا ... ماء السماء أبى سُقْيًا حَشَا الصادِي٦
وهي طويلة جدًّا، وهذا ما اخترت له منها.
أبو بكر الداني*
وابن اللبانة هذا هو أبو بكر محمد بن عيسى٧، من أهل مدينة دانية، وهي على ساحل البحر الرومي، كان يملكها مجاهد العامري وابنه علي الموفق على ما تقدم.
ولابن اللبانة هذا أخ اسمه عبد العزيز، وكانا شاعرين، إلا أن عبد العزيز منهما لم يرض الشعر صناعة ولا اتخذه مكسبًا، وإنما كان من جملة التجار. وأما أبو بكر فرضيه بضاعة، وتخيره مكسبًا، وأكثر منه، وقصد به الملوك فأخذ جوائزهم، ونال
стр. 118
أسنى الرتب عندهم. وشعره نبيل المأخذ، وهو فيه حسن المَهْيَع١، جمع بين سهولة الألفاظ ورشاقتها، وجودة المعاني ولطافتها؛ كان منقطعًا إلى المعتمد، معدودًا في جملة شعرائه؛ لم يفد عليه إلا آخر مدته؛ فلهذا قل شعره الذي يمدحه به.
وكان ﵀ مع سهولة الشعر عليه وإكثاره منه، قليل المعرفة بعلله، لم يُجِدِ الخوض في علومه، وإنما كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة قريحته؛ يدل على ذلك قوله في قصيدة له, سيرد ما أختاره منها في موضعه: من الكامل
من كان ينفق من سواد كتابه ... فأنا الذي من نور قلبى أُنفقُ
ولما خلع المعتمد على الله، وأخرج من إشبيلية، لم يزل أبو بكر هذا يتقلب في البلاد، إلى أن لحق بجزيرة مُيُرْقَةَ٢، وبها مبشر العامري المتلقب بـ الناصر؛ فحظي عنده وعلت حاله معه، وله فيه قصائد أجاد فيها ما شاء؛ فمنها قصيدة ركب فيها طريقة لم أسمع بها لمتقدم ولا متأخر، وذلك أنه جعلها من أولها إلى آخرها، صدر البيت غزل وعجزه مدح، وهذا لم أسمع به لأحد؛ وأول القصيدة: من الكامل
وضحت وقد فضحت ضياء النِّير ... فكأنما التحفت ببشر مبشرِ٣
وتبسمت عن جوهر فحسبته ... ما قلدتْه محامدي من جوهرِ
وتكلمت فكأن طِيب حديثها ... مُتِّعتُ منه بطيب مسك أذْفَرِ٤
هزت بنغْمة لفظها نفسي كما ... هُزت بذكراه أعالي المنبرِ
أذنبت واستغفرتها فجرت على ... عاداته في المذنب المستغفرِ
جادت علي بوصلها فكأنه ... جدوى يديه على المُقل المُقْتِرِ٥
ولثَمْتُ فاها فاعتقدت بأنني ... من كفه سُوِّغْتُ لَثْم الخنصرِ٦
سمحت بتعنيقى فقلت: صنيعةٌ ... سمحت علاه بها فلم تتعذرِ
نَهْد كقسوة قلبه في معركٍ ... وحشًا كلين طباعه في محضَرِ
ومعاطفٌ تحت الذوائب خلتُها ... تحت الخوافق ما له من سَمْهَرِي٧
стр. 119
حسُنت أمامي في خمار مثل ما ... حسُن الكَمِيُّ أمامه في مِغْفَرِ١
وتوشحت فكأنه في جَوْشَن ... قد قام عنبره مقام العِثْيرِ٢
غمزت ببعض قسيه من حاجب ... ورنَت ببعض سهامه من مَحْجِرِ٣
أومت بمصقول اللحاظ فخلته ... يومي بمصقول الصفيحة مُشْهَرِ٤
وضعت حشاياها فويق أرائكٍ ... وضع السروج على الجياد الضُّمَّرِ٥
من رامة أو رومة، لا علم لي ... أأتت عن النعمان أم عن قيصرِ٦
بنت الملوك فقل لكسرى فارس ... تعزى وإلا قل لتبع حميرِ٧
عاديت فيها غُرَّ قومي فاغتدوا ... لا أرضهم أرضي ولا هم معشرِي٨
وكذلك الدنيا عهدنا أهلها ... يتعافرون على الثريد الأعفرِ٩
طافت علي بجمرة من خمرة ... فرأيت مِرِّيخا براحة مشترِي١٠
فكأن أنملها سيوف مبشر ... وقد اكتست عَلَق النَّجيع الأحمرِ١١
مَلِك أَزِرَّةُ بُرْدِهِ ضُمت على ... بأس الوصي, وعزْمة الإسكندرِ
стр. 120
هذا ما اخترت له منها.
ومن نسيبه المليح, الخفيف الروح قوله يتغزل ويمدح مبشرًا هذا: من الكامل
هلَّا ثناك علي قلب مُشْفِقٌ ... فترى فراشًا في فراش يُحرقُ
قد صرتُ كالرَّمَق الذي لا يُرتجى ... ورجعت كالنفَس الذى لا يلحقُ١
وغرِقتُ في دمعي عليك وغمني ... طرْفي, فهل سبب به أتعلقُ؟ ٢
هل خُدعة بتحية مخفية ... في جنب موعدك الذي لا يصدقُ
أنت المنية والمُنى، فيك استوى ... ظل الغمامة والهَجير المحرقُ٣
لك قَدُّ ذابلةِ الوشيج ولونها ... لكن سِنانك أكحل لا أزرقُ٤
ويقال: إنكَ أيكة حتى إذا ... غنيتَ قيل: هو الحمام الأوْرَقُ٥
يا من رشقْتُ إلى السُّلُو فردني ... سبقت جفونك كل سهم يرشقُ٦
لو في يدي سحر وعندي أخْذة ... لجعلت قلبك بعض حينٍ يعشَقُ
لتذوقَ ما قد ذقت من ألم الجَوَى ... وترِقَّ لي مما تراه وتُشفِقُ٧
جسدي من الأعداء فيك؛ لأنه ... لا يستبين لطرف طَيْف يَرْمُقُ٨
لم يدر طيفك موضعي من مضجعي ... فعذرتُه في أنه لا يطرُقُ٩
جفت عليك منابتي ومنابعي ... فالدمع يَنْشَغُ والصَّبابة تُورِقُ١٠
وكأن أعلام الأمير مبشرٍ ... نُشرتْ على قلبى فأصبح يخفقُ١١
وفيها يقول، يصف لعب الأسطول في يوم المهرجان:
بُشرى بيوم المهرجان فإنه ... يوم عليه من احتفائك رَوْنَقُ١٢
стр. 121
طارت بنات الماء فيه وريشها ... ريش الغراب وغير ذلك شَوْذَقُ١
وعلى الخليج كتيبة جرارة ... مثل الخليج كلاهما يتدفقُ٢
وبنو الحروب على الجواري التي ... تجري كما تجري الجياد السُّبَّقُ٣
ملأ الكُمَاة ظهورها وبطونها ... فأتت كما يأتي السحاب المغدِقُ٤
خاضت غدير الماء سابحة به ... فكأنما هي في سراب أيْنُقُ٥
عجبًا لها! ما خلت قبل عِيَانها ... أن يحمل الأسد الضوارِيَ زورقُ
هزت مجاديفًا إليك كأنها ... أهداب عين للرقيب تحدقُ٦
وكأنها أقلام كاتب دولةٍ ... في عُرْض قِرْطاس تخُطُّ وتمشُقُ٧
وله فيها إحسان كثير. وله من قصيدة يتغزل: من الطويل
فؤادي مُعَنًّى بالحسان مُعنَّت ... وكل موقى في التصابي موقتُ٨
ولي نفس يخفى ويخفُت رقةً ... ولكن جسمى منه أخفى وأخفتُ
وبي ميت الأعضاء حي دَلالُه ... غرامي به حي وصبري ميتُ
جعلت فؤادي جَفْن صارم جَفْنه ... فيا حر ما يَصلى به حين يُصْلَتُ٩
أذل له في هجره وهو ينتمي ... وأسكن بالشكوى له وهو يسكتُ
وما انبت حبل منه إذ كان في يدي ... لرَيحان رَيْعان الشبيبة منبِتُ١٠
ومن جيد ماله من قصيدة يمدح بها مبشرًا ناصر الدولة أولها: من الكامل
راق الربيع ورقَّ طبع هوائه ... فانظر نضارة أرضه وسمائِهِ ١١
стр. 122
واجعل قرين الورد فيه سُلافة ... يحكي مشعشعها مصعد مائِهِ١
لولا ذبول الورد قلت بأنه ... خد الحبيب عليه صِبْغ حيائِهِ
هيهاتَ أين الورد من خد الذي ... لا يستحيل عليك عهد وفائِهِ٢
الورد ليس صفاته كصفاته ... والطير ليس غناؤها كغنائِهِ
يتنفس الإصباح والريحان من ... حركات معطفه, وحسن رُوَائِِهِ٣
ويجول في الأرواح رَوْح ما سرت ... رَيَّاه من تلقائه بلقائهِ٤
صرف الهوى جسمي شبيه خياله ... من فرْط خفته وفرط خفائهِ
ومن أحسن ما على خاطري له بيتان يصف بهما خالًا، وهما: من البسيط
بدا على خده خال يزينه ... فزادني شغفًا فيه إلى شغفِ٥
كأن حبة قلبي عند رؤيته ... طارت فقال لها: في الخد منه قفي! ٦
ولابن اللبانة هذا إحسان كثير، منعني من استقصائه خوف الإطالة، وأيضًا فلأن هذا الكتاب ليس موضوعًا لهذا الباب؛ وإنما يأتي منه فيه ما تدعو إليه ضرورة سياق الحديث.
رجع الحديث إلى أخبار المعتمد
ثم رجع بنا القول إلى أخبار المعتمد على الله.
وبلغني أن رجلًا رأى في منامه قبل الكائنة العظمى على بني عباد بأشهر يسيرة وهو بمدينة قرطبة، كأن رجلاً أتى حتى صعد المنبر واستقبل الناس بوجهه ينشدهم رافعًا صوته: من الرمل
رب رَكْبٍ قد أناخوا عِيسَهم ... في ذُرا مجدهم حين بسقْ٧
سكت الدهر زمانًا عنهم ... ثم أبكاهم دمًا حين نَطَقْ!
فما كان إلا أشهر يسيرة حتى وقع بهم, وأبكاهم الدهر كما قال.
стр. 123
وبلغ من حال المعتمد على الله بأغمات، أن آثر حظياته وأكرم بناته أُلجئت إلى أن تستدعي غَزْلاً من الناس تسد بأجرته بعض حالها، وتصلح به ما ظهر من اختلالها. فأدخل عليها فيما أدخل غزل لبنت عَرِيف شرطة أبيها؛ كان بين يديه يَزَع الناس١ يوم بروزه، لم يكن يراه إلا ذلك اليوم. واتفق أن السيدة الكبرى أم بنيه اعتلت، وكان الوزير أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر٢ بمراكش؛ قد استدعاه أمير المسلمين لعلاجه؛ فكتب إليه المعتمد راغبًا في علاج السيدة ومطالعة أحوالها بنفسه. فكتب إليه الوزير مؤديًا حقه ومجيبًا له عن رسالته ومسعفًا له في طلبته٣. واتفق أن دعا له في أثناء الرسالة بطول البقاء؛ فقال المعتمد في ذلك: من الوافر
دعا لي بالبقاء وكيف يهوَى ... أسير أن يطول به البقاءُ
أليس الموت أروح من حياة ... يطول على الشقي بها الشَّقاءُ٤
فمن يك من هواه لقاء حب ... فإن هواي من حتْفي اللقاءُ٥
أأرغب أن أعيش أرى بناتي ... عواريَ قد أضر بها الحَفَاءُ٦
خوادم بنت من قد كان أعلى ... مراتبه إذا أبدو النداءُ
وطرد الناس بين يدي ممرِّي ... وكفهمو إذا غص الفناءُُ٧
وركض عن يمين أو شمال ... لنظم الجيش إن رفع اللواءُ٨
يُعنِّيه أمام أو وراء ... إذا اختل الأمام أو الوراءُ٩
ولكن الدعاء إذا دعاه ... ضمير خالص نفع الدعاءُ
جُزيتَ أبا العلاء جزاء بَرٍّ ... نوى برًّا وصاحبك العلاءُ١٠
стр. 124
سيُسلي النفْس عما فات علمى ... بأن الكل يدركه الفناءُ١
وورد عليه أغمات، أبو بكر بن اللبانة المتقدم الذكر، ملتزمًا عهد الوفاء، قاضيًا ما يجب عليه من شكر النُّعمى؛ فسر المعتمد بوروده، فلما أزمع٢ ابن اللبانة على السفر، استنفد المعتمد وُسْعَه ووجه إليه بعشرين مثقالًا وثوبين، وكتب إليه معها: من الوافر
إليك النَّزْر من كف الأسير ... فإن تقبل تكن عين الشكورِ٣
تقبَّلْ ما يذوب له حياء ... وإن عذرتْه حالاتُ الفقيرِ!
ولا تعجب لخطب غض منه ... أليس الخسف ملتزم البدورِ؟ ٤
ورجِّ لجبره عقبى نداه ... فكم جبرت يداه من كسيرِ٥
وكم أعلت علاه من حضيضٍ ... وكم حطت ظُباه من أميرِ٦
وكم من منبر حنت إليه ... أعالي مرتقاه، ومن سريرِ
زمان تزاحفت عن جانبيه ... جياد الخيل بالموت المُبيرِ٧
فقد نظرت إليه عيون نحس ... مضت منه بمعدوم النظيرِ
نحوس كن في عقبى سعود ... كذاك تدور أقدار القديرِ
وكم أحظى رضاه من حظي ... وكم شهرت علاه من شهيرِ٨
زمان تنافست في الحظ منه ... ملوك قد تجور على الدهورِ! ٩
بحيث يطير بالأبطال ذُعْر ... ويُلفَى ثَمَّ أرجح من ثبيرِ١٠
стр. 125
فامتنع ابن اللبانة من قبول ذلك عليه، وصرفه بجملته إليه؛ وكتب مجيبًا له عن شعره: من الوافر
سقطت من الوفاء على خبير ... فذرني والذي لك في ضميرِي
تركت هواك وهو شقيق ديني ... لئن شُقت برودي عن غدورِ١
ولا كنتُ الطليق من الرَّزايا ... لئن أصبحت أُجحف بالأسيرِ٢
أسير ولا أصير إلى اغتنامٍ ... معاذ الله من سوء المصيرِ
إذا ما الشكر كان وإن تناهى ... على نعمى فما فضل الشكورِ؟
جَذيمة أنت والأيام خانت ... وما أنا من يقصر عن قصيرِ٣
أنا أدرى بفضلك منك إني ... لبست الظل منه في الحَرُورِ٤
غني النفس أنت وإن ألحت ... على كفيك حالات الفقيرِ
تُصرِّف في الندى حيل المعالي ... فتسمُحُ من قليلٍ بالكثيرِ٥
أُحدث منك عن نبع غريبٍ ... تفتح عن جَنَى زهر نضيرِ٦
وأعجب منك أنك في ظلام ... وترفع للعفاة منار نورِ
رويدك سوف توسعني سرورًا ... إذا عاد ارتقاؤك للسريرِ٧
وسوف تحلني رتب المعالي ... غَداةَ تحل في تلك القصورِ
стр. 126
تزيد على ابن مروان عطاءً ... بها وأنيفُ ثَمَّ على جريرِ١
تأهبْ أن تعود إلى طلوع ... فليس الخسف ملتزم البدورِ
فراجعه المعتمد بهذه الأبيات: من الخفيف
رد بِرِّي بغيًا علي وبرًّا ... وجفا فاستحق لومًا وشُكْرَا
حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري ... فاستحق الجفاء إذ حاط نَزْرَا
فإذا ما طويت في البعض حمدًا ... عاد لومي في البعض سرًّا وجهرَا
يا أبا بكر الغريب وفاء ... لا عَدِمناك في المغارب ذُخرَا
أي نفع يجدي احتياط شفيقٍ ... متُّ ضرًّا فكيف أرهب ضُرَّا؟ ٢
فأجابه ابن اللبانة ﵀: من الخفيف
أيها الماجد السَّمَيْدَعُ عذرًا ... صَرْفي البر إنما كان برَّا٣
حاشَ لله أن أجيح كريمًا ... يتشكى فقرًا وكم سد فقرَا٤
لا أزيد الجفاء فيه شُقوقًا ... غدر الدهر بى لئن رمت غدرَا٥
ليت لي قوة, أوَآوي لركن ... فترى للوفاء مني سِرَّا؟! ٦
أنت علمتني السيادة حتى ... ناهضت همتي الكواكب قدرَا٧
ربحت صفْقة أزيل بُرودًا ... عن أديمي بها وألبس فخرَا٨
وكفاني كلامك الرطب نيْلًا ... كيف ألفي درًّا وأطلب تِبْرَا؟! ٩
لم تمت, إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قَطْرَا١٠
стр. 127
ومما قاله المعتمد من الشعر عند موته, وأمر أن يكتب على قبره: من البسيط
قبرَ الغريب سقاك الرائح الغادي ... حقًّا ظَفِرتَ بأشلاء ابن عبادِ١
بالحلم, بالعلم, بالنُّعمى إذا اتصلت ... بالخصب إن أجدبوا بالرِّيِّ للصادِي٢
بالطاعن, الضارب, الرامي إذا اقتتلوا ... بالموت أحمر بالضِّرغامة العادِي٣
بالدهر في نِقَم بالبحر في نعم ... بالبدر في ظلم بالصدر في النادِي٤
نعم هو الحق حاباني به قدر ... من السماء فوافاني لميعادِ٥
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه ... أن الجبال تهادَى فوق أعوادِ٦
كفاك فارفُقْ بما استودعت من كرم ... رجاك كل قَطُوب البرق رَعَّادِ٧
يبكي أخاه الذي غيبت وابلَه ... تحت الصفيح بدمع رائح غادِي٨
حتى يجودك دمع الطل منهمرًا ... من أعين الزهر لم تبخل بإسعادِ٩
ولا تزل صلوات الله دائمةً ... على دفينك لا تُحصى بتَعْدادِ
وكان للمعتمد على الله هذا ولد يلقب بـ فخر الدولة، رشحه للملك من بعده، وجعله ولي عهده، ولقبه بـ المؤيد بنصر الله؛ فعاقته الفتنة عن مراده، وحالت الأقدار بينه وبين إصداره وإيراده؛ فما برح بفخر الدولة هذا تغير الأيام بعد الفتنة، إلى أن أسلم نفسه في السوق، وتعلم من الصنائع صنعة الصُّوَّاغ، فمر به محمد بن اللبانة المتقدم الذكر شاعر أبيه، فقال في ذلك: من البسيط
أذكى القلوب أسًى، أبكى العيون دما ... خَطْب وجدناك فيه يشبه العدمَا١٠
أفراد عِقْد المنى منا قدِ انتثرت ... وعَقْد عروتنا الوثقى قد انفصمَا١١
стр. 128
شكاتنا فيك يا فخر الهدى عظُمت ... والرزء يعظم فيمن قدره عظمَا١
طُوِّقتَ من نائبات الدهر مِخْنقة ... ضاقت عليك، وكم طوقْتَنا نعمَا٢
وعاد كونك في دكان قارعة ... من بعد ما كنت في قصر حكى إِرَمَا٣
صرَّفت في آله الصواغ أُنْمُلة ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلمَا
يد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فمَا
يا صائغًا كانت العليا تصاغ له ... حليًا وكان عليه الحلي منتظمَا
للنفخ في الصًّور هول ما حكاه سوى ... هول رأيناك فيه تنفخ الفَحَمَا٤
وددت إذ نظرت عيني إليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمَى
ما حطك الدهر لما حط من شرف ... ولا تحيَّف من أخلاقك الكرمَا٥
لُحْ في العلا كوكبًا إن لم تلح قمرًا ... وقم بها ربوة إن لم تقم علَمَا
واصبر فربتما أحمدت عاقبة ... من يلزم الصبرَ يحمد غِبَّ ما لزمَا
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ... ولو وفى لك دمع المُزْن لانسجمَا٦
بكى حديثك حتى الدر حين غدَا ... يحكيك رَهْطًا وألفاظًا ومبتسمَا٧
وروضة الحسن من أزهارها عرِيت ... حزنًا عليك لأن أشبهْتَها شِيَمَا٨
بعد النعيم ذوى الريحان حين رأى ... ريحانك الغض يذوي بعد ما نعمَا٩
لم يرحم الدهر فضلًا أنت حامله ... من ليس يرحم ذاك الفضل لا رُحمَا
شقيقك الصبح إن أضحى بشارقة ... وأنت في ظلمة فالصبح قد ظلمَا
стр. 129
فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس
وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار المعتمد على الله، مع ما تعلق بها، وإن كانت مخرجة عن الغرض؛ لندل بها على ما قدمنا من ذكر فضله وغزارة أدبه وإيثاره لذلك؛ وأيضًا فليتصل نسق الأخبار عن المملكة، أعني: مملكة الأندلس إلى المرابطين أصحاب يوسف بن تاشفين, ولوجه ثالث: وهو أن ما آلت إليه حال المعتمد هذا من الخمول بعد النباهة١, والضَّعة٢ بعد الرفعة، والقبض بعد البسط، من جملة العبر٣ التي أرتْنَاها الأيام، والمواعظ التي تصغر الدنيا في عيون أولي الأفهام.
ثم إن يوسف بن تاشفين استوسق له أمر الأندلس بعد القبض على المعتمد؛ إذ كان هو كبش كتيبتها، وعين أعيانها، وواسطة نظمها؛ فلم يزل أصحاب يوسف بن تاشفين يطوون تلك الممالك مملكة مملكة، إلى أن دانت لهم الجزيرة بأجمعها؛ فأظهروا في أول إمرتهم من النكاية٤ في العدو، والدفاع عن المسلمين، وحماية الثغور، ما صدق بهم الظنون، وأثلج الصدور٥، وأقر العيون؛ فزاد حب أهل الأندلس لهم، واشتد خوف ملوك الروم منهم؛ ويوسف بن تاشفين في ذلك كله يمدهم في كل ساعة بالجيوش بعد الجيوش، والخيل إثر الخيل، ويقول في كل مجلس من مجالسه: إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم، لما رأينا استيلاءهم على أكثرها، وغفلة ملوكهم وإهمالهم للغزو وتواكلهم وتخاذلهم وإيثارهم الراحة؛ وإنما همة أحدهم كأس يشربها، وقَيْنة تُسمعه، ولهو
стр. 130
يقطع به أيامه. ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم في طول هذه الفتنة إلى المسلمين، ولأملأنها عليهم - يعني الروم- خيلاً ورجالاً لا عهد لهم بالدَّعة١، ولا علم عندهم برخاء العيش؛ إنما هم أحدهم فرس يروضه ويستَفْرِهه٢، أو سلاح يستجيده، أو صريخ٣ يلبي دعوته ... في أمثال لهذا القول. فيبلغ ذلك ملوك النصارى، فيزداد فَرَقُهم٤، ويقوى -مما بأيدي المسلمين، بل مما بأيديهم- يأسهم.
وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وأطاعته بأسرها ولم يختلف عليه شيء منها، عد من يومئذ في جملة الملوك، واستحق اسم السلطنة، وتسمَّى هو وأصحابه بـ المرابطين. وصار هو وابنه معدودين في أكابر الملوك؛ لأن جزيرة الأندلس هي حاضرة المغرب الأقصى، وأم قراه، ومعدن الفضائل منه. فعامة الفضلاء من أهل كل شأن منسوبون إليها، ومعدودون منها. فهي مطلع شمس العلوم وأقمارها، ومركز الفضائل وقطب مدارها؛ أعدل الأقاليم هواءًَ، وأصفاها جوًّا، وأعذبها ماءً، وأعطرها نبتًا، وأنداها ظلالًا، وأطيبها بُكرًا مستعذَبة وآصالاً: من البسيط
أرض يطير فؤادي من قرارته ... شوقًا لها ولمن فيها من الناسِ
قوم جنيت جَنَى وردٍ بذكرهمُ ... فهل بلُقياهم أجني جنى آسِ؟
فانقطع إلى أمير المسلمين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله، حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم.
أعيان الكُتَّاب في دولة المرابطين
واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار؛ فممن كتب لأمير المسلمين يوسف: كاتب المعتمد على الله أبو بكر المعروف بابن القَصِيرة٥، أحد رجال الفصاحة، والحائز قصب السبق في البلاغة؛ كان على طريقة قدماء الكتاب، من إيثار جَزْل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أحدثها متأخرو الكتاب، اللهم إلا ما جاء في رسائله من
стр. 131
ذلك عفوًا من غير استدعاء. رأيت له عن المعتمد رسائل تدل على ما وصفته به، ليس على خاطري منها شيء.
وزارة ابن عبدون*
ثم كتب له، أو لابنه، بعد أبي بكر هذا -الوزير الأجلّ أبو محمد عبد المجيد بن عبدون. قد تقدم من نعته ما أغنانا عن تكراره ههنا. وكان يكتب قبل من كتب له منهما، للأمير سِير بن أبي بكر بن تاشفين، وهو الذي دخل على المعتمد على الله إشبيلية، فلم يزل يكتب له إلى أن اتصل بأمير المسلمين، باستدعاء منه له.
فمن رسائله عنه إلى أمير المسلمين، رسالة يخبر بها بفتح مدينة شَنْتَرين١ أعادها الله؛ وكان سير هذا هو الذي تولى فتحها؛ فكتب عنه أبو محمد كتابًا:
أدام الله أمر أمير المسلمين، وناصر الدين، أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين، خافقة بنُصرة الدين أعلامه، نافذة في السبعة الأقاليم أقلامه، من داخل مدينة شنترين، وقد فتحها الله تعالى بحسن سيرتك، ويمن نَقِيبتك٢ على المسلمين.
والحمد لله رب العالمين، حمدًا يستغرق الألفاظ الشارحة معناه، ويسبق الألحاظ الطامحة أدناه، لا يرد وجهه نُكوص٣، ولا يحد كُنْهَه٤ تخصيص، ولا يحزِره٥ بقبض ولا ببسط مثال ولا تخمين، ولا تحصره بخبط ولا بعَقْد شِمال ولا يمين، ولا يسعه أَمَدٌ يحويه، ولا يقطعه أبدٌ يستوفيه، ولا يجمعه عددٌ يُحصيه، إذا سبقت هواديه٦، لحقت تواليه.
وعلى محمد عبده وأمين وحيه، الصادع بأمره ونهيه، نظام الأمة، وإمام الأئمة، سر آدم من بنيه، وفخر العالم ومن فيه -صلاة تامة نقضيها، وتحية عامة نؤديها، تَرْفَضُّ٧ ارفضاض الزهر من كمامه، وتنفضُّ٨ انفضاض المسك من ختامه؛
стр. 132
فلقد صدع بتوحيده، وجمع على وعده ووعيده، وأوضح الحق وجلاه، ونصح الخلق وهداه، إلا من حقت عليه كلمة العذاب، وسبقت له الشقوة في أم الكتاب.
وأظهر العزيز -عزت أسماؤه، وجلت كبرياؤه- دينه على جميع الأديان، على رَغْم من الصلبان، ووَقْم١ من الأوثان؛ وأنجز لنا تعالى وعده، ونصرنا معه ﷺ وبعده، وجمع في هذه الجزيرة شمل الإسلام بعد انصرامه وانبتاته٢، وقطع غِيل٣ الإشراك بعد انتصابه وثباته، وأنزل الذين كفروا من أهل الكتاب بأيدينا من صَيَاصيهم٤، نأخذ بأقدامهم ونواصيهم.
وكانت قلعة شنترين -أدام الله أمر أمير المسلمين- من أحصن المعاقل للمشركين، وأثبت المعاقل على المسلمين؛ فلم نزل بسعيك الذي اقتفيناه، وهديك الذي اكتفيناه، نَخْضد٥ شوكتها، وننحت أَثْلَتها٦، ونتناولها عَلَلًا بعد نَهَل٧، ونطاولها عجلًا في مهل؛ نخرُف٨ الحين بعد الحين سَرَاة رجالها، ونتطرف٩ المرة بعد المرة حماة أبطالها، ونخوض غمار كفاحهم، وبحار صِفاحهم١٠، إلى بسط أشباحهم، وقبض أرواحهم، ونُهدي للقَنا وصدورها رءوسهم، وإلى لظًى وسعيرها نفوسهم، وننقلهم من الشِّفار اليمانية، إلى النار الحامية، ونرفع بالجد والتشمير حجاب كيدهم الغامض، ونضعضع باستخارة القديم القدير هضاب أَيْدِهم الهائض١١. ولما رأينا هذه القلعة الشريفة المناسب في القلاع، المنيفة١٢ المناصب على البقاع، قد استشرى داؤها، وأعيا دواؤها، استخرنا الله تعالى على صَمْدها١٣، وضرَعنا إليه في تسهيل قصدها؛ وسألناه ألا يكلنا إلى نفوسنا، وإن كانت في صيانة
стр. 133
ديانته مبذولة، وعلى المكروه والمحبوب في ذاته محمولة؛ فقصدنا إليها، وهجمنا هجوم الردى عليها، في وقت انسدت فيه أبواب السبل، وأعيت أهلها بحول الله وجوه الحِيَل، والدهر قد كشر عن أنيابه العُصْل١، وقام من الوحول والسيول على أثبت رِجْل. فنزلنا بساحة القوم، فساء صباحهم ذلك اليوم؛ فلم نزل نصاولهم٢ مصاولة المحتسب المؤتجر، ونطاولهم مطاولة المرتقب لأمر الله المنتظر، ونشن الغارات على جميع الجهات، فترد جيوشنا عليهم خفافًا وتصدر إلينا ثقالًا، فتملأ صدور الأعداء أوجالًا٣، وأيدي الأولياء أموالًا. وأمرنا بإقامة سوق سبيهم وأموالهم، على مرأًى ومسمَعٍ من نسائهم ورجالهم؛ فازدادت ريحهم بذلك ركودًا، ونارهم خمودًا.
ولما ضمهم لضيق ولَاجه الحصار، وغشيهم بتفريق أمواجه البوار٤، وأحاط بهم البلاء، واستشاط عليهم بغضب الجبار القضاء، ولم يكن لليل بأسائهم سحر يُتأمل، ولا لوِرْد ضرائهم صدر يُؤمل، اختاروا الدنية على المنية، ورضُوا بالاستسلام للعبودية، وإسلام الأهل والذرية، والسلامة من مدارج الكفن، وموالج الجَنن، ولو بجُريعة الذَّقَن. وكان القتل -كما قدمنا- قد أتى على صِيد٥ أعيانهم، وصناديد٦ فرسانهم، فلم تبق إلا شرذمة٧ قليلة، وعُصبة ذليلة، لا تضر حياتهم مُوحِّدًا، ولا تسر نجاتهم مُلحدًا. نقلناهم من يمين المنون، إلى شمال الهُون٨، ومن أليم الحصار، إلى لئيم الإسار. وكانوا سألونا الإبقاء عليهم فأجبناهم، بعد أن قدموا من الخضوع صدقة بين يدي نجواهم، ووهبنا أولاهم لأخراهم، وجعلنا العفو عنهم تطريقًا لسواهم، ممن يتقيل صنيعهم إذا نحن غدًا بإذن الله حاصرناهم.
وهذه القلعة التي انتهينا إلى قرارها، واستولينا على أقطارها، أرحب المدن أمدًا للعيون، وأخصبها بلدًا في السنين، لا يريمها٩ الخِصب ولا يتخطاها، ولا
стр. 134
يرومها الجدب ولا يتعاطاها؛ فروعها فوق الثريا شامخة، وعروقها تحت الثرى راسخة، تباهي بأزهارها نجوم السماء، وتناجي بأسرارها أذن الجوزاء، مواقع القطار١ في سواها مغبرَّة مربدَّة٢، وهي زاهرة تَرِفُّ أنداؤها، ومطالع الأنوار في حشاها مقشعرة مسودة، وهي ناضرة تَشِفُّ أضواؤها. وكانت في الزمن الغابر، أعيت على عظيم القياصر، فنازلها بأكثر من القَطْر عددًا، وحاولها بأوفر من البحر مددًا، فأبت على طاعته كل الإباء، واستعصت على استطاعته أشد الاستعصاء، ومردت مُرود٣ مارد على الزَّبَّاء٤. فأمكننا الله تعالى من ذِرْوتها، وأنزل رُكابها لنا عن صهوتها.
ومن رسائله -الإخوانيات- رسالة كتب بها إلى أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال٥ يخطب مودته، ويستدعي من إخائه جدته:
أنا مع عمادي الأعظم -أدام الله علوه- كعزيب٦ طواه الجَهْد، وآواه من تِهامة وَهْد٧، وما له بريحها العقيم، ولا بحرها المقعد المقيم عهد. فرفضت به من سرابها المغرق وشرابها المحرق في حمَّام، فأشرف من ذلك الجحيم وضَرَمه، لولا تنفيس الرحيم عنه بكرمه, فوأل٨ إلى ربوة من رباها، وسأل جبال فاران عن مهب صَباها؛ ليلتقط من أنفاسها بوساطة نجد، بردًا يهديه إلى حر الوجد؛ فحيته ببليل من نسيمها العليل، فأحيته بعد التعليل.
وأنا ما قصدت فيما خطبت به إليك لآخذ عليك بفضل الابتداء، وإنما سلكت سبيل الاقتداء، واتبعت دليل الاهتداء؛ وأردت أن أستنير بأضوائك، وأستثير من سمائك، نجومًا تهديني في غسق الظلام، أو رُجومًا تعديني على مسترق سمع الكلام. فإن سمح عمادي بالجواب ورَجْعه، غالبت -بما حصل منه لدي ووصل إلي- الحمام
стр. 135
في سجعه١، والأنصار في حَسَّانها٢، والإعصار٣ في نيسانها، وطيئًا في وليدها وحبيبها٤، وسعدًا في خالدها وشبيبها. وخرقت -بما أعار من مِراح وأثار من ارتياح- جيب مُخارق٥ طربًا، ولم أدع لأبي العتاهية٦ في المغرب وخفيفه المطرب أرَبًا، وطويت كشحًا٧ عن أغاريد عبيد٨، وأضربت صفحًا عن أناشيد لبيد٩، وطالبت بلغاء العصر، بالمثل المضروب في جمل مصر، وقلت: هذه القارة فراموها وأنصفوا، وهذه الغاية فروموها أو نصفوا، وإن كانت تُؤَمُه البواهر منا أُنحلت في دَرْجي١٠، ونجومه الزواهر ما حلت في بُرجي. وإن كفي من جنى ثماره لصِفر١١، وإن طرفي من سنا أقمارها لقَفْر. وإني بضنه علي بدُرة من بحره، أو نَفْثة من سحره، لبين ظنين، لم أحصل من تحقيقهما على أثر ولا عين، أحدهما قلت: إنه أجرى اسمي على خَلَده، فلم يجدني في أنداده١٢ ولا بلده، فقال: وما أنا وفلان، وهل هو إلا من الغرب، وإن كان بزعمه في الصميم من العُرْب، وهل الغرب في الأقطار، إلا كاللَّحق١٣ بين الأسطار. والآخر ربما يقول، ما لا تقبله العقول: إني لأنظر من فلان
стр. 136
بأحد من نظر الزَّرْقاء١، إلى أجل من خطر العَنْقاء،؛ وينشد قول أبي العلاء بن سليمان٢، شاعر معرة النعمان:
أرى العنقاء تكبر أن تُصَادَا
وأنا أقسم بالربيع الممطر وائتلاف أوانه، والبقيع المزهر واختلاف ألوانه، والشباب ودولته، والمِضْراب وصولته، والمثاني إذا نُسقت٣، والقناني وما وَسَقَتْ٤، وإن أقسمت من بعضها بيمين، لا أتلقى رايتها بشمال ولا يمين -أن اسمي في البلغاء والفهماء، كاسم العنقاء في الأسماء: اسم ما وقع على مسمًّى، ولفظ ما دل على معنًى. فأين أقع مما تريد، وكتابى بين يدي حمدي أو عتابي بريد، ينفض تهائم ظنوني، أو ينقض تمائم جنوني. وله الرأي العالي في الجواب، على خطإ كنت من ظني أو صواب، إن شاء الله .
ومن سلامي، علي عمادي الأعظم وإمامي، أحفله وأحفده٥، وأجزله وأوفده؛ والسلام الأتم الأعم عليه ورحمة الله وبركاته.
فراجعه الوزير أبو عبد الله برسالة لم يكتب مثلها في بابها، أبدع فيها غاية الإبداع، وإن كان فيها بعض تكلف، تسمى هذه الرسالة: الحولية, منعني من إيرادها في هذا المرسوم ما فيها من الطول.
ولأبي محمد عبد المجيد المذكور إحسان قد اشتهر عندنا بتلك الأقطار شهرة الأمثال، وسار ذكره فيها سير الجنوب والشمال.
واتصلت حال أمير المسلمين يوسف -كما ذكرنا- في إيثار الغزو، وقمع٦ ملوك الروم، والحرص على ما يعود بالمصلحة على جزيرة الأندلس، إلى أن توفي في شهور سنة ٤٩٣.
стр. 137
ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين*
وقام بأمره من بعده ابنه علي بن يوسف بن تاشفين، وتلقب بلقب أبيه أمير المسلمين, وسمى أصحابه المرابطين, فجرى على سنن أبيه في إيثار الجهاد, وإخافة العدو، وحماية البلاد. وكان حسن السيرة، جيد الطوية١، نزيه النفس، بعيدًا عن الظلم؛ كان إلى أن يُعَد في الزهاد والمتبتلين٢ أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين. واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء؛ فكان إذا ولى أحدًا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرًا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء. فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغًا عظيمًا لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس.
ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم، طول مدته، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا. وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم، وفي ذلك يقول أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بابن البنِّي، من أهل مدينة جَيَّان من جزيرة الأندلس: من الكامل
أهلَ الرياء لبِستمو ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتمِ٣
فملكتمو الدنيا بمذهب مالكٍ ... وقسمتمو الأموال بابن القاسمِ٤
وركِبتمو شُهْب الدواب بأشهبٍ ... وبأصبغ صبغت لكم في العالمِ٥
وإنما عرَّض أبو جعفر هذا في هذه الأبيات بالقاضي أبي عبد الله محمد بن
стр. 138
حمدين قاضي قرطبة، وهو كان المقصود بهذه الأبيات؛ ثم هجاه بعد هذا صريحُا بأبيات أولها: من المتقارب
أدجالُ, هذا أوان الخروج ... ويا شمس لُوحي من المغربِ١
يريد ابن حَمْدين أن يعتفي ... وجدواه أنأى من الكوكبِ٢
إذا سُئل العُرْف حك استه ... ليُثبت دعواه في تغلبِ٣
في أمثال لهذه الأبيات. وكان القاضي أبو عبد الله بن حمدين ينتسب إلى تغلب ابنة وائل.
ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من عَلِم عِلْم الفروع، أعني: فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها. وكثر ذلك حتى نُسي النظر في كتاب الله, وحديث رسول الله ﷺ , فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء. ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام. وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلاف في العقائد، في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بُغْض علم الكلام وأهله، فكان يُكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه. ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي٤ ﵀ المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد -من سفك الدم واستئصال المال- إلى من وُجد عنده شيء منها؛ واشتد الأمر في ذلك.
стр. 139
أعيان الكتاب في عهد أبي الحسن
ولم يزل أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وصرف عنايته إلى ذلك؛ حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك، كأبي القاسم بن الجد١ المعروف بـ الأحدب، أحد رجال البلاغة، وأبي بكر محمد بن محمد المعروف بابن القَبْطُرْنَة، وأبي عبد الله بن أبي الخِصَال، وأخيه أبي مروان، وأبي محمد عبد المجيد بن عبدون المذكور آنفًا؛ في جماعة يكثر ذكرهم.
وكان من أنبههم عنده، وأكبرهم مكانة لديه: أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال، وحُق له ذلك؛ إذ هو آخر الكتاب، وأحد من انتهى إليه علم الآداب، وله مع ذلك في علم القرآن والحديث والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب، واليد الطولى.
فمما أختار له ﵀, فصول من رسالة كتب بها مراجعًا لبعض إخوانه، عن رسالة وردت عليه منه يستدعي فيها منه شيئًا من كلامه؛ وهذا الرجل صاحب الرسالة هو أبو الحسن علي بن بَسَّام٢ صاحب كتاب الذخيرة:
وصل من السيد المسترِق، والمالك المستحِق -وصل الله إنعامه لديه، كما قصَر الفضل عليه- كتابه البليغ، واستدراجه المُريع؛ فلولا أن يَصْلد٣ زَنْد اقتداحه، ويرقد طرف افتتاحه، وتنقبض يد انبساطه، وتَغْبَن٤ صفقة اغتباطه -للزمت معه مركز قدري، وصُلْتُ سريرة صدري؛ لكنه بنفثات سحره يسمع الصم، ويستنزل العُصْم٥، ويقتاد الصعب فيُصحب، ويستدر الصخور فتُحلب.
ولما فجأني ابتداؤُه، وقرع سمعي نداؤُه، فرغت إلى الفكر، وخفق القلب بين الأمن والحذر، فطاردت من الفِقَر أوابد قفر؛ وشوارد عَفْر٦، تُغبِّر في وجه سائقها،
стр. 140
ولا يتوجه اللحاق لوجيهها ولا حقها؛ فعلمت أنها الإهابة والمهابة١، والإصابة والاسترابة٢، حتى أيأستني الخواطر، وأخلفتني المواطر؛ إلا زِبْرجًا٣ يُعقب جوادًا، وبَهْرَجًا٤ لا يحتمل انتقادًا؛ وأنَّى لمثلي والقريحة مرجاة، والبضاعة مزجاة٥ -ببراعة الخطاب، وبزاعة٦ الكتَّاب. ولولا دروس٧ معالم البيان، واستيلاء العفاء٨ على هذا الشأن، لما فاز لمثلي فيه قِدْح، ولا تحصل لي في سوقه ربح؛ لكنه جو خالٍ، ومضمار جهال؛ وهي حكمة الله في الخلق، وقسمته للرزق. وأنا -أعزك الله- أربأ بقدر الذخيرة، عن هذه النُّتَف الأخيرة، وأرى أنها قد بلغت مداها، واستوفت حلاها؛ وأنا أخشى القَدْح في اختيارك، والإخلال بمختارك. وعلى ذلك فوالله ما من عادتي أني أثبت ما أكتب في رسم يُنقل، ولا في وضع المراتب عندنا مخاطب يُتحفز له ويُحتفل؛ وإنما هو عفو فكر، ويسير ذكر.
وعذرًا -أعزك الله- فإني خططت ما خططته والنوم مغازل، والقُرُّ٩ منازل، والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجَّاج١٠، فطورًا تسدده سِنانًا، وتارة تحركه لسانًا؛ وآونة تطويه حُبابة، وأخرى تنشره ذؤابة. وتُقيمه إبرة لهب، وتعطفه بُرَة ذهب١١، أو حُمَة١٢ عقرب. وتُقوِّسه حاجبَ فتاة، ذات غمزات، وتسلطه على سليطه، وتزيله عن خليطه؛ وتخلعه نجمًا، وتمده رجمًا، وتسل روحه من ذباله،
стр. 141
وتعيده إلى حاله. وربما نصبته أذن جَوَاد، ومسخته حَدَق جراد، ومشقته حروفًا بِرَقّ، بكف ودق. ولثمت بسناه قِنديله، وألقت على أعطافه مِنديله. فلا حظ منه للعين، ولا هداية في الطِّرس لليدين؛ والليل زَنجي الأديم١، تِبري النجوم؛ قد جللنا ساجُه٢، وأغرقتنا أمواجه؛ فلا مجال لِلَحْظٍ، ولا تعارف إلا بلفظٍ. لو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، أو خُضبت به الشَّيبة لما نصلت٣؛ والكلب قد صافح خيشومه ذنَبه، وأنكر البيت وطُنُبه٤، والتوى التواء الحُباب٥، واستدار استدارة الحَباب٦. وجَلده الجليد، وصعد أنفاسه الصَّعيد؛ فحِماه مباح، ولا هرِير٧ ولا نُباح. والنار كالرحيق، أو كالصديق. كلاهما عنقاء مُغرِب، أو نجم مغرب. استوى الفصل، ولك في الإغضاء الفضل؛ والسلام.
ولأبي عبد الله هذا ديوان رسائل يدور بأيدي أدباء أهل الأندلس، قد جعلوه مثالًا يحتذونه، ونصبوه إمامًا يقتفونه؛ منعني من إيراد ما أختار له من ذلك، خوف الخروج إلى التطويل الممل، والإكثار المخل.
فلم يزل أبو عبد الله هذا وأخوه كاتبينِ لأمير المسلمين، إلى أن أخر أمير المسلمين أبا مروان عن الكتابة، لمَوْجِدة كانت منه عليه؛ سببها أنه أمره وأخاه أبا عبد الله أن يكتب عنه إلى جند بلنسية، حين تخاذلوا وتواكلوا حتى هزمهم ابن رذمير -لعنه الله- هزيمة قبيحة، وقتل منهم مقتلة عظيمة؛ فكتب أبو عبد الله رسالته المشهورة في ذلك؛ وهي رسالة كاد أهل الأندلس قاطبة أن يحفظوها، أحسن فيها ما شاء، منعني من إيرادها ما فيها من الطول. وكتب أبو مروان رسالة في ذلك الغرض، أفحش فيها على المرابطين وأغلظ لهم في القول أكثر من الحاجة؛ فمن فصولها قوله: أَيْ بني اللئيمة، وأعيار الهزيمة، إِلامَ يزيفكم الناقد، ويردكم الفارس الواحد؟ فليت لكم بارتباط الخيول ضأنًا لها حالب قاعد. لقد آن أن نوسعكم عقابًا، وألا تلُوثوا٨
стр. 142
على وجه نقابًا١، وأن نعيدكم إلى صحرائكم، ونظهر الجزيرة من رُحَضَائكم ... ٢.
في أمثال لهذا القول؛ فأحنق ذلك أمير المسلمين وأخره عن كتابته، وقال لأبي عبد الله أخيه: كنا في شك من بغض أبي مروان للمرابطين، والآن قد صح عندنا. فلما رأى ذلك أبو عبد الله استعفاه فأعفاه، ورجع إلى قرطبة بعدما مات أخوه أبو مروان بمراكش. وأقام هو بقرطبة إلى أن استشهد في داره ﵀ أول الفتنة الكائنة على المرابطين.
стр. 143
اختلال أحوال المرابطين
واختلت حال أمير المسلمين ﵀ بعد الخمسمائة اختلالًا شديدًا، فظهرت في بلاده مَنَاكر٣ كثيرة؛ وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد، ودعواهم الاستبداد؛ وانتهوا في ذلك إلى التصريح؛ فصار كل منهم يصرح بأنه خير من عليًّ أمير المسلمين، وأحق بالأمر منه!.
واستولى النساء على الأحوال، وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ومسوفة مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور٤؛ وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغافله، ويقوى ضعفه؛ وقنع باسم إمرة المسلمين، وبما يرفع إليه من الخراج؛ وعكف على العبادة والتبتل؛ فكان يقوم الليل ويصوم النهار، مشتهرًا عن ذلك؛ وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال؛ فاختل لذلك عليه كثير من بلاد الأندلس، وكادت تعود إلى حالها الأول، لا سيما منذ قامت دعوة ابن تومرت بالسُّوس.
стр. 144
ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي* وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس
ولما كانت سنة ٥١٥ قام بسوس محمد بن عبد الله بن تومرت في صورة آمر بالمعروف, ناهٍ عن المنكر.
ومحمد هذا رجل من أهل سوس، مولده بها بضَيْعة منها تعرف بـ إيجلي أن وارْغَن، وهو من قبيلة تسمى هَرْغَة، من قوم يعرفون بـ إيسَرِغينَنْ، وهم الشرفاء بلسان المصامدة، ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وجدت بخطه١. وكان قد رحل إلى المشرق في شهور سنة ٥٠١ ٢ في طلب العلم، وانتهى إلى بغداد، ولقي أبا بكر الشاشي٣، فأخذ عليه شيئًا من أصول الفقه وأصول الدين، وسمع الحديث على المبارك بن عبد الجبار٤ ونظرائه من المحدثين. وقيل: إنه لقي أبا حامد الغزالي بالشام أيام تزهده، فالله أعلم.
وحكي أنه ذكر للغزالي ما فعل أمير المسلمين بكتبه التي وصلت إلى المغرب، من إحراقها وإفسادها، وابن تومرت حاضر ذلك المجلس، فقال الغزالي حين بلغه ذلك: ليذهبن عن قليل ملكه، وليُقتلن ولده، وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرًا مجلسنا! وكان ابن تومرت يحدث نفسه بالقيام عليهم؛ فقوي طمعه.
стр. 145
وكر راجعًا إلى الإسكندرية، فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي الفقيه١. وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أفضت إلى أن نفاه متولي الإسكندرية عن البلاد؛ فركب البحر؛ فبلغني أنه استمر على عادته في السفينة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن ألقاه أهل السفينة في البحر. فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء. فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر، وعظم في صدورهم، ولم يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية, فأظهر بها تدريس العلم والوعظ، واجتمع عليه الناس، ومالت إليه القلوب، فأمره صاحب بجاية بالخروج عنها حين خاف عاديته، فخرج منها متوجهًا إلى المغرب. فنزل بضيعة يقال لها ملالة، على فرسخ من بجاية؛ وبها لقيه عبد المؤمن بن علي، وهو إذ ذاك متوجه إلى المشرق في طلب العلم؛ فلما رآه محمد بن تومرت، عرفه بالعلامات التي كانت عنده. وكان ابن تومرت هذا أوحد عصره في علم خطِّ الرَّمْل، مع أنه وقع بالمشرق على ملاحم من عمل المنجمين وجُفور٢ من بعض خزائن خلفاء بني العباس؛ أوصله إلى ذلك كله فرط اعتنائه بهذا الشأن, وما كان يحدث به نفسه.
وبلغني من طرق صحاح أنه لما نزل ملالة -الضيعة التي تقدم ذكرها- سُمع وهو يقول: ملالة! ملالة! يكررها على لسانه يتأمل أحرفها؛ وذلك لما كان يراه أن أمره يقوم من موضع في اسمه ميم ولامان؛ فكان -كما ذكرنا- إذا كررها يقول: ليست هي!.
وأقام بهذه الضيعة أشهرًا، وبها مسجد يعرف به، وهو باقٍ إلى اليوم، لا أدري أبني على عهده أو بعده.
... فاستدعى عبد المؤمن وخلا به، وسأله عن اسمه واسم أبيه ونسبه، فتسمى له وانتسب. وسأله عن مقصده فأخبره أنه راحل في طلب العلم إلى المشرق. فقال له ابن تومرت: أوَخَير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: شرف الدنيا والآخرة؛ تصحبني وتعينني على ما أنا بصدده، من إماتة المنكر وإحياء العلم وإخماد البدع. فأجابه عبد المؤمن إلى ما أراده.