ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد
هو يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي١, أمه أم ولد رومية اسمها: قمر، تلقب حكيمة. كانت ولادته في صدر شوال من سنة ٥٩٤؛ قبل وفاة جده أبي يوسف بأربعة أشهر.
بويع له وسنه يومئذ ست عشرة سنة، لا أعلم له ولدًا لحداثة سنه؛ ثم اتصل بي في شهور سنة ٦٢١ أن يوسف هذا توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة سنة ٢٠، فكانت مدة ولايته من يوم بويع له -وذلك لأحد عشر يومًا خلت من شعبان من سنة ٦١٠- إلى أن توفي كما ذكر في التاريخ المذكور، عشرة أعوام وشهرين.
صفته
كان صافي السمرة، مستدير الوجه، شديد الكَحَل، يشبهونه بجده أبي يوسف في أكثر خَلْقه وخُلُقه.
وزراؤه
أبو سعيد -المتقدم الذكر- وزير أبيه؛ استمرت وزارته إلى آخر سنة ٦١٥.
ثم عزله وولى بعده رجلًا اسمه زكريا بن يحيى بن أبي إبراهيم إسماعيل الهزرجي صاحب ابن تومرت والمقتول في حياة عبد المؤمن كما تقدم.
أم هذا الوزير هي بنت أبي يوسف المنصور؛ فهو وزيره إلى أن توفي كما ذكر.
حجابه
مبشر الخصي حاجب أبيه.
ثم حجبه بعده فارح الخصي، يكنى: أبا السرور؛ فلم يزل حاجبًا له إلى أن توفي كما قيل.
стр. 247
قاضيه
أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران قاضي أبيه؛ لم يزل أبو عمران هذا قاضيًا له إلى أن توفي كما قيل.
كتابه
أبو عبد الله بن عياش, كاتب أبيه وجده.
وأبو الحسن بن عياش.
ثم اتصلت بي وفاة هذين الكاتبين وأنا بالديار المصرية في شهور سنة ٦١٩، وأنهم استعادوا أبا عبد الله محمد بن يخلفتن الفازازي المتقدم الذكر في كتاب أمير المؤمنين أبي عبد الله؛ وكان قاضيًا بمدينة مرسية من شرقي الأندلس، وبها فارقته؛ فأعادوه إلى الكتابة كما كان.
واستكتبوا معه أبا جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عياش. أبوه هو كاتبهم المشهور بكتابتهم، وقد تقدم ذكره في كتاب ثلاثة أمراء منهم.
وكاتب الجيش أحمد بن منيع؛ لم يتغير.
بيعته
بويع لأبي يعقوب هذا يوم دفن أبيه، لا أدري أبعهد أبيه أم لا؛ لأني أعلم أن أباه كان كثير الانحراف عنه في آخر أيامه؛ لما كان يسمع من سوء أخباره. والذين قاموا ببيعته من القرابة: أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن -عم جده الذي دخل عليه الميورقيون بجاية، وهو آخر من بقي من ولد عبد المؤمن لصلبه، لم تبلغني وفاته إلى وقتنا هذا- وأبو زكريا يحيى بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن؛ كانا قائمين على رأسه يأذنان للناس؛ ومن الموحدين: أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن أبي زيد الهنتاتي -كان أبوه أول وزر لأبي يوسف، وقد ذكر- وأبو علي عمر بن موسى بن عبد الواحد الشرقي؛ وأبو مروان عبد الملك بن يوسف بن سليمان، من أهل تينمل.
وبويع البيعة الخاصة يوم الخميس، ويوم الجمعة بايعه أشياخ الموحدين والقرابة، وفي يوم السبت أذن للناس عامة؛ شهدت ذلك اليوم وأبو عبد الله بن عياش الكاتب قائم يقول للناس:
تبايعون أمير المؤمنين ابن أمراء المؤمنين على ما بايع عليه أصحاب
стр. 248
رسول الله ﷺ رسول الله، من السمع والطاعة في المنشط١ والمكره واليسر والعسر والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين. هذا ما له عليكم، ولكم عليه: ألا يُجمِّر بعوثكم٢، وألا يدخر عنكم شيئًا مما تعمكم مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم، وألا يحتجب دونكم؛ أعانكم الله على الوفاء وأعانه على ما قلد من أموركم.
يعيد هذا القول لكل طائفة، إلى أن انقضت البيعة. ثم اتصلت وفادة٣ أعيان البلاد ورؤسائها ووجوه القبائل عليه للبيعة إلى أن تم له الأمر.
فاطميٌّ من سلالة ملوك القاهرة يثور بمراكش
ولأربعة أشهر من ولايته قُبض على رجل كان قد ثار عليهم يدعي أنه من بني عبيد، ويقول: إنه ولد العاضد٤ لصلبه، اسمه عبد الرحمن.
كان قد ورد البلاد في حياة أبي يوسف أيام كونه بإشبيلية، ورام الاجتماع به فلم يأذن له؛ وأقام بالبلاد مطرحًا إلى أن حبسه أمير المؤمنين أبو عبد الله في شهور سنة ٥٩٦؛ فلم يزل في الحبس إلى أن كانت سنة ٦٠١ وتحرك أمير المؤمنين إلى إفريقية؛ شفع له فيه أبو زكريا يحيى بن أبي إبراهيم الهزرجي، فأطلقه له بعد أن ضمن عنه أنه لا يتحرك في أمر يكرهونه. فلم يقم هذا العبيدي بمراكش إلا أيامًا يسيرة بعد خروج أمير المؤمنين أبي عبد الله، ثم خرج وقصد بلاد صنهاجة، فالتفَّت عليه منهم جماعة وانتشر له فيهم تعظيم؛ لأن هذا الرجل كان كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة؛ لقيته مرتين فلم أر في أكثر من شهدته من المشبهين بالصالحين مثله في الآداب الظاهرة؛ من هدوء النفس وسكون الأطراف ووزن الكلام وترتيب الألفاظ ووضع الأشياء مواضعها، مع الرياضة المفرطة. ثم قصد مدينة سِجِلْمَاسة في حياة أمير المؤمنين أبي عبد الله بجيش عظيم، فخرج إليه متوليها السيد أبو الربيع سليمان بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن, فهزمه العبيدي المذكور وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود. ولم يزل ينتقل في قبائل البربر من موضع إلى موضع، وفي ذلك كله لا يستقيم له أمر ولا تثبت عليه جماعة؛ أوجب ذلك كونه غريب البلد واللسان، لا عشيرة له، ولا أصل بالبلاد يُرجع إليه؛ إلى أن قبض عليه بظاهر مدينة فاس؛ لم يبلغني تفصيل
стр. 249
قضية القبض عليه. وكتب إلى أمير المؤمنين متولي فاس أبو إبراهيم إسحاق ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، يعلمه بالقبض عليه وبكونه عنده في سجنه؛ فكتب إليه يأمره بقتله وصلبه، فضرب عنقه وصلب جسده ووجه برأسه إلى مراكش؛ فهو معلق هناك مع عدة رءوس من الثوار والمتغلبين.
ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئًا من سير آبائه، ولا أحدث أمرًا يتميز به عمن كان قبله؛ خلا أني رأيت كل من يعرفه من خواص الدولة قد ملئ قلبه منه رعبًا؛ لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه؛ لقيته وجلست بين يديه خاليًا به، وذلك في غرة سنة ٦١١؛ فرأيت -من حدة نفسه وتيقظ قلبه وسؤاله عن جزئيات لا يعرفها أكثر السوق فكيف الملوك- ما قضيت منه العجب؛ وإلى وقتنا هذا لم يظهر منه شيء مما يتوقع.
ثائران آخران على أبي يعقوب الثاني
وثار في أيام يوسف هذا -بعد قتل العبيدي- رجلان: أحدهما ببلاد جزولة من سوس، كان يدعى بالفاطمي؛ قتل وجيء برأسه إلى مراكش في شهور سنة ٦١٢ وأنا يومئذ بجزيرة الأندلس؛ لم يبلغني تفصيل أمره لبُعدي عن الحضرة، غير أني رأيتهم أعظموا الفرح بأخذه وقتله. والآخر من صنهاجة، قتل في سنة ٦١٨ بعد أن أثر آثارًا قبيحة فيما بلغني، وهزم بعوثًا عدة واستفسد خلقًا كثيرًا؛ بلغني هذا كله وأنا بالبلاد المصرية في التاريخ المتقدم. وكان الذي تولى قتل هذا الرجل والإراحة منه وحسم الخلاف الواقع بسببه، السيد الأجل أبا محمد عبد العزيز ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب بن عبد المؤمن بن علي، وهو يومئذ والٍ على مدينة سجلماسة وأعمالها.
وفاة أبي يعقوب الثاني
ثم اتصل بي في هذه السنة -وهي سنة ٦٢١- أن أبا يعقوب أمير المؤمنين توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة من سنة ٦٢٠ ولم يبلغني كيفية وفاته١ فاضطرب الأمر، واشرأَبَّ٤ الناس للخلاف.
стр. 250
ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول
ثم ذكر لي أن عامتهم ومعظمهم اجتمعوا على تقديم السيد الأجل أبي محمد عبد العزيز ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف ابن أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن علي، رحمهما الله ونضر وجهيهما وجزاهما خيرًا عن صلاحهما وإصلاحهما.
وأبو محمد عبد العزيز هذا من أصاغر أولاد أبي يعقوب؛ أمه حرة اسمها: مريم، صنهاجية من أهل قلعة بني حماد، تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب في حياة أبيه؛ وكانت سُبيت هي وأمها: ملكة فيمن سبوا من أهل القلعة؛ فأعتقهما أبو محمد عبد المؤمن، وزوَّج مريم هذه لابنه أبي يعقوب، فولدت له ثمانية من الولد: أربعة ذكور، وأربع بنات؛ فالذكور هم: إبراهيم، وموسى، وإدريس، وعبد العزيز هذا المذكور، وهو أصغرهم؛ توفي موسى بظاهر مدينة تاهرت؛ قتله العرب أصحاب الميورقي في شهور سنة ٦٠٥؛ وتوفي إبراهيم منهم بإشبيلية وأنا بها في شهور سنة ٦١٢؛ وتوفي أبو العلاء إدريس منهم بإفريقية كما سيأتي. والبنات هن: زينب، ورقية، وعائشة، وعُلَيَّة.
لم يتول أبو محمد عبد العزيز هذا شيئًا من أمرهم في حياة أبيه، ولا في حياة أخيه أبي يوسف؛ فلما ولي أبو عبد الله الأمر١ ولاه مدينة مالقة وأعمالها من جزيرة الأندلس؛ وذلك في شهور سنة ٥٩٨؛ ثم عزله عنها في شهور ٦٠٣، وولاه أمر قبيلة هَسْكُورة، وهي ولاية ضخمة؛ فلم يزل واليًا عليها إلى أن عزله عنها وولاه أمر سجلماسة، فلم يزل واليًا عليها بقية مدته ومدة ابنه أبي يعقوب، إلى أن قتل هذا الثائر المتقدم الذكر في ولاية أبي يعقوب بن أبي عبد الله؛ فعزله أبو يعقوب عن سجلماسة وولاه مدينة إشبيلية حين عزل عنها أخاه أبا العلاء وولاه أمر إفريقية، فلم يزل أبو العلاء إدريس واليًا بإفريقية إلى أن مات بها في رمضان من سنة ٦٢٠ على ما بلغني، رحمة الله عليه.
فهذه جملة أخبار هذا الرجل، أبي محمد عبد العزيز المذكور بالولاية لأمرهم كما قالوا؛ ولئن كان ما قالوا حقًّا وتم هذا الأمر له، ليملأنها خيراً وعدلاً، ولتزكُوَنَّ٢ الأرض وتُخرج بركاتها، ولترسلن السماء مدرارها؛ بيُمْن نقيبته٣ وحسن
стр. 251
سيرته وحميد سريرته. هذا إذا ساعده الدهر وقيض١ الله له أعوانًا صالحين؛ فإنه -ما علمت- صوام قوام، مجتهد في دينه، شديد البصيرة في أمره، قوي العزيمة، شديد الشكيمة٢، لا تأخذه في الحق لومة لائم؛ أرطب الناس لسانًا بذكر الله، وأتلاهم لكتاب الله؛ شهدته والولاية قد اكتنفته، وأمور الرعية قد استغرقت أوقاته، وهو في كل ذلك لا يخل بشيء من أوراده، ولا يترك وظيفة من الوظائف التى رتبها على نفسه؛ من أخذ العلم وقراءة القرآن، وأذكار رتبها على أوقات الليل والنهار. شهدت هذا كله منه بنفسي، لا أنقله عن أحد ولا أستند فيه إلى رواية؛ هذا مع دماثة خلق٣، ولين جانب وخَفْض جَناح لأصحابه ولمن علم فيه خيرًا من المسلمين أو ظنه مضافًا إلى سخاء نفس وطلاقة وجه.
صفته
أبيض تعلوه صفرة، جميل الوجه جدًّا، معتدل القامة، متناسب الأعضاء.
وله من الولد -على علمي- ثلاثة: محمد، وهو أكبرهم, وعبد الرحمن, وأحمد, وبنات.
هذا تلخيص التعريف بأخبار دولة المصامدة من أول قيام أمرهم -وهو سنة ٥١٥- إلى وقتنا هذا -وهو سنة ٦٢١- فذلك مائة سنة وست سنين، على الإجمال لا على التفصيل.
وإنما أوردنا من ذلك ما تدعو الحاجة إليه، وتجشم الضرورة من عُني بالأخبار إلى معرفته، من غير تعرض إلى ما لا حاجة بنا إليه، من ذكر أولاد عبد المؤمن، وأولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاده، وتفاصيل أخبارهم في ولايتهم وعزلهم وأمهاتم وكتابهم وحجابهم ووزرائهم؛ إذ لو تتبعنا ذلك لخرج هذا المجموع عن حد التلخيص، ولحق بالكتب المبسوطة. هذا على أنا لو كفينا ضرورات المعاش، وأعفينا من كد الزمان، لأوردنا من ذلك ما أحاط به العلم وبلغته الرواية وحصلته المشاهدة.
ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلًا من كتاب، أو سماعًا من ثقة عدل، أو مشاهدةً بنفسي؛ هذا بعد أن تحريت الصدق وتوخيت الإنصاف في ذلك. وجهدت ألا أنقص أحدًا ذرة مما له، ولا أزيده
стр. 252
خردلة١ مما لا يستحقه؛ وبالله أستعين، وإياه أسأل، وإليه أضرع في إلهام الصواب والسداد في القول والعمل، فهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 253
جامع سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم
قد قدمنا أن أول من صحب المهدي محمد بن تومرت، عشر أنفس؛ وهم المسمون بالجماعة؛ أولهم عبد الواحد الشرقي على الصحيح؛ ثم عبد المؤمن بن علي أمير المؤمنين، ثم عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج، ثم فَصْكة بن وَمزَال، سماه ابن تومرت: عمر، وكناه أبا حفص؛ انتشر من ظهر عمر هذا بشر كثير، وكان له عدة من الولد، منهم: إبراهيم، وإسماعيل، ومحمد -أم محمد هذا ابنة عبد المؤمن- ويحيى، وعيسى، وموسى، ويونس، وعبد الحق، وعثمان، وأحمد، وعبد الواحد؛ كان عبد الواحد هذا يتولى أمر إفريقية، ولاه أمرها أمير المؤمنين أبو عبد الله سنة ٦٠٣، فلم يزل واليًا عليها إلى أن مات بها يوم الخميس، وهو أول يوم من شهر محرم سنة ٦١٨.
وكان ابن تومرت يسمي فصكة هذا: المبارك، ويقول: لا يزالون بخير ما بقي فيهم هذا الرجل أو أحد من ولده؛ فكان الأمر كما قال، وانتفعوا به وبأولاده وأولاد أولاده، وهو المشهور بعمر إينتي، وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا الكتاب. ولم يبق في وقتنا هذا من ولده لصلبه سوى رجل واحد اسمه عثمان، فارقته بمدينة مرسية، وبها ودعته حين ارتحلت إلى هذه البلاد؛ وقد ولوه مدينة جيان وأعمالها؛ هذا آخر عهدي به. ثم اتصل بي بديار مصر أنهم ولوه بلنسية ثم عزلوه عنها، فلا أدري أهو بالأندلس اليوم أو بمراكش؟ وهو معدود عندي من جملة إخواني، ﵁ وعنا وعن جميع المسلمين.
... ثم يوسف بن سليمان، وأخوه عبد الله بن سليمان، وهما من أهل تينمل، من قبيلة تدعى مسكالة حسبما تقدم؛ ثم أبو عمران موسى بن علي الضرير، صهر عبد المؤمن، كان ضرير البصر، كان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا سافر عنها؛ ثم أبو إبراهيم إسماعيل الهَزْرجي -وهو الذي أسلم نفسه للقتل وفدى عبد المؤمن بذلك على ما تقدم- ثم رجل من أهل تينمل، يعرف عندهم بابن بيجيت
стр. 254
-أنا شاك في اسمه- ثم أيوب الجِدمِيوِي، وهو الذي تولى قسمة الأقطاع بين الموحدين في أول الأمر.
فهؤلاء العشيرة المسمون بالجماعة، وبعض الناس يعد فيهم أبا محمد واسْنار، وهو رجل دباغ أسود من أهل مدينة أغمات، صحب أبا عبد الله بن تومرت حين مر بها؛ فاختصه أبو عبد الله بن تومرت لخدمته؛ لما رأى من شدته في دينه وكتمانه لها يرى ويسمع؛ فكان يتولى وضوءه وسواكه والإذن عليه للناس وحجابته والخروج بين يديه؛ فلم يزل على ذلك إلى أن توفي ابن تومرت، فكان يتولى خدمة ضريحه وضريح عبد المؤمن حين دفن هناك؛ توفي واسنار هذا في صدر دولة أبي يعقوب بعد أن علت سنه؛ وكان من العباد المجتهدين والزهاد المتبتلين؛ لم يكتسب شيئًا ولا خلف دينارًا ولا درهمًا، مع أنه لو شاء لكان أكثر الناس مالًا؛ لمكانه من عبد المؤمن ومن المصامدة، لما كانوا يعلمون من قربه من صاحبهم وثنائه عليه في أكثر الأوقات.
وانضاف إلى هؤلاء القوم المسمين بالجماعة؛ خلق من قبائلهم، فعُدوا فيهم ونُسبوا إليهم.
وأول من يعترض في العرض العام، ولد عمر بن عبد الله الصنهاجي، ثم فرس عبد المؤمن أو من كان من ولده يتولى الأمر، ثم سائر أهل الجماعة على طبقاتهم من سَبْق وإبطاء، ثم أهل خمسين، وهم خلق كثير.
стр. 255
ذكر قبائل الموحدين
وقبائل الموحدين الذين يجمعهم هذا الاسم ويعمهم -وهم الجند والأعوان والأنصار، ومن سواهم من سائر البربر والمصامدة رعية لهم وتحت أمرهم- سبع قبائل، وأولهم قبيلة ابن تومرت، وهي قبيلة تسمى هرغة، وهي قليلة العدد بالنسبة إلى قبائل الموحدين. ثم قبيلة عبد المؤمن، تسمى كومية، وهي قبيلة كثيرة العدد جمة الشعوب، لم يكن لها في قديم الدهر ولا في حديثه ذكر في رياسة ولا حظ من نباهة، إنما كانوا أصحاب فلاحة ورعاة غنم وأصحاب أسواق يبيعون فيها اللبن والحطب وسوى ذلك من سقط المتاع١. فتبارك المعز المذل المعطي المانع! فأصبح القوم اليوم وليس فوقهم أحد ببلاد المغرب، ولا تطاول أيديَهم يدٌ بكون عبد المؤمن منهم؛ هذا على أنه -كما قدمناه- ينتسب إلى غيرهم. ثم أهل تينمل، وهم قبائل شتى يجمعها اسم هذا الموضع. ثم هنتاتة، وهي أيضًا قبيلة ضخمة جدًّا، وفي بعضها رياسة وشرف في الدهر القديم. ثم جِنفيسة، وهي قبيلة عزيزة منيعة، ولغتها أجود اللغات وأفصحها في ذلك اللسان. ثم جدميوَه، وليست كلها -بل بعضها- رعية. ثم من استجاب للموحدين من قبائل صنهاجة. ثم بعض قبائل هَسْكُورة ...
فهذه جملة قبائل الموحدين المستحقين لهذا الاسم عندهم، والذين يأخذون العطاء وتجمعهم الجيوش وينفرون في البعوث؛ وغير هؤلاء القبائل من المصامدة رعية.
وإذ قد جرى ذكرهم -أعني المصامدة- على هذا النسق، فلنذكر لك الآن -حفظك الله وأصلحك وأصلح بك- القبائل التي يجمعها هذا الاسم، أعني المصامدة، وحد بلادهم؛ لتعرفهم ممن سواهم من البربر؛ فحد بلادهم النهر الأعظم الذي يصب من جبال صنهاجة وينتمي إلى البحر الأعظم، بحر أقيانس، يدعى هذا النهر أم ربيع، عليه قبيلتان، إحداهما تسمى هسكورة، وأخرى صنهاجة؛ وهما من المصامدة؛ وآخر بلادهم الصحراء التي تسكنها قبائل لمتونة ومسوفة وسَرْطَة؛ وهؤلاء ليسوا مصامدة؛ وقد كانت المملكة في هذه القبائل أيام المرابطين كما تقدم. فهذا حد
стр. 256
بلاد المصامدة عرضًا؛ وحدها طولًا من الجبل المعروف بـ دَرَن، إلى البحر الأعظم المسمى أقيانس؛ وقبائلها الذين ينطلق عليهم هذا الاسم: هَسْكورة، وصَنْهَاجة, ودُكَّالة، وحَاحَة، ورَجْرَاجة، وجَزُولة، ولَمْطَة، وجِنْفِيسة، وهَنْتَاتة وهَرْغَة، وقبائل أهل تينمل؛ وحول مراكش قبائل منهم أيضًا، وهم: هِزْمير، وهَيْلانة، وهَزْرَجة؛ يدعونهم الموحدون بالقبائل؛ فهؤلاء الذين يجمعهم اسم المصامدة؛ ثم يجمع الكل جنس البربر, من طرابلس المغرب إلى أقصى سوس وما وراء ذلك ممن ذكرنا, من لمتونة ومسُوفة وسرطة؛ وآخر بلادهم أول حد بلاد السودان.
وللمصامدة بعد هذا جند من سائر أصناف الناس، كالعرب، والغُزّ، والأندلس، والروم، وقبائل من المرابطين، وغيرهم.
ثم من ذكرنا من الموحدين صنفان: فالصنف الأول يدعون الجموع، وهم المرتزقة الذين يكونون بمراكش لا يبرحونها. والصنف الآخر يدعون العموم، وهم الكائنون ببلادهم لا يحضرون إلى مراكش إلا في النفير الأعظم؛ وعدد المرتزقة الذين بمراكش من قبائل الموحدين وسائر من ذكرنا من الأجناد -على ما صح عندي تلخيصه- عشرة آلاف نفس؛ هؤلاء الذين بمراكش خارجًا عما في سائر البلاد من الموحدين وأصناف الجند.
وإذا كان العرض العام, فأول من يعترض ذرية أبي حفص عمر الصنهاجي على طبقاتهم في أسنانهم، ثم بعدهم فرس الخليفة من بني عبد المؤمن، ثم أهل الجماعة على ترتيب طبقاتهم، ثم أهل خمسين، ثم القبائل؛ وأولهم عرضًا هَرْغة قبيلة ابن تومرت، ثم بعدهم أهل تينمل، ثم كومية، ثم الموحدون بعد هذا على طبقاتهم في سرعة الهجرة وبطئها.
وقد جرت عادتهم بالكَتْب إلى البلاد واستجلاب العلماء إلى حضرتهم من أهل كل فن، وخاصة أهل علم النظر، وسموهم طلبة الحضر، فهم يكثرون في بعض الأوقات ويقلون، وصنف آخر ممن عني بالعلم من المصامدة يسمون طلبة الموحدين؛ ولا بد في كل مجلس عام أو خاص يجلسه الخليفة، من حضور هؤلاء الطلبة الأشياخ منهم، فأول ما يفتتح به الخليفة مجلسه مسألة من العلم يلقيها بنفسه أو تلقى بإذنه؛ كان عبد المؤمن ويوسف ويعقوب يلقون المسائل بأنفسهم ولا ينفصلون من مجلس من مجالسهم إلا على الدعاء: يدعو الخليفة ويؤمن الوزير جهرًا يسمع من بعُدَ من الناس. ثم إذا سافروا لا يزال القرآن يُقرأ بين أيديهم بالغدو والعشي ركبانًا؛ وإذا نزلوا فأول شيء يصنعونه في أول النهار بعد صلاتهم الفجر، أن يخرج من ينادي: الاستعانة بالله والتوكل عليه, هذه عندهم للركوب؛ فحينئذ يركب الناس،
стр. 257
ويخرج الخليفة من خيمته راكبًا وأعيان القرابة وأشياخ الموحدين بين يديه مشاة خطوات كبيرة؛ ثم يأمرهم بالركوب؛ فإذا ركبوا وقف وبسط يديه ودعا، فإذا فرغ الدعاء افتتح القراءة طلبة الموحدين خلفه؛ فيقرءون حزبًا من القرآن في نهاية الترتيل، وهم سائرون سيرًا رفيقًا، ثم شيئًا من الحديث. ثم يقرءون تواليف ابن تومرت في العقائد بلسانهم وباللسان العربي؛ فإذا فرغوا وقف الخليفة أيضًا وبسط يديه ودعا. وإذا كان وقت النزول أيضًا نزلوا مشاة بين يديه إلى خيمته؛ فإذا بلغها بسط يديه ودعا؛ فلا يزال هذا دأبهم في جميع سفرهم كله.
صفة أحوالهم في إقامة الجمعة
فأما صفة أحوالهم وخطبتهم في جمعهم، فيخرج الخليفة منهم عند زوال الشمس من خَوْخَة١ في القبلة، ويخرج معه خواص حشمه٢، ويركع ركعتين ثم يجلس؛ فيقرأ قارئ قدر عشر آيات، حسن القراءة, حسن الصوت. ثم يقوم رئيس المؤذنين ومعه العصا التي يتوكأ عليها الخطيب فيقول: قد فاء الفيء يا سيدنا أمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين! يريد بهذا القول استئذانه في صعود الخطيب المنبر، فيقوم الخطيب ويصعد المنبر، ثم يناوله ذلك الرجل العصا. فإذا جلس الخطيب فوق المنبر أذن ثلاثة من المؤذنين مفترقين، أصواتهم في نهاية الحسن، قد انتخبوا لذلك من البلاد؛ ثم يقوم الخطيب فيخطب، فأول شيء يقول:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة؛ من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا؛ أسال الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه؛ فإنما نحن به وله ...
ثم يتعوذ ويقرأ سورة قاف من أولها إلى آخرها، ثم يجلس؛ فإذا قام إلى الخطبة الثانية قال:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونتوكل عليه، ونبرأ من الحول والقوة إليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه ففاتوا الأنام جِدًّا وعزمًا، وأنفدوا وسعهم في
стр. 258
نصره والصبر على ما أصابهم فيه وفاء وصدقًا وحزمًا، وعلى الإمام المعصوم المهدي المعلوم أبي عبد الله محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي الحسني الفاطمي المحمدي، الذي أيد بالعصمة فكان أمره حتمًا، واكتُنف بالنور اللائح١ والعدل الواضح الذي يملأ البسيطة٢ حتى لا يدع فيها ظلامًا ولا ظلمًا؛ وعلى وارث شرفه الصميم قسيمه ﵁ في النسب الكريم، المجتبى لوراثة مقامه العلي، الخليفة الإمام أبي محمد عبد المؤمن بن علي؛ وعلى أبي يعقوب ولي ذلك الاستخلاص ومستوجب شرف الاجتباء والاختصاص. اللهم وارض عن المجاهد في سبيلك، المحيي سنة رسولك؛ وعلى الخليفة الإمام أبي عبد الله ابن الخلفاء الراشدين؛ اللهم وانصر ولي عهدهم، الطالع في أفق سعدهم، القائم بالأمر من بعدهم، الخليفة الإمام أمير المؤمنين أبا يعقوب ابن أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين؛ اللهم كما شددت به عُرَا الإسلام، وجمعت على طاعته قلوب الأنام، ونصرت به دين نبيك محمد ﵊؛ فاقض له بالنصر المقرون بالكمال والتمام؛ اللهم كما اجتبيته٣ من الخلفاء الراشدين, والأئمة المهديين، فاجعله من المقتفين لآثارهم٤، المهتدين بمنارهم، المقتبسين من أنوارهم. اللهم وأيد الطائفة المنصورة والجماعة، إخوان نبيك، وطائفة مهديك، الذين أخبرت عنهم في صريح وحيك أنهم لا يزالون ظاهرين على أمرك إلى قيام الساعة؛ وأمدهم وكافة من انتظم في سلكهم من أنصار الدين، وحزبك الموحدين، بمواد النصر والتمكين، والفتح المبين؛ واجعل لهم من عضدك وتأييدك أعز ظهير، وأكرم نصير ...
ثم يدعو وينزل فيصلي؛ فإذا فرغ دعا الخليفة بنفسه وأمن الوزير على ما تقدم؛ فهذه كليات سيرتهم مجملة على ما يقتضيه شرط التقريب. وفي أثناء ذلك تفاصيل يطول شرحها وليس بالناظر في هذا الكتاب إليها كبير حاجة؛ إذ قد بُين له ما يستدل على ما لم يُرسم في هذه الأوراق بما رُسم.
стр. 259
ذكر أقاليم المغرب والأندلس
وهذا -أصلحك الله- منتهى ما بلغ من أخبار المغرب وسير ملوكه ووزرائهم وكتابهم وما تعلق بذلك حسب الاستطاعة؛ وقد تقدم بسط العذر عما يقع من التقصير أو الخلل، مع أن أصغر خدم مولانا١ لم تجر عادته بالتصنيف ولا حدث قط نفسه به؛ وإنما بعثته عليه الهمة الفخرية -أعلى الله رتبها- فما كان من إحسان فإلى تلك الهمة العلية نسبته وعنها منبعثه، وما كان من غير ذلك فإغضاؤها يستره ومسامحتها تغمره.
وقد رسم مولانا -حرس الله مجده- أن يضاف إلى هذا التصنيف ذكر أقاليم المغرب وتعيين مدنه وتحديد ما بينها من المراحل عددًا؛ من لدن برقة إلى سوس الأقصى؛ وذكر جزيرة الأندلس وما يملكه المسلمون من مدنها على ما تقدم؛ فلم ير المملوك بدًّا من الجري على العادة في سرعة الإجابة وامتثال مرسوم الخدمة؛ لوجوب ذلك عليه شرعًا وعرفًا٢؛ هذا مع أن هذا الباب خارج عن مقصود هذا التصنيف، وداخل في باب المسالك والممالك. وقد وضع الناس فيه كتبًا كثيرة؛ ككتاب أبي عبيد البكري الأندلسي٣، وكتاب ابن فياض الأندلسي أيضًا، وكتاب ابن خرداذبة الفارسي٤، وكتاب الفرغاني٥؛ وغيرها من الكتب المفردة لهذا الشأن المستوعبة له. ونحن إن شاء الله ذاكرون من ذلك -موافقة لرأي مولانا العالي- ما يقف به على حدود البلاد ويصور له صورتها على التقريب من غير تطويل، جارين في ذلك على ما
стр. 260
سلف من عادتنا في سائر الكتاب؛ فنقول وبالله التوفيق ومنه الإعانة:
قد تقرر واشتهر أن أول حد البلاد المصرية مما يلي الشام، العريش؛ وآخره مما يلي المغرب، مدينة أنطابلس المعروفة بـ برقة؛ هذا عرض الديار المصرية. وحدها في الطول من ثغر أسوان إلى مدينة رشيد الكائنة على ساحل البحر الرومي؛ هكذا ذكر أصحاب المسالك والممالك والمعتنون بهذا الشأن.
أولًا: المدن العامرة على الساحل
وأول حد بلاد إفريقية والمغرب مدينة أنطابلس المذكورة، المدعوة بـ برقة. بناها الروم فكانت حاضرة لتلك البلاد ومجتمعًا لأهلها. افتتحها المسلمون في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁؛ ومنها كان ابتداء فتح المغرب؛ ومن هذه المدينة -أعني أنطابلس- إلى مدينة طرابلس المغرب، قريب من خمس وعشرين مرحلة.
اتصال العمران بين الإسكندرية والقيروان
وما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب، خمس وأربعون مرحلة؛ وكانت العمارة متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مدينة القيروان، تمشي فيها القوافل ليلاً ونهاراً. وكان فيما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب حصون متقاربة جدًّا، فإذا ظهر في البحر عدو نور كل حصن للحصن الذي يليه، واتصل التنوير؛ فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية، أو من الإسكندرية إلى طرابلس، في ثلاث ساعات أو أربع ساعات من الليل؛ فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون عدوهم؛ لم يزل هذا معروفًا من أمر هذه البلاد إلى أن خربت الأعراب تلك الحصون ونفت عنها أهلها أيام خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب -وذلك في حدود سنة ٤٤٠- حين تغير ما بينهم وبين المعز بن باديس الصنهاجي، وقطع الدعاء لهم على المنابر، ودعا لبني العباس؛ فاستولى الخراب عليها إلى وقتنا هذا. واستوطنتها الأعراب من سليم بن منصور بن عكرمة بن خَصْفة بن قيس عيلان بن مضر بن نِزَار بن معد بن عدنان وغيرهم، فهم اليوم بها، وآثار المدن والحصون باقية إلى اليوم.
ومدينة أنطابلس هذه خراب، لم يبق منها إلا آثارها؛ وفيما بين برقة وطرابلس حصن يسمى طُلْمَيْثة، بالقرب منه معدن كبريت. فأما مدينة طرابلس فلم تزل معمورة إلى هذا الوقت، وهي أول مملكة المصامدة، وقد استولى عليها في مدة
стр. 261
ملكهم وفي ملك أبي يعقوب منهم، المملوك قَرَاقُش المتقدم ذكره في ترجمة أبي يوسف، ثم أخرجه منها المصامدة، واستولى عليها أيضًا يحيى بن غانية، وعلى كثير من إفريقية حسبما تقدم تلخيصه، ثم أخرجه عنها أيضًا المصامدة، فهي في ملكهم إلى وقتنا هذا، وهو سنة ٦٢١.
بلاد إفريقية الساحلية
فحد بلاد إفريقية مما يلي المشرق، مدينة أنطابلس المذكورة، وحدها مما يلي المغرب، المدينة المعروفة بـ قسطنطينة الهواء، سميت بذلك لإفراط علوها وشدة منعتها؛ ومسافة ما بين أنطابلس وقسطنطينة المغرب قريبة من خمس وخمسين مرحلة، فهذا حد إفريقية طولاً؛ وعرضها يختلف بحسب مزاحمة الصحراء العمارة ومباعدتها؛ وسميت إفريقية بذلك لنزول إفريقش من ولد حام بن نوح بها. وإفريقش هذا هو أبو البربر، فالبربر كلهم من ولد حام بن نوح، خلا صنهاجة، فإنهم يرجعون إلى حمير؛ هذا كله قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري١ في تاريخه، من لدن ذكر إفريقش إلى ذكر صنهاجة.
فأول مدن إفريقية المعمورة، طرابلس المغرب المتقدم ذكرها، ومنها إلى مدينة تسمى: قابس، عشر مراحل. وقابس هذه على ساحل البحر الرومي؛ وكذلك طرابلس. وتنصبُّ إلى قابس هذه أنهار من بعض تلك الجبال التي تليها، فهي بذلك أخصب بلاد إفريقية وأوسعها فواكه وأعنابًا. ومن قابس هذه إلى مدينة صغيرة على الساحل أيضًا تسمى سفاقُس؛ أربع مراحل؛ ومن سفاقس إلى مهدية بني عبيد، ثلاث مراحل. وقد تقدمت صفة المهدية في أخبار أبي محمد عبد المؤمن بن علي. وبظاهر المهدية المذكورة وقريب منها جدًّا، مدينة تدعى زُوَيْلة؛ بناها بنو عبيد حين بنوا المهدية؛ فاختصوا المهدية لأنفسهم وحشمهم وأعيان جندهم ووجوه قوادهم؛ وأسكنوا زويلة هذه سائر الناس من الرعية والسودان وأراذل كتامة وغيرهم من أتباعهم. ولما ارتحل المعز إلى مصر بعد أن افتتحها على يدي خادمه جَوْهَر٢؛ ارتحلت معه طائفة كبيرة من أهل زويلة هذه؛ فإليهم ينسب الباب والحارة التي
стр. 262
بالقاهرة اليوم١. ومن مهدية بني عبيد إلى مدينة تسمى سوسة -وإليها تنسب الثياب السوسية- مرحلتان؛ ومن سوسة إلى مدينة تونس، ثلاث مراحل. ولم تكن تونس هذه في قدم الدهر على أيام الإفرنج مدينة، وإنما بنيت في أول الإسلام، بناها عقبة بن نافع الفهري لمصلحة رآها؛ وإنما كانت المدينة الكبرى مدينة على الساحل هناك تسمى قرطاجة، بينها وبين تونس نحو من أربعة فراسخ.
شأن مدينة قَرْطَاجَة في القديم
وهذه المدينة -أعني قرطاجة- هي كانت حاضرة إفريقية أيام الروم، وهي مدينة عظيمة، ظهر فيها من قوتهم وشدة طاعة رعيتهم لهم وفرط جبروتهم ما يعجب منه من تأمله، ويعتبر فيه من وقف عليه؛ وذلك أنهم جلبوا إليها المياه من بعد شديد، وتحيلوا على ذلك بغرائب من الحيل يعجز عن أيسرها جميع من في هذا العصر. وكانوا يضاهون بها مدينة القسطنطينية العظمى، المنسوبة إلى قسطنطين بن هيلان ملك الإفرنج. ثم لما افتتح المسلمون إفريقية في أيام عثمان بن عفان -رضى الله عنه-، خربوا هذه المدينة المذكورة٢، واتخذوا مدينة القيروان دار ملكهم ومقر ولاتهم ومجتمع جندهم ومركز جيوشهم, وأسسوا على ساحل البحر مدينة تونس المذكورة. وكان هناك قبل ذلك دير معظم عند الروم يزورونه من أقاصي بلادهم، فهدمه المسلمون وبنوه مسجدًا، وسموا المدينة تونس، باسم الراهب الذي كان في ذلك الدير؛ فما زالت تونس معمورة إلى وقتنا هذا.
ولما خربت مدينة القيروان إلى ما سيأتي الإيماء إليه، صارت مدينة تونس حاضرة إفريقية ومقر ولاتها وموضع مخاطبة أولي الأمر منها؛ وكل ما بتونس من جيد الرخام وخالص المرمر فمن مدينة قرطاجة المذكورة.
ومن مدينة تونس هذه إلى مدينة صغيرة على ساحل البحر تدعى بونة٣ -ومعنى هذه اللفظة بلسان الإفرنج: جيدة- ست مراحل. وفيما بين تونس وبونة
стр. 263
بليدة صغيرة تسمى بني زَرْت١، بينها وبين تونس يوم تام في البر للمُجِدِّ. ولبني زرت، هذه شأن غريب، وذلك أنه يخرج في بحرها كلما طلع هلال، نوع من السمك لم يكن في الشهر الذي قبل ذلك؛ هذا متواتر عند أهلها لا يختلف فيه منهم أحد. والمتفطنون من الصيادين يعرفون الشهور باختلاف السمك عليهم وإن لم يروا الأهلة. وهذا منسوب إلى الطِّلسمات، اعتنى به من عُني بخدمة القمر. ومن مدينة بونة إلى مدينة قسطنطينة التي هي أحد حدَّيْ إفريقية، خمس مراحل؛ وقسطنطينة بينها وبين البحر مرحلتان أو أكثر من ذلك قليلاً.
هذا ما على ساحل البحر أو قريب منه من مدن إفريقية. وبها مما يلي الصحراء مدن أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغت مما على ساحل البحر من بلاد المغرب.
بلاد المغرب الساحلية
ومن قسطنطينة المغرب إلى بجاية، خمس مراحل على الرفق؛ وبجاية هذه هي دار ملك بني حماد الصنهاجيين الذين تنتسب قلعة بني حماد إليهم. وكانوا يملكون من قسطنطينة المغرب إلى موضع يعرف بـ سِيوسِيرات، وقد تقدم هذا الموضع، بينه وبين بجاية قريب من تسع مراحل.
لم يزل بنو حماد يملكون بجاية وجهاتها إلى أن أخرجهم عنها في ولاية يحيى منهم، أبو محمد عبد المؤمن بن علي حسبما سبق.
ومن مدينة بجاية إلى مدينة صغيرة تدعى الجزائر -وتنسب إلى قوم يقال لهم: بنو مرغنة- قريب من أربع مراحل. وهذه المدينة -المعروفة بالجزائر- على ساحل البحر الرومي؛ وكذلك مدينة بجاية. ومن الجزائر هذه إلى مدينة صغيرة تسمى تَنَس أربع مراحل؛ ومن مدينة تنس إلى مدينة وهران سبع مراحل؛ ومن مدينة وهران إلى مدينة سبتة على التقريب ثماني عشرة مرحلة.
ضيق البحر بين المغرب والأندلس
وبساحل سبتة هذه يلتقي البحران؛ بحر مانطس الذي هو بحر الروم، وبحر أقيانس الذي هو البحر الأعظم؛ وهذا أول الخليج المعروف بالزقاق.
وسعة البحر فيما بين سبتة والأندلس ثمانية عشر ميلاً؛ ثم لا يزال يضيق إلى أن ينتهي ذلك من عدوة البربر إلى موضع يدعى قصر مصمودة، بينه وبين سبتة
стр. 264
نصف يوم. ومن جزيرة الأندلس إلى موضع يدعى جزيرة طريف، مقابلاً لقصر مصمودة المذكور؛ فأضيق ما يكون البحر هنالك، وسعته فيما بين هذين الموضعين اثنا عشر ميلاً؛ ترى رمال كل واحد من الشطين من الآخر في كل وقت من أوقات النهار. وقد ذكر المؤرخون أن الروم بنت في قديم الدهر قنطرة على هذا الخليج، ثم طغت المياه فغطتها؛ فيذكر قوم من أهل جزيرة طريف أنهم يرونها أوان سكون البحر وهدوئه حين تصفو المياه.
ومن مدينة سبتة إلى مدينة طنجة يوم تام في البر. وطنجة هذه آخر الخليج الذي به يلتقي البحران، وهي على ساحل البحر الأعظم الذي لا عمارة وراءه، وهو المعروف عندنا بالبحر المحيط، المتصل ببحر الهند والحبشة. وطنجة هذه آخر بلد بالمغرب المحقق؛ وما بعدها من البلاد فإنما هو في الجنوب، كمدينة سلا، ومدينة مراكش, ثم لا يزال١ دائرًا في الجنوب إلى أن يأتي بلاد الحبشة والهند.
فأول بلاد المغرب مما على ساحل البحر الرومي، مدينة أنطابلس المعروفة بـ برقة؛ وآخرها مما على ساحل البحر الأعظم مدينة طنجة؛ ومسافة ما بين ذلك على التقريب ست وتسعون مرحلة؛ فهذا ذكر المدن التي على ساحل البحر من بلاد المغرب.
ثانيًا: البلاد التي ليست على ساحل
ثم نعود إلى ذكر ما ليس على الساحل من مدن إفريقية والمغرب، فنقول:
بلاد إفريقية
من مدينة قابس المتقدم ذكرها إلى مدينة تسمى قفصة، ثلاث مراحل؛ ومن مدينة قفصة إلى مدينة تَوْزَر، أربع مراحل.
وتوزر هذه هي حاضرة بلاد الجريد وأم قراها. وبلاد الجريد التي يقع عليها هذا الاسم تنقسم قسمين: قسم يسمى قَسْطِيلِيَّة، وهذا الاسم يقع على توزر وأعمالها؛ وقسم يسمى الزاب، وهذا الاسم أيضًا يقع على مدينة بِسْكَره وأعمالها.
ومن مدينة توزر إلى مدينة بسكرة، أربع مراحل؛ وبالقرب من مدينة بسكرة مدينة صغيرة تسمى تقاوس، بينها وبينها مرحلتان؛ فهذه المدن التي تلي الصحراء من بلاد إفريقية، ويتخللها قرى كثيرة لم نذكرها لصغرها.
стр. 265
شأن القيروان في قديم الزمان
وفيما بين مدينة تونس وتوزر، مدينة القيروان المشهورة؛ منها إلى الساحل ثلاث مراحل؛ وهي كانت -أعني القيروان- دار ملك المسلمين بإفريقية منذ الفتح؛ لم يزل الخلفاء من بني أمية وبني العباس يولون عليها الأمراء من قِبَلهم، إلى أن اضطرب أمر بني العباس واستبدَّ الأغالبة بملك إفريقية بعض الاستبداد وهم بنو أَغْلَبَ بن محمد بن إبراهيم بن أغلب التميميون؛ فاتخذوا القيروان دار ملكهم؛ فلم يزالوا بها إلى أن أخرجهم عنها بنو عبيد وملكوها أيام كونهم بإفريقية؛ ثم ولوا عليها حين ارتحلوا إلى مصر زيري بن مناد الصنهاجي١، فلم يزل زيري وبنوه ملوكًا عليها، إلى أن كان آخرهم الذي أخرجه العرب عنها، تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن بُلُجَّين بن زيري بن مَنَاد المذكور؛ فانتهبتها الأعراب وخربتها، فهي كذلك خراب إلى اليوم، فيها عمارة قليلة يسكنها الفلاحون وأرباب البادية.
وكانت القيروان هذه في قديم الزمان -منذ الفتح إلى أن خربتها الأعراب- دار العلم بالمغرب؛ إليها ينسب أكابر علمائه، وإليها كانت رحلة أهله في طلب العلم. وقد ألف الناس في أخبار القيروان ومناقبه وذكر علمائه ومن كان به من الزهاد والصالحين والفضلاء المتبتلين، كتبًا مشهورة؛ ككتاب أبي محمد بن عفيف، وكتاب ابن زيادة الله الطُّبْني٢، وغيرهما من الكتب. فلما استولى عليها الخراب -كما ذكرنا- تفرق أهلها في كل وجه؛ فمنهم من قصد بلاد مصر، ومنهم من قصد صقلية والأندلس. وقصدت منهم طائفة عظيمة أقصى المغرب، فنزلوا مدينة فاس، فعقبهم بها إلى اليوم.
فهذه نبذة من أخبار إفريقية، وفيها مدن كثيرة قد خربت لا أعرف أسماءها؛ لقلة معرفتي بتفاصيل أحوال إفريقية؛ لأني لم أدخل منها إلا مدينة تونس خاصة، أتيتها في البحر من الأندلس، وذلك سنة ٦١٤؛ وإنما نقلت ما نقلته من أخبارها حسب المستفيض من السماع.
стр. 266
وفي خراب القيروان -على ما تقدم- يقول أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد١ بن شرف الجذامي٢: من الطويل
ترى سيئات القيروان تعاظمت ... فجَلَّت عن الغفران, والله غافرُ! ٣
تراها أصيبت بالكبائر وحدها ... ألم تك قِدْمًا في البلاد الكبائرُ؟ ٤
بلاد المغرب
... فقسطنطينة آخر بلاد إفريقية، ما يلي البحر منها وما يلي الصحراء. وما بعد قسطنطينة فهو من المغرب غير إفريقية؛ فأول ذلك بليدة صغيرة قبلي بجاية في البر، تسمى مِيلة، بينها وبين بجاية ثلاث مراحل، ومن بجاية إلى قلعة بني حماد أربع مراحل؛ وهي أيضًا -أعني القلعة- قبلي بجاية.
طريق السُّفَّار من بجاية إلى مراكش
وها أنا أذكر طريق السفار من بجاية إلى مراكش؛ فمن بجاية إلى مدينة تلمسان عشرون مرحلة، وفيما بين ذلك بُلَيدات صغار كمليانة، ومازونة، ووهران -وقد ذكرناها في بلاد الساحل- وبين مدينة تلمسان وبين البحر أربعون ميلًا؛ وذلك يوم للمجد؛ ومن مدينة تلمسان إلى مدينة فاس عشر مراحل، سبع منها إلى المدينة التي تدعى رباط تازا، وثلاث إلى فاس؛ وقبلي مدينة تلمسان في الصحراء، مدينة سجلماسة، منها إلى تلمسان عشر مراحل؛ وهذه المدينة -أعني سجلماسة- متوسطة في الصحراء، مسافة ما بينها وبين تلمسان وفاس ومراكش، على حد سواء؛ فمن حيث قصدت إليها من أحد هذه البلاد، كان ذلك مسافة عشر مراحل.
التعريف بمدينة فاس
ومدينة فاس هذه هي حاضرة المغرب في وقتنا هذا، وموضع العلم منه؛ اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة؛ إذ كانت قرطبة حاضرة الأندلس، كما كانت القيروان حاضرة المغرب. فلما اضطرب أمر القيروان -كما ذكرنا- بعَيْثِ العرب فيها،
стр. 267
واضطرب أمر قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه، رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة؛ فرارًا من الفتنة؛ فنزل أكثرهم مدينة فاس؛ فهي اليوم على غاية الحضارة، وأهلها في غاية الكَيْس ونهاية الظَّرْف، ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم. وما زلت أسمع المشايخ يدعونها بغداد المغرب, وبحق ما قالوا ذلك؛ فإنه ليس بالمغرب شيء من أنواع الظرف واللباقة في كل معنى إلا وهو منسوب إليها وموجود فيها ومأخوذ منها؛ لا يدفع هذا القول أحد من أهل المغرب. ولم يتخذ المصامدة مدينة مراكش وطنًا ولا جعلوها دار مملكة لأنها خير من مدينة فاس في شيء من الأشياء، ولكن لقرب مراكش من جبال المصامدة وصحراء لمتونة؛ فلهذا السبب كانت مراكش كرسي المملكة؛ وإلا فمدينة فاس أحق بذلك منها. وما أظن في الدنيا مدينة كمدينة فاس، أكثر مرافقَ، وأوسع معايشَ، وأخصب جهاتٍ؛ وذلك أنها مدينة يحفها الماء والشجر من جميع جهاتها، وتتخلل الأنهار أكثر دورها زائدًا على نحو من أربعين عينًا ينغلق عليها أبوابها ويحيط بها سورها. وفي داخلها وتحت سورها نحو من ثلاثمائة طاحونة تطحن بالماء. ولا أعلم بالمغرب مدينة لا تحتاج إلى شيء يُجلب إليها من غيرها -إلا ما كان من العطر الهندي- سوى مدينة فاس هذه؛ فإنها لا تحتاج إلى مدينة في شيء مما تدعو إليه الضرورة، بل هي تُوسع البلاد مرافق وتملؤها خيرًا.
ومن مدينة فاس إلى مدينة مِكْنَاسة الزيتون، يوم تام للمجد؛ ومن مكناسة الزيتون إلى مدينة سلا، أربع مراحل.
ومدينة سلا هذه على ساحل البحر الأعظم المسمى أقيانس، وهي في الجنوب كما ذكرنا، ينصب إليها نهر يسمى وادي الرمان، يصب في البحر الأعظم المذكور.
وقد بنى المصامدة على ساحل هذا البحر مما يلي مراكش مدينة عظيمة، سموها رِبَاط الفَتْح، كان الذي اختطها أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وأتمها ابنه يعقوب، وبنى فيها مسجدًا عظيمًا قد تقدم ذكره. وقيل: إنهم إنما بنوها بأمر ابن تومرت إياهم بذلك؛ وذلك أنه قال لهم: تبنون مدينة عظيمة على ساحل هذا البحر -يعني البحر الأعظم- ثم يضطرب أمركم وتنتقض عليكم البلاد حتى ما يبقى بأيديكم إلا هذه المدينة؛ ثم يفتح الله عليكم ويجمع كلمتكم ويعود أمركم كما كان! فلهذا سموها رباط الفتح. وبين هذه المدينة وبين سلا العتيقة، النهر المذكور؛ وقد بنوا عليه قنطرة من ألواح وحجارة يعبر الناس عليها حين يَجْزر النهر١، فإذا مَدَّ عبروا في القوارب.
стр. 268
وبين مدينة سلا هذه ومدينة مراكش كرسي المملكة، تسع مراحل؛ فمراكش آخر المدن بالمغرب؛ وكان الذي اختطها ملك لمتونة تاشفين بن علي؛ ثم زاد فيها بعده ابنه يوسف بن تاشفين؛ ثم زاد فيها بعدهما علي بن يوسف بن تاشفين؛ ثم ملكها المصامدة فزادوا فيها حتى جاءت في نهاية الكبر؛ فهي اليوم طولًا وعرضًا قدر أربعة فراسخ -هذا إذا ضمت إليها قصور بني عبد المؤمن- وأجرى المصامدة فيها مياهًا كثيرة لم تكن فيها قبل ذلك، بنوا فيها قصورًا لم يكن مثلها لملك ممن تقدمهم من الملوك؛ فصارت بذلك في نهاية الحسن وغاية الكمال، كما قال الأول: من المديد
ليس فيها ما يقال له ... كملت لو أنه كَمُلَا
ترجمة المؤلف بقلمه
وبهذه المدينة -أعني مراكش-مسقط رأسي، وهي أول أرض مس جلدي ترابها؛ وكان مولدي بها لسبع خلون من ربيع الآخر سنة ٥٨١، في أول أيام أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي.
ثم فصلت عنها وأنا ابن تسعة أعوام إلى مدينة فاس؛ فلم أزل بها إلى أن قرأت القرآن وجودته ورويته عن جماعة كانوا هنالك مُبرِّزين١ في علم القرآن والنحو.
ثم عدت إلى مراكش؛ فلم أزل مترددًا بين هاتين المدينتين.
ثم عبرت إلى جزيرة الأندلس في أول سنة ٦٠٣، فأدركت بها جماعة من الفضلاء من أهل كل شأن؛ فلم أحصل بحمد الله من ذلك كله إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم؛ انفردوا دوني بكل فضيلة؛ ولا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع؛ يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم!.
بلاد السوس الأقصى
فمراكش هذه آخر المدن الكبار بالمغرب المشهورة به؛ وليس وراءها مدينة لها ذكر وفيها حضارة، إلا بليدات صغار بسوس الأقصى؛ فمنها مدينة صغيرة تسمى تَارُودَانْت، وهى حاضرة سوس، وإليها يجتمع أهله. ومدينة أيضًا صغيرة تدعى زُجُنْدَر، هي على معدن الفضة، يسكنها الذين يستخرجون ما في ذلك المعدن. وفي بلاد جَزُولة مدينة هي حاضرتهم أيضًا تسمى الكُسْت. وفي بلاد لَمْطة مدينة أخرى
стр. 269
هي حاضرتهم أيضًا تسمى نُول لمطة. فهذه المدن التي وراء مراكش, فأما تارودانت وزجندر فدخلتهما وعرفتهما؛ ولم أزل أعرف السفار من التجار وغيرهم، وخاصة إلى مدينة المعدن المعروفة بـ زجندر. وأما مدينة جزولة ومدينة لمطة فلا يسافر إليهما إلا أهلهما خاصة.
стр. 270
ذكر ما بالمغرب من معادن الفضة والحديد والكبريت والرصاص والزيبق وغير ذلك، وأسماء مواضعها
قد تقدم ذكر معدن الكبريت الذي بين برقة وطرابلس، وأنه بالقرب من حصن يدعى طُلْمَيْثَة.
وفيما بين سبتة ووهران موضع قريب من ساحل البحر يسمى تِمْسامان، فيه معدن حديد.
وفيما بين سلا ومراكش قريبًا من ساحل البحر الأعظم بمقدار يوم أو أكثر قليلًا، موضع يدعى إبسَنْتار، فيه معدن حديد أيضًا؛ وليس هذا الموضع على طريق السفار١، إنما يقصده من أراد حمل الحديد منه.
وبالقرب من مكناسة الزيتون على ثلاث مراحل منها حصن يدعى وَرْكَنَّاس، فيه معدن فضة؛ وقد ذكرنا معدن زجندر الذي بسوس، غير أن فضته ليست هناك، أعني فضة معدن زجندر.
وبسوس أيضًا معدنان للنحاس، ومعدن تُوتيا، وهي التوتيا التي يُصبغ بها النحاس الأحمر فيصير أصفر.
فهذا جملة ما بالعدوة من المعادن.
المعادن بجزيرة الأندلس
وبجزيرة الأندلس معادن أيضًا؛ فمنها معدن فضة ببلاد الروم في الجهة المغربية، بموضع يدعى شَنْترة.
وعلى أربع مراحل من مدينة قرطبة موضع يسمى شلون، فيه معدن زيبق، منه يفترق الزيبق على جميع المغرب.
стр. 271
وفي أعمال المَرِيَّة وعلى يوم ونصف منها, موضع يعرف بـ دَلاية، فيه معدن رصاص.
وفي أعمال المرية أيضًا على يوم ونصف منها, موضع يسمى بَكارِش، فيه معدن حديد أيضًا.
وما بين دانية وشاطبة موضع يسمى أوْرِبَة، على نصف يوم من دانية، فيه معدن حديد.
فهذا أيضًا جملة ما بالأندلس من المعادن؛ فأما الذهب فمسوق إليها من بلاد السودان.
стр. 272
ذكر أسماء الأنهار العظام التي بالمغرب
فأول ذلك نهر ببلاد إفريقية على نصف مرحلة من مدينة تونس، يسمى بَجَرْدة، ينصب من جبل هنالك ينتهي إلى البحر الرومي.
ونهر بجاية الذي يسمى الوادي الكبير، هو متنزهها وعليه بساتينها وقصورها.
ونهر آخر فيما بين تلمسان ورباط تازا يدعى وادي مُلْوية، يصب في البحر الرومي أيضًا.
ونهر يدعى سَبُو، هو محيط بمدينة فاس من شرقها وغربها.
ويجاور نهرَ سبو هذا نهرٌ آخر كبير يسمى وَرْغَة.
وهذان النهران ينصبان إلى البحر الأعظم، بحر أقيانس، بعد أن يلتقيا بموضع يدعى المعمورة.
وفيما بين مكناسة وسلا نهر يدعى بَهْتا، ينصب إلى البحر الأعظم أيضًا.
ونهر سلا المتقدم الذكر.
وفيما بين سلا ومراكش، وعلى ثلاث مراحل من مراكش، نهر عظيم يدعى أم ربيع، ينصب من جبال صنهاجة من موضع يدعى وانْسِيفَن، يصب في البحر الأعظم أيضًا.
ونهر على أربعة أميال من مراكش، عليه قنطرة عظيمة، يسمى تآنسِيفت ونهر سوس الأقصى.
ونهر ببلاد حاحة، يسمى شَفْشَاوَة.
هذه الأنهار كلها تصب إلى البحر الأعظم؛ فهذه جملة الأنهار الكبار التي بالمغرب، التي لا يقل ماؤها ولا ينقطع شتاءً ولا صيفًا، ولم نتعرض لذكر الأودية الصغار والأنهار التي تيبَس في الصيف.
стр. 273
ذكر جزيرة الأندلس وأسماء مدنها وأنهارها
فأما جزيرة الأندلس فهي المعروفة في قديم الزمان عند الروم بجزيرة أشبانية، وقد تقدم ذكر حدودها في صدر هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. وكان دين أهلها في الدهر القديم دين الصابئة من عبادة الكواكب واستنزال قواها والتقرب إليها بأنواع القرابين؛ شهدت بذلك طِلَسْماتٌ وجدت بها وضعتها القدماء من أهلها؛ ثم انتقل أهلها إلى دين النصرانية حين ظهر على أيدي أصحاب المسيح ﵇.
وكانت هذه الجزيرة -أعني الأندلس- منتظمة في مملكة صاحب رومة، يستعمل عليها من شاء من أصحابه؛ فلم تزل كذلك والروم يملكونها -وقاعدة ملكهم منها مدينة تسمى طالقة، على فرسخين من إشبيلية، وهي مدينة عظيمة باقٍ أثرها إلى هذا اليوم- إلى أن غلبهم عليها القوطا، وهي قبيلة من قبائل الإفرنج، فأخرجوهم عن الجزيرة وألحقوهم برومية مدينتهم العظمى.
وانفرد القوطا هؤلاء بمملكة الجزيرة، فملكوها أضخم ملك، قريبًا من ثلاثمائة سنة، وكانت دار ملك القوطا، مدينة طليطلة؛ وهي في قريب من وسط الجزيرة، فلم يزالوا بها وطليطلة دار ملكهم -كما ذكرنا- إلى أن افتتحها المسلمون في شهر رمضان من سنة ٩٢ من الهجرة، على ما تقدم في صدر الكتاب.
فلما افتتحها المسلمون تخيروا قرطبة دار ملكهم ومقر تدبيرهم وموضع حلهم وعَقْدهم؛ فلم تزل قرطبة على ذلك إلى أن انتشرت الفتنة واضطرب أمر بني أمية بالأندلس بموت الحكم المستنصر وتغلب أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه, على هشام المؤيد بن الحكم المستنصر حسبما تقدم في صدر هذا الكتاب.
فهذا تلخيص أخبار جزيرة الأندلس.
مجاز الأندلس
وأنا ذاكر إن شاء الله أول ما يلقاه من يعبر إليها من حدودها ومدنها، فأول ذلك أني أقول:
стр. 274
قد تقدم أن البحرين: بحر الروم، وبحر أقيانس، يلتقيان بساحل سبتة؛ ثم يضيق الخليج وتتقارب العدوتان حتى ينتهي ذلك إلى قصر مصمودة من العدوة وجزيرة طريف من الأندلس، ثم يأخذ في السعة. وأول هذا الخليج مما يلي طنجة، الجبل الخارج في البحر الأعظم المعروف بطرف أَشْبَرْتال، وآخره الجبل الذي شرقي سبتة. فإذا عبرت إلى جزيرة الأندلس من سبتة، كان الذي تنزل به المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء؛ وإذا عبرت من قصر مصمودة وقعت إلى جزيرة طريف؛ فالمدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء هي -في التحقيق- على ساحل البحر الرومي، وجزيرة طريف على ساحل البحر الأعظم؛ وبين الموضعين -أعني الخضراء وطريف- ثمانية عشر ميلاً.
وفي شرقي الجزيرة الخضراء الجبل المعروف بجبل الفتح، ويسمى أيضًا جبل طارق؛ وله طرف خارج في البحر يسمى طرف الفتح؛ وعنده يلتقي البحران بجزيرة الأندلس.
فهذا تلخيص التعريف بخبر مجاز الأندلس.
البلاد التي تغلب عليها النصارى إلى سنة ٦٢١
فأما ذكر مدنها فقد كانت فيها مدن كثيرة تغلب النصارى على أكثرها؛ فأنا ذاكر أسماء المدن التي بأيدي النصارى في وقتنا هذا، ومواضعها من الجزيرة من مشرق ومغرب، من غير تعرض إلى ما بينها من المسافات؛ إذ كان كون النصارى بها مانعًا من معرفة ذلك.
فأول المدن في الحد الجنوبي المشرقي على ساحل البحر الرومي: مدينة بَرْشَنونة، ثم مدينة طَرَّكُونة، ثم مدينة طَرْطُوشة؛ هذه البلاد التي على ساحل البحر الرومي المذكور؛ أعادها الله للمسلمين!.
والمدن التي على غير الساحل في هذا الحد المذكور: مدينة سَرَقُسطة، ولاردة، وأفراغة، وقلعة أيوب؛ هذه كلها يملكها صاحب برشنونة -لعنه الله- وهي الجهة التي تسمى أَرْغُن.
وفي الحد المتوسط ما بين الجنوب والمغرب من المدن: مدينة طليطلة، وكُوَنْكة، وأُفْلِيج، وطَلَبَيْرة، ومَكَّادة، ومَشْرِيط، ووَبْذَة، وأبلة، وشُقُوبية؛ هذه كلها يملكها الأدفنش -لعنه الله- وتسمى هذه الجهة قَشْتَال.
وتجاور هذه المملكة فيما يميل إلى الشمال قليلاً، مدن كثيرة أيضًا، وهي:
стр. 275
سَمّورة، وشَلَمَنْكة، والسِّبْطاط، وقُلُمْرِية؛ هذه كلها يملكها رجل يعرف بـ بالبَجُوج -لعنه الله- وتسمى هذه الجهة ليُون.
وفي الحد المغربي الذي هو ساحل البحر الأعظم أقيانس، مدن أيضًا، منها: مدينة الأشبونة، وشنترين، وباجة، وشَنْتَرة, وشَنْت ياقُو؛ ومدينة يابُرَة، ومدن كثيرة ذهبت عني أسماؤها، يملكها رجل يعرف بـ ابن الريق، لعنه الله.
فهذا ما بأيدي النصارى من مدن جزيرة الأندلس مما يلي بلاد المسلمين؛ ووراء هذه المدن مما يلي بلاد الروم، مدن كثيرة لم تشتهر عندنا لبعدها عنا وتوغلها في بلاد الروم؛ لم يملكها المسلمون قط؛ لأنهم لم يملكوا الجزيرة بأسرها حين افتتحوها، وإنما ملكوا معظمها واستولوا على أكثرها.
المدن التي بقيت بأيدي المسلمين إلى سنة ٦٢١
وأنا ذاكر بعد هذا ما بقي بأيدي المسلمين من البلاد، وعدد المراحل التي بينها، وقربها من البحر وبعدها؛ حتى يبين ذلك إن شاء الله تعالى.
فأول شيء يملكه المسلمون بجزيرة الأندلس اليوم، حصن صغير على شاطئ البحر الرومي يسمى بَنَشْكُلَة، بينه وبين مدينة بلنسية ثلاث مراحل؛ وهذا الحصن مما يلي بلاد الروم، بينه وبين طرطوشة مرحلتان أو أكثر قليلاً.
ثم مدينة بلنسية، وهي مدينة في غاية الخصب واعتدال الهواء، كان أهل الأندلس يدعونها فيما سلف من الزمان: مُطَيَّب الأندلس؛ والمطيب عندهم: حُزمة يعملونها من أنواع الرياحين ويجعلون فيها النرجس والآس وغير ذلك من أنواع المشمومات؛ سموا بلنسية بهذا الاسم لكثرة أشجارها وطيب ريحها؛ وبين بلنسية هذه وبين البحر الرومي قريب من أربعة أميال.
ثم بعدها مدينة تدعى شاطبة، بينها وبينها مرحلتان.
وبينهما مدينة صغيرة تدعى جزيرة الشُّقْر؛ وسميت جزيرة لأنها في وسط نهر عظيم قد حف بها من جميع جهاتها, فلا طريق إليها إلا على القنطرة.
ومن شاطبة هذه إلى مدينة دانية التي على ساحل البحر الرومي، يوم تام.
ومن شاطبة إلى مدينة مرسية ثلاثة أيام.
ومن مرسية إلى البحر الرومي عشرة فراسخ.
ومن مدينة مرسية إلى مدينة أغرناطة سبع مراحل.
وبين ذلك بلاد صغار، أولها مما يلي مرسية: حصن لرقة، ثم حصن آخر يدعى
стр. 276
بَلِّس، ثم حصن آخر يدعى قُلْيَة، ثم بليدة صغيرة تسمى بَسْطة، ثم بليدة أخرى على مسيرة يوم من أغرناطة تسمى وادي آش، ويقال لها أيضًا وادي الأشي؛ هكذا سمعت الشعراء ينطقون بها في أشعارهم؛ فهذه البليدات التي بين أغرناطة ومرسية.
وفي مقابلة وادي آش على ساحل البحر الرومي، مدينة المرِية -مخففة الراء- وهي مدينة مشهورة، تضرب أمواج البحر في سورها، بينها وبين وادي آش هذه مرحلتان للمجد.
وبعد المدينة المعروفة بالمرية على ساحل البحر الرومي، حصن مُنكب، وهي بليدة صغيرة يضرب البحر أيضًا في سورها، بينها وبين المرية أربع مراحل.
وبين حصن منكب هذا وبين مدينة مالقة ثلاث مراحل.
وبين مالقة وبين الجزيرة الخضراء ثلاث مراحل للمجد.
وبالجزيرة الخضراء، أو بجبل الفتح، يلتقي البحران كما ذكرنا، فالذي على ساحل البحر الرومي من بلاد المسلمين بالأندلس: الجزيرة الخضراء، ومالقة، ومُنكب، والمرية، ودانية؛ وبين المرية ودانية نحو من ثماني مراحل؛ ووراء دانية الحصن الذي يسمى بنشكلة؛ وقد تقدم ذكره.
فهذا ما على الساحل من بلاد المسلمين بالأندلس، أعني ما يضرب الموج في سوره؛ فأما مدينة بلنسية فبينها وبين البحر -كما ذكرنا- قريب من أربعة أميال.
ثم نعود إلى ذكر البلاد التي ليست على الساحل؛ فنقول:
من مدينة أغرناطة إلى البحر قريب من أربعين ميلًا؛ وذلك مسيرة يوم تام أو يومين على الرفق.
ومن مدينة أغرناطة إلى مدينة جَيَّان، مرحلتان؛ بين جيان وبين البحر الرومي ثلاث مراحل.
ومن مدينة جيان إلى مدينة قرطبة مرحلتان.
ذكر قرطبة
وقد تقدم ذكر قرطبة هذه, وأنها كانت دار ملك المسلمين ومقر تدبيرهم إلى أن نشأت الفتنة واختل أمر بني أمية بالأندلس؛ وبلغت قرطبة هذه من القوة وكثرة العمارة وازدحام الناس مبلغًا لم تبلغه بلدة.
حكى ابن فياض في تاريخه في أخبار قرطبة قال: كان بالرَّبض الشرقي من
стр. 277
قرطبة مائة وسبعون امرأة, كلهن بكتبن المصاحف بالخط الكوفي؛ هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟!.
وقيل: إنه كان فيها ثلاثة آلاف مُقَلَّس؛ وكان لا يتقلس١ عندهم في ذلك الزمان إلا من صلح للفتيا.
وسمعت ببلاد الأندلس من غير واحد من مشايخها، أن الماشي كان يستضيء بسُروج قرطبة ثلاثة فراسخ لا ينقطع عنه الضوء.
وبها الجامع الأعظم الذي بناه أبو المُطَرّف عبد الرحمن بن محمد المتلقب بـ الناصر لدين الله، وزاد فيه بعده ابنه الحكم المستنصر بالله؛ فزيادة الحكم معروفة إلى اليوم.
وحكى أبو مروان بن حيان ﵀ في أخبار قرطبة، أن الحكم لما زاد زيادته المشهورة في الجامع، اجتنب الناس الصلاة فيها أيامًا؛ فبلغ ذلك الحكم، فسأل عن علته؛ فقيل له: إنهم يقولون: ما ندري هذه الدراهم التي أنفقها في هذا البنيان من أين اكتسبها! فاستحضر الشهود والقاضي أبا الحكم المنذر بن سعيد البَلُّوطي المتقدم الذكر في قضاته، واستقبل القبلة وحلف باليمين الشرعية التي جرت العادة بها، أنه ما أنفق فيه درهمًا إلا من خُمس المغنم! وحينئذٍ صلى الناس فيه لما علموا بيمينه؛ ومن الخمس أيضًا كان أبوه بناه؛ وزاد فيه أبو عامر محمد بن أبي عامر زيادة أخرى من هذه النسبة؛ فهو مسجد لم ينفق فيه درهم إلا من خمس المغنم. وهو مُعظَّم القدر عند أهل الأندلس، مبارك، لا يصلي فيه أحد ويدعو بشيء من أمر الدنيا والآخرة إلا استجيب له؛ قد عرف ذلك من أمره، واشتهر.
وحكى غير واحد أن الأدفنش -لعنه الله- لما دخلها في شهور سنة ٥٠٣، دخل النصارى في هذا المسجد بخيلهم، فأقاموا به يومين لم تَبُلْ دوابهم ولم ترُثْ حتى خرجوا منه؛ وهذه الحكاية مما تواتر عندهم واستفاض بقرطبة.
وقد جمع أهل الأندلس كتبًا في فضائل قرطبة وأخبارها ومن كان بها أو نزلها من الصالحين والفضلاء والعلماء.
ذكر إشبيليَّة
ومن مدينة قرطبة إلى مدينة إشبيلية ثلاث مراحل؛ وإشبيلية هذه هي حاضرة الأندلس في وقتنا هذا، وهي التي تسمى عندهم في قديم الزمان حمص؛ سميت
стр. 278
بذلك لنزول أجناد حمص إياها حين افتتح المسلمون الأندلس.
وقد زاد أمر هذه المدينة على صفة كل واصف، وأتى فوق نعت كل ناعت؛ وهي على شاطئ نهر عظيم ينصب من جبل شَقُورة؛ وتنصب فيه أنهار كثيرة، فلا يصل إلى إشبيلية إلا وهو بحر خِضَم١؛ تصعد فيه السفن الكبار من البحر الأعظم، تُرسى على باب المدينة، بينها وبين البحر الأعظم سبعون ميلًا، وذلك مرحلتان.
وهذه المدينة كانت قاعدة ملك بني عباد حسبما تقدم، ثم صيرها المصامدة منزلًا لهم أيام كونهم بالأندلس؛ منها ينفذ أمرهم، وفيها يستقر ملكهم. وبنوا بها قصورًا عظيمة، وأجروا فيها المياه، وغرسوا البساتين؛ فزاد ذلك في حسن هذه المدينة، أعني إشبيلية.
ومن إشبيلية إلى مدينة شِلْب التي على ساحل البحر الأعظم خمس مراحل؛ وبين ذلك بليدات صغار؛ كمدينة لَبْلَة، وحصن مَرْتُلة، ومدينة طبيرة، ومدينة العليا، والمدينة المعروفة بـ شنتمريَّة؛ هذه البلاد كلها فيما بين شلب وإشبيلية من مغرب الأندلس.
وبين قرطبة وبين البحر الرومي خمس مراحل؛ وقرطبة أيضًا على ساحل هذا النهر الذي ينصب إلى إشبيلية؛ يعظم جدًّا حتى تصعد فيه السفن كما تقدم، وينحدر من أراد في القوارب من قرطبة إلى إشبيلية، ويصعدون من إشبيلية إلى قرطبة؛ كهيئة النيل.
وبين مدينة إشبيلية ومدينة شَرِيش مرحلتان.
وبين شريش وبين البحر ثلاث مراحل.
فهذه جملة أخبار بلاد المغرب وجزيرة الأندلس ومسافات الأبعاد التي بين كل بلد وبلد على التقريب؛ منها ما سافرتُ فيه بنفسي، ومنها ما نقلته مستفيضًا عن السفار المترددين.
стр. 279
فصل أنهار الأندلس الكبار المشهورة
وقد رأيت أن أذكر ههنا جملة أنهار الأندلس الكبار المشهورة بها:
فأول ذلك مما يلي المشرق: نهر طرطوشة، وهو نهر عظيم ينصب من جبال هناك إلى مدينة طرطوشة، ثم يصب في البحر الرومي؛ وبين طرطوشة وبين البحر الرومي اثنا عشر ميلًا.
ثم نهر مرسية، وهو يصب أيضًا في البحر الرومي، منبعه من جبل شقورة؛ وهو قسيم نهر إشبيلية؛ منبعهما واحد ثم يفترقان؛ فينصب هذا إلى إشبيلية, وهذا إلى مرسية.
ثم نهر إشبيلية الأعظم -وقد تقدم ذكر منبعه- ثم تنصب فيه قبل وصوله إلى إشبيلية أنهار كثيرة، فيعظم حتى يصير بحرًا كما ذكرنا، ثم يصب في البحر الأعظم المسمى أقيانس.
ثم نهر عظيم ببلاد الروم يسمى تاجو، وهو الذي عليه مدينة طليطلة وشنترين؛ وبين هاتين المدينتين قريب من عشر مراحل؛ وعلى هذا النهر أيضًا مدينة الأشبونة، وبينها وبين شنترين ثلاث مراحل؛ ثم ينصب هذا النهر إلى البحر الأعظم.
فهذه جملة أنهار الأندلس المشهورة بها.
وقد نجز بحمد الله جميع هذا الإملاء حسبما رسمه مولانا، وجريت في ذلك كله على عادتى في التلخيص، وتركت أسماء القرى والضياع والأنهار الصغار، وغير ذلك مما لا تدعو إليه الحاجة ولا يخل بالتصنيف تركه؛ فإن وافق غرض مولانا ولاق بنفسه وأتى وَفْقَ مراده، فهي البغية الكبرى والأمنية العظمى التي لم أزل أكدح لها وأسعى فيها وأسابق إليها؛ وإن يَكُ غير ذلك فما أنا بأول من اجتهد فحُرِم الإصابة ولم يقع على المراد، ولا وفى المقصود!.
стр. 280
وبالله أعتصم، وإياه أسترشد، وعليه أعتمد؛ وهو حسبي ونعم الوكيل.
وكان الفراغ من هذا الإملاء، يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة من سنة ٦٢١، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 281
الفهارس
فهرس الأعلام
...
فهرس الأعلام
حرف الألف
-إبراهيم بن إسحاق بن محمد بن غانية: ١٩٧.
-إبراهيم بن جامع: ٢٢٨.
-إبراهيم الزويلي، أبو إسحاق: ٢٠٠.
-إبراهيم بن سفيان، أبو إسحاق:٢١.
-إبراهيم بن عبد الملك، أبو إسحاق = ابن ملكون.
-إبراهيم بن عبد المؤمن: ١٤٩.
-إبراهيم "ابن أمير المؤمنين أبي يوسف": ١٩٢، ٢٢٧.
-إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٨١، ٢٤١.
-أحمد بن إبراهيم بن مطرف، أبو العباس: ٢١٢.
-أحمد بن حنبل: ١٩٤.
-أحمد بن خالد "الحائك": ٤٩.
-أحمد بن سعيد بن الدب، أبو جعفر: ٤٢.
-أحمد بن عبد الله بن أحمد بن زيدون، أبو الوليد: ٧٩.
-أحمد بن عبد الملك بن شهيد، أبو عامر "الوزير": ٤٩.
-أحمد بن عطية، أبو جعفر: ١٤٩.
-أحمد بن قِسِيّ: ١٥٥.
-أحمد بن محمد بن بقي "القاضي": ١٩٤، ٢٢٩.
-أحمد بن محمد بن دراج القسطلي، أبو عمر: ٣٨.
-أحمد بن محمد، أبو جعفر "ابن البني": ١٣٠.
-أحمد بن محمد بن عياش بن عبد الرحمن بن عياش، أبو جعفر: ٢٣٨.
-أحمد بن محمد بن يحيى الحميري: ٢٢٠.
-أحمد بن مضاء، أبو جعفر: ١٨٢، ١٩٤.
-أحمد بن منيع، أبو جعفر: ٢٢٩، ٢٣٨.
-أحمد بن موسى، أبو جعفر "ابن بَقَنَّة": ٥٤، ٥٥.
-أحمد بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٨٠.
-إدريس بن إبراهيم بن جامع "أبو العلاء": ١٨٠، ٢٢٩.
-إدريس بن علي بن حمود "المتأيد": ٤٧، ٥٤، ٥٥، ٧٣.
-إدريس بن يحيى بن علي بن حمود "العالي": ٤٦، ٤٨، ٥٤، ٥٦، ٥٧، ٥٨.
-إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٩٢.
-إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، أبو العلاء: ١٨١، ٢٣١، ٢٤١.
стр. 282
-الأدفنش: ٦٠، ٩١، ٩٢، ٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٨٤، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢٢١، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٦٤، ٢٦٧.
-أرقم بن محمد بن سعد: ١٨٤.
-إسحاق بن محمد بن غانية: ١٩٦.
-إسحاق بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن: ١٧٥، ١٨١، ٢٤٠.
-أرسطوطاليس: ١٧٩، ٢٢٤.
-الإسكندر: ١٤٣.
-إسماعيل بن إسحاق المنادي: ٤١.
-إسماعيل بن ذي النون: ٦٠.
-إسماعيل بن عباد بن محمد بن إسماعيل: ٧٤.
-إسماعيل بن عبد المؤمن: ١٤٩.
-إسماعيل بن محمد بن عباد، أبو الوليد: ٥٤، ٥٥، ٧٣.
-إسماعيل بن يحيى الهزرجي: ١٧١، ١٧٢، ٢٤٣.
-إسماعيل بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٨١.
-الأصم المرواني "ابن الطليق": ١٥٨.
-إفريقش: ٢٥١.
-ابن الأفطس "المظفر": ٦١.
-أفلاطون: ١٧٩.
-امرؤ القيس بن حجر الكندي: ٣٥، ٨٠.
-أميرة بنت الحسن بن قنون: ٤٧.
-أيوب "ابن أخت موسى بن نصير": ١٨.
-أيوب الجدميوي: ٢٤٤.
حرف الباء
-ابن باجة، أبو بكر بن الصائغ: ١٧٦.
-باقل: ٦٢.
-بالبجوج: ٢٣٥، ٢٦٥.
-البخاري "الإمام": ١٧٥.
-بدر بن محمد بن سعد: ١٨٤.
-البراذعي: ٢٠٣.
-البرشنوني: ٢٣٤.
-البزار: ٢٠٣.
-أبو البسام "الوزير الكاتب": ٢٦.
-بطرو بن الريق = ابن الريق.
-بطليموس: ١٤٠.
-بقي بن مخلد "الفقيه": ١٩٤.
-أبو بكر بن إسحاق بن محمد بن غانية: ١٩٧، ١٩٩.
-أبو بكر بن الجد: ٢٠٤.
-أبو بكر الشاشي: ١٣٦.
-أبو بكر الطرطوشي: ١٣٧.
-أبو بكر بن عبد الله بن أبي حفص عمر إينتي: ٢٠٦.
-أبو بكر بن هانئ: ٢١٢.
-أبو بكر بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٩٢.
-أبو بكر بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٨٠.
-بلج بن بشر: ١٨.
-بلجين: ١٠٣.
-بندود بن يحيى القرطبي، أبو بكر: ١٧٩.
-ابن بيجيت: إسماعيل الهزرجي.
-البيهقي: ٢٠٤.
حرف التاء
-تاشفين بن إسحاق بن محمد بن غانية: ١٩٧.
-تاشفين بن علي بن يوسف: ١٤٩، ١٥١، ٢٥٨.
стр. 283
-تاشفين بن يوسف: ٧٦.
-الترمذي: ٢٠٣.
-تقي الدين ابن أخي الملك الناصر: ٢١٠.
-تميم الداري: ٢٠.
-تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي: ٢٥٥.
-ابن تومرت: ٧١، ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٤١، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٦، ١٤٧، ١٤٨، ١٥١، ١٥٤، ١٧٠، ١٧١، ١٧٢، ١٩١، ٢٠٤، ٢١١، ٢١٢، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣١، ٢٣٧، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٤٥، ٢٥٧.
حرف الجيم
-جرير: ٦٢.
-جعفر بن أحمد، أبو الفضل "ابن المحشُوَّة": ١٨٠، ١٩٣.
-جعفر بن عثمان المُصحفي = أبو الحسن المُصحفي.
-أبو جعفر الحميري = أحمد بن محمد.
-أبو جعفر المنصور "الخليفة العباسي": ٢٣، ٧٤.
-ابن أبي جمرة "القاضي": ٢٠٢.
-جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله، أبو الحزم: ٥٠، ٥٢، ٥٣، ٦٠.
-جوهر: ٢٥١.
حرف الحاء
-حام بن نوح "﵇": ٢٥١.
-حبيب بن أبي عبدة الفهري: ١٧، ١٨.
-ابن حبيب: ٢٠٣.
-حجاج بن إبراهيم التجيبي: ٨٢.
-ابن حجاج البغدادي = أبو عبد الله.
-الحجاج بن يوسف الثقفي: ١٣٣.
-أبو الحجاج "رجل من المغاربة": ٥٥.
-حدير بن واسنو: ١٠٤.
-ابن حزم = علي بن أحمد، أبو محمد.
-حسام بن ضرار الكلبي، أبو الخطار: ١٩.
-حسان بن مالك بن أبي عبدة، أبو عبدة الوزير: ٣٤.
-الحسن بن إدريس "السامي": ٥٥، ٥٦، ٥٨.
-أبو الحسن الأشعري: ١٤١.
-الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: ١٣٦.
-الحسن بن رشيق القيرواني: ٥٩.
-الحسن بن عبد المؤمن: ١٤٩.
-الحسن بن علي بن أبي طالب: ٤١.
-الحسن بن القاسم بن حمود: ٤٧، ٥٥، ٦١، ٧٢.
-الحسن بن قنون: ٤٨.
-أبو الحسن المصحفي: ٢٩، ٣١.
-أبو الحسن بن مُغنٍ: ١٩٤.
-الحسن بن يحيى بن علي بن حمود "المستعلي": ٤٨، ٥٤، ٥٥.
-الحسن بن يحيى: ٥٤.
-الحسن بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٩٣.
-الحسين بن عبد المؤمن: ١٤٩.
-الحسين بن علي بن أبي طالب: ٢٣٠.
-أبو الحسين الهوزني الإشبيلي: ١٨٠.
стр. 284
-الحسين بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٩٣.
-الحصري "الشاعر": ١٠٦.
-الحطيئة: ٢١٦.
-ابن حفصون: ٥٥.
-الحكم بن سليمان "المستعين": ٤١.
-الحكم المستنصر: ٢٦، ٢٩، ٧٣، ١٧٥، ٢٦٧.
-الحكم بن هشام الربضي "الأمير": ٢٤، ٢٦.
-أم الحكم بنت سليمان المستعين: ٤٩.
-حماد الصنهاجي: ١٥٢.
-أبو حمامة "مولى بني سجُّوت": ١٠٤.
-حمد الذهبي: ١٤٠.
-حنش بن عبد الله الصنعاني: ٢٠.
-أبو حنيفة "الإمام": ٢٧، ٢٨.
-حوراء "أم الأمير هشام بن عبد الرحمن": ٢٤.
-حوراء "أم المستكفي بالله": ٤٩.
-ابن حيان، أبو مروان: ٢٥، ٣٧، ٢٦٧.
حرف الخاء
-ابن خرداذبة الفارسي: ٢٤٩.
-ابن أبي الخصال = محمد، أبو مروان.
-خيران العامري "الخادم": ٦١.
حرف الدال
-الدارقطني: ٢٠٣.
-أبو داود: ٢٠٣، ٢٠٤.
-داود الظاهري، أبو سليمان: ٤٣، ٤٤.
-داود بن أبي هند بن أبي عثمان النهدي: ٢١.
-ابن دريد، أبو بكر: ٣٤.
-حرف الراء
-راح: ٢٣.
-الراضي "ابن المعتمد بن عباد": ٩٦، ١٠٦.
-رزق الله "البرغواطي": ٥٧.
-الرشيد العباسي = هارون الرشيد.
-ابن رشيق "المرسي": ٩٢، ٩٩.
-الروحي: ٦١.
-ريحان الخصي: ١٩٣، ٢٢٩.
-ابن الريق: ١٨٨، ١٩٠، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٣٥، ٢٦٥.
حرف الزاي
-الزبير بن علي بن يوسف بن تاشفين: ١٤٤.
-الزبير بن محمد بن سعد: ١٨٤.
-الزبير بن محمد بن غانية: ١٩٦.
-الزبير بن نجاح: ٢٣٣.
-زخرف: ٢٤.
-زكريا بن يحيى بن أبي إبراهيم إسماعيل الهرزجي: ٢٣٧.
-زكريا بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٩٢.
-أبو زكريا بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٧٥.
-زهر: ٢٢٦.
-زهر بن عبد الملك بن زهر، أبو العلاء: ١١٦.
-زهير بن أبي سلمى: ٨٠.
-زهير العامري "الخادم": ٦١.
стр. 285
-ابن زيابة التميمي: ٢٢٠.
-زياد بن النابغة التميمي: ١٨.
-ابن زيادة الله الطبني: ٢٥٥.
-أبو زيد الأنصاري: ٢٠٢.
-زيري بن مناد الصنهاجي: ٢٥٥.
حرف السين
-ساحر "أم أبي يوسف يعقوب بن يوسف": ١٩٢.
-سبع بن حيَّان: ١٨٥.
-سحنون: ٢٠٢.
-سعد بن أبي وقاص: ٢١.
-سعد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٩٣.
-سعيد بن المنذر: ٥٠.
-السطيفي: ٥٦.
-سكات "البرغواطي": ٥٧.
-سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر: ٣٩، ٤١، ٤٢.
-سليمان بن عبد الملك: ١٨.
-سليمان بن عبد المؤمن، أبو الربيع: ١٤٩، ١٩٨، ٢٠١، ٢٠٢، ٢١٧، ٢٢٠، ٢٣٩.
-سليمان بن المرتضي: ٤٨.
-سليمان بن هود "المؤتمن": ٥٩.
-السمح بن مالك الخولاني: ١٨.
-سهل بن أبي غالب، أبو السَّرِي: ٣٣.
-سيبويه: ٢٢١.
-ابن سيد "اللص": ١٥٩.
-سير بن إسحاق بن محمد بن غانية: ١٩٧، ١٩٩، ٢٣٣.
-سير بن أبي بكر بن تاشفين: ١٠٤، ١٢٤.
-حرف الشين
-الشافعي "الإمام": ٤٣.
-شعبان "من أمراء الغز": ٢١٠.
-الشماخ بن ضرار: ٣٥.
-ابن شيبة: ٢٠٣.
حرف الصاد
-صاعد بن الحسن الربعي، أبو العلاء: ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦.
-صالح بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٩٢.
-صبح: ٣٠، ٣١.
-ابنة الصحراوية: ١٤٩.
حرف الطاء
-طارق بن زياد: ١٦، ١٧.
-طالوت "الفقيه": ٢٥، ٢٦.
-طلحة بن عيسى بن عمران: ١٨٢.
-طلحة بن محمد بن غانية: ١٩٦.
-طلحة بن يوسف بن عبد المؤمن: ١٨١.
-الطليق المرواني: ١٥٨.
-أبو الطيب المتنبي: ٨٤، ٨٥، ٢٢١.
حرف الظاء
-ظبية: ٤١.
حرف العين
-عاتب: ٥١.
-عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، أبو عمرو "المعتضد": ٥٨، ٧٣، ٨٦، ٨٨، ٩٧.
-عباد بن المعتمد بن عباد "المأمون": ٩٧، ١٠٣.