← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 855

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - ابن باز

ابن باز

Полный текст (432 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مِنْ آثَارِ هَذِه الصِّفَةِ الرَّحمَةُ؟ نِعمَةٌ. ما الَّذِي سَترَهُ اللهُ عليه؟ اللهُ أَعلَمُ، اللهُ أَعلَمُ، ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّها الذُّنُوبُ التي سُتِرَت عليه ولم يُفضَحْ بها ولم تَظهَرْ في الدُّنيَا، بَينَه وبينَ رَبِّهِ، هَذَا مَحَلُّ التَّقدِيرِ، سَتَرَهَا ويُخبِرُهُ أَنَّها لم تَخفَ عليه ؛ حَتَّى لا يَظُنّ العَبدُ أَنَّها ضَاعَت، بِخِلَافِ الذُّنُوبِ الظَّاهِرةِ؛ [فإنها] مَعرُوفَةٌ، التي أُقيمَ عَليها الحَدُّ، فيها الكَفَّارَةُ، أو ظَهَرَت وعُلِمَت مِنَ النَّاسِ ثمَّ تَابَ مِنهَا، لَكِنْ هَذِه الَّتِي في الحَدِيثِ أَنَّها ذُنُوبٌ خَاصَّةُ بين العَبدِ وبين رَبِّهِ، مَا عَلِمَها النَّاسُ ولا حَكَمَ فيها أَحدٌ ولا ظَهَرتْ للنَّاسِ. ولا تَابَ مِنهَا؟ الظَّاهِرُ ولا تَابَ منها، ولِهذَا قَالَ: «وأَغفِرُهَا لكَ اليومَ». * * *

стр. 317

بَابُ مَا جَاءَ في قَولِهِ : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ٧٥١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (١). «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» مَعنَاهُ: يَعْنِي خَصمَهُ وغَلبَهُ بِالحُجَّةِ؛ لأنَّ إِخرَاجَ الذُّرِّيةِ مِنْ الجَنَّةِ لَيْسَ مِنْ عَملِ آدَمَ ﵇، بلْ أَمرٌ كَتَبَهُ اللهُ وقَضَاهُ ورَتَّبَهُ على ما جَرَى مِنْ مَعصِيَتهِ، الذي جَرَى مِنْ آدَمَ هو الْمَعصِيَةُ، فَالعَبدُ لا يُلَامُ على الْمَصَائِبِ وإِنَّمَا يُلَامُ على الْمَعَايبِ، فَالْمُصِيبَةِ التي تَرَّتَبَتْ على ذَلكَ لَيسَت مِنْ عَملِهِ، وإنما هو أَمرٌ قَضَاهُ اللهُ وقَدَّرهُ لِحكمةٍ بَالِغَةٍ، فهو مَلُومٌ على الْمَعصِيةِ وقد تَابَ منها، والتَّائِبُ لا يُلَامُ، مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عليه ولا يُلَامُ بعد ذَلكَ، ولا يُعَابُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]؛

стр. 318

ولِهذَا حَجَّ آدَمُ مُوسَى؛ لأنهُ لَامَهُ على أَمرٍ لَيْسَ مِنْ فِعلِهِ، وأمْرٍ قد تَابَ مِنْ أَسبَابِهِ ورَجَعَ مِنْ أَسبَابِهِ، والتُّوبَةُ تَجُبُّ ما قَبلَهَا، واللهُ جل وعلا أَخرَجَهُ مِنْ الجَنَّةِ بِسببِ الْمَعصِيَةِ، وأَخرَجَ ذُرِيَّتَهُ من الجَنَّةِ لِحكمَةٍ بَالِغَةٍ حَتَّى يُظهِرَ دِينَهُ في الأَرْضِ، وتَعلُو كَلِمتُهُ في الأَرْضِ، وُيعبَدَ وَحدُهُ في الأَرضِ، بعدَما كَانَ في الجَنَّةِ. خُرُوجُ بَنِي آدَمَ هَذِه مِنْ المَصَائِبِ يَعْنِي؟ مِنْ الْمَصَائِبِ، والذي عَمِلَهُ آدَمُ أَكلُهُ مِنَ الشَجَرةِ وقد تَابَ منه. ٧٥١٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُجْمَعُ المُؤمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ المَلَائِكَةَ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا. فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ» (١). (الشَّيخُ): كذا «يُجمَعُ» عِندكَ أَوْ «يَجتَمِعُ»؟ رَاجِعِ الشَّارِحَ، تَعَرَّضَ لها؟ أو العِينِيُّ؟ (القَارِئُ) ما تَعَرَّضَ، أَحسَنَ اللهُ إِليكَ. (الشَّيخُ): ما الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا البَابِ؟ (٢) (القَارِئُ): يَعْنِي بَقِيَّةَ الحَدِيثِ.

стр. 319

(الشَّيخُ): ماذا عنَدَكُم يَا إِخوَانُ؟ فيه شَاهِدٌ لِكَلَامِهِ؟ (القَارِئُ) لا، هَذَا ما فيهِ شَيءٌ. (الشَّيخُ): والتَّعلِيمُ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟ «وعَلَّمَكَ أسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ»، هَذَا الشَّاهِدُ، تَعلِيمُ اللهِ آدَمَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟ (القَارِئُ): التَّرجَمَةُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذِه إِشَارَةٌ لِلكَلَامِ، قَصدُهُ الكَلَامُ، جِنسُ الكَلَامِ يَعْنِي؛ لأنَّ هَذَا ما فيه شَيءٌ يَتَعَلَّقُ بمُوسَى ﵇، فَالظَّاهِرُ أَنَّه أَرَادَ جِنسَ الكَلَامِ مع اسْتِشهَادِهِ بِتَكلِيمِ اللهِ لمُوسَى، مِثلمَا تَقَدَّمَ: كَلَامُ اللهِ لِأهلِ الجَنَّةِ ولِأهلِ المَوقِفِ. أَرَادَ مِنْ هَذَا: «وعَلَّمَكَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ». ٧٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ (١)، يَقُولُ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ (٢):

стр. 320

خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ. ثُمَّ أُتِيَ (١) بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَانِ النِّيلُ وَالفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ،

стр. 321

فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى مَنْ هَذَا، قَالَ جِبْرِيلُ: قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، فَوَعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ (١). فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ تَرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدًا، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، وَدَنَا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ (٢): خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ

стр. 322

حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِد إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ. فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا بِهِ إِلَى الجَبَّارِ، فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا. فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الخَمْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا. فَقَالَ الجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الكِتَابِ. قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا

стр. 323

بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا. قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ» (١). وهَذَا خَبرٌ عَظِيمٌ وهو خَبرُ الْمِعرَاجُ، جَاءَ من عِدَّةِ رِوَايَاتٍ ذَكَرَهَا الْمُؤلِّفُ وغَيرُهُ عن شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبِي نَمرٍ، «ولِشرِيكٍ» ﵀ أَوهَامٌ في هَذَا عندَ أَهْلِ العِلْمِ: منها قَولُهُ: «قَبلَ أن يُوحَى إِلَيه». والمِعرَاجُ بعدَ الوَحِيِ بِمَدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِعشرِ سِنِينَ. ومنها قَولُهُ: «وهو نَائِمٌ ثم اسْتَيقَظَ». والذي عند أَهْلِ السُّنَّةِ وجَاءَتْ به الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أنَّ كُلَّ ذَلكَ كَانَ في حَالِ اليَقَظَةِ، أُسرِيَ به حَالَ اليَقظَةِ، وعُرجَ به في حَالِ اليَقَظَةِ، مع جَبرَائِيلَ ﵊. ومِن أَوهَامِهِ أَيضًا: أَنَّه شَكَّ في مَنَازِلِ الأَنبِياءِ ﵈، فَجَعَلَ إِدرِيسَ ﵊ في الثَّانِيةِ، ومُوسَى ﵊ في السَّابِعَةِ، وهَذَا خِلَافُ الصَّوابِ. والصَّوَابُ أن مُوسَى ﵊ في السَّادِسَةِ، وهَارُونَ ﵊ في الخَامِسَةِ، وإِدرِيسَ ﵊ في الرَّابِعَةِ، وإِبرَاهِيمَ ﵊ هو الذي في السَّابِعَةِ عَلَيهِم الصلاة والسلام.

стр. 324

ومِن أَوهَامِهِ العَظِيمَةِ أَيضًا: قَولُه في الجَبَّارِ: ﴿فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨، ٩]. والصَّوَابُ: أنَّ هَذَا هو جَبرَائِيلِ ﵊ كما قَالَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥]. شَدِيدُ القُوَى هو جَبرَائيِلَ ﵊: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ [النجم: ٦، ٧]، كُلُّ هَذَا جَبرَائِيلُ، قالت عَائِشَةُ ﵂: سَألتُ النَّبيَّ ﷺ عن ذَلكَ فَقَالَ: «هو جَبرَائِيلُ» (١). واللهُ فَوقَ ذَلكَ، فَوقَ العَرشِ، وليس هو الذي تَدَلَّى إلى مُحَمَّدٍ، وإِنَّما تَدَلَّى إليه جَبرَائِيلُ. وقد بَسطَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ وشَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وجَمَاعَةٌ آخَرُونَ الكَلَامَ في هَذَا، وأَوضَحُوا أَوهَامَ شَرِيكٍ، وذَكرَ بَعضَهَا الحَافِظُ هنا في الشَّرحِ، وذَكَرَ غَيرُهُ ذَلكَ. عَفَا اللهُ عنكَ، شَارِحُ «الطَّحَاوِيَّةِ» يَقُولُ: التَّدَلِّي في سُورَةِ النَّجمِ غَيرُ التَّدَلِّي في حَالَةِ الإِسرَاءِ؟ لا، غَلَطٌ، هو غَلطٌ. الصَّوابُ الذي ذَكَرَهُ أَهْلُ العِلمِ، شَرِيكٌ هو الذي في سُورَةِ النَّجمِ، وهو الذي وَهِمَ فيه شَريكٌ، وَأصَابَ فيه غَيرُهُ، أمَّا اللهُ فهو في مَكَانِهِ وهو على عَرشِهِ مِنْ غَيرِ تَدَلٍّ، وإنما الذي تَدَلَّى وتَكَلَّمَ معه هو جَبرَائِيلُ ﵊.

стр. 325

هل فَضلُهُم في المَنزِلَةِ كَفضلِهِم في السَّمَوَاتِ؟ مُحتَمِلٌ، لا شَكَّ أنَّ إِبرَاهِيمَ ﵊ أَفضَلُهُم، ومُوسَى ﵊ كذَلكَ بعدَ إِبرَاهِيمَ ﵊، أمَّا البَاقُونَ فهو محَلُّ نَظرٍ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ما فَسَّرَ القَصرَ الذي بِاللُّؤلُؤِ والزَّبَرجَدِ؟ جاء في بِعْضِ الأَحَادِيثِ أَنَّه قَصرُهُ ﵊، وَأنَّه هو الوَسِيلَةُ. قَولُهُ: «فَقَالَ وهو مَكَانَهُ». يَعُودُ إلى النَّبيِّ ﷺ ؟ يَعْنِي: على العَرشِ، يَعُودُ إلى الرَّبِّ. قَولُهُ: «فقال وهو مَكَانهُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عنا»؟ مُحتَمِلٌ، مُحتَمِلٌ نعم، فَقَالَ: هو اللهُ الذي في مَكَانِهِ؛ لِأنَّه جَاءَه في الْمَرَّاتِ الأُولَى، وهو أَظهَرُ. ويَحتَمِلُ النَّبيَّ ﷺ في مَكَانٍ مُعَيَّنٍ تَكَلَّمَ فيه، مِثلُ ما جَاءَ في رِوَايَةٍ: «في دَارِهِ، يا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، الرِّوَايَةُ السَّابِقةُ في الشَّفَاعةِ. الرَّازِيُّ قَالَ هَذَا: مِنْ أَوهَامِ شَرِيكٍ: «وهو مَكَانَهُ»، وأَنكَرَ المَكَانَ؟ مُحتَمِلٌ، ولا هو صَرِيحٌ، هَذَا ما هو وَاضِحٌ في التَّوهِيمِ يَعْنِي. قَولُهُ هنا: «في قَصْرٍ مِنْ لُؤلُؤٍ وزَبَرجَدٍ فَضَربَ يَدَهُ فإذا هو مِسكٌ أَذفَرُ». ما المَقصُودُ؟ ضَربَ بِيدِهِ في النَّهرِ، هَذَا الْمُرادُ. الرَّسُولُ ﷺ ؟ إي نعم. * * *

стр. 326

بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الجَنَّةِ ٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (١). يَا لَها مِنْ نِعمَةٍ عَظِيمَةٍ، اللهُ يَجعَلُنَا وإِيَّاكُم مِنهُم، يَا لَهَا مِنْ نِعمَةٍ عَظِيمَةٍ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ. ٧٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ

стр. 327

يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يا رَسُولَ اللهِ، لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ. هَذَا ممَّا يَحصُلُ لِأهلِ الجَنَّةِ مِنْ أَنوَاعِ النَّعيمِ ومِن آيَاتِ اللهِ العَظِيمَةِ، هَذَا طَلَبَ الزَّرعَ، واللهُ قَالَ له: ألسَتَ فيمَا تَشتَهِي وتُريدُ، كُلُّ النِّعمِ عندك؟! قَالَ: أُحِبُّ أن أَزرَعَ؛ فَبذَرَ وبَادرَ الطَّرفَ سُرعَة اسْتوَاءِ الزَّرعِ، اسْتِوَاؤُه وحَصَادُهُ وانْتهَاؤُهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ طَرفَة عَينٍ كَالجِبالِ، اللهُ المُستَعَانُ، اللهُ أَكبَرُ. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُ الأَعرَابِيِّ: «ما أَرَاهُ إلا قُرَشِيًّا»، يَكُونُ هَذَا مِنْ الدُّعَابَةِ الجَائِزَةِ أو مِنَ التَّفسِيرِ الذي لَيْسَ المَقصُودُ به القَدْحُ؟ يَظهَرُ واللهُ أَعلَمُ أَنَّه مِنَ الدُّعَابَةِ، وَأنَّه أَرادَ أن يُضحِكَ الرَّسُولَ ﷺ ، وأن يَتَكَلَّمَ بِكَلِمةٍ تُؤنِسُهُ ﵊؛ ولِهذَا قَالَ: ما أَرَاه إلا قرشيًّا أو أنصَاريًّا،

стр. 328

أماَّ البَادِيةُ فَلَيسُوا بأَهلِ الزَّرعِ، لكن ما يَنحَصِرُ الزًّرعُ في قُرَشِيٍّ وأَنصَارِيٍّ؛ ولِهذَا ضَحِكَ ﵊ تَعَجُّبًا مِنْ قَولِهِ. ما نَبَّهُ الحَافِظُ على رِوَايَةِ البُخَارِيِّ لِحَدِيثِ شَريكٍ السَّابِقِ؟ أَظُنَّهُ نبَّهَ عليه، ذَكرَ هَذَا، تَقَدَّمَ في أَوَّلِ الصَّحِيحِ، رِوَايَاتُ الِمِعرَاجِ تَقَدَّمَت في أَوَّلِ الصَّحِيحِ، على عَادَةِ الأَئِمَةِ يَذكُرُونَ الرِّوَايَاتِ على ما رَوَاهُ الثِّقَاتُ، ثم التَّنبِيهُ على الأَخطَاءِ لها بَحثٌ آخَرُ. يَعْنِي: هَذِه تُعتَبرُ الأَلفَاظُ التي في حَدِيثِ شَريكٍ مِنَ الحُرُوفِ التي انْتُقِدَت على الصَّحِيحِ؟ هَذِه ذَكَرَها على ما رَوَاهَا الثِّقَاتُ، ولم يَكنْ عنده ﵀ شَيءٌ يَجزِمُ به بِتركِهَا أو حَذفِهَا، ذَكَرَهَا على ما رَوَاهَا الثِّقَاتُ، وإِنَّما يُنَبِّهُ عَلَيهَا مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ واسْتَكمَلَهَا، ولَعلَّ له شَيْئًا في أَوَّلِ الكِتَابِ، يُرَاجَعُ ما تَقَدَّمَ في أَوَّلِ الكِتَابِ -كِتَابِ الصَّلَاةِ- أَحَادِيث الْمِعرَاجِ؛ قد يَكُونُ نبَّهَ عَلَيها ما رَاجَعتُهَا أنَا. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، إِيرَادُ البُخَارِيِّ الحَدِيثَ عن شَرِيكٍ مع أنَّ له أَوهَامًا؟ هو ثِقَةٌ ومَعرُوفٌ، ومن رِجَالِ الشَّيخَينِ، لكن قد يَكُونُ للرَّجُلِ الثِّقَةِ بَعضُ الأَوهَامِ وإن كَانَ ثِقَةً، يَكُونُ له بَعضُ الأَغلَاطِ وبَعضُ الأَوهَامِ وإن كَانَ ثِقَةً، نبَّهَ عليها غَيرُهُ. * * *

стр. 329

بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالأَمْرِ، وَذِكْرِ العِبَادِ بِالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧١، ٧٢] «غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ». قَالَ مُجَاهِدٌ: «اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ»، يُقَالُ (١): افْرُقْ: اقْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ، فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ، والنَّبَأُ العَظِيمُ: «القُرْآنُ»، ﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]: «حَقًّا فِي الدُّنيَا، وَعَمِلَ بِهِ».

стр. 330

(الشَّيخُ) رَاجِع كَلَامَهُ على التَّرجَمَةِ الأُولَى؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٨٩)]: «قَوْلُهُ: «بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ» فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ والإِبلَاغ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ ابنُ التِّينِ، قَوْلهُ: لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ»: بَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَالثَّنَاءُ وَذِكْرَ اللَّهِ الْإِجَابَةُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ رَفَعَهُ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلين»، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْأَمْرِ ذِكْرُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَيَكُونُ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ إِذَا أَطَاعُوهُ أَوْ بِعَذَابِهِ إِذَا عَصَوْهُ، وَذِكْرُ الْعِبَادِ لِرَبِّهِمْ أَنْ يَدْعُوهُ وَيَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَيُبَلِّغُوا رِسَالَاتَهُ إِلَى الْخلقِ. قَالَ ابن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾: إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى طَاعَتِهِ ذَكَرَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَإِذَا ذَكَرَهُ وَهُوَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذَكَرَهُ بِلعْنَتِهِ. قَالَ: وَمعنى قَوْلهِ ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾ اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَعُونَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِالطَّاعَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالْمَغْفِرَةِ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ عِبَارَةٍ أَكْثَرُهَا عَنْ أَهْلِ الزُّهْدِ، وَمَرْجِعُهَا إِلَى مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالثَّوَابِ أَوِ الْمَحَبَّةِ وَالْوَصْلِ أَوِ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَذِكْرُ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ ..... » إِلَى آخِرِهِ فَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَشْرَكُهُمْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ سَائِرُ الْعِبَادِ، وَحكى ابنُ التِّينِ أَنَّ ذِكْرَ الْعَبْدِ بِاللِّسَانِ وَعِنْدَمَا يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَ رَبِّهِ فَيَكُفُّ». [انتهى كلامه].

стр. 331

قال ابنُ بَازٍ ﵀: الْمَقصُودُ من هَذِه التَّرجَمَةِ أنَّ فيهَا بَعضَ الإِشكَالِ، ولكنَّ مَقصُودَهُ ﵀ أنَّ ذِكرَ اللهِ للعبدِ بِالأَمرِ، هو تَفسِيرٌ للشَّيءِ بِبَعضِهِ، تَفسِيرٌ لِلذِّكرِ بِبَعضِهِ، فإنَّ ذِكرَ اللهِ لِلعَبدِ: قد يَكُونُ بِالأَمرِ وقد يَكُونُ بِغَيرِ الأَمرِ، فهو مِنْ بَابِ التَّفسِيرِ بِالبَعضِ، مِثلمَا فُسِّرَ الصِّرَاطُ الْمُستَقِيمُ بِاتِّبَاعِ القُرآنِ، يَعْنِي: والسُّنَة، بِاتِّبَاعِ أَبِي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، يَعْنِي ما كَانَ عليه مِنْ السَّيرِ على مَنهَجِ السَّلفِ الصَّالحِ. فَذِكرُ اللهِ بِالأَمرِ هو مِنْ هَذَا البَابِ، من بَابِ تَفسِيرِ الشَّيءِ بِبَعضِ مَعنَاهُ، فإنه سُبحَانَهُ يَذكُرُ العِبَادَ بِالأَمر «فَاتَّقُونِ، أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، آتُوا الزَّكَاةَ، حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ»، هَذِه أَوَامرُ. ويَأتِي أَيضًا ذِكرُهُ لِلعِبَادِ بِغَيرِ الأَمرِ. يَأتِي بِالخَبرِ ما كَانَ ومَا يَكُونُ، يَذكُرُهُم بِالمَاضِي، يَذكُرُهُم بِالجَنَّةِ والنَّارِ، يَذكُرُهُم بِيَومِ القِيَامةِ، يُخبِرُ عن بَعضِ ما مَضَى، يُخبِرُ عن بَعضِ ما يَأتِي، يَذكُرُ لهم أَوصَافَ المُؤمِنِينَ، أَوصَافَ الكَافِرِينَ، كُلُّ هَذَا مِنْ ذِكرِهِ سُبحَانَهُ. هو ذَكرَ هَذِه الأَشيَاءَ لِمَا فيهَا مِنْ العِظَةِ والتَّوجِيهِ وتَنبِيهِ العِبَاِد عما يَنبَغِي أن يَفعَلُوه، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكرتُهُ في مَلإٍ خَيرٍ مِنهم» (١). ﴿فاذْكُرُونِي أَذكُرْكُم﴾. فِذِكُرُ اللهِ بِخَوفِهِ، ومَحَبَّتِهِ، والثَّنَاءِ عليه، وبَيَانِ صِفَاتِهِ وأَسمَائِهِ الحُسنَى، إلى غَيرِ ذَلكَ، مِنْ أَسبَابِ أنَّ اللهَ يَذكُرُ العَبدَ بِأحسَنِ خِصَالِهِ وأَفضلِ

стр. 332

خِصَالِهِ مِمَّا يَجرِي ذِكرُهُ العَظِيمُ عند المَلَائِكَةِ. وتَفسِيرُ ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: هو عند المَعصِيةِ يُذَكِّركُمْ بِاللهِ. مَحَلُّ نَظرٍ، وإنما ظَاهِرُ السِّياقِ وظَاهِرُ النُّصُوصِ الأُخرَى: الحَثُّ على ذِكرِهِ بِالقَولِ والعَملِ، يَعْنِي: بِطَاعَتهِ واتِّبَاعِ شَريعَتِهِ، يَذكُرُ العِبَادَ بما يَنفَعُهُم وبما يُعلِي شَأنَهُم عند الْمَلَأ الأَعلَى، وقول المؤلف: (ذِكْرُ اللهِ الأَمرُ) مِنْ بَابِ تَفسِيرِ الشَّيءِ بِبعضِ مَعنَاهُ. وأمَّا ذِكرُ العِبَادِ بِالدُّعَاءِ والخَوفِ والرَّجَاءِ والبَلَاغِ، هَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، العِباُد ذِكرُهُم للهِ بِثنَائِهِم عليه، وتَسبِيحِهِم إِيَّاهُ، وذِكرُ صِفَاتهِ وأَسمَائِهِ، ذِكرُ حَقِّهِ على عِبَادِهِ، البَلَاغُ عنِ اللهِ، والبَلَاغُ عن رَسُولِهِ ﵊، وَعظُ النَّاسِ وتَذكِيرُهُم، كُلُّ هَذَا مِنْ ذِكرِ العِبَادِ. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (٦)﴾ [التوبة: ٦] الشَّاهِدُ منه كَلَامِ اللهِ مِنْ الذِّكرِ؟ هَذَا من ذِكرِهِ سُبحَانَهُ. * * *

стр. 333

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]، وَقَولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. ذكر هذه الآية بعد الآيتين للتنبيه على ان اتخاذ الأنداد هو الشرك، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] هذا هو الشرك، فمن اتخذ الند هو اتخاذ معبود مع الله، يقال فلان: أي نديده ونظيره. فمن عبد المخلوق مع الله بتن دعاه أو أعتقد فيه أنه يصلح للعبادة فقد اتخذ ندًّا لله، وهذا هو الشرك الذي قال الله فيه ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وَ ﴿مَنْ

стр. 334

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ «فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ». وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ بِهِ [الحجر: ٨]: «يَعْنِي: بِالرِّسَالَةِ وَالعَذَابِ» ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]: «المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ»، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]: «عِنْدَنَا»، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]: «القُرْآنُ» ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]: «المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ». قَولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]: ذَكَرَ هَذِه الآيَةَ بعدَ الآيَتَينِ للتَّنبِيهِ على أنَّ اتِّخَاذَ الأَندَادِ هو الشِّركُ، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، هَذَا هو الشِّركُ، فمِنِ اتِّخَاذِ النِّدِّ هو اتِّخَاذُ مَعبُودٍ مع اللهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ نِدُّ فُلَانٍ: أي نَدِيدُهُ ونَظِيرُهُ، فمَنْ عَبدَ المَخلُوقَ مع اللهِ بأنْ دَعَاهُ أو اعْتَقدَ فيه أَنَّه يَصلُحُ لِلعِبَادةِ فقد اتَّخَذَ نِدًّا للهِ، وهَذَا هو الشِّركُ الَّذي قَالَ اللهُ فيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وهَذَا الذي عن عِكرمَةَ هو مَعنَى ما جَاءَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ وهو تَلَقَّاهُ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] هَذَا إِيمَانُهُم تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وشِركُهُم دَعوَتُهُم الأَندَادَ مع اللهِ واتِّخَاذُهُمُ الأَندَادَ، فهم يُؤْمِنُونَ مِنْ جَانِبٍ ويَكفُرُونَ مِنْ جَانِبٍ، وشِركُهُم الذي وَقَعُوا فيه أَبطَلَ إِيَمانَهُم، فإنَّ الإِيمَانَ ما يَلتَئِمُ ولا يَصِحُّ مع الشِّركِ، فَأَحَدُهمَّا يُضَادُّ الآخَرَ. فَإيمَانُهُم الذي نَطَقُوا به وهو اعْتِقَادُهُم أنَّ اللهَ رَبَّهُم، وقَولُهُم: رَبُّنَا اللهُ، هَذَا صَحِيحٌ أَنَّه يُسمَّى إِيمَانًا، لكن إذا سَلِمَ مِنْ الضِّدِّ، إذا جَاءَ الضِّدُّ أَبطَلَهُ، فإذا أَشرَكَ العَبدُ بِاللهِ بَطَلَ إِيمَانُهُ وصَارَ إِيمَانُهُ لَاغيًا لا وُجُودَ له ولا يَنفَعُهُ، كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]، وأَعظَمُ العَملِ الإِيمَانُ يَحبَطُ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]. فهَذَا حَالُ الْمُشرِكِينَ عُبَّادُ الأَصنَامِ والأَوثَانِ والأَموَاتِ والكَواكِبِ،

стр. 335

يَقُولُونَ: اللهُ رَبُّنَا وخَالِقُنَا ورَازِقُنَا، وهم مع هَذَا يَعبُدُونَ الأَصنَامَ والأَوثَانَ، ويَدعُونَها مع اللهِ ويَسجُدُونَ لها، ويَستَغِيثُونَ بها ويُعَظِّمُونَ أَمرَهَا ويُقَاتِلُونَ دُونَها؛ فَصَارَ هَذَا الشِّركُ الذي وَقَعُوا فيه وعَظَّمُوه وقَاتَلُوا مِنْ أَجلِهِ مُحبِطًا ومُبْطِلًا لِمَا ادَّعُوهُ مِنْ الإِيمَانِ. في هَذَا دَلَالَةٌ على اجْتِمَاعِ الشِّركِ الأَصغَرِ مع التَّوحِيدِ والإِيمَانِ؟ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لأنَّ هَذَا في الكُفَّارِ الْمُشرِكِينَ، أمَّا الإِيمَانُ الذي مع أَهْلِ الشِّركِ الأَصغَرِ فهو إِيمَانٌ صَحِيحٌ لَيْسَ من جِنسِ هَذَا، إِيمَانٌ صَحِيحٌ لَكنَّهُ ضَعِيفٌ، أَضَعَفَهُ الشِّركُ الأَصغَرُ والمَعَاصِي، فَإِيمَانُ العُصَاةِ وإِيمَانُ مَنْ تَعَاطَى الشِّركَ الأَصغَرَ كَالرِّياءِ، لَيْسَ مِثلَ إِيمَانِ الكُفَّارِ الَّذِينَ أَحبَطُوهُ بِشرِكِهِم الأَكبَرِ، فَذَاكَ إِيمَانٌ قَارَنَهُ ما أَبطَلَهُ، وهَذَا إِيمَانٌ لم يَبطُلْ، ولكِنَّهُ قَارَنَهُ ما يُضعِفُهُ. حُذَيفَةُ ﵁ لَمَّا رَأَى الخَيطَ قَطَعَهُ وتَلا هَذِه الآيَةَ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]؟ هَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ من حَيثُ المَعنَى؛ لأنَّ أَعظَمَ ذَلكَ ما عليه المُشرِكُونَ الأَوَّلُونَ قد يَدخُلُ في المَعنَى مِنْ حَيثُ جِنسُ الشِّركِ؛ لأنَّ الآيَاتِ التي نَزَلَت في الأَكبَرِ يُحتَجُّ بها على الأَصغَرِ، يَعُمُّ اسمَ الشِّركِ، ولِتَحرِيمِ النَّوعَينِ جميعًا مِثلمَا فَسَّرَهُ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] بِأنوَاعٍ منَ الشِّركِ الأَصغَرِ لِلعُمُومِ، لكن هَذِه الآيَةُ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، أَظهَرُ في إِبطَالِ إِيمَانِهِم؛ للدَّلَالَةِ على أنَّ إِيمَانَهُم هَذَا لا يَنفَعُهُم، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. * * *

стр. 336

٧٥٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» (١). وفي هَذَا الحَدِيثِ جَمعٌ بين الشِّركِ والمَعصِيَةِ؛ لِأَنَّهَا ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ، لكن أَعظَمُهَا الشِّركُ الأَكبَرُ؛ أَعظَمُهَا الشِّركُ؛ لِأنَّه ضِدُّ التَّوحِيدِ الذي بَعثَ اللهُ به الرُّسُلَ، وأَنزلَ به الكُتُبَ، وخَلقَ مِنْ أَجلِهِ الثَّقَلَينِ، فَالشِّركُ هَضمٌ للرُّبُوبِيَّةِ وعَدَمُ إِيمَانِهِم بها على الحَقِيقةِ وتَنَقُّصٌ لِلإِلَهيةِ، وسُوءُ ظَنٍّ بِاللهِ وكُفرٌ به.

стр. 337

وهو أَعظَمُ الذُّنُوبِ وأَخطَرُهَا، وليسَ مع صَاحِبِهِ مَغفِرةٌ ولا رَجَاءٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ، بل هو آيسٌ مِنْ رَحمَةِ اللهِ ومن مَغفِرَتِهِ ما لم يَتَبْ، بِخِلَافِ الْمَعَاصِي؛ فإنَّهَا وإن كَانَتْ عَظِيمَةً وإن كَانَتْ خَطِيرَةً وإن كَانَ صَاحِبُهَا على شَفَا جُرُفٍ لكنَّهَا لَيْسَتْ من جِنسِ الكُفرِ بالله ، بَلْ هي دُونَهُ. ولذَلكَ من مَاتَ عليه لا يُخَلَّدُ في النَّارِ إن دَخَلَهَا، وإنما يُعَذَّبُ إذا شَاءَ اللهُ تَعذِيبَهُ على قَدرِ مَعَاصِيهِ، وقد يَعفُو اللهُ عنه لِأسبَابٍ اقْتَضَت ذَلكَ، أمَّا الْمُشركُ فلا حِيلَةَ فيه، من مَاتَ على الشِّركِ الأَكبَرِ فَالنَّارُ أَولَى به أَبدَ الآبَادِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ ذَكَرَ فيها سُبحَانَهُ القَتلَ والزِّنَا قَرينَي الشَّركِ (١)، والحَدِيثُ ذَكرَ قَتلَ الوَلَدِ والزِّنَا بِحَلِيلَةِ الجَارِ، فَالحَدِيثُ نبَّهَ على أَقبَحِ أَنْواَعِ القَتلِ، وأَقبَحِ أَنوَاعِ الزِّنَا، وَأنَّه أَلصَقُ بِالآيَةِ بِكَونِهِ يَلِي الشِّركَ -نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ- لِأنَّه إذا قَتلَ وَلَدَه جَمَعَ بين قَتلِ النَّفسِ بِغَيرِ الحَقِّ وبَين قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وإذا زَنَا بِحَلِيلَةِ الجَارِ جَمَعَ بينَ شَرَّينِ، بين الزِّنَا وبينَ إِيذَاءِ الجَارِ وإِفسَادِ زَوجَتِهِ عليه. وصَارَ هَذَانِ النَّوعَانِ أَخطَرَ أَنْوَاعِ الزِّنَا والقَتلِ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ، وكُلُّ أَنوَاعِ الزِّنَا شَرٌّ، وكُلُّ أَنوَاعِ القِتلِ بِغَيرِ حَقٍّ شَرٌّ، لكن إذا كَانَ القَتلُ للقَرِيبِ أو للوَلَدِ أو الوَالِدِ أو الأَخِ صَارَ أَقبَحَ، وهَكَذَا إذا كَانَ الزِّنَا بِزَوجَةِ الجَارِ، أو الْمحْرمِ صَارَ أَقبَحَ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. * * *

стр. 338

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]. ٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ - أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ - كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]» الآيَةَ (١). (الشَّيخُ): عندَكَ (كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ)؟ نبَّه الشَّارحُ عليه؟ كأنَّه على مُضَافٍ إِلَيه، قد يُؤنَّثُ الْمُضَافُ لِتَأنِيثِ الْمُضَافِ إليه، كما قَالَ ابنُ مَالِكٍ.

стр. 339

وَرُبَّمَا أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا تَأْنِيثًا انْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوْهَلَا وأَنَّثَ «كَثِيرَةً»؛ مُرَاعَاةً لأنَّ الشَّحمَ مُضَافٌ إلى البُطُونِ، والِفقَهَ مُضَافٌ إلى القُلُوبِ وهي مُؤَنَّثةٌ. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٩٦)]: «وَإِنَّمَا وَصَفَ الْجَمِيعَ بِقِلَّةِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَصَابَ لَمْ يَعْتَقِدْ حَقِيقَةَ مَا قَالَ بَلْ شَكَّ بِقَوْلِهِ: «إِنْ كَانَ». وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِهِمْ: «كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ» وَقَعَ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ، وَأَنَّثَ الشَّحْمَ وَالْفِقْهَ لِإِضَافَتِهِمَا إِلَى الْبُطُونِ وَالْقُلُوبِ، وَالتَّأْنِيثُ يَسْرِي مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِلَى الْمُضَافِ أَوْ أَنَّثَ بِتَأْوِيلِ شَحْمٍ بِشُحُومٍ وَفِقْهٍ بِفِهُومٍ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ولا شَكَّ مِثْلمَا بَيَّنَ أَنَّه يَعلَمُ السِّرَّ وأَخفَى، وَأنَّه يَسمَعُ الخَفِيَّ والجَهرَ ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ [الملك: ١٣]، فهو عَلِيمٌ بِأَحوَالِهِم سَمِيعٌ لِمَقَالِهِم، وإن خَفِيَ على مَنْ يَلتَصِقُ بهم، فإنَّه لا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، سَمعُهُ بِكُلِّ شَيءٍ، وعِلمُهُ لِكُلِّ شَيءٍ . والمَقصُودُ مِنْ ذِكرِ قِصَّةِ الثَّقَفِيِّينِ والقُرشِيِّ أو عَكسِهِ: التَّنبِيهُ على الرَّسُولِ ﷺ ، يُنَبِّهُ العَبَادَ على أنَّ الوَاجِبَ الحَذَرُ مِنَ اللهِ، وأنهُ يَعلَمُ السِّرَّ وأَخفَى ويَسمَعُ النَّجوَى ولا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، فَعَليكَ يَا عَبدَ اللهِ أنْ تَحذَرَ ما حَرَّمَ عليك، وأن تَبتَعِدَ عن ذَلكَ سِرًّا وجَهْرًا، وأن تَعلَمَ يَقِينًا أَنَّه لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ ؛ فَالوَاجِبُ تَعظِيمُهُ والحَذَرُ مِنْ نِقمَتِهِ، والإِقَامَةُ الدَّائِمَةُ على طَاعَتِهِ واتِّبَاعُ شَريعَتِهِ، وتَعظِيمُ أَمرِهِ ونَهيِهِ، فلا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ

стр. 340

سبحانه وتعالى، بِخِلَافِ الْمَخلُوقِ فإنه يَخفَى عليه ما غَابَ عنه وما حِيلَ بينَه وبينه، أمَّا اللهُ فهو لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ جل وعلا. قَولُ الآخَرِ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، مِنْ قَبِيلِ الفِقهِ؟ على كُلِّ حَالٍ هَذَا نَوعٌ مِنْ الفِقْهِ، لكِنْ ما أَنْكَرَ عَليهِ، إذا كَانَ عنده فَقْهٌ أَنكرَ عليه. * * *

стр. 341

بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وَ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] «وَأَنَّ حَدَثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدَثَ المَخْلُوقِينَ»، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ». والمَعنَى: أن حَدَثَهُ لَيْسَ عن جَهْلٍ ولا عن تَغَيُّرِ عِلْمٍ، ولكنَّهُ له الحِكْمَةُ البَالِغَةُ في تَعجِيلِ هَذَا وتَأجِيلِ هَذَا، وشَرعِ هَذَا قَبلَ هَذَا، والتَّخفِيفِ في هَذَا والزِّيَادةِ في هَذَا أو العَكسِ، له الحِكمَةُ البَالِغَةُ في ذَلكَ. بِخِلَافِ الْمَخلُوقِ فإنه قد يَغِيبُ عنه الشَّيءُ ويِجهَلُهُ ثم يَعلَمُه، وقد يَبدُو له ظُهُورُ شَيءٍ ثم يَتَغَيرُ حَالُهُ ويَتَغَيَّرُ فِقهُهُ فيه وعِلمُهُ به. أما هو سُبحَانَهُ فلا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ، وكُلُّ شِيءٍ عنده مَعلُومٌ، ولكنَّهُ له الحِكمَةُ البَالِغَةُ في تَقدِيمِ هَذَا وتَأخِيرِ هَذَا وتَخفِيفِ هَذَا وتَشدِيدِ هَذَا، والعَكْسُ في ذَلكَ، هو الحَكِيمُ العَلِيمُ جل وعلا.

стр. 342

فَالحَدَثُ الذي يَقعُ هو الأَمرُ بِالشَّيءِ أو شَرعُهُ بعد أنْ لم يَكنْ شَرَعَهُ، والتَّجدِيدُ بِالشَّيءِ بِالأَمرِ به بعدَ أنْ لم يَكُنْ أَمرَ به، أو إِنزَالُهُ بعدَ أنْ لم يَكُنْ أنَزَلَهُ. والْمُحدَثُ: الجَدِيدُ لَيْسَ سَابِقًا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] لَيْسَ الْمُرادُ به الحَدثَ الذي هو المَخلُوقُ، وإِنَّما الشّيءُ الذي جَاءَ بعد أن لم يَأتِ، الجَدِيدُ. وقَولُهُ: «يُحدِثُ مِنْ أَمرِهِ ما يَشَاءُ». مِنَ الشَّرَائِعِ، شَرعَ الصَّلَاةَ بعد أنْ لم يَشرَعْهَا، الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، شَرعَ تَحرِيمَ الخَمرِ بعدمَا كَانَ مُستَعمَلًا بينَهُم، شَرعَ الزَّكَاةَ وأَنصِبَتَهَا وتَفصِيلَهَا بعد أن لم يكُن شَرعَها، وهَكَذَا، كُلُّ شَيءٍ جَاءَ في وَقتِهِ لِحِكمَةٍ بَالِغَةٍ، فهو جَدِيدٌ بِالنِّسبَةِ إلى الْمَخلُوقِينَ وهو عندَه مَعلُومٌ ، لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ. بِخِلَافِ حَدَثِ الْمَخلُوقِ، هَذَا شَيءٌ آخَرُ، الْمَخلُوقُونَ كُلُّهُم مُحدَثُونَ مَخلُوقُونَ مَربُوبُونَ، هَكَذَا السَّمَاءُ هَكَذَا الأَرضُ، أَحدَثَها بِمَعنَى خَلَقَهَا وأَوجَدَهَا، لكنَّ الحَدَثَ في الشَّرَائِعِ وفي المُنزَّلِ مِنَ القُرآنِ والكُتُبِ لَيْسَ مَعنَاهُ الحَدَثَ الذي يُصَارُ به السَّمَاءُ أو الأَرضُ أو الجِبَالُ أو البِحَارُ؛ فذاكَ إِحدَاثُ مَخلُوقٍ، وهَذَا إِحدَاثُ وَصفٍ وُصِفَ به جل وعلا لم يَتَقَدَّم به إلى الْمَخلُوقِينَ ثم تَقَدَّمَ به سُبحَانَهُ مِنْ إِنزَالِ القُرآنِ، إِنزَالِ التَّورَاةِ، إِنزَالِ الإِنْجِيلِ، إِنزَالِ الشَّرائِعِ التي نَوَّعَهَا . أَحَدثَ في الصَّلَاةِ أَلَّا يَتَكَلَّموا، وكانوا قَبلَ ذَلكَ يَتَكَلَّمُونَ في حَاجَاتِهِم كَرَدِّ السَّلَامِ والأَمرِ بِالحَاجَةِ، ثم نَسَخَ اللهُ ذَلكَ وأَمرَ بِالخُشُوعِ في الصَّلَاةِ والسُّكُوتِ فيها وعَدمِ الكَلَامِ.

стр. 343

٧٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ، وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ». مَعنَى «مَحضًا» يَعْنِي: خَالِصًا، لَيْسَ فيه تَحرِيفٌ ولا إِدخَالُ شَيءٍ لَيْسَ منه، بِخِلَافِ كُتُبِ المَاضِينَ؛ فقد حَرَّفُوا وغَيَّرُوا وأَدخَلُوا فيها ما لَيْسَ منْهَا، أمَّا هَذَا الكِتَابُ فقد حَفِظَهُ اللهُ مِنْ التَّغييرِ والتَّبدِيلِ، والزِّيَادَةِ والنَّقصِ، وهو أَحدَثُ الكُتُبِ، هي أَقرَبُهَا إلى اللهِ وآخِرُهَا وأَفضَلُهَا وأَعظَمُها، ولا يَلِيقُ بِأُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ أن يَحتَاجُوا إلى كُتُبِ التَّورَاةِ والإِنجِيلِ وكُتُبِ الأَوَائلِ، وقد أَغنَاهُمُ اللهُ بهَذَا في دِينِهِمْ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] يَشمَلُ السُّنَّةَ أو مُقتَصِرٌ على القُرآنِ؟ عَامٌّ يَشمَلُ السُّنَّةَ والقُرآنَ لا شَكَّ، كذَلكَ يَشمَلُ ما يَأتِي يَومَ القِيَامةِ مِنْ مُحَدَثٍ أَيضًا «هل رَضِيتُمْ يِا أَهْلَ الجَنَّةِ هل رَضِيتُمْ» (١)، وقولُهُ لآدَمَ ﵇: «أَخرِجْ بَعثَ النَّارِ» (٢)، وما أَشبَه ذَلكَ، يَعُمُّ السُّنَّةَ، السُّنَّةُ وَحِيٌ مِنْ اللهِ، وَحِيٌ ثانٍ.

стр. 344

٧٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ (١)، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلَا وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ». والشَّاهِدُ: قَولُهُ: «هو أَحدَثُ الكُتُبِ»، وأن الحَادِثَ لا يَلزَمُ المَخلُوقَ، فهو أَحدَثُ الكُتُبِ يَعْنِي: أَقرَبُهَا إلى اللهِ، جَدِيدٌ يَعْنِي، بعدَ التَّورَاةِ والإِنْجِيلِ، وأَقرَبُهَا وأَعظَمُهَا وأَفضَلُهَا وأَحكَمُهَا. ما حُكمُ قِرَاءةِ التَّورَاةِ والإِنجِيلِ لِلرَّدِّ على أَصحَابِهِما؟ إذا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذَلكَ عند أَهْلِ العِلْمِ لا بَأْسَ، كما أن النَّبيَّ ﷺ أَتَى بِالتَّورَاةِ وأَمَرَ بِتِلَاوتِهَا لِلرَّدِّ عَلَيهِم بِإِنكَارِهِمُ الرَّجمَ، إذا كَانَ لِمَقصَدٍ صَالِحٍ وبَيانِ بَاطِلِهِم وبَيَانِ تَزيِيفِهِم وخِدَاعِهِم ومَكرِهِم مِنْ أَهْلِ العِلْمِ

стр. 345

والبَصِيرَةِ الَّذِينَ لهم قَدَمُ صِدقٍ ولهم بَصِيرةٌ وعِلمٌ، مِثلمَا فَعلَ السَّلَفُ، ومثلمَا فَعلَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ، وابنُ القَيِّمِ وغَيرُهُم مِمن قَبلَهُم مِنَ الأَئمَةِ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيهِم من كُتُبِهِم ﵏. ومُنَاظَرَتُهم أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟ كذَلكَ، إذا كَانَ من عَالمٍ بَصِيرٍ بِدِينِهِ، ويَرجُو فيها الخَيرَ ويَرجُو فيها الْمَصلَحَةَ لِلمُسلِمِينَ أو يَرجُو هِدَايَتَهُم. * * *

стр. 346

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَنْزِلُ (١) عَلَيْهِ الوَحْيُ وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي (٢) وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ». ٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا - فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]. قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨]. قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ» (٣).

стр. 347

يُبَيِّنُ الْمُؤلِّفُ ﵀ في البَابِ وما قَبلَهُ وما بَعدَه أنَّ أَفعَالَ الْمَخلُوقِينَ وَصفٌ لهم، وأنَّ فِعلَ اللهِ وصفٌ له : تَحرِيكُ النَّبيِّ ﷺ لِسَانَهُ وقِرَاءَةُ النَّبيِّ وغَيرُ ذَلكَ هَذِه مِنْ أَفعَالِهِ، والْمَقرُوءُ هو كَلَامُ اللهِ ، واللهُ سُبحَانَهُ هو الخَلَّاقُ، هو الرَّزَّاقُ، وهو الْمُحِيي، وهو الْمُمِيتُ، وهو الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ، وكَلَامُهُ صِفةٌ من صِفَاتِهِ، كما أَنَّه الخَلَّاقُ والرَّزَّاقُ والْمُحِيي والْمُمِيتُ وكُلُّ ذَلكَ صِفةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فهَكَذَا كَلَامُهُ بِالقُرآنِ وكَلَامهُ بِغيرِ القُرآنِ كُل ذَلكَ صِفةٌ من صِفَاتِهِ، تَلِيقُ بِاللهِ لا يُشَابِهُهُ فيها خَلقُهُ جل وعلا، كما قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. أمَّا الْمَخلُوقُ فله أَفعَالٌ وله كَلَامٌ لَائقٌ به، يَعتَرِيهِ النَّقصُ والفَنَاءُ والْمَرضُ وغَيرُ ذَلكَ. فَصِفَاتُ الْمَخلوُقِينَ تَلِيقُ بهم وتُنَاسبُهُم، ولها آفَاتُهَا وعَوَارضُهَا، وصِفَاتُ اللهِ تَلِيقُ به ولها الكَمَالُ ولها البَقَاءُ والدَّوَامُ، فهو سُبحَانَهُ الكَامِلُ في ذَاتِهِ وأَسمَائِهِ وصِفَاتِهِ وأَفعَالِهِ، لا شَبِيهَ له ولا شَرِيكَ له. وكان ﷺ يُصِيبُهُ شِدَّةٌ عند سَمَاعِ الوَحِي؛ حِرْصًا منه على حِفظِ الوَحِيِ، وأن يَحفَظَهُ كما جَاءَ به جَبرَائِيلُ ﵊، وكان يُحَرِّكُ لِسَانَهُ عند سَمَاعِ ما يَقرَؤُهُ جَبِرَائِيلُ لِيحفَظَ ولِيضْبِطَ الأَلفَاظَ؛ فَنَهَاهُ اللهُ عن ذَلكَ

стр. 348

قَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦] وفي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤]. وهَذَا مِنْ لُطفِ اللهِ به وَرحمَتِه إِيَّاهُ ألَّا يَتعَبَ بل يُنصِتُ ويَستَمِعُ، فإذا انْتهَى جَبرَائِيلُ مِنْ الوَحِيِ حِفظَهُ ﵊. ما هو بِحَاجةٍ إلى تَكَلُّفٍ، بلِ اللهُ يَجمَعُهُ في قَلبِهِ ويُقرِئهُ إِيَّاهُ ويُحفِّظُهُ إِيَّاه . ولِهذَا قَالَ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧] يَعْنِي: جَمْعَهُ في صَدرِكَ وقِراءَتَهُ، يَعْنِي: يَجِبُ أن تَقرأَهُ كَمَا أَنْزِلَ، فكَان يَستَمِعُ لَجبرَائِيلَ ﵇ ويُنصِتُ، فإذا انْتَهَى جَبرَائِيلُ ﵇ قَرأَهُ كمَا أُنزِلَ، ولم يُخرِمْ منه شَيْئًا (١). وهَذَا من حِفظِ اللهِ لِهذَا الكِتَابِ العَظِيمِ، وأنَّ هَذَا النَّبيَّ الأُمِيَّ ﷺ الذي لا يَكْتبُ ولا يَقرَأُ الخَطَّ أَنزلَ اللهُ عليه هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ الْمُعجِزَ، الذي قَرأَهُ وحَفِظَهُ وبَلَّغَهُ لِلأُمَّةِ، وأَنزَلَ عليه الوَحيَ الثَّانِيَ -السُّنَّةَ- على أَنوَاعِهَا وكَثرَتِهَا فَحفِظهَا وبَلَّغَها أُمَّتَهُ ﵊ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد: ٤٠]. فقد بلَّغَ البَلَاغَ الْمُبِينَ، وأَدَّى الأَمَانَةَ، وجِمِيعُ أَصحَابِهِ يَشهَدُونَ له بذَلكَ، ثم مَنْ بَعدَهُم مِنْ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، وهو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ إلى يَومِنَا هَذَا، يَشهَدُونَ له بِالبَلَاغِ، ونحن نَشهَدُ له بِالبَلَاغِ، وكُلُّ مُسلمٌ عَقلَ ذَلكَ، كلٌّ يَشهَدُ له بذَلكَ وُيؤمِنُ بذَلكَ، أَنَّه بَلَّغَ البَلَاغَ الْمُبِينَ ﵊، وَأنَّه حَفظَ ما أُنْزِلَ إِلَيهِ وأَدَّى الأَمَانَةَ، ولم يَتَوَفَّ إلا وقد بَلَّغَ ما أُنزِل إليه، وأَكَمَلَ اللهُ به الدِّينَ، وأَتَمَّ به النِّعمَةَ ﵊.

стр. 349

(الشَّيخُ): تَكَلَّمْ عندكم على المُعلَّقِ: «وقال أَبُو هُرَيرَةَ»؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠٠)]: «قَولُهُ: وقال أَبُو هُرَيرَةَ عن الَّنبيِّ ﷺ : «قال اللهُ : أنا مع عَبدِي إذا ذَكَرَنِي». في رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: «ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَت بي شَفَتَاهُ»، هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخرَجَهُ أَحمَدُ والبُخَارِيُّ في «خَلقِ أَفعَالِ العِبَادِ»، والطَّبَرَانيُّ مِنْ رِوَايةِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابرٍ عَنْ إِسمَاعِيلَ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي الْمُهاجِرِ، عن كَرِيمَةَ بِنتِ الحَسحَاسِ -بِمهمَلَاتِ- عن أَبِي هُرَيرَةَ فَذَكَرَهُ بِلفْظِ: «إذا ذَكَرَنِي»، وفي رِوَايةٍ لِأحمَدَ: حدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ ونحنُ في بَيتِ هَذِه -يَعْنِي أُمَّ الدَّردَاءِ- أَنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ فَلَمَّا سَلَّمْتُ جَلَسْتُ؛ فَسَمِعْتُ كَرِيمَةَ بِنْتَ الْحَسْحَاسِ وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ فِي بَيْتِ هَذِهِ -تُشِيرُ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ- سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ «مَا ذَكرنِي». وَأَخرَجَهُ أحْمَدُ أَيْضًا وابنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ كَرِيمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَجَّحَ الْحُفَّاظُ طَرِيقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ كَرِيمَةَ وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ مَعًا، وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.

стр. 350

قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَا مَعَ عَبْدِي زَمَانَ ذِكْرِهِ لِي، أَيْ أَنَا مَعَهُ بِالْحِفْظِ وَالْكِلَاءَةِ، لَا أَنَّهُ مَعَهُ بِذَاتِهِ حَيْثُ حَلَّ الْعَبْدُ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا هو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، أَنَّها مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ مِثلُ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. مَعيَّةٌ خَاصَّةٌ تَقتَضِي الحِفظَ والكَلَاءَةَ والتَّوفِيقَ، بِخِلَافِ المَعِيَّةِ العَامَّةِ، فإن لها مَعنًى آخَرَ وهو العِلمُ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. (الشَّيخُ): رَاجَعِ «التَّقرِيبَ» كَرِيمةَ بِنتِ الحَسْحاسِ. [قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقْرِيبِ التَّهذِيبِ» (٨٦٧١)]: «كَريمَةُ بنتُ الحَسحَاسِ المُزَنِيةُ، مِنْ الثَّالِثَةِ، عخ». (الشَّيخُ): رَاجِع إِسمَاعِيلَ بنَ عُبَيدِ اللهِ بن أَبِي الْمُهَاجرِ. [قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقْرِيبِ التَّهذِيبِ» (٤٦٦)]: «إِسمَاعِيلُ بنُ عُبَيدِ اللهِ بن أَبِي الْمُهَاجرِ الْمَخزُومِيِّ مَولَاهُمُ الدِّمَشِقِيُّ، أَبُو عبدِ الحَمِيدِ، ثِقَةٌ منَ الرَّابِعَةِ، مَات سَنَةَ إِحدَى وثَلَاثِينَ وله سَبعُونَ سَنَةً، خ م د س ق». في نُسخةٍ: ابنُ أَبِي المُهَاجِرِ؟ وعند «التَّقرِيبِ» كذَلكَ. أَيُّهما صَحِيحٌ؟ ضَعْ نُسخَةً عندَكَ، ابنُ الْمُهَاجرِ، يُرَاجَع «التَّهذِيبُ» وغَيرُهُ، غَالِبُ ظَنِّي أَنَّه ابنُ أَبِي المُهَاجِرِ.

стр. 351

قَولُهُ: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ [البروج: ٢٠]؟ هَذَا مَعنَاهُ أَنَّه مُحِيطٌ بهم، يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، وهو فَوقَ العَرشِ، «من وَرَاءِ كُلِّ شَيءٍ» يَعْنِي مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ وهو يَعلَمُ سِرَّهَم وما يُخفُونَ وما يُبدُونَ وما يَعمَلُونَ في جَمِيعِ الأَحوَالِ ، وهو فَوقَ العَرشِ، فَمَعنَى أَنَّه وَرَاءَهُم أَنَّه مُحِيطٌ بهم جل وعلا، لا يَخفَى عليه شَيءٌ مِنْ شُؤونِهم. تَقُولُ العَربُ «أنا مِنْ وَرَائِكَ»، يَعْنِي لا أَغْفلُ عنك. .؟ يَعْنِي تَزُورُهُ وتُحِبُّهُ وتَسمعُ حَدِيثَهُ. وهَذَا الأَثرُ الْمُعلَّقُ يُوافِقُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمُتصِلَ في «الصَّحِيحَينِ»: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكرتُهُ في نَفسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكرتُهُ في مَلإٍ خَيرٍ منه» (١)، فهو يُشبِهُهُ في المَعنَى، فيه الحَثُّ على إِدَامَةِ الذِّكرِ بِالقَلبِ واللِّسَانِ والعَملِ، وأنَّ المُؤمِنَ كَثِيرُ الذِّكرِ بِقَلبِهِ ولِسَانهِ وعَمَلهِ، بِالقَلبِ مِثلُ خَوفِ اللهِ ومَحبَّتهِ، وتَذكُّرِ عَظَمَتِهِ واستِحقَاقِهُ العِبَادَةَ، وتَذَكُّرِ ما يَجبُ عليكَ له مِنْ حَقٍّ يَكُونُ على بَالِك، ذَاكِرًا له بِالقَلبِ خَوفًا وشَوقًا وَرَجَاءً ومَحَبَّةً وتَعظِيمًا، وبِاللِّسَانِ بِأنْوَاعِ الذِّكرِ مِثل التَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ والتَّهلِيلِ والتَّكبِيرِ، وقَولِ: لا إِلهَ إلا اللهُ، إلى غَيرِ ذَلكَ. وبِالعَملِ مِثْل الجَوَارِحِ: كَالصَّلَاةِ، والصَّدَقَاتِ، والجِهَادِ، والأَمرِ بِالمَعرُوفِ، والنَّهيِ عنِ الْمُنكَرِ، وغَيرِ هَذَا من أَنْوَاعِ أَعمَالِ الخَيرِ.

стр. 352

أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، ذِكرُ اللهِ لِلعِبَادِ، كيف يَذْكُرُهُم؟ يَذكُرُهُم في المَلَإ الأَعلَى عند المَلَائِكَةِ «ذَكَرتُهُ في نَفسِي»، هَذَا صِفَةٌ تَخُصُّهُ، فهَذَا ذِكرٌ لِلعَبدِ في نَفسِهِ، وأنَّ العَبدَ يَذكُرُ مَولَاهُ، وأنَّ اللهَ يَذكُرُهُ، فهَذَا مِنْ نِعمِ اللهِ العَظِيمَةِ، ومِن أَسبَابِ تَوفِيقِ اللهِ له وهِدَايَتهِ له بِسبَبِ ذِكرِهِ للهِ، وأمَّا ذِكرُهُ في المَلإِ: ذِكرُهُ في المَلَائِكَةِ. الجَزَاءُ مِنْ جِنسِ العَمَلِ. وهَذَا فيه إِثبَاتُ النَّفسِ للهِ كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] لكن نَفسٌ تَلِيقُ بِاللهِ، ما يَعلَمُ كَيفِيَّتَهَا إلا هو . * * *

стр. 353

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣، ١٤] ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ [طه: ١٠٣]: «يَتَسَارُّونَ» ٧٥٢٥ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: «نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ، سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]» (١). وتَسمِيَةُ القِرَاءَةِ صَلَاةً ما يُستَغرَبُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ، لِأَنَّهَا في الحَقِيقَةِ صَلَاةٌ؛ لأنَّها دُعَاءٌ وثَنَاءٌ على اللهِ، وتِلَاوَةٌ لِكِتَابهِ هي صَلَاةٌ، والصَّلَاةُ تُطلَقُ على الدُّعَاءِ

стр. 354

والضَّرَاعةِ إلى اللهِ. والتعبُّدُ له تُسمَّى صَلَاةً، ومنه قوله ﵊ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللهُ : «قَسمْتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبَينَ عَبدِي نِصفَينِ فإذا قَالَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبدِي، وإذا قَالَ: الرَّحمَنُ الرَّحِيمِ. قَالَ: أَثنَى عَلَيَّ عَبدِي، وإذا قَالَ مَالِكِ يَومِ الدِّينِ. قَالَ: مَجَّدَنِي عَبدِي … » (١) إلى آخره، فَسمَّى الفَاتِحَةَ صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا رُكنُ الصَّلَاةِ، ولأنَّها عِبَادةٌ عَظِيمَةٌ. ٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ» (٢). الأَظْهَرُ قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في هَذَا، وأنَّها في القِرَاءَةِ لا في الدُّعَاءِ؛ لأنَّ الدُّعَاءَ يُستَحَبُّ فيه الإِخفَاتُ، والإِسرَارُ ما يَكُونُ بين ذَلكَ، بل يُستَحَبُّ فيه الإِخفَاتُ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، فَالإِسرَارُ في الدُّعَاءِ مَطلُوبٌ، وقَولُهُ: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] يَقتَضِي خِلَافَ ذَلكَ، ولِهذَا ما قاله ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ الْمُراَد به القِرَاءَةُ أَظهَرُ وأَبْيَنُ، أمَّا الدُّعَاءُ فهو مَشرُوعٌ فيه السِّرُّ بينَ العَبدِ وبين رَبِّهِ، إلا إذا كَانَ دُعَاءً يُؤمَّنُ

стр. 355

عليه كَدُعَاءِ القُنُوتِ والاسْتِسقَاءِ ونَحوِ ذَلكَ، هَذَا يَجهَرُ ولا يُخَافِتُ، يَجهَرُ. فَعُلِمَ بذَلكَ أنَّ الْمُرادَ بِالصَّلَاةِ هنا: القِرَاءةُ كمَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄. ٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»، وَزَادَ غَيْرُهُ: «يَجْهَرُ بِهِ». وهَذَا فيه الحَثُّ على تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقِرَاءَةِ، والتَّلَذُّذُ بِالقِرَاءةِ والخُشُوعُ فيها والتَّحزُّنُ؛ حَتَّى تُحرِّكَ القُلُوبَ للقَارِئِ والْمُستَمِعِ، ومنه: «زَيِّنُوا القُرآنَ بِأصوَاتِكم» (١)، ومنه: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كَأذنِهِ لِنَبِيٍّ حَسنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ، يَجهَرُ به» (٢). والجَهرُ بِالقُرآنِ مع تَحسِينِ الصَّوتِ والتَّخَشُّعِ فيه له أَثرٌ عَظِيمٌ في تَحرِيكِ قَلبِ القَارِئِ وقُلُوبِ الْمُستَمِعِينَ، لكنْ لَيْسَ على سَبِيلِ التَّمطِيطِ أو الغِنَاءِ، إِنَّما التَّغَنِّي التَّلذُّذُ به وتَحسِينُ الصَّوتِ بهِ. (الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الشَّارِحُ أو ما تَكَلَّمَ؟ أو العِينِيُّ؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٥٠١)]: «وَحَدِيثَ أَبِي
следующие страницы →