← История

История · id 8559

المعجب في تلخيص أخبار المغرب

عبد الواحد المراكشي

Полный текст (311 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وألحقت بعديٍّ بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعَرِ١ وأهلكت أَبْرَويزًا بابنه ورمت ... بيزدَجُرْد إلى مرو فلم يَحُرِ٢ وبلغت يزدجرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخَزَرِ٣ ولم ترد مواضي رستمٍ وقنا ... ذي حاجب عنه سعدًا في ابنة الغِيَرِ٤ يوم القليب بنو بدر فنُوا وسعى ... قليب بدر بمن فيه إلى سَقَرِ٥ ومزقت جعفرًا بالبيض واختلست ... من غِيله حمزةَ الظلَّام للجُزُرِ٦ وأشرفت بخُبيب فوق فارعةٍ ... وألصقت طلحة الفياض بالعَفَرِ٧ وخضبت شيب عثمان دمًا وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمرِ٨ ولا رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوده إلا الضَّيْحَ في الغُمُرِ٩ وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شَمِرِ١٠

стр. 72

وليتها إذ فدت عَمْرًا بخارجة ... فدت عليًّا بمن شاءت من البشرِ١ وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسنٍ ... أتت بمعضلة الألباب والفِكَرِ٢ فبعضنا قائل ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حَصَرِ٣ وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يَبُؤْ بشِسْع له قد طاح أو ظُفُرِ٤ وعممت بالظُّبى فَوْدَي أبي أنسٍ ... ولم ترد الرَّدَى عنه قنا زُفَرِ٥ وأنزلت مصعبًا من رأس شاهقة ... كانت بها مهجة المختار في وَزَرِ٦ ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا ... راعت عياذته بالبيت والحجرِ٧ وأعملت في لطيم الجن حيلتها ... واستوسقت لأبي الذِّبَّان ذي البَخَرِ٨ ولم تدع لأبي الذبان قاضِبَهُ ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصرِ٩ وأحرقت شِلْوَ زيد بعدما احترقت ... عليه وَجْدًا قلوب الآي والسورِ١٠

стр. 73

وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبقِ الخلافة بين الكأس والوترِ١ حَبَابة حب رمان أتيح لها ... وأحمر قطرته نفحة القطرِ٢ ولم تعد قُضبُ السفَّاح نائية ... عن رأس مروان أو أشياعه الفُجُرِ٣ وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم بفخ لآل المصطفى هَدَرِ٤ وأشرقت جعفرًا والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بِرِيقِ الصارم الذكرِ٥ وأخفرت في الأمين العهد، وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبُد الغُدرِ٦ وما وفَتْ بعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مِرَرِ٧ وأوثقت في عُراها كل معتمدٍ ... وأشرقت بقَذَاها كل مقتدرِ وروعت كل مأمون ومؤتمنٍ ... وأسلمت كل منصور ومنتصرِ وأعثرت آل عباد لعًا لهمُ ... بذيل زَبَّاءَ لم تنفِرْ من الذُّعُرِ٨ بني المظفر والأيام -لا نُزلتْ- ... مراحل، والورى منها على سفرِ سُحْقًا ليومكم يومًا ولا حملت ... بمثله ليلة في غابر العمرِ٩

стр. 74

من للأسِرَّة، أو من للأعِنَّةِ، أو ... من للأسنة يهديها إلى الثُّغرِ من للظبى وعوالي الخط قد عُقدت ... أطراف ألسنها بالعي والحصرِ١ وطوقت بالمنايا السود بِيضَهُمْ ... فاعجب لذاك وما منها سوى الذكرِ من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسماحة أو للنفع والضررِ أو دفع كارثة أو ردع آزفةٍ ... أو قمع حادثةٍ تعيا على القدَرِ٢ وَيْبَ السماح وويب البأس لو سلما ... وحسرة الدين والدنيا على عُمَرِ٣ سقت ثَرَى الفضل والعباس هاميةٌ ... تُعزى إليهم سماحًا لا إلى المطرِ٤ ثلاثةٌ ما رأى السَّعدان مثلهمُ ... واخبر ولو عزَّزا في الحوت بالقمرِ ثلاثةٌ ما ارتقى النَّسران حيث رَقُوا ... وكل ما طار من نَسْرٍ ولم يَطِرِ ثلاثةٌ كذوات الدهر منذ نأوْا ... عني، مضى الدهر لم يرْبع ولم يحُرِ٥ ومر من كل شيء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبُكَرِ أين الجلال الذي غضت مهابتُهُ ... قلوبنا وعيون الأنجم الزُّهُرِ٦ أين الإباء الذي أرسوْا قواعدَهُ ... على دعائمَ من عز ومن ظَفَرِ أين الوفاء الذي أصفوْا شرائعه ... فلم يرد أحد منها على كدرِ٧ كانوا رواسي أرض الله، منذ مضوا ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقرِ٨ كانوا مصابيحها فمُذْ خبوْا عثرت ... هذي الخليقة يا لله في سَدَرِ٩ كانوا شجَا الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خُطا الحضرِ١٠

стр. 75

وَيْلُمِّهِ من طَلُوب الثأر مدركه ... منهم بأُسْد سَرَاة في الوغى صُبُرِ١ من لي ولا من بهم إن أظلمت نُوَبٌ ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سَحَرِ٢ من لي ولا من بهم إن عطلت سنن ... وأُخفيت ألسن الآثار والسيرِ٣ من لي ولا من بهم إن أطبقت محن ... ولم يكن وِرْدُها يدعو إلى صَدَرِ٤ على الفضائل إلا الصبر بعدهم ... سلام مرتقب للأجر منتظرِ يرجو عسى وله في أختها أمل ... والدهر ذو عُقَبٍ شتى وذو غيرِ٥ قَرَّطتُ آذان من فيها بفاضخة ... على الحسان حصا الياقوت والدررِ٦ سيارة في أقاصي الأرض قاطعة ... شَقَاشِقًا هدرت في البدو والحضرِ٧ مطاعة الأمر في الألباب قاضية ... من المسامع ما لم يقض من وَطَرِ٨ وكان أبو محمد هذا يكتب للمتوكل على الله، ونمت حاله معه؛ وهو أحد كتاب المغرب، وممن جمع منهم فضيلتي الكتابة والشعر، على أنه مقل من النظم، لم يثبت به منه إلا يسير بالنسبة إلى غزارة آدابه ونباهة قدره. وسيمر من مختار رسائله في موضعه من هذا الكتاب ما يدل على ما وصفناه به. حكى عن نفسه ﵀ أنه كان بين يدي مؤدبه، وسنه إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، فعن للمؤدب أن قال: من المجتث الشِّعْرُ خُطَّةُ خَسْفِ وجعل يردد هذا القول. قال الوزير أبو محمد ﵀: فكتبت في لوحي مجيزًا له: لكل طَالبِ عُرْفِ٩

стр. 76

ثم خطر لي بيت ثانٍ، وهو: للشيخ عَيْبَة عيبٍ ... وللفتى ظَرْفُ ظَرْفِ١ قال: فنظر إليَّ المؤدب وقال: يا عبد المجيد، ما الذي تكتب؟ فأريته اللوح؛ فلما رآه لطمني وعرك أذني وقال: لا تشتغل بهذا! وكتب البيتين عنده. ومن غزارة حفظه ﵀ ما حدث الوزير الأجل أبو بكر محمد ابن الوزير أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زُهْر بن عبد الملك بن زهر٢ -وكان أبو بكر هذا قد مات عن سن عالية، نيف على الثمانين- قال: بينا أنا قاعد في دهليز دارنا وعندي رجل ناسخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني٣ فجاء الناسخ بالكراريس التي كتبها؛ فقلت له: أين الأصل الذي كتبت منه لأقابل معك به قال: ما أتيت به معي؛ فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل الدهليز علينا رجل بَذُّ الهيئة، عليه ثياب غليظة أكثرها صوف، وعلى رأسه عمامة قد لاثها٤ من غير إتقان لها؛ فحسبته لما رأيته من بعض أهل البادية، فسلم وقعد وقال لي: يا بني، استأذن لي على الوزير أبي مروان؛ فقلت له: هو نائم؛ هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف؛ حملني على ذلك نزوة الصِّبا وما رأيت من خشونة هيئة الرجل. ثم سكت عني ساعة، وقال: ما هذا الكتاب الذي بأيديكما؟ فقلت له: ما سؤالك عنه؟ فقال: أحب أن أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب! فقلت: هو كتاب الأغاني؛ فقال: إلى أين بلغ الكاتب منه؟ قلت: بلغ موضع كذا، وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه، فقال: وما لكاتبك لا يكتب؟ قلت: طلبت منه الأصل الذي يكتب منه لأعارض به هذه الأوراق، فقال: لم أجئ به معي؛ فقال: يا بني، خذ كراريسك وعارض؛ قلت: بماذا؟ وأين الأصل؟ قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي؛ قال: فتبسمت من قوله، فلما رأى تبسمي قال: يا بني, أمسك علي؛ قال: فأمسكت عليه وجعل يقرأ، فوالله إن أخطأ واوًا ولا فاء؛ قرأ هكذا نحوًا من كراستين، ثم أخذت له في وسط السِّفْر وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء. فاشتد عجبي، وقمت مسرعًا حتى دخلت على أبي, فأخبرته بالخبر ووصفت له

стр. 77

الرجل؛ فقام كما هو من فوره، وكان ملتفًّا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفُق على نفسه، وأنا بين يديه، وهو يوسعني لومًا، حتى ترامى على الرجل وعانقه، وجعل يقبل رأسه ويديه ويقول: يا مولاي اعذرني، فوالله ما أعملني هذا الجِلْفُ١ إلا الساعة؛ وجعل يسبني، والرجل يُخفِّض عليه ويقول: ما عرفني؛ وأبي يقول: هَبْهُ ما عرفك، فما عذره في حسن الأدب. ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلًا؛ ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافيًا حتى بلغ الباب، وأمر بدابته التي يركبها فأسرجت، وحلف عليه ليركبنَّها ثم لا ترجع إليه أبدًا. فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي عظمته هذا التعظيم؟ قال لي: اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب، هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، أيسر محفوظاته كتاب الأغاني؛ وما حفظه في ذكاء خاطره وجودة قريحته. سمعت هذه الحكاية من أبي بكر بن زهر ﵀ حين دخلت عليه وقد وفد على مراكش لتجديد بيعة أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف في شهور سنة ٥٩٥. وأنشدني الوزير أبو بكر المذكور في هذا التاريخ لنفسه -بعد أن سألني عن اسمي وعن نسبي فتسميت وانتسبت، وتسمى لي هو ﵀, وانتسب من غير استدعاء، تواضعًا منه وشرف نفس وتهذيب خلق، قدس الله روحه وسامحه: من البسيط لاح المشيب على رأسي فقلت له: ... الشيب والعيب, لا والله ما اجتمعَا يا ساقيَ الكأسِ لا تعدل إليَّ بها ... فقد هجرت الحُمَيَّا والحميم معَا! ٢ وأنشدني ﵀ وقال: احفظ عني: من البسيط إني نظرت إلى المرآة إذ جُليتْ ... فأنكرت مقلتاي كل ما رأتَا رأيتُ فيها شُيَيْخًا لست أعرفه ... وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتَى هذا ما أنشدني لنفسه بلفظه ﵀. وله شعر كثير أجاد في أكثره. وأما الموشحات خاصة فهو الإمام المقدم فيها, وطريقته هي الغاية القصوى التي يجري كل من بعده إليها؛ هو آخر المجيدين في صناعتها، ولولا أن العادة لم تجر بإيراد

стр. 78

الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لأوردتُ له بعض ما بقي على خاطري من ذلك. رجع القول إلى ملوك الطوائف ثم رجع بنا القول إلى ذكر أحوال الأندلس؛ فهؤلاء الرؤساء الذين ذكرنا أسماءهم هم الذين ملكوا الأندلس بعد الفتنة وضبطوا نواحيها؛ واستبد كل رئيس منهم بتدبير ما تغلب عليه من الجهات، وانقطعت الدعوة للخلافة وذكر اسمها على المنابر؛ فلم يذكر خليفة أموي ولا هاشمي بقطر من أقطار الأندلس، خلا أيام يسيرة دعي فيها لهشام المؤيد بن الحكم المستنصر بمدينة إشبيلية وأعمالها، حسبما اقتضته الحيلة واضطر إليه التدبير، ثم انقطع ذلك حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالي، فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا بن دارا. ولم يزالوا كذلك وأحوال الأندلس تضعف وثغورها تختل، ومجاوروها من الروم تشتد أطماعهم ويقوى تشوفهم؛ إلى أن جمع الله الكلمة، ورَأَب الصدع، ونَظَم الشمل، وحسم الخلاف، وأعز الدين، وأعلى كلمة الإسلام، وقطع طمع العدو، بيمن نقيبة أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني ﵀. ثم استمر على ذلك ابنه علي، وأعادا إلى الأندلس معهود أمنها وسالف نضارة عيشها؛ فكانت الأندلس في أيامهما حرمًا آمنًا. وأول دعاء دعي للخلافة العباسية -أبقاها الله- على منابر الأندلس في أيامهما. ولم تزل الدعوة العباسية وذكر خلفائها على منابر الأندلس والمغرب إلى أن انقطعت بقيام ابن تُومَرْت١ مع المصامدة في بلاد السُّوس٢، على ما يأتي بيانه إن شاء الله .

стр. 79

فصل في ملك بني عَبَّاد بإشْبِيلِيَّة وإذ ذكرنا أحوال ملوك الأندلس المتغلبين عليها بعد الفتنة على ما شرطنا من الإجمال، فلنرجع إلى ذكر مملكة إشبيلية خصوصًا من جزيرة الأندلس، وذكر من ملكها, فبذلك يتصل نسق الأخبار عما نريده، ويتطرق لنا القول فيما نقصده؛ لأن ملك إشبيلية هو كان السبب في دخول يوسف بن تاشفين مع المرابطين الأندلس، على ما سيذكر إن شاء الله تعالى، فنقول: أما أحوال إشبيلية فإنها كانت في طاعة الفاطميين، أعني: علي بن حمود، والقاسم بن حمود، ويحيى بن علي بن حمود، أيام كان الأمر دائرًا بينهم على ما تقدم ذكره؛ فلما زحف يحيى بن علي بالبرابر إلى قرطبة، وهرب القاسم بن حمود منها وقصد إشبيلية -وقد كان ابناه محمد والحسن مقيمين بها-اجتمع أمر أهل إشبيلية واتفق رأيهم على إخراج محمد والحسن عنها قبل وصول القاسم أبيهما؛ فأخرجوهما. وجاء القاسم فمنعوه دخول البلد أيضًا، واتفقوا على تقديم رجل منهم يرجع إليه أمرهم وتجتمع به كلمتهم؛ فتوارد اختيارهم بعد مَخْض الرأي وتنقيح التدبير، على القاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي؛ لما كانوا يعلمونه من حصافة عقله، وسعة صدره، وعلو همته، وحسن تدبيره؛ فعرضوا عليه ما رأوه من ذلك، فتهيب الاستبداد، وخاف عاقبة الانفراد أولًا، وأبى ذلك إلا على أن يختاروا له من أنفسهم رجالًا سماهم؛ لكي يكونوا له أعوانًا ووزراء وشركاء، ولا يقطع أمرًا دونهم، ولا يحدث حدثًا إلا بمشورتهم -وهؤلاء المسمون هم: الوزير أبو بكر محمد بن الحسن الزُّبَيْدي١، ومحمد بن يريم الألهاني، وأبو الأصبغ عيسى بن حجاج الحضرمي، وأبو محمد عبد الله بن علي الهوزني، في رجال آخرين ذهبت عني أسماؤهم إلا أني أعرف قبائلهم وبيوتهم- ففعلوا ذلك وأجابوه إلى ما أراد. ولم يزل يدبر أمر إشبيلية, وهؤلاء المذكورون وزراؤه.

стр. 80

وكان له من الولد إسماعيل، وهو الأكبر، يُكنى أبا الوليد؛ وعباد, يكنى أبا عمرو؛ فأما إسماعيل فخرج إلى لقاء البربر بعد أن حدث لأبيه أمل في التغلب على ما كان البربر يملكونه من الحصون القريبة من إشبيلية، بعسكر من جند إشبيلية، فالتقى هو وصاحب صنهاجة؛ فأسلمت إسماعيلَ عساكرُه، وكان أول قتيل، وقطع رأسه وسِير به إلى مالقة، إلى إدريس بن علي الفاطمي، كما تقدم. وبقي الأمر كذلك، والقاضي أبو القاسم يدبر الأمور أحسن تدبير، وكان صالحًا مصلحًا، إلى أن مات في شهور سنة ٤٣٩. ولاية المعتضد بالله العبادي ثم ولي ما كان يليه بعده من أمور إشبيلية وأعمالها، ابنه أبو عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد، فجرى على سَنن أبيه في إيثار الإصلاح وحسن التدبير وبسط العدل، مدة يسيرة. ثم بدا له أن يستبد بالأمور وحده؛ وكان شهمًا صارمًا حديد القلب شجاع النفس بعيد الهمة ذا دهاء، وواتته مع هذا المقادير؛ فلم يزل يعمل في قطع هؤلاء الوزراء واحدًا واحدًا، فمنهم من قتله صبرًا، ومنهم من نفاه عن البلاد، ومنهم من أماته خمولًا وفقرًا، إلى أن تم له ما أراده من الاستبداد بالأمر، وتلقب بـ المعتضد بالله. وقيل: إنه ادعى أنه وقع إليه هشام المؤيد بالله، ابن الحكم المستنصر بالله؛ وكان الذي حمله على تدبير هذه الحيلة ما رآه من اضطراب أهل إشبيلية، وخاف قيام العامة عليه؛ لأنهم سمعوا بظهور من ظهر من أمراء بني أمية بقرطبة، كالمستظهر، والمستكفي، والمعتد؛ فاستقبحوا بقاءهم بغير خليفة. وبلغه أنهم يطلبون من أولاد بني أمية من يقيمونه؛ فادعى ما ادعاه من ذلك، وذكر أن هشامًا عنده بقصره، وشهد له خواص من حشمه، وأنه في صورة الحاجب له المنفذ لأموره؛ وأمر بالدعاء له على المنابر. فاستمر ذلك من أمره سنين، إلى أن أظهر موته ونعاه إلى رعيته في سنة ٤٥٥, واستظهر بعهدٍ عَهِدَه له هشام المذكور فيما زعم، وأنه الأمير بعده على جميع جزيرة الأندلس. ولم يزل المعتضد هذا يدوخ١ الممالك وتدين له الملوك من جميع أقطار الأندلس، وكان قد اتخذ خُشبًا في ساحة قصره جللها٢ برءوس الملوك والرؤساء

стр. 81

عوضًا عن الأشجار التي تكون في القصور؛ وكان يقول: في مثل هذا البستان فليتنزه. وجملة أمر هذا الرجل أنه كان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب وحدة نفس؛ كانوا يشبهونه بأبي جعفر المنصور من ملوك بني العباس؛ كان قد استوى في مخافته ومهابته القريب والبعيد، لا سيما منذ قتل ابنه وأكبر ولده المرشح لولاية عهده صبرًا. وكان سبب ذلك أن ولده المذكور -وكان اسمه إسماعيل- كان يبلغه عنه أخبار مضمونها استطالة حياته وتمني وفاته، فيتغاضى المعتضد ويتغافل تغافل الوالد، إلى أن أدى ذلك التغافل إلى أن سكر إسماعيل المذكور ليلة وتسور سور القصر الذي فيه أبوه، في عُبْدان وأراذل معه، ورام الفتك بأبيه؛ فانتبه البوابون والحرس، فهرب أصحاب إسماعيل، وأخذ بعضهم فأقر وأخبر بالكائنة على وجهها؛ وقيل: إن إسماعيل لم يكن معهم وإنما بعثهم على ذلك، وجعل لمن قتل أباه المعتضد جُعْلًا سَنِيًّا، فالله أعلم. فقبض المعتضد على ابنه إسماعيل هذا واستصفى أمواله وضرب عنقه؛ فلم يبق أحد من خاصته إلا هابه من حينئذ. وبلغني أنه قتل رجلًا أعمى بمكة كان يدعو عليه بها؛ كان هذا الرجل من بادية إشبيلية؛ كان المعتضد قد وضع يده على بعض مال لهذا الرجل الأعمى، وذهب باقي ماله حتى افتقر، ورحل إلى مكة، فلم يزل يدعو على المعتضد بها إلى أن بلغه عنه ذلك، فاستدعى بعض من يريد الحج وناوله حُقًّا١ فيه دنانير مطلية بالسم، وقال: لا تفتح هذا حتى تدفعه إلى فلان الأعمى بمكة؛ وسلم عليه عنا! فاتفق أن سلم الرجل ومعه الحق، فحين وصل مكة لقي الأعمى ودفع إليه الحق، وقال: هذا من عند المعتضد؛ فأنكر ذلك الأعمى، وقال: كيف يظلمني بإشبيلية ويتصدق عليَّ بالحجاز؟ فلم يزل الرجل يخفضه إلى أن سكن وأخذ الحق، فكان أول شيء فعله أن فتح الحق وعمد إلى دينار من تلك الدنانير فوضعه في فمه، وجعل يقلب سائرها بيده، إلى أن تمكن منه السم، فما جاء الليل حتى مات؛ فاعجب لرجل بقاصية المغرب يعتني بقتل رجل بالحجاز!. وقتل على هذه الصورة رجلًا من المؤذنين من أهل إشبيلية؛ فر منه إلى طليطلة، فكان يدعو عليه بها في الأسحار، مقدرًا أنه قد أمن غائلته إذ صار في مملكة غيره. فلم يزل يعمل فيه الحيلة إلى أن بعث من قتله فجاءه برأسه. وكان أكبر من يناويه٢ من المتغلبين المجاورين له وأشدهم عليه: البربر في صنهاجة، وبنو برزال الذين بقرمونة وأعمالها من نواحي إشبيلية؛ فلم يزل يصرف

стр. 82

الحيلة تارة ويجهز الجيوش أخرى إلى أن استنزلهم؛ ففرق كلمتهم وشتت منتظم أمرهم، ونفاهم عن جميع تلك البلاد وصفت له أموره. كان له عَيْنٌ١ بقرمونة يكتب له بأخبار البربر؛ بلغ من لطف حيلة المعتضد, وقد أراد أن يكتب إلى ذلك الرجل الذي جعله عينًا له بقرمونة كتابًا في بعض أمره، أن استدعى رجلًا من بادية إشبيلية شديد البله كثير الغفلة، وقال له: اخلع ثيابك؛ وألبسه جبة جعل في جيبها كتابًا وخاط عليه، وقال له: اخرج إلى قرمونة، فإذا وصلت بقربها فاجمع حُزمة حطب وادخل بها البلد وقف حيث يقف أصحاب الحطب، ولا تبعها إلا لمن يشتريها منك بخمسة دراهم؛ وكان قد قرر هذا كله مع صاحبه الذي بقرمونة؛ فخرج البدوي كما أمره المعتضد، فلما قرب من قرمونة جمع حزمة من الحطب، ولم يكن قبل هذا يعاني جمعه؛ فجمع حزمة صغيرة ودخل بها البلد، ووقف في موقف الحطابين، فجعل الناس يمرون عليه ويسومون منه حزمته، فإذا قال: لا أبيعها إلا بخمسة دراهم، ضحك من يسمع هذا القول منه ومر عنه؛ فلم يزل كذلك إلى أن أجنه الليل والناس يسخرون منه، فبعضهم يقول: هذا آبِنُوس! ويقول الآخر: لا بل هو عود هندي! وما أشبه هذا؛ حتى مر به صاحب المعتضد، فقال له: بكم تبيع حزمتك هذه؟ فقال: بخمسة دراهم! فقال: قد اشتريتها فاحملها إلى البيت؛ فقام يحملها والرجل بين يديه حتى بلغ بيته، فوضع الحزمة ودفع إليه الخمسة الدراهم. فلما أخذها وهم بالانصراف قال له: أين تريد في هذا الوقت وقد علمت خوف الطريق؟ فبت الليلة عندي، فإذا أصبحت رجعت إلى منزلك؛ فأجابه؛ فأدخله إلى بيت وقدم له طعامًا، وسأله كأنه لا يعرفه: من أين أنت؟ فقال: أنا من بادية إشبيلية؛ قال: يا أخي، ما الذي جاء بك إلى هذا الموضع وقد علمت نكد البربر وشؤمهم وهوان الدماء عليهم؟! فقال: حملتني على هذا الحاجة! ولم يظهر له أن المعتضد أرسله؛ فلم يزل الرجل يحادثه إلى أن أخذه النوم، فلما رأى غلبة النوم عليه قال له: تجرد من ثوبك هذا فهو أهنأ لنومك وأروح لجسمك! فتجرد الرجل ونام، وأخذ صاحب المعتضد الجبة ففتق جيبها، واستخرج الكتاب فقرأه وكتب جوابه، وجعله في جيب الجبة وخاط عليه كما كان؛ فلما أصبح الرجل لبس جبته، ورجع إلى إشبيلية وقصد باب دار الإمارة واستأذن، فأُدخل على المعتضد، فقال له: اخلع تلك الجبة؛ وكساه ثيابًا حسانًا فرح بها البدوي، وخرج من عنده فرحًا يرى أنه قد خلع عليه؛ ولم يعلم فيم ذهب ولا بم جاء! وأخذ المعتضد الكتاب من جيب الجبة فقرأه وتمم ما أراد من أمره. وله في تدبير ملكه وإحكام أمره حيل وآراء عجيبة لم يسبق إلى أكثرها، يطول تعدادها ويخرج عن حد التلخيص بسطها.

стр. 83

ولما قتل ابنه إسماعيل -كما تقدم- وكان لقبه المؤيد، عهد بعده إلى ابنه أبي القاسم محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد، ولقبه بـ المعتمد على الله؛ فحسنت سيرة أبي القاسم هذا في حياة أبيه وبعد وفاته. أولية المرابطين في مَرَّاكُش وفي إمارة المعتضد بالله هذا نزل لمتونة ومسوفة -قبيلتان عظيمتان من البربر- رحبة مراكش؛ فتخيروها دار ملكهم لتوسطها البلاد. وكانت إذ نزلوها غَيْضَة١ لا عمران بها، وإنما سميت بعبد أسود كان يستوطنها يخيف الطريق, اسمه مراكش. فاستوطنها البربر كما ذكرنا، وقدموا عليهم رجلًا منهم اسمه تاشُفين بن يوسف. وكان المعتضد في كل وقت يستطلع أخبار العُدوة؛ هل نزل البربر رحبة مراكش؟ وذلك لما كان يراه في ملحمة كانت عنده أن هؤلاء القوم خالعوه أو خالعو ولده ومخرجوه من ملكه؛ فلما بلغه نزولهم جمع ولده وجعل ينظر إليهم مصعدًا ومصوبًا ويقول: يا ليت شعري من تناله معرة٢ هؤلاء القوم، أنا أو أنتم؟ فقال له أبو القاسم من بينهم: جعلني الله فداك, وأنزل بي كل مكروه يريد أن ينزله بك! فكانت دعوة وافقت المقدار٣. وكان نزول لمتونة ومسوفة قبيلتي المرابطين رحبة مراكش، في صدر سنة ٤٦٣، وانفصالهم عنها جملة واحدة في وسط سنة ٥٤٠؛ فكانت مدة إقامتهم في الملك منذ نزلوا رحبة مراكش إلى أن انفصلوا عنها وأخرجهم عنها المصامدة، نحوًا من ست وسبعين سنة. ثم توفي المعتضد بالله في شهر رجب من سنة ٤٦٤، واختُلف في سبب وفاته، فقيل: إن ملك الروم سمه في ثياب أرسل بها إليه, وقيل: إنه مات حتف أنفه, فالله أعلم. ولاية أبي القاسم بن عباد المعتمد على الله ثم قام بالأمر من بعده, ابنه أبو القاسم محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد؛ وزاد إلى المعتمد على الله: الظافر بحول الله. وكان المعتمد هذا يشبه بهارون الواثق بالله٤ من ملوك بني العباس، ذكاء نفس وغزارة أدب. وكان

стр. 84

شعره كأنه الحُلل المنشرة. واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك الأندلس. وكان مقتصرًا من العلوم على علم الأدب وما يتعلق به وينضم إليه. وكان فيه مع هذا من الفضائل الذاتية ما لا يحصى، كالشجاعة والسخاء والحياء والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة. وفي الجملة فلا أعلم خصلة تحمد في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها بأوفى سهم. وإذا عُدَّت حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت؛ فالمعتمد هذا أحدها، بل أكبرها. ولي أمر إشبيلية بعد أبيه، وله سبع وثلاثون سنة. واتفقت له المحنة الكبرى بخلعه وإخراجه عن ملكه في شهر رجب الكائن في سنة ٤٨٤؛ فكانت مدة ولايته إلى أن خُلع وأُسر عشرين سنة؛ كانت له في أضعافها مآثر أعيا على غيره جمعها في مائة سنة أو أكثر منها. وكانت له ﵀ همة في تخليد الثناء وإبقاء الحمد. عبد الجليل بن وَهْبُون الشاعر* كان من جملة شعرائه رجل من أهل مدينة مُرْسِية اسمه عبد الجليل بن وهبون، كان حسن الشعر, لطيف المأخذ, حسن التوصل إلى دقيق المعاني؛ أنشد يومًا بين يدي المعتمد ﵀ بعضُ الحاضرين بيتين لعبد الجليل بن وهبون هذا, قالهما قديمًا قبل وصوله إلى المعتمد، وهما: من البسيط قل الوفاء, فما تلقاه في أحدٍ ... ولا يمر لمخلوقٍ على بالِ وصار عندهم عنقاء مُغْرِبةً ... أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقالِ! ١ فأُعجب المعتمد بهما وقال: لمن هذان البيتان؟ فقالوا: هما لعبد الجليل بن وهبون أحد خدم مولانا! فقال المعتمد عند ذلك: هذا والله اللؤم البحْت؛ رجل من خدامنا والمنقطعين إلينا يقول: أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال! وهل يتحدث أحد عنا بأسوأ من هذه الأحدوثة؟ وأمر له بألف مثقال. فلما دخل عليه يتشكر له قال له: يا

стр. 85

أبا محمد، هل عاد الخبر عِيانًا؟ قال: إي والله يا مولاي؛ ودعا له بطول البقاء؛ فلما هم بالانصراف قال له: يا عبد الجليل، الآن حدِّث بها لا عنها، يعني: ألف مثقال. وله -رحمه الله١- شعر كثير بَرَّز في أكثره وأجاد ما أراد، وسيمر منه في أضعاف أخباره ما يشهد له بالتبريز، عند ذوي التمييز؛ فمما اختاره من شعره قوله: من الكامل عَلِّل فؤادك قد أَبَلَّ عليلُ ... واغنم حياتك فالبقاء قليلُ٢ لو أن عمرك ألف عام كامل ... ما كان حقًّا أن يقال طويلُ أكذا يقود بك الأسى نحو الردى ... والعود عود والشَّمول شَمولُ٣ لا يستبيكَ الهم نفسك عَنْوَةً ... والكأس سيف في يديك صقيلُ٤ بالعقل تزدحم الهموم على الحشا ... فالعقل عندي أن تزول عقولُ! ومن شعره السيار، لا بل الطيار، قوله في مملوك له صغير كان يتصرف بين يديه، أهداه له صاحب طليطلة؛ اسم المملوك سيف: من البسيط سموه سيفًا وفي عينيه سيفانِ ... هذا لقتلي مسلولٌ وَهَذانِ٥ أما كفت قَتلة بالسيف واحدة ... حتى أتيح من الأجفان ثنتانِ أسرته وثناني غُنْجُ مُقْلَته ... أسيره، فكلانا آسر عانِي٦ يا سيف, أمسك بمعروف أسير هوًى ... لا يبتغي منك تسريحًا بإحسانِ! ٧ ومن شعره الرشيق المليح, الخفيف الروح، الذي حكى الماء سلاسة والصخر ملاسة، قوله في هذا المملوك وقد عذّر: من مخلع البسيط تم له الحسن بالعِذَارِ ... واقترن الليل بالنهارِ٨

стр. 86

أخضر في أبيض تبدى ... ذلك آسي وذا بَهَارِي١ فقد حوى مجلسي تمامًا ... إن كان من رِيقِه عُقَارِي٢ وبينا هو يومًا في قبة له يكتب شيئًا، أو يطالع، وعنده بعض كرائمه، فدخلت عليه الشمس من بعض الكُوَى الكائنة فيها، فقامت دونه تستره من الشمس، فقال ﵀ بديهًا: من البسيط قامت لتحجبَ ضوء الشمس قامتها ... عن ناظري، حُجبَتْ عن ناظر الغيرِ٣ علمًا لعمرك منها أنها قمرٌئ ... هل تكسفُ الشمسَ إلا صورة القمر! وبينا جارية من كرائمه قائمة على رأسه تسقيه والكأس في يدها، إذ لمع البرق فارتاعت؛ فقال ﵀ بديهًا: من السريع رِيعَتْ منَ البرقِ وفي كفها ... برْق من القهوة لمَّاع٤ عجبتُ منها وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع! وله مع هذا مقاطع حسان كان يرتجلها في مجالس أنسه، ولاستدعاء خاصة جلسائه، منعني من استيفائها قلة ما على خاطري منها. وسيمر من شعره الذي قاله في أيام محنته ما يفجر الصُّمَّ، ويزعزع الشُّمَّ٥. وكان لا يستوزر وزيرًا إلا أن يكون أديبًا شاعرًا حسن الأدوات، فاجتمع له من الوزراء الشعراء ما لم يجتمع لأحد قبله. أبو الوليد بن زَيْدُون* فمن جملة وزرائه الوزير الأجلّ ذو الرياستين، أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن زيدون، ذو الأدب البارع، والشعر الرائع، أحد شعراء الأندلس المجيدين

стр. 87

وفحولها المبرزين. كان إذا نسب أنساك كُثيِّرًا١، وإذا مدح أزرى بزُهير٢، واذا فخر أناف٣ على امرئ القيس٤؛ فمن جملة مقاطعه التي تشهد له بجودة الطبع وإتقان الصنعة قوله: من البسيط بيني وبينك ما لو شئتَ لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يَذِعِ يا بائعًا حظه مني ولو بُذِلتْ ... ليَ الحياة بحظي منه لم أبعِ يكفيك أنك إن حمَّلت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس, يستطعِ تِهْ أَحتملْ، واستطلْ أَصبرْ، وعِزَّ أهنْ ... وولِّ أُقبلْ، وقلْ أَسمعْ، ومرْ أُطعْ! وهو القائل ﵀ يخاطب بني جهور، وكان قد وزر لهم قبل وزارته للمعتمد؛ لأن أصله من مدينة قرطبة، فنالته منهم محنة، فخرج عن قرطبة إلى إشبيلية وافدًا على المعتمد، فعلت رتبته عنده؛ فكان يبلغه عن بني جهور ما يسوءه في نفسه وقرابته بقرطبة، فقال يخاطبهم: من الطويل بني جهور أحرقتمو بجفائكم ... فؤادي، فما بال المدائح تعبقُ تعدونني كالعنبر الورد، إنما ... تفوح لكم أنفاسُه حين يُحرقُ ومن نسيبه الذي يختلط بالروح رقة, ويمتزج بأجزاء الهواء لطافة، قصيدته التي قالها يتشوق ابنة المهدي: ولادة٥، وهي بقرطبة وهو بإشبيلية: من البسيط أضحى التنائي بديلًا من تدانينا ... وناب عن طِيب لقيانا تجافينَا٦ بِنْتُم وبِنَّا, فما ابتلت جوانحنا ... شوقًا إليكم, ولا جفت مآقينِا٧

стр. 88

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينَا١ حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينَا٢ إذ جانب العيش طَلْقٌ من تألفنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينَا٣ وإذ هصرنا غصون الأنس دانيةً ... قطوفها فجنينا منه ما شينَا٤ ليُسقَ عهدُكم عهدُ السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينَا٥ مَنْ مُبلِغ ملبسينا بانتزاحهمُ ... حزنًا مع الدهر لا يبلى ويُبلينَا٦ أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أُنْسًا بقربهم قد عاد يُبكينَا! غِيظ العِدَا من تساقينا الهوى فدعوْا ... بأن نَغَصَّ فقال الدهر: آمينَا٧ فانحل ما كان معقودًا بأنفسنا ... وانبت ما كان موصولًا بأيدينَا٨ وقد نكون وما يُخشى تفرقُنا ... فاليوم نحن وما يُرجى تلاقينَا ما حقنا أن تُقروا عين ذي حسد ... بنا، ولا أن تسروا كاشحًا فينَا٩ يا ليت شعري ولم نعتب أعاديَكمْ ... هل نال حظًّا من العُتْبى أعادينَا١٠ لم نعتقد بعدكم إلا الوفاءَ لكم ... رأيًا, ولم نتقلد غيره دينَا١١ كنا نرى اليأس تُسْلينا عوارضُه ... وقد يئسنا, فما لليأس يغرينا! ١٢ يا ساريَ البرق غادِ القصر فاسق به ... من كان صِرْف الهوى والود يسقينَا١٣

стр. 89

واسأل هنالك هل عيني تُذكِّرني ... إلفًا تذكُّره أمسى يُعنِّينَا١ ويا نسيمَ الصَّبَا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حيًّا كان يُحْيينَا من لا يرى الدهر يَقضينا مُساعَفَةً ... فيه, وإن لم يكن عنا يُقاضينَا٢ وبيت ملك كأن الله أنشأه ... مسكًا, وقد أنشأ الله الوَرَى طينَا٣ أو صاغه وَرِقًا محضًا وتَوَّجه ... من ناصع التِّبْرِ إبداعًا وتحسينَا٤ إذا تأوَّد آدَته رفاهيةٌ ... تُدمي العقول وأدمته البُرَى لِينَا٥ كأنما نبتت في صحن وَجْنَته ... زُهْرُ الكواكب تعويذًا وتزيينَا ما ضر أن لم نكن أكفاءَهُ شرفًا ... وفي المودة كافٍ من تكافينَا٦ ولا تحسَبوا نأيكم عنا يغيرنا ... إذ طال ما غيَّر النأْيُ المحبينَا٧ والله ما طلبت أهواؤُنا بدلًا ... منكم ولا أنصرفت عنكم أمانينَا ولا استفدنا خليلًا عنك يَشغَلنا ... ولا اتخذنا بديلًا منك يُسلينَا يا روضةً طال ما أجنت لواحظنا ... وردًا جناه الصِّبا غضًّا ونَسْرينَا٨ ويا حياةً تملَّأْنا بزهرتها ... مُنًى ضُروبًا ولذَّاتٍ أفانينَا٩ ويا نعيمًا حضرنا من غضارته ... في وَشْيِ نُعمى سحبنا ذيلها حينَا١٠ لسنا نسميكِ إجلالًا وتَكْرمةً ... فقدرك المعتلي عن ذاك يُغنينَا إذِ انفردتِ فما شُوركتِ في صفة ... فحسْبُكِ الوصف إيضاحًا وتبيينًا يا جنةَ الخلدِ أُبدلنا بسَلْسلها ... والكوثرِ العذبِ زُقُّومًا وغِسْلِينَا١١

стр. 90

كأننا لم نبِتْ والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من أجفان واشينَا١ سِرَّانِ في خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يُفشينَا٢ لا غَرْوَ في أن ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النُّهَى، وتركنا الصبر ناسينَا٣ أنَّا قرأنا الأسى يوم النوى سُورًا ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينَا٤ إن كان قد عز في الدنيا اللقاءُ ففي ... مواقف الحشر نلقاكم، ويكفينَا٥ أما هواك فلم نعدل بمَنْهله ... شَرْبًا وإن كان يروينا فيُظمينَا٦ لم يخفَ أُفْقُ جمال أنت كوكبُهُ ... سالين عنه، ولم نهجره قالينَا٧ ولا اختيارًا تجنَّبناك عن كَثَبٍ ... لكن عدتنا على كره عوادينَا٨ نأسى عليك إذا حثت مُشَعْشَعة ... فيها الشَّمول وغنانا مغنينَا٩ لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا ... سيما ارتياحٍ ولا الأوتار تلهينَا١٠ دومي على العهد -ما دمنا- محافظةً ... فالحر من دان إنصافًا كما دينَا١١ فما ابتغينا خليلًا منك يحبسنا ... ولا استفدنا حبيبًا عنك يغنينَا١٢ ولو صبا نحونا من عُلْوِ مطلعه ... بدر الدُّجَى لم يكن حاشاك يصبينَا١٣ أولي وفاءً وإن لم تبذلي صلة ... فالذكر يقنعنا والطيف يكفينَا

стр. 91

وفي الجواب قناع لو شفعت به ... بيض الأيادي التي ما زلت تُولينَا١ عليكِ مني سلام الله ما بقيتْ ... صَبابة منك تخفيها فتخفينَا٢ أوردتها على الاختيار لا على النسق، ولعل في كثير مما تركت منها أحسن مما أوردت، وإنما منعني من استيفائها الوفاء بشرط التلخيص. ومن شعره ﵀، مما قاله في مدة صباه: من البسيط أخذت ثلث الهوى غصبًا ولي ثلث ... وللمحبين فيما بينهم ثلثُ تالله لو حلف العشاق أنهمو ... موتى من الوجد يوم البَيْنِ ما حنَثُوا٣ قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا ... ماتوا، فإن عاد من يهوَوْنه بُعِثُوا ترى المحبين صرعى في عِرَاصهم ... كفتية الكهف ما يدرون ما لبثُوا٤ ومما قال ﵀ يتشوق ابنة المهدي المذكورة٥ ومعاهده بقرطبة، وضمنها بيت أبي الطيب٦ في أول قصيدته الكافورية٧: من البسيط بِمَ التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكنُ؟! ٨ قصيدة أولها: من البسيط هل تذكرون غريبًا عاده شجن ... من ذكركم وجفا أجفانه الوَسَنُ٩ يخفي لَوَاعِجَه والشوق يفضحه ... فقد تساوى لديه السر والعلنُ١٠ يا ويلتاه! أيبقى في جوانحه ... فؤاده وهو بالأطلال مرتهنُ١١

стр. 92

وأرق العين والظلماء عاكفة ... وَرْقاء قد شفها، أو شفني، حزنُ١ فبتُّ أشكو وتشكو فوق أَيْكَتها ... وبات يهفو ارتياحًا بيننا الغُصُنُ٢ يا هل أجالس أقوامًا أحبهم ... كنا وكانوا على عهد فقد ضَغِنُوا٣ أو تحفظون عهودًا لا أضيعها ... إن الكرام بحفظ العهد تُمتحنُ ومنها: إن كان عادكم عيد فرُبَّ فتًى ... بالشوق قد عاد من ذكراكم حَزَنُ٤ وأفردته الليالى من أَحِبَّته ... فبات ينشدها مما جنى الزمنُ: بم التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟! أبو بكر بن عَمَّار* ومنهم الوزير أبو بكر محمد بن عمار٥، ذو النفس العصامية، والآداب الأهتمية؛ كان أحد الشعراء المجيدين على طريقة أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي٦، وربما كان أحلى منزعًا منه في كثير من شعره. ولشعره ديوان يدور بين أيدي أهل الأندلس، ولم أُلْفِ أحدًا ممن أدركتْه سِنِّى من أهل الآداب الذين أخذت عنهم إلا رأيته مقدمًا له مؤثرًا لشعره، وربما تغالى بعضهم فشبهه بأبي الطيب، وهيهات!. فمن قصائده المشهورة التي أجاد فيها ما أراد: قصيدته التي كتب بها من

стр. 93

سرقسطة حين فرق المعتضد بالله بينه وبين المعتمد -لأنه شغله عن كثير من أمره فنفاه- وهي: من الطويل عليَّ، وإلا ما بكاء الغمائم ... وفيَّ، وإلا ما نياح الحمائمِ وعني أثار الرعد صرخة طالبٍ ... لثأر وهز البرق صفحة صارمِ١ وما لبست زهر النجوم حِدَادها ... لغيري, ولا قامت له في مآتمِ٢ وفي هذه القصيدة يقول -يمدح المعتضد بالله-: إذا ركِبوا فانظره أول طاعنٍ ... وإن نزلوا فارصده آخرَ طاعمِ٣ أبى أن يراه الله إلا مقلدًا ... حَمِيلة سيفٍ أو حَمَالة غارمِ٤ ومن جيد نسيبه قوله في قصيدة يمدح بها المعتضد بالله: من الكامل جاه الهوى -فاستشعروه- عاره ... ونعيمه -فاستعذبوه- أُوارُه٥ لا تطلبوا في الحب عزًّا إنما ... عُبدانه في حكمه أحرارُه٦ قالوا: أضربك الهوى فأجبتهم ... يا حبذاه وحبذا إضرارُه قلبي هو اختار السَّقام لجسمه ... زِيًّا، فخلوه وما يختارُه عيرتموني بالنحول وإنما ... شرف المُهَنَّد أن ترق شِفارُه٧ وشمتم لفراق من آلفتُهُ ... ولربما حجب الهلال سِرارُه٨ أحسِبتم السُّلوان هب نسيمه ... أو أن ذاك النوم عاد غِرارُه٩ إن كان أعيا القلب من حرب الجَوَى ... خذلته من دمعى إذًا أنصارُه١٠

стр. 94

من قدَّ قلبي إذ تثنى قده ... وأقام عذري إذ أطل عذارُه١ أم من طوى الصبح المنير نِقَابه ... وأحاط بالليل البَهيم خمارُه٢ غصنٌ ولكن النفوس رياضه ... رَشَأٌ, ولكن القلوب عَرَارُه٣ سخرت ببدر التِّمِّ غُرَّتُه كما ... أزرت على آفاقه أزرارُه٤ ما زال ليل الوصل من فَتَكاته ... تَسري إليَّ بعَرْفِه أسحارُه٥ ويجود روض الحسن من وجناته ... دمعي فيندى رَنْدُه وبَهَارُه٦ حتى سقاني الدهر كأس فِرَاقه ... فسكرتُ سُكرًا لا يفيق خُمَارُه٧ ووقفت في مثل المُحصَّب موقفًا ... للبَيْن من حب القلوب جِمَارُه٨ حيران أعمى الطَّرْف وهو سماؤه ... وأذاب فيه القلب وهو قرارُه٩ ولئن يُذِبْه وهو مثواه فكم ... قد أحرقت عود العفارة نارُه١٠ إن يهنه أني أضعت لحبه ... قلبي وذاعت عنده أسرارُه فليهن قلبي أن شكاه وشاحه ... لسواره فاقتص منه سوارُه! ١١ فوحسنه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لولا أن حِمْصًا دارُه بلد رمتنى بالمُنى أغصانه ... وتفجرت لي بالندى أنهارُه ولابن عمار هذا مع المعتمد أخبار عجيبة عُني بجمعها أهل الأندلس، وأنا إن

стр. 95

شاء الله مورد منها ما لا يخل بالشرط الذي التزمته، ولا يخرج عن الحد الذي رسمته، حسبما بقي على خاطري من ذلك؛ لأني كنت في حداثة سني قد صرفت عنايتي إلى أخبار ابن عمار هذا مع المعتمد، لما تضمنتْه من الآداب. وقد فتشت خِزانة حفظي فلم ألف١ فيها إلا نبذة يسيرة، وأنا موردها إن شاء الله . فابن عمار هذا هو محمد بن عمار، يكنى أبا بكر، أصله من شِلْب، من قرية من أعمالها يقال لها شنبوس. مولده ومولد آبائه بها. كان خامل٢ البيت ليس له ولا لأسلافه في الرياسة في قديم الدهر ولا حديثه حظ، ولا ذُكِرَ منهم بها أحد. ورد مدينة شلب طفلًا فنشأ بها، وتعلم علم الأدب على جماعة، منهم: أبو الحجاج يوسف بن عيسى الأعلم٣. ثم رحل إلى قرطبة فتأدب بها، ومهر في صناعة الشعر، فكان قُصَارَاهُ التكسب به، فلم يزل يجول في الأندلس مسترفدًا لا يخص بمدحه الملوك دون غيرهم، بل لا يبالي ممن أخذ ولا من استعطف من ملك أو سُوقة، وله في ذلك خبر ظريف: وذلك أنه ورد في بعض سفراته شلب، لا يملك إلا دابة لا يجد علفها، فكتب بشعر إلى رجل من وجوه أهل السوق، فكان قدره عند ذلك الرجل أن ملأ له المخلاة شعيرًا ووجه بها إليه؛ فرآها ابن عمار من أجل الصلات وأسنى الجوائز. ثم اتفق أن علت حال ابن عمار وساعده الجد ونهض به البخت، وانتهى أمره أن ولاه المعتمد على الله مدينة شلب وأعمالها، أول ما أفضى الأمر إليه، فدخلها ابن عمار في موكب ضخم وجملة عبيد وحشم، وأظهر نخوة لم يظهرها المعتمد على الله حين وليها أيام أبيه المعتضد بالله؛ فكان أولَ شيء سأل عنه، الرجلُ صاحبُه صاحبُ الشعير، فقال: ما صنع فلان، أهو حي؟ قالوا: نعم؛ فأرسل إليه بمخلاته بعينها بعد أن ملأها دراهم، وقال لرسوله: قل له: لو ملأتها بُرًّا لملأناها تبرًا. ولم يزل ابن عمار على الحال التي ذكرناها، من التقلب في بلاد الأندلس للاستجداء والاستعطاف، إلى أن ورد على المعتضد بالله أبي عمرو، فامتدحه بقصيدته المشهورة التي أولها: من الكامل أَدِرِ الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العِنان عن السُّرَى٤

стр. 96

والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرَا١ وفيها قال يمدح المعتضد: عَبَّادٌ المُخْضَرُّ نائل كفه ... والجو قد لبس الرداء الأغبرَا٢ قَدَّاح زَنْد المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القِرَى٣ يختار أن يهب الخريدة كاعبًا ... والطِّرْف أجرد والحسام مُجوهرَا٤ وفي هذه القصيدة يقول في وصف وقعة أوقعها المعتضد بالبربر: شقيتْ بسيفك أمة لم تعتقد ... إلا اليهود وإن تسموا بربرَا أثمرت رمحك من رءوس كُماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مُثمرَا٥ وخضبت سيفك من دماء نُحورهم ... لما عهدت الحسن يلبس أحمرَا٦ ومن أبيات هذه القصيدة بيت لم أسمع لمتقدم ولا متأخر بمثله، وهو قوله: السيف أفصح من زيادٍ خطبةً ... في الحرب إن كانت يمينك منبرَا٧ ولما أنشد المعتضد هذه القصيدة استحسنها وأمر له بمال وثياب ومَرِكَب، وأمر أن يكتب في ديوان الشعراء؛ فكان كذلك. ثم تعلق بالمعتمد على الله وهو إذ ذاك شاب، فلم تزل حاله معه تتزيد، ومَوَاتُّ٨ خدمته له تقوى وتتأكد، إلى أن صار ابن عمار ألزق بالمعتمد من شعرات قَصِّه٩، وأدنى إليه من حبل وريده١٠؛ كان المعتمد لا يستغني عنه ساعة من ليل ولا نهار.

стр. 97

ثم اتفق أن ولي المعتمد على الله شلب من قبل أبيه، فاستوزر ابن عمار هذا في تلك الولاية، وسلم إليه جميع أموره، فغلب عليه ابن عمار غلبة شديدة، وساءت السمعة عنهما ... فاقتضى نظر المعتضد التفريق بينهما، ونفى ابن عمار عن بلاده حسبما تقدم الإيماء إليه. فلم يزل ابن عمار مغتربًا في أقاصي بلاد الأندلس، إلى أن توفي المعتضد بالله، فاستدعاه المعتمد، وقربه أشد تقريب، حتى كان يشاركه فيما لا يشارك فيه الرجل أخاه ولا أباه. وله معه أيام كونهما بشلب خبر عجيب؛ وذلك أن المعتمد استدعاه ليلة إلى مجلس أنسه، على ما كانت العادة جارية به، إلا أنه في تلك الليلة زاد في التحفِّي١ به والبر له على المعتاد، فلما جاء وقت النوم أقسم المعتمد عليه: لتضعن رأسك معي على وساد واحد! فكان ذلك. قال ابن عمار: فهتف بي هاتف في النوم يقول: لا تغتر أيها المسكين؛ إنه سيقتلك ولو بعد حين! قال: فانتبهت من نومي فَزِعًا, وتعوذت, ثم عدت, فهتف بي الهاتف على حالته الأولى, فانتبهتُ، ثم عدت، فسمعته ثالثة؛ فانتبهت فتجردت من أثوابي والتففت في بعض الحصُر، وقصدت دهليز القصر مستخفيًا به، وقد أزمعت على أني إذا أصبحت خرجت مستخفيًا حتى آتي البحر فأركبه وأقصد بلاد العدوة فأكون في بعض جبال البربر حتى أموت. فانتبه المعتمد فافتقدني فلم يجدني، فأمر بطلبي، فطُلبتُ له في نواحي القصر، وخرج هو بنفسه يتوكأ على سيفه والشمعة تُحمل بين يديه؛ فكان هو الذي وقع علي؛ وذلك أنه أتى دهليز القصر يفتقد الباب هل فتح؛ فوقف بإزاء الحصير الذي كنت فيه، فكانت مني حركة فأحس بي، وقال: ما هذا يتحرك في هذا الحصير؟ ثم أمر به فنُفض، فخرجت عريانًا ليس علي إلا السراويل! فلما رآني فاضت عيناه دموعًا وقال: يا أبا بكر، ما الذي حملك على هذا؟ فلم أر بُدًا من أن صدقته، فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها، فضحك وقال: يا أبا بكر، أضغاث أحلام، هذه آثار الخُمار، ثم قال لي: وكيف أقتلك؟ أرأيت أحدًا يقتل نفسه؟ وهل أنت عندي إلا كنفسي؟ فتشكر له ابن عمار ودعا له بطول البقاء، وتناسى الأمر فنسيه، ومرت على ذلك الأيام والليالي، إلى أن كان من أمره ما سيأتي الإيماء إليه، فصدقت رؤيا ابن عمار، وقتل المعتمد نفسه كما قال!. ولما أفضى الأمر إلى المعتمد كما ذكرنا، سأله ابن عمار ولاية شلب، وهي كانت بلده ومنشأه كما تقدم؛ فأجابه المعتمد إلى ذلك وولاه إياها أَنْبَهَ ولاية؛ جعل إليه جميع أمورها، خارجها وداخلها. فاستمرت ولاية ابن عمار عليها إلى أن اشتد

стр. 98

شوق المعتمد إليه، وضعف عن احتمال الصبر عنه؛ فاستدعاه وعزله عنها واستوزره؛ فكانت حاله معه شبيهة بحال جعفر بن يحيى١ مع الرشيد. ولم يزل المعتمد يعده لكل أمر جليل، ويؤهله لكل رتبة عالية. وكان ابن عَمَّار مع هذا لا يناط به أمر إلا اضطلع به وكان فيه كالسكة المحماة. واشتهر أمره ببلاد الأندلس حتى كان ملك الروم الأدفنش إذا ذُكر عنده ابن عمار قال: هو رجل الجزيرة! وكان ابن عمار هو الذي رده عن قصد إشبيلية وقرطبة وأعمالهما؛ وذلك أنه خرج في جيوش ضخمة يقصد بلاد المعتمد طامعًا فيها، فخافه الناس، وامتلأت صدور أهل تلك الجهات رعبًا منه، وتيقنوا ضعفهم عن دفاعه؛ فتولى ابن عمار رده بألطف حيلة وأيسر تدبير, وذلك أنه أقام سُفرة شطرنج في غاية الإتقان والإبداع، لم يكن عند ملك مثلها، جعل صورها من الآبنوس٢ والعود الرطب والصندل٣، وحلاها بالذهب، وجعل أرضها في غاية الإتقان؛ فخرج من عند المعتمد رسولًا إلى الأدفنش، فلقيه في أول بلاد المسلمين، أعظم الأدفنش قدومه وبالغ في إكرامه، وأمر وجوه دولته بالتردد إلى خبائه والمسارعة في حوائجه؛ فأظهر ابن عمار تلك السفرة، فرآها بعض خواص الأدفنش، فنقل خبرها إليه. وكان العلج -أعني: الأدفنش- مولعًا بالشطرنج، فلما لقي ابن عمار سأله: كيف أنت في الشطرنج؟ وكان ابن عمار فيه طبقةً عالية، فأخبره بمكانه منه؛ فقال له: بلغني أن عندك سفرة في غاية الإتقان! قال ابن عمار: نعم؛ فقال: كيف السبيل إلى رؤيتها؟ فقال ابن عمار لترجمانه: قل له: أنا آتيك بها على أن ألعب معك عليها، فإن غلبتني فهي لك، وإن غلبتك فلي حكمي! فقال له الأدفنش: هلمها لننظر إليها. فأمر ابن عمار من جاء بها، فلما وُضعت بين يدي العلج صَلَّب وقال: ما ظنت أن إتقان الشطرنج يبلغ إلى هذا الحد! ثم قال لابن عمار: كيف قلت؟ فأعاد عليه الكلام الأول، فقال له الأدفنش: لا ألعب معك على حكم مجهول لا أدري ما هو، ولعله شيء لا يمكنني! فقال ابن عمار سر ما أراده لرجال وثق بهم من وجوه دولة الأدفنش، وجعل لهم أموالًا عظيمة على أن يؤازروه على أمره، ففعلوا. فتعلقت نفس العلج بالسفرة، وشاور خاصته فيما رسمه ابن

стр. 99

عمار، فهونوا عليه وقالوا له: إن غلبته كانت عندك سفرة ليس عند ملك مثلها، وإن غلبك فما عساه أن يحتكم؟ وقبحوا عنده إظهار الملك العجز عن شيء يطلب منه، وقالوا له: إن طلب ابن عمار ما لا يمكن, فنحن لك برده عن ذلك. ولم يزالوا به حتى أجاب، وأرسل إلى ابن عمار فجاء ومعه السفرة، فقال له: قد قبلت ما رسمته! فقال له ابن عمار: فاجعل بيني وبينك شهودًا -أسماهم له- فأمر الأدفنش بهم فحضروا، وافتتحا يلعبان. وكان ابن عمار -كما ذكرنا- طبقة بالأندلس؛ لا يقوم له أحد فيها؛ فغلب الأدفنش غلبة ظاهرة لجميع الحاضرين، لم يكن للعلج فيها مطعن. فلما حقت الغلبة قال ابن عمار: هل صح أن لي حكمي؟ قال: نعم، فما هو؟ قال: أن ترجع من ههنا إلى بلادك! فاسود وجه العلج وقام وقعد، وقال لخواصه: قد كنت أخاف من هذا حتى هونتموه عليَّ! في أمثال لهذا القول، وهم بالنكث والتمادي لوجهه، فقبحوا ذلك عليه، وقالوا له: كيف يجمل بك الغدر وأنت ملك ملوك النصارى في وقتك! فلم يزالوا به حتى سكن، وقال: لا أرجع حتى آخذ إتاوة عامين خلاف هذه السنة! فقال ابن عمار: هذا كله لك! وجاءه بما أراد، فرجع وكف الله بأسه، ودفعه بحوله وحسن دفاعه عن المسلمين. ورجع ابن عمار إلى إشبيلية وقد امتلأت نفس المعتمد سرورًا به. ثم إن المعتمد حدث له أمل في التغلب على مرسية وأعمالها، وهي التي تعرف بـ تُدْمِير١؛ وكانت بيد أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر، كان هو المتغلب عليها والمدبر لأمرها، فجهز المعتمد جيوشًا عظيمة، وتكفل له ابن عمار بأخذها وإخراج ابن طاهر عنها؛ فولاه ما تولى من ذلك. وخرج ابن عمار حتى نزل على مرسية، فأخذها وأخرج ابن طاهر عنها. فلحق ابن طاهر حين خرج من مرسية ببني عبد العزيز ببلنسية؛ فكان بها إلى أن مات ﵀. ولما تغلب ابن عمار على مرسية دار ملك بني طاهر كما ذكرنا، حدثته نفسه وسول له سوء رأيه أن يستبد بأمره، وأن يضبط تلك البلاد لنفسه؛ فلم يزل يصرف الحيلة في ذلك إلى أن تم له بعضه ودانت له مرسية وأعمالها، وطمع في ملك بلنسية؛ إلى أن قام عليه رجل من أهل مرسية يقال له: ابن رشيق، كان أبوه من عرفاء الجند بها؛ وكان ابن عمار قد خرج لبعض أمره، فدعا ابن رشيق هذا إلى نفسه، وقامت معه العامة وبعض الجند، فسمع ابن عمار بذلك، فجاء يركض حتى أتى

стр. 100

المدينة وقد غلَّقت أبوابها دونه؛ فحاصرها بمن معه أيامًا، فامتنعت عليه ولم يقدر على دخولها؛ فبقي حائرًا لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجه، وقد كان بلغ المعتمد قيامه عليه وخلع يده من طاعته, فلم ير إلا الهروب ملجأ, فهرب حتى لحق ببني هود بسرقسطة، فأقام عندهم حتى ثقل عليهم وخافوا غائلته؛ وبغَّضه في عيونهم ما فعل مع صاحبه وولي نعمته، فأخرجوه عن بلادهم. ولم تزل البلاد تتقاذفه، وملوكها تَشْنأه١، إلى أن وقع في حصن من حصون الأندلس في غاية المنعة يدعى شَقورة٢، كان المتغلب عليه رجل يقال له: ابن مبارك، فأكرم وفادته وأحسن نزله، ثم بدا له بعد أيام فقبض عليه وقيده وجعله في سجنه. فلما رأى ابن عمار ذلك منه قال له: لا عليك أن تكتب إلى ملوك الأندلس بكوني عندك وتعرضني عليهم، فما منهم إلا من يرغب في؛ فمن كان أشدهم رغبة جعل لك مالًا ووجهتَ بي إليه! ففعل ابن مبارك ذلك، فما عرضه على أحد من ملوك الأندلس إلا رغب فيه. وكتب فيمن كتب إلى المعتمد ... وفي ذلك يقول ابن عمار: من السريع أصبحتُ في السوق يُنادى على ... رأسي بأنواع من المالِ والله ما جار على ماله ... من ضمني بالثمن الغالِي! وفي هذا السجن يقول ابن عمار وقد استدعى نورة٣ يستنظف بها فتعذرت عليه، فاستدعى موسى فأُتي بها، فقال في ذلك: من المجتث بؤسى شَقُورة عندي ... أربى على كل بوسَى٤ فقدت هارون فيها ... فظَلْتُ أطلب موسَى! ٥ وبعث المعتمد على الله من رجاله من تسلم ابن عمار من يد ابن مبارك، بعد أن بعث إليه بمال وخيل، وأمر المعتمد الذين تسلموا ابن عمار أن يزيدوا في الاحتياط عليه وتقييده. فخرجوا به حتى وافوا قرطبة، ووافق ذلك كون المعتمد بها، فدخلها ابن عمار أشنع دخول وأسوأه، على بغل بين عِدْلي تِبْن، وقيوده ظاهرة للناس. وقد

стр. 101

كان المعتمد أمر بإخراج الناس خاصة وعامة حتى ينظروا إليه على تلك الحال. وقد كان قبل هذا إذا دخل قرطبة اهتزت له وخرج إليه وجوه أهلها وأعيانهم ورؤساؤهم، فالسعيد منهم من يصل إلى تقبيل يده أو يرد عليه ابن عمار السلام، وغيرهم لا يصل إلا إلى تقبيل رِكابه أو طرف ثوبه، ومنهم من ينظر إليه على بعد لا يستطيع الوصول إليه. فسبحان مُحيل الأحوال ومُديل الدول!. فدخل ابن عمار قرطبة كما ذكرنا، بعد العزة القعساء١, والملك الشامخ، والرياسة الفارعة٢، ذليلًا خائفًا فقيرًا لا يملك إلا ثوبه الذي عليه؛ فسبحان من سلبه ما وهبه، ومنعه ما كان به أمتعه. وأحبر بعض الموكلين به ما اتفق لهم معه من فرط ذكائه وسرعة فطنته، قال: لما قربنا من قرطبة بحيث يرانا الناس، خرج فارس من البلد يركض يقصدنا، فلما رآه ابن عمار -وكان معتمًّا- أزال العمامة عن رأسه، فجاء الفارس حتى وصل إلينا، فنظر إلى ابن عمار ودخل معنا في الصف فمشى، فسألناه فِيمَ جاء؟ فقال: الذي جئت فيه صنعه هذا الرجل قبل أن أصل إليه! فعلمنا أنه أُرسل ليزيل عمامته. فأدخل على المعتمد على الله على الحالة التي ذكرت، يرسف في قيوده٣؛ فجعل المعتمد يعدد عليه أياديه ونعمه، وابن عمار في ذلك كله مطرق لا ينبس٤، إلى أن انقضى كلام المعتمد؛ فكان من جواب ابن عمار أن قال: ما أنكر شيئًا مما يذكره مولانا -أبقاه الله-، ولو أنكرته لشهدت علي به الجمادات فضلًا عمن ينطق؛ ولكنى عثرت فأقل، وزللت فاصفح! فقال المعتمد: هيهات؛ إنها عثرة لا تقال! وأمر به فأحدر في النهر إلى إشبيلية، فدُخل به إشبيلية على الحال التي دخل عليها قرطبة، وجعل في غرفة على باب قصر المعتمد المعروف بالقصر المبارك -وهو باقٍ إلى وقتنا هذا- فطال سجنه هناك. كتبت عنه في هذا السجن قصائد لو توسل بها إلى الدهر لنزع عن جوره، أو إلى الفلك لكف عن دَوْره؛ فكانت رُقًى٥ لم تنجع، ودعوات لم تسمع، وتمائم٦ لم تنفع، فمنها قوله: من الطويل سجاياك إن عافيتَ أندَى وأسجَحُ ... وعذرك إن عاقبتَ أجلى وأوضحُ٧

стр. 102

وإن كان بين الخطتين مَزِية ... فأنت إلى الأدنى من الله تجنحُ١ حنانيك في أخذي برأيك، لا تطع ... عِدَاي ولو أثنوا عليك وأفصحُوا٢ فإن رجائي أن عندك غير ما ... يخوض عدوي اليوم فيه ويمرحُ٣ ولم لا وقد أسلفتُ وُدًّا وخدمة ... يَكُرَّان في ليل الخطايا فيصبحُ٤ وهبني وقد أعقبت أعمال مفسد ... أما تفسد الأعمال ثُمَّتَ تَصلُحُ أقلني بما بيني وبينك من رضًا ... له نحو روح الله باب مُفتَّحُ وعَفِّ على آثار جُرْم سلكتُها ... بهبَّة رُحْمى منك تمحو وتُمصِحُ٥ ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهم ... فكل إناء بالذي فيه يرشَحُ٦ سيأتيك في أمري حديث وقد أتى ... بزُور بني عبد العزيز موشحُ٧ وما ذاك إلا ما علمت فإنني ... إذا ثُبت لا أنفك آسو وأجرحُ٨ كأني بهم لا دَرَّ لله دَرُّهم ... أشاروا تجاهي بالشمات وصرحُوا وقالوا: سيجزيه فلان بفعله ... فقلت: وقد يعفو فلان ويصفحُ! ألا إن بطشًا للمؤيد يرتمي ... ولكن حلمًا للمؤيد يرجَحُ٩ وماذا عسى الواشون أن يتزيدوا ... سوى أن ذنبي واضح مُتصححُ؟! نعم, لي ذنب غير أن لحلمه ... صَفاة يزل الذنب عنها فيسفحُ١٠ عليه سلام كيف دار به الهوى ... إلي فيدنو أو علي فينزحُ١١

стр. 103

ويهنيه إن متُّ السُّلوُ فإنني ... أموت ولي شوق إليه مبرحُ١ وبين ضلوعي من هواه تميمة ... ستنفع لو أن الحمام يُجلّحُ٢ ولما بلغت المعتمد هذه القصيدة وأنشدت بين يديه، كان بحضرته رجل من البغداديين، فجعل يزري على هذا البيت: وبين ضلوعي ... ويقول: ما أراد بهذا المعنى؟ فكان من جواب المعتمد ﵀ أن قال: أما لئن سلبه الله المروءة والوفاء، لما أعدمه الفطنة والذكاء؛ إنما نظر إلى بيت الهذلي٣ من طرف خفي، وهو: من الكامل وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كل تميمة لا تنفعُ! ٤ ولم يزل ابن عمار هذا بسجن المعتمد، إلى أن قتله صبرًا في شهور سنة ٤٧٩. وتلخيص خبر قتله، أنه لما طال سجنه كتب إليه بالقصيدة التي تقدم إنشادها، فأدركت المعتمدَ بعضُ الرقة، فوجه إليه ليلًا وهو في بعض مجالس أنسه، فأتي به يرسف في قيوده، فجعل المعتمد يعدد مننه عليه وأياديه قِبَله، فلم يكن لابن عمار جواب ولا عذر، غير أنه أخذ في البكاء، وجعل يترقق للمعتمد ويمسح عِطْفيه ويستجلب من الألفاظ كل ما يقدر أنه يزرع له الرأفة في قلب المعتمد؛ فتم له بعض ما أراد من ذلك، وعطفت المعتمد عليه سابقته وقديم حرمته؛ فقال له قولًا يتضمن العفو عنه تعريضًا لا تصريحًا؛ وأمر برده إلى محبسه؛ فكتب ابن عمار من فوره بما دار له مع المعتمد إلى ابنه الراضي بالله، فوافاه الكتاب وبحضرته قوم كانت بينهم وبين ابن عمار إِحَن٥ قديمة؛ فلما قرأ الراضي الكتاب قال لهم: ما أرى ابن عمار إلا سيتخلص؛ فقالوا له: ومن أين علم مولانا ذلك؟ فقال: هذا كتاب ابن عمار يخبرني فيه أن مولانا المعتمد قد وعده بالخلاص؛ فأظهر القوم الفرح وهم يبطنون غيره؛ فلما قاموا من مجلس الراضي نشروا حديث ابن عمار أقبح نشر، وزادوا فيه زيادات قبيحة صُنت هذا الكتاب عن ذكرها. فبلغ المعتمد ذلك، فأرسل إلى ابن عمار

стр. 104

وقال له: هل أخبرت أحدًا بما كان بيني وبينك البارحة؟ فأنكر ابن عمار كل الإنكار، فقال المعتمد للرسول: قل له: الورقتان اللتان استدعيتَهما، كتبت في إحداهما القصيدة، فما فعلتَ بالأخرى؟ فادعى أنه بيَّض فيها القصيدة؛ فقال المعتمد: هلم المسوَّدة! فلم يجد جوابًا، فخرج المعتمد حنِقًا وبيده الطبرزين١ حتى صعد الغرفة التي فيها ابن عمار، فلما رآه علم أنه قاتله، فجعل ابن عمار يزحف وقيوده تثقله، حتى انكب على قدمي المعتمد يقبلهما، والمعتمد لا يثنيه شيء؛ فعلاه بالطبرزين الذي في يده، ولم يزل يضربه به حتى بَرَد٢. ورجع المعتمد فأمر بغسله وتكفينه، وصلى عليه ودفنه بالقصر المبارك. فهذا ما انتهى إلينا من خبر ابن عمار ملخَّصًا حسبما بقي على خاطري. رجع الحديث عن بني عباد ولم يزل المعتمد هذا في جميع مدة ولايته والأيام تساعده، والدهر على ما يريده يؤازره ويعاضده، إلى أن انتظم له في ملكه من بلاد الأندلس ما لم ينتظم لملك قبله، أعنى: من المتغلبين. ودخلت في طاعته مدن من مدائنها أعيت الملوك وأعجزتهم، وامتدت مملكته إلى أن بلغت مدينة مرسية، وهي التي تعرف بـ تدمير، بينها وبين إشبيلية نحو من اثنتي عشرة مرحلة، وفي خلال ذلك مدن متسعة وقرًى ضخمة. وكان تغلبه على قرطبة، وإخراجه ابن عكَّاشة منها يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر سنة ٤٧١. ثم رجع إلى إشبيلية واستخلف عليها٣ ولده عبادًا ولقبه بـ المأمون، وهو أكبر ولده، ولد له في حياة أبيه المعتضد، وسماه عبادًا، فكان المعتضد يضمه إليه ويقول: يا عباد، يا ليت شعري من المقتول بقرطبة، أنا أو أنت؟ فكان المقتولَ بها عبادٌ هذا في حياة أبيه المعتمد، وفي السنة التي زال عنهم الملك فيها. أول أمر المرابطين بالأندلس ولما كانت سنة ٤٧٩ جاز المعتمد على الله البحر قاصدًا مدينة مراكش إلى يوسف بن تاشفين، مستنصرًا به على الروم، فلقيه يوسف المذكور أحسن لقاء، وأنزله أكرم نُزُل، وسأله عن حاجته، فذكر أنه يريد غزو الروم، وأنه يريد إمداد أمير المسلمين إياه بخيل ورجال؛ ليستعين بهم في حربه. فأسرع أمير المسلمين المذكور

стр. 105

إجابته إلى ما دعاه إليه؛ وقال له: أنا أول منتدب لنصرة هذا الدين، ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا أنا بنفسي!. فرجع المعتمد إلى الأندلس مسرورًا بإسعاف أمير المسلمين إياه في طِلْبَته١، ولم يدر أن تدميره في تدبيره؛ وسل سيفًا يحسبه له ولم يدر أنه عليه؛ فكان كما قال أبو فراس٢: من الطويل إذا كان غير الله للمرء عُدة ... أتته الرَّزايا من وجوه الفوائدِ٣ كما جرت الحنفاء حَتْفَ حُذيفة ... وكان يراها عُدة للشدائدِ! ٤ فأخذ أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في أهبة العبور إلى جزيرة الأندلس؛ وذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، فاستنفر من قدر على استنفاره من القواد وأعيان الجند ووجوه قبائل البربر؛ فاجتمع له نحو من سبعة آلاف فارس في عدد كثير من الرَّجل؛ فعبر البحر بعسكر ضخم، وكان عبوره من مدينة سبتة، فنزل المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وتلقاه المعتمد في وجوه أهل دولته، وأظهر من بره وإكرامه فوق ما كان يظنه أمير المسلمين، وقدم إليه من الهدايا والتحف والذخائر الملوكية ما لم يظنه يوسف عند ملك؛ فكان هذا أول ما أوقع في نفس يوسف التشوف٥ إلى مملكة جزيرة الأندلس. ثم إنه فصل عن الخضراء بجيوشه قاصدًا شرقي الأندلس، وسأله المعتمد دخول إشبيلية دار ملكه ليستريح فيها أيامًا حتى تزول عنه وعثاء السفر٦، ثم يقصد قصده، فأبى عليه وقال: إنما جئت ناويًا جهاد العدو، فحيثما كان العدو توجهت وجهه. وكان الأدفنش -لعنه الله- محاصرًا لحصن من حصون المسلمين يعرف بحصن الليط؛ فلما بلغه عبور البربر أقلع عن الحصن راجعًا إلى بلاده, مستنفرًا عساكره ليلقى بهم البربر. وتوجه يوسف المذكور إلى شرقي الأندلس يقصد ذلك الحصن المحاصر،

стр. 106

والإصلاح بين المعتمد على الله وبين رجل كان تغلب على مرسية يقال له: ابن رشيق -قد تقدم ذكره في أخبار ابن عمار- فأصلح بينهما يوسف أمير المسلمين، على أن يخرج له ابن رشيق عن مرسية، ويعوضه المعتمد عن ذلك مالًا جعله له، ويوليه في جهة إشبيلية ولاية؛ فأجابه ابن رشيق إلى ذلك؛ وتسلم المعتمد مرسية وأعمالها. ولقي يوسف أمير المسلمين ملوك الأندلس الذين كان عليهم طريقه، كصاحب غرناطة، والمعتصم بن صُمادح١ صاحب المَريَّة، وابن عبد العزيز أبو بكر صاحب بَلَنْسية. وقعة الزَّلَّاقة ثم إن يوسف المذكور استعرض جنده على حصن الرقة؛ فرأى منهم ما يسره، فقال للمعتمد على الله: هلم ما جئنا له من الجهاد وقصد العدو؛ وجعل يظهر التأفف من الإقامة بجزيرة الأندلس، ويتشوق إلى مراكش، ويصغر قدر الأندلس، ويقول في أكثر أوقاته: كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيمًا قبل أن نراها، فلما رأيناها وقعت دون الوصف! , وهو في ذلك كله يُسر حَسْوًا في ارتغاء٢! فخرج المعتمد بين يديه قاصدًا مدينة طليطلة، واجتمع للمعتمد أيضًا جيش ضخم من أقطار الأندلس. وانتدب الناس للجهاد من سائر الجهات، وأمد ملوك الجزيرة يوسف والمعتمد بما قدروا عليه من خيل ورجال وسلاح، فتكامل عدد المسلمين من المتطوعة والمرتزقة٣ زُهاء عشرين ألفًا، والتقوا هم والعدو بأول بلاد الروم. وكان الأدفنش -لعنه الله- قد استنفر الصغير والكبير، ولم يدع في أقاصي مملكته من يقدر على النهوض إلا استنهضه، وجاء يجر الشوك والشجر؛ وإنما كان مقصوده الأعظم قطع تشوف البرابرة عن جزيرة الأندلس، والتهيب عليهم. فأما ملوك الأندلس فلم يكن منهم أحد إلا يؤدي إليه الإتاوة٤، وهم كانوا أحقر في عينه, وأقل من أن يحتفل لهم!.

стр. 107

ولما تراءى الجمعان من المسلمين والنصارى، رأى يوسف وأصحابه أمرًا عظيمًا هالهم من كثرة عددٍ، وجودة سلاح وخيل، وظهور قوة؛ فقال للمعتمد: ما كنت أظن هذا الخنزير -لعنه الله- يبلغ هذا الحد!. وجمع يوسف أصحابه وندب لهم من يعظهم ويذكرهم؛ فظهر منهم من صدق النية والحرص على الجهاد واستسهال الشهادة ما سر به يوسف والمسلمون. وكان ترائيهم يوم الخميس، وهو الثاني عشر من شهر رمضان؛ فاختلفت الرسل بينهم في تقرير يوم الزحف ليستعد الفريقان؛ فكان من قول الأدفنش -لعنه الله-: الجمعة لكم، والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا وأكثر خدم العسكر منهم، فلا غنى بنا عنهم، والأحد لنا؛ فإذا كان يوم الاثنين كان ما نريده من الزحف. وقصد -لعنه الله- مخادعة المسلمين واغتيالهم، فلم يتم له ما قصد ... فلما كان يوم الجمعة تأهب المسلمون لصلاة الجمعة ولا أمارة عندهم للقتال، وبنى يوسف بن تاشفين الأمر على أن الملوك لا تغدر؛ فخرج هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة؛ فأما المعتمد فإنه أخذ بالحزم، فركب هو وأصحابه شاكِّي السلاح١، وقال لأمير المسلمين: صل في أصحابك؛ فهذا يوم ما تطيب نفسي فيه، وها أنا من ورائكم؛ وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين. فأخذ يوسف وأصحابه في الصلاة، فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصارى، وحمل الأدفنش -لعنه الله- في أصحابه؛ يظن أنه قد انتهز الفرصة؛ وإذا المعتمد وأصحابه من وراء الناس، فأغنى ذلك اليوم غَناء٢ لم يشهد لأحد من قبله؛ وأخذ المرابطون سلاحهم فاستووا على متون الخيل، واختلط الفريقان؛ فأظهر يوسف بن تاشفين وأصحابه من الصبر وحسن البلاء والثبات ما لم يكن يحسبه المعتمد؛ وهزم الله العدو، واتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل وجه، ونجا الأدفنش -لعنه الله- في تسعة من أصحابه؛ فكان هذا أحد الفتوح المشهورة بالأندلس، أعز الله فيه دينه وأعلى كلمته، وقطع طمع الأدفنش -لعنه الله- عن الجزيرة، بعد أن كان يقدر أنها في ملكه، وأن رءوسها خدم له؛ وذلك كله بحسن نية أمير المسلمين. وتسمى هذه الوقعة عندهم وقعة الزلاقة. وكان لقاء المسلمين عدوهم -كما ذكرنا- في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان الكائن في سنة ٤٨٠. ورجع يوسف بن تاشفين وأصحابه عن ذلك المشهد منصورين, مفتوحًا لهم وبهم. فسُر بهم

стр. 108

أهل الأندلس، وأظهروا التيمن بأمير المسلمين والتبرك به، وكثر الدعاء له في المساجد وعلى المنابر، وانتشر له من الثناء بجزيرة الأندلس ما زاده طمعًا فيها, وذلك أن الأندلس كانت قبله بصدد التَّلاف، من استيلاء النصارى عليها وأخذهم الإتاوة من ملوكها قاطبة. فلما قهر الله العدو وهزمه على يد أمير المسلمين، أظهر الناس إعظامه، ونشأ له الود في الصدور. ثم إنه أحب أن يجول في الأندلس على طريق التفرج والتنزه، وهو يريد غير ذلك؛ فجال فيها ونال من ذلك ما أحب، وفي خلال ذلك كله يظهر إعظام المعتمد وإجلاله، ويقول مصرحًا: إنما نحن في ضيافة هذا الرجل وتحت أمره، وواقفون عند ما يحده. بين المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد وكان ممن اختص بأمير المسلمين من ملوك الجزيرة وحظي عنده واشتد تقريب أمير المسلمين له: أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح المعتصم صاحب المرية. وكان المعتصم هذا قديم الحسد للمعتمد، كثير النفاسة١ عليه؛ لم يكن في ملوك الجزيرة من يناويه٢ غيره، وربما كانت بينهما في بعض الأوقات مراسلات قبيحة. وكان المعتصم يعيبه في مجالسه وينال منه, ويمنع المعتمد من فعل مثل ذلك مروءته ونزاهة نفسه وطهارة سريرته وشدة ملوكيته. وقد كان المعتمد قبل عبور أمير المسلمين بيسير، توجه إلى شرقي الأندلس يتطوف على مملكته ويطالع أحوال عماله ورعيته؛ فلما دانى أول بلاد المعتصم، خرج إليه في وجوه أصحابه، وتلقاه لقاء نبيلًا، وعزم عليه ليدخلن بلاده؛ فأبى المعتمد ذلك. ثم اتفقا بعد طول مُرَاوَدة٣ على أن يجتمعا في أول حدود بلاد المعتصم وآخر حدود بلاد المعتمد، فكان ذلك واصطلحا في الظاهر. واحتفل المعتصم في إكرامه, وأظهر من الآلات السلطانية والذخائر الملوكية المعدة لمجالس الأنس ما ظنه مُكْمِدًا٤ للمعتمد مثيرًا لغمه. وقد أعاذ الله المعتمد من ذلك، وصان خلقه الكريم عنه، وعصمه بفضله منه؛ ثم افترقا بعد أن أقام المعتمد

стр. 109

عنده في ضيافته ثلاثة أسابيع، ورجع المعتمد إلى بلاده. وبإثر ذلك عبر إلى مراكش؛ ولم يزل ما بينه وبين المعتصم معمورًا إلى أن عبر أمير المسلمين كما ذكرنا، فلقيه المعتصم بهدايا فاخرة وتحف جليلة، وتلطف في خدمته حتى قربه أمير المسلمين أشد تقريب؛ وكان يقول لأصحابه: هذان رجلا هذه الجزيرة؛ يعني: المعتصم والمعتمد. وكان أكبر أسباب تقريب أمير المسلمين إياه، ثناء المعتمد عليه عند أمير المسلمين، ووصفه إياه عنده بكل فضل؛ ولم يكن المعتصم بعيدًا من أكثر ما وصفه به. ولما اشتد تمكن المعتصم من أمير المسلمين، بدا له أن يسعى في تغيير قلبه على المعتمد وإفساد ما بينهما -حسن له ذلك سوء رأيه ودنس سريرته وضعف بصره بعواقب الأمور، وليقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وليبلغ القدر ميقاته؛ وإذا أراد الله تمام أمر هيأ له أسبابًا- فشرع المعتصم فيما أراده من ذلك, ولم يدر أنه ساقط في البئر التي حفر، وقتيل بالسلاح الذي شهر، فكان من جملة ما ألقى إلى أمير المسلمين، أن جعل يقرر عنده عجب المعتمد بنفسه، وفَرْط كِبْره، وأنه لا يرى أحدًا كفؤًا له. وزعم أنه قال له في بعض الأيام -وقد قال له المعتصم: طالت إقامة هذا الرجل بالجزيرة، يعني: أمير المسلمين-: لو عوجْتُ له إصبعي ما أقام بها ليلة واحدة هو ولا أصحابه, وكأنك تخاف غائلته؛ وأي شيء هذا المسكين وأصحابه؟ إنما هم قوم كانوا في بلادهم في جهد من العيش، وغلاء من السعر، جئنا بهم إلى هذه البلاد نطعمهم حسبة وائتجارًا١، فإذا شبعوا أخرجناهم عنها إلى بلادهم! إلى أمثال هذا القول من تحقير أمرهم. وأعانه على ذلك قوم من وجوه الأندلس، إلى أن بلغوا ما أرادوه من تغير قلب يوسف أمير المسلمين على المعتمد. وقد كان أمير المسلمين ضرب لنفسه ولأصحابه أجلًا وحد له ولهم مدة يقيمونها في الجزيرة لا يزيدون عليها. وإنما فعل ذلك تطييبًا لقلب المعتمد وتسكينًا لخاطره؛ فلما انقضت تلك المدة أو قاربت، عبر أمير المسلمين إلى العدوة وقد وغِر صدره وتغيرت نفسه: من الطويل وما النفس إلا نطفة في قرارةٍ ... إذا لم تُكدَّر كان صفوًا غديرُها٢ هذا مع ما ذكرنا من طمعه في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها؛ وظهرت للمعتمد قبل عبوره أشياء عرف بها أنه غُيِّر عليه!.

стр. 110

نكبة بني عباد ورجع أمير المسلمين إلى مراكش وفي نفسه من أمر الجزيرة المُقِيم المُقعِد؛ فبلغني أنه قال لبعض ثقاته من وجوه أصحابه: كنت أظن أني قد ملكت شيئًا، فلما رأيت تلك البلاد، صغرت في عيني مملكتي؛ فكيف الحيلة في تحصيلها؟ فاتفق رأيه ورأي أصحابه على أن يراسلوا المعتمد يستأذنونه في رجال من صلحاء أصحابهم رغبوا في الرباط بالأندلس ومجاهدة العدو والكون ببعض الحصون المصاقبة١ للروم إلى أن يموتوا؛ ففعلوا، وكتبوا إلى المعتمد بذلك، فأذن لهم، بعد أن وافقه على ذلك ابن الأفطس المتوكل صاحب الثغور, وإنما أراد يوسف وأصحابه بذلك أن يكون قوم من شيعتهم مبثوثين بالجزيرة في بلادها، فإذا كان أمر من قيام بدعوتهم أو إظهار لمملكتهم وجدوا في كل بلد لهم أعوانًا. وقد كانت قلوب أهل الأندلس -كما ذكرنا- قد أُشْرِبت٢ حب يوسف وأصحابه، فجهز يوسف من خيار أصحابه رجالاً انتخبهم، وأمَّر عليهم رجلاً من قرابته يسمى بُلُجِّين، وأسر إليه ما أراده، فجاز بلجين المذكور، وقصد المعتمد من ملوك الجزيرة فقال له: أين تأمرني بالكون؟ فوجه معه المعتمد من أصحابه من ينزله ببعض الحصون التي اختارها لهم، فنزل حيث أنزلوه هو وأصحابه. وأقاموا هناك إلى أن ثارت الفتنة على المعتمد، وكان مبدؤها في شوال من سنة ٤٨٣ بأخذ جزيرة طريف المقابلة لطنجة من العدوة، دون مقدمة ظاهرة توجب ذلك، فتشعبت جموعه وأهواؤُها ملتئمة، وانتثرت بلاده وقلوب أهلها على محبته منتظمة. ولما أخذ المرابطون جزيرة طريف ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين، انتشر ذلك في الأندلس، وزحف القوم الذين قدمنا ذكرهم، الكائنون في الحصون، إلى قرطبة؛ فحاصروها وفيها عباد بن المعتمد الملقب بـ المأمون، وقد تقدم ذكره، وهو من أكبر ولده؛ فدخلوا البلد، وقتل عباد هذا بعد أن أبلى عذرًا، وأظهر في الدفاع عن نفسه جَلَدًا وصبرًا؛ ذلك في مستهل صفر الكائن في سنة ٤٨٤؛ فزادت الإحنة٣ والمحنة، واستمرت في غُلَوائها٤ الفتنة. وأجمعت على الثورة بحضرة إشبيلية طائفة، فأُعلم المعتمد بما اعتقدته الطائفة
следующие страницы →