Полный текст (432 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فَلمَّا حَضَرَ وَقَدَّمُوا لَهُ الصَّبيَّ رَأَى نَفسَهُ تَقَعقَعُ لِلخُرُوجِ، وفِي رِوَايةٍ: «تَقَلْقَلُ» فِي أَمَارَاتِ الخُرُوجِ وَأَمارَاتِ المَوتِ؛ فَبَكَى ﵊ وَذَرَفتْ عَينَاُه لمَّا رَأَى مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ: تَبكِي يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ».
فَفِي هَذَا فَوائِدُ:
مِنْها: حُسْنُ خُلقِهِ ﵊ وَتَواضُعُهُ، كَونُهَا أَقْسمَتْ عَليْهِ وَقَامَ وحَقَّقَ قَسَمَها مِنْ أَجلِ جَبرِ حَالِهَا وَجَبرِ مُصِيبَتِها وَرَحمَةً لِحَالِها، فهَذَا يَدلُّ عَلَى التَّواضُعِ وحُسنِ الخُلُقِ، وَالرَّحمَةِ أيْضًا، كَونُهُ رَحِمَها أيْضًا، ثمَّ لمَّا حَضَرَ رَحِمَ أيْضًا طِفلَهَا وَبَكَى مِنْ أَجلِ ذَلِك، فهَذَا يَدلُّ عَلَى حُسْنِ خُلُقهِ ﷺ وَطِيبِ شَمَائِلِهِ، وَرَحمَتهِ بِالضُّعَفاءِ وَرِقَّتهِ عَلَى أَوْلادِهِ وَرَحمتِهِ لهُمْ، وَحُسْنِ مُعاشَرتِهِ لهُمْ، وَإِجَابتِهِ طَلَباتِهِم الَّتِي لَا مَحْذورَ فِيهَا.
وَمِنَ الفَوائِدِ: جَوَازُ البُكَاءِ، وَأنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ عَلَى الطِّفلِ وَعَلَى غَيرِهِ، وَأنَّ المَحظُورَ هُوَ النِّيَاحةُ، وَأمَّا دَمعُ العَينِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِك؛ وَلِهذَا قَالَ ﵊ فِي قِصَّةِ ابْنهِ إِبْراهِيمَ لمَّا تُوفِّيَ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفرَاقِكَ يَا إَبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (١) .
وَفِيهِ: الدَّلَالةُ عَلَى أنَّهُ يَنبَغِي لِلوَالدِ أنْ يَكُونَ رَحِيْمًا عَطُوفًا عَلَى أَوْلَادِهِ، لَا يَتجَبَّرُ عَليْهِم وَلَا يَتكَبَّرُ عَنْ تَحقِيقِ طَلبَاتِهِم المُنَاسِبةِ الَّتِي لَا مَحْذورَ فِيهَا -وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ المَصَائبِ وَعِنْدَ المَرضِ، وَعِنْدَ الشِّدَّةِ وعِندَ الحَاجَةِ- يَلطُفُ بِهِمْ وَيَرحَمُهُم وَيَعطِفُ عَليْهِم، وَلوْ كَانَ عَظِيمًا وَلوْ كَانَ كَبِيرًا، وَلوْ كَانَ مَلِكًا. الحواشي
(١) رواه البخاري(١٣٠٣) ، ومسلم(٦٢) .стр. 177
فَأعْظَمُ العُظَمَاءِ منَ المَخْلوقِينَ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﵊، فَلَيسَ هُنَاكَ فِي الدُّنيَا مَنْ هُوَ أَعظَمُ مِنهُ وَأحَقُّ مِنهُ بِالاحْتِرامِ وَالتَّبجِيلِ، ومَعَ هَذَا أَجَابَ دَعْوةَ ابْنتِهِ وقَامَ إِليْهَا وحَقَّقَ طَلبَهَا، وَحقَّقَ قَسَمَهَا وَحَضَرَ إِلَى بَيتِهَا، وَجَبرَ مُصِيبَتهُم وَدَعا لهُمْ ﷺ .
وَمِنَ الفَوائِدِ أيْضًا، وَهِيَ مُهمَّةٌ: أنَّ الوَاجِبَ الصَّبرُ عِنْدَ المَصائِبِ، وَأنْ تَصبِرَ، الوَاجِبُ الصَّبرُ وَالاحْتِسابُ، وَعَدمُ الجَزعِ، كُلٌّ مُصَابٌ، المَصَائِبُ مَاشِيةٌ عَلَى العِبَادِ؛ فَالوَاجبُ الصَّبرُ عِنْدَهَا وَعدَمُ الجَزَعِ، وَاسْتِحضَارُ أنَّ العَبدَ ومَن عِندَهُ مِنْ ذُريَّةٍ مِنْ إِخْوَانٍ، مِنْ آبَاءٍ، مِنْ أُمَّهاتٍ إِلَى غَيرِهِم كُلُّهُم مِلكُهُ سُبْحانَهُ «للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى» (١) ، وهُوَ المَالِكُ المُتصَرِّفُ فِي الجَمِيعِ، فَلَا وَجهَ لِلْجزَعِ، بلِ الجَزعُ يُفوِّتُ الخَيرَ، وَيُسبِّبُ الغَضَبَ، وَالاحْتِسَابَ، وَالرِّضَا يَحصُلُ بِهِ الخَيرُ العَظِيمُ وَالأَجْرُ منَ اللهِ ، وَالعِوَضُ مِنهُ .
٧٤٤٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ: -يَعْنِي- أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ الحواشي
(١) تقدم برقم(٧٤٤٨) .стр. 178
مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، قَالَ: فَأَمَّا الجَنَّةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ» (١) .
٧٤٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ الجَهَنَّمِيُّونَ». وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَهذِهِ رَحمَتُهُ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾ [الأعراف: ٥٦] فَالجنَّةُ مِنْ رَحمَتهِ كَمَا قَالَ: «أَنْتِ رَحْمَتِي» وفِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» (٢) فهِيَ رَحْمتُهُ يَهَبُها لِمنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادهِ المُؤمِنِينَ، فَيَلطُفُ بِهِمْ ، وَالنَّارُ عَذابُهُ يُعذِّبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، وَلِكلِّ وَاحِدةٍ مِنهُمَا مِلؤُهَا.
وَبيَّنَ ﵊ هذِهِ الخُصُومةَ بَينَ الجنَّةِ وَالنَّارِ وَاحِتِجاجَهُما الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٨٤٦) .(٢) رواه البخاري(٤٨٥٠) ، مسلم(٣٤) .стр. 179
أنَّ الجنَّةَ قَالَتْ: «فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ» يَعنِي: فُقَراءَهُم، يَعنِي: غَالِبُ مَنْ يَدخُلُها الفُقَراءُ؛ لِأنَّ المَالَ يُطغِي أَهلَهُ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) ﴾ [العلق: ٦].
وَالنَّارُ فِيهَا الجَبَّارُونَ وَفِيهَا المُتكبِّرُونَ، الَّذينَ حَملَهُم التَّكبُّرُ وَالتَّعاظُمُ وَالعِنَادُ عَلَى التَّكذِيبِ وَعدَمِ الاسْتِجابَةِ، فَلِهذَا صَارَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِمْ.
وَالجنَّةُ دَارُ المُتَّقِينَ، دَارُ المُؤمِنِينَ، دَارُ أَهْلِ السَّعادَةِ، وإِنْ كَانُوا فُقَراءَ وَإِنْ كَانُوا ضُعَفاءَ، فَالفَقرُ المَالِيُّ لَا قِيمَةَ لَهُ، إنَّمَا الفَقرُ الخَطِيرُ الفَقرُ مِنَ الدِّينِ وَضَعفُ الدِّينِ، هَذَا هُوَ الفَقرُ المُهلِكُ، وَأمَّا فَقرُ المَالِ فَأمْرُهُ سَهلٌ، وَعِلاجُهُ كَثِيرٌ.
وفِي هَذَا الحَدِيثِ وَقَعَ وَهْمٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ فَقَالَ: «إِنَّ النَّارَ يُنْشِئُ اللهُ لهَا أَقْوامًا، لَا تَمتَلِئُ فَيُنشِئُ اللهُ لهَا أَقْوامًا فَيُدخِلهُم النَّارَ». وَهذَا غَلطٌ؛ لِأنَّ النَّارَ دَارُ العَذَابِ، وهُوَ لَا يُعذِّبُ إلَّا مَنِ اسْتحَقَّ العَذَابَ بِعمَلهِ السَّيِّئِ، وَالنَّارُ لَا تَزَالُ تَقُولُ (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) لِسِعتِهَا وَعَظمَتِها وَعُمْقِها، فَإنَّ عُمقَهَا مَسافَة سَبْعينَ خَرِيفًا مِنْ أَعْلاهَا إِلَى أَسْفلِها، سَبْعِينَ عَامًا إِذَا أُلقِيَ فِيهَا شَيءٌ يَمكُثُ سَبْعينَ عَامًا مَا وَصَلَ قَعْرَها، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
فَيضَعُ الجَبَّارُ فِيهَا قَدمَهُ ـ أيْ رِجلَهُ ـ فَيَنزَوِي بَعضُهَا إِلَى بَعضٍ فَتَقولُ: «قَطُّ قَطُّ» يَعنِي: حَسبِي حَسْبِي، يَعنِي: امْتَلئْتُ امْتَلئْتُ.
وَأمَّا الجَنَّةَ فَيَبْقَى فِيهَا فَضلٌ، فَيُنشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا لمْ يَعمَلُوا خَيْرًا قطُّ فَيُدخِلُهم الجنَّةَ بِفَضلِ رَحمَتهِ، وهَذَا هُوَ الشَّاهِدُ لِلْبابِ معَ قَولِهِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي» وَلَكنَّهُ انْقَلَبَ عَلَى بَعضِ الرُّوَاةِ، فَجعَلهُ تَبعَ النَّارِ، وَليْسَ الأَمرُ كَذلِكَ.
стр. 180
المَقْصُودُ: إِثْباتُ الرَّحمَةِ فِي هذِهِ النُّصُوصِ؟
فِي المَوضِعَينِ فِي «أَنْتِ رَحْمَتِي» ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾ [الأعراف: ٥٦] وَأَهلُ الجنَّةِ هُمْ أَهْلُ الإِحْسَانِ.
(الشَّيخُ) تَعرَّضَ لهَا الشَّارِحُ؟
(القَارِئُ) فِي تَعْليقٍ عَلَى المَتنِ: وَالشَّارِحُ تَكلَّمَ عَليْهِ، التَّعلِيقُ يَقُولُ: قَالَ مُحبُّ الدِّينِ الخَطِيبُ: «جَزَمَ ابنُ القيِّمِ بِأنَّ هَذَا غَلطٌ مِنَ الرَّاوِي، صَوَابُهُ: «يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ» كَمَا تَقدَّم بِرقَمِ (٤٨٥٠) مِنْ طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁، وَكمَا فِي رَقمِ (٧٣٨٤) مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنسٍ، فَتَبيَّنَ مِنهُمَا: أنَّ الرَّاوِيَ هُنَا سَبقَ لَفظُهُ منَ الجنَّةِ إِلَى النَّارِ، وَيُسمُّونَهُ فِي عِلمِ المُصْطلَحِ: المُنْقَلِبَ» (١) .
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٣٧)]: «قَولُهُ: «فَأمَّا الجنَّةَ فَإنَّ اللهَ لَا يَظلِمُ مِنْ خَلقِهِ أَحدًا وَأنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ». قَالَ أبُو الحَسنِ القَابِسيُّ: المَعْرُوفُ فِي هَذَا المَوضِعِ أنَّ اللهَ يُنْشِئُ لِلجنَّةِ خَلْقًا، وَأمَّا النَّارُ فَيضَعُ فِيهَا قَدَمَهُ … قَالَ: وَلَا أَعلَمُ فِي شَيءٍ منَ الأَحَادِيثِ أنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلقًا إلَّا هَذَا. انْتَهَى.
وقَدْ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «ق» مِنْ طَرِيقِ مُحمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ: يُقالُ لِجهَنَّمَ: «هَلِ امْتَلَأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» ومِن طَرِيقِ همَّامٍ بِلَفظِ: «فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ». فَهُناكَ تَمْتلِئُ وَيَزوِى بَعضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظلِمُ اللهُ الحواشي
(١) «فتح الباري» (١٣/ ٤٤٤، ح ٧٤٤٩).стр. 181
مِنْ خَلقِهِ أَحَدًا.
وَتَقدَّمَ هُناكَ بَيَانُ اخْتِلافِهِم فِي المُرَادِ بِالقَدَمِ مُسْتوْفًى، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأنَّ أَحدَ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ القَدمِ: أنَّهُم قَومٌ تَقدَّمَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَخلُقُهمْ، قَالَ: فَهذَا مُطَابقٌ لِلْإنشَاءِ، وَذِكرُ القَدمِ بَعدَ الإِنْشاءِ يُرجِّحُ أنْ يَكُونَا مُتَغايِرَينِ.
وَعنِ المُهلَّبِ قَالَ: فِي هذِهِ الزِّيَادةِ حُجَّة لِأهْلِ السُّنةِ فِي قَولِهِم: إنَّ للهِ أنْ يُعذِّبَ مَنْ لمْ يُكلِّفْهُ لِعِبادَتهِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأنَّ كلَّ شَيءٍ مِلكُهُ، فلَوْ عَذَّبهُم لَكَانَ غَيرَ ظَالمٍ. انْتَهَى.
وَأهْلُ السُّنةِ إنَّمَا تَمسَّكُوا فِي ذلِكَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، و ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨) ﴾ [الحج: ١٨] وَغَيرِ ذلِكَ، وهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِهةِ الجَوَازِ، وَأمَّا الوُقُوعُ فَفِيهِ نَظرٌ.
وَلَيسَ فِي الحَدِيثِ حجَّةٌ؛ لِلِاخْتِلافِ فِي لَفظِهِ، وَلِقبُولِهِ التَّأْوِيلَ. وقدْ قَالَ جَماعَةٌ منَ الأَئِمَّةِ: إنَّ هَذَا المَوضِعَ مَقْلوبٌ، وَجَزمَ ابنُ القَيِّمِ بأَنَّهُ غَلطٌ، وَاحْتجَّ بِأنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبرَ بِأنَّ جَهنَّمَ تَمْتلِئُ مِنْ إِبْليسَ وَأَتْباعِهِ.
وَكَذا أَنْكرَ الرِّوايَةَ شَيخُنَا البُلْقينِيُّ وَاحْتجَّ بِقَولهِ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) ﴾ [الكهف: ٤٩] ثمَّ قَالَ: وَحَملُهُ عَلَى أَحْجارٍ تُلقَى فِي النَّارِ أَقْربُ مِنْ حَملِهِ عَلَى ذِي رُوحِ يُعذَّبُ بِغَيرِ ذَنبٍ. انْتَهَى.
وَيُمكِنُ الْتِزامُ أنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الأَرْواحِ، وَلَكنْ لَا يُعذَّبُونَ كَمَا فِي الخَزَنةِ، وَيَحتَملُ أنْ يُرَادَ بِالإِنْشاءِ ابْتِداءُ إِدْخالِ الكُفَّارِ النَّارَ، وَعبَّرَ عَنِ ابْتِداءِ الإِدْخالِ بِالإِنْشاءِ، فهُوَ إِنْشاءُ الإِدْخَالِ، لَا الإِنْشاءُ بِمَعنَى ابْتِداءِ الخَلقِ؛ بِدَلِيلِ قَولِهِ: «فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» وَأَعادَها ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ قَالَ: «حَتَّى
стр. 182
يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَحِينَئِذٍ تَمْتَلِئُ». فَالَّذِي يَملَؤُها حَتَّى تَقُولَ: حَسْبِي هُوَ القَدمُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الخَبرِ، وَتَأوِيلُ القَدمِ قدْ تَقدَّمَ، وَاللهُ أَعلَمُ.
وَقدْ أَيَّدَ ابنُ أَبِي جَمرَةَ حَملَهُ عَلَى غَيرِ ظَاهِرهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ﴾ [المطففين: ١٥]؛ إذْ لَو كَانَ عَلَى ظَاهِرهِ لَكَانَ أَهْلُ النَّارِ فِي نَعِيمِ المُشَاهَدةِ، كَمَا يَتَنعَّمُ أَهْلَ الجَنةِ بِرُؤيَةِ رَبِّهمْ؛ لِأنَّ مُشَاهدَةَ الحَقِّ لَا يَكُونُ مَعَها عَذَابٌ.
وقَالَ عَيَاضٌ: يَحتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعنَى قَولِهِ عِنْدَ ذِكرِ الجَنَّةِ: «فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا» أنَّهُ يُعذِّبُ مَنْ يَشَاءُ غَيرَ ظَالِمٍ لَهُ، كَمَا قَالَ: «أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»، وَيَحتَملُ أنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى تَخَاصُمِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإنَّ الَّذِي جَعلَ لِكُلٍّ مِنْهُما عَدْل وَحِكمَة، وَبِاسْتِحقَاقِ كُلٍّ مِنهُم مِنْ غَيرِ أنْ يَظلِمَ أَحدًا.
وَقَالَ غَيرُهُ: يَحتَملُ أنْ يَكُونَ ذلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّلمِيحِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) ﴾ [الكهف: ٣٠]؛ فَعبَّرَ عَنْ تَركِ تَضْيِيعِ الأَجرِ بِتَركِ الظُّلمِ، وَالمُرَادُ: أنَّهُ يَدخُلُ مِنْ أَحْسَنِ الجنَّةِ الَّتِي وَعدَ المُتَّقِينَ بِرَحمَتهِ، وَقدْ قَالَ لِلجَنَّةِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي»، وَقَالَ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وَبِهذَا تَظهَرُ مُنَاسَبةُ الحَدِيثِ لِلتَّرجَمةِ وَالعِلمِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. وَفِي الحَديثِ دَلَالةٌ عَلَى اتِّسَاعِ الجَنةِ وَالنَّارِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: وَالمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كلِّهِ: أنَّ اللَّفْظَ هَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ وَهْمٌ، وَانْقلَبَ عَلَى الرَّاوِي بِلَا شَكٍّ، وَتَدلُّ عَليْهِ الرِّوَايَةُ الأُخْرَى المَحْفُوظَةُ: «فَأَمَّا الجَنَّةُ -فِيهَا فَضْلٌ- فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا»، وهَذَا هُوَ المُطَابقُ لِرَحمَتهِ وَفَضلِهِ
стр. 183
وَإِحْسانِهِ، وَأمَّا النَّارُ فَلَا يَسْتحِقُّهَا إلَّا مَنْ سَبقَ مِنهُ أَعْمالٌ تُوجِبُ ذلِكَ، وهَذَا مُقْتضَى رَحْمتِهِ وَعَدلِهِ .
وَأمَّا القَدمُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْويلِ، وَقَولُ المُؤوِّلِينَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بَاطِلٌ، وَلَيسَ هُنَاكَ تَأْويلٌ لَهُ، بِخِلافِ مَا هُوَ عَلَيهِ، فهُوَ القَدَمُ المَعْرُوفُ -قَدمُ اللهِ وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «رِجْلَهُ». فَإِحدَى الرِّوَايَتيْنِ تُفسِّرُ الأُخْرَى، فهُوَ يُوصَفُ بِالقَدمِ كَمَا يُوصَفُ بِاليَدِ ، وَبِالأَصَابعِ وَالسَّمعِ وَالبَصرِ، فهُوَ لَهُ قَدمٌ وَلَهُ يَدٌ، وَلهُ أَصَابعُ، وَلهُ نَفْسٌ، كُلُّها تَلِيقُ بِهِ لَا يُشابِهُ فِيهَا خَلْقَهُ جل وعلا، فَكَمَا أنَّ اليَدَ وَالسَّمعَ وَالبَصَرَ وَبَقيَّةَ الصِّفَاتِ لَا يُشَابهُهُ فِيهَا شَيءٌ وَهِي حَقٌّ، فَهكَذَا لَفظُ: «القَدَمِ» وَ «الرِّجْلِ» وَصفٌ لَائقٌ بِاللهِ لَا يُشَابِههُ فِيهِ شَيءٌ .
وَأمَّا التَّأْويلُ فَبَاطلٌ، التَّأْويلُ بِأنَّهُم خَلقٌ يُلْقَونَ فِي النَّارِ هَذَا لَا وَجهَ لَهُ.
مَا قَالهُ عِياضٌ، بِأنَّ أَحدَ مَا قِيلَ فِي تَأْويلِ القَدمِ أنَّهُم قَومٌ تَقدَّمَ فِي عِلمِ اللهِ أنَّهُ يَخْلُقهُم؟
عَلَى كلِّ حَالٍ بَاطِلٌ، كَلَامُ عِيَاضٍ بَاطِلٌ، كَلَامُ عِيَاضٍ أَوْ غَيرِهِ مِمَّنْ تَأوَّلَ الحَدِيثَ، كلُّهُ بَاطِلٌ، وَالحَقُّ مَا قَالَهُ أَئمَّةُ السُّنَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ القَدَمِ للهِ، وَأنَّهُ المُرَادُ، مَا يَضرُّهُ سُبْحانَهُ شَيءٌ (قَدَمَهُ فِي النَّارِ) لَا يَضرُّهُا شَيءٌ، هُوَ الخَالِقُ لِلنَّارِ وَالقَادِرُ عَلَيْها وَالمُتصَرِّفُ فِيهَا، فَلَا يَضرُّهُ شَيءٌ مِنْ خَلقِهِ .
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، قَولُهُ: «فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا» هَذَا فِي الرُّؤيَةِ؟
هَذَا صَرِيحُ القُرْآنِ، نَعمْ.
* * *
стр. 184
بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]
٧٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] (١) .
سَبقَ هَذَا، نَعَمْ، وَفِيهِ إِثْباتُ الأَصَابِعِ، خِلَافًا لِلْجَهمِيَّةِ وَالمُعتَزلَةِ وَمَنْ أوَّلَ الصِّفَاتِ، هذِهِ الأَخْبَارُ شذًى فِي حُلُوقِهِم وَعَليْهِم فِي النَّارِ -نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ- لِفَسادِ القُلُوبِ، وَفَسادِ الضَّمَائرِ، وَسُوءِ العَقَائدِ يَأْنفُونَ مِنْ هذِهِ الأَخبَارِ؛ لِأنَّ قُلُوبَهُمْ تَنفِرُ مِنْهَا، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
اللهُ جل وعلا جَعلَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ السُّنَّةِ البَصِيرَةَ وَالهُدَى وَالنُّورَ؛ حَتَّى الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٧٨٦) .стр. 185
قَبِلَتِ الحَقَّ، وَأَقرَّتْ بِهِ وَدَعتْ إِليْهِ، وَأَنْكرَتْ عَلَى مَنْ خَالَفهُ.
وَأيُّ مَحْذُورٍ فِي وَصفِهِ سُبْحانَهُ بِمَا أَخْبرَ بِهِ عَنْ نَفْسهِ: مِثلِ يَدهِ، وَأَصَابِعهِ، وَقَدمِهِ، وَسَمعِهِ، وَبَصرِهِ، وَغَيرِ ذَلِك؟!
هَذِه الصِّفَاتُ هِيَ الَّتِي اقْتَضتْ أنَّهُ الحَكِيمُ، وَأنَّهُ الإِلَهُ الحقُّ، وَأنَّهُ المُستَحِقُّ لِلعِبَادةِ، فَإِلهٌ لَيسَ لَهُ صِفَاتٌ عَدمٌ؛ وَلِهذَا قَالَ أَئمَّةُ السَّلفِ: إنَّ مَدَارَ قَولِ الجَهْميَّةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجهِمْ مَدَارُهَا أنَّهُم يَقُولُونَ: لَا شَيءَ، لَيسَ هُناكَ إِلهٌ يُعْبَدُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ النَّفيُ وَالتَّعْطيلُ، نَسْألُ اللهَ العَافِيةَ.
أَحْسنَ اللهُ إِليْكَ، التَّرْجمَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] وَالحَدِيثُ فِي إِثْباتِ الأَصَابعِ؟
قَولُهُ: «أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟» يَعنِي: هُوَ الَّذِي أَمْسَكَهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخرَى: «يَطْوِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ … » إلخ. إِشَارةٌ إِلَى بَقيَّةِ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أنَّهُ المُتَصرِّفُ فِيهَا سُبْحانَهُ، وَلَو تَركَهَا لَهَلكَتْ، أيِ: انْدَكَّتْ، وَهُو عَادَتُهُ أنْ يُشِيرَ بِالرِّوَايةِ إِلَى الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى. ثمَّ هُوَ الَّذِي جَعَلَ هُوَ الَّذِي أَمْسَكَ وَجَعلَهُ .... (١) يَومَ القِيَامةِ، كمَا أَمْسكَها فِي الدُّنْيَا.
أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ، التَّردُّدُ «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ» نِسبَتُهُ للهِ؟
هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ الحواشي
(١) كلمة غير واضحة لعلها: في يده.стр. 186
عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، ولَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» (١) . تَردُّدٌ يَلِيقُ بِجَلالِهِ وَعَظمَتهِ، لَيسَ مِنْ جِنسِ تَردُّدِنَا، كَسَائرِ الصِّفَاتِ، لَيسَ تَردُّدَ شَكٍّ وَلَا جَهلٍ، وَإنَّمَا هُوَ لِحِكمَةٍ بَالِغةٍ .
تَفْسِيرُهُ بِأنَّهُ تَعَارُضُ إِرَادَتَينِ؟
الأَولَى -مِثلُ مَا تَقدَّمَ- يَلِيقُ بِاللهِ، اللهُ أَعلَمُ بِكَيفِيَّتهِ، لَا نَعْلمُ كَيفِيَّتَهُ، لَكِن لَيسَ مِثلَ تَردُّدِنَا؛ لِأنَّ تَردُّدَنا يَكُونُ عَنْ جَهلٍ وَعَنِ اشْتِباهٍ عِنْدَنَا وَشكٍّ، أمَّا هُوَ سُبْحانَهُ فهُوَ العَلِيمُ بِكلِّ شَيءٍ وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كلِّ شَيءٍ وَلَا يَغِيبُ عَنْ عِلمِهِ شَيءٌ . فَتَردُّدُهُ لِمَعنًى آخَرَ لَيسَ مِنْ جِنسِ حَالِنَا، اللهُ أَعْلمُ بِهِ هوُ، وَأَعلَمُ بِكيَفيَّةِ صِفَاتهِ .
* * * الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٥٠٢) .стр. 187
بابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِنَ الخَلَائِقِ
وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، وَهُوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ
٧٤٥٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا؛ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، أَوْ بَعْضُهُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ (١) . الحواشي
(١) ورواه مسلم(٧٦٣) .стр. 188
وَهذَا يُبيِّنُ أنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ كُلِّها مَخْلوقَةٌ للهِ ، فَاللهُ هُوَ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلوقٌ؛ وَلِهذَا قَالَ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. هَذَا مُرَادُ البُخارِيِّ ﵀: أنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ كُلِّها مَفْعُولَاتٌ مَخْلوقَةٌ للهِ ، منَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ وَالبِحَارِ وَبَنِي آدَمَ وَالجِنِّ وَالمَلائِكَةِ وَغَيرِ ذَلِك، فَلهُ الخَلقُ وَلَهُ الأَمرُ، فَمَا كَانَ مِنْ تَخْلِيقهِ وَأَمرِهِ فِي هَذَا العَالَمِ فهُوَ مَخْلوقٌ، وَصِفاتُهُ وَكَلامُهُ كَذاتِهِ غَيرُ مَخْلوقٍ، فهُوَ الخَلَّاقُ .
وَاللهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ وَالصِّفَاتِ جَمِيعًا، اسْمٌ لِلذَّاتِ الَّتِي هِيَ مَوصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ، مَوصُوفَةٌ بِأنَّها خَالِقةٌ، مَوصُوفَةٌ بِأنَّهَا رَازِقةٌ، مَوصُوفَةٌ بِالرِّضَا وَالغَضَبِ وَالعِلمِ وَالسَّمعِ وَالبَصرِ وَالكَلَامِ وَغَيرِ ذلِك، وَاللهُ بِصِفاتِهِ هُوَ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ منَ المَفْعولَاتِ وَالمَوْجُودَاتِ مَخْلُوقٌ لَهُ فَلَهُ الخَلقُ وَلهُ الأَمْرُ، فَالأَمرُ أَمرُهُ وَالخَلْقُ خَلقُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وَالأَمرُ يُطلَقُ عَلَى الكَلَامِ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ﴾ [يس: ٨٢]، وَيُطلَقُ عَلَى أَشْياءَ أُخْرَى منَ الشُّؤونِ، فَمَا كَانَ منَ القَولِ فهُوَ كَلَامُهُ وَصِفاتُهُ، وَمَا كَانَ منَ المَخْلوقَاتِ فهُوَ مَخْلُوقٌ.
وكَذلِكَ هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ، حَدِيثُ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ فِي نَومِهِ عِنْدَ خَالَتهِ مَيْمُونةَ ﵂؛ لِيَنظُرَ صَلاةَ النَّبيِّ ﷺ فِيهِ فَوائِدُ:
مِنْهَا: جَوَازُ نَومِ الصَّبيِّ عِنْدَ الرَّجلِ وَأَهلِهِ إِذَا كَانَتِ المَرأَةُ مَحْرمًا لهُ؛ لِيَنظُرَ
стр. 189
إِذَا كَانَ هُناكَ مَصْلحَةٌ شَرعِيَّةٌ، فَإنَّ ابْنَ عبَّاسٍ ﵄ كَانَ لمْ يَبلُغِ الحُلُمَ حِينَ مَاتَ النَّبيُّ ﷺ ، وَكَانَ كَبِيرًا بِلْ نَاهَزَ الاحْتِلامَ (١) ، وَأقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَنَامَ عِنْدَ خَالَتهِ مَيمُونَةَ ﵂.
وَفِيهِ منَ الفَوَائدِ: أنَّ الرَّجُلَ يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشهِ، يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ وَيُؤنِسُهمْ، وَلَا يَكُونُ حَرِيصًا عَلَى النَّومِ مُبَاشَرةً، بلْ يَتَحدَّثُ مَع أَهلِهِ وَيُؤنِسُهم، وَيَتكلَّمُ مَعَهُم بِمَا يُنَاسِبُ المَقَامَ إِينَاسًا وَإِحْسَانَ مُعَاشَرةٍ، ثمَّ يَنَامُ بَعدَ ذلِكَ.
وَفِيهِ منَ الفَوَائدِ: أنَّهُ إِذَا قَامَ منَ النَّومِ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ يَقْرأُ هذِهِ الآيَةَ؛ وَلِهذَا رَفعَ بَصرَهُ إِلَى السَّمَاءِ ﵊ وَقَرأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وَجَاءَ فِي رِوَايةٍ: أنَّهُ كَمَّلَ الآيَاتِ إِلَى أنْ خَتَمهَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَهِيَ آيَاتٌ عَظِيمَةٌ يُسْتحَبُّ لِمنْ قَامَ منَ النَّومِ أنْ يَقْرأَهَا، كَمَا قَرَأهَا النَّبيُّ ﵊، لِمَا فِيهَا منَ العِظَةِ وَالذِّكرَى وَالتَّذْكيرِ بِآيَاتِ اللهِ جل وعلا وَذِكرِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهلِ الجنَّةِ وَأَهلِ النَّارِ.
وَفِيهِ مِنَ الفَوَائدِ: أنْ يَسْتَنَّ، إِذَا قَامَ منَ النَّومِ يَسْتَنُّ، يَعنِي: يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ، يَتَسوَّكُ عِنْدَ قِيَامهِ مِنَ النَّومِ، عِنْدَ صَلَاتهِ، عِنْدَ وُضُوئهِ، قَالَ حُذَيفَةُ ﵁: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا قَامَ منَ اللَّيلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (٢) . وَفِي الحَدِيثِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٣) ، «وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (٤) . الحواشي
(١) أي قارب الاحتلام، كان عمره ثلاثة عشر عامًا.(٢) رواه البخاري(٢٤٥) ، ومسلم(٤٦) .(٣) رواه مسلم(٤٢) .(٤) رواه أحمد في «المسند»(٧٥١٣) ، والبخاري قبل حديث(١٩٣٤) .стр. 190
وَفِيهِ: أنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَهجَّدُ منَ اللَّيْلِ، إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أوْ قَبلَهُ بِقَلِيْلٍ أوْ بَعدَهُ بِقَلِيْلٍ ﵊، وَيُطِيلُ القِرَاءَةَ، وَيُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيُصلِّي إِحْدَى عَشْرةَ فِي الغَالِبِ، وَرُبَّما صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرةَ، وَرُبَّما صَلَّى تِسعًا، وَرُبَّما صَلَّى سَبعًا، عَلَى حَسبِ التَّيسِيرِ.
إِذَا اسْتَعملَ الصَّابُونَ وَغَسلَ فَمَهُ بِالصَّابُونِ بَدلَ السِّوَاكِ؟
الصَّابُونُ لَا بَأسَ، الصَّابُونُ أوْ غَيرُ الصَّابُونِ لَا بَأسَ، لَكِنِ السُّنَّةُ السِّوَاكُ عِنْدَ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، السِّوَاكُ، ولَكنِ الصَّابُونُ وَمَا أَشْبَههُ -مِثلُ الفُرشَةِ وَأَشْباهِهَا- هَذَا مِنْ بَابِ تَنظِيفِ الأَسْنَانِ فِي الأَوْقَاتِ المُنَاسِبةِ، أمَّا عِنْدَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الوُضُوءِ فَالسُّنةُ السِّوَاكُ.
قَبلَ الوُضُوءِ؟
نَعمْ، عِنْدَ المَضْمضَةِ وَعِنْدَ بَدءِ الصَّلَاةِ.
* * *
стр. 191
بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]
٧٤٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (١) .
فِي اللَّفظِ الآخَرِ: «كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ : إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (٢) ، وهَذَا مِمَّا يَدعُو إِلَى الرَّجَاءِ وَحُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ ، وَأنَّ رَحمَتهُ تَغلِبُ غَضَبهُ، وَأنَّ عَفْوهُ يَغلِبُ انْتِقامَهُ، وهَذَا مِمَّا يُوجِبُ حُسنَ الظَّنِّ بِاللهِ، وَالرَّجَاءَ وَعَدمَ القُنُوطِ، وفِي الحَدِيثِ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي وَدَعَانِي … » (٣) .
وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ يَقُولُ ﷺ : «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٧٥١) .(٢) وواه البخاري(٧٤٢٢) .(٣) رواه البخاري(٧٤٠٥) ، ومسلم(٢٦٧٥) ، ولفظة: «ودعاني» ليست عند البخاري ولا مسلم.стр. 192
يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ». أَخْرجَهُ مُسلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» (١) .
٧٤٥٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: «أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعَةِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (٢) .
(الشَّيخُ): فِي النُّسخَةِ الأُخْرَى: (بِأَرْبَعَةِ كَلِمَاتٍ) بِالتَّاءِ؟
(القَارِئُ) قَالَ فِي «عُمْدة القَارِي»: «بَأَرْبَعِ».
(الشَّيخُ) نبَّه عَلَيهِ الشَّارِحُ أوْ مَا نبَّهَ، العَينِيُّ نبَّهَ؟ لَعلَّهَا رِوَايةٌ، المَعْرُوفُ فِي الرِّوَايةِ: «أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ» بِالتَّأنِيثِ. الحواشي
(١) رواه مسلم(٨١) .(٢) ورواه مسلم(٢٦٤٣) .стр. 193
(الشَّيخُ): ضَبَطَها (فيَكْتُبُ أو فيُكتَبُ) مَا ضَبطَهَا أَحَدُهمَا، العَينِيُّ أوِ الحَافِظُ؟
إنْ كَانَ العَطفُ عَلَى «شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ» يَقْتضِي الرَّفعَ، «فيُكْتَبُ». يَصحُّ هَذَا وهَذَا «يكْتبُ» مَبنِيٌّ لِلمَعْلومِ مثلُ (قُضِي الأَمرُ وَقَضَى اللهُ الأَمرَ) وَيَجُوزُ هذَا.
وَشقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ هُنَا عَفَا اللهُ عَنكَ؟
وشَقِيٌّ خَبرُ مُبتَدأٍ مَحْذوفٍ، وهُوَ شَقِيٌّ.
وَالمَعنَى: أنَّ النَّاس مُيَسَّرُونَ لِمَا خُلِقُوا لَهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَسبِقُ عَليْهِ عَملُ أَهْلِ النَّارِ -وَلوْ كَانَ فِي آخِرِ حَيَاتهِ- وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ كَذلِكَ، كَمَا ثَبتَ فِي «الصَّحِيحَينِ» مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ فِي بَعضِ خَرجَاتِهِ مَع الجَنائِزِ عِنْدَ القَبرِ وَهُمْ جَالِسُونَ قَالَ: «مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». قَالُوا: فَفِيمَ العَملُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثمَّ تَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) ﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١) .
وَفِي الرِّوَايةِ الأُخْرَى فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» (٢) ؛ لِأنَّ بَعضَ النَّاسِ قَدْ يَعمَلُ بِعَملِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ، وفِي البَاطِنِ بِخِلافِ ذَلِك، الحواشي
(١) رواه البخاري(٤٩٤٥) .(٢) رواه البخاري(٢٨٩٨) ، ومسلم(١٧٩) .стр. 194
كَأهْلِ النِّفَاقِ، وَبَعضَ النَّاسِ يَعمَلُ بِعَملِ أَهْلِ النَّار فِي ظَاهِرِ مَا يَرَاهُ النَّاسُ، وَيَكُونُ قَدِ ابْتُلِيَ بِالشُّرُورِ، ثمَّ يَمُنُّ اللهُ عَليْهِ بِالتَّوبَةِ وَيَرجِعُ إِلَى اللهِ، كَمَا هُوَ وَاقِعٌ مِنْ جَمٍّ غَفِيرٍ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ أَسْلمُوا فِي آخِرِ حَيَاتِهِم.
(الشَّيخُ): تَكلَّمَ الشَّارِحُ عَلَى آخِرِ الحَدِيثِ أوِ العَينِيُّ؟
[قَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ فِي «عُمدَة القَارِي» (٢٥/ ١٤٠)]: «قَوْله: «إلَّا ذِرَاعٌ» المُرَادُ بِهِ: التَّمَسُّكُ بِقُرْبِهِ إِلَى المَوْتِ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْأَعْمَال منَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ، وَأَنَّ مَصِيرَ الْأَمرِ فِي الْعَاقِبَةِ إِلَى مَا سَبقَ بِهِ الْقَضَاءُ وَجرَى بِهِ التَّقْدِيرُ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابْنُ بَازٍ ﵀: يُمكِنُ نبَّهَ فِي القَدَرِ.
٧٤٥٥ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا»، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: كَانَ هَذَا الجَوَابَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وَهذَا [الحَدِيثُ] احْتَجَّ بِهِ العُلَماءُ عَلَى اسْتِحْبابِ اسْتِضافَةِ الأَخْيارِ وَطَلبِ
стр. 195
مَجِيئِهِم، وَطَلبِ الاسْتِكثَارِ مِنْ زَيارَتِهِم؛ لِأنَّ زِيَارَةَ الأَخْيارِ لَا تَأتِي إلَّا بِخَيرٍ، منَ التَّذكِيرِ بِاللهِ وَالتَّوجِيهِ إِليْهِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَمَعلُومٌ أنَّ جِبْرائِيلَ ﵇ يَأتِي بِالخَيرِ وَبِالوَحيِ؛ وَلِهذَا قَالَ ﵊: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا»؛ فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ، وَأنَّ المَلائِكَةَ بِأمْرِ اللهِ لَا يَتَصرَّفُونَ إلَّا بِأمْرِهِ ؛ وَلِهذَا قَالَ : ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) ﴾ [مريم: ٦٤]» .
٧٤٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ (١) ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى العَسِيبِ وَأَنَا خَلْفَهُ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ (٢) .
وَهذَا مِنَ الأَمرِ المَخْلُوقِ، يَعنِي: مَخْلوقَاتِ الرَّبِّ الَّتِي يَعْلمُهَا سُبْحانَهُ؛ الحواشي
(١) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وفي غيره: «لَا تَسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَسَأَلُوهُ».(٢) ورواه مسلم(٢٧٩٤) .стр. 196
لِأنَّ الأَمرَ وَالإِذْنَ وَنَحوَ ذلِكَ تُطلَقُ عَلَى المَخْلوقَاتِ وَالمَأْمُورَاتِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الكَلَامِ.
فَالكَلَامُ غَيرُ مَخْلُوقٍ، وَالمَخْلوقَاتُ مَفْعُولَاتٌ مَخْلوقَةٌ، وَالمَعنَى: أنَّ مِنْ مَخْلوقَاتِهِ الَّتِي يَعلَمُهَا سُبْحانَهُ وهُوَ الحَاكِمُ فِيهَا وَالمُتصَرِّفُ فِيهَا.
بِخِلافِ الأَمرِ فِي الآيَةِ؟
بِخِلافِ الأَمرِ فِي الآيَةِ وهُوَ القَولُ.
٧٤٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (١) .
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، هَذَا فَضلٌ عَظِيمٌ لِلمُجَاهِدينَ، اللهُ أَكْبَرُ.
٧٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ الحواشي
(١) ورواه مسلم(١٨٧٦) .стр. 197
صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (١) .
يَعنِي: الجِهَادَ الشَّرعِيَّ، مَنْ قَاتَلَ بِهذِهِ النِّيَّةِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَسَبِيلِهِ وَإِخْراجِ النَّاسِ منَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَنَشرِ دَينِ اللهِ، لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعةً وَلَا حَمِيَّةً، هَذَا هُوَ المُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلهُ الأَجرُ العَظِيمُ وَالفَضلُ العَظِيمُ.
وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَخَصُّ منَ الشَّهَادةِ، وَالشَّهَادةُ أَوْسَعُ (المَطْعُونُ، وَالمَبْطونُ، وَالغَرِيقُ، وَالهَدْمُ) كُلُّ هَؤُلاءِ شُهَداءُ، لكِنِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ الَّذِي يُقاتِلُ لِأَجلِ نَصرِ دِينِ اللهِ، وَإِخْراجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، هَذَا يُقَالُ لَهُ: جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَأمَّا مَا يَتعَلَّقُ بِالشَّهَادةِ وَالأَجْرِ فَهَذَا أَوْسَعُ؛ وَلِهذَا مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهلِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ عِرْضِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتلَ دُونَ دَمِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ ﵀ أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ الرَّجُلَ يُرِيدُ مَالِي؟ قَالَ: «لَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: فَإنْ قَاتَلنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» فَقَالَ: فَإنْ قَتَلنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ». قَالَ: فَإنْ قَتلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» (٢) . الحواشي
(١) ورواه مسلم(١٩٠٤) .(٢) رواه مسلم(٢٥٥) .стр. 198
فَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَلكِنِ الَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ الَّذِي يُقاتِلُ وَيَبعَثُهُ عَلَى القِتَالِ، قَصَدَ دِينَ اللهِ وَإِخْراجَ النَّاسِ منَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، هَذَا هُوَ الجِهَادُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الدَّرَجاتِ فِي الجِهَادِ، وهُوَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ صِدْقًا وَإِخْلاصًا. لَا لِحظٍّ آخَرَ.
مَنِ الَّذِي أَخْرجَها؟
مُسلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁.
* * *
стр. 199
بابٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠]
٧٤٥٩ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ» (١) .
٧٤٦٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ (٢) ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» (٣) .
هَذَا مِنَ البِشَارَةِ العَظِيمَةِ لهَذِه الأُمَّةِ، وَأنَّه لا يَزَالُ فيها مَنْ يَقُومُ بِأمرِ اللهِ ويَنصُرُ الحَقَّ إلى أن يَأتِيَ أَمرُ اللهِ بِقَبضِ أَروَاحِ المُؤمِنِينَ والمُؤمِنَاتِ، وعند ذَلكَ لا يَبقَى إلا الأَشْرَارُ فَعَلِيهم تَقُومُ السَّاعَةُ؛ ولِهذَا قَالَ: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ»، الحواشي
(١) ورواه مسلم(١٩٢١) .(٢) كذا في «الفتح»، وفي «عمدة القارئ» وفي غيره: «وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ».(٣) ورواه مسلم(١٠٢٧) .стр. 200
«لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم».
وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ خَذَلَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهُ» (١) .
وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي على الحَقِّ مَنصُورَةً» (٢) .
والأَلفَاظُ مُتَقَارِبةٌ، هم: «قَومٌ، طَائفَةٌ، وأُمَّةٌ قَائمَةٌ» كُلُّ هَذِه أَلفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ.
والمَعنَى: أَنَّه لا يَزَالُ في هَذِه الأُمَّةِ مَنْ يَنْصُرُ دِينَ اللهِ، ويَقُومُ بِأَمرِ اللهِ ويَدعُو إلى اللهِ -وإن قَلُّوا في بِعْضِ الجِهَاتِ لا يَلزَمُ أن يَكُونَوا في مَكَانٍ وَاحِدٍ، قد يَكُونُونَ في جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ- حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ.
والوَاقِعُ شَاهِدٌ بذَلِكَ اليَومَ، وهَكَذَا بعدَ اليَومِ حَتَّى يَتِمَّ أَمرُ اللهِ الَّذي وَعدَ به رَسُولَهُ ﵊، وذَلكَ بأن يُرسِلَ اللهُ رَيحًا طِيَّبةً فَتقِبِضُ أَروَاحَ المُؤمِنِينَ، ولا يَبقَى إلا الأَشرَارُ فعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ.
فَالسَّاعَةُ لا تَقُومُ إلا على الأَشرَارِ، على من لا يَقُولُ في الأَرضِ: «الله، الله»، بل يَبقُونَ في كُفرِهِم وضَلَالِهِم، ويَعُودُونَ إلى عِبَادةِ الأَوثَانِ والأَصنَامِ، وتَمرجُ عُهُودُهُم وأَحوَالُهم، ويَكُونُونُ أَشبَهَ بِالبَهَائِمِ وبذَلكَ تَقُومُ عَلَيهِم السَّاعَةُ، يَعْنِي يَنفُخُ اللهُ في الصُّورِ وتَقُومُ القِيَامَةُ التي أَخبرَ اللهُ بها في كِتَابهِ جلا وعلا.
فإذا كَانَ الأَمرُ هَكَذَا فَيَنبَغِي لِأهلِ العِلْمِ والإِيمَانِ وأَهلِ البَصِيرَةِ وأَهلِ البَصَائرِ أن يَغتَنِمُوا الفُرصَةَ، وأنْ يَستَغِلُّوا وَقتَهُم في الدَّعْوَةِ إلى اللهِ ونَشْرِ الحَقِّ، والصَّبرِ على ذَلكَ، وبَيَانِ البَاطِلِ وتَزيِيفِهِ والتَّحذِيرِ منه؛ حَتَّى يَدخُلَ في هَذِه الطَّائِفَةِ، مَنْ قَامَ بهَذَا دَخَلَ في هَذِه الطَّائِفَةِ، سَوَاءٌ كَانَ في شَرقِ الأَرضِ أو الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٦٤١) ، ومسلم(١٧٤) .(٢) رواه البخاري(٣٦٤٠) ، ومسلم(١٥٦) بنحوه، ورواه ابن حبان في «صحيحه»(٦٧١٤) ، واللفظ لابن حبان.стр. 201
في غَربِهَا أو في جَنُوبِهَا أو شَمَالِهَا.
مَنْ قَامَ بهَذِه المُهِمَّةِ -وهي الدَّعوَةُ إلى اللهِ، وإِظهَارُ الحَقِّ، ونَصرُهُ وبَيَانُه للنَّاسِ- ولو كَانَ وَاحِدًا في قَرِيةٍ، أو وَاحِدًا في مَدِينَةٍ، أو في إِقلِيمٍ أو في قَبِيلَةٍ، يَعمُّهُ هَذَا الخَيرُ وهَذَا الفَضلُ، ويَكُون مِنْ الغُربَاءِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ ﵊: «فَطُوبَى للغُرَبَاءِ»، قِيلَ: ومَنِ الغُرَبَاءُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إذا فَسدَ النَّاسُ» (١) وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «يُصْلِحونَ ما أَفسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي» (٢) ، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «هم النُّزَّاعُ مِنْ القبَائِلِ» (٣) وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «هم أُناسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ في أُناسِ سُوءٍ كَثِيرٍ» (٤) .
هَؤلَاءِ همُ الغُربَاءُ، وهم دُعَاةُ الحَقِّ، وهم أَنْصَارُ الهُدَى، وهمُ المُشَارُ إليهم في هَذِه الأَحَادِيثِ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَتِّي على الحَقِّ مَنصُورَةً» (٥) ، «لا يَزَالُ قَومٌ ظَاهِرِين حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ» (٦) . «لا تَزَالُ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأمِرِ اللهِ لا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم ولا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ» (٧) هم هَؤلَاءِ، سَواءٌ اجْتَمَعُوا في مَكَانٍ، أو اخْتَلَفُوا، أو تَنَوَّعُوا، أو تَفَرَّقُوا. الحواشي
(١) رواه ابن بطة في «الإبانة»(٥٣١) ، واللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة»(١٧٤) .(٢) رواه الترمذي(٢٦٣٠) .(٣) رواه أحمد في «المسند»(٣٧٨٤) ، وابن ماجه(٣٩٨٨) .(٤) رواه أحمد في «المسند»(٦٦٥٠) .(٥) رواه ابن ماجه(١٠) .(٦) رواه البخاري(٣١١٦) ، ومسلم(١٧٠) .(٧) رواه البخاري(٧٤٦٠) .стр. 202
المَقْصُودُ: أَنَّهم هم هَؤلَاءِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ دِينَ اللهِ، ويَدْعُونَ إلى اللهِ، لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم ولا مَنْ خَالَفَهُم، ولا يَضُرُّهُم مَنْ كَذَّبَهُم، ولا مَنْ سَخِرَ بهم، والوَاجِبُ عَلَيهِم الصَّبرُ لا يَهتَمُّونَ بمن كَذَّبَ أو خَذَّلَ أو سَخِرَ أو اسْتَهزَأَ، لا يُهمُّهُم ولا يَلتَفِتُون إليه، فقد سَخِرَ أَقوَامُ الأَنبِيَاءِ بِالأنبِياءِ ﵈ ولم يَضُرُّهُم ذَلكَ، ولم يَثنِهم عن دَعَوتِهِم إلى اللهِ، وقد استَهزَأَ أَهْلُ مَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كما اسْتَهزَأَ المُنَافِقُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، واليَهُودُ كذَلكَ اسْتَهزَؤوا به، فَمَا ضَرَّه ذَلكَ، صَدَعَ بِأمِرِ اللهِ، وقَامَ بِأَمرِ اللهِ، وصَبرَ على ذَلكَ حَتَّى أَظهَرَهُ اللهُ على الدِّينِ كُلِّهِ.
وهَكَذَا مَنْ قَبلَهُ مِنْ الرُّسُلِ ﵈ صَبَرُوا ونَجَحُوا وأَفلَحُوا، ومَن أُوذِيَ مِنْهُم زَادَهُ اللهُ كَرَامَةً وَرِفعَةً ودَرَجَاتٍ، ومَن قُتِلَ كذَلكَ.
* * *
«فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا، يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ».
والمَعنَى: أَنَّهُمْ يَكُونُونَ بِالشَّامِ يومًا ما، أو دَهْرًا ما، ولكن لا يَلزَمُ ذَلكَ في كُلِّ وَقتٍ، قد يَكُونُ في الشَّامِ طَائِفَةٌ، وفي البِلَادِ الأُخْرَى طَوَائِفُ كما هو الوَاقِعُ الآنَ.
الآن في أَمرِيكَا، في آسِيَا على طُولِهَا وعَرضِهَا، في أَفرِيقِيَا، في أُورُوبَّا دُعَاةٌ للحَقِّ، وأَنصَارٌ للحَقِّ، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم ولا مَنْ خَذَلَهم، وهَذَا الوَاقِعُ شَاهِدٌ لهَذِه الأَحَادِيثِ، وهَذِه الحَركَةُ الجَدِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ واليَقظَةُ الإِسلَامِيةُ
стр. 203
شَاهِدٌ لِهذَا الأَمرِ.
حَفِظَك اللهُ يا شَيخُ، قَولُهُ: «لا تَزَالُ» ما يُفِيدُ الدَّيمُومَةَ والاسْتِمرَاريَّةَ؟
نعم، إلى أن يَأْتِيَ أَمرُ اللهُ، لكنْ يَكثُرُونَ في مَكَانٍ ويَقِلُّونَ في مَكَانٍ، ويَكثُرُونَ في زَمَانٍ ويَقِلُّونَ في زَمَانٍ، أَمرُهُم يَتَنَوَّعُ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «ظَاهِرِينَ على النَّاسِ» يَعْنِي النَّاسَ الَّذِينَ حَولَهُم فَقَطْ أو كُلِّ النَّاسِ؟
يَحتَمِلُ هَذَا وهَذَا، قد يَكُونُونَ في وَقْتٍ ما ظَاهِرِينَ على النَّاسِ الَّذِينَ حَولَهُم، وفي وَقتٍ ما ظَاهِرينَ على النَّاسِ الَّذِينَ لهم السَّلطَةُ والإِمَامَةُ، كما وَقعَ في عَهدِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃، وفي أَئِمَّةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وفي أَوقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَوقَاتِ بَنِي العَبَّاسِ، وَقَعَ في أَقَاليمَ وجِهَاتٍ ومُنَاطقَ مُتَعَدِّدةٍ إلى يَومِنَا هَذَا.
ومِثلمَا وَقعَ في عَهدِ الشيَّخِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَابِ ﵀ وآلِ سُعُودٍ في مَنطِقَةِ الجَزِيرَةِ، ومِثلمَا وقع في بِعْضِ مَنَاطقِ المَغرِبِ وأَفْرِيقيَا في أَوقَاتٍ كَثِيرَةٍ، وهَكَذَا في الهِندِ قَبلَ التَّقسِيمِ وبعدَ التَّقسِيمِ.
٧٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ» (١) . الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٢٧٣) .стр. 204
وقد وَقَعَ ذَلكَ، أَدبَرَ وعَقَرَهُ اللهُ ، أَدبَرَ واسْتَمَرَّ في طُغيَانِهِ ودَعوَاهُ النُّبُوةَ؛ فَعقَرهُ اللهُ وقَتَلَهُ المُسلِمُونَ في عَهدِ الصَّدِّيقِ ﵁، وهَذَا مِصدَاقُ ما أَخبَرَ به ﵊ «لَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ»، وقد أَدبَرَ وكَذَّبَ وافْتَرَى وزَعَمَ أَنَّه يُوحَى إِليهِ، وأَتَى بِخُرَافَاتٍ لا تَرُوجُ على ذَوِي العُقُولِ حَتَّى قَتَلَهُ اللهُ على يدِ المُسْلِمِينَ في عَهدِ الصِّدِّيقِ ﵁.
٧٤٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بِعْضِ حَرْثِ المَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟
فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»، قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (١) . الحواشي
(١) ورواه مسلم(٢٧٩٤) .стр. 205
قِرَاءَتَانِ «أُوتُوا» يَعْنِي اليَهُودَ السَّائِلينَ، «وما أُوتِيتُمْ» يَعمُّ الأُمَّةَ، ويَعُمُّ اليَهُودَ.
عَفَا اللهُ عنكَ: التَّرجَمَةُ هَذِه والتَّرجَمَةُ السَّابِقَةُ مُتَشَابِهَتَانِ وتَكَررَّ الحَدِيثُ هنا مِثلُ التَّرجَمَةِ السَّابِقَةِ، التَّرجَمَةُ السَّابِقَةُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) ﴾ [الصافات: ١٧١]. وهنا: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) ﴾ [النحل: ٤٠]، وجَاءَ بِالحَدِيثِ هُنَا وَهُناكَ؟
اللهُ أَعلَمُ، الوَجهُ هُناكَ أنَّ الحَدِيثَ يَدُلُّ على أن مَنْ سَبَقَتْ لَه السَّعَادَةُ يُصَدِّقُ بِأمرِ اللهِ، ولا يَتَعَنَّتْ ويَقبَلُ الحَقَّ، ويُؤمِنُ بما بُيِّنَ وبما أُخفِي، ويَكِلُهُ إلى اللهِ.
وهنا قَولُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) ﴾ [النحل: ٤٠]؛ فَالرُّوحُ مِنْ أَمرِهِ إذا أَرَادَها كوَّنها لِلإنسِ والجِنِّ والمَلَائِكَةِ والدَّوَابِّ وغَيرِ ذَلكَ.
وفي هَذَا في بِعْضِ الرِّوَاياتِ: أن اليَهُودَ قَالُوا: لقد أُوتِي مُوسَى ﵇ التَّورَاةُ فهل هي عِلمٌ قَلِيلٌ؟ التَّورَاةُ فيها عِلمٌ كَثِيرٌ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 206
«نعم ولكن في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ». التَّورَاةُ والزَّبُورُ والقُرآنُ والكُتُبُ كُلُّهَا في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ؛ لأنَّ عِلمَ اللهِ وَاسعٌ لا يَحدُّهُ حَدٌّ.
فالتَّورَاةُ والإِنجِيلُ والقُرآنُ والزَّبُورُ كُلُّهَا في جَنبِ عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ، ولِهذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) ﴾ [الإسراء: ٨٥].
(الشَّيخُ) رَاجِع كَلَامَ الشَّارِحِ على البَابِ؟
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤)]: «قَوْلُه: بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: «إنما أمرنا لشَيْء إِذا أردناه» زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَنَقَصَ: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾. مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ. قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيِّ وَالْقَابِسِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَصَوَابُ التِّلَاوَةِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُتَرْجِمَ بِالْآيَةِ الأُخْرَى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) ﴾ [القمر: ٥٠]، وَسَبَقَ الْقَلَمُ إِلَى هَذِهِ.
قُلْتُ: وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ على وفْق التِّلَاوَة، وَعَلَيْهَا شَرحُ ابنِ التِّينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ إِصْلَاحِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، قَالَ ابن أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ»: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَدِيثُ عُبَادَةَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ اكْتُبْ … » الْحَدِيثَ.
قَالَ: وَإِنَّمَا نَطَقَ الْقَلَمُ بِكَلَامِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) ﴾ [النحل: ٤٠]، قَالَ: فَكَلَامُ اللَّهِ سَابِقٌ عَلَى أَوَّلِ خَلْقِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ الْبُوَيْطِيَّ يَقُولُ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: «كُنْ» فَلَوْ كَانَ «كُنْ» مَخْلُوقًا لَكَانَ قد خَلقَ الْخلقَ بِمخلُوقٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ
стр. 207
فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ الْأَوَّلُ:
حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ -هُوَ ابنُ أَبِي خَالِد- وَقيسٌ -هُوَ ابنُ أَبِي حَازِمٍ- وَالْغَرَضُ مِنْهُ وَمِنَ الَّذِي بَعْدَهُ قَوْلُهُ: «حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ عِنْدَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ «الِاعْتِصَام».
وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السَّاعَةُ. والصَّوَابُ: أَمْرُ اللَّهِ بِقِيَامِ السَّاعَةِ فَيَرْجِعُ إِلَى حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ».
قال ابنُ بَازٍ ﵀: والصَّوَابُ كمَا تَقَدَّمَ أنَّ أَمرَ اللهِ هنا الرِّيحُ التي تَقبِضُ أَرْوَاحَ المُؤمِنِينَ؛ لأنَّ السَّاعَةَ ما تَقُومُ على المُؤمِنِينَ ولا عَلى دُعَاةِ الحَقِّ، وإنَّمَا تَقُومُ على الأَشْرَارِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالُ في الأَرْضِ اللهُ اللهُ» (١) .
[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ -بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَتَخْفِيفِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ- عَنْ مُعَاذٍ وَهُمْ بِالشَّامِ، وَذَكَرَ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِيهِ: «وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ».
وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: «حِذَاهُمْ» بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ دَال مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ لَيِّنَةٌ، قَالَ: وَلَهَا وَجْهٌ. يَعْنِي: «مَنْ جَاوَرَهُمْ مِمَّنْ لَا يُوَافِقُهُمْ». قَالَ: وَلَكِن الصَّوَابُ بِفَتْح الخاء المعجمة وباللَّام منَ الخِذْلانِ، وابنُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، نُسِبَ لِجَدِّهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ فِي شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مَعَ شَرْحِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: «وَلَنْ يَعْدُوَ أَمْرُ اللَّهِ فِيكَ» أَيْ: مَا قَدَّرَهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّقَاء أَوْ السَّعَادَة.
الحَدِيث الْخَامِ
حَدِيث ابن مَسْعُودٍ فِي سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ الحواشي
(١) رواه مسلم(٢٣٤) .стр. 208
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرُّوحَ قَدِيمَةٌ، زَعْمًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا الْأَمْرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَهُوَ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ لمعانٍ يتَبيُّنُ الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهَا مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ: ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّلَبِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ، وأمَّا الْأَمرُ فِي حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ هَذَا؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَأْمُورُ، كَمَا يُقَالُ: الْخَلْقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَفِي تَفْسِيرِ السُّديّ عَنْ أبي مَالكٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَعَنْ غَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] يَقُولُ: هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ الْمَسْؤولِ عَنْهَا: هَلْ هِيَ الرُّوحُ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحَيَاةُ أَوِ الرُّوحُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]؟
وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ عَمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَالرُّوحُ الَّتِي بِهَا الْحَيَاةُ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِخِلَافِ الرُّوحِ الْمَذْكُورِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، بَلْ هِيَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، بِخِلَافِ الْأُولَى، وَقَدْ أَطْلَقَ اللَّهُ لَفْظَ «الرُّوحِ» عَلَى الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [غافر: ١٥]، وَعَلَى الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ وَالنَّصْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وَعَلَى جِبْرِيلَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَعَلَى عِيسَى ابن مَرْيَمَ،
стр. 209
وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةُ رُوحِ بَنِي آدَمَ رُوحًا، بَلْ سَمَّاهَا نَفْسًا فِي قَوْلِهِ: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] وَالنَّفْسُ الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ، وَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ، وَأَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
وَتَمَسَّكَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ بِإِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقَعُ عَلَى صِفَةٍ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَعَلَى مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ: «رُوحُ اللَّهِ» مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ».
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: يَعْنِي مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَاِلقِهِ، رُوحُ آدَمَ وَرُوحُ عِيسَى ﵉ كُلُّهَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِه إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وتَكرِيمٍ، كَنَاقَةِ اللهِ، وبَيتِ اللهِ، ورَسُولِ اللهِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «الثَّاني: وهي إِضَافَةُ تَخصِيصٍ وتَشرِيفٍ، وهي فَوقَ الإِضَافَةِ العَامَّةِ التي بِمَعنَى الإِيجَادِ، فَالإِضَافَةُ على ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إِضَافَةُ إِيجَادٍ، وإِضَافَةُ تَشرِيفٍ، وإِضَافَةُ صِفةٍ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ويُضَافُ إليهِ إِضَافَةُ صِفَةٍ، كَعلْمِ اللهِ، وقُوَّةِ اللهِ، وإِضَافَةٌ الذَّاتِ إلى غَيرِهَا، وإِضَافَةُ الذَّاتِ على قِسمَينِ:
١ - إِضَافَةُ مُخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ، كَأرضِ اللهِ وسَمَاءِ اللهِ.
٢ - وإِضَافَةُ تَشرِيفٍ وتَكَرِيمٍ مع أنَّها إِضَافَةُ مَخلُوقٍ، كَبَيتِ اللهِ ونَاقةِ اللهِ.
ولا مُشَاحَّةَ في الاصطِلَاحِ، إذا جُعِلَ ثَلَاثةَ أَقْسَامٍ، أو قِسْمَينِ ثم جُعِلَ
стр. 210
القِسمُ الثَّاني قِسمَينِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، المَخلُوقٌ مَعرُوفٌ أَنَّه بِإيجَادِ اللهِ؟
لكِنَّه على قِسمَينِ: تَارَةً يَكُونُ مِنْ بَابِ الإِيجَادِ فَقَطْ، وتَارَةً مِنْ بَابِ ذَلكَ مع التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ لِأجلِ الإِضَافةِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «والَّذِي يَدُلُّ على أنَّ الرُّوحَ مَخلُوقَةٌ عُمُومُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، [الزمر: ٦٢]، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) ﴾ [الشعراء: ٢٦]. والأَروَاحُ مَربُوبَةٌ، وكُلُّ مَربُوبٍ مَخلُوقُ رَبِّ العَالَمِينَ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وكُلُّ مَربُوبٍ مَخلُوقُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَصلُحُ إِضَافةُ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ، يَعْنِي مَخلُوقٌ لِرَبِّ العَالَمِينَ على تَقدِيرِ اللَّامِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلم تَكُ شَيْئا﴾ وَهَذَا الْخِطَابُ لِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ مَعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) ﴾ [الإنسان: ١]، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ: «خَلَقْنَا» يَتَنَاوَلُ الْأَرْوَاحَ وَالْأَجْسَادَ مَعًا، أَوِ الْأَرْوَاحَ فَقَطْ.
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَخْلُوقُونَ وَهُمْ أَرْوَاحٌ. وَحَدِيثُ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ». وَالْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَخْلُوقَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَشَرْحُهُ فِي «كِتَابِ الْأَدَبِ».
стр. 211
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ بِلَالًا ﵁ قَالَ لَمَّا نَامُوا فِي الْوَادِي: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ». وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الرُّوحُ قَطْعًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ … » الْحَدِيثَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، الْآيَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي سُورَةِ «سُبْحَانَ».
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: «وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ [الإسراء: ٨٥] عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّتِهِ: قَالَ الْأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قراءتنا.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلشَّيْءِ: كُنْ؛ فَيَكُونُ بِأَمْرِهِ لَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ وَقَوْلَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ يَقُولُ: «كُنْ» حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ الْخَلْقِ؛ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ [الصافات: ٩٦]». [انتهى كلامه].
* * *
стр. 212
بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]،
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]
سَخَّرَ: ذَلَّلَ.
٧٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (١) .
هَذَا البَابُ مِنَ المُؤلِّفِ ﵀ فيه بَيَانُ عِظَمِ شَأنِ اللهِ ، وأنَّ كَلِمَاتِهِ الحواشي
(١) ورواه مسلم(١٨٧٦) .стр. 213
لا تُحصَى ، فَإنهُ جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ﴾ [يس: ٨٢] ، وكُلُّ ما في العَالمِ قَدِيمًا وحَدِيثًا كُلُّهُ بِأمرِهِ وتَكوينِهِ ، وهَكَذَا ما يَكُونُ في العَالمِ بعدَ البَعثِ والنُشُورِ كُلُّهُ بِأمرِهِ وتَكوِينِهِ؛ ولِهذَا قَالَ : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) ﴾ [الكهف: ١٠٩]، وهَكَذَا يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ﴾ [لقمان: ٢٧]، فَلا يُحصِي كَلِمَاتِهِ أَحَدٌ .
وهَذَا يعمُّ الكَلَامَ الكَونِيَّ والكَلَامَ الشَّرعِيَّ، كَلَامُهُ الكَونِيُّ الذي يَأمُرُ به ، يَأمُرُ بِتَكوِينِ الأَشيَاءِ وخَلقِهَا وإِيجَادِهَا، ويَشمَلُ الكَلَامَ الشَّرعِيَّ مما أَنْزَلَ على رُسلِهِ مِنْ كَلِمَاتِ القُرآنِ، وكَلِمَاتِ التَّورَاةِ، وكَلِمَاتِ الإِنجِيلِ، وكَلِمَاتِ الزَّبُورِ، وجَمِيعِ الكَلِمَاتِ المُنزَّلةِ على الأَنبِياءِ ﵈ في الصُّحُفِ التي أُنزِلَت عَلَيهِم، فلا يُحصِي ذَلكَ إلا هو .
ثم هو يُخبِّرُ عِبَادَهُ أَنَّه رَبَّهُمْ وخَالَقَهُم ومُدِبَّرَ شُئُونِهِم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ (٥٤) ﴾ [الأعراف: ٥٤]-يَعْنِي: خَلقَ الشَّمسَ والقَمرَ والنُّجُومَ- ﴿مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] … مُذلَّلَات بِأمْرِهِ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ﴾ [الأعراف: ٥٤] يَعْنِي: بِأمْرِهِ. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (٥٤) ﴾ [الأعراف: ٥٤].
كُلُّ هَذَا يِشمَلُ الكَلَامَ كُلَّهُ. ذَكرَ الخَلقَ والأَمرَ، فَالخَلقُ ما يَتَعَلَّق بِالْمَخلُوقَاتِ، والأَمرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَقوَالِ.
стр. 214
وهَكَذَا قَولُهُ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣].
فهو مُدَبِّرُ الأُمُورِ ، يَعرِفُ العَبدُ رَبَّه بِأنَّه خَالِقُ السَّمَوَاتِ وخَالِقُ الأَرضِ، وَرَبُّ كُلُّ شَيءٍ ومَلِيكُهُ، وأنَّه الإِلَهُ الحَقُّ المُستَحِقُّ لِلعِبَادةِ، وأنَّهُ ذُو الأَسمَاءِ الحُسنَى والصِّفَاتِ العُلَا، وَأنَّه لا شَبِيهَ له، ولا كُفءَ له، ولا ندَّ لَه، وأنَّ كَلِمَاتِهِ لا تُحصَى، ولو جُمِعَ ما في الأَرضِ مِنْ شَجَرٍ، وجُمِعَ ما فيها مِنْ أَقلَامٍ، وجُمِعَ ما فيها من بِحَارٍ وكُتُبٍ بهَذِه الأَقلَامِ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى تَنتَهِيَ البِحَارُ -لم تَنفَدْ كَلِمَاتُ اللهِ .
ومَن هَذِه صِفَتُهُ هو المُستَحِقُّ لأن يُعبَدَ جل وعلا، وهو المُستَحِقُّ لأن يُطَاعَ أَمرُهُ، ويُنْتَهى عن نِهيِهِ جل وعلا، وهو المُستَحِقُّ لأن تَخضَعَ له العِبَادُ طَائِعِينَ مُمتَثِلِينَ لِأمْرِه، تَارِكِينَ لما نَهَى عنه، وَاِقِفِينَ عند حُدُودِهِ.
ولكِنْ جَهْلُ الأَكْثَرِ بِاللهِ، وجَهْلُهُمْ بِدِينِهِ، وجَهلُهُمْ بِصِفَاتِهِ وأَسمَائِهِ هُو الَّذِي أَوقَعَهُم فِيمَا أَوقَعَهُم فيهِ مِنَ الشِّركِ بِاللهِ، والمَعصِيَةِ له ، ولِهذَا يَقُولُ جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) ﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤]. فَجَعَلَهُم أَضَلَّ مِنَ الأَنعَامِ، مِنْ البَقرِ والإِبِلِ والغَنَمِ؛ لِجَهلِهِم بِاللهِ وجَهلِهِمْ بِدِينِهِ واتِّبَاعِهِم أَهوَاءَهُم.
وفي سُورَةِ الأَعرَافِ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
стр. 215
حَكَمَ عَلَيهِم بِأَنَّهم أَضَلُّ، شَبَّهَهمْ بِالأَنعَامِ ثم حَكَمَ بأنهم أَضَلُّ مِنَ الأَنعَامِ؛ لِإعْرَاضِهِم عن الحَقِّ وجَهلِهِم به، والأَنعَامُ قد تَهتَدِي لِمَصَالِحَها، أَمَّا هَؤلاءِ فقَدْ ضَلُّوا عن مَصَالِحِهِم، وعن نَجَاتِهِم وعن أَسبَابِ سَعَادَتِهِم؛ فَصَارُوا أَضَلَّ منَ الأَنعَامِ، وأَسوَأَ حَالًا مِنَ الأَنعَامِ، ثم حَكَمَ عَلَيهِم فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ أَشَدَّ غَفلَةً مِنْ هَؤلَاءِ؛ لَمَّا أَعرَضُوا عن دِينِ اللهِ واسْتَكبَرُوا عن طَاعَتِهِ واتَّبَعُوا أَهوَاءَهُم، وإن حَذَقُوا في أيِّ صِنَاعَةٍ وفي أيِّ اخْتِرَاعٍ؛ لا قِيمَةَ لذَلكَ، وإن طَارُوا في السَّمَاءِ وإن غَاصُوا في البِحَارِ لا قِيمَةَ لذَلكَ؛ لما جَهِلُوا أَمرَ اللهِ وجَهِلُوا دِينَهُ، وجِهِلُوا أَسبَابَ السَّعَادَةِ.
يُقالُ: كَلمِاتُ اللهِ عِلمُهُ؟
لا، الكَلمِاتُ غَيرُ العِلمِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: مُناسَبةُ الحَدِيثِ لِلبَابِ؟
قَولُهُ: «هو تَصْدِيقٌ بِكَلِمَتِي» بِكَلمَاتِ اللهِ، التَّصدِيقُ بِكَلِمَاتِ اللهِ مِنْ أهمِّ الإِيمَانِ، ولِهذَا قَالَ: «أن تُؤمِنَ بِاللهِ ومَلَائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسَلِهِ واليَومِ الآخِرِ»، والتَّصْدِيقُ بِكَلِمَاتِ اللهِ مما يُوجِبُهُ الإِيمَانُ.
والعِلمُ أَوسَعُ من الكَلَامِ، الكَلَامُ مِنْ عِلمِ اللهِ، ولَمَّا أَنزلَ اللهُ قَولَهُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) ﴾ [الإسراء: ٨٥] قَالَتْ اليَهُودُ: عندنا التَّورَاةُ فَهَلْ هِيَ قَلِيلٌ من عِلمِ اللهِ؟ قَالَ: نعَم، التَّورَاةُ بِالنِّسبَةِ إلى عِلمِ اللهِ قَلَيلٌ. اللهُ أَكبَرُ.
* * *
следующие страницы →