الأندلس؛ وانتهى أن قتل قاضي مرسية وخطيبها المعروف بـ ابن أبي جمرة، وقيل: إنه وكزه برِئَاس السيف١ في صدره وكزة مات منها بعد أيام.
فاستحثت هذه الأخبار أمير المؤمنين وأزعجته، فعجل من بجاية إلى فاس سبع عشرة مرحلة؛ وهذا نهاية ما يكون من سرعة السير لمثله. فلما سمع بقدومه أبو الربيع سليمان وعمر المذكوران، خرجا يلتقيانه؛ فعبر عمر البحر. وجاء سليمان بمن معه من تادلا للقائه أيضًا؛ فأما عمر فلقيه بالقرب من مدينة مكناسة، فلما رآه نزل عن دابته على العادة ليسلم عليه، فلما قرب منه لم تدر بينهما كلمتان حتى أمر بالقبض عليه وتقييده، وحمل بعد التقييد إلى مدينة سَلا؛ ولقيه سليمان عمه، ففعل به مثل ذلك؛ وسار حتى نزل مدينة سلا. وفصل عنها بعد أن وكل بهما من يقوم عليهما، وأثقلهما بالحديد؛ وسار حتى بلغ مراكش، فكتب إلى القائم عليهما بقتلهما وتكفينهما والصلاة عليهما ودفنهما؛ فقتلهما صبرًا، ودفنهما، وكتب يعلمه بذلك؛ فبلغني أنه قال له: بنيتُ قبريهما بالكدان والرخام، وجعل يذكر حسنهما، فكتب إليه: ما لنا ولدفن الجبابرة، إنما هما رجلان من المسلمين، فادفنهما كيف يدفن عامة المسلمين.
وبعد قتله هذين الرجلين هابه بقية القرابة وأُشربت قلوبهم خوفه٢، بعد أن كانوا متهاونين بأمره محتقرين له؛ لأشياء كانت تظهر منه في صباه توجب ذلك. وكان قتله هذين الرجلين في سنة ٥٨٣، وأظهر بعد ذلك زهدًا وتقشفًا وخشونة ملبس ومأكل.
وانتشر في أيامه للصالحين والمتبتلين وأهل علم الحديث صِيت، وقامت لهم سوق، وعظمت مكانتهم منه ومن الناس. ولم يزل يستدعي الصالحين من البلاد، ويكتب إليهم يسألهم الدعاء، ويصل من يقبل صلته منهم بالصلات الجزيلة.
دعوة أبي يوسف إلى الأخذ بالكتاب والسنة
وفي أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله ﷺ والقرآن، ففعل ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كمدوَّنة سحنون٣، وكتاب ابن يونس٤، ونوادر أبي
стр. 212
زيد١ ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي٢، وواضحة ابن حبيب٣، وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها. لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة. وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة: الصحيحين٤، والترمذي٥، والموطأ٦، وسنن أبي داود٧، وسنن النسائي٨، وسنن البزار٩، ومسند ابن شيبة١٠، وسنن الدارقطني١١، وسنن
стр. 213
البيهقي١ في الصلاة وما يتعلق بها، على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن تومرت في الطهارة؛ فأجابوه إلى ذلك، وجمعوا ما أمرهم بجمعه؛ فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه؛ وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب، وحفظه الناس من العوامِّ والخاصة. فكان يجعل لمن حفظه الجُعل السني من الكُسا والأموال. وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب هذا. يشهد لذلك عندي ما أخبرني غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر بن الجد، أنه أخبرهم قال: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دَخْلَة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله؛ أرأيت يا أبا بكر، المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا؛ فأي هذه الأقوال هو الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك؛ فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر، ليس إلا هذا, وأشار إلى المصحف, أو هذا, وأشار إلى كتاب سنن أبي داود, وكان عن يمينه, أو السيف! فظهر في أيام يعقوب هذا ما خفي في أيام أبيه وجده؛ ونال عنده طلبة العلم -أعني علم الحديث- ما لم ينالوا في أيام أبيه وجده؛ وانتهى أمره معهم إلى أن قال يومًا بحضرة كافة الموحدين يُسمعهم -وقد بلغه حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه إياهم وخَلْوته بهم دونهم-: يا معشر الموحدين، أنتم قبائل؛ فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته؛ وهؤلاء -يعني الطلبة- لا قبيل لهم إلا أنا؛ فمهما نابهم أمر فأنا ملجَؤُهم، وإلي فزعهم، وإلي ينتسبون! فعظم منذ ذلك اليوم أمرهم، وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم.
استرجاع مدينة شلب
ولما كان في سنة ٥٨٥، قصد بِطْرُو بن الريق -لعنه الله- مدينة شلب، من جزيرة الأندلس؛ فنزل عليها بعساكره، وأعانه من البحر الإفرنجُ بالبُطْس والشواني٢؛
стр. 214
وكان قد وجه إليهم يستدعيهم إلى أن يعينوه، على أن يجعل لهم سبي البلد، وله هو المدينة خاصة؛ ففعلوا ذلك، ونزلوا عليها من البر والبحر؛ فملكوها وسبوا أهلها؛ وملك ابن الريق -لعنه الله- البلد.
وتجهز أمير المؤمنين في جيوش عظيمة، وسار حتى عبر البحر؛ ولم يكن له هم إلا مدينة شلب المذكورة، فنزل عليها؛ فلم تطق الروم دفاعه، وخرجوا عنها وعما كانوا قد ملكوه من أعمالها؛ ولم يكفه ذلك حتى أخذ حصنًا من حصونهم عظيمًا يقال له: "طُرُّش"؛ ورجع إلى مراكش.
طامع آخر من بني عبد المؤمن
وبعد رجوعه مرض مرضًا شديدًا خِيف عليه منه؛ وكان قد ولى أخاه أبا يحيى الأندلس، فجعل يتلكأ في خروجه ويبطئ تربصًا به وطمعًا في وفاته؛ وكلما أفاق هو سأل: هل عبر أبو يحيى أم لا؟ فلما بلغ أبا يحيى استحثاثه إياه، أسرع إلى العبور وهو لا يشك أن أول ما يرد عليه خبر وفاته؛ فاستمال أشياخ الجزيرة ودعاهم إلى نفسه، وقال: ما تركت أمير المؤمنين إلا هامَةَ١ اليوم أو غد، وليس لها غيري! فجعل أشياخ الجزيرة يحيل بعضهم على بعض، وأهل بلد على أهل بلد؛ حتى بلغ مرسية؛ وكتبوا بذلك مساطير خوفًا على أنفسهم.
وأفاق أمير المؤمنين من مرضه، وأشار عليه الأطباء بالسفر، فخرج قاصدًا مدينة فاس، يحمل في مِحَفَّة على بغلين؛ وبلغه أمر أبي يحيى المذكور، وجاءته كتب أهل الأندلس والمساطير التي كتبوها.
ولما سمع أبو يحيى بحركته، جاء معتذرًا إليه حتى عبر البحر، فلقيه بمدينة سلا؛ فلما وقعت عينه عليه قال لمن عنده: هذا الشقي قد جاء! وأمر به فقُيِّد، ووجه إلى أشياخ الأندلس فحضروا وأدوا شهاداتهم؛ وأمر به فأحضر وقال: إنما أقتلك بقوله ﷺ : "إذا بُويع خليفتان بأرض فاقتلوا الآخر منهما"! وأمر به فضربت عنقه، تولى قتله أخوه لأبيه عبد الرحمن بن يوسف؛ وذلك بمحضر من الناس، وأمر به فكفن ودفن؛ وأقبل على القرابة فنال منهم بلسانه وأخذ منهم أخذًا شديدًا، وأمر
стр. 215
بإخراجهم على أسوإ حال، حفاة عراة الرءوس؛ فخرجوا وكل واحد منهم لا يشك أنه مقتول!.
ولم يزل أمر القرابة من يومئذ في خمول وهلُمّ، وقد كانوا قبل ذلك لا فرق بين أحدهم وبين الخليفة سوى نفوذ العلامة؛ فكان جملة من قتل يعقوب, أخويه وعمه!.
وقعة الأرك
ولما كان في سنة ٩٠ انتقض ما بينه وبين الأدفنش -لعنه الله- من العهد؛ فخرجت خيل الأدفنش تدوس البلاد وتجوس خلالها؛ إلى أن كثر عَيْثها١ بالأندلس.
وتجهز أمير المؤمنين وأخذ في العبور، فعبر البحر في حمادى الآخرة من سنة ٥٩١ بجموع عظيمة، ونزل مدينة إشبيلية، فلم يقم بها إلا يسيرًا ريثما اعترض الجند, وقسم الأموال وخرج يقصد بلاد الروم.
وسمع الأدفنش -لعنه الله- بقصده، فتجهز هو أيضًا في جموع ضخمة؛ والتقوا بموضع يعرف بـ فَحْص الحديد؛ وكان الأدفنش قد جمع جموعًا لم يجتمع له مثلها قط٢؛ فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين وساءت ظنونهم؛ لما رأوا من كثرة عدوهم؛ وأمير المؤمنين في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء والاستعانة بكل من يظن عنده خيرًا من الصالحين.
فلما كان يوم الأربعاء وهو الثالث من شعبان٣ من هذه السنة المذكورة، التقى المسلمون وعدوهم؛ فأنزل الله على الموحدين نصره، وأفرغ عليهم صبره، ومنحهم أكتاف الروم؛ وكانت الدائرة على الأدفنش -لعنه الله- وأصحابه؛ ولم ينجُ إلا هو في نحو من ثلاثين من وجوه قواده؛ واستشهد من المسلمين جماعة من أعيان الموحدين وغيرهم، منهم الوزير أبو يحيى أبو بكر بن عبد الله ابن الشيخ أبي حفص المتقدم الذكر في وزراء أبي يوسف.
وخرج أمير المؤمنين بنفسه حتى أتى قلعة رباح، وقد انجلى عنها أهلها، فدخلها، وأمر بكنيستها فغيرت مسجدًا؛ فصلى فيها المسلمون؛ واستولى على ما
стр. 216
حول طليطلة من الحصون؛ ثم رجع إلى مدينة إشبيلية منصورًا مفتوحًا عليه١.
وكانت هذه الهزيمة أختًا لهزيمة الزلاقة، المتقدم ذكرها في مدة يوسف بن تاشفين أمير المرابطين.
وأقام أمير المؤمنين بإشبيلية بقية سنة ٥٩١، وقصد بلاد الروم في السنة الثانية، فنزل على مدينة طليطلة بعساكره؛ فقطع أشجارها، وانتزف٢ معايشها، وغوَّر مياهها، وأنكى في الروم أشد نكاية.
ثم عاد في السنة الثالثة أيضًا، وتوغل بلاد الروم، ووصل إلى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين قط؛ ورجع إلى مدينة إشبيلية، فأرسل الأدفنش إليه -لعنه الله- يسأله المهادنة، فهادنه إلى عشر سنين، فعبر البحر بعد أن أصلح الجزيرة ورتب فيها من يقوم بحمايتها، وقصد مدينة مراكش، وذلك في سنة ٥٩٤.
عزم أبي يوسف على قصد مصر، ووفاته
فبلغني عن غير واحد أنه صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق، وجعل يذكر البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع٣، ويقول: نحن -إن شاء الله- مطهروها؛ ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات ﵀ في صدر سنة ٥٩٥ -كما ذكر- ودفن بـ تينمل مع آبائه٤.
شيء من سيرته
وكان في جميع أيامه وسيره مؤثرًا للعدل، متحريًا له بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها؛ كان في أول أمره أراد الجري على سنن الخلفاء الأول ...
стр. 217
فمن ذلك أنه كان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس؛ لم يزل على ذلك مستمرًّا أشهرًا، إلى أن أبطأ يومًا عن صلاة العصر إبطاء كاد وقتها يفوت، وقعد الناس ينتظرونه؛ فخرج عليهم فصلى ثم أوسعهم لومًا وتأنيبًا، وقال: ما أرى صلاتكم إلا لنا، وإلا فما منعكم عن أن تقدموا رجلاً منكم فيصلي بكم؟ أليس قد قدم أصحاب رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف١ حين دخل وقت الصلاة وهو غائب؟ أما لكم بهم أسوة وهم الأئمة المتبعون والهداة المهتدون؟ فكان ذلك سببًا لقطعه الإمامة.
وكان يقعد للناس عامة، لا يُحجَب عنه أحد من صغير ولا كبير؛ حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما؛ وأمر الوزير أبا يحيى صاحب الشرطة أن يضربهما ضربًا خفيفًا تأديبًا لهما؛ وقال لهما: أما كان في البلد حكام قد نصبوا لمثل هذا؟ فكان هذا أيضًا مما حمله على القعود في أيام مخصوصة لمسائل مخصوصة, لا ينفذها غيره.
ولما ولى أبا القاسم بن بقي المتقدم الذكر، كان فيما اشترط عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا؛ فكان يقعد في موضع بينه وبين أمير المؤمنين سِتْر من ألواح.
وكان قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل شهر مرتين، يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم.
وكان إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عن عمالهم وقضاتهم وولاتهم؛ فإذا أثنوا خيرًا قال: اعلموا أنكم مسئولون عن هذه الشهادة يوم القيامة؛ فلا يقولن امرؤ منكم إلا حقًّا. وربما تلا في بعض المجالس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] .
ولما خرج إلى الغزوة الثانية سنة ٩٢ -وهي الغزة التي كانت بعد الوقعة الكبرى التي أذل الله فيها الأدفنش وجموعه, وأعز الإسلام وأنصاره- كتب قبل خروجه إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير وحملهم إليه؛ فاجتمعت له منهم جماعة كبيرة كان يجعلهم كلما سار بين يديه، فإذا نظر إليهم قال لمن عنده: هؤلاء الجند, لا هؤلاء! ويشير إلى العسكر؛ فكان في ذلك شبيهًا بما حُكي
стр. 218
عن قتيبة بن مسلم١ والي خراسان حين لقي الترك وكان في جيشه أبو عبد الله محمد بن واسع؛ فجعل يكثر السؤال عنه، فأخبر أنه في ناحية من الجيش متكئًا على سِيَة قوسه٢ رافعًا إصبعه إلى السماء يُنَضْنِض٣ بها؛ فقال قتيبة: لإصبعُهُ تلك أحب إلي من عشرة آلاف سيف!.
ولما رجع أمير المؤمنين أبو يوسف من وجهه هذا، أمر لهؤلاء القوم بأموال عظيمة، فقبل منهم من رأى القبول، ورد من رأى الرد؛ فتساوى عنده ﵁ الفريقان، وقال: لكل مذهب؛ ولم يزد هؤلاء ردهم ولا نقص أولئك قبولهم.
وكان كثير الصدقة؛ بلغني أنه تصدق قبل خروجه إلى هذه الغزوة -أعني التي كانت فيها الوقعة الكبرى- بأربعين ألف دينار، خرج منها للعامة نحو من نصفها، والباقى في القرابة؛ أدركتهم وقد قسموا مدينة مراكش أرباعًا، وجعلوا في كل ربع أمناء معهم أموال يتحرون بها المساتير وأرباب البيوتات. وكان كلما دخلت السنة يأمر أن يكتب له الأيتام المنقطعون، فيجمعون إلى موضع قريب من قصره، فيُختنون ٤ ويأمر لكل صبي منهم بمثقال وثوب ورغيف ورمانة. وربما زاد على المثقال درهمين جديدين؛ هذا كله شهدته لا أنقله عن أحد من الناس.
وبنى بمدينة مراكش بيمارستانًا ما أظن أن في الدنيا مثله؛ وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل٥ موضع في البلد، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه؛ فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخاريف المحكمة ما زاد على الاقتراح؛ وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهًا كثيرة تدور على جميع البيوت، زيادة على أربع برك في وسطه، إحداها رخام أبيض؛ ثم أمر له من الفُرُش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف، ويأتي فوق النعت. وأجرى له ثلاثين دينارًا في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة، خارجًا عما جلب إليه من الأدوية. وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال؛ وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم، من جهاز
стр. 219
الصيف والشتاء؛ فإذا نقه المريض١ فإن كان فقيرًا أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل٢، وإن كان غنيًّا دفع إليه ماله وترك وسببه، ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت. وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله، يعود المرضى ويسأل عن أهل بيت أهل بيت، يقول: كيف حالكم؟ وكيف القَوَمة٣ عليكم؟ إلى غير ذلك من السؤال، ثم يخرج؛ لم يزل مستمرًّا على هذا إلى أن مات ﵀.
مماليك الغُزِّ المصريون في المغرب
وفي أول ولايته -إما سنة ٨٣ أو ٨٢- ورد علينا البلاد الغز٤ من مصر؛ وكان فيمن ورد علينا مملوك يسمى قَرَاقُش، ذكروا أنه كان مملوكًا لتقي الدين ابن أخي الملك الناصر، ورجل يسمى شعبان، ذكروا أنه من أمراء الغز، ومن أجناد المصريين رجل يعرف بالقاضي عماد الدين، في آخرين. فأحسن نزلهم، وبالغ في تكرمتهم، وجعل لهم مزية ظاهرة على الموحدين؛ وذلك أن الموحدين يأخذون الجامكية ثلاث مرات في كل سنة، في كل أربعة مرة؛ وجامكية الغز مستمرة في كل شهر لا تختل، وقال: الفرق بين هؤلاء وبين الموحدين أن هؤلاء غرباء لا شيء لهم في البلاد يرجعون إليه سوى هذه الجامكية، والموحدون لهم الأقطاع والأموال المتأصلة٥. هذا مع أنه أقطع أعيانهم أقطاعًا كأقطاع الموحدين أو أوسع؛ أقطع رجلًا منهم فيما أعرف، من أهل إربل، يعرف بـ أحمد الحاجب، مواضع ليس لأحد من قرابته مثلها؛ وأقطع شعبان المذكور بالأندلس قرى كثيرة تغل٦ في كل سنة نحوًا من تسعة آلاف دينار، هذا خارجًا عن جامكيتهم الكثيرة التي ليس لأحد من الأجناد غيرهم مثلها.
ولم يرد المغرب من هذه الطائفة -أعني الغز- ألطف حسًّا ولا أزكى نفسًا ولا أحسن محاضرة ولا أطيب عشرة من شعبان هذا المذكور؛ ما لقيته إلا استنشدني أو أنشدني.
стр. 220
أنشدته يومًا لشاعر من أصحابنا من أهل إشبيلية: من البسيط
وقائل: فِيمَ لم تهجع؟ فقلت له: ... كيف الهجوع لطرف نافر الوَسَنِ١
لم تدر أن الكَرَى الممنوع عن بصري ... هي السِّنات التي في مقلتي حسنِ٢
فضحك وقال: لقد حوَّم٣ هذا الشاعر وما ورد، ورفرف فما طار، وأراد غاية فوقع دونها؛ ولله من أثار هذا المعنى بأوجز لفظ وأسهل مأخذ وأيسر كلفة حيث يقول: من الطويل
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رُقادي فهو لَحْظ الحبائبِ٤
قلت: هو أبو الطيب. قال لي: نعم، هو الطيب أبو الطيب.
وأنشدته يومًا -وقد جرى ذكر التجنيس اللفظي٥، فأنشد هو منه وأكثر-: من الطويل
إذا صال ذو ود بود صديقه ... فيا أيها الخِلُّ المصاحب لي صُلْ بِي٦
فإني مثل الماء لينًا لصاحبي ... وناهيك للأعداء من رجل صُلْبِ
فاستحسنهما وكتبهما عنده، وقال لي ﵀: لك علي بهذين البيتين حق؛ فما وافقني شيء من الشعر في هذا المعنى ولا في غيره ولا وقع مني موقعهما.
وفي الجملة كان له شغف بالآداب شديد، وكان يقرض شيئًا من الشعر، وربما ندرت له الأبيات الجيدة؛ سألته أن يكتب لي شيئًا من شعره أو ينشدنيه، فأبى علي كل الإباء، وحلف لا يفعل ...
أبو يوسف وعقيدة العامة في ابن تومرت
وخرج أمير المؤمنين أبو يوسف إلى تينمل للزيارة ومعه هؤلاء الغز المذكورون، فقعدوا تحت شجرة خروب مقابلة للمسجد؛ وقد كان ابن تومرت قال لأصحابه فيما قال لهم ووعدهم به: لِيُبصرن منكم من طالت حياته أمراء أهل مصر مستظلين بهذه الشجرة قاعدين تحتها! فلما جلس الغز على الصفة المتقدمة تحتها كان ذلك اليوم في
стр. 221
تينمل يومًا عظيمًا؛ اتصل التكبير من كل جهة، وجاء النساء يُوَلْوِلْنَ ويضربْنَ بالدفوف، ويقلْنَ ما معناه بلسانهم: صدق مولانا المهدي! نشهد أنه الإمام حقًّا!.
فأخبرني من رأى أمير المؤمنين أبا يوسف حين رأى ذلك يتبسم استخفافًا لعقولهن؛ لأنه لا يرى شيئًا من هذا كله، وكان لا يرى رأيهم في ابن تومرت؛ فالله أعلم.
أخبرني الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري ونحن بحِجْر الكعبة قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف: يا أبا العباس، اشهد لي بين يدي الله أني لا أقول بالعصمة -يعني عصمة ابن تومرت-. قال: وقال لي يومًا وقد استأذنته في فعل شيء يفتقر إلى وجود الإمام: يا أبا العباس، أين الإمام ... ؟ أين الإمام ... ؟.
أخبرني شيخ ممن لقيته من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس، يسمى أبا بكر بن هانئ، مشهور البيت هناك؛ لقيته وقد علت سنه فرويت عنه، قال لي: لما رجع أمير المؤمنين من غزوة الأرك -وهي التي أوقع فيها بالأدفنش وأصحابه- خرجنا نتلقاه؛ فقدمني أهل البلد لتكليمه، فرفعت إليه، فسألني عن أحوال البلد وأحوال قضاته وولاته وعماله -على ما جرت عادته- فلما فرغت من جوابه، سألني كيف حالي في نفسي؛ فتشكرت له ودعوت بطول بقائه؛ ثم قال لي: ما قرأت من العلم؟ قلت: قرأت تواليف الإمام -أعني ابن تومرت- فنظر إلي نظرة المغضب، وقال: ما هكذا يقول الطالب! إنما حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت شيئًا من السنة؛ ثم بعد هذا قل ما شئت. في أضراب١ لهذه الحكايات لو أوردناها لطال بها هذا التلخيص.
اهتمامه بالتشييد والبناء
وكان عند رجوعه من السفرة التي استنقذ فيها مدينة شلب من أيدي الروم على ما تقدم، أمر أن يبنى له على النهر الأعظم -نهر إشبيلية- حصن؛ وأن تبنى له في ذلك الحصن قصور وقباب، جاريًا في ذلك على عادته من حب البناء وإيثار التشييد -فإنه كان مهتمًّا بالبناء، وفي طول أيامه لم يخل من قصر يستجِدُّه أو مدينة يعمُرُها؛ زاد في مدينة مراكش في أيامه زيادة كثيرة يطول تفصيلها-فتمت له هذه القصور المذكورة على ما أراد وفوقه؛ وسمى ذلك الحصن حصن الفَرَجِ.
стр. 222
علي بن حَزْمُون الشاعر*
ولما رجع من غزوته العطمى -المتقدم ذكرها- في سنة ٥٩١، جلس للوفود في قبة من تلك القباب مشرفة على النهر الأعظم، وأذن فدخلوا عليه على طبقاتهم ومراتبهم؛ وأنشده الشعراء؛ فممن أنشده في ذلك اليوم صديق لي من أهل مرسية اسمه علي بن حزمون، أنشده قصيدة في عَرُوض يسمى الخَبَب كان يقترحه على الشعراء، فوقعت القصيدة من أمير المؤمنين ومن الحاضرين موقع استحسان، أولها: من الخبب أو المحدث
حيتك معطرة النفس ... نفحات الفتح بأندلسِ
فذَرِ الكفار ومأتمهمْ ... إن الإسلام لفي عُرُسِ١
أإمام الحق وناصره ... طهَّرْتَ الأرض من الدنسِ٢
وملأتَ قلوب الناس هُدًى ... فدنا التوفيق لملتمِسِ٣
ورفعت منار الدين على ... عَمَدٍ شُمٍّ وعلى أسسِ٤
وصدعتَ رداء الكفر كما ... صدع الدَّيْجور سَنَا قَبَسِ٥
لا قيت جموعهمو فغدوا ... فرصًا في قبضة مفترسِ٦
جاءوك تضيق الأرض بهم ... عددًا لم يُحصَ ولم يُقَسِ
خرجوا بَطَرًا ورئاء النا ... س ليختلسوا مع مختلِسِ٧
ومضيتَ لأمر الله على ... ثقة بالله ولم تَخِسِ٨
فأناخ الموتُ كلاكلَهُ ... بظُبَاك على بَشَر رَجِسِ٩
стр. 223
وتساوى القاع بهامهم ... الرُّبْض مع الحَرِب الضَّرِسِ١
سقيت بنجيعهمو أكم ... وطئوا منهن على دَهَسِ٢
فأولئك حزب الكفر ألا ... إن الكفار لفي نكسِ٣
أذوي الصلبان وراءكمو ... خيل الملك الخَبِرِ النَّدُسِ٤
لو أن البحر تناوله ... جرعًا وطئته على يَبَسِ٥
ولو أن الصم تُرَاجمها ... أضحت كحل المُقَلِ النعسِ٦
ملأ التوحيد أعنتها ... وأغار بها روح القدسِ٧
نهضت فمضت فقضت أملًا ... أنسى عتب الدنيا فنُسِي
جاست جنبات الكفر فلم ... تترك لهمو ما لم تَجُسِ٨
لم يبق بها مثوى رجل ... إلا وعليه شَذَى فرسِ٩
لحقوا بقرون الشم فلا ... سُقْيَا لطلولهمو الدُّرُسِ١٠
إن كان نجا أدفنشُهُمو ... فإلى عيش نكد تعسِِ
نظر الملك الأعلى فرأى ... ملكًا ما بين قَنًا وقِسِي١١
стр. 224
كالصبح توشح رونقه ... كالطور بنور الله كُسِي١
فمضى لم يُلْوِ على أحد ... ورمى بالدرع بالتُّرُسِ٢
لصليل الهند بمفرقه ... لا يسمع صلصلة الجرَسِ٣
سهر الموتور وأرَّقه ... تَذْكار المُنْصُل والمَرَسِ٤
وبكاء عقائلَ هاتفةٍ ... كالوُرْق ينُحْنَ مع الغلسِ٥
برزت وكأن ذوائبها ... أذناب روامحة شُمُسِ٦
ترنو كظباء الرمل على ... وجل لضراغمة شُرُسِ٧
قد كن مَهَا أنس فغدت ... تحت الرايات بلا أَنَسِ٨
إن الأيام قدِ ازدهرت ... كالروض يروق لمغترسِ٩
وتناسقت الآمال لنا ... كالثغر تنَظَّم في لَعَسِ١٠
وتلألأ نور الحق على الـ ... أثر المهدية فاقتبِسِ
أجزيرةَ أندلس اعتصمي ... بإمام الأمة واحترسِي
أرْعاكِ حراستَه ملكٌ ... جبريل له أحد الحرسِ
حكمت أسيافك سيدنا ... في كل مُصِرِّ الكفر مُسِي١١
ومضت في الروم مضاربها ... وكذلك تفعل في الفُرْسِ
стр. 225
لا يخلف ربك موعده ... دَوِّخْ أقطارَهُمو ودُسِ! ١
أوردتها على تواليها وإن كان فيها طول؛ لغرابة عروضها، وجودة أكثر أبياتها؛ أنشدنيها منشئها المذكور من لفظه، ثم أعدتها عليه بلفظي آخر مرة لقيته بمدينة مرسية في سنة ٦١٤.
ولعلي بن حزمون هذا قدم في الآداب، واتساع في أنواع الشعر، ركب طريقة أبي عبد الله بن حجاج البغدادي٢ - سامحه الله وغفر له- فأربى فيها عليه؛ وذلك أنه لم يدع موشحة تجري على ألسنة الناس بتلك البلاد إلا عمل في عروضها ورويها موشحة على الطريقة المذكورة؛ وله مع هذا في الهجاء يد لا تطاول، غير أنه يُفحش في كثير منه؛ فمن أحسن ما أحفظ له من ذلك وأسلمه من الفحش والإقذاع٣، أبيات ركب فيها طريقة الحطيئة٤: ابتدأ يهجو نفسه، ثم استطرد يهجو رجلًا من أعيان قواد الأندلس يقال له: محمد بن عيسى، مشهور النجدة عندهم. والأبيات: من الطويل
تأملتُ في المرآة وجهي فخِلْتُه ... كوجه عجوز قد أشارت إلى اللهوِ
كأن على الأزرار مني عورة ... تنادي الورى: غُضُّوا ولا تنظروا نحوِي٥
فلو كنت مما تُنبت الأرض لم أكن ... من الرائق الباهي ولا الطيب الحُلْوِ٦
وأقبح من مَرْآيَ بطني فإنه ... يُقَرْقِرُ مثل الرعد قَرْقَرَ في الجوِّ٧
وإلا كقلب بين جنبي محمد ... سليل ابن عيسى حين فر ولم يُلْوِ٨
يود بأن لو كان في بطن أمه ... جَنِينًا ولم يسمع حديثًا عن الغزوِ
стр. 226
ثقيلٌ ولكن عقله مثل ريشة ... تطير بها الأرواح في مَهْمَهٍ دَوِّي١
تميل بشِدْقيه إلى الأرض لحية ... تظن بها ماء يُفرَّغ من دَلْوِ٢
وقد حدثوا عنه بكل نقيصة ... ولكن مثلي لا يُروِّي ولا يَرْوِي
وله في هذا المعنى أحسن من هذا كثيرًا إلا أنه أقذع فيه؛ فلذلك لم أودعه هذه الأوراق؛ لأني لا أستجيز أن ينقل مثل هذا عني.
ونال ابن حزمون هذا عند قضاة المغرب وعماله وولاته جاهًا وثروة؛ كل ذلك خوفًا من لسانه وحذرًا من هجائه. ولا أعلم في جميع بلاد المغرب بلدًا إلا وأهاجي هذا الرجل تُحفظ فيه وتدرس؛ أسأل الله له المسامحة ولجميع إخواننا من المسلمين.
محمد بن عبد رَبِّه الكاتب حفيد صاحب العِقْد٣
وأمر أمير المؤمنين بعرض الجند في هذا اليوم٤ في السلاح التام؛ فلما انتشروا بين يديه وأعجبه ما رأى من حسن هيئاتهم، قام فصلى ركعتين شكرًا لله ، واتفق إثر فراغه من ذلك الركوع أن جاءت سحابة فأمطرت مطرًا جَوْدًا٥ حتى ابتل الناس؛ فقال في ذلك صديق لي من الكتاب اسمه محمد بن عبد ربه، أصله من الجزيرة الخضراء، كان يكتب لأبي الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن٦، وكان مختصًّا به: من البسيط
بادي الكرامة, بل بادي الكرامات ... قد شفع الله آياتٍ بآياتِ٧
يا ليت شعري ما شيء دعوتَ به ... قبل السلام ومن بعد التحياتِ
شيء تأثر عنه الجو فاتصلتْ ... مِنَ السحائب راياتٌ براياتِ
стр. 227
من كل وَطْفَاء لَفَّاء الرَّباب هَمَتْ ... ماء نقيًّا على زُغْفٍ نقياتِ١
قل: كيف لا يفتح الله البلاد وقد ... تفتحت لك أبواب السماواتِ
فاشتهر من يومئذٍ أبو عبد الله هذا وعرف مكانه ونبه قدره؛ وله إحسان كثير وقدم راسخة في صناعتي النظم والنثر، مع تحقق بشيء من أجزاء الفلسفة من علوم التعاليم وعلم المنطق؛ أنشدني ﵀ من شعره: من الكامل
قف بالقباب وأين ذاك الموقف ... واسألهم بمَأَمِّهم أن يعطفُوا٢
وأنشد فؤادك إن عرفت مكانه ... بين القباب وما إخالك تعرفُ
عند التى رمتِ الجمار غُديَّةً ... وبنانها بدم القلوب مطرفُ٣
نفسي الفداء لها وإن لم تبق لي ... نفسًا تذكرني بها وتعرفُ
وهي قصيدة طويلة لم يبق تقادم العهد منها على خاطري سوى ما أوردته.
وأنشدته ﵀ يومًا ونحن في قبة على شاطئ نهر وقد أخذ المطر في الانسكاب، بيتين أحفظهما لشاعر قديم: من المنسرح
حاكت يمين الرياح محكمة ... في نهر واضح الأساريرِ٤
فكلما ضعَّفَتْ به حَلقًا ... قام لها القطر بالمساميرِ٥
فاستحسنهما وقال لي: ذكرتني هذا المعنى؛ وأنشدني فيه لنفسه أبياتًا ما سمعت بمثلها؛ هذا على إكثار الناس في هذا المعنى وتواردهم٦ عليه حتى صار أخلق٧ من الليل والنهار, من كثرة تكراره على الأسماع، فلا يتخلص منه إلا من لطف حسه وجاد طبعه وحسن مَيْزه٨؛ والأبيات: من البسيط
стр. 228
بين الرياض وبين الجو معترَك ... بِيضٌ من البرق أو سُمْرٌ من السمرِ١
إن أوترتْ قوسَها كفُّ السماء رمت ... نَبْلًا من الماء في زغف من الغُدُرِ٢
لأجل ذاك إذا هبت طلائعها ... تدرع النهر واهتزت قَنَا الشجرِ٣
فانظر -حفظك الله- إلى حسن توطئته لهذا المعنى, وقوة تخلصه إلى هذا التشبيه بأحسن لفظ, وأسهله على السمع والنطق.
واستأذنت عليه يومًا وهو في مجلس له؛ فلم ير ﵀ أن يحجبني؛ فاسترفع ما كان لديه وأذن لي؛ فدخلت؛ فتلقاني أحسن لقاء، وأخذ يحدثني؛ وفهمت أنه مستحٍ خجِل, إذ عرف أني تفطنت لبعض الأمر، فأنشدته رافعًا عنه كلفة الخجل لبعض الشعراء: من الطويل
أَدِرْها فما التحريم فيها لذاتها ... ولكن لأسباب تضمنها السُّكْرُ
إذا لم يكن سكر يزلُّ به الفتى ... فسيَّانِ ماءٌ في الزجاجة أو خمرُ!
فطرب -نضر الله وجهه- وعاوده أنسه وانبسط، ثم سكت عني ساعة واستدعى الدواة وكتب بديهًا في قريب من المعنى الذي أنشدته فيه: من البسيط
ما ضرت الخمر لولا الشرع يشربها ... قوم حديثهمو همس التسابيحِ٤
ليسوا برُعش إذا أدوا فروضهمو ... عند القيام ولا ميل مراجيحِ٥
بيتٌ كبيت وفيه شادن سدِنٌ ... مزج الكئوس به وَقْدُ المصابيحِ٦
وأنشدني بعد هذا لنفسه، في هذا المجلس، من قديم شعره، مقطوعة سينية لم أسمع بأحسن منها؛ لم يبق على خاطري منها سوى آخر بيت فيها، وهو: من الطويل
ولكن قومًا لا يغيب نهارهم ... إذا غربت شمس يديرونها شمسَا
стр. 229
وله ﵀ رحلة إلى مصر لقي فيها ابن سناء الملك١ وأخذ عنه من شعره، وهو أول من سمعت يذكره عندنا ويروي شعره.
ولأبي عبد الله هذا اتساع في صناعة الشعر، إلا أنه نحل كثيرًا من شعره السيدَ الأجل أبا الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن أيام كتابته له، ولم يدع بعد ذلك في شيء مما نحله إياه من شعره، ولا ذكر أنه له؛ فكان أكثر شعره ينشد لأبي الربيع وترويه الرواة له. عرفت ذلك بعد مفارقته إياه؛ لأني فقدت شعر السيد أبي الربيع واختلف علي كلامه، ورأيت بخطه أشعارًا نازلة عن رتبة الشعر جدًّا؛ فعلمت أن ذلك الأول ليس من نسجه!.
وأخبرني ابن عبد ربه هذا قال: دخلت على السيد أبي الربيع وهو في قبة له وقد دخلت عليه الشمس من كُوًى٢ صغار في أعلاها، فلما رأيت ذلك المنظر أعجبني وقلت بديهًا: من الكامل
لما رأته الشمس يفعل فعلها ... في العالمين مقاسمًا ومساهمَا٣
خافت توالي الجود يُنفد ماله ... نثرت عليه دنانِرًا ودراهمَا! ٤
فحذف الياء من دنانير، وهذا جائز، كما قال الأول:
تضل به أمنًا وفيه العصافرُ
أبو جعفر الحميري المؤدِّب*
ومما يتعلق بأخبار أبي يوسف ﵀ ما أخبرني شيخي وأستاذي أبو جعفر أحمد بن محمد بن يحيى الحميري ﵀ أيام قراءتي عليه بقرطبة سنة ٦٠٦، وذلك أنَّا بلغنا عليه في الحماسة إلى مقطوعة ابن زَيَّابة التيمي٥ التي أولها: من السريع
стр. 230
يا لَهْفَ زَيَّابة للحارث الـ ... ـصابح فالغانم فالآيبِ١
فلما انتهينا منها إلى قوله:
والله لو لاقيتُه خاليًا ... لآبَ سَيْفَانا مع الغالبِ!
قال لنا٢: أحدثكم بأعجب ما اتفق لي في هذا البيت؛ وذلك أن أمير المؤمنين أبا يوسف ﵀ لما فصل عن قرطبة متوجهًا إلى لقاء الأدفنش -لعنه الله- قال لي ولدي عصام بعد انفصاله بليلة أو ليلتين: يا أبتِ، رأيت البارحة أمير المؤمنين داخلًا قرطبة وقد رجع من السفر وهو متقلد بسيفين! فقلت: يا بني، لئن صدقت رؤياك هذه ليَهزمن الأدفنشَ -لعنه الله-! وخطر لي هذا البيت:
والله لو لاقيته خاليًا ... لآب سيفانا مع الغالبِ
فصدقت الرؤيا والتعبير.
وأبو جعفر هذا المذكور، آخر من انتهى إليه علم الآداب بالأندلس. لزمته نحوًا من سنتين، فما رأيت أروى لشعر قديم ولا حديث، ولا أذكر بحكاية تتعلق بأدب أو مثل سائر أو بيت نادر أو سجعة مستحسنة منه، ﵁ وجازاه عنا خيرًا. أدرك جلة من مشايخ الأندلس فأخذ عنهم علم الحديث والقرآن والآداب، وأعانه على ذلك طول عمره وصدق محبته وإفراط شغفه بالعلم. قال لي ولده عصام -وقد رأيت عنده نسخة من شعر أبي الطيب قُرئت علي أو أكثرها فألفيتها شديدة الصحة- فقلت له: لقد كتبتَها من أصل صحيح وتحرزتَ٣ في نقلها. فقال لي: ما يمكن أن يكون في الدنيا أصل أصح من الأصل الذي كتبتُ منه! فقلت له: أين وجدته؟ قال: هو موجود الآن بين أيدينا وعندنا! وكنا في المسجد في زاوية، فقلت له: أين هو؟ فقال لي: عن يمينك! فعلمت أنه يريد الشيخ، فقلت: ما على يميني إلا الأستاذ! فقال لي: هو أصلي، وبإملائه كتبت؛ كان يملي علي من حفظه! فجعلت أتعجب. فسمع الأستاذ حديثنا؛ فالتفت إلينا وقال: فِيمَ أنتما؟ فأخبره ولده الخبر، فلما رأى تعجبي قال: بعيدًا أن تفلحوا! يعجب أحدكم من حفظ ديوان المتنبي! والله لقد أدركت أقوامًا لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه٤ حافظًا ولا يرونه مجتهدًا!.
стр. 231
توفي أبو جعفر هذا في شهر صفر من سنة ٦١٠ وقد كملت له ست وتسعون سنة؛ لم يبق في الأندلس أعلى روايةً منه في كل ما يُروى، ولم أر قبله ولا بعده -مع اتساع علمه وشدة تمييزه وحسن اختياره ومعرفته بعلل هذه الصناعة- أكثر إنصافًا منه ولا أسرع رجوعًا إلى الحق. كنت أنشده من شعري على ركاكته١ وكثرة تكلفه وبعده من الجودة أبياتًا لا أعدها شيئًا؛ يحملني على إنشادها إياه فرط استدعائه ذلك مني؛ فيلهج٢ بها ويشتد استحسانه لها، وربما درسها فحفظها.
أنشدته يومًا -وقد استدعى مني ذلك على عادته- بيتين ارتجلتُهما في شاب كان يقرأ معنا, كان شديد العفة ﵀ مع حسن رائع وظرف ناصع، كان اسمه فتحًا وهما: من المجتث
يا من له عن كِنَاسٍ ... من المتيم قلبُهْ٣
ما أنت كاسمك فتحٌ ... وإنما أنت قلبُهْ
فطرب والتفت إلى ابنه وقال له: هذا والله الشعر، لا ما تصدعني به طول نهارك؛ إن كنت تقول مثل هذا وإلا فاسكت! فلما كان من الغد قال لي ﵀: أعلمتَ ما صنع عصام أمس؟ قلت: لا؛ قال: كان كما قالوا في المثل: سكت ألْفًا..؛ لم يزل أمس يُعمل فكرته، فبعد الجهد الشديد أخذ معنى بيتيك فسلبه رُوحه وأعدمه رَوْنقه ومسخه٤ جملة فقال: من المجتث
سبى فؤادي خِشْفُ ... فقوتي اليوم ضَعْفُ٥
سموه فتحًا مجازًا ... وفي الحقيقة حتفُ! ٦
ما زاد فيه أكثر من المجاز والحقيقة؛ فقلت أنا: هذا والله أحسن من شعري! فتغير لي وقال: يا بني، دع عنك هذه العادة؛ فإن أسوأ ما تخلق به الإنسان: المَلَق٧ وتزيين الباطل، سيما إذا أضاف إلى ذلك الحَلِف الكاذب. والله إنك لتعلم أن هذا ليس بشيء، وإلا فقد اختل ميزك وساء اختيارك، وما أظن هذا هكذا.
стр. 232
وسمعته -من شدة إنصافه ﵀ يستحسن بيتين هجاه بهما صاحبنا علي بن خَرُوف رحمه الله١؛ وذلك أن الأستاذ ﵀ وعفا عنه- كان يلقب بـ الوَزَغِيّ، وكان عنده شاب يقرأ عليه يلقب بـ الغُرْنُوق -وهو اسم عندهم للكُركي، والفصيح فيه غِرْنيق٢- فكان بعض الطلبة يتهمون الأستاذ بالميل إلى ذلك الشاب؛ وذلك خلق قد أعاذه الله منه ونزهه بفضله عنه؛ فقال ابن خروف في ذلك، سامحه الله: من الوافر
أحقًّا سامَّ أبرصَ ما سمعنا ... بأنك قد تعشقتَ ابن ماءِ٣
وكيف وأنت في الحيطان تمشي ... وذاك يطير في جو السماءِ
فأبعده الأستاذ ﵀ وأنهى خبره إلى القاضي أبي الوليد بن رشد، فأوجعه ضربًا؛ وامتنع الأستاذ من قراءته عليه؛ فحرمه الله بهذين البيتين فوائد علمه، وأبعده عن مَرِيع جَنابه٤، وولاه الأستاذ خطته، وألقى حبله على غاربه٥؛ فلم يفلح ابن خروف بعدها، ولا حصل على شيء من العلم؛ وإنما كان يعتمد فيما يأتي به على طبعه خاصة.
وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره؛ رغبةً في تنشيط الطالب وإيثارًا للإحماض٦؛ ولنرجع الآن إلى ما قطعنا:
اليهود في عهد أبي يوسف
وفي آخر أيام أبي يوسف أمر أن يميز اليهود الذين بالمغرب بلباس يختصون به دون غيرهم؛ وذلك ثياب كُحلية وأكمام مفرطة السعة تصل إلى قريب من أقدامهم، وبدلًا من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع٧ تبلغ إلى تحت آذانهم؛ فشاع هذا الزي في جميع يهود المغرب؛ ولم يزالوا كذلك بقية أيامه وصدرًا من أيام
стр. 233
ابنه أبي عبد الله، إلى أن غيره أبو عبد الله المذكور، بعد أن توسلوا إليه بكل وسيلة، واستشفعوا بكل من يظنون أن شفاعته تنفعهم. فأمرهم أبو عبد الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر؛ فهم على هذا الزي إلى وقتنا هذا -وهو سنة ٦٢١- وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه من إفرادهم بهذا الزي وتمييزه إياهم به، شكه في إسلامهم؛ وكان يقول: لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم، ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم١ وجعلت أموالهم فيئًا٢ للمسلمين؛ ولكني متردد في أمرهم.
ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة؛ إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام ويصلون في المساجد ويُقرئون أولادهم القرآن؛ جارين على ملتنا وسنتنا، والله أعلم بما تكن٣ صدورهم وتحويه بيوتهم.
محنة أبي الوليد بن رشد
وفي أيامه نالت أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد -المقدم الذكر- محنة شديدة؛ وكان لها سببان: جلي وخفي؛ فأما سببها الخفي، وهو أكبر أسبابها، فإن الحكيم أبا الوليد ﵀ أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطاطاليس صاحب كتاب المنطق، فهذبه وبسط أغراضه وزاد فيه ما رآه لائقًا به، فقال في هذا الكتاب عند ذكره الزرافة وكيف تتولد وبأي أرض تنشأ: وقد رأيتها عند ملك البربر ... جاريًا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خَدَمة الملوك ومتحيلو الكتاب من الإطراء والتقريظ٤، وما جانس هذه الطرق؛ فكان هذا مما أحنقهم٥ عليه, غير أنهم لم يظهروا ذلك. وفي الجملة فإنها كانت من أبي الوليد غفلة؛ فقد قال القائل: رحم الله من عرف زمانه فمانَه٦، وميز مكانه فكانَه!. وما أحسن ما قال الأول: من الطويل
وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئتُ لاقيت الذي لا أشاكلُه٧
стр. 234
فحامقتُهُ حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقلُه! ١
واستمر الأمر على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس. ثم إن قومًا ممن يناوئه من أهل قرطبة ويدّعي معه الكفاءة في البيت وشرف السلف، سعوا به عند أبي يوسف؛ ووجدوا إلى ذلك طريقًا، بأن أخذوا بعض تلك التلاخيص التي كان يكتبها، فوجدوا فيها بخطه حاكيًا عن بعض قدماء الفلاسفة بعد كلام تقدم: فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة....، فأوقفوا أبا يوسف على هذه الكلمة؛ فاستدعاه بعد أن جمع له الرؤساء والأعيان من كل طبقة وهم بمدينة قرطبة، فلما حضر أبو الوليد ﵀ قال له بعد أن نبذ٢ إليه الأوراق: أخطك هذا؟ فأنكر! فقال أمير المؤمنين: لعن الله كاتب هذا الخط! وأمر الحاضرين بلعنه؛ ثم أمر بإخراجه على حال سيئة وإبعاده وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم. وكتبت عنه الكتب إلى البلاد بالتقدم إلى الناس في ترك هذه العلوم جملة واحدة، وبإحراق كتب الفلسفة كلها، إلا ما كان من الطب والحساب، وما يتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار، وأخذ سمت القبلة. فانتشرت هذه الكتب في سائر البلاد وعُمل بمقتضاها.
ثم لما رجع إلى مراكش، نزع عن ذلك كله، وجنح إلى تعلم الفلسفة، وأرسل يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه, والعفو عنه. فحضر أبو الوليد ﵀ إلى مراكش، فمرض بها مرضه الذي مات منه ﵀, وكانت وفاته بها في آخر سنة ٥٩٤ وقد ناهز الثمانين، ﵀.
ثم توفي أمير المؤمنين أبو يوسف بعد هذا التاريخ بيسير، وكانت وفاته -كما ذكرنا- في غرة صفر الكائن في سنة ٥٩٥.
стр. 235
ذكر ولاية أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف أمير المؤمنين
أبو عبد الله هذا هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، أمه أم ولد اسمها: زهر، رومية. بويع له بعهد أبيه إليه في سنة ٥٩٥ بعد وفاة أبيه. وقد كان أبوه أمر ببيعته في سنة ٨٦ وسنه إذ ذاك عشر سنين إلا أشهرًا. وكان مولده في آخر سنة ٥٧٦، ولم يزل مرشحًا للخلافة معروفًا بها إلى أن مات أبوه واستقل بالأمر في التاريخ المذكور، وسنه يوم بويع له البيعة الكبرى العامة، سبع عشرة سنة وأشهر. وكانت وفاته لعشر خلون من شعبان سنة ٦١٠؛ فكانت مدة ولايته ست عشرة سنة إلا أشهرًا.
صفاته
أبيض، أشقر شعر اللحية، أشهل العينين١، أسيل الخدين٢، حسن القامة، كثير الإطراق٣، شديد الصمت، بعيد الغَوْر٤ -كان أكبر أسباب صمته لثغًا٥ كان بلسانه- حليمًا، شجاعًا، عفيفًا عن الدماء، قليل الخوض فيما لا يعنيه جدًّا، إلا أنه كان يُبخِّل أولاده.
أولاده
كان قليل الولد جدًّا، لا أعلم له من الولد سوى يوسف ولي عهده، ويحيى، وإسحاق. توفي يحيى في حياته بإشبيلية سنة ٦٠٨. وبلغني عن جماعة من الحشم أنه كان رشح يحيى هذا لولاية العهد؛ وله بنات.
стр. 236
وزراؤه
أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يُوجَّان، وزير أبيه.
ثم عزله بعد مدة يسيرة، وولى بعده أخاه إبراهيم ابن أمير المؤمنين أبي يوسف ...
صلة المؤلف بإبراهيم بن أبي يوسف
... وهو خير ولده وأجدرهم بالأمر لو كانت الأمور جارية على إيثار الحق واطِّراح الهوى؛ لا أعلم فيهم أنجب منه. كان لي ﵀ محبًّا وبي حفيًّا١؛ وصلت إلي منه أموال وخلع جمة غير مرة. لم أعرفه أيام وزارته؛ لأني كنت إذ ذاك حديث السن جدًّا ما ناهزت٢ الاحتلام، وإنما كانت معرفتي إياه حين ولوه إشبيلية في سنة ٦٠٥، من جهة رجل من أصحابنا من الكتاب اسمه محمد بن الفضل -جازاه الله عني خيرًا- هو الذي أوصلني إليه؛ أنشدته أول يوم لقيتُه قصيدة مدحته بها، أولها: من الكامل
لكمو على هذا الورى التقديم ... وعليهمو التفويض والتسليمُ٣
الله أعلاكم وأعلى أمره ... بكمو وأنف الحاسدين رَغِيمُ٤
أحييتمو المنصور فهو كأنه ... لم تفتقده معالِمٌ وعلومُ٥
ومحابرٌ ومنابرٌ ومحاربٌ ... وحِمًى يحاط وأرملٌ ويتيمُ٦
إلى أن أقول فيها في ذكر ولايته إشبيلية:
فكأنما حمص جمالًا سارَةٌ ... وكأن إبراهيمَ إبراهيمُ٧
وأرى طليطلة كهاجرَ إثرها ... سيزفها الأدفنش وهو ذميمُ٨
стр. 237
أقول فيها:
يذر الصليب صغيره وكبيره ... فيها جُذاذًا والعلوج جثومُ١
ويحرق الأعداء فيما أضرمتْ ... ويجوب نار الحرب وهي جحيمُ٢
لم يبق على خاطري منها لتقادم عهدها وقلة اعتنائي بها سوى هذه الأبيات التي أوردتها؛ فاستحسنها ﵀ وبالغ في الثناء عليها، تفضلًا منه وسؤددًا، وجريًا على سنن الأجواد؛ هذا مع ركاكتها وقلة انطباعها وظهور تكلفها.
ثم علت حالي عنده بعد ذلك -نضر الله وجهه- إلى أن كان يقول لي في أكثر الأوقات: والله إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه! ثم لم تزل حالي معه على هذا إلى أن فارقته -رحمة الله عليه- وهو والٍ على إشبيلية ولايته الثانية.
وكان توديعي إياه -قدس الله روحه- آخر يوم من ذي الحجة سنة ٦١٣، ثم اتصلت بي وفاته وأنا بصعيد مصر سنة ٦١٧.
لم أر في العلماء بعلم الأثر المتفرغين لذلك أنقل منه للأثر؛ كان يذهب مذهب أبيه في الظاهرية.
... ثم عزله أبو عبد الله وولى بعده أبا عبد الله محمد بن علي بن أبي عمران الضرير، جد يوسف بن عبد المؤمن لأمه؛ وكناه أبا يحيى؛ فكان أبو عبد الله الوزير هذا من أحسن الوزراء سيرة وسريرة، وكان يحضه على فعل الخير بجهده، ونشر العدل حسب طاقته، والإحسان إلى الرعية والأجناد. رأى الناس في أيام وزارته من الخصب وسعة الأرزاق وكثرة العطاء مثل الذي رأوا في أيام أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن أو قريبًا منه.
ثم عزل وولى بعده أبا سعيد عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن جامع....
أولية الوزير أبي سعيد بن جامع
....كان إبراهيم بن جامع جد هذا الوزير من جملة أصحاب ابن تومرت، صحبه من مراكش؛ وكان أصله من الأندلس؛ آباؤه من أهل مدينة طليطلة، ونشأ هو -أعني إبراهيم- بساحل مدينة شريش على البحر الأعظم، بضيعة تسمى رُوطَة، وبها مسجد مشهور بالفضل يزوره أهل الأندلس قاطبة في كل سنة. ثم انتقل إبراهيم هذا
стр. 238
إلى العدوة، وكان يحاول صنعة النحاس؛ فتعرف بابن تومرت، فكان من أصحابه، فهو معدود فيهم. وولد له أولاد نالوا في الدولة حظوة وجاهًا متسعًا؛ فمن أولاده: أبو العلاء إدريس وزير أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وقد تقدم ذكره. وأبو هذا الوزير المتقدم الذكر، اسمه عبد الله، كان يتولى في إمارة أبي يعقوب مدينة سبتة وجهاتها، وزيادة على ذلك ولاية الأسطول في جميع بلادهم. فلم يزل كذلك إلى أن مات -أظن أمير المؤمنين أبا يعقوب قتله! - وترك من الولد: يوسف، والحسين، وعثمان الوزير هذا المذكور، ويحيى, وبنات.
... فاستمرت وزارة أبي سعيد هذا إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله؛ ووزر بعده لابنه أبي يعقوب إلى حين ارتحلتُ من البلاد -وهو سنة ٦١٤-. ثم اتصل بي في شهور سنة ٦١٧ أن أبا يعقوب عزله وولى من سيأتي ذكره بعد هذا -إن شاء الله .
حجابه
ريحان الخصي، ويدعى ريحان بِيَنْك، حجبه ريحان هذا إلى أن مات.
ثم حجبه بعده مبشر الخصي، يدعى مبشر ولدي. فلم يزل مبشر هذا حاجبًا له إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله، ﵀.
كتابه
أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش, المتقدم الذكر في كتاب أبيه.
وأبو الحسن علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش, المتقدم ذكر أبيه في كتاب عبد المؤمن وأبي يعقوب.
وأبو عبد الله محمد بن يَخْلُفْتَن بن أحمد الفازازي؛ ذكره الله فيمن عنده، وقرب مطالعتي تلك الغرة الميمونة، وسماعي تلك الألفاظ الحلوة، واستمتاعي بتلك الشمائل الشريفة؛ فما أشد شوقي إلى تقبيل يديه!.
هؤلاء كتبة الإنشاء. وكتاب الجيش: أبو الحجاج يوسف المُرَاني "بتخفيف الراء وضم الميم" من أهل مدينة شريش من جزيرة الأندلس.
ثم بعده أبو جعفر أحمد بن منيع إلى وقتنا هذا، وهو سنة ٦٢١.
قضاته
أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي قاضي أبيه.
стр. 239
ثم عزله وولى أبا عبد الله محمد بن مروان الذي كان أبوه قد عزله؛ فلم يزل قاضيًا إلى أن مات.
وولى بعده رجلًا من أهل مدينة فاس، اسمه محمد بن عبد الله بن طاهر، يدعي أنه من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب١. كان قبل اتصاله بهم ينتحل طريقة الوعظ ويتصوف، لم يزل هذا دأبه ولا برح معروفًا به. وكان له مع هذا حظ جيد من معرفة أصول الفقه وأصول الدين وشيء من الخلاف. اتصل بأمير المؤمنين أبي يوسف شهور سنة ٥٨٧، فحظي عنده وكانت له منه منزلة. سمعت أبا عبد الله الحسيني هذا يقول وأنا عنده في بيته: جملة ما وصل إلي من أمير المؤمنين أبي يوسف منذ عرفته إلى أن مات، تسعة عشر ألف دينار، خارجًا عن الخلع والمراكب والأقطاع.
لم يزل أبو عبد الله هذا قاضيًا إلى أن مات بالأندلس في شهور سنة ٦٠٨، وكانت ولايته في شهور سنة ٦٠١.
ثم ولى بعده أبا عمران موسى بن عيسى بن عمران؛ كان أبوه من قضاة أبي يعقوب؛ فاستمرت ولاية أبي عمران هذا إلى هذا الوقت -وهو سنة ٦٢١- لم يبلغني عزله ولا وفاته. وأبو عمران هذا لي صديق، لم أر صديقًا لم تغيره الولاية غيره، ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئًا من بره. ما لقيته قط في مركبه إلا سلم علي مبتدئًا وجدد لي برًّا؛ جزاه الله عني أفضل الجزاء، وعم بذلك سائر إخواني!.
أعمال أبي عبد الله بن أبي يوسف
ولما تمت بيعة أبي عبد الله العامة كما ذكرنا -وكان الذي تولاها وقام بأمرها من القرابة: أبو زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن، وهو الذي قام ببيعة أبيه؛ ومن الموحدين: أبو زيد عبد الرحمن بن موسى وزير أبيه، وأبو محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص -وهو الذي ولاه محمد بعد هذا أمر إفريقية- كان أول شيء شرع فيه تجهيز الجيوش إلى إفريقية؛ وذلك أن يحيى بن إسحاق بن غانية المتقدم الذكر، كان استولى على أكثر بلادها أيام اشتغل الموحدون عنه بغزو الروم؛ فأول جيش جهز أبو عبد الله من الموحدين، الجيش الذي استعمل عليه السيد أبا الحسن علي بن عمر بن عبد المؤمن؛ لم أر لهم جيشًا أضخم منه ولا أكثر منه سلاحًا ولا
стр. 240
أحسن عدة. وكان فيه من أعيان الموحدين وأشياخهم جملة وافرة. فسار أبو الحسن هذا بجيشه المذكور حتى التقى هو والميورقيون فيما بين بجاية وقسطنطينة، وبالقرب من قسطنطينة؛ فانهزم الموحدون أصحاب أبي الحسن المذكور، ورجع أبو الحسن إلى بجاية على حالة سيئة.
وجهز بعد هذا الجيش جيشًا على مثاله، وأمر عليهم من الموحدين أبا زيد عبد الرحمن بن موسى الوزير؛ فسار بالجيش حتى بلغ قسطنطينة المغرب.
دخول الموحدين جزيرة ميورقة
ثم استعمل أمير المؤمنين أبو عبد الله على إفريقية وأعمالها، السيد الأجل أبا زيد عبد الرحمن بن عبد المؤمن، وخرج هو في سنة ٥٩٧ إلى تينمل لزيارة قبر أبيه أبي يوسف، وزيارة ضريح آبائه وابن تومرت. ثم رجع إلى مراكش، وأقام إلى أول سنة ٦٠٩، فتجهز بجيوش ضخمة حتى أتى مدينة فاس ونزل بها، وأشاع أنه يقصد إفريقية -هذا بعد أن بلغه أن الميورقي استولى على مدينة تونس، وقبض على الوالي عليها عبد الرحمن- فأقام بفاس ثلاثة أشهر وأيامًا، وبدا له أن يبعث بعثًا إلى جزيرة ميورقة، ليستأصل شأفة١ بني غانية ويقطع دابرهم٢؛ فعمر الأسطول والطرائد فيها الخيل والرجال، واستعمل على الأسطول عمه أبا العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، وعلى الجيش أبا سعيد عثمان بن أبي حفص من أشياخ الموحدين؛ فقصد الجزيرة هذان الرجلان ففتحاها عنوة، وقتلا عبد الله بن إسحاق بن غانية الأمير عليها؛ وكان الذي قتله رجل من الأكراد يقال له: عمر المقدم؛ وذلك أنه حين نازله القوم خرج على باب من أبواب المدينة سكران، فكبَتْ به فرسه، فضربه هذا المذكور بسيفه حتى مات؛ وقيل: إنه قتله بسيف نفسه.
وكان دخولهما ميورقة وقتلهما أميرها المذكور في شهر ذي الحجة من سنة ٥٩٩، فانتهبا أمواله، وسبيا حرمه، ودخلا بهم مدينة مراكش على الجمال في هيئة الأسارى. فأما النساء فدخل بهن ليلًا فجعلن في بعض الخانات إلى أن نفذ الأمر بالمن عليهن وإطلاقهن، وتزويج من تحتاج إلى التزويج منهن وتجهيزها بمال. وأما الرجال فلم يزالوا في الحبس إلى أن من عليهم بعد أن ضمنهم أكابرهم واتُّخذوا أجنادًا فهم, كذلك إلى اليوم.
وبلغني أن المتولين لفتحها انتهبوا منها أموالاً عظيمة وذخائر نفيسة.
стр. 241
ثم رجع أمير المؤمنين أبو عبد الله إلى مراكش، وبها اتصل به خبر فتح ميورقة؛ وكان رجوعه إلى مراكش في ذي القعدة من السنة المذكورة.
عبد الرحمن الجزوليّ الثائر
وقد كان قبل هذا في سنة ٩٧، قام بسوس رجل من جَزُولة اسمه عبد الرحمن، يعرف عندهم بما معناه بلسانهم ابن الجزارة, فدعا إلى نفسه؛ واجتمع إليه خلق كثير. واشتد خوف الموحدين منه، فلم يزالوا يجهزون إليه العساكر بعد العساكر، وفي كل ذلك يهزمهم؛ إلى أن بعثوا بعثًا من الموحدين والغز وأصناف الجند، بعد أن تقدموا إلى المصامدة والمجاورين للبلاد التي كان فيها؛ وقالوا: إنما يقوى هذا الرجل بتغافلكم عنه، ومسامحتكم إياه، ولو شئتم لم يبق بالبلاد يومًا واحدًا! فتحركوا عند ذلك وأظهروا الحمِيَّة، والتقوا هم وأصحاب عبد الرحمن المذكور -وكان يدعى أبا قصبة- فأسلمته جموعه، وقُتل وسِير برأسه إلى مراكش؛ فكتب إلي بعض إخواني، وهو إذ ذاك صبي صغير كان مع أبيه بسوس -وكان أبوه من العمال، من أهل جزيرة الأندلس من ناحية بلنسية- يخبرني بهذا الفتح قبل وصوله إلي من جهة كتاب الموحدين المتولين له، رسالة أولها:
كُتب من منزل سوس وقد تبلَّج١ فجر الفتح فأسفر، وقال فريق الضلال وشيعته: أين المفر؟ وقد ألقى النصر جِرَانه٢، وأعز الله حزبه المؤيد وأعوانه؛ وشرح الحال على غاية الإيجاز؛ لأجل الاستعجال في إنهاء هذه البشائر والانحفاز٣، أن الناكثين النابذين للعروة الوثقى، المتمسكين بالسبب الأشقى، حاصرهم الموحدون -أنجدهم الله- أشد الحصار، وقطعوا عنهم مواد المعايش وزَرَافات٤ الأنصار؛ ولسان التأييد يتلو علينا بالعشي والإشراق. ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فَوَاق٥. ولحين ما أخذ الموحدون -أنجدهم الله- في حسم دائهم العضال، وجردوا لهم من عزماتهم الصادقة ما هو أمضى من النصال، طاحوا مُجدَّلين بالحضيض٦، وملأ جثمانُهم الفضاءَ العريض، وخيب الله ظنونهم الكاذبة وآمالهم،
стр. 242
وصيرهم إلى أمهم الهاوية فكانت أولى بهم؛ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط١ أعمالهم؛ وأمكن الله من رأس ضَلَالهم المدعو بأبي قَصَبة، فقهره الحزب المنصور وغلبه، وحز الحسام منه قُنَّةً٢ ورقبة ...
إنما أوردت هذه الرسالة هاهنا لغرابة شأن من وردت علي منه؛ وذلك أنه كان حين كتب بها إلي لم يحتلم بعد!.
فتح جزرة مُنرقة
ومع اتصال هذا الفتح بهم، اتصل معه فتح جزيرة منرقة؛ كان فيها من أصحاب ابن غانية رجل اسمه الزبير بن نَجَاح؛ دخلوها عليه فقتلوه ووجهوا برأسه إلى مراكش، فهو معلق بها مع رأس أبي قصبة المذكور.
محاربة يحيى بن غانية بإفريقية
ولما كانت سنة ٦٠١، تجهز أمير المؤمنين أبو عبد الله في جيوش عظيمة، وقصد بلاد إفريقية؛ وقد كان الميورقي يحيى بن غانية قد استولى عليها، خلا قسطنطينة وبجاية؛ هيأ له ذلك غفلة الموحدين عنه، واشتغال أمير المؤمنين أبي يوسف بغزو الروم بالأندلس على ما قدمناه.
فسار أبو عبد الله حتى نزل بلاد إفريقية؛ فما استعصى عليه بلد من بلادها خلا المهدية، مهدية بني عبيد؛ فإنه أقام عليها أربعة أشهر قبل أن دخلها؛ أوجب ذلك ما قدمنا من شدة منعتها -وكان يحيى بن غانية قد ولى فيها ابن عمه لَحًّا، أبا الحسن علي بن محمد بن غانية -فلما طال عليه الحصار سلم البلد وخرج بنفسه يقصد ابن عمه. ثم بدا له أن يرجع إلى الموحدين، فأرسل إليهم فتلقوه أحسن لقاء، ووصلوه من الصلات النفيسة بما لا قيمة له٣، ولا يصل بمثله إلا الخلفاء، وبعد هذا نزع إليهم أخو يحيى بن غانية، سير بن إسحاق بن محمد؛ فأكرموا نزله وأقطعوه الأقطاع الواسعة بعد أن ملئوا يديه أموالًا.
ولم يزل أبو عبد الله أمير المؤمنين مقيمًا بإفريقية يصلح ما أفسده ابن غانية،
стр. 243
إلى أن تم له ما أراد من ذلك. وبلغني أن جملة ما أنفق في هذه السفرة مائة وعشرون حملًا ذهبًا.
ثم رجع إلى مراكش دار الملك، بعد أن ترك بإفريقية من الموحدين وأصناف الجند من يقوم بحمايتها ويذود عنها من رامها. واستعمل عليها من أشياخ الموحدين أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر إينتي، فأقام بمراكش.
انتقاض الهدنة بين الموحدين والفرنجة
وكان رجوعه إليها في شهور سنة ٦٠٤، فأقام بها -كما ذكر- إلى أول سنة ٦٠٧، فانتقض ما بينه وبين الأدفنش -لعنه الله- من المهادنة، وبدا له أن يقصد بلاد الروم للغزو؛ فخرج بالجيوش حتى عبر البحر؛ وكان عبوره في شهر ذي القعدة من سنة ٧ المذكورة، فسار حتى نزل إشبيلية على عادة من سلف قبله؛ فأقام بها بقية السنة المذكورة.
فتح شَلْبَتِرَّة
وتحرك في أول سنة ٨ فقصد بلاد الروم؛ فنزل على قلعة عظيمة لهم في غاية المنعة تدعى شلبترة -معناه بلسان العرب: الأرض البيضاء، إلا أن فيه تقديمًا وتأخيرًا كما جرت العادة في لسان العجم- ففتحها بعد حصار وتضييق عليها شديد. وكان أبوه قد نزل عليها قبل ذلك فحاصرها أيامًا يسيرة ثم تركها شفقة على المسلمين وخوفًا عليهم. فراع فتح هذه القلعة الروم، وخامرهم الرعب١؛ وخرج الأدفنش -لعنه الله- إلى قاصية بلاد الروم مستنفرًا من أجابه من عظماء الروم وفرسانهم وذوي النجدة٢ منهم؛ فاجتمعت له جموع عظيمة من الجزيرة نفسها ومن السام، حتى بلغ نفيره٣ إلى القسطنطينية، وجاء معه صاحب بلاد أرغن المعروف بـ البرشنوني -لعنه الله-!.
أشهر الإمارات الإسبانية في ذلك العهد
وذلك أن جزيرة الأندلس يملك جهاتها الأربع أربعة ملوك من الروم:
إحدى الجهات تسمى أرغون -وهي التي ذكرنا- وهي شرقي الجزيرة مما يقابل الجنوب منها.
стр. 244
والجهة الأخرى -وهي المملكة الكبرى- بلاد تسمى بلاد قَشتال، يملكها الأدفنش -لعنه الله-؛ وحد هذه الجهة فيما بين الجنوب والشمال، أميل إلى الجنوب قليلًا.
والجهة الأخرى تسمى ليون، فهو أول الحد الشمالي المغربي، يملكها رجل يدعى بالبَبُوج؛ ومعنى هذا الاسم بالعربية: الكثير اللعاب.
والجهة الأخرى في الشمال مما يلي البحر الأعظم -بحر أقيانس- يملكها رجل يعرف بابن الريق، وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا الكتاب.
والجزيرة بأسرها، أعني جزيرة الأندلس، تسمى في قديم الدهر عند الروم جزيرة أشبانية.
وبعد رجوع أمير المؤمنين أبي عبد الله من هذا الفتح المتقدم الذكر إلى إشبيلية، استنفر الناس من أقاصي البلاد، فاجتمعت له جموع كثيفة، وخرج من إشبيلية في أول سنة ٦٠٩، فسار حتى نزل مدينة جيان؛ فأقام بها ينظر في أمره ويعبئ عساكره. وخرج الأدفنش -لعنه الله- من مدينة طليطلة في جموع ضخمة، حتى نزل على قلعة رباح -وهي كانت للمسلمين، افتتحها المنصور أبو يوسف في الوقعة الكبرى- فسلمها إليه المسلمون الذين بها، بعد أن أمنهم على أنفسهم؛ فرجع عن الأدفنش -لعنه الله- بهذا السبب من الروم جموع كثيرة، حين منعهم من قتل المسلمين الذين كانوا بالقلعة المذكورة، وقالوا: إنما جئت بنا لتفتتح بنا البلاد وتمنعنا من الغزو وقتل المسلمين! ما لنا في صحبتك من حاجة على هذا الوجه!.
وقعة العقاب وهزيمة المسلمين
وخرج أمير المؤمنين من مدينة جيان، فالتقى هو والأدفنش بموضع يعرف بـ العقاب، بالقرب من حصن يدعى حصن سالم؛ فعبأ الأدفنش جيوشه ورتب أصحابه، ودهم المسلمين وهم على غير أهبة؛ فانهزموا، وقُتل من الموحدين خلق كثير.
وأكبر أسباب هذه الهزيمة اختلاف قلوب الموحدين؛ وذلك أنهم كانوا على عهد أبي يوسف يعقوب يأخذون العطاء في كل أربعة أشهر، لا يخل ذلك من أمرهم؛ فأبطأ في مدة أبي عبد الله هذا عنهم العطاء، وخصوصًا في هذه السفرة، فنسبوا ذلك إلى الوزراء؛ وخرجوا وهم كارهون؛ فبلغني عن جماعة منهم أنهم لم يَسُلُّوا سيفًا ولا شرعوا رمحًا ولا أخذوا في شيء من أهبة القتال؛ بل انهزموا لأول حملة الإفرنج
стр. 245
عليهم قاصدين لذلك. وثبت أبو عبد الله هذا في ذلك اليوم ثباتًا لم ير لملك قبله، ولولا ثباته هذا لاستؤصلت تلك الجموع كلها قتلاً وأسرًا!.
ثم رجع من هذا الوجه إلى إشبيلية، وأقام بها إلى شهر رمضان من هذه السنة، ثم عبر البحر قاصدًا مدينة مراكش..
وكانت هذه الهزيمة الكبرى على المسلمين، يوم الاثنين منتصف صفر, الكائن في سنة ٦٠٩.
وفصل الأدفنش -لعنه الله- عن هذا الموضع بعد أن امتلأت يداه وأيدي أصحابه أموالاً وأمتعة من متاع المسلمين؛ فقصد مدينتي بياسة وأبذة؛ فأما بياسة فوجدها أو أكثرها خالية، فحرق أدورها وخرب مسجدها الأعظم؛ ونزل على أبذة وقد اجتمع فيها من المسلمين عدد كثير من المنهزمة وأهل بياسة وأهل البلد نفسه؛ فأقام عليها ثلاثة عشر يومًا، ثم دخلها عنوة فقتل وسبى وغنم؛ وفصل هو وأصحابه من السبي من النساء والصبيان بما ملئوا به بلاد الروم قاطبة؛ فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة!.
وفاة الناصر محمد
ولم يزل أمير المؤمنين أبو عبد الله مقيمًا بمراكش بقية سنة ٩ وأشهرًا من سنة ١٠ إلى أن توفي في شهر شعبان كما قدمنا؛ واختلف علينا في سبب وفاته١؛ فأصح ما بلغني أنه أصابته سكتة من ورم في دماغه؛ وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من شعبان؛ فأقام ساكتًا لا يتكلم يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء؛ وأشار عليه الأطباء بالفَصْد فأبى ذلك؛ وتوفي يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر شعبان من سنة ٦١٠، ودفن يوم الخميس؛ صلى عليه خاصة الحشم!.
стр. 246
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد
هو يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي١, أمه أم ولد رومية اسمها: قمر، تلقب حكيمة. كانت ولادته في صدر شوال من سنة ٥٩٤؛ قبل وفاة جده أبي يوسف بأربعة أشهر.
بويع له وسنه يومئذ ست عشرة سنة، لا أعلم له ولدًا لحداثة سنه؛ ثم اتصل بي في شهور سنة ٦٢١ أن يوسف هذا توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة سنة ٢٠، فكانت مدة ولايته من يوم بويع له -وذلك لأحد عشر يومًا خلت من شعبان من سنة ٦١٠- إلى أن توفي كما ذكر في التاريخ المذكور، عشرة أعوام وشهرين.
صفته
كان صافي السمرة، مستدير الوجه، شديد الكَحَل، يشبهونه بجده أبي يوسف في أكثر خَلْقه وخُلُقه.
وزراؤه
أبو سعيد -المتقدم الذكر- وزير أبيه؛ استمرت وزارته إلى آخر سنة ٦١٥.
ثم عزله وولى بعده رجلًا اسمه زكريا بن يحيى بن أبي إبراهيم إسماعيل الهزرجي صاحب ابن تومرت والمقتول في حياة عبد المؤمن كما تقدم.
أم هذا الوزير هي بنت أبي يوسف المنصور؛ فهو وزيره إلى أن توفي كما ذكر.
حجابه
مبشر الخصي حاجب أبيه.
ثم حجبه بعده فارح الخصي، يكنى: أبا السرور؛ فلم يزل حاجبًا له إلى أن توفي كما قيل.
стр. 247
قاضيه
أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران قاضي أبيه؛ لم يزل أبو عمران هذا قاضيًا له إلى أن توفي كما قيل.
كتابه
أبو عبد الله بن عياش, كاتب أبيه وجده.
وأبو الحسن بن عياش.
ثم اتصلت بي وفاة هذين الكاتبين وأنا بالديار المصرية في شهور سنة ٦١٩، وأنهم استعادوا أبا عبد الله محمد بن يخلفتن الفازازي المتقدم الذكر في كتاب أمير المؤمنين أبي عبد الله؛ وكان قاضيًا بمدينة مرسية من شرقي الأندلس، وبها فارقته؛ فأعادوه إلى الكتابة كما كان.
واستكتبوا معه أبا جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عياش. أبوه هو كاتبهم المشهور بكتابتهم، وقد تقدم ذكره في كتاب ثلاثة أمراء منهم.
وكاتب الجيش أحمد بن منيع؛ لم يتغير.
بيعته
بويع لأبي يعقوب هذا يوم دفن أبيه، لا أدري أبعهد أبيه أم لا؛ لأني أعلم أن أباه كان كثير الانحراف عنه في آخر أيامه؛ لما كان يسمع من سوء أخباره. والذين قاموا ببيعته من القرابة: أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن -عم جده الذي دخل عليه الميورقيون بجاية، وهو آخر من بقي من ولد عبد المؤمن لصلبه، لم تبلغني وفاته إلى وقتنا هذا- وأبو زكريا يحيى بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن؛ كانا قائمين على رأسه يأذنان للناس؛ ومن الموحدين: أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن أبي زيد الهنتاتي -كان أبوه أول وزر لأبي يوسف، وقد ذكر- وأبو علي عمر بن موسى بن عبد الواحد الشرقي؛ وأبو مروان عبد الملك بن يوسف بن سليمان، من أهل تينمل.
وبويع البيعة الخاصة يوم الخميس، ويوم الجمعة بايعه أشياخ الموحدين والقرابة، وفي يوم السبت أذن للناس عامة؛ شهدت ذلك اليوم وأبو عبد الله بن عياش الكاتب قائم يقول للناس:
تبايعون أمير المؤمنين ابن أمراء المؤمنين على ما بايع عليه أصحاب
стр. 248
رسول الله ﷺ رسول الله، من السمع والطاعة في المنشط١ والمكره واليسر والعسر والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين. هذا ما له عليكم، ولكم عليه: ألا يُجمِّر بعوثكم٢، وألا يدخر عنكم شيئًا مما تعمكم مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم، وألا يحتجب دونكم؛ أعانكم الله على الوفاء وأعانه على ما قلد من أموركم.
يعيد هذا القول لكل طائفة، إلى أن انقضت البيعة. ثم اتصلت وفادة٣ أعيان البلاد ورؤسائها ووجوه القبائل عليه للبيعة إلى أن تم له الأمر.
فاطميٌّ من سلالة ملوك القاهرة يثور بمراكش
ولأربعة أشهر من ولايته قُبض على رجل كان قد ثار عليهم يدعي أنه من بني عبيد، ويقول: إنه ولد العاضد٤ لصلبه، اسمه عبد الرحمن.
كان قد ورد البلاد في حياة أبي يوسف أيام كونه بإشبيلية، ورام الاجتماع به فلم يأذن له؛ وأقام بالبلاد مطرحًا إلى أن حبسه أمير المؤمنين أبو عبد الله في شهور سنة ٥٩٦؛ فلم يزل في الحبس إلى أن كانت سنة ٦٠١ وتحرك أمير المؤمنين إلى إفريقية؛ شفع له فيه أبو زكريا يحيى بن أبي إبراهيم الهزرجي، فأطلقه له بعد أن ضمن عنه أنه لا يتحرك في أمر يكرهونه. فلم يقم هذا العبيدي بمراكش إلا أيامًا يسيرة بعد خروج أمير المؤمنين أبي عبد الله، ثم خرج وقصد بلاد صنهاجة، فالتفَّت عليه منهم جماعة وانتشر له فيهم تعظيم؛ لأن هذا الرجل كان كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة؛ لقيته مرتين فلم أر في أكثر من شهدته من المشبهين بالصالحين مثله في الآداب الظاهرة؛ من هدوء النفس وسكون الأطراف ووزن الكلام وترتيب الألفاظ ووضع الأشياء مواضعها، مع الرياضة المفرطة. ثم قصد مدينة سِجِلْمَاسة في حياة أمير المؤمنين أبي عبد الله بجيش عظيم، فخرج إليه متوليها السيد أبو الربيع سليمان بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن, فهزمه العبيدي المذكور وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود. ولم يزل ينتقل في قبائل البربر من موضع إلى موضع، وفي ذلك كله لا يستقيم له أمر ولا تثبت عليه جماعة؛ أوجب ذلك كونه غريب البلد واللسان، لا عشيرة له، ولا أصل بالبلاد يُرجع إليه؛ إلى أن قبض عليه بظاهر مدينة فاس؛ لم يبلغني تفصيل
стр. 249
قضية القبض عليه. وكتب إلى أمير المؤمنين متولي فاس أبو إبراهيم إسحاق ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، يعلمه بالقبض عليه وبكونه عنده في سجنه؛ فكتب إليه يأمره بقتله وصلبه، فضرب عنقه وصلب جسده ووجه برأسه إلى مراكش؛ فهو معلق هناك مع عدة رءوس من الثوار والمتغلبين.
ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئًا من سير آبائه، ولا أحدث أمرًا يتميز به عمن كان قبله؛ خلا أني رأيت كل من يعرفه من خواص الدولة قد ملئ قلبه منه رعبًا؛ لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه؛ لقيته وجلست بين يديه خاليًا به، وذلك في غرة سنة ٦١١؛ فرأيت -من حدة نفسه وتيقظ قلبه وسؤاله عن جزئيات لا يعرفها أكثر السوق فكيف الملوك- ما قضيت منه العجب؛ وإلى وقتنا هذا لم يظهر منه شيء مما يتوقع.
ثائران آخران على أبي يعقوب الثاني
وثار في أيام يوسف هذا -بعد قتل العبيدي- رجلان: أحدهما ببلاد جزولة من سوس، كان يدعى بالفاطمي؛ قتل وجيء برأسه إلى مراكش في شهور سنة ٦١٢ وأنا يومئذ بجزيرة الأندلس؛ لم يبلغني تفصيل أمره لبُعدي عن الحضرة، غير أني رأيتهم أعظموا الفرح بأخذه وقتله. والآخر من صنهاجة، قتل في سنة ٦١٨ بعد أن أثر آثارًا قبيحة فيما بلغني، وهزم بعوثًا عدة واستفسد خلقًا كثيرًا؛ بلغني هذا كله وأنا بالبلاد المصرية في التاريخ المتقدم. وكان الذي تولى قتل هذا الرجل والإراحة منه وحسم الخلاف الواقع بسببه، السيد الأجل أبا محمد عبد العزيز ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب بن عبد المؤمن بن علي، وهو يومئذ والٍ على مدينة سجلماسة وأعمالها.
وفاة أبي يعقوب الثاني
ثم اتصل بي في هذه السنة -وهي سنة ٦٢١- أن أبا يعقوب أمير المؤمنين توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة من سنة ٦٢٠ ولم يبلغني كيفية وفاته١ فاضطرب الأمر، واشرأَبَّ٤ الناس للخلاف.
стр. 250
ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول
ثم ذكر لي أن عامتهم ومعظمهم اجتمعوا على تقديم السيد الأجل أبي محمد عبد العزيز ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف ابن أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن علي، رحمهما الله ونضر وجهيهما وجزاهما خيرًا عن صلاحهما وإصلاحهما.
وأبو محمد عبد العزيز هذا من أصاغر أولاد أبي يعقوب؛ أمه حرة اسمها: مريم، صنهاجية من أهل قلعة بني حماد، تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب في حياة أبيه؛ وكانت سُبيت هي وأمها: ملكة فيمن سبوا من أهل القلعة؛ فأعتقهما أبو محمد عبد المؤمن، وزوَّج مريم هذه لابنه أبي يعقوب، فولدت له ثمانية من الولد: أربعة ذكور، وأربع بنات؛ فالذكور هم: إبراهيم، وموسى، وإدريس، وعبد العزيز هذا المذكور، وهو أصغرهم؛ توفي موسى بظاهر مدينة تاهرت؛ قتله العرب أصحاب الميورقي في شهور سنة ٦٠٥؛ وتوفي إبراهيم منهم بإشبيلية وأنا بها في شهور سنة ٦١٢؛ وتوفي أبو العلاء إدريس منهم بإفريقية كما سيأتي. والبنات هن: زينب، ورقية، وعائشة، وعُلَيَّة.
لم يتول أبو محمد عبد العزيز هذا شيئًا من أمرهم في حياة أبيه، ولا في حياة أخيه أبي يوسف؛ فلما ولي أبو عبد الله الأمر١ ولاه مدينة مالقة وأعمالها من جزيرة الأندلس؛ وذلك في شهور سنة ٥٩٨؛ ثم عزله عنها في شهور ٦٠٣، وولاه أمر قبيلة هَسْكُورة، وهي ولاية ضخمة؛ فلم يزل واليًا عليها إلى أن عزله عنها وولاه أمر سجلماسة، فلم يزل واليًا عليها بقية مدته ومدة ابنه أبي يعقوب، إلى أن قتل هذا الثائر المتقدم الذكر في ولاية أبي يعقوب بن أبي عبد الله؛ فعزله أبو يعقوب عن سجلماسة وولاه مدينة إشبيلية حين عزل عنها أخاه أبا العلاء وولاه أمر إفريقية، فلم يزل أبو العلاء إدريس واليًا بإفريقية إلى أن مات بها في رمضان من سنة ٦٢٠ على ما بلغني، رحمة الله عليه.
فهذه جملة أخبار هذا الرجل، أبي محمد عبد العزيز المذكور بالولاية لأمرهم كما قالوا؛ ولئن كان ما قالوا حقًّا وتم هذا الأمر له، ليملأنها خيراً وعدلاً، ولتزكُوَنَّ٢ الأرض وتُخرج بركاتها، ولترسلن السماء مدرارها؛ بيُمْن نقيبته٣ وحسن