والشَّاهِدُ قَولُ عَليٍّ ﵁: «إنما أَنفُسُنَا بِيدِ اللهِ، إن شَاءَ رَدَّهَا وإن شَاءَ أَمسَكَهَا». فهي الإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ، كَأنَّ النَّبيَّ ﷺ كَرِهَ منه هَذَا ﵊؛ لأنَّه أَتَاهمَا وقال: «ألا تُصَلِّيَانِ»، فَحَثَّهُما على أن يَقُومَا يَتَهجَّدا بِاللَّيلِ، فقال عَليٌّ ﵁ ما قَالَ: «إنما أَنفُسُنَا بِيدِ اللهِ» يَعْنِي: أَرْوَاحُنَا، إن شَاءَ رَدَّهَا وإن شَاءَ أَمسَكَهَا. فَانصَرَفَ ولم يُرجِعْ إليه شَيْئًا؛ فَسمِعَهُ يَقُولُ وهو يَضرِبُ فَخِذَهُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ [الكهف: ٥٤].
فهو جَادَلَ بِالقَدَرِ، ولو قَالَ كَلِمَةً أُخرَى غَيرَ ذَلكَ لكان أَنسَبَ؛ لأنَّ القَدَرَ ما يُحتَجُّ به في التَّخلُّفِ عن المحَابِّ الشَّرعِيَّةِ، الإِنسَانُ يُعَالِجُ، وإِنما يُحتَجُّ بِالقَدَرِ بعد المُصِيبَةِ: «إنَّا للهِ وإنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ».
أمَّا أنْ يُحتَجَّ بِالقَدَرِ على تَخَلُّفِهِ عنِ العَملِ الصَّالحِ وهو يَستَطِيعُ العِلَاجَ؛ هَذَا ما يَلِيقُ، ولكن يَعمَلُ الأَشيَاءَ، مَثَلًا يَجعَلُ مَنْ يُوقِظُه وَقتَ العِبَادَةِ، بعدَ وُجُودِ السَّاعَاتِ الآن يَجعَلُ السَّاعَةَ على الوَقتِ الذي يُريدُ، يَفعَلُ الأَسبَابَ، إذا كَانَ صَادِقًا يَفعَلُ الأَسبَابَ، لا يَحتَجُّ بِالقَدرِ وهو مُعرِضٌ أو غَافِلٌ أو مُتَسَاهلٌ أو مُقَصِّرٌ في الأَسبَابِ، لا يَكُونُ هَذَا صَحِيحًا، بلْ لا بُدَّ مِنْ عِلَاجٍ.
فلو أنَّ إِنسَانًا تَركَ الأَسبَابَ ونَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمسُ ما يَكُونُ عُذْرًا له في تَركِ صَلَاةِ الفَجرِ، أو نَامَ عند قُربِ الظُّهرِ ولم يَجعَلْ هُنَاكَ أَسبَابًا حَتَّى فَاتَتْهُ الظُّهرُ أو حَتَّى فَاتَتهُ العَصرُ ما يَكُونُ عُذرًا له، ولا يَكُونُ مِنَ العُذرِ؛ لأنهُ مُفَرِّطٌ.
أمَّا لو أَمرَ مَنْ يُوقِظُه مِنَ الثِّقَاتِ وقَال: إذا أُذِّنَ أَيقِظنَي. أو ركَّبَ السَّاعَةَ
стр. 223
على الوَقتِ المُنَاسِبِ ثم لم يَسمَعْهَا، أو أَصَابَهَا خَلَلٌ يَكُونُ مَعذُورًا.
ثم أيضًا هَذَا فيه تَفصِيلٌ للعُذرِ، لا يُؤَقِّتُ السَّاعَةَ مَثَلًا وهو مُتَأَخِّرٌ في النَّومِ؛ فَيَستَحكِمُ عليه النَّومُ ولا يَسمَعُ؛ فَيكُونُ مَلُومًا مِنْ جِهِةِ تَأَخُّرِه وسَهرِهِ، فَالوَاجِبُ أن يَتَقَدَّمَ ويَنَامَ مُبَكِّرًا حَتَّى لا يَغلِبَهُ النَّومُ، وحتى يَستَطِيعَ أن يَسمَعَ المُنَبِّهَ أو السَّاعَةَ، فإذا ما تَأَخَّرَ وما نَامَ إلا عند الفَجرِ كيف يَسمَعُ السَّاعَةَ؟! قد اسْتَغرَقَ في النَّومِ وسَقطَ كَالمَيِّتِ؛ هَذَا مُفَرِّطٌ وليس بِمعذُورٍ ولو جَعلَ السَّاعَةَ عند رَأسِهِ؛ لِأنَّه سَهرَ وتَأَخَّرَ، وكان النَّبيُّ ﷺ يَكرَهُ النَّومَ قَبلَهَا -العِشَاءَ- والحَدِيثَ بَعدَهَا (١) ﵊، ونَهَى عنِ السَّمَرِ، يَعْنِي السَّمرَ الذي يَضُرُّ الإِنسَانَ أو السَّمرَ الذي في غَيرِ مَصلَحَةِ المُسْلِمِينَ أو في غَيرِ ضَرُورَةٍ.
فالحَاصِلُ: أنَّ السَّمرَ الذي يَفعَلُه الكَثيرُ منَ النَّاسِ في القِيلَ والقَالِ، أو سَماَعِ آلَاتِ المَلَاهِي أو في الأَخبَارِ التي تَضُرُّهُ ولا تَنفعُهُ أو في غَيرِ هَذَا مما لا يُضطَرُّ إليه؛ ما هو عُذرٌ إذا تَأَخَّرَ ونَامَ عنِ الفَجرِ؛ لِأنَّه مُفَرِّطٌ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: احْتِجَاجُ آدَمَ ومُوسَى ﵉؟
هَذَا احتجَّ بعد التَّوبَةِ؛ لأنَّ مُوسَى ﵊ لامَهُ على المُصِيبَةِ التي هي خُرُوجُهُ منَ الجَنَّةِ؛ فقال له آدَمُ ﵇: «أَتعلَمُ أن هَذَا كُتِبَ عليَّ قبلَ أن أُخلَقَ بِأَربَعِينَ سَنةً»، كما في الحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فحجَّ آدَمُ مُوسَى»؛ لأنَّ هَذَا شَيءٌ كُتِبَ عليه وليْسَ مِنْ فِعلِهِ، إنما فِعْلُهُ أَكلُهُ مِنَ الشَّجرَةِ، فهو مَلُومٌ عليها لكنَّه تَابَ، ومَن تَابَ لا يُلَامُ وقد تَابَ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢] والإنَسَانُ بعد التَّوبَةِ لا يَجُوزُ أن يُلَامَ، لا يُقَالُ لِلإِنسَانِ إذا تَابَ من الزِّنَا أو الخَمرِ عَصَى رَبَّه، بَعد التَّوبَةِ لا، إنما التَّوبِيخُ قَبلَ ذَلكَ.
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: الظَّاهِرُ أنَّ فيهَا الوَجهَينِ ﴿وفَى﴾ بِما التَزمَ به، أو ﴿وفَّى﴾ بِالتَّشدِيدِ، وهو أَكمَلُ.
وهَذَا يَدُلُّ على أن العَبدَ بَينَ أُمُورٍ -هَذِهِ الَبيعَةُ يُقالُ لها بَيعَةُ النِّسَاءِ، المَذكُورَةُ في سُورَةِ المُمتَحنَةِ- فَالعبدُ بَين أُمُورٍ:
١ - بينَ أن يُوفِّيَ بما عَاهَدَ اللهَ عليه؛ فله أَجرُهُ عِنْدَ اللهِ.
٢ - والَأمرُ الثَّانِي: أن يُؤخَذَ بما عَمِلَ مِنَ التَّقصِيرِ وتُقَامُ عليه الحُدُودُ أو يُعَاقَبُ بِعُقُوبَاتٍ في الدُّنيَا على فِعلِهِ، فاللهُ أَكبَرُ من أن يُعِيدَ عليه العُقوبَةَ؛ فَيكُونَ جَزَاءً له، إلا أن يَفعَلَ بعد ذَلكَ شَيْئًا آخَرَ، إلا أن يُعِيدَ الكَرَّةَ.
٣ - والأَمرُ الثَّالثُ: يُستَرُ، يَفعَلُ المَعصِيَةَ ويُستَرُ، لا يَتُوبُ ولا يُعَاقبُ في الدُّنيَا بل يُستَرُ، هَذَا أَمرُهُ إلى اللهِ إن شَاءَ عَذَّبَهُ وإن شَاءَ غَفرَ له كمَا في قَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أمَّا مَنْ وَفَّى واستقَامَ على دِينِ اللهِ فهَذَا أَجْرُهُ على اللهِ .
أمَّا الحَالَةُ الثَّانِيةُ: الذي أَتَى المَعَاصِيَ ثم عُوقِبَ، زَنا فَأُقيمَ عليه الحَدُّ، شَربَ الخَمرَ فَأُقِيمَ عليه الحَدُّ ثم لم يَعُدْ، فهَذَا كَفَّارَةٌ له، فإن عَادَ إلى زِنًا ثَانٍ هَذِه عُقُوبةُ زِنًا ثَانِيَةٌ، أو عَادَ لِشُربٍ آخَرَ عليه عُقُوبَةٌ ثَانِيةٌ. لكن إن زَنَا فَأُقِيمَ عليه الحَدُّ ثم مَاتَ على ذَلكَ؛ كَانَ كَفَّارةً له هَذَا الحَدُّ، كذَلكَ قَتَلَ فَقُتِلَ كذَلكَ.
الثَّالثُ: مَستُورٌ، عَصَى وسُتِرَ فلم يُقَمْ عليه الحَدُّ فهَذَا أَمرُهُ إلى اللهِ، إن شَاءَ عَفَا عنه بِفضلِهِ سُبحَانَهُ بِأسبَابِ أَعمَالٍ صَالِحَةٍ، أو شَفَاعةِ الشُّفَعَاءِ أو
стр. 229
الأَفرَاطِ أو المَلَائِكَةِ أو نَحوِ ذَلكَ، وإن شَاءَ رَبُّنَا عَاقَبَهُ على قَدرِ الجَريمَةِ التي مَاتَ عليها فَيدخُلَ النَّارَ يُعذَّبُ في النَّارِ، ثم بعد ما يُطَهَّرُ ويُمَحَّصُ في النَّارِ يُخرِجُه اللهُ من النَّارِ كمَا جَاءَت بِذَلكَ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ، ومنها قَولُهُ سُبحَانَهُ في سُورَةِ النِّسَاءِ في المَوضِعَينِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، وهَذَا يَشمَلُ جَمِيعَ المَعَاصِي التي دُونَ الشِّركِ مِنْ الزِّنَا وغَيرِهِ.
وهَكَذَا الأَحَادِيثُ المُتَوَاتِرَةُ عن الرِّسُولِ ﷺ ، وَأنَّه يَشفَعُ في أَهْلِ المَعَاصِي، وأنَّ اللهَ يَحِدُّ له حَدًّا، وَأنَّه يَعُودُ مَرَّةً بعد مَرَّةٍ ﵊، وهَكَذَا شَفَاعةُ المَلَائِكَةِ والمُؤمِنِينَ والأَفرَاطِ، كُلُّ هَذَا مِمَّا تَوَاتَرَت به الأَخبَارُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ .
شَيخُ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، إن لم يَستُرِ اللهُ عليه تَكُونُ كَفَّارةً؟
يَكُونُ مَا أَصَابَهُ كَفَّارةً إذا لم يَعُدْ.
هَذِه بَيعَةُ العَقَبةِ الأُولَى أو بَيعَةُ النِّسَاءِ؟
هَذِه بَيعَةُ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، هَذِه يُقاَلُ لها: بَيعَةُ النِّسَاءِ، هَذِه بَايَعَها الصَّحَابَةَ ﵃ بعد ذَلكَ، أَمَّا البَيعَةُ الأُولَى بَيعَةُ العَقَبَةِ غَيرُ هَذِه البَيعَةِ، يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ﷺ وَيحمُونَهُ كما يَحمُونَ نَسَاءَهُم وذُرِّيَاتِهِم.
لَيْسَ مِنْ المَنهِيِّ عنه، لَيْسَ مِنْ جِنسِ الدُّعَاءِ، بل هو خَبَرٌ (١)؛ ولِهذَا قَالَ: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ».
يَعْنِي: هنا المَرضُ طَهُورٌ لكَ إنْ شَاءَ اللهُ منَ الذُّنُوبِ، فهو خَبَرٌ لا دُعَاءٌ، بِخِلَافِ ما تَقَدَّمَ: «إذا دَعَا أَحَدُكُم فلا يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ؛ فإنَّ اللهَ لا مُسْتَكْرِهَ له» (٢)، فهَذَا في إِثبَاتُ الدُّعَاءِ، لا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي إن شَئتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمنِي إنْ شِئتَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ إن شِئتَ، اللَّهُمَّ أَدخِلْنِي الجَنَّةَ إن شِئتَ. لا يَقُولُ هَكَذَا، بل يَجزِمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، اللَّهُمَّ ارْحمْنِي، اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، اللَّهُمَّ أَعِذْنِي منَ النَّارِ، اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ هَذَا المَرضِ، لا يَستَثنِي، اللهُ لا مُكرِهَ له .
أما إذا دَخَلَ على المَرِيضِ وقال: «طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ»؛ فهَذَا لَيْسَ من هَذَا البَابِ؛ ولِهذَا اسْتَعمَلَهُ النَّبيُّ ﷺ .
٧٤٧١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، حِينَ نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ». فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، وَتَوَضَّئُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ، فَقَامَ فَصَلَّى (٣).
стр. 233
وبهَذَا يُعلَمُ أنَّ النَّاسَ إذا نَامُوا عنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلعَتِ الشَّمسُ يُصَلُّونَها كما كانوا يُصَلُّونَها في الوَقتِ، وقد وَقعَ هَذَا للنَّبيِّ ﷺ مَرَّاتٍ، وَقَعَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ.
والنَّبيُّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ ﵁: «اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ»؛ فَوقَفَ على دَابَّتِهِ يَرقُبُ الصُّبحَ، فَأَخذَهُ النَّومُ كمَا أَخَذَهُم، فلم يَستَيقِظُوا إلا في حَرِّ الشَّمسِ، كمَا في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى الصَّرِيحَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حَيْثُ شَاءَ، وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ» (١). .
وفي اللَّفظِ الآخَرِ قَالَ لِبِلَالٍ ﵁: «أَيْ بِلَالُ» فَقَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ (٢).
المَقْصُودُ: أن الإِنسَانَ ضَعِيفٌ، فعَليهِ الأَخْذُ بِالأَسبَابِ، فإذا نَامَ مُتَأَخِّرًا أو خَشِيَ ألَّا يَقُومَ لِثِقلِ نَومِهِ، لا بُدَّ أن يَأخُذَ بِالأَسبَابِ، إمَّا بأَنْ يَجعَلَ مَنْ يَرقُبُ الصُّبحَ، مِثلمَا أَمرَ النَّبيُّ ﷺ بِلَالًا حَتَّى يُخَبِّرَهُ، يَقُولُ لِأهلِهِ لِأَخِيهِ أو لِأَبِيهِ أو لِأُمِّهِ: نَبِّهُونِي إذا أذَّنَ، انْتَبِهُوا لي، أو بِمثلِ ما يَسَّرَ اللهُ الآنَ السَّاعَات، السَّاعَةُ الآنَ بِحَمدِ اللهِ مُيَسَّرةٌ، فيُرَكِّبَها على الوَقتِ الذي يُنَاسِبُ، ثم يَنتَبِهُ بِالمُنَبِّهِ، وهَذَا من أَسبَابِ التَّيسِيرِ -وللهِ الحَمدُ- ولا سِيَّمَا إذا نَامَ مُبَكِّرًا، أما الذي قد يَتَأَخَّرُ كَثِيرًا يِسهَرُ كَثِيرًا، فهَذَا قد يَنَامُ
стр. 234
ولو يِضبِطُهُ على السَّاعَةِ قد لا يَنتَبِهُ للسَّاعَةِ لِثقَلِ النَّومِ.
فَالوَاجبُ أن يَأخُذَ بِالأَسبَابِ، لا يَتَأَخَّرُ، لا يَسهَرُ سَهَرًا قد يَحُولُ بَينه وبين سَمَاعِ المُنبِّهِ، أو يَحُولُ بينه وبين صَلَاةِ اللَّيلِ وقِيامِ اللَّيلِ، يَتَحَرَّى، والسَّهرُ الذي لا خَيرَ فيه يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. تَقُولُ عَائِشَةُ ﵂: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا فرَغَ مِن صَلَاةِ العِشَاءِ آوَى إلى فِرَاشِهِ»، إذا صَلَّى العِشَاءَ آوَى إلى فِرَاشِهِ. هَذِه عَادَتُهُ ﷺ ، إذا صَلَّى العِشَاءَ قَصَدَ الفِراشَ، فإذا كَانَ آخِرَ اللَّيلِ قَامَ يَتَهَجَّدُ ﵊.
إلا مِنْ حَاجَةٍ، قد يَسْمُرُ مع الصِّدِّيقِ ومع عُمرَ ومع بَعضِ الصَّحَابةِ ﵃ بعد العِشَاءِ، يَسمُرُونَ لِبعضِ مَصَالحِ المُسْلِمِينَ، لِيَنظُرُوا في بِعْضِ المَصَالحِ، يَأخُذُونَ بَعضَ اللَّيلِ، هَذَا لا بَأْسَ، وليُّ الأَمرِ أو الحِسَبَةُ أو طَالِبُ العِلْمِ قد يَسمُرُونَ بَعضَ الوَقتِ، إمَّا لِمَصَالحِ المُسْلِمِينَ في مُرَاقَبةِ أَحوَالِهِم، كَالهَيئَاتِ أو وليِّ الأَمرِ أو أَمِيرِ البَلَدِ أو ما أَشبَهَهُ ممن له حَاجةٌ، فلَا بأسَ أن يَسمُرَ بَعضَ الوَقتِ، أو طَالبُ العِلْمِ يُهيِّئ دُرُوسَهُ، ولكن لا يَتَأَخَّرُ تَأخُّرًا يَمنَعُهُ مِنْ الصُّبحِ أو يُثَقِّلُ عليه صَلَاةَ الصُّبحِ.
والحَاصِلُ: أَنَّه مَتى أَخَذَه النَّومُ لِأيِّ سَبَبٍ فإنه يُصَلِّي كما كَانَ يُصَلِّي، يُؤَذِّن ويُقِيمُ ويُصَلِّي الرَّاتِبَةَ، النَّبيُّ ﷺ لَمَّا قَامُوا بعد الشَّمسِ أَمرَ بِلَالًا ﵁ فَأذَّنَ وتَوضَّؤوا وصَلَّى سُنَّةَ الفَجرِ، ثم قَامَ وصَلَّى الفَجرَ وقَرَأَ فيها جَهْرًا كما كَانَ يَقرَأُ جَهْرًا في الوَقتِ ﵊.
فَدَلَّ ذَلكَ على أَنَّها تُؤدَّى كما كَانَتْ تُفعَلُ في الوَقتِ سَواءً بِسَواءٍ، هَكَذَا الظُّهرُ وهَكَذَا العَصرُ وهَكَذَا المَغرِبُ وهَكَذَا العِشَاءُ، متى حَبَسَهُ حَابِسٌ عن الوَقتِ، صَلَّاهَا بعد ذَلكَ كما كَانَ يُصَلِّيهَا في الوَقتِ كَالنَّاسِي.
وهَذَا عَندَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ، قَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» من بَابِ التَّوَاضُعِ، وإلا فهو أَفضَلُ العَالَمِينَ، كمَا قَالَ ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» (١) ﵊، لكِنْ قَالَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ؛ لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ على هَذِه الأُمُورِ، أو مِنْ بَابِ سدِّ الفِتنَةِ، قَضَى على أَسبَابِهَا لِئَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ تَعَصُّبٌ مَقِيتٌ، لا لِطَلبِ الحَقِّ ولا لِأَجلِ فَضلٍ، أو لأنَّهُ قد يُثِيرُ فِتَنًا بَينَ النَّاسِ.
فالحَاصِلُ: أنَّ هَذَا لا يَقْدَحُ في الرِّوَايَةِ المَعرُوفَةِ الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ وغَيرُهُ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ». هَذَا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه عند أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنَّه أَفضَلُ الأَنبِيَاءِ ﵊ وخَيرُهُم، ولكِنَّ التَّفضِيلَ إذا كَانَ على سَبِيلِ العَصَبِيَّةِ أو يَتَرَتَّبُ عليه بَعضُ الفِتنِ يَنبَغِي تَركُهُ.
وهَذِه الصَّعقَةُ ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّها صَعْقَةُ البَعثِ، وليسَ الأَمرُ كذَلكَ، مِثلُ ما في الحَدِيثِ هَذَا يَومَ القِيَامةِ، يُصعَقُونَ يَومَ القِيَامةِ بَعدَمَا قَامُوا بَعدَمَا بُعِثُوا، هَذِه صَعْقَةٌ أُخرَى وهُم في المَوقِفِ، جَاءَ في بِعْضِ الرِّوَايَاتِ ما يَدُلُّ على أَنَّها عند مَجِيءِ اللهِ لِفَصلِ القَضَاءِ بين عِبَادِهِ.
стр. 239
فالحَاصِلُ: أَنَّها صَعَقَةُ يَومِ القِيَامةِ، بَعد قِيامِ النَّاسِ.
«فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ»: هَذَا الْمَحفُوظُ، ما قَالَ: فأنَا أَوَّلُ مَنْ يُبعَثُ، هنا قَالَ: «أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ -صَعقَةٌ عَارِضَةٌ- فإذا أنا بِمُوسَى بَاطشًا بِقَائِمَةِ العَرشِ، فَلا أَدرِي أَفَاقَ قَبلِي أم كَانَ مِمَّنْ استَثنَى اللهُ»؟ كقَولِهِ ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] وهَذَا الشَّاهِدُ للمَشِيئَةِ.
وقد ثَبَتَ عنه ﷺ أَنَّه قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ»، فَأَوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عنه القَبرُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ ، يَعْنِي: أوَّلَ مَبعُوثٍ يَومَ القِيَامَةِ هو مُحَمَّدٌ ﵊، «وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». أَخرجَهُ مُسلِمٌ في «الصَّحِيحِ» (١).
فهَذَا يَدُلُّ على أَنَّه هو أَوَّلُ مَنْ يُبعَثُ، وَلَيْسَت القِصَّةُ هَذِه قِصَّةَ مُوسَى ﵊، وإنما قِصَّةُ مُوسَى ﵊ يَومَ القِيامَةِ بعد بَعثِ النَّاسِ وبعد وُجُودِهِم في القِيَامَةِ، صَعقةٌ أُخرَى ثَالِثَةٌ تَكُونُ يَومَ القِيَامةِ والنَّاسُ مَوجُودُونَ قد قَامُوا مِنْ قُبُورِهِم وقد جُمِعُوا.
هَذَا فيه اسْتِثنَاءُ الصَّعقَةِ هَذِه؟
«أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» الشَّاهِدُ قَولُهُ: «أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ».
لكن فِيهَا اسْتِثنَاءُ الصَّعقَةِ؟
لا، أَرَادَ النَّبيُ ﷺ قَولَهُ جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] أَرادَ منه هنا الآيَةَ الكَريمَةَ.
стр. 240
ألا يتَّجِهُ -أَحسَنَ اللهُ إِليكَ- «على العَالَمِينَ» عَالَمِي زَمَانِ مُوسَى ﵊؟
هَذَا في التَّفضِيلِ، في التَّفضِيلِ على عَالَمِي زمَانِهِ، المُرَادُ به عَالَمِي زَمَانِهِ، لكنَّ المَقصُودَ هنا أن النَّبيَّ ﷺ أَرَادَ بهَذَا ألَّا يَكُونَ فِتنَةً بين النَّاسِ، أو من بَابِ التَّواضُعِ ﵊.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ما يَكُونُ قبلَ أنْ يُعلمَ بأنَّه أَفضَلُ الخَلقِ؟
هَذَا أَحدُ الأَقوَالِ فيها، ذَكَرَهُ النَّوَوِّيُّ، وذَكَرَ أَقوَالًا خَمسَةً فيها، لكن أَحسَنُهَا أَنَّه مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ أو مِنْ بَابِ الْمَنعِ مِنَ التَّخْيِيرِ والتَّفضِيلِ على سَبِيلِ التَّعصُّبِ، أو إذا كَانَ يَتَرتَّبُ عليه فِتنَةٌ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، الاسْتِثنَاءُ هنا قَولُهُ: «أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» يُمكِنُ هَذَا وَهْمٌ مِنْ بَعضِ الرُّوَاةِ؛ لأنَّ هَذِه الصَّعقَةَ في التَّجَلِّي ما فِيهَا اسْتِثنَاءٌ؟
مُحتَمِلٌ أَنَّها دَخَلَتْ على بَعضِ الرُّوَاةِ مِنْ صَعقَةِ البَعثِ. اللهُ المُستَعَانُ.
ابنُ القَيمِ له كَلَامٌ عليه جَيدٌ، ابنُ القَيمِ ﵀ في كِتَابِ «الرُّوحِ» تَكَلَّمَ عليه، وفي غَيرِ كِتَابِ «الرُّوحِ» كَلَامًا طيِّبًا، وهو مَعنَى ما ذَكَرتُ لكم، كَلَامُ ابنِ القَيمِ هو مَعنَى ما ذَكَرتُ لكُم.