وتسويغكم نُعمَى ترف ظلالها ... عليكم بخير عاجل غير آجلِ١
فلا تتوانوْا فالبِدَار غنيمة ... وللمدلج الساري صفاء المناهلِ٢
فاستجاب له منهم جمع ضخم؛ فلما أراد الانفصال عن الجزيرة رتبهم فيها، فجعل بعضهم في نواحي قرطبة، وبعضهم في نواحي إشبيلية مما يلي مدينة شَرِيش وأعمالها؛ فهم بها باقون إلى وقتنا هذا -وهو سنة ٦٢١-, وقد انتشر من نسلهم بتلك المواضع خلق كثير. وزاد فيهم أبو يعقوب، وأبو يوسف، حتى كثروا هناك؛ فبالجزيرة اليوم من العرب من زُغبة وريح وجشم بن بكر وغيرهم نحو من خمسة آلاف فارس سوى الرَّجَّالة.
وكان عبور عبد المؤمن ﵀ إلى الجزيرة ونزوله بجبل الفتح في سنة ٥٣٨، ثم كر -كما ذكرنا- راجعًا إلى مراكش؛ فأخبرني غير واحد ممن أرضى نقلَهُ، أنه لما نزل مدينة سلا -وهي مدينة على البحر الأعظم المحيط، ينصب إليها نهر عظيم يصب في البحر المذكور- عبر النهر، وضُربت له خيمة على الشاطئ؛ وجعلت العساكر تعبر قبيلة بعد قبيلة؛ فلما نظر إلى كثرة العدد وانتشار العالم، خر ساجدًا، ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته؛ والتفت إلى من عنده وقال: أعرف ثلاثة أشخاص وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد، فراموا عبور هذا النهر، فأتوا صاحب القارب وبذلوا له الرغيف على أن يعبروا ثلاثتهم فقال: لا آخذه إلا على اثنين خاصة؛ فقال لهم أحدهم -وكان شابًّا جلدًا-: خذا ثيابي معكما وأعبر أنا سباحةً! فأخذا ثيابه معهما، وصعدا في القارب؛ فجعل الشاب يسبح، فكلما أعيا دنا من القارب ووضع يديه عليه ليستريح، فضربه صاحبه بالمجداف الذي معه حتى يؤلمه؛ فما بلغ البر إلا بعد جهدٍ شديدٍ!.
فما شك السامعون للحكاية أنه العابر سباحة، وأن الاثنين المذكورين هما ابن تومرت, وعبد الواحد الشرقي.
ثم سار حتى أتى مراكش، فنزلها، وأخذ في البناء والغِراسة٣ وترتيب القصور، غير مخلٍّ بشيء مما تحتاج إليه المملكة من السياسة وتدبير الأمور وبسط العدل والتحبب إلى الرعية وإخافة من تجب إخافته.
стр. 177
وأخبرني السيد حقيقة والماجد١ خلقًا وخليقة، أبو زكريا يحيى ابن الإمام أمير المؤمنين أبي يعقوب ابن الإمام أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن علي: أنه رأى على ظهر كتاب الحماسة بخط الخليفة عبد المؤمن هذين البيتين، وقال لي ﵀: لا أدري هما له أو لغيره: من البسيط
وحَكِّمِ السيفَ لا تعبأ بعاقبة ... وخلها سيرة تبقى على الحِقَبِ٢
فما تنال بغير السيف منزلة ... ولا ترد صدور الخيل بالكتبِ
وقد كان عبد المؤمن حين فصل عن بجاية وولى عليها ابنه عبد الله -حسبما تقدم- عهد إليه أن يشن الغارات على نواحي إفريقية، وأن يضيق على تونس ويمنع عنها المرافق التي تصل إليها على طريقه؛ ففعل ذلك.
غزو الموحدين لإفريقية
ثم إن عبد الله تجهز في جيش عظيم من المصامدة والعرب وغيرهم، وسار حتى نزل على مدينة تونس، وهي حاضرة إفريقية بعد القيروان، وكرسي مملكتها، ومقر تدبيرها، وإياها يستوطن والي إفريقية، لم يزل هذا معروفًا من أمرها إلى وقتنا هذا -وهو سنة ٦٢١- فحاصرها عبد الله المذكور، وأخذ في قطع أشجارها وتغوير مياهها٣, وكان الذي يملكها في ذلك الوقت لوجار بن لوجار المعروف بابن الدوقة الرومي صاحب صقلية -لعنه الله-, وكان عاملَهُ عليها رجلٌ من المسلمين اسمه عبد الله؛ يعرف بابن خراسان؛ لم يزل عاملا عليها حتى أخرجه الموحدون في التاريخ الذي سيذكر. فلما طال على ابن خراسان الحصار، أجمع رأيه ورأي أهل البلد من الجند على الخروج لقتال المصامدة، ففعلوا ذلك، وخرجوا بخيل ضخمة، فالتقوا هم وأصحاب عبد الله فانهزم أصحاب عبد الله، وقتل منهم خلق كثير. ورجع عبد الله ببقية أصحابه إلى بجاية إلى بجاية, فكتب إلى أبيه يخبره بذلك.
فتح المهدية واسترجاعها من يد الصقليين
فلما كان في آخر سنة ٥٥٣ أخذ عبد المؤمن في الحركة إلى إفريقية، فجمع جموعًا عظيمة من المصامدة وغيرهم من جند المغرب، وسار حتى نزل على مدينة تونس، فافتتحها عَنْوة؛ وفصل عنها إلى مهدية بني عبيد؛ وفيها الروم أصحاب ابن
стр. 178
الدوقة، وفيها معهم يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بُلُجِّين بن زيري بن مَنَاد الصنهاجي، ملوك القيروان؛ فنزل عبد المؤمن عليها فحاصرها أشد الحصار، وهي من معاقل المغرب المنيعة؛ لأن بنيانها في غاية الإحكام والوَثَاقة١؛ بلغني أن عرض حائط سورها ممشى ستة أفراس في صف واحد، ولا طريق لها من البر إلا على باب واحد، والبحر في قبضة من في البلد: يدخل الشيني كما هو بمقاتلته إلى داخل دار الصناعة، لا يقدر أحد ممن في البر على منعه؛ فبهذا قدر الروم على الصبر على الحصار؛ لأن النجدة كانت تأتيهم من صقلية في كل وقت. وأقام عبد المؤمن وأصحابه عليها سبعة أشهر إلا أيامًا، وأصابتهم عليها شدة شديدة من غلاء السعر؛ بلغني عن غير واحد أنهم اشتروا الباقلاء في العسكر، سبع باقلات بدرهم مُؤمِنيّ، وهو نصف درهم النصاب. ثم اقتتحها عبد المؤمن ﵀ بعد أن أمن النصارى الذين بها على أنفسهم، على أن يخرجوا له عن البلد، ويلحقوا بصقلية بلدهم حيث مملكة صاحبهم؛ ففعلوا ذلك، ودخل عبد المؤمن وأصحابه المهدية فملكوها.
وبعث إلى قابس من افتتحها، وفيها الروم أيضًا.
امتداد مملكة الموحدين إلى الشرق
ثم افتتح طرابلس المغرب، وأرسل إلى بلاد الجريد، وهي تَوْزَر، وقَفْصة، ونَفْطَة، والحامَّة، وما والى هذه البلاد؛ فافتُتحت كلها، وأخرج الإفرنج منها وألحقهم ببلادهم كما تقدم. فمحا الله به الكفر من إفريقية، وقطع عنها طمع العدو؛ فانتبه٢ بها الدين بعد خموله، وأضاء كوكب الإيمان بعد انطماسه وأُفُوله٣.
وتم لعبد المؤمن ﵀ ملك إفريقية كلها منتظمًا إلى مملكة المغرب، فملك في حياته من طرابلس المغرب إلى سوس الأقصى من بلاد المصامدة وأكثر جزيرة الأندلس؛ وهذه مملكة لم أعلمها انتظمت لأحد قبله منذ اختلت دولة بني أمية إلى وقته.
ألوان من شكر النعمة
ثم كر عبد المؤمن راجعًا من إفريقية، بعد ما استولى على بلادها ودان له أهلها٤؛
стр. 179
فأخبرني بعض أشياخ الموحدين من ذوي التحصيل منهم والثقة، أن عبد المؤمن مر في طريقه راجعًا من إفريقية ببجاية؛ فدخل البلد متنزهًا فيه، فمر بسُوَيْقة١ بناحية باب من أبوابها يدعى باب تاطُنْت؛ فوقف ووقفت معه وجوه دولته؛ فسأل عن بياع بها سماه باسمه؛ فأخبره أهل السويقة بوفاته، فقال: هل خلف عقبًا؟ قالوا: نعم؛ فأمر بشراء جميع الدكاكين التي بتلك السويقة وأوقفها عليهم، وأمر لهم بمال كثير. ثم التفت إلى بعض خواصه وقال له: أتيت إلى هذا البياع ولي وللإمام -يعني: ابن تومرت- ولجماعة من أصحابنا من الطلبة أيام لم نطعم فيها، وما معي إلا سكين الدواة؛ فأخذت منه خبزًا وإدامًا، ثم وضعت عنده السكين رهنًا على ذلك، فأبى قبولها وقال لي: إني توسمتُ فيك الخير؛ فمتى أعوزك شيء فهلم الدكان فهو بين يديك وبحكمك! فحقه علي أكثر من هذا.
ونظر في هذا اليوم الذي ركب فيه مخترقًا بجاية إلى يحيى بن العزيز يمشي بين يديه راجلا وقد علاه الغبار، فدمعت عيناه، واستدعاه فقال له: أتذكر يومًا خرجت إلى بعض منتزهاتك، فأذكر أني جمعني وإياك هذا الباب، فوطئت دابتك عقبي، فلما نظرتُ إليك أمرتَ بعض عبيدك فوكزني وكزة٢ كدت أقع منها لفِيَّ! فاستحيا يحيى وتغير لونه وأطرق، وجعل يقول: الله الله يا مولاي! وظن أنه الشر؛ فلما رأى ذلك منه قال له: إنما ذكرت لك ذلك على طريق الاعتبار؛ ولتذكر وتنظر كيف تقلب الأيام بأهلها! وأمر له بما زال به رَوْعُهُ٣.
ومر في طريقه هذا ما بين البطحاء وتلمسان بموضع قد التف فيه الدَّوْح، فجاءت منه دوحة٤ في وسطها رحبة٥ نقية؛ فأمر أن يضرب خباؤه هنالك؛ وهو غير منزل معروف. فلما نزل ونزلت العساكر واستقر بهم النزول، قال لبعض خواصه: أتدرون لِمَ آثرت النزول بهذا المكان؟ قالوا: لا؛ قال: ذلك لأني بت بهذا الموضع في بعض الليالي جائعًا مقرورًا٦، وكانت ليلة ممطورة؛ فما زال هذا الدوح وقائي حتى أصبحت؛ فأردت النزول هنا على هذه الحالة لأشكر الله سبحانه على الفرق ما
стр. 180
بين المنزلتين والفصل ما بين المبيتين! ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين شكرًا لله . وجدت هذه الحكاية بخط رجل من ولد ولد عبد المؤمن؛ من اسمه موسى بن يوسف بن عبد المؤمن.
وبدا له في هذا الوجه أن يمر على القرية التي تسمي تاجرا -وبها كان مولده كما تقدم- لزيارة قبر أمه وصلة من هناك من ذوي رحمه؛ فلما أطل عليها والجيوش قد انتشرت بين يديه وقد خفقت على رأسه أكثر من ثلاثمائة راية ما بين بنود وألوية، وهزت أكثر من مائتي طبل -وطبولهم في نهاية الكبر وغاية الضخامة، يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز ويحس قلبه يكاد يتصدع من شدة دَوِيِّها- فخرج أهل القرية للقائه والتسليم عليه بالخلافة؛ فقالت امرأة عجوز من عجائز القرية، ممن كانت تصحب أمه: هكذا يعود الغريب إلى بلده! تقول ذلك رافعة صوتها ...
وفاء وفداء
ونازع عبدَ المؤمن الأمرَ قومٌ من قرابة ابن عبد الله يعرفون بأيِت ومَغار -معناه بالعربية: بنو ابن الشيخ- وانتهوا في ذلك إلى أن أجمع رأيهم ورأي من وافقهم على سوء صنيعهم على أن يدخلوا على عبد المؤمن خباءه ليلا فيقتلوه؛ وظنوا أن ذلك يخفى من أمرهم، وأن عبد المؤمن إذا فُقد ولم يُعلم من قتله صار الأمر إليهم؛ لأنهم أحق به؛ إذ كانوا أهل الإمام وقرابته وأولى الناس به، فأعلم بما أرادوه من ذلك رجل من أصحاب ابن تومرت، من خيارهم، اسمه إسماعيل بن يحيى الهزرجي؛ فأتى عبد المؤمن فقال له: يا أمير المؤمنين، لي إليك حاجة! قال: وما هي يا أبا إبراهيم؟ فجميع حوائجك عندنا مقضية! قال: أن تخرج عن هذا الخباء وتدعني أبيت فيه! ولم يعلمه بمراد القوم؛ فظن عبد المؤمن أنه إنما يستوهبه الخباء؛ لأنه أعجبه, فخرج عنه وتركه له؛ فبات فيه إسماعيل المذكور؛ فدخل عليه أولئك القوم فتولوه بالحديد حتى برد. فلما أصبحوا ورأوا أنهم لم يصيبوا عبد المؤمن؛ فروا بأنفسهم حتى أتوا مراكش وراموا القيام بها؛ فأتوا البوابين الذين على القصور فطلبوا منهم المفاتيح، فأبوا عليهم؛ فضربوا عنق أحدهم وفر باقيهم؛ وكادوا يغلبون على تلك القصور. ثم إن الناس اجتمعوا عليهم، من الجند وخاصة العبيد، فقاتلوهم قتالا شديدًا من لدن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ثم إن العبيد غلبوهم على أمرهم؛ ولم يزل الناس يتكاثرون عليهم إلى أن أُخذوا قبضًا باليد, فقُيدوا وجُعلوا في السجن إلى أن وصل أبو محمد
стр. 181
عبد المؤمن ﵀ إلى مراكش؛ فقتلهم صبرًا، وقتل معهم جماعة من أعيان هرغة، بلغه أنهم قادحون١ في ملكه, متربصون به.
ولما أصبح أبو إبراهيم إسماعيل المتقدم الذكر في الخباء مقتولا على الحال التي ذكرنا، أعظم ذلك عبد المؤمن ووجد٢ عليه وجدًا مفرطًا أخرجه عن حد التماسك إلى حيز الجزع، فأمر بغسله وتكفينه، وصلى عليه بنفسه، ودُفن.
ولم يترك إسماعيل هذا من الولد سوى ولد واحد ذكر، اسمه يحيى. نال يحيى هذا في أيام أبي يوسف يعقوب جاهاً متسعاً ورتبة عالية، وكذلك في أيام أبي عبد الله محمد؛ كانت أكثر أمورهم ترجع إليه؛ لم يزل كذلك إلى أن مات في شهور سنة ٦٠٢ وترك بنتًا واحدة، تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، اسمها فاطمة، لا عقب له منها؛ طال عمرها، تركتها بالحياة حين فصلتُ عن مراكش في شهور سنة ٦١١.
ولإسماعيل هذا مع ابن تومرت خبر يقرب مما قدمنا في النصح والتحذير، تلطف فيه إسماعيل غاية التلطف؛ وذلك أن ابن تومرت حين خرج من مراكش على الحال التي تقدمت من إخراج أمير المسلمين إياه عنها، سار حتى نزل الضيعة التي فيها أبو إبراهيم؛ فدخل المسجد، فاجتمع أهل الضيعة على باب المسجد ينظرون إلى ابن تومرت ويقول بعضهم لبعض همسًا: هذا الذي نفاه أمير المسلمين عن بلاده لإفساده عقول الناس؛ ونحو هذا القول؛ وهموا بقتله تقربًا بذلك إلى أمير المسلمين. فلما رأى ذلك أبو إبراهيم من أمرهم، تقدم إلى ابن تومرت فسأله عن إعراب هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] . ففهم ابن تومرت ما أراد، وخرج عن تلك الضيعة، وعرف لأبي إبراهيم نصحه؛ ثم لحق به أبو إبراهيم هذا بعد ما اشتهر أمره بـ تينمل؛ فهو معدود في أهل الجماعة.
ولما قتل عبد المؤمن أولئك القوم الذين قدمنا ذكرهم صبرًا، هابه المصامدة وسائر أهل دولته، وعظم أمره في صدورهم.
وأقام عبد المؤمن بمراكش بقية سنة ٥٥ وسنة ٦ وسنة ٧ وفي أول سنة ٥٨ خرج أمره إلى الناس كافة بالغزو إلى بلاد الروم من جزيرة الأندلس. وكُتبت عنه
стр. 182
الكتب إلى سائر الجهات يستنفر الناس ويحضهم على الجهاد ويرغبهم فيه، فاجتمعت له جموع عظيمة. وخرج يقصد جزيرة الأندلس مظهرًا للغزو والاحتساب، ويتمم أيضًا مع ذلك ما بقي عليه من مملكتها مما بيد محمد بن سعد المتقدم الذكر. فسار بالجيوش حتى نزل مدينة سلا، فأقام بها ينتظر تكامل العساكر، فاعتل علته التي مات منها ﵀.
وفاة عبد المؤمن وعهده لولده
وكانت وفاته -كما تقدم- في السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، أعني: سنة ٥٨.
وكان قد عهد في حياته إلى أكبر أولاده محمد، وبايعه الناس، وكتب ببيعته إلى البلاد؛ فأبى تمام هذا الأمر لمحمد هذا ما كان عليه من أمور لا تصلح معها الخلافة، من إدمان شرب الخمر، واختلال الرأي، وكثرة الطيش، وجبن النفس. ويقال: إنه مع هذا كان به ضَرْبٌ من الجُذام١، فالله أعلم.
ولما مات عبد المؤمن، اضطرب أمر محمد هذا واخْتُلف عليه اختلافًا كثيرًا؛ فكانت ولايته إلى أن خلع خمسة وأربعين يومًا، واتفقوا على خلعه في شعبان من هذه السنة. وكان الذي سعى في خلعه -مع ما قدمنا من استحقاقه لذلك- أخواه يوسف, وعمر.
стр. 183
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها
ولما تم خلع محمد في التاريخ المذكور، بعد اتفاق من وجوه الدولة على ذلك، دار الأمر بين اثنين من ولد عبد المؤمن: يوسف، وعمر، وهما من نبهاء أولاده ونجبائهم١ وذوي الرأي والغَناء٢ منهم، فأباها عمر منهما وتأخر عنها مختارًا؛ وبايع لأخيه أبي يعقوب، وسلم له الأمر؛ حمله على ذلك فرط عقله وإيثار دينه وحب المصلحة للمسلمين؛ لأنه يعلم من نفسه أشياء لا يصلح معها لتدبير المملكة وضبط أمور الرعية. فبايع الناس أبا يعقوب، واتفقت عليه الكلمة؛ فلم يختلف عليه أحد من الناس من إخوته ولا غيرهم. وذلك كله بحسن سعي أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، وشدة تلطفه، وجودة رأيه. فاستوسق لأبي يعقوب هذا أمره، وتمت بيعته في التاريخ المذكور. وكان الساعي فيها والقائم بها ومديرها إلى أن تمت -كما ذكرنا- أخوه لأبيه وأمه، أبو حفص المتقدم الذكر.
وأبو يعقوب هذا هو يوسف بن عبد المؤمن بن علي؛ أمه وأم أخيه أبي حفص، امرأة حرة اسمها زينب ابنة موسى الضرير. كان موسى هذا من شيوخ أهل تينمل وأعيانهم، من ضيعة يقال لها: أنسا، وكان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا خرج عنها، وكانت مصاهرته إياه أيام كان عبد المؤمن بتينمل، برأى ابن تومرت. وخلف موسى هذا من الولد الذكور ثلاثة: إبراهيم، وعليًّا، ومحمدًا، وبنات.
صفة أبي يعقوب
كان أبيض تعلوه حمرة، شديد سواد الشعر، مستدير الوجه، أفْوَه٣، أعْيَن٤،
стр. 184
إلى الطول ما هو. في صوته جهارة١، رقيق حواشي اللسان٢، حلو الألفاظ، حسن الحديث، طيب المجالسة، أعرف الناس كيف تكلمت العرب، وأحفظهم لأيامها ومآثرها وجميع أخبارها في الجاهلية والإسلام. صرف عنايته إلى ذلك أيام كونه بإشبيلية واليًا عليها في حياة أبيه. ولقي بها رجالاً من أهل علم اللغة والنحو والقرآن، منهم الأستاذ اللغوي المتقن أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك المعروف عندهم بـ ابن مُلْكون، فأخذ عنهم جميع ذلك وبَرَع في كثير منه.
أخبرني من لقيته من ولده، كأبي زكريا، وأبي عبد الله، وأبي إبراهيم إسحاق، وغيرهم ممن لقيته وشافهته منهم، أنه كان أحسن الناس ألفاظاً بالقرآن، وأسرعهم نفوذ خاطر في غامض مسائل النحو، وأحفظهم للغة العربية. وكان شديد الملوكية، بعيد الهمة، سخيًّا جواداً، استغنى الناس في أيامه وكثرت في أيديهم الأموال، هذا مع إيثار للعلم شديد، وتعطش إليه مفرط؛ صح عندي أنه كان يحفظ أحد الصحيحين -الشك مني؛ إما البخاري٣ أو مسلم٤، وأغلب ظني أنه البخاري-حَفِظه في حياة أبيه بعد تعلم القرآن، هذا مع ذكر جمل من الفقه. وكان له مشاركة في علم الأدب، واتساع في حفظ اللغة، وتبحر في علم النحو حسبما تقدم. ثم طمح به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة، فجمع كثيرًا من أجزائها، وبدأ من ذلك بعلم الطب، فاستظهر من الكتاب المعروف بالملكي أكثره، مما يتعلق بالعلم خاصة دون العمل. ثم تخطى ذلك إلى ما هو أشرف منه من أنواع الفلسفة، وأمر بجمع كتبها؛ فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر بالله الأموي.
أخبرني أبو محمد عبد الملك الشذوني، أحد المتحققين بعلمي الطب وأحكام النجوم، قال: كنت في شبيبتي أستعير كتب هذه الصناعة -يعني: صنعة الأحكام- من رجل كان عندنا بمدينة إشبيلية، اسمه يوسف، يكني: أبا الحجاج، يعرف بـ المراني بتخفيف الراء، كانت عنده منها جملة كبيرة وقعت إلى أبيه في أيام الفتنة بالأندلس؛
стр. 185
فكان يعيرني إياها في غرائر١: أحمل غِرارة وأجيء بغرارة؛ من كثرتها عنده، فأخبرني في بعض الأيام أنه عدِم تلك الكتب بجملتها، فسألته عن السبب الموجب لذلك، أسر إليَّ أن خبرها أُنهي إلى أمير المؤمنين، فأرسل إلى داري وأنا في الديوان لا علم عندي بذلك؛ وكان الذي أرسل كافور الخصي مع جماعة من العبيد الخاصة، وأمره ألا يروع أحدًا من أهل الدار، وألا يأخذ سوى الكتب، وتوعده والذين معه أشد الوعيد إن نقص أهل البيت إبرة فما فوقها. فأخبرت بذلك وأنا في الديوان؛ فظننته يريد استصفاء أموالي، فركبت وما معي عقلي، حتى أتيت منزلي، فإذا الخصي كافور الحاجب واقف على الباب والكتب تخرج إليه. فلما رآني وتبين ذعري قال لي: لا بأس عليك! وأخبرني أن أمير المؤمنين يسلم علي، وأنه ذكرني بخير! ولم يزل يبسطني حتى زال ما في نفسي؛ ثم قال لي: سل أهل بيتك هل راعهم أحد أو نقصهم شيء من متاعهم؟ فسألتهم، فقالوا: لم يرعنا أحد ولم ينقصنا شيء، جاء أبو المسك٢ حتى استأذن علينا ثلاث مرات، فأخلينا له الطريق، ودخل هو بنفسه إلى خزانة الكتب فأمر بإخراجها. فلما سمعت هذا القول منهم زال ما كان في نفسي من الروع.
وولوه بعد أخذهم لهذه الكتب منه ولاية ضخمة ما كان يحدث بها نفسه.
ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء، وخاصة أهل علم النظر، إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب.
أبو بكر بن طُفَيْل*
وكان ممن صحبه من العلماء المتفننين، أبو بكر محمد بن طفيل، أحد فلاسفة المسلمين. كان متحققًا بجميع أجزاء الفلسفة؛ قرأ على جماعة من المتحققين بعلم الفلسفة، منهم أبو بكر بن الصائغ المعروف عندنا بابن باجَّة٣ وغيره. ورأيت لأبي بكر هذا تصانيف في أنواع الفلسفة من الطبيعيات والإلهيات وغير ذلك. فمن رسائله
стр. 186
في الطبيعيات رسالة سماها رسالة: حي بن يقظان, غرضه فيها بيان مبدإ النوع الإنساني على مذهبهم، وهي رسالة لطيفة الجِرْم١, كبيرة الفائدة في ذلك الفن. ومن تصانيفه في الإلهيات رسالة في النفس رأيتها بخطه ﵀. وكان قد صرف عنايته في آخر عمره إلى العلم الإلهي ونبذ ما سواه. وكان حريصًا على الجمع بين الحكمة والشريعة، معظمًا لأمر النبوات ظاهرًا وباطنًا، هذا مع اتساع في العلوم الإسلامية.
وبلغني أنه كان يأخذ الجامكية مع عدة أصناف من الخَدَمة، من الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد، إلى غير هؤلاء من الطوائف. وكان يقول: لو نفق عليهم علم الموسيقى لأنفقته عندهم! وكان أمير المؤمنين أبو يعقوب شديد الشغف به والحب له؛ بلغني أنه كان يقيم في القصر عنده أيامًا ليلًا ونهارًا لا يظهر. وكان أبو بكر هذا أحد حسنات الدهر في ذاته وأدواته؛ أنشدني ابنه يحيى بمدينة مراكش سنة ٦٠٣ من شعر أبيه ﵀: من الطويل
أَلَمَّتْ وقد نام المُشيح وهوَّما ... وأسرت إلى وادي العقيق من الحِمَى٢
وجرَّت على تُرْب المحصَّب ذيلها ... فما زال ذاك الترب نهبًا مقسمَا٣
تناوله أيدي التجار لطيمة ... ويحمله الداري أيان يممَا٤
ولما رأت أن لا ظلام يجنها ... وأن سُراها فيه لن يتكتمَا٥
نَضَت عَذَبات الرَّيط عن حر وجهها ... فأبدت مُحَيَّا يدهش المتوسمَا٦
فكان تجليها حجاب جمالها ... كشمس الضحى يعشى بها الطرْف كُلَّمَا٧
ولما التقينا بعد طول تهاجر ... وقد كاد حبل الود أن يتصرَّمَا٨
стр. 187
جلت عن ثناياها وأومض بارق ... فلم أدرِ من شق الدُّجنَّة منهما١
وساعدني جَفْن الغَمام على البكا ... فلم أدر دمعًا أينا كان أسجَمَا٢
فقالت وقد رق الحديث وأبصرت ... قرائن أحوال أذعن المُكتَّما:٣
نشدتُكَ لا يذهب بك الشوق مذهبًا ... يهون صعبًا أو يرخص مأثمَا٤
فأمسكت لا مستغنيًا عن نَوالها ... ولكن رأيت الصبر أوفي وأكرمَا٥
ومن شعره في الزهد ﵀ ما قرأ علي ابنه من خطه في التاريخ المذكور: من البسيط
يا باكيًا فُرقة الأحباب عن شحَطٍ ... هلَّا بكيتَ فِراق الروح للبدنِ٦
نورٌ تردد في طين إلى أجل ... فانحاز عُلُوًّا وخلى الطين للكفنِ٧
يا شد ما افترقا من بعد ما اعتلقا ... أظنها هدنة كانت على دَخَنِ٨
إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما ... فيا لها صفقة تمت على غَبَنِ٩
وأنشدني بعض أصحابنا من الكُتَّاب له ﵀: من المنسرح
ما كل من شم نال رائحة ... للناس في ذا تباين عجبُ
قوم لهم فكرة تجول بهم ... بين المعاني، أولئك النُجُبُ١٠
وفِرقة في القشور قد وقفوا ... وليس يدرون لُبَّ ما طلبُوا١١
لا غاية تنجلي لناظرهمْ ... منه ولا ينقضي لهم أَرَبُ١٢
стр. 188
لا يتعدى امرؤ جِبِلَّته ... قد قُسمت في الطبيعة الرتبُ١
ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبهه عليهم، ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم، وهو الذي نبهه على أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رُشْد؛ فمن حينئذ عرفوه ونبه قدره عندهم.
أبو الوليد بن رشد*
أخبرني تلميذه الفقيه الأستاذ أبو بكر بُنْدُود بن يحيى القرطبي قال: سمعت الحكيم أبا الوليد يقول غير مرة: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ليس معهما غيرهما؛ فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسَلَفي، ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري. فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال لي: ما رأيهم في السماء -يعني الفلاسفة- أقديمة هي أم حادثة؟ فأدركني الحياء والخوف؛ فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة؛ ولم أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل. ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء؛ فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم؛ فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له. ولم يزل يبسُطُني حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك؛ فلما انصرفت أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب.
وأخبرني تلميذه المتقدم الذكر عنه قال: استدعاني أبو بكر بن طفيل يومًا فقال لي: سمعت اليوم أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطوطاليس، أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهمًا جيدًا لقرب مأخذها على الناس؛ فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل، وإني لأرجو أن تفي به؛ لما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك وقوة نزوعك إلى الصناعة. وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كُبْرة سنى واشتغالي بالخدمة وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه. قال أبو الوليد: فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس.
стр. 189
وقد رأيت أنا لأبي الوليد هذا تلخيص كتب الحكيم في جزء واحد في نحو من مائة وخمسين ورقة، ترجمه بـ كتاب الجوامع, لخص فيه كتاب الحكيم المعروف بـ سمع الكيان، وكتاب السماء والعالم، ورسالة الكون والفساد، وكتاب الآثار العُلوية، وكتاب الحِس والمحسوس. ثم لخصها بعد ذلك وشرح أغراضها في كتاب مبسوط في أربعة أجزاء.
رجع الحديث عن الأمير أبي يعقوب
وفي الجملة، لم يكن في بني عبد المؤمن فيمن تقدم منهم وتأخر ملك بالحقيقة غير أبي يعقوب هذا.
وزراؤُه
وزر له أخوه عمر أيامًا يسيرة، ثم ارتفع قدره عن الوزارة؛ إذ رآها دونه.
ثم وزر له أبو العلاء إدريس بن إبراهيم بن جامع، إلى أن قَبَض عليه واستصفى أمواله في شهور سنة ٥٧٧.
ووزر له بعده ابنه أبو يوسف ولي عهده, إلى أن مات سنة ٥٨٠.
فكانت ولايته من حين بويع له إلى أن استشهد -رحمة الله عليه- ببلاد الروم، اثنتين وعشرين سنة إلا أشهرًا.
كُتَّابه
أبو محمد عياش بن عبد الملك بن عياش كاتب أبيه، وأبو القاسم المعروف بـ القالمي، وأبو الفضل جعفر بن أحمد المعروف بـ ابن مَحْشُوَّة، من أهل مدينة بجاية، كان يخدم أبا القاسم القالمي إلى أن مات، فكتب مكانه.
هؤلاء كتبة الإنشاء خاصة، وكتاب الجيش: أبو الحسين الهَوْزَني الإشبيلي، وأبو عبد الرحمن الطوسي.
حاجبه
كافور مولاه الخصي، كان يدعى كافور بِغُرَّة.
أولاده
كان له من الولد ثمانية عشر ذكرًا، وهم: عمر، ويعقوب -وهو ولي عهده-، وأبو بكر، وعبد الله، وأحمد، ويحيى -كان يحيى هذا ﵀ لي صديقًا،
стр. 190
ومن جهته تلقيت أكثر أخبارهم؛ لم أر في الملوك ولا في السوقة مثله -رحمة الله عليه-؛ وما استجزتُ لفظة الصداقة مع أن الواجب لفظ الخدمة، إلا لما كان ﵀ يكتب إلي: أخي، وصديقي في بعض الأوقات، ووليي في بعضها؛ اجتمعت عندي بخطه رقاع كثيرة، خلع علي فيها فضله، وحلاني بما لم أكن أستحقه- وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعبد العزيز، وطلحة، وإسحاق، ومحمد، وعبد الواحد، وعثمان، وعبد الحق، وعبد الرحمن، وإسماعيل, وبنات.
قضاته
أبو محمد المالقي المتقدم الذكر. ثم عزله وولى بعده عيسى بن عمران التازي١، من أهل رباط تازا من أعمال مدينة فاس، من قبيلة يقال لها: تَسُول، من البربر يرجعون إلى زناتة.
كان عيسى هذا من فضلاء أهل المغرب ونبهائهم، وكان خطيبًا مِصْقَعًا٢ وبليغًا لَسِنًا٣ وشاعرًا مُفْلقًا٤ مشاركًا في كثير من العلوم. ونال في أيام أبي يعقوب حظوة ومكانة؛ كان يتكلم عن الوفود ويخطب في النوازل فيأتي بكل عجيبة. وكان مع هذا ذا مروءة تامة وتعصب لمن ينقطع إليه مفرط. أخبرني ابنه أبو عمران -قاضي الجماعة في وقتنا هذا- قال: سمعت أبي يقول وقد لامه بعض من يلوذ به في التنويه بأقوام ليست لهم سوابق ولا أقدار، رفعهم من الحضيض جاهه، ونبههم بعد الخمول اعتناؤه: ليس العجب ممن يأتي إليه رجل نبيه القدر يرفعه، إنما العجب ممن يحيي الميت وينبه الخامل ويرفع الوضيع؛ فأما النبيه القدر فنباهته تكفيه.
وبلغ من إفراطه في التعصب أن قال يومًا: ليس بحماية أن تحمي صاحبك وهو محق؛ فإن الحق أظهر وأقوى من أن يُحمى؛ إنما الحماية أن تحميه وهو مبطل! في أشباه لهذه الأخبار.
وكان له أولاد ما منهم إلا من ولي القضاء؛ وهم علي، وكان عليٌّ هذا رجلاً صالحاً، ولي في حياة أبيه قضاء مدينة بجاية، ثم عُزل عنها وولي مدينة تِلِمْسان. وهو عندنا من المشهورين بالتصميم والتبتل٥ في دينه، وممن لا تأخذه هوادة في الحق.
стр. 191
ومن أولاده طلحة، ولي قضاء تلمسان؛ ويوسف، تركته قاضيًا بمدينة فاس، بلغتني وفاته وأنا بمكة في سنة ٦٢٠؛ وأبو عمران موسى، قاضي الجماعة في وقتنا هذا، وسيأتي ذكره في موضعه -إن شاء الله .
ثم ولي بعد أبي موسى هذا رجل اسمه حجاج بن إبراهيم التُّجيبي، من أهل مدينة أغمات من أعمال مدينة مراكش. كان حجاج هذا رجلا صالحًا يعد في الزهاد المتبتلين، وكان له تبحر في الفقه ومعرفة بأصوله وبَصَرٌ بعلم الحديث. هذا مع نزاهة نفس وطهارة عِرض وتصميم في الحق؛ أفرط في ذلك حتى ثقلت على كثير من وجوه الدولة وَطْأَتُه، ونالوا منه عند أبي يعقوب؛ فما زاده ذلك إلا حبًّا وتقريبًا، إلى أن مات ﵀ في حياة أبي يعقوب. بلغ من رقة قلبه وسرعة دمعته أنه دخل يومًا على أمير المؤمنين أبي يعقوب وقد بل لحيته ورداءه بدموعه؛ فلما مَثَل بين يديه زاد في البكاء، فسأله أمير المؤمنين عما أبكاه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، سألتك بالله، ألا أعفيتني؟ قال: عزمت عليك لتخبرني أولًا بسبب بكائك! قال: بينا أنا قاعد في مجلس الحكم إذ أُتيت بشيخ سكران كنت قد حدَدْتُه مرارًا، فكان من كلامي أن قلت له: يا شيخ، كيف تُحشَر؟ ففتح يديه وقال: هكذا ... فوالله ما ملكت دمعتي حين عرفت ما عنى بقوله؛ إنما عَرَّض لي بقول النبي ﷺ : "إن القاضي يحشر مطوقةً يداه إلى عنقه؛ فإما أن يحله عدله أو يهوي به جَوْره"! هذا معنى الحديث؛ فأسألك بالله، ألا أعفيتني؟ فوعده بذلك؛ فقال: عسى أن يكون في مقامي هذا! فقال له: لا أفعل حتى أجد عوضًا منك! فخرج من عنده، فما لبث إلا أيامًا يسيرة حتى مات -رحمة الله عليه-!.
ثم ولي بعده القضاء أبو جعفر أحمد بن مَضَاء، من أهل مدينة قرطبة؛ فلم يزل أبو جعفر هذا قاضيًا إلى أن مات أمير المؤمنين أبو يعقوب، وصدرًا من خلافة أبي يوسف المنصور ﵀.
стр. 192
فصل دخول بني مردنيش في طاعة الموحدين
ولما استوسق لأبي يعقوب هذا الأمر، لم يزل مقيمًا بمراكش إلى أن كانت سنة ٥٦٧، فبدا له أن يعبر إلى جزيرة الأندلس، مظهرًا قصد غزو الروم، ومبطنًا إتمام تملك الجزيرة والتغلب على ما في يد محمد بن سعد المعروف بـ ابن مردنيش منها. وكان يملك منها ابن سعد المذكور من أول أعمال مرسية إلى آخر ما يملكه المسلمون اليوم من شرقيها -وقد تقدم تلخيص التعريف بمُلْكته إياها ومن أين اتصلت إليه- فجمع أمير المؤمنين أبو يعقوب جموعًا عظيمة من قبائل الموحدين وغيرهم من أصناف الجند، وسار حتى نزل مدينة سبتة، فبني له بها منزل هو باقٍ هناك إلى اليوم. فأقام بها إلى أن تكاملت جموعه، ولحق به من كان تأخر عنه من العساكر؛ ثم عبر البحر وقصد مدينة إشبيلية، فنزلها، وجهز العساكر إلى محمد بن سعد.
وكان أخو أبي يعقوب، عثمان بن عبد المؤمن، والياً على مدينة أغرناطة؛ فكتب إليه أن يقصد بالعساكر إلى مدينة مرسية، دار مملكة محمد بن سعد؛ فخرج عثمان بالعساكر حتى نزل قريباً منها بموضع يدعى الجَلاَّب، وخرج إليه محمد بن سعد في جموع عظيمة أكثرها من الإفرنج؛ لأن ابن سعد كان مستعينًا بهم في حروبه؛ قد اتخذهم أجنادًا له وأنصارًا؛ وذلك حين أحس باختلاف وجوه القواد عليه، وتنكر أكثر الرعية له، فقتل من أولئك القواد الذين اتهمهم جماعة بأنواع من القتل؛ بلغني أن منهم من بنى عليه في حائط وتركه حتى مات جوعًا وعطشًا، إلى غير هذا من ضروب القتل. واستدعى النصارى كما ذكرنا، فجعلهم أجنادًا له، وأقطعهم ما كان أولئك القواد يملكونه، وأخرج كثيرًا من أهل مرسية وأسكن النصارى دورهم ...
فزحف١ كما ذكرنا بجيشه، ومعظمهم من الإفرنج؛ فالتقى هو والموحدون بالموضع المعروف بـ الجلاب، على أربعة أميال من مرسية؛ فانهزم أصحاب محمد بن سعد انهزامًا قبيحًا، وقُتل من أعيان الروم جملة، ودخل محمد بن سعد
стр. 193
مدينة مرسية مستعدًّا للحصار؛ فضايقه الموحدون، وما زالوا محاصرين له إلى أن مات وهو في الحصار حتف أنفه. وسُترت وفاته إلى أن ورد أخوه يوسف بن سعد، الملقب بالرئيس، من بلنسية؛ وكان والياً عليها من جهة أخيه محمد؛ فاجتمع رأيه ورأي أكابر ولد محمد بن سعد -بعد أن أتهَمُوا وأنجدوا١ وأخذوا في كل وجه من وجوه الحيل- على أن يلقوا أيديهم في يد أمير المؤمنين أبي يعقوب، ويسلموا إليه البلاد، ففعلوا ذلك. وقيل: إن أبا عبد الله محمد بن سعد حين حضرته الوفاة، جمع بنيه -وكان له من الولد على علمي ثمانية ذكور، وهم: هلال -يكنى: أبا القمر، وهو أكبر ولده وإليه أوصى- وغانم، والزبير، وعزيز، ونصير، وبدر، وأرقم، وعسكر، وأصاغر لا علم لي بأسمائهم، وبنات تزوج إحداهن أمير المؤمنين أبو يعقوب، وتزوج الأخرى أمير المؤمنين أبو يوسف يعقوب بن يوسف- فكان فيما أوصاهم به أن قال: يا بَنِيَّ، إني أرى أمر هؤلاء القوم قد انتشر، وأتباعهم قد كثروا، ودخلت البلاد في طاعتهم؛ وإني أظن أنه لا طاقة لكم بمقاومتهم؛ فسلموا إليهم الأمر اختيارًا منكم، تحظوا بذلك عندهم، قبل أن ينزل بكم ما نزل بغيركم؛ وقد سمعتم ما فعلوا بالبلاد التي دخولها عنوة! ففعلوا ما أمرهم به؛ فالله أعلم أي الأمرين كان.
وخرج أمير المؤمنين أبو يعقوب من إشبيلية قاصدًا بلاد الأدفنش -لعنه الله- فنزل على مدينة له عظيمة تسمى وَبْذَة، وذلك أنه بلغه أن أعيان دولة الأدفنش ووجوه أجناده في تلك المدينة. فأقام محاصرًا له أشهرًا، إلى أن اشتد عليهم الحصار وأرادوا تسليم البلد. أخبرني جماعة يكثر عددهم ممن أدركت من شيوخ أهل الأمر، أن أهل هذه المدينة لما بَرَّح بهم العطش أرسلوا إلى أمير المؤمنين يطلبون الأمان على أنفسهم، على أن يخرجوا له عن المدينة؛ فأبى ذلك عليهم، وأطمعه فيهم ما نقل إليه من شدة عطشهم وكثرة من يموت منهم؛ فلما يئسوا مما عنده سُمع لهم في بعض الليالي لَغَط٢ عظيم وجَلَبة٣ أصوات؛ وذلك أنهم أخرجوا أناجيلهم، واجتمع قسِّيسوهم ورهبانهم يدعون ويؤمن٤ باقيهم، فجاء مطر عظيم كأفواه القِرَب٥، ملأ
стр. 194
ما كان عندهم من الصهاريج١، وشربوا وارتووا وتقووا على المسلمين؛ فانصرف عنهم أمير المؤمنين راجعًا إلى إشبيلية، بعد أن هادن الأدفنش -لعنه الله- مدة سبع سنين.
ولم يزل أمير المؤمنين مقيمًا بالأندلس بقية سنة سبعٍ، وثمانٍ، وتسعٍ، إلى أن رجع إلى مراكش في آخر سنة ٥٦٩، وقد ملك الجزيرة بأسرها، ودانت له بجملتها، ولم يخرج عن طاعته شيء منها.
الخارجون على طاعة الموحدين بالمغرب
وفي سنة ٧١ خرج إلى سُوس؛ لحسم خلاف وقع هنالك بين بعض القبائل الذين بـ دَرَن, فتم له ما أراد من إخماد الفتنة, وجمع الكلمة, وإطفاء النائرة٢, وحسم الخلاف.
وفي صدر سنة ٧٣ رام بعض القبيلة المسماة بـ غُمارة مفارقة الجماعة ونزع اليد من الطاعة؛ وكان رأسهم في ذلك الذي إليه يرجعون، وعميدهم الذي عليه يعولون، رجل اسمه سَبُع بن حيان, ووافقه على ذلك أخ له يسمى مَرَزْدَغ. فدعوا إلى الفتنة، واجتمع عليهما خلق كثير. والقبيلة المذكورة لا يكاد يحصرها عدد ولا يحدها حزر لكثرتها؛ مسافة بلادها طولا وعرضًا نحو من اثنتي عشرة مرحلة. فخرج إليهم أمير المؤمنين أبو يعقوب بنفسه؛ فأسلمتهما جموعهما، وتفرق عنهما من كان اجتمع عليهما، وأُخذا قبض اليد؛ فقُتلا صبرًا وصُلبا؛ ثم رجع أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مراكش.
وفي أول سنة ٧٥ خرج أبو يعقوب من مراكش قاصدًا بلاد إفريقية؛ فقصد منها مدينة قفصة؛ وكان قد قام بها رجل اسمه عليّ، يعرف بابن الرَّنْد، وتلقب بـ الناصر لدين النبي؛ فحاصره أبو يعقوب والموحدون إلى أن استنزلوه، وقطعوا دابر الخلاف وحسموا مواده، ورجعوا إلى مراكش.
صلح ملك صِقِلِّيِّة
وفي هذه السَّفرة صالحه ملك صقلية وأرسل إليه بالإتاوة، بعد أن خافه خوفًا شديدًا؛ فقبل منه ما وجه به إليه، وهادنه على أن يحمل إليه في كل سنة مالاً اتفقا عليه. وبلغني أنه اتصلت إليه منه ذخائر لم يكن عند ملك مثلها؛ مما اشتهر منها حجر
стр. 195
ياقوت يسمى الحافر -جعلوه فيما كللوا به المصحف، لا قيمة له١، على قدر استدارة حافر الفرس، هو في المصحف إلى اليوم- مع أحجار نفيسة.
المصحف العثماني في المغرب
وهذا المصحف الذي ذكرناه، وقع إليهم من نسخ عثمان ﵁ من خزائن بني أمية، يحملونه بين أيديهم أنى توجهوا، على ناقة حمراء عليها من الحلي النفيس وثياب الديباج الفاخرة ما يعدل أموالًا طائلة. وقد جعلوا تحته بردعة من الديباج الأخضر يجعلونه عليها، وعن يمينه ويساره عصوان عليهما لواءان أخضران.
وموضع الأسنة منهما ذهب شبه تفاحتين، وخلف الناقة بغل محلًّى أيضًا، عليه مصحف آخر يقال: إنه بخط ابن تومرت، دون مصحف عثمان في الجِرْم٢، محلى بفضة مموهة٣ بالذهب؛ هذا كله بين يدي الخليفة منهم.
ورجع أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مراكش من إفريقية، بعد أن لم يبق بجميع المغرب مختلف عليهم ولا معاند لهم، ودانت له جزيرة الأندلس بأسرها -كما ذكرنا- وكثرت في أيامه الأموال واتسع الخراج.
حسن معاملة الموحدين لمن يغلبونهم من الملوك
وكان -كما ذكرنا- سخيًّا جوادًا؛ بلغني أنه أعطى هلال بن محمد بن سعد المتقدم الذكر، صاحب شرقي الأندلس، اثني عشر ألف دينار في يوم واحد. ولهلال هذا معه أخبار عجيبة، من تقريبه إياه وإحسانه إليه وحبه له؛ أخبرني بعض ولد هلال هذا، أنه سمع أباه يقول: رأيت في المنام في بعض الليالي كأن أمير المؤمنين أبا يعقوب ناولني مفتاحًا؛ فلما أصبحت إذا رسوله يستحثني٤، فركبت وأتيت القصر، فدخلت عليه وسلمت، فاستدناني حتى مست ثيابه، ثم أخرج إلي من تحت بُرْنُسه٥ مفتاحًا على النحو الذي رأيت في المنام، وقال: خذ إليك هذا المفتاح؛ فتهيبتُ أن أسال عن شأن المفتاح؛ فقال لي ابتداء: يا أبا القمر، إن عامل مرسية أرسل إلينا في جملة ما أرسل صندوقًا وجده -زعم- في بعض خزائنكم، لا يدري ما
стр. 196
فيه؛ وهذا مفتاحه، ونحن لا ندري ما فيه! فقلت: هلاَّ أمر أمير المؤمنين أن يُفتح بين يديه! فقال: لو أردنا أن يفتح بين أيدينا لم نسلم إليك المفتاح! وأمر فحمل الصندوق إلي ففتحته، فإذا فيه حلى وذخائر من ذخائر أبي ما يساوي أكثر من أربعين ألف دينار.
ولما تجهز أمير المؤمنين إلى غزو الروم، أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى١ على الموحدين ليدرسوها -وهكذا جرت عادتهم إلى اليوم- فجمع العلماء ذلك وجاءوا به إليه؛ فكان يمليه على الناس بنفسه؛ فكان كل واحد من الموحدين والسادة يجيء بلوح يكتب فيه الإملاء؛ فجاء هلال هذا المذكور يومًا ولا لوح معه؛ فأخرج القوم ألواحهم؛ فقال له الوزير: أين لوحك يا أبا القمر؟! فخجل وافتتح يعتذر؛ فأخرج له أمير المؤمنين من تحت برنسه لوحًا وناوله إياه، وقال: هذا لوحه! فلما كان من الغد جاء ومعه لوح غير الذي دفعه له أمير المؤمنين؛ فلما نظر إليه قال له: أين لوحك بالأمس يا أبا القمر؟ فقال: خبأته وأوصيت إذا مت أن يجعل بين جلدي وكفني! وأتبع ذلك بكاء حتى أبكى بعض من كان في المجلس؛ فقال أمير المؤمين: هذا المحب الصادق! وأمر له بخيل وأموال وخِلَع، ولبنيه بمثل ذلك.
اتساع الدولة وزيادة الخراج
وكان الذي يسهل عليه بذل الأموال -مع ما جبل عليه من ذلك- سَعَة الخراج ٢ وكثرة الوجوه التي يتحصل منها الأموال.
كان يرتفع إليه خراج إفريقية، وجملته في كل سنة وَقْر٣ مائة وخمسين بغلًا، هذا من إفريقية وحدها، خلا بجاية وأعمالها، وتلمسان وأعمالها، والمغرب -وحد عمل المغرب عندهم الذي يطلقون عليه هذا الاسم، من مدينة تدعى رِبَاط تازا إلى مدينة تدعى مكناسة الزيتون؛ طول هذه المسافة وعرضها نحو من سبع مراحل، وهي أخصب رقعة على الأرض فيما علمت، وأكثرها أنهارًا مطردة، وأشجارًا ملتفة، وزروعًا وأعنابًا- ومدينة سلا وأعمالها، وسبتة وأعمالها -وأعمال سبتة هذه في غاية السعة والضخامة؛ لأن بلاد غمارة كلها ترجع إليها، وهي كما ذكرنا طولًا وعرضًا نحو
стр. 197
من اثنتي عشرة مرحلة- وجزيرة الأندلس قاطبة؛ أول ذلك آخر بلاد المسلمين مما يتاخم أرض الروم، وآخره أيضًا مما يتاخم أرض الروم من أعمال شلب؛ ومسافة ذلك طولا وعرضًا نحو من أربع وعشرين مرحلة.
هذا كله لا ينازعه إياه أحد ولا يمتنع عليه منه درهم، مضافًا إلى مراكش وأعمالها؛ وأعمال مراكش أيضًا في نهاية من السعة؛ لأن بالقرب منها قبائل ضخمة وبلادًا كثيرة؛ فلم يرتفع لملك من الملوك -أعني ملوك المغرب- قبل أبي يعقوب هذا وبعده، ما ارتفع إليه من الأموال.
وقد بلغني من جهة رجل من أصحابنا كان يتولى بيوت الأموال، قال لي: وُجدت خرائط كثيرة مما كان يرتفع إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب بختمها.... قال لي هذا القول في غرة سنة ٦١١.
وفي أيام أبي يعقوب ورد علينا المغرب أول من وردها من الغُزِّ١، وذلك في آخر سنة ٧٤، وما زالوا يكثرون عندنا إلى آخر أيام أبي يوسف.
ولم تزل أيام أبي يعقوب هذا أعيادًا وأعراسًا ومواسم: كثرة خصب، وانتشار أمن، ودُرُور أرزاق٢، واتساع معايش؛ لم ير أهل المغرب أيامًا قط مثلها؛ واستمر هذا صدرًا من إمارة أبي يوسف.
محاولة أبي يعقوب فتح شنترين، ووفاته
ولما كانت سنة ٧٩ تجهز أبو يعقوب للغزو، واستنفر أهل السهول والجبال من المصامدة والعرب وغيرهم، وخرج بجيوشه قاصدًا جزيرة الأندلس؛ فعبر البحر بعساكره كما ذكرنا، وقصد مدينة إشبيلية على عادته؛ إذ هي منزله ومنزل الأمراء من بنيه بالأندلس أيام كونهم بها؛ فأقام بها ريثما أصلح الناس شئونهم وأخذوا أهبتهم؛ ثم خرج يقصد مدينة شنترين -أعادها الله للمسلمين-. وهذه المدينة -أعني شنترين- بمغرب الأندلس؛ وهي من أمنع المدائن -وقد تقدم ذكرها في أخبار الدولة اللمتونية- يملكها وَجهاتها مع بلاد كثيرة هنالك: ملك من ملوك النصارى يعرف بـ ابن الريق -لعنه الله- فخرج أمير المؤمنين -كما ذكرنا- في جيوشه حتى نزل عليها، فضايقها وأخذ في قطع ثمارها وإفساد زروعها وشن الغارات على نواحيها. وكان ابن الريق -لعنه الله- حين سمع بحركة أبي يعقوب إليه وصح عنده أنه
стр. 198
يقصده، نظر في أمره، فلم ير له طاقة بدفاعه ولا نهضة لمقاومته؛ فلم يكن له هم إلا أن جمع وجوه دولته وأعيان جنده وذوي الغناء من قواده وسائر أتباعه، ودخل بهم مدينة شنترين؛ واثقًا بحصانتها وشدة منعتها؛ هذا بعد أن ملأها أقواتًا وسلاحًا وجميع ما يحتاج إليه، وجلل أسوارها مقاتلة معهم الدَّرَق١ والقسي والحراب؛ إلى غير ذلك مما يحتاج إليه.
فنزل عليها أبو يعقوب، فألفاها كما ذكرنا: قد استعد أهلها بكل ما يظنونه نافعًا لهم ودافعًا عنهم؛ وهذه المدينة على نهر عظيم من أنهار الأندلس المشهورة، يسمى تاجو؛ فبالغ أبو يعقوب -كما ذكرنا- في التضييق عليها وانتساف معايشها وقطع المواد والمدد عنها؛ فما زاد ذلك أهلها إلا صرامة٢ وشدة وجَلَدًا٣؛ فخاف المسلمون هجوم البرد -وكان في آخر فصل الخريف- وخافوا أن يعظم النهر فلا يستطيعوا عبوره وينقطع عنهم المدد؛ فأشاروا على أمير المؤمنين بالرجوع إلى إشبيلية، فإذا كان وجه الزمان عادوا إليها أو بعث من يتسلمها. وصوروا له أنها في يده، لا يمنعه منها مانع. فقبل ذلك منهم ووافقهم عليه، وقال: نحن راحلون غدًا إن شاء الله. ولم ينتشر هذا القول كل الانتشار؛ لأنه كان قاله في مجلس الخاصة؛ فكان أول من قوض خباءه وأظهر الأخذ في أهبة الرحيل، أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن المعروف عندهم بـ المالقي -وقد تقدم ذكر أبيه في قضاة عبد المؤمن- وكان أبو الحسن هذا خطيبهم ومعتبرًا عندهم، يدعى خطيب الخلافة. وكان له حظ جيد من الفقه ومعرفة الحديث، وقسم وافر من قرض الشعر وصناعة الكتابة. فلما رآه الناس قوض خباءه قوضوا أخبيتهم ثقة به؛ لمكانه من الدولة ومعرفته بأخبارها؛ فعبر في تلك العشية أكثر العسكر النهر يريدون التقدم خشية الزحام وحرصًا على أخذ جيد المواضع واختيار المنازل؛ ولم يبق إلا من كان بقرب خباء أمير المؤمنين.
وبات الناس يعبرون الليل كله وأمير المؤمنين لا علم له ذلك؛ فلما رأى الروم عبور العساكر وبلغهم من جهة عيونهم الذين بالعسكر ما عزم عليه أبو يعقوب والمسلمون من الرحيل، ورأوا انفضاض الأجناد وافتراق أكثر الجموع، خرجوا منتهزين للفرصة التي أمكنتهم، في خيل كثيفة؛ فحملوا على من يليهم من الناس، فانهزموا أمامهم، حتى بلغوا الخباء الذي فيه أمير المؤمنين أبو يعقوب؛ فقتل على
стр. 199
باب الخباء من أعيان الجند خلق كثير، أكثرهم من أعيان الأندلس؛ وخلص إلى أبي يعقوب فطعن تحت سرته طعنة, مات منها بعد أيام يسيرة ...
وتدارك الناس فانهزم الروم راجعين إلى بلدهم بعد أن قضوا ما قضوا، وعبر بأمير المؤمنين النهر جريحًا، فجُعل في مِحَفَّة١ وسِيرَ به.
عاقبة أبي الحسن المالقي الخطيب
وسأل أمير المؤمنين: من كان السبب في حركة الناس على هذا الوجه المؤدي إلى هذا الاختلال؟! فأخبر بما فعله أبو الحسن المالقي؛ فقال يتوعده: سيجني ثمرتها إن شاء الله! فلما بلغه ذلك هرب حتى دخل مدينة شنترين فارًّا بنفسه على ملك الروم ابن الريق؛ فأحسن نزله وأكرم مثواه وأجرى عليه رزقًا واسعًا. ولم يزل عنده مكرمًا إلى أن بدا له من سوء رأيه أن يكتب كتابًا إلى الموحدين يستعطفهم ويسأل من عرفه من أعيانهم الشفاعة له؛ وأدرج في ضمن ذلك فصلاً يذكر فيه ضعف المدينة, وأنهم لو كانوا أقاموا عليها ليلة أخرى أخذوها، ويدلهم على بعض عوراتها مما كان خفي عنهم؛ وقال لملك الروم ابن الريق: إني أحب أن أكتب كتابًا إلى عيالي وأولادي وأخبرهم بسلامتي وأعلمهم إكرام الملك إياي وإحسانه إلي وما أنا فيه من العافية، حتى تطمئن نفوسهم؛ وأريد أن توجه مع الذي يحمله من يَخفره٢ إلى أول بلاد المسلمين؛ فأذن له في ذلك وأجابه إليه؛ فكتب الكتاب ...
وكان العلج الموكل به الذي يقوم عليه ويأتيه بكل ما يحتاج إليه، يعرف لسان العرب -إلا أنه لم يكن يتكلم به- ويقرأ الخط العربي؛ فقام أبو الحسن المذكور لبعض حوائجه وترك الكتاب منشورًا، ولم يخطر له أن العلج يعرف شيئًا من لسان العرب ولا يقرأ الخط العربي؛ فلمح العلج الكتاب لمحة، ووقف على الفصل المذكور وفهم مقصوده؛ فمضى حتى دخل على الملك وأخبره الخبر....
وختم أبو الحسن الكتاب ودفعه إلى بعض عبيده؛ فلما خرج العبد بالكتاب وفصل عن المدينة بنحو من مرحلة، أمر بالقبض عليه هناك وأخذ الكتاب منه؛ فلما أتي بالكتاب فتحه وجمع المسلمين الذين بالمدينة وألقى إليهم الكتاب وأمرهم بقراءة ذلك الفصل المذكور؛ واستحضر أبا الحسن، وقال لترجمانه: قل له: ما حملك على ما صنعت مع إكرامي لك وبري بك؟! فكان من جوابه أن قال: إن برك بي وإكرامك
стр. 200
إياي لا يمنعاني من النصح لأهل ديني والدلالة لهم على ما فيه مصلحتهم! فشاور ابن الريق -لعنه الله- قسيسيه في أمره؛ فأشاروا عليه بإحراقه، فأحرقوه.
وفاة الأمير أبي يعقوب
وأما ما كان من أمر أمير المؤمنين أبي يعقوب؛ فإنهم لما عبروا به النهر كما ذكرنا، أثقله الجُرْح واشتد عليه؛ فما ساروا به إلا ليلتين أو ثلاثًا حتى مات ﵀؛ فأخبرني من كان معهم في تلك السفرة أنه سمع النداء فيما بين العشاءين في العسكر كله: الصلاةُ على الجنازة، جنازة رجل. فصلى الناس قاطبة على الجنازة لا يعرفون على من صلوا؛ ولم يعلم بذلك إلا خواص أهل الدولة، وساروا به حتى بلغوا إشبيلية فنزلوها، فصَبَّروه١ وبعثوا به في تابوت مع كافور الحاجب مولاه المتقدم الذكر إلى تينملّ؛ فدُفن هناك مع أبيه عبد المؤمن, وابن تومرت.
وكانت وفاته يوم السبت قبيل غروب الشمس, لسبعٍ خلون من رجب الفرد سنة ٥٨٠.
أخبرني ابنه أبو زكريا يحيى -رحمة الله عليه- أنه كان قبل موته بأشهر يسيرة كثيرًا ما يردد هذا البيت: من البسيط
طوى الجديدان ما قد كنتُ أنشره ... وأنكرتني ذواتُ الأعين النُّجُلِ! ٢
стр. 201
ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن*
هو يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي كما ذكرنا، يكنى أبا يوسف، أمه أم ولد رومية اسمها: ساحر. بويع له في حياة أبيه بأمره بذلك. وكانت سنه يوم صار إليه الأمر اثنتين وثلاثين سنة؛ فكانت مدة ولايته منذ وفاة أبيه إلى أن توفي في شهر صفر الكائن في سنة ٥٩٥، ست عشرة سنة وثمانية أشهر وأيامًا، وتوفي وله من العمر ثمانٍ وأربعون سنة, وقد وَخَطَهُ١ الشيب.
صفته
كان صافي السمرة جدًّا إلى الطول ما هو، جميل الوجه، أعيَن٢ أفْوَه٣ أَقْنَى٤، شديد الكَحَل، مستدير اللحية، ضخم الأعضاء، جَهْوَرِيّ الصوت، جَزْل الألفاظ٥، أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثًا وأكثرهم إصابة بالظن؛ كان لا يكاد يظن شيئًا إلا وقع كما ظن، مجربًا للأمور، عارفًا بأصول الشر والخير وفروعهما. ولي الوزارة أيام أبيه فبحث عن الأمور بحثًا شافيًا، وطالع أحوال العمال والولاة والقضاة وسائر من ترجع إليه الأمور مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور؛ فدبرها بحسب ذلك، فجرت أموره على قريب من الاستقامة والسداد، حسبما يقتضيه الزمان والإقليم.
أولاده
كان له من الولد: محمد -ولي عهده، وسيأتي ذكر مولده ووفاته- وإبراهيم، وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وموسى، وصالح،
стр. 202
وعثمان، ويونس، وسعد، ومُساعِد، والحسن، والحسين؛ هؤلاء أولاده المُخلَّفون بعده؛ ومات له في حياته عدة من الولد، وله بنات فيهن كثرة.
وزراؤه
أبو حفص، عمر بن أبي زيد الهنتاتي إلى أن مات.
ثم وزر له بعده أبو يحيى أبو بكر بن عبد الله بن أبي حفص عمر إينتي المتقدم الذكر، واستمرت وزارة أبي يحيى هذا إلى أن استشهد ﵀ ببلاد الروم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله؛ فاضطرب أمر الوزارة قليلاً ...
ثم وقع اختيارهم على أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن الشيخ أبي حفص المتقدم الذكر؛ وأبو عبد الله هذا هو الملقب عندهم بـ الفيل، هو ابن عم الوزير الشهيد أبي يحيى المذكور آنفًا. فوزر أبو عبد الله هذا أيامًا يسيرة، ثم ترك الوزارة مختارًا وهرب إلى بعض نواحي إشبيلية؛ فخلع ثيابه ولبس عباءة وتزهد؛ فأرسلوا إليه من رده؛ وأعفوه من الوزارة.
ثم وزر له أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يُوجَّان الهنتاتي؛ فلم يزل عبد الرحمن هذا وزيرًا إلى أن مات أبو يوسف، وصدرًا من إمارة ابنه أبي عبد الله، ثم عُزل عن الوزارة.
حجابه
عنبر الخَصِيّ مولاه؛ ثم ريحان الخصي مولاه أيضًا، إلى أن مات، وحجب ابنه أبا عبد الله، فلم يزل حاجبًا له إلى أن مات ريحان المذكور.
كتابه
أبو الفضل جعفر المعروف بـ ابن محشوة؛ كان من كتاب أبيه -حسبما تقدم- جمع أبو الفضل جعفر هذا إلى براعة الكتابة سعة الرواية, وغزارة الحفظ, وذكاء النفس؛ لم يزل كاتبًا له إلى أن توفي، أعني أبا الفضل.
فكتب له بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش من أهل بُرشانة، من أعمال المرية من بلاد الأندلس. لم يزل أبو عبد الله هذا كاتبًا له ولابنه محمد ولابن ابنه يوسف. تركته حيًّا حين ارتحلت عن البلاد سنة ٦١٤، ثم اتصلت بي وفاته في شهور سنة ٦١٩ وأنا يومئذٍ بالبلاد المصرية.
هذان الكاتبان اللذان ذكرناهما، هما كاتبا الإنشاء خاصة.
стр. 203
وكتاب الجيش: رجل يعرف بـ الكباشي، ذهب عني اسمه؛ وقد كان يكتب قبله أبو الحسن بن مُغْنٍ. استمرت كتابة الكباشي هذا في ديوان الجيش إلى أن مات أمير المؤمنين أبو يوسف.
ولم يكتب لهم منذ قام أمرهم -أعني من كتبة الإنشاء- من عرف طريقتهم وصب في قالبهم وجرى على مهيعهم وأصاب ما في أنفسهم كأبي عبد الله بن عياش هذا؛ فإن القوم لهم طريقة تخالف طريقة الكتاب. ثم جرى الكتاب بعده على أسلوبه، وسلكوا مسلكه لما رأوا من استحسانهم لتلك الطريقة.
قضاته
أبو جعفر أحمد بن مضاء المتقدم الذكر إلى أن مات. وولي بعده أبو عبد الله محمد بن مروان، من أهل مدينة وهران؛ ثم عزله وولى بعده أبا القاسم أحمد بن محمد، رجلا من ولد بَقِيِّ بن مخلد الفقيه المحدث الذي يروي عن أحمد بن حنبل١. وقد تقدم ذكر بقي هذا وطرف من أخباره في صدر الدولة الأموية في أخبار الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الداخل بالأندلس. لم يزل أبو القاسم هذا قاضيًا إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو يوسف، وشيئًا من أيام ابنه محمد.
تلخيص التعريف بخبر بيعته
ولما مات أبو يعقوب -كما ذكرنا- على مراحل من مدينة شنترين، سترت وفاته إلى أن بلغوا إشبيلية، وهم في كل يوم يصبحون يمشون بين يدي الدابة التي عليها المحفة مشاة على أرجلهم كما جرت العادة؛ ثم يركبون والمحفة مسدول عليها ستر أخضر؛ إلى أن بلغوا إشبيلية كما ذكرنا؛ فخرج الإذن من أمير المؤمنين أبي يعقوب -زعموا- بتجديد البيعة لابنه أبي يوسف، فبايعه المصامدة والناس عامة من جميع الأصناف.
وكان الذي سعى في بيعته وقام بها ورغب فيها وتولى كِبْرَ أمرها، ابن عمه أبو زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن؛ فتم له الأمر وبايعه الناس، يحسبون ذلك بإذن أبيه. فلما فرغ مما أراده من ذلك وتهيأ له، أعلن وفاة أبيه عند خواص الدولة؛ ولم تجر عادتهم بإعلان موت خلفائهم عند العامة إلى هَلُمّ.
وكان له من إخوته وعمومته منافسون لا يرونه أهلاً للإمارة؛ لما كانوا يعرفون
стр. 204
من سوء صِباه؛ فلقي منهم شدة -على ما سيأتي بيانه- وكانت هذه البيعة العامة -كما ذكرنا- في سنة ٥٨٠.
ولما استوسق أمره -على ما تقدم- عبر البحر بعساكره وسار حتى نزل مدينة سلا، وبها تمت بيعته واستجاب له من كان تلكأ عليه من أعمامه من ولد عبد المؤمن، بعد ما ملأ أيديهم أموالاً وأقطعهم الأقطاع الواسعة.
بنيان مدينة الرباط
ثم شرع في بنيان المدينة العظمى التي على ساحل البحر والنهر من العدوة التي تلي مراكش. وكان أبو يعقوب ﵀ هو الذي اختطَّها ورسم حدودها وابتدأ في بنيانها، فعاقه الموت المحتوم عن إتمامها؛ فشرع أبو يوسف -كما ذكرنا- في بنيانها إلى أن أتم سورها، وبنى فيها مسجدًا عظيمًا كبير المساحة واسع الفناء جدًّا، لا أعلم في مساجد المغرب أكبر منه. وعمل له مئذنة في نهاية العلو، على هيئة منار الإسكندرية، يصعد فيه بغير درج، تصعد الدواب بالطين والآجُرِّ والجِصِّ وجميع ما يحتاج إليه إلى أعلاها. ولم يتم هذا المسجد إلى اليوم؛ لأن العمل ارتفع عنه بموت أبي يوسف؛ ولم يعمل فيه محمد ولا يوسف شيئًا. وأما المدينة فتمت في حياة أبي يوسف وكملت أسوارها وأبوابها وعُمِّر كثير منها. وهي مدينة كبيرة جدًّا، تجيء في طولها نحوًا من فرسخ، وهي قليلة العرض.
ثم خرج بعد أن رتب أشغال هذه المدينة وجعل عليها من أمناء المصامدة من ينظر في أمر نفقاتها وما يصلحها؛ فلم يزل العمل فيها وفي مسجدها المذكور طول مدة ولايته إلى سنة ٥٩٤، وسار هو حتى نزل مراكش.
طمع بني غانية في التغلب على إفريقية
وفي هذه السنة -أعني سنة ٨٠- خرج المَيُورقيون بنو ابن غانية من جزيرة مَيُورقة قاصدين مدينة بجاية، فملكوها وأخرجوا من بها من الموحدين؛ وذلك لستٍّ خلون من شعبان من السنة المذكورة؛ وهذا أول اختلال وقع في دولة المصامدة، لم يزل أثره باقيًا إلى وقتنا هذا، وهو سنة ٦٢١.
التعريف ببني غانية ودار ملكهم
وتلخيص خبر هؤلاء القوم -أعني بني غانية- أن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وجه إلى الأندلس برجلين -اسم أحدهما يحيى، والآخر محمد- ابني علي، من قبيلة مسوفة، يعرفان بـ ابني غانية، وهي أمهما. فأما يحيى منهما،
стр. 205
وهو الأكبر، فكان حسنة من حسنات الدهر، اجتمع له من المناقب ما افترق في كثير من الناس؛ فمنها أنه كان رجلاً صالحًا شديد الخوف لله والتعظيم له والاحترام للصالحين؛ هذا مع علو قدم في الفقه واتساع رواية للحديث. وكان مع هذا شجاعًا فارسًا، إذا ركب عد وحده بخمسمائة فارس. وكان علي بن يوسف يعده للعظائم ويستدفع به المهمات، وأصلح الله على يديه كثيرًا من جزيرة الأندلس، ودفع به عن المسلمين غير مرة مكاره قد كانت نزلت بهم. كان أمير المسلمين ولاه مدينة بلنسية، ثم عزله عنها وولاه قرطبة؛ فلم يزل بها واليًا إلى أن مات -رحمة الله عليه- أول الفتنة الكائنة على المرابطين. لا أعلم له عقبًا.
محمد بن غَانِيَة
وكان أخوه محمد واليًا من قبله على بعض أعمال قرطبة، فلما مات اضطرب أمر محمد هذا، وبقي يجول في بلاد الأندلس والفتنة تتزيَّد، ودعوة المصامدة تنتشر. فلما اشتد خوف محمد هذا أتى مدينة دانية فعبر منها إلى جزيرة ميورقة في حشمه وأهل بيته، فملكها والجزيرتين اللتين حولها: مُنُرقة، ويابسة. ويقال: إن أمير المسلمين علي بن يوسف نفاه إليها على طريق السجن بها، فالله أعلم.
وهذه الجزيرة -أعني ميورقة- أخصب الجزر أرضًا، وأعدلها هواء، وأصفاها جوًّا؛ طولها وعرضها نحو من ثلاثين فرسخًا، اتفق أهلها على أنهم لم يروا فيها شيئًا من الهوام المؤذية قط منذ عمرت، من ذئب أو سَبُع أو حية أو عقرب، إلى غير ذلك مما يخشى ضرره. ويجاورها بالقرب منها جزيرتان تقربان منها في الخصب، تسمى إحداهما منرقة، والأخرى يابسة، وقد تقدم ذكرهما.
... فاستقل محمد بمملكة هذه الجزر، وضبطها لنفسه، وأقام فيها جاريًا على أمر لمتونة الأول: يدعو لبني العباس. وكان له من الولد: عبد الله، وإسحاق، والزبير، وطلحة؛ وبنات.
فعهد في حياته إلى أكبر ولده، عبد الله؛ فنفس١ ذلك عليه أخوه إسحاق، ودخل عليه في جماعة من الجند وعبيد له فقتله -قيل: في حياة أبيه، وقيل: بعد وفاته- وتوفي عبد الله المذكور.
إسحاق بن محمد
واستقل أبو إبراهيم بالملك استقلالا حسنًا، وحسنت حاله، وكثر الداخلون عليه
стр. 206
بجزيرة ميورقة من فَلِّ لمتونة وبقاياهم؛ فكان يحسن إليهم ويصلهم حسب طاقته.
وأقبل على الغزو، وصرف عنايته إليه؛ فلم يكن له هم غيره؛ فكان له في كل سنة سفرتان إلى بلاد الروم، يغنم ويسبي وينكي١ في العدو أشد نكاية، إلى أن امتلأت أيدي أصحابه أموالاً؛ فقوي بذلك أمره، وتشبه بالملوك. ولم يزل هذه حاله إلى أن توفي في سنة ٧٩، وفي أولها وفي آخر أيام أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
وكان يراسل الموحدين ويهاديهم ويهادنهم ويختصهم من كل ما يسبي ويغنم بنفيسه وجيده؛ يشغلهم بذلك عنه، مع احتقارهم لأمر تلك الجزيرة، وقلة التفاتهم إليها. فلما كان في شهور سنة ٥٧٨ والوا إليه الكتب يدعونه إلى الدخول في طاعتهم والدعاء لهم على المنابر، ويتوعدونه على ترك ذلك؛ فوعدهم ذلك واستشار وجوه أصحابه، فاختلفوا عليه؛ فمن مشير عليه بالامتناع بمكانه، وحاض له على الدخول فيما دعوه إليه؛ فلما رأى اختلافهم أرجأ الأمر إلى أن ينظر ...
وخرج إلى بلاد الروم غازيًا، فاستشهد ﵀ هناك؛ وقيل: إنه طعن طعنة في حلقه لم يمت منها مكانه, وإنما جيء به حيًّا حتى أدخل قصره فمات فيه، فالله أعلم٢.
وكان له من الولد: علي -وهو أكبر ولده والقائم بأمره من بعده- وعبد الله, ويحيى، وأبو بكر، وسير، وتاشفين، ومحمد، والمنصور، وإبراهيم؛ توفي إبراهيم هذا بدمشق حين كان نازلا بها على السلطان الملك العادل.
علي بن إسحاق
ولما توفي أبو إبراهيم إسحاق بن محمد المذكور، قام بالأمر من بعده ابنه علي بعهد أبيه إليه، وخرج بأسطول ميورقة إلى العدوة، وقصد مدينة بجاية حين راسله جماعة من أعيانها -على ما يقال- يدعونه إلى أن يملكوه، ولولا ذلك لم يجسر على الخروج. ومما جرأه أيضًا كون الموحدين بالأندلس، وسماعه خبر موت أبي يعقوب واشتغالهم ببيعة أبي يوسف، وظن أن الأمر سيضطرب وأن الخلاف سينشأ، فكان هذا أيضًا مما أعانه على الخروج. ولولا هذه الأسباب التي ذكرنا لم يجسر على الخروج ...
فقصد ساحل بجاية فنزل به، فقاتله أهلها قتالًا غير كثير، ثم دخلها؛ وكان
стр. 207
دخوله إياها -كما ذكرنا- يوم الاثنين لست خلون من شعبان من السنة المذكورة.
استطراد عن انتقاض العرب بإفريقية على الموحدين
وكان فيها إذ دخلها، أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن؛ لم يكن واليًا عليها وإنما كان الوالي عليها أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن، وكان أبو موسى مارًّا بها حين رجع من إفريقية، وكان واليًا عليها هو وأخوه الحسن من قبل أخيهما أبي يعقوب، فظهر من العرب إفساد ببعض نواحي إفريقية، فخرج أبو موسى هذا وأخوه أبو علي بجيش من المصامدة ومن انضاف إليهم من العرب وسائر الجند، فالتقوا هم وأولئك العرب المفسدون؛ فانهزم جند إفريقية عنهما وأخذتهما العرب أسيرين، فأقاما عندهم، وانتهى الخبر إلى أبي يعقوب، فأرسل إلى أولئك العرب؛ فطلبوا مالاً اشتطُّوا١ فيه غاية الاشتطاط. ثم إن الأمر تقرر بينهم وبين الموحدين على ستة وثلاثين ألف مثقال، فلما أخبر بذلك أبو يعقوب استكثر المال وقال: هذه أيضًا مضرة أخرى؛ إن أعطيناهم مثل هذا المال تقووا به على ما يريدونه من الفساد! ثم اتفق رأيهم على أن يضربوا لهم دنانير من الصُّفر مموهة٢، ففعلوا ذلك وأرسلوا بها إليهم؛ فأطلقوا أبا علي وأبا موسى ومن كان معهما من خَدَمهما وحاشيتهما؛ فهذا ما أوجب كون أبي موسى ببجاية، فخرج من أسر العرب إلى أسر الميورقيين!.
رجع الحديث عن بني غانية في بجاية
فدخل علي بن إسحاق -كما ذكرنا- بجاية في اليوم المؤرخ، وأقام بها سبعة أيام صلى فيها الجمعة فخطب ودعا لبني العباس، ثم للإمام أبي العباس أحمد الناصر منهم، وكان خطيبه الفقيه الإمام المحدث المتقن أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزي الإشبيلي٣ - مؤلف كتاب الأحكام وغيره من التآليف- فأحنق ذلك عليه أبا يوسف يعقوب أمير المؤمنين، ورام سفك دمه، فعصمه الله منه، وتوفاه حتف أنفه وفوق فراشه!.
وخرج علي بن إسحاق من بجاية بعد أن أسس أموره فيها، وسار حتى نزل على قلعة بني حماد، فملكها وملك جميع تلك النواحي؛ فانتهى ذلك إلى أمير المؤمنين
стр. 208
يعقوب، فخرج بالموحدين قاصدًا مدينة بجاية، فلما سمع علي بقدومه خرج له عنها وقصد بلاد الجريد.
استرجاع بجاية من يد المَيُورقيِّين
ونزل أمير المؤمنين بالقرب من بجاية، فتلقاه أهلها، فلقيهم منشرح الصدر, ظاهر البِشْر١، وقال لهم من القول ما بسط به نفوسهم ورد إليهم نافر أنسهم، وقد كانوا يظنون غير ذلك، فخرجوا من عنده متعجبين مما رأواه منه وسمعوا ...
واستعمل على بجاية من أعيان الموحدين رجلًا اسمه محمد بن أبي سعيد الجِنْفِيسي؛ ثم سار حتى نزل مدينة تونس، فجهز جيشًا عظيمًا أمر عليهم رجلًا من ولد عمر بن عبد المؤمن اسمه يعقوب، وذلك لما كانوا يرونه في ملحمة كانت عندهم من أنهم سيُهزَمون مع رجل اسمه يعقوب، بموضع يعرف بـ وطا عمره. فسار يعقوب هذا بالجيش المذكور، وأقام هو في تونس؛ فكانت الهزيمة على يعقوب بن عمر -كما ذكر-. وذلك أن الموحدين التقوا هم وأصحاب علي بن غانية، فانهزم الموحدون انهزامًا قبيحًا، واتبعتهم العرب والبربر يقتلونهم في كل وجه. وهلك أكثرهم عطشًا، ورجع بقيتهم إلى تونس حيث أمير المؤمنين, فلم شَعَثهم، وجَبَر ما وهى من أحوالهم، وخرج هو بنفسه حتى لقي علي بن غانية بموضع يعرف بـ الحامة، حامة دُقْيُوس؛ فما وقف أصحاب علي إلا يسيرًا حتى انكشفوا عنه، وأبلى هو عذرًا فأُثحن جراحًا٢، وخرج فارًّا بنفسه فمات في خيمة لعجوز أعرابية.
وكان حين خرج من ميورقة خرج معه من إخوته: عبد الله، ويحيى، وأبو بكر، وسِير؛ فبقي هؤلاء المذكورون بعد موت أخيهم على من كان معهم من أصحابهم؛ ثم رأوا أن يقدموا عليهم يحيى لما رأوا من شهامته وشجاعة نفسه؛ فقدموه، ثم لحقوا بالصحراء فكانوا بها مع العرب الكائنين هناك إلى أن رجع أمير المؤمنين من هذا الوجه.
استرجاع قَفْصَة
وفي هذه السفرة انتقضت عليهم أيضًا مدينة قفصة، ونزع أهلها أيديهم من طاعتهم ودعواللميورقيين؛ فنزل عليها أمير المؤمنين أبو يوسف فحاصرها أشد الحصار؛ ثم دخلها
стр. 209
عنوة فقتل أهلها قتلًا ذريعًا؛ بلغني أنه قتل أكثرهم ذبحًا؛ وأمر بأسوارها فهُدَّت.
إبراهيم الزُّويلي الكاتب
وفي ذلك يقول رجل من أصحابنا من الكتاب، اسمه إبراهيم، يعرف عندنا بالزويلي، في قصيدة طويلة له يمدح بها أمير المؤمنين أبا يوسف, ويذكر شأن قفصة ورميهم إياها بحجارة المنجنيق: من البسيط
سائل بقَفْصَةَ هل كان الشقي لها ... بعلا, وكانت له حمالة الحطبِ١
تبت يدا كافر بالله ألهبها ... فكان كالكافر الأشقى أبي لهبِ٢
وفيها يقول:
لما زَنَت وهي تحت الأمر محصنةٌ ... حصبتموها اتباع الشرع بالحَصَبِ٣
أنشدني ﵀ هذه القصيدة بلفظه من أولها إلى آخرها؛ فلما انتهى إلى هذا البيت: لما زنت ... غلبني الضحك لما سبق إلى خاطري من سوء معناه؛ فسترت وجهي، فقال لي: ما لك؟ فلم أملك أن قهقهت فتغير لي؛ فلما خفت غضبه أخبرته بما سبق إلى خاطري، فسبني وقال لي: أنت والله شيطان سيئ القريحة، غالب على طباعك اللهو!....
واستمر في إنشاده حتى أتم القصيدة.
وأبو إسحاق الزويلي هذا من شيوخ الكتاب وظرفاء الشعراء، جمعتني وإياه مجالسُ عند السيد الأجل أبي زكريا يحيى بن يوسف بن عبد المؤمن، شاهدت فيها من ظَرْفِه٤ وغزارة بديهته ما قضيت منه العجب.
رجع الحديث عن بني غانية
ولما فرغ أبو يوسف من أمر إفريقية، كَرَّ راجعًا إلى المغرب.
ولم يزل يحيى بن غانية قائمًا بما كان يقوم به أخوه من تدبير الأمور؛ ورجع منهم عبد الله خاصة إلى جزيرة ميورقة، فألفاها قد انتقضت عليهم، ودُعي فيها للموحدين؛
стр. 210
فعل ذلك أخوهم أبو عبد الله محمد بن إسحاق. فلما قدم عبد الله قام معه علج من علوج أبيه يسمى نجاحًا؛ كان نجاح هذا لم ينقض عهدًا ولا نزع يدًا من طاعة؛ وكان متحصنًا في قلعة ومعه جماعة على رأيه من الموالي والجند. فلما قدم عبد الله -كما ذكرنا- تلقوه، وانضاف إليهم خلق من بوادي الجزيرة من الفلاحين ورعاة الغنم؛ فنهَد١ بهم عبد الله إلى المدينة، فلم يدفعه عنها أحد ولا امتنع عليه من أهلها ممتنع؛ ففتحوا له الأبواب، ودخلها بمن معه؛ وأخرج أخاه محمدًا ونفاه إلى الأندلس؛ فحظي محمد هذا عند المصامدة حظوة عظيمة، وولوه مدينة دانية، فلم يزل واليًا عليها حتى مات.
واستقر عبد الله بميورقة، فضبط أمرها وجرى في الغزو وإخافة العدو على سنن٢ أبيه؛ فلم يزل كذلك إلى أن دخلها عليه الموحدون في سنة ٥٩٩ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ولم يزل أمر يحيى بإفريقية ينبه ويخمل أخرى؛ وله أخبار يطول شرحها ويخرج عن الغرض بسطها.
اختلاف بني عبد المؤمن
وحين كان أمير المؤمنين أبو يوسف غائبًا في هذا الوجه الذي ذكرنا، طمع في الأمر أخوه أبو حفص عمر المتلقب بـ الرشيد، وعمه سليمان بن عبد المؤمن؛ وكان أحدهما بشرقي الأندلس بمدينة مرسية، والآخر بـ تادلا من بلاد صنهاجة.
فأما أبو الربيع سليمان فسولت٣ له نفسه وزين له سوء رأيه أن يجمع على نفسه قبائل صنهاجة ليقوموا بدعوته, وصرح بذلك ودعا أشياخهم فألقى إليهم ما أراد؛ فلم يتفق له من ذلك أكثر من أن تشعثت٤ عليه البلاد وانتشرت عنه هذه الأُشْنُوعة القبيحة، وبلغ الخبر أمير المؤمنين.
وأما عمر، فكان قد بدأ من ذلك بتنقص أمير المؤمنين أبي يوسف على رءوس الأشهاد٥، تعريضًا٦ مرة وتصريحًا تارة، وإلقاء ذلك إلى خواصه ليُلقوه إلى وجوه
стр. 211
الأندلس؛ وانتهى أن قتل قاضي مرسية وخطيبها المعروف بـ ابن أبي جمرة، وقيل: إنه وكزه برِئَاس السيف١ في صدره وكزة مات منها بعد أيام.
فاستحثت هذه الأخبار أمير المؤمنين وأزعجته، فعجل من بجاية إلى فاس سبع عشرة مرحلة؛ وهذا نهاية ما يكون من سرعة السير لمثله. فلما سمع بقدومه أبو الربيع سليمان وعمر المذكوران، خرجا يلتقيانه؛ فعبر عمر البحر. وجاء سليمان بمن معه من تادلا للقائه أيضًا؛ فأما عمر فلقيه بالقرب من مدينة مكناسة، فلما رآه نزل عن دابته على العادة ليسلم عليه، فلما قرب منه لم تدر بينهما كلمتان حتى أمر بالقبض عليه وتقييده، وحمل بعد التقييد إلى مدينة سَلا؛ ولقيه سليمان عمه، ففعل به مثل ذلك؛ وسار حتى نزل مدينة سلا. وفصل عنها بعد أن وكل بهما من يقوم عليهما، وأثقلهما بالحديد؛ وسار حتى بلغ مراكش، فكتب إلى القائم عليهما بقتلهما وتكفينهما والصلاة عليهما ودفنهما؛ فقتلهما صبرًا، ودفنهما، وكتب يعلمه بذلك؛ فبلغني أنه قال له: بنيتُ قبريهما بالكدان والرخام، وجعل يذكر حسنهما، فكتب إليه: ما لنا ولدفن الجبابرة، إنما هما رجلان من المسلمين، فادفنهما كيف يدفن عامة المسلمين.
وبعد قتله هذين الرجلين هابه بقية القرابة وأُشربت قلوبهم خوفه٢، بعد أن كانوا متهاونين بأمره محتقرين له؛ لأشياء كانت تظهر منه في صباه توجب ذلك. وكان قتله هذين الرجلين في سنة ٥٨٣، وأظهر بعد ذلك زهدًا وتقشفًا وخشونة ملبس ومأكل.
وانتشر في أيامه للصالحين والمتبتلين وأهل علم الحديث صِيت، وقامت لهم سوق، وعظمت مكانتهم منه ومن الناس. ولم يزل يستدعي الصالحين من البلاد، ويكتب إليهم يسألهم الدعاء، ويصل من يقبل صلته منهم بالصلات الجزيلة.
دعوة أبي يوسف إلى الأخذ بالكتاب والسنة
وفي أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله ﷺ والقرآن، ففعل ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كمدوَّنة سحنون٣، وكتاب ابن يونس٤، ونوادر أبي
стр. 212
زيد١ ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي٢، وواضحة ابن حبيب٣، وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها. لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة. وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة: الصحيحين٤، والترمذي٥، والموطأ٦، وسنن أبي داود٧، وسنن النسائي٨، وسنن البزار٩، ومسند ابن شيبة١٠، وسنن الدارقطني١١، وسنن
стр. 213
البيهقي١ في الصلاة وما يتعلق بها، على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن تومرت في الطهارة؛ فأجابوه إلى ذلك، وجمعوا ما أمرهم بجمعه؛ فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه؛ وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب، وحفظه الناس من العوامِّ والخاصة. فكان يجعل لمن حفظه الجُعل السني من الكُسا والأموال. وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب هذا. يشهد لذلك عندي ما أخبرني غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر بن الجد، أنه أخبرهم قال: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دَخْلَة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله؛ أرأيت يا أبا بكر، المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا؛ فأي هذه الأقوال هو الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك؛ فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر، ليس إلا هذا, وأشار إلى المصحف, أو هذا, وأشار إلى كتاب سنن أبي داود, وكان عن يمينه, أو السيف! فظهر في أيام يعقوب هذا ما خفي في أيام أبيه وجده؛ ونال عنده طلبة العلم -أعني علم الحديث- ما لم ينالوا في أيام أبيه وجده؛ وانتهى أمره معهم إلى أن قال يومًا بحضرة كافة الموحدين يُسمعهم -وقد بلغه حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه إياهم وخَلْوته بهم دونهم-: يا معشر الموحدين، أنتم قبائل؛ فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته؛ وهؤلاء -يعني الطلبة- لا قبيل لهم إلا أنا؛ فمهما نابهم أمر فأنا ملجَؤُهم، وإلي فزعهم، وإلي ينتسبون! فعظم منذ ذلك اليوم أمرهم، وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم.
استرجاع مدينة شلب
ولما كان في سنة ٥٨٥، قصد بِطْرُو بن الريق -لعنه الله- مدينة شلب، من جزيرة الأندلس؛ فنزل عليها بعساكره، وأعانه من البحر الإفرنجُ بالبُطْس والشواني٢؛
стр. 214
وكان قد وجه إليهم يستدعيهم إلى أن يعينوه، على أن يجعل لهم سبي البلد، وله هو المدينة خاصة؛ ففعلوا ذلك، ونزلوا عليها من البر والبحر؛ فملكوها وسبوا أهلها؛ وملك ابن الريق -لعنه الله- البلد.
وتجهز أمير المؤمنين في جيوش عظيمة، وسار حتى عبر البحر؛ ولم يكن له هم إلا مدينة شلب المذكورة، فنزل عليها؛ فلم تطق الروم دفاعه، وخرجوا عنها وعما كانوا قد ملكوه من أعمالها؛ ولم يكفه ذلك حتى أخذ حصنًا من حصونهم عظيمًا يقال له: "طُرُّش"؛ ورجع إلى مراكش.
طامع آخر من بني عبد المؤمن
وبعد رجوعه مرض مرضًا شديدًا خِيف عليه منه؛ وكان قد ولى أخاه أبا يحيى الأندلس، فجعل يتلكأ في خروجه ويبطئ تربصًا به وطمعًا في وفاته؛ وكلما أفاق هو سأل: هل عبر أبو يحيى أم لا؟ فلما بلغ أبا يحيى استحثاثه إياه، أسرع إلى العبور وهو لا يشك أن أول ما يرد عليه خبر وفاته؛ فاستمال أشياخ الجزيرة ودعاهم إلى نفسه، وقال: ما تركت أمير المؤمنين إلا هامَةَ١ اليوم أو غد، وليس لها غيري! فجعل أشياخ الجزيرة يحيل بعضهم على بعض، وأهل بلد على أهل بلد؛ حتى بلغ مرسية؛ وكتبوا بذلك مساطير خوفًا على أنفسهم.
وأفاق أمير المؤمنين من مرضه، وأشار عليه الأطباء بالسفر، فخرج قاصدًا مدينة فاس، يحمل في مِحَفَّة على بغلين؛ وبلغه أمر أبي يحيى المذكور، وجاءته كتب أهل الأندلس والمساطير التي كتبوها.
ولما سمع أبو يحيى بحركته، جاء معتذرًا إليه حتى عبر البحر، فلقيه بمدينة سلا؛ فلما وقعت عينه عليه قال لمن عنده: هذا الشقي قد جاء! وأمر به فقُيِّد، ووجه إلى أشياخ الأندلس فحضروا وأدوا شهاداتهم؛ وأمر به فأحضر وقال: إنما أقتلك بقوله ﷺ : "إذا بُويع خليفتان بأرض فاقتلوا الآخر منهما"! وأمر به فضربت عنقه، تولى قتله أخوه لأبيه عبد الرحمن بن يوسف؛ وذلك بمحضر من الناس، وأمر به فكفن ودفن؛ وأقبل على القرابة فنال منهم بلسانه وأخذ منهم أخذًا شديدًا، وأمر
стр. 215
بإخراجهم على أسوإ حال، حفاة عراة الرءوس؛ فخرجوا وكل واحد منهم لا يشك أنه مقتول!.
ولم يزل أمر القرابة من يومئذ في خمول وهلُمّ، وقد كانوا قبل ذلك لا فرق بين أحدهم وبين الخليفة سوى نفوذ العلامة؛ فكان جملة من قتل يعقوب, أخويه وعمه!.
وقعة الأرك
ولما كان في سنة ٩٠ انتقض ما بينه وبين الأدفنش -لعنه الله- من العهد؛ فخرجت خيل الأدفنش تدوس البلاد وتجوس خلالها؛ إلى أن كثر عَيْثها١ بالأندلس.
وتجهز أمير المؤمنين وأخذ في العبور، فعبر البحر في حمادى الآخرة من سنة ٥٩١ بجموع عظيمة، ونزل مدينة إشبيلية، فلم يقم بها إلا يسيرًا ريثما اعترض الجند, وقسم الأموال وخرج يقصد بلاد الروم.
وسمع الأدفنش -لعنه الله- بقصده، فتجهز هو أيضًا في جموع ضخمة؛ والتقوا بموضع يعرف بـ فَحْص الحديد؛ وكان الأدفنش قد جمع جموعًا لم يجتمع له مثلها قط٢؛ فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين وساءت ظنونهم؛ لما رأوا من كثرة عدوهم؛ وأمير المؤمنين في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء والاستعانة بكل من يظن عنده خيرًا من الصالحين.
فلما كان يوم الأربعاء وهو الثالث من شعبان٣ من هذه السنة المذكورة، التقى المسلمون وعدوهم؛ فأنزل الله على الموحدين نصره، وأفرغ عليهم صبره، ومنحهم أكتاف الروم؛ وكانت الدائرة على الأدفنش -لعنه الله- وأصحابه؛ ولم ينجُ إلا هو في نحو من ثلاثين من وجوه قواده؛ واستشهد من المسلمين جماعة من أعيان الموحدين وغيرهم، منهم الوزير أبو يحيى أبو بكر بن عبد الله ابن الشيخ أبي حفص المتقدم الذكر في وزراء أبي يوسف.
وخرج أمير المؤمنين بنفسه حتى أتى قلعة رباح، وقد انجلى عنها أهلها، فدخلها، وأمر بكنيستها فغيرت مسجدًا؛ فصلى فيها المسلمون؛ واستولى على ما