← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 855

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - ابن باز

ابن باز

Полный текст (432 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال الإِمَامُ القَسْطلَّانيُّ ﵀ (٣/ ٢٧٥): ««مِنْ قَصَبٍ» بِفَتحِ القَافِ وَالصَّادِ المُهْمَلةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ في حَدِيثٍ عِنْدَ الطَّبَرَانيِّ في «الأَوسَطِ» تَفْسِيرُه مِنْ طَريقِ ابنِ أَبِي أَوْفَى بِلَفظِ: «يَعنِي مِنْ قَصَبِ اللُّؤْلُؤِ». وَعِندَهُ في «الكَبيرِ» مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيرةَ: «بِبَيتٍ مِنْ لُؤْلُؤةٍ مُجَوَّفَةٍ»، وَعِندَه فِي «الأَوسَطِ» في حَدِيثِ فَاطِمةَ قَالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَينَ أُمِّي خَدِيجَةُ؟ قَالَ: «فِي بَيتٍ مِنْ قَصَبٍ». قُلتُ: أَمِنْ هَذَا القَصَب؟ قَالَ: «لَا، مِنَ القَصَبِ المَنْظُومِ بِالدُّرِّ وَاللُّؤلُؤِ وَاليَاقُوتِ». فَإِنْ قُلتَ: مَا النُّكْتَةُ في قَولِه: «مِنْ قَصَبٍ» وَلَمْ يَقُلْ مِنْ لُؤلُؤٍ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ في لَفظِ «القَصَبِ» مُنَاسَبةٌ؛ لِكَونِهَا أَحْرَزَتْ قَصَبَ السَّبقِ لِمُبادَرَتِها إلى الإِيْمَانِ دُونَ غَيرِهَا. فَإِنْ قُلْتَ: لمَ قَالَ: «بِبَيتٍ» وَلَمْ يَقُلْ: بِقَصرٍ؛ وَالقَصْرُ أَعْلَى وَأَشْرفُ؟ أُجِيبَ: بِأنَّهَا لمَّا كَانتْ ربَّة بَيتٍ قَبلَ المَبعَثِ، ثُمَّ صَارَتْ رَبَّة بَيتٍ في الإِسْلَامِ مُنْفَردةً بِه، فَلَم يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي أَوَّلِ يَومٍ بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ بيتُ إِسْلامٍ إِلَّا بَيتُهَا، وَهِي فَضِيلةٌ مَا شَارَكَهَا فِيهَا غَيرُهَا، وَجَزاءُ الفِعلِ يُذْكَرُ غَالبًا بِلَفظِه وَإِنْ كَانَ أَشْرفَ منه قَصْدًا لِلمُشَاكَلةِ وَمُقَابلةِ اللَّفظِ بِاللَّفظِ، فَلِهذَا جَاءَ الحَدِيثُ بِلَفظِ «البَيتِ» دُونَ ذِكرِ القَصرِ». [انتهى كلامه]. ٧٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (١). يَعْنِي في الجَنَّةِ كما في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى، وهَذَا مِنْ كَلَامِهِ: «أَعدَدتُ»، هَذَا الشَّاهِدُ: «يَقُولُ اللهُ: أَعدَدتُ … ». اللهُ يَجعَلُنَا وإِيَّاكُم منهم، اللهُ المُستَعَانُ، اللهُ المُستَعَانُ. ٧٤٩٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ،

стр. 282

وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١). ٧٥٠٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَلَكِن وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بَرَاءَتِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ (٢). الشَّاهِدُ قَولُهَا: «أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ»، وقَولُهُ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ المُتَقَدِّمِ: «وقَولُكَ الحَقُّ».

стр. 283

٧٥٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ» (١). وهَذَا فَضْلُهُ وجُودُهُ، وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ العَظِيمُ هَذَا وما جَاءَ في مَعنَاهُ كُلُّهُ يَدُلُّ على فَضلِ اللهِ العَظِيمِ ، فَالعَبدُ إذا هَمَّ بِالحَسنَةِ فلم يَعمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسنَةٌ بهَذَا الهَمِّ وهَذَا القَصدِ، كأن يَهِمَّ أن يَعُودَ مَرِيضًا، أو يَهِمَّ أن يَتَصَدَّقَ، أو ما أَشبَهَ ذَلكَ من أَعمَالِ الخَيرِ تُكتَبُ له حَسنَةٌ، فإنْ فَعَلَهَا كُتِبَتْ له عَشرُ حَسنَاتٍ إلى سَبعِمَائةِ ضِعفٍ، إلى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ. أمَّا إنْ همَّ بِالسِّيئَةِ فإنها [لا] تُكتَبُ عليه حَتَّى يَعمَلَهَا، فإن عَمِلَها كُتِبَت سَيئَّةً وَاحِدةً فَقَطْ بِمثلِهَا، كما قَالَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فإن ترَكهَا مِنْ أَجلِ اللهِ كُتَبتْ له حَسنَةً، وهَذَا فَضلُهُ كأن يَهِمَّ بأن يَسرِقَ أو يَسُبَّ فُلَانًا ثم لا يَفعَلُ لم تُكتَبْ عليه، فإن تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ، خَافَ اللهُ، تَركَ مِنْ أَجلِ خَوفِ اللهِ كُتِبَت له حَسنَةً؛ لأنَّه تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ

стр. 284

كما قَالَ: «مِنْ جَرَّائِي». وهناك حَالٌ ثَالثَةٌ: وهي أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ لِفِعلِهَا ولكِنْ يَعجَزُ؛ فهَذَا تُكتَبُ عليه. فَتَركُ السَّيَّئةِ له أَحوَالٌ ثَلَاثٌ: أَحَدهُا: أن يَترُكَهَا مِنْ غَيرِ قَصدِ اللهِ، هَكَذَا تَسَاهُلًا فلا تُكتَبُ عَليه. الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أن يَترُكَهَا خَوفًا منَ اللهِ؛ فَتُكتَبُ له حَسنَةً. الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ في فِعلِهَا، ولكن يُغلَبُ ويَعجَزُ فَتُكتَبُ عليه السَّيئَةُ، كمَا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إذا الْتَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ». قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ فما شَأنُ القَتِيلِ؟! قَالَ: «إنه كَانَ حَرِيصًا على قَتلِ صَاحِبِهِ» (١). يَعْنِي: قدْ فَعَلَ وَلكِنَّهُ غُلِبَ، وهَكَذَا مَنْ هتَكَ السِّترَ وهَتَكَ الحِرزَ واجْتَهدَ في أَخذِ السَّرِقةَ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ يَأثَمُ وتُكتَبُ عليه؛ لِأنَّه فَعَلَ ما اسْتَطَاعَهُ، وهَكَذَا مَنْ فَعلَ جُهدَهُ لِفِعلِ السَّيئَةِ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ تُكتَبُ عَليهِ تلكَ السَّيئَةُ؛ لِأنَّه بَذلَ في هَذَا عَمَلًا مُنكَرًا. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، تُكتَبُ عليه السّرقَةُ كَامِلَةً أو ما بَاشَرَ مِنْ أَسْبَابِهَا؟ اللهُ أَعلَمُ، المَقْصُودُ: أَنَّه آثِمٌ، أمَّا السَّيئَةُ ما أَعلَمُ عِظَمَهَا وكَيفِيِّتَها اللهُ أَعلَمُ، في الحَدِيثِ: «القَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ» عمَّهُ الوَعِيدُ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. .؟ نعم مِثلُهُ، دَاخِلٌ في هَذَا، رَجُلٌ كَانَ له عِلمٌ ومَالٌ وكان يَعمَلُ بِمَالِهِ فيما شَرعَ اللهُ فهو في خَيرِ المَنَازِلِ، والثَّانِي: له عِلمٌ وليس له مَالٌ فهو يَقُولُ: لو أنَّ لي مَالَ فُلَانٍ لَعمِلتُ مِثلَ عَمَلِهِ فَله مِثلُ أَجرِهِ بِنيَّتِهِ الصَّالِحَةِ .... إلخ.

стр. 285

٧٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ. قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ». ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (١). (الشَّيخُ): في نُسخَتكَ «مُزَرِّدٍ» بِالكَسْرِ؟ [قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (١٧٢/ ١٩)]: «مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المَيمِ وفَتحِ الزَّاي وكَسرِ الرَّاءِ المشَدَّدةِ وبِالدَّالِ المُهمَلَةِ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا هو المَعرُوفُ «مُزَرِّد» كَسرُ الرَّاءِ مع التَّشدِيدِ. (الشَّيخُ) رَاجِعِ «التَّقرِيبَ»: مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ؟ [قال الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في «تقْرِيبِ التَّهذيبِ» (٦٧٧٠)]: «مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المِيمِ وفَتحِ الزَّاي وتَثقِيلِ الرَّاءِ المَكسُورَةِ، عَبدُ الرَّحمَنَ بنُ يَسَارٍ مَولَى بَنِي هَاشَمٍ المَدَنِيُّ، لَيْسَ به بَأسٌ، مِنْ السَّادِسَةِ، خ م س».

стр. 286

قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا يَدُلُّ على أن الشَّكلَ هنا لَيْسَ عليه اعْتِمَادٌ (١)، وأنَّ الذي يَتَحَرَّى الشَّكَلَ لَيْسَ عنده ضَبطٌ كما يَنبَغِي؛ فبَعضُ النُّسخِ «مزرَّد» بِالفَتحِ، غَلطٌ في الشَّكلِ. ٧٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: مُطِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِي» (٢). الحدِيثُ تَمَامُهُ: «فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرنَا بِفضْلِ اللهِ وَرحْمَتِهِ فذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ، وأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا وكَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤمِنٌ بِالكَوكَبِ». واحْتَجَّ به العُلمَاءُ على أَنَّه لا يَجُوزُ أن يُقَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا، أو بِنَجمِ كَذَا، ولكِنْ يَقُولُ: مُطِرنَا بِفَضلِ اللهِ ورَحمَتِهِ؛ لِأنَّه مِنْ جُودِهِ وكَرَمهِ . وأنَّ نِسبَةَ المَطرِ إلى الكَواكَبِ كُفرٌ. ثم فيه التَّفصِيلُ: هل كُفرٌ أَكبَرُ أو كُفرٌ أَصغَرُ؟ على حَسبِ حَالِ مَنْ قَالَ ذَلكَ، مَنْ اعتَقَدَ أَنَّها مُؤثِّرَةٌ وأنَّهَا هي التي تُمطِرُ كَانَ كُفرًا أَكبَرَ؛ شِركٌ في الرُّبُوبِيَّةِ، وإن كَانَ ظَنَّ أَنَّها سَبَبٌ وقال هَذَا لأنَّهُ يَعتَقِدُ أَنَّها سَبَبٌ صَارَ هَذَا كُفرًا أَصغَرَ، فلا

стр. 287

يَقُولُ هَذَا مُطلَقًا، فهو كُفرٌ مُطلَقًا، لكن فيه التَّفصِيلُ مِنْ جِهَةِ كَونِهِ أَكبَرَ أو أَصغَرَ على حَسَبِ القَوَاعِدِ الشَّرعِيَّةِ. ٧٥٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ». اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، وهَذَا في اللَّفظِ الآخَرِ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». قَالتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ، هو المَوتُ فَكُلُّنَا نَكرَهُ المَوتَ. قَالَ: «لا، ولكِنَّ المُؤمِنَ إذا حَضَرَهُ أَجلُهُ بُشِّرَ بِرَحمَةِ اللهِ وفَضلِهِ -أو قَالَ-: ورِضْوَانِهِ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، والكَافِرُ إذا حَضَرهُ أَجَلُهُ بُشِّرَ بِغَضبِ اللهِ وعَذَابِهِ؛ فَكرِهَ لِقَاءَ اللهِ فَكرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (١). نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. ٧٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (٢).

стр. 288

(الشَّيخُ): تَكَلَّمَ عليه الحَافِظُ أو العَينِيُّ؟ أو تَقَدَّمَ في كذا؟ وفي بَعضِهَا: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي وأنا مَعَه إذا دَعَانِي» (١). [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٠)]: «قَولُهُ: قَالَ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي. تَقَدَّمَ في أَوَائلِ التَّوحِيدِ في بَابَ ﴿ويُحُذِّركُمُ اللهُ نَفسَهُ﴾ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالحٍ عن أَبِي هُرَيرَةَ، وَأَوَّلُهُ يَقولُ اللهُ، وزَادَ: «وأنا مَعهُ إذا ذَكَرنِي … » الحدِيثَ. وتَقَدَّمَ شَرحُهُ هنَاك مُستَوفًى». [انتهى كلامه]. ٧٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟. قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ» (٢). اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، ذَكَرَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُهُ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذَا كَانَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِنَفسِهِ، وَأنَّه فَعلَ ما لا يُغفَرُ واشْتَدَّ عليه خَوفُ اللهِ وخَشيَتُهُ

стр. 289

سبحانه وتعالى؛ فَفَعَلَ ما فَعلَ جهلًا منه بِكمَالِ القُدرَةِ؛ فَعفَا اللهُ عنه لِأنَّه جَهِلَ هَذَا الشَّيءَ، هَذَا المِقدَارَ منِ القُدرَةِ هَذَا المِقدَارَ العَظِيمَ، وهَذَا مما قد يَجهَلُهُ بَعضُ النَّاسِ. واحتُجَّ به على أنَّ الإِنسَانَ قد يَجهَلُ بَعضَ الأَشيَاءِ التي قد يُجهَلُ مِثلُهَا فَيُعفَى عنه لِجَهلِهِ، بِخِلَافِ الأُمُورِ الوَاضِحَةِ فإنَّه لا يُعذَرُ بِجَهلِهَا، بل لا بُدَّ مِنْ فِعلِهَا إن كَانَتْ وَاجِبَةً، أو ترَكِهَا إن كَانَتْ مُحرَّمَةً. ٧٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا- فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ- فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ- أَوْ أَصَبْتُ -آخَرَ، فَاغْفِرْهُ؟ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ (١): رَبِّ أَصَبْتُ -أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ- آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» (٢). هنا «أَعَلِمَ»، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «عَلمَ» بِدُونِ هَمزَةٍ يَعْنِي: ما دَامَ العَبدُ هَكَذَا

стр. 290

متى وَقَعَ منه الذَّنبُ بَادَرَ بِالتَّوبةِ والإِقلَاعِ والنَّدمِ؛ فإن اللهَ يَغفِرُ له ، ولو سَبَقَتْ لَهُ ذُنُوبٌ، كُلُّ ذَنبٍ يُؤخَذُ به عَلَى حِدَةٍ، فإذَا تَابَ مِنهُ وأَنَابَ إلى اللهِ غَفرَ اللهُ لَه، وإذا وَقَعَ بعد ذَلكَ في الذَّنبِ بعد تَوبَةٍ صَادِقَةٍ أُخِذَ بِالذَّنبِ الأَخِيرِ إلَّا أنْ يَتُوبَ، فإن تَابَ غَفرَ اللهُ له، وهَكَذَا إلى المَوتِ. فاَلذُّنُوبُ تَتَنوَّعُ والتَّوبَةُ تَتَبعَّضُ، فإذا تَابَ مِنْ الذَّنبِ تَوبَةً صَادِقَةً ثم بُليَ به مَرَّةً أُخرَى أُخِذَ بِالأَخِيرِ، والأَوَّلُ مَضَى بِتَوبَتِه، وهَكَذَا إذا كَانَ له ذُنُوبٌ فَتَابَ من هَذَا دُونَ هَذَا، أُخذَ بِالذَّنبِ الذي لم يَتُبْ منه، وغُفِرَ له ما تَابَ منه تَوبَةً صَادِقةً، وإنما يَكُونُ مُصِرًّا إذا لم يَتُبْ، هَذَا هو المُصرُّ الذي أَتَى بِالذَّنبِ ثم الذَّنبِ ثم الذَّنبِ ولم يَتُبْ، هَذَا هو المُصِرُّ ولا يُغفَرُ للمُصِرِّ؛ لأنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥]. فَأمَّا مَنْ تَابَ ونَدِمَ وأَقلَعَ، ثم وَقَعَ فيه مَرَّةً أُخْرَى ولم يُصرَّ عليه سَابقًا، وإنما وَقَعَ له ذَنبٌ مِثلُ ذَلكَ أو غَيره؛ فهَذَا يُؤخَذُ بِالأَخِيرِ إلا أن يَتُوبَ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: قَولُهُ: «فَليعمَلْ ما شَاءَ»؟ الظَّاهِرُ: أن المُرادَ بهَذَا لَيْسَ الإِذْنَ له، وإنَّما ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ فإنَّه لا يَضُرُّهُ، ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ كُلَّمَا أَذنَبَ تَابَ ولم يُصرَّ على الذَّنبِ؛ فإنَّ حُكمَ اللهِ في ذَلكَ أَنَّه يُتَابُ عليه في ذَلكَ، وليس المُرَادُ به أَنَّه مَأذُونٌ لَهُ أَنْ يَفعَلَ أو يَعصِيَهُ، ما دَامَ فَليعمَلْ ما شَاءَ. قد يُقَالُ: المُرَادُ بهَذَا التَّهدِيدُ، لكنَّ المَقَامَ ما هو مَقَامُ تَهدِيدٍ، المَقَامُ مَقَامُ الفَضْلِ، فالمَعْنَى ما دَامَ بهَذِه الحَالَةِ فإنه يُغفَرُ له، ما دَامَ كُلَّمَا أذنَبَ تَابَ وأَقلَعَ فعليه أن يَتَوقَّى الذُّنُوبَ وعليه أن يَحذَرَهَا، ولكِنْ ما دَامَ متى فَعَلَ تَابَ فَإنَّهُ لا

стр. 291

يَضُرُّه ذَلكَ الذَّنبُ الذي يَسَّرَ اللهُ له التَّوبَةَ منه، لكنَّ العَبدَ على خَطرٍ، قد يُبتَلَى بِالذَّنبِ ثم لا يُوفَّقُ للتَّوبةِ، فَالحَزمَ كُلَّ الحَزمِ أن يَحذَرَ ولا يَتَّكلَ على أَنَّه سَيتُوبُ؛ لأن هَذَا قد يُستَدرَجُ ويُصَابُ ولا يُمَكَّنُ مِنْ التَّوبَةِ؛ عُقُوبَةً له بِتَسَاهُلِهِ. ٧٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ -أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَ: كَلِمَةً: يَعْنِي- أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ، قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟. قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ -أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ- عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي -أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي- فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِي فِيهَا». فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَقَالَ اللَّهُ : كُنْ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ: أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، - أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ - قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا» وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: «فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا». فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: «أَذْرُونِي فِي البَحْرِ». أَوْ كَمَا حَدَّثَ (١).

стр. 292

حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: «لَمْ يَبْتَئِرْ» وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: «لَمْ يَبْتَئِزْ» فَسَّرَهُ قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ. (الشَّيخُ): الأَوَّلُ عن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؟ السَّابِق؟ (القَارِئُ): إي نعم. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: عن أَبِي هُرَيرَةَ وعن أَبِي سَعِيدٍ ﵄، وهَذَا الثَّالِثُ عن سَلمَانَ ﵁. اللهُ أَكبَرُ. (الشَّيخُ): رَاجِعْ كَلَامَهُ على هَذَا؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٣)]: «قَوْلُهُ: «عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الرِّقَاقِ مَعَ سَائِرِ شَرْحِهِ. وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ «ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ «قَبْلَهُمْ» وقَدْ مَضَى فِي الرِّقَاقِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُعْتَمِرٍ بِلَفْظِ: «ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ قَبْلَكُمْ» وَلَمْ يَشُكَّ. وَقَوْلُهُ: «قَالَ كَلِمَةً» يَعْنِي أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا، فِي رِوَايَةِ مُوسَى «آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا». وَقَوْلُهُ: «أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ» قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ بِنَصْبِ أَيٍّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ «كُنْتُ»، وَجَازَ تَقْدِيمُهُ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَجَوَابُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: «خَيْرَ أَبٍ»، الْأَجْوَدُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ: كُنْتَ خَيْرَ أَبٍ؛ فَيُوَافِقُ مَا هُوَ جَوَابٌ عَنْهُ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ أَنْتَ خَيْرُ أَبٍ.

стр. 293

وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ» أَوْ «لَمْ يَبْتَئِزْ» تَقَدَّمَ عَزْوُ هَذَا الشَّكِّ أَنَّهَا بِالرَّاءِ أَوْ بِالزَّايِ، لِرِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَقَدْ وَجَدْتُهَا هُنَا فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ. وَقَوْلُهُ: «فَاسْحَقُونِي»، أَوْ قَالَ «فَاسْحَكُونِي» فِي رِوَايَةِ مُوسَى مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ أَوْ قَالَ: «فَاسْهَكُونِي». [انتهى كلامه]. (الشَّيخُ): تَكَلَّمَ على الحُكمِ أو ما تَكَلَّمَ؟ والعَينِيُّ تَكَلَّمَ على الحُكمِ؟ مَاذَا قَالَ؟ [قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٦٣)]: «قَولُهُ: فَغَفَرَ لَهُ. قِيلَ: إِنْ كَانَ مُؤمِنًا فَلمَ شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَكيف غُفِرَ لَهُ؟ وَأجِيبَ: بِأَنَّهُ كَانَ مُؤمنا بِدَلِيل الخَشيَةِ، وَمعنى: «قَدرَ»، مُخفَّفًا ومُشَدَّدًا: حَكَمَ وَقضَى أَوْ ضَيَّقَ. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ [البلد: ٥]، وَقيل أَيْضًا: على ظَاهِرِهِ، وَلكِنَّه قَالَه وَهُوَ غَيرُ ضَابِطٍ لنَفسِهِ، بل قَالَه فِي حَالِ دُخُولِ الدَّهشِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ؛ فَصَارَ كَالغَافِلِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، أَوْ أَنَّه جَهِلِ صِفَةً مِنْ صِفَاتَ اللهِ، وجَاهِلُ الصَّفةِ كُفرُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، أَوْ أَنَّه كَانَ فِي زمَانٍ يَنْفَعهُ مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ، أَوْ كَانَ فِي شَرعِهِم جَوَازُ الْعَفوِ عَنْ الْكَافِر، أَوْ مَعنَاهُ: لَئِنْ قَدرَ اللهُ عَليَّ مُجْتَمِعًا صَحِيحَ الْأَعْضَاءِ لَيُعَذبنِي، وَحسِبَ أَنه إِذا قَدرَ عَلَيْهِ مُحتَرِقًا مُفْتَرِقًا لَا يُعَذِّبهُ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: الأَفضَلُ مِثلمَا قَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُهُ أَنَّه جَهِلَ كَمَالَ هَذِه الصِّفَةِ، كَمَالَ القُدرَةِ، ومِثلُ هَذَا قد يَجهَلُهُ الإِنسَانُ، الجَهْلُ بِالصِّفَةِ لَما كَانَ شَيْئًا دَقِيقًا في أَمرِ الصِّفَاتِ غُفرَ له؛ لأن مِثلهُ قد يَجهَلُ ذَلكَ، وهَذَا يَدُلُّ على أنَّ دَقَائِقَ الأُمُورِ التي قد تَخفَى على العَامِّيِّ ولا يَضبِطُهَا ولا تَكُونُ في حِسَابِهِ يُعفَى عنه؛ لأنهُ جَهِلَ، بِخِلَافِ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ التي يَعلَمُهَا

стр. 294

النَّاسُ ولا تَخفَى؛ هَذَا لا يُعفَى عنه للتَّسَاهُلِ فيها، أو جَهِلَهَا لِإِعرَاضِهِ وغَفلَتِهِ. قَولُهُ: في الحَدِيثِ الأَولِ: «لم يَعمَلْ خَيرًا قَطُّ»؟ يَحْتَمِلُ -واللهُ أَعلَمُ- يَعْنِي الخَيرَ الذي لَيْسَ بِفَرضٍ مِنْ التَّقَرُّبَاتِ والمُسَابَقةِ إلى الخَيرَاتِ، لَيْسَ المُرادُ تَركَ الوَاجِبَاتِ أو فِعلَ الْمُحَرَّماتِ، مُحتَمِلَةٌ، العِبَارَةُ هَذِه مُحتَمِلَةٌ، فإنَّ ظَاهِرهَا أَنَّه ما عنده شَيءٌ بِالكُلِّيةِ وليس هو المُرادُ، بل عندَه مِنْ الإِيمَانِ والتَّوحِيدِ الوَاجِبِ ما يكون سَببًا لِنَجَاتِهِ، لكِنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنَ القُدرَةِ. وعلى كُلِّ حَالٍ هو شَيءٌ مما مَضَى، والإِشكَالُ في كَونِ الرَّسُولِ ﷺ ذَكَرَهُ وسَكَتَ وأَقَرَّ، هَذَا هو مَحَلُّ الإِشكَالِ. والجَوَابُ: أنَّ مَنْ عَلِمَ الشَّرائِعَ وعَرفَ الأَحكَامَ لَيْسَ كَمَنْ جِهِلهَا؛ فَعليهِ أن يُؤدِّيَ ما عَرفَ وتَركُ ما حُرِّمَ، وإذا جَهِلَ شَيْئًا مما قد يَجهَلُهُ العَامِيُّ الذي لَيْسَ عنده مَعلُومَاتٌ وليس منَ الأُمُورِ الظَّاهِرةِ التي مِثل الصَّلَاةِ مِثل الزَّكَاةِ، الشَّيءَ الوَاضِحَ؛ فإنَّه قد يُعفَى عنه لِجَهلِهِ بذَلكَ الشَّيءِ، مِثلُ أَصحَابِ الفَترَاتِ ومَن أَدرَكَهُ الإِسلَامُ وهو أَصَمُّ أَبكَم لا يَفهَمُ، أو مُخَرِّفٌ؛ لأنَّ هَؤلَاءِ مَعذُوُروُنَ، فهَذَا كذَلكَ في هَذِه الأَشيَاءِ الدَّقِيقَةِ، فهَؤلَاءِ كالَّذِينَ لم يُدرِكُوا الشَّرِيعَةَ ولم تَبلُغْهُم الرِّسَالَةُ، فهو لَفظٌ مُجمَلٌ لا بُدَّ أن يُفسِّرَه بما جَاءَتِ به الشَّريعَةُ الإِسلَامِيَّةُ. كَلِمَةُ: «خَيرًا»، نَكِرةٌ في سِيَاقِ النَّفيِ ما تَعمُّ؟ مُحتَمِلَةٌ، مُحتَمِلَةٌ، اللهُ أَعلَمُ. * * *

стр. 295

بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ ٧٥٠٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ شُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ». فَقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). لَفظُ أَنسٍ ﵁ هَذَا مُختَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعةِ، يَشفَعُ النَّبيُّ ﷺ عِدَّةَ شَفَاعَاتٍ كما يَأْتِي، أَربعَ شَفَاعَاتٍ، وفي كُلِّ مَرةٍ يَسأَلُ رَبَّه أن يَدخُلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتهِ كذا وكذا من أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ دَخَلُوهَا بِمَعَاصِيهِم، يَعْنِي: أن يُخرِجَهَم مِنَ النَّارِ إذا كَانَ في قُلُوبِهِمْ هَذَا المِقدَارُ من الإِيمَانِ مع التَّوحِيدِ، يَسأَلُ رَبَّهُ أن يُخِرِجَهُم مِنْ النَّارِ مِنْ أَجلِ ما مَاتُوا عليه مِنَ التَّوحِيدِ الذي هو ضِدُّ الشِّركِ، ويُخرِجُ مِنْ قُلُوبِهِمْ هَذِه المَثَاقِيلَ.

стр. 296

ما يَكُونُ هَذَا المِقدَارُ هو التَّوحِيدُ والإِيمَانُ؟ مع التَّوحِيدِ، زَائِدٌ على التَّوحِيدِ. أَشَفَعَ مِنْ بَابِ الدُّعَاءِ؟ نعم يَطلُبُ رَبَّهُ. ٧٥١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ العَنَزِيُّ، قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ البُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا، فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ (١)، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ

стр. 297

بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي (١)، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أَوْ خَرْدَلَةٍ - مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى (٢) مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، (٣) فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ». فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَوْ مَرَرْنَا بِالحَسَنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ فَحَدَّثَنَا بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ

стр. 298

ابْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالحَدِيثِ، فَانْتَهَى إِلَى هَذَا المَوْضِعِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثَنَاهُ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ (١)، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ: «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢). أَحسَنَ اللهُ إِليكَ قَالَ في الرِّوَايَةِ: «أَدْنَى» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، و «مِنْ النَّارِ» وَاحِدَةً فَقَطْ؟ ذَكَرَ «مِنْ النَّارِ» بِالنِّسبَةِ إلى حَدَيثِ الشَّفَاعَةِ: «مِنْ النَّارِ، مِنْ النَّارِ، مِنْ النَّارِ»، وهي في الأُولَى والثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ.

стр. 299

(الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على الرِّوَايَةِ: «أَدْنَى أَدْنَى»؟ لَعَلَّهَا رِوَايَتَانِ، رِوَايَةٌ فيها: «أَدْنَى أَدْنَى»، وفي رِوَايةٍ: «أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى». نبَّه عليه الشَّارِحُ أو ما نبَّهَ عليه؟ نَتَأمَّلُهَا بَعدِين. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٥)]: «قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَقُولُ» ذَكرَ ابنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ «ثُمَّ نَقُولُ» بِالنُّونِ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ، فَإِنْ كَانَ رُوِيَ بِالْيَاءِ طَابَقَ التَّبْوِيبَ أَيْ: «ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ» وَيَكُونُ جَوَابًا عَنِ اعْتِرَاضِ الدَّاوُدِيِّ حَيْثُ قَالَ قَوْلهُ: «ثُمَّ أَقُولُ» خِلَافٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ؛ فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَوْجُودُ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ: «ثُمَّ أَقُولُ» بِالْهَمْزَةِ كَمَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْمُسْتَخْرَجِ» مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ أَحْمَدَ بْنِ جَوَّاسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالتَّشْدِيد، عَنْ أبي بكر عَنْ عَيَّاشٍ، وَلَفْظُهُ: «أَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لِي: لَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَعِيرَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ». فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا؛ فَيُجَابُ إِلَى ذَلِكَ ثَانِيًا؛ فَوَقَعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذِكْرُ السُّؤَالِ وَفِي الْبَقِيَّةِ ذِكْرُ الْإِجَابَةِ. وَقَوْلُهُ فِي الْأُولَى: «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ»، قَالَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ. وتُعقِّبَ: بِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: «أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ

стр. 300

حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ». قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: «أَدْنَى أَدْنَى»، التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ التَّوْزِيعُ عَلَى الْحَبَّةِ وَالْخَرْدَلِ، أَيْ أَقَلُّ حَبَّةٍ مِنْ أَقَلِّ خَرْدَلَةٍ مِنَ الْإِيمَانٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ صِحَة القَوْل بِتَجزِيءِ الْإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ. وقَولُهُ: «قَالَ أَنسٌ: كَأَنِّي أَنظُرُ إلى أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » يَعْنِي: قَولُهُ: «أَدنَى شَيءٍ»، وكَأَنَّه يَضُمُّ أَصَابِعَهُ ويُشِيرُ بها. وقَولُهُ: «فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ، مِنَ النَّارِ»، التَّكرِيرُ للتَّأكِيدِ أَيضًا لِلمُبَالَغَةِ، أو للنَّظرِ إلى الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ من الحَبَّةِ والخَردَلةِ والإِيمَانِ، أو جَعلَ أَيضًا للنَّارِ مَرَاتِبَ. قُلتُ: سَقَطَ تَكْرِيرُ قَولِهِ: «مِنْ النَّارِ» عند مُسلِمٍ ومَن ذَكَرتُ معه في رِوَايَةِ حَمَّادِ بن زَيدٍ هَذِه، واللهُ تَعَالَى أَعلمُ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ويَحتَمِلُ «مِنْ النَّارِ» أَنَّه كَرَّرَهَا لِأجلِ تَكرَارِ الشَّفَاعَةِ في الحَالَاتِ، في كُلِّ مَرَّةٍ مُقَابِلُهَا مِنْ النَّارِ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، تَسلَسُلُ الأَنبِياءِ ما يَدُلُّ على تَسَلسُلِ [الفَضلِ] (١)؟ بينهم مَسَافَاتٌ، لكن يَدُلُّ على الشَّرفِ الخَاصِّ. وهَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ هو المَشهُورُ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، والشَّفَاعَةُ جَاءَتْ فيها أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعةٌ فيها زِيَادَةٌ ونَقصٌ فيمَا بينهَا، وجِمَاعُها أنَّ النَّاسَ يَفزَعُونَ يَومَ القِيَامَةِ ويَشتَدُّ بهم الكَربُ، ثم يَمُوجُ بَعضُهُم في بِعْضِ من شِدِّةِ الهَولِ وضِيقِ المَقَامِ وكَثرَةِ العَرقِ، وخَوضِ النَّاسِ في عَرقِهِم كَالسُّيُولِ العَظِيمَةِ

стр. 301

حَتَّى يُلْجِمَهُمُ العَرقُ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، فَيمُوجُ بَعضُهُم في بِعْضٍ حِينئذٍ ويَنظُرُونَ ماذا يَفعَلُونَ؛ فَيفزَعُ المُؤمِنُونَ إلى آدَمَ ﵊ ويَقُولُونَ: أَنت أَبُو البَشرِ، خَلقَكَ اللهُ بِيدِهِ، وأَسْجدَ لك مَلَائِكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ؛ ألا تَرَى ما نَحنُ فيه؟! ألا تَرَى ما قد بَلَغَنَا؟! فاشْفَعْ لنا إلى ربك؛ فَيَقُولُ: لست هُنَاكُم -ويَذكُرُ خَطِيئَتَهُ وهي أَكلُهُ مِنْ الشَّجرَةِ- نَفسِي نَفسِي نَفسِي، ثم يُحِيلُهُم إلى نَوحٍ ﵊؛ لأنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ إلى أَهْلِ الأَرضِ بَعدَمَا وَقَعَ فيهَا الشِّركُ. فَيَأتُونَ نُوحًا ﵇ ويَقُولُونَ: أنت أَوَّلُ رَسُولٍ أَرسَلَهُ اللهُ إلى أَهْلِ الأَرضِ، قد سَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكُورًا؛ أَلَا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟! ألا ترى ما قد بَلغنَا؟! اشفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، فَيقُولُ: لسْتُ هُنَاكُم-ويَذكُرُ سَؤَالَهُ الذي سَألَهُ رَبَّه فَعَاتَبَه اللهُ عَليهِ فيهِ، وهو قَولُه في سُؤَالِهِ لابْنِه: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]- اذْهَبُوا إلى غَيرِي، اذْهَبُوا إلى إِبرَاهِيمَ. فَيأتُونَ إِبرَاهِيمَ ﵊، فيَقُولُونَ له: أنتَ خَلِيلُ اللهِ؛ اشْفعْ لنا إلى رِبِّكَ. فَيقُولُ: لسْتُ هُنَاكُم، ويَذكُرُ كَذَبَاتِهِ التي كَذَبَهَا، وهي ثَلَاثٌ، كُلُّهَا في ذَاتِ اللهِ. ثم يُحِيلُهُم إلى مُوسَى ﵇، كَلِيمِ الرَّحمنِ؛ فَيأتُونَ مُوسَى، ويَقُولُ: لَستُ هُنَاكُمْ -ويَذكُرُ قَتلَهُ النَّفسَ التي قَتَلَهَا ولم يُؤذَنْ له في قَتلِهَا- اذْهَبُوا إلى عَيسَى»؛ فَيأتُونَ إلى عِيسَى ﵇، فَيعتَذِرُ ويَقُولُ: لَستُ هُنَاكُمْ. وفي بِعْضِ الرِّوَايَاتِ: كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: «إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قَبلَهُ مِثلَهُ، ولم يَغضَب بَعدَهُ مِثلَهُ»، وكُلُّ وَاحِدٍ يقُولُ: «نَفسِي نَفسِي نَفسِي»، ثم يُحيلُهم عِيسى ﵊ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَبدٍ غَفرَ اللهُ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ وما تَأَخَّرَ، ﵊.

стр. 302

فَيأتُونَ مُحَمَّدًا ﵊؛ فَيقُولُ: «أنا لها»، ثم يَتَقَدَّمُ فَيسجُدُ تَحتَ العَرشِ، يَتَقَدَّمُ إلى رَبهِ ويَسجُدُ بين يَدَيهِ ويَحمَدُهُ بِمَحَامدَ كَثِيرَةٍ يَفتَحُهَا عليه ثم يَشفَعُ. وهَذَا هو المَقَامُ الْمَحمُودُ الذي وَعدَهُ اللهُ به في قَولِهِ جل وعلا: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، فيشَفَعُ في أَهْلِ المَوقِفِ حَتَّى يُقضَى بينهم، ويَشفَعُ فيمَن دَخلَ النَّارَ مِنْ أُمِّتهِ عِدَّةَ شَفَاعَاتٍ ﵊. وفي هَذَا الحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرةٌ: منها: الرَّدُّ على الخَوَارجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ ويَقُولُونَ: من عَصَى فقد كَفَر، ومَن أَتَى كَبِيرةً فقد كَفرَ، والرَّدُّ عَلَيهِم وعلى المُعتَزِلَةِ في تَخلِيدِ العُصَاةِ في النَّارِ، فَالحَدِيثُ يَدُلُّ على أَنَّهُمْ لا يُخَلُّدُونَ، وهَكَذَا بَقِيةُ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ في ذَلكَ، كُلُّها دَالَةٌ على أَنَّهُمْ لا يُخَلَّدُونَ، ولَيسُوا بِكُفَّارٍ، فَيقتَضِي من ذَلكَ بُطلَانِ قَولِ الخَوَارجِ وقَولِ المُعتَزِلةِ ومَن قَالَ بِقَولِهم مِنَ الإِبَاضِيَّةِ وغَيرِهِم ممن رَأَى خُلُودَ العُصَاةِ في النَّارِ. وفيه من الفَوَائِدِ: فَضلُ النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّ لَه هَذَا المقَامُ العَظِيمُ مع بَقِيةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِم الصلاة والسلام، وهَذَا شَرفٌ عَظِيمٌ على رُؤُوسِ الأَشهَادِ. وفيه من الفَوَائِدِ: أَنَّه يَحسُنُ أَمَامَ الدُّعَاءِ الثَّنَاءُ على اللهِ، إذا أَرَادَ العَبدُ أن يَدعُوَ رَبَّه أن يُثنِيَ عليه ويُمَجِّدَهُ سُبحَانَهُ ثم يَدعُو بَعْدَ ذَلكَ. وهَذَا مَعنَى ما جَاءَ في حَدِيثِ فُضالَةَ بنِ عُبَيدٍ ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ سَمِعَه يَدعُو، ولم يَحمَدِ اللهَ ولم يُصَلِّ على النَّبيِّ فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا». ثم قَالَ: «إذا دَعَا أَحَدُكُم رَبَّه فَليبْدَأ بِتَحمِيدِ رَبِّه والثَّنَاءِ عليه، ثم يُصَلِّي

стр. 303

عليَّ ثم يَدعُو بمَا شَاءَ» (١). فَيَنبَغِي في الدُّعَاءِ تَقدِيمُ الثَّنَاءِ والحَمدِ على اللهِ ؛ لِأنَّه ذُو فَضلٍ وذُو إِحسَانٍ، ثم يُثَنِّي بِالصَّلَاةِ على النَّبيِّ ﷺ ، ثم يَدعُو بما أَحَبَّ، فهَذَا مِنْ أَسبَابِ الإِجَابَةِ. وفيه: أن العُصَاةَ كمَا تَقَدَّمَ لا يُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وأَنَّهم مَرَاتبُ في دُخُولِهمُ النَّارَ على حَسبِ مَعَاصِيهِم التي مَاتُوا عليها، مِنْهُم مَنْ يَكُونُ في قَلبِهِ شَيءٌ كَثِيرٌ مِنَ الإِيمَانِ، وَمِنهُم مَنْ يَكُونُ في قَلبِهِ الشَّيءُ اليَسِيرُ بعدَ التَّوحِيدِ، فالتَّوحِيدُ لا بُدَّ منه، فلا نَجَاةَ إلا بِاللهِ ثم بِالتَّوحِيدِ، فاللهُ حَرَّمَ على النَّارِ أَهْلَ التَّوحِيدِ، حَرَّمَ عَلَيهِم دُخُولَها إذا اسْتَقَامُوا على التَّوحِيدِ وأَدَّوا الوَاجِبَاتِ ولم يَمُوتُوا على المَعَاصِي، فهَؤلَاءِ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ. أما مَنْ لَطَّخَ تَوحِيدَهُ بِالمَعَاصِي فهو تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ؛ لأنَّ تَوحِيدَهُ نَاقِصٌ، وإِيمَانَهُ ضَعِيفٌ حِينئَذٍ بِالمَعَاصِي، فيكون عُرضَةً لِدُخُولِ النَّارِ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، ولِهذَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فَأهْلُ التَّوحِيدِ الَّذِينَ مَاتُوا على المَعَاصِي مِنْ السَّرِقةِ أو الزِّنَا أو الرِّبَا أو شُربِ الخَمرِ أو غَيرِ هَذَا ولم يَتُوبُوا هَؤلَاءِ هم المُرادُ في هَذِه الشَّفَاعَةِ وفي هَذَا قَولُهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وفي هَذَا: فَضلُ هَؤلَاءِ الرُّسُلِ عَلَيهِم الصلاة والسلام؛ لِأنَّه خَصَّهُم بِالقَصدِ بأن تَقَدَّمُ إليهم المُؤمِنُونَ وهم أُولُو العَزمِ: نُوحٌ، وإِبرَاهِيمُ، ومُوسَى، وعِيسَى، ومُحَمَّدٌ عَلَيهِم الصلاة والسلام.

стр. 304

وفيه أَيضًا: الحَذرُ مِنْ المَعَاصِي وأن عَاقِبَتَها وَخِيمَةٌ، وَأنَّه لا يُمكِنُ أن يَرضَى أَحَدٌ بِدُخُولِ النَّارِ ولو لَحَظَةً، فكَيفَ بِالإِقَامَةِ فيها مَا شَاءَ اللهُ من الزَّمَانِ، فَالعَاقِلُ والرَّاغِبُ في النَّجاةِ يَحذَرُ أَسبَابَ دُخُولِ النَّارِ من جَمِيعِ الوُجُوهِ، وذَلكَ بِالحَذَرِ من المَعَاصِي والحَذَرِ مِنْ أَسبَابِهَا، ومتى وَقَعَ في شَيءٍ منها بَادَرَ بِالتَّوبَةِ وسَارَعَ إلى التَّوبَةِ؛ لِأنَّه لا يَدرِي متى يَهجِمُ عليه الأَجَلُ، فَالوَاجِبُ الحَذرُ أَوَّلًا مِنْ المَعَاصِي والسَّيئَاتِ، ثم الحَذرُ مِنْ الإِقَامةِ والإِصرَارِ عليها. الَّذِينَ يَذهبُونَ إلى الأَنبِيَاءِ سَائرُ النَّاسِ أم أَهْلُ الإِيمَانِ؟ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «المُؤمِنُونَ» «يَفزَعُ المُؤمِنُونَ»، هَكَذَا، ولا مَانعَ مِنْ أن يَفزَعَ غَيرُهم، لكن نَصُّ الحَدِيثِ «ويَفزَعُ المُؤمِنُونَ»؛ لأنهم أَعلَمُ بِرُسُلِهِم وأَعلَمُ بِالرُّسُلِ وأَعلَمُ بِمَقَامَاتِهِم. وأيضًا الكُفَّارُ في هَمٍّ عَظِيمٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ وشِدَّةٍ من البَلَاءِ والعَذَابِ، فهم في شُغلٍ شَاغِلٍ عنِ الفَزعِ إليه، بِخَلَافِ المُؤمِنِينَ فإنهم في رَحمَةٍ ورَاحةٍ وخَيرٍ عَظِيمٍ. ٧٥١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ الجَنَّةُ مَلْأَى، فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ

стр. 305

مَرَّاتٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ الجَنَّةُ مَلْأَى، فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنيَا عَشْرَ مِرَارٍ» (١). وهَذَا فيه اخْتِصَارٌ، وقد جَاءَ في الرِّوَايَاتِ الأُخرَى-الرِّوَاياتِ الكَثيرَةِ- أَنَّه يُخيَّلُ إليه أَنَّها مَلأَى، وليسَ الحَقِيقَةُ أَنَّها مَلأَى ولكن يُخيَّل إليه أَنَّها مَلأَى، فَالجنَّةُ فيها سِعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذَا دَخَلَها قِيلَ له: تَمنَّ؛ فَيتَمَنَّى فَيُقاَلُ: لكَ ما تَمنَّيتَ ومِثلُهُ ومِثلُهُ. وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «وعَشرَةُ أَمثَالِهِ … » إلى آخِرِ الحَدِيثِ، واللهُ المُستَعَانُ. وهَذَا آخِرُ مَنْ يَخرُجُ مِنْ النَّاسِ مِنَ العُصَاةِ، فكَيفَ بِحَالِ الأَتقِيَاءِ؟ فماذا يَكُونُ لهم؟! الوَسِيلَةُ ما مَعنَاهُا؟ الوَسِيلَةُ لها مَعنَيِانِ: ١ - وَسِيلَةٌ بِمَعنَى الطَّاعَةِ والقُربَةِ، كَمَا قَالَ جل وعلا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] يَعْنِي القُربَ إليه بِطَاعَتِهِ، إذا أَطلَقَ الوَسيلَةَ: القُربُ إليه بِطَاعَتِهِ. ٢ - أما الوَسِيلَةُ في الأَذَانِ، في دُعَاءِ الأَذَانِ فهي المَنزِلَةُ التي في الجَنَّةِ للنَّبيِّ ﷺ .

стр. 306

هي غَيرُ المَقَامِ المَحمُودِ؟ غَيرُ المَقَامِ الْمَحمُودِ، الوَسيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ، مَسكَنٌ. بَعضُ الخُرَافِيِّينَ وبَعضُ الجَهلَةِ يَظنَّ أن الوِسِيلَةَ دُعَاءُ الأَنبِياءِ والاِستِغَاثَةُ بِالأَنبِياءِ والاسْتِغَاثةُ بِالأَموَاتِ أو بِالمَلَائِكَةِ. هَذَا مِنْ أَعظَمُ الفِريَةِ ومِن أَعظَمِ الكَذبِ والإِلحَادِ؛ فإنَّ هَذَه لَيستْ وَسِيلَةً إلى الخَيرِ، وَسيلَةٌ إلى النَّارِ، دُعَاءُ الأَموَاتِ والأَنبِياءِ والمَلَائِكَةِ وَسيلَةٌ نعم، لكن وَسِيلَةٌ إلى النَّارِ، وَسِيلَةٌ إلى غَضَبِ اللهِ، وَسِيلَةٌ إلى الخُلُودِ في النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ. فإنَّ الوَسَائلَ التي أَمرَ اللهُ بها في قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] وقَولِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، يَعْنِي القُربَ إليه بِطَاعَتِهِ، هَذَا مَعنَى ما قَالَ أَهْلُ التَّفسِيرِ، وقد أَجمَعَ أَهْلُ التَّفسِيرِ على ذَلكَ أنَّ الْمُرادَ بِالوَسِيلةِ طَاعَةُ اللهِ ورَسُولِهِ، والتَّقرُّبُ إليه بما شَرعَ ، وأَعظَمُهَا التَّوحِيدِ، أَعظَمُهَا الإِخلَاصُ للهِ تَعَالَى بِالعَملِ، هَذَا أَعظَمُ الوَسَائِلِ. أما قَولُ الجَهلَةِ: إن الوَسِيلَةَ التَّقرُّبُ بُدُعَاءِ الأَنبِيَاءِ والاسْتِغَاثةُ بِالأَنبِيَاءِ؛ لأَنَّهم مُعَظَّمُونَ وأَنَّهم أَحبَّاءُ اللهِ، هَذَا مِنْ أَعمَالِ الوَثَنِيِّينَ، مِنْ أَعمَالِ أَبِي جَهلٍ وأَشبَاهِهِ. وهَكَذَا مَنْ فَسَّرَهَا بِالجَاهِ: السُّؤَالُ بِجَاهِ فُلَانٍ أو بِحَقِّ فُلَانٍ هَذَا غَلَطٌ أَيضًا، لَيْسَتْ هَذِه هي الوَسِيلَةُ بل هَذَا بِدعَةٌ، السُّؤالُ بِجَاهِ فُلَانٍ أو بِحَقِّ فُلَانٍ هَذَا مِنْ البِدَعِ، لا أَصلَ لها في الشَّرعِ، إنما الوَسيلَةُ هي التَّقرُّبُ إلى اللهِ بِطَاعَتِهِ، واتِّبَاعِ شَريعَتِهِ، وفِعلِ أَوامِرِه وتَركِ نَوَاهِيهِ، وهي التي أَمرَ اللهُ بها في قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] يَعْنِي: القُربَةَ إليه بِطَاعتِهِ وتَركِ مَحَارِمِهِ.

стр. 307

الدُّعَاءُ بِجَاهِ النَّبيِّ ﷺ ؟ بِدعَةٌ، هَذِه بِدعَةٌ مِنَ البِدعَ، مِنْ وَسَائلِ الشِّركِ. وكذَلكَ: قَولُهُ في عِيسَى ﵇: «رُوحُ اللهِ وكَلِمَتُهُ» يَعْنِي رُوحًا مِنَ الأَرْوَاحِ التي خَلقَهَا وجَعَلَهَا في عِيسَى ﵇ كالتي خَلقَهَا في البَاقِينَ في آدَمَ وإِبرَاهِيمَ وغَيرِهِم مِنَ الأَنبِيَاءِ والنَّاسِ، فاللهُ الذي خَلقَ أَروَاحَهُم وأَوجَدَهَا فهي رُوحٌ مِنَ الأَرْوَاحِ التي خَلَقَهَا اللهُ وأَوجَدَهَا، لكنها رُوحٌ شَرِيفَةٌ. وهَكَذَا «كَلِمَتُهُ»؛ لِأنَّه كَانَ بِالكَلِمَةِ، قَالَ اللهُ له: ﴿كُنْ﴾ فكَانَ، سُمِّي بِالكَلِمَةِ يَعْنِي: أَنَّه كَانَ بِالكَلِمَةِ لَيْسَ له أَبٌّ، خَلَقُهُ اللهُ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، «وَرُوحُ اللهِ» مِنْ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِه، مِثلُ «نَاقَةِ اللهِ»، مِثلُ «رَسُولِ اللهِ»، مثلُ «بَيتِ اللهِ» من بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وتَكرِيمٍ. فإنَّ المُضَافَ إلى اللهِ قِسمَانِ: ١ - مَعنًى مِنْ المَعَانِي. ٢ - وذَاتٌ قَائِمَةٌ. فالمَعنَى من المَعَانِي إذا أُضِيفَ إلى اللهِ فهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ: كِعِلمِ اللهِ، وقُدرَةِ اللهِ، ورِضَا اللهِ، ومَحَبَّةِ اللهِ، فهَذِه صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ. أمَّا إذا كَانَ المُضَافُ ذَاتًا مِنَ الذَّوَاتِ فهو قِسمَانِ أَيضًا: ١ - قِسمٌ يُضَافُ إلى اللهِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ، يَعْنِي: أَبدَعَهُ وأَوجَدَهُ، فَيُضَافُ إليه؛ لِأنَّه خَلَقَهُ كَأرضِ اللهِ، وسَمَاءِ اللهِ، وبَحرِ اللهِ، ومَاءِ اللهِ، ونَحوِ ذَلكَ، مِنْ إِضَافةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ. ٢ - النُّوعُ الثَّانِي: إِضَافَةُ تَشرِيفٍ، إِضَافةُ مَخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ، لكن على سَبِيلِ التَّشرِيفِ، يَعْنِي صِفَةً خَاصَّةً على سَبِيلِ التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ وَرَفعِ المَنزِلَةِ، مِثلُ بَيتِ اللهِ، الكَعبَةُ بَيتُ اللهِ، مِثلُ رَسُولِ اللهِ، مِثلُ نَاقَةِ اللهِ، وهي نَاقَةُ

стр. 308

صَالحٍ ﵇، مِثلُ عِيسَى رَوحِ اللهِ. هَذَا مِنْ بَابِ التَّشرِيفِ والتَّكرِيمِ، وهو إِضَافَةُ مَخلُوقٍ إلى خَالِقِهِ لكن على وَجهٍ خَاصٍّ، يَتَضَمَّنُ التَّفضِيلَ والتَّكرِيمَ. مِثلُ أَمَةِ اللهِ وعَبدِ اللهِ؟ مِثلُ عَبدِ اللهِ، ولكِن هَذَا يَختَلفُ؛ لأنهُ قد يَكُونُ عَبدًا صَالِحًا وقد يَكُونُ لَيْسَ بِصَالحٍ مِنْ إِضَافةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ. وأَمَةُ اللهِ؟ مِثلُهُ، إن كَانَتْ صَالِحَةً فهو مِنْ بَابِ التَّشرِيفِ مع الخَلقِ، وإن كَانت غَيرَ صَالَحَةٍ فهو مِنْ إِضَافَةِ المَخلُوقِ إلى خَالِقِهِ فَقَطْ. المُرَادُ بِقصرِ أَنسٍ ﵁؟ بَيتُهُ يَعْنِي، بَيتٌ له خَارِجَ البَصرَةِ على أَمْيَالٍ: كِيلُواتٍ مِنْ البَصرَةِ، بَارِزًا عنِ البَصرَةِ، ﵁ لازم فيه، قَصرُهُ: لَعلَّهُ مَزرَعةٌ هناك، قَصرٌ في مَزرَعَةٍ له، لَازم فيه ﵁. ٧٥١٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».

стр. 309

قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (١). وهَذَا فيه الحَثُّ على الصَّدَقةِ، وأنَّ هَذَا مِنْ أَسبَابِ الإِنقَاذِ مِنْ النَّارِ: مَنْ رَحِمَ رُحِمَ: «مَنْ لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ» (٢). الحَثُّ على طَاعَةِ اللهِ والقِيَامِ بَأمْرِهِ؛ لأنَّ هَذَا مِنْ أَسبَابِ السَّلَامَةِ مِنْ النَّارِ، ومن ذَلكَ الصَّدَقَةُ والإِحسَانُ والرَّحمَةُ بِالفُقَراءِ. (الشَّيخُ): مَاذَا قَالَ على حَدِيثِ عَدِيٍّ ﵁؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٧)]: «الحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ: «مَا مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ». وقد تَقَدَّمَ شَرحُهُ في كِتَابِ «الرِّقَاقِ»، وقَولُهُ: قَالَ الأَعمَشُ: وحَدَّثَنِي عَمرُو بنُ مُرَّةٍ، هو مَوصُولٌ بِالسَّنَدِ الذي قَبلَهُ إِلَيه». [انتهى كلامه]. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: «مِنْكُمْ» عَامَّةٌ للمَخلُوقِينَ؟ نعم لِلمَخْلُوقِينَ، لكن كَلَامُ الكُفَّارِ كَلَامُ تَوبِيخٍ، والمُؤمِنُونَ كَلامُ خَيرٍ ورِضًا. ما يَلزَمُ منه الرُّؤيَا؟ الرُّؤيَا للمُؤمِنِينَ فَقَطْ، أمَّا غَيرُ المُؤمِنِينَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ

стр. 310

لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، أما ما في الآيَاتِ الأُخرَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] فلا مُنَافَاةَ بينها وبين الحَدِيثِ: «لا يُكَلِّمُهُم اللهُ» كَلَامَ رِضًا ومَحَبَّةٍ، بل كَلَامٌ يَضُرُّهُم ولا يَنفَعُهُم، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ، وهَكَذَا: «لا يَنْظُرُ إِلَيهِم» يَعْنِي: نَظَر رحَمةٍ وإِحسَانٍ وإلَّا هو لا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، يَرَى الدُّنيَا . كَونُهُ يُكَلِّمُهُم لَيْسَ بَينَه وبَينَهُم تُرجُمَانٌ ما تُفِيدُ الرُّؤيَةَ؟ ما يَلزَمُ الرُّؤيَةَ، يُكَلِّمُهُم ويُكَلِّمُونَهُ بِدُونِ رُؤيَةٍ إذا كانوا كُفَّارًا. أنت الآن تُكلِّمُ بِالتليفُونَ، تُكلِّمُ تَرَاهُم؟ تُكلِّمُ كُلَامًا وَاضِحًا تَعرفُ أَنَّه فُلَانٌ وفُلَانٌ، أَبُوكَ، أَخوكَ وأنتَ لا تَرَاهُم، تَعلَمُ أَنَّه كَلَامُهُ. هَذَا مِثَالُه في الدُّنيَا، وقد يَقعَ أَيضًا مِنْ غَيرِ التِّليفُون مثلُ: تَكَلِّمُهُ مِنْ حُجرَةٍ وهو مِنْ حُجرَةٍ ومِن بَابٍ مُغلَقٍ لا تَرَاُه، وَيسمَعُكَ وتَسمَعُه، هَذَا ما يَقَعُ؟! هَذَا مِثالُهُ في الدُّنيَا. قَولُهُ: «ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ»، فيه إِشَارةٌ إلى فَضلِ الإِطعَامِ خَاصَّةً؟ نعم ولو بِالقَلِيلِ، كُنْتَ دَائِمًا أَذكُرُ في مَجلِسِي دَائِمًا قِصّةَ عَائِشَةَ ﵂ ولا بُدَّ أنَّكُم سَمِعتُمُوهَا مَرَّاتٍ في «البُخَارِيِّ»، ولَعلَّهَا في «مُسلِمٍ» أَيضًا. المَقْصُودُ: أن عَائِشَةَ ﵂ أَتَت إِلَيها امْرَأةٌ ومعها ابْنتَانِ تَسأَلُ، قَالتْ: فلم أَجِدْ إلا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ فَقَدَّمَتهَا إلى المَرأَةِ، ثَلَاثَ تَمرَاتٍ في البَيتِ وَجَدَت في البَيتِ ثَلَاثَ تَمرَاتٍ، بِيتُ النَّبيِّ ﷺ ما وُجِدَ فيه إلا ثَلَاثُ تَمرَاتٍ، وهو النَّبيُّ ﷺ ، أَصَابهُ شِدَّةٌ وحَاجةٌ حَتَّى فَقَدُوا التَّمرَ وشَقَّ عَلَيهِم الجُوعُ، ففِي هَذِه الحَالَةِ وَجَدَتْ ثَلَاثَ تَمرَاتٍ فَقَدَّمتهَا إلى المَرأَةِ، والمَرأَةُ قَدَّمَتها لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ بِنتَيهَا تَمرَةٌ، ورَفَعَتِ التَّمرَةُ إلى فَمِهَا لِتَأكُلَهَا -الثَّالِثَةَ-

стр. 311

فَأسرَعَتِ البِنتَانِ وأَكَلَتَا التَّمرَتَينِ وجَعَلَتَا تَنظُرَانِ إِلَيها تُريدَانِ منها التَّمرَةَ الثَّالِثَةَ؛ فَقَدَّمَتهَا إِليهمَا وشَقَّتَها بِينهمُا ولم تَأْكُلْهَا، قالت عَائِشَةُ ﵂: فَأَعجَبَنِي أَمرُهَا، فلمَّا جَاءَ النَّبيُّ ﷺ أَخبَرتُهُ؛ فَقَالَ: «إنَّ اللهَ أَوجَبَ لها الجَنَّةَ بهَذِه الرَّحمَةِ» (١). فَالتَّمرَةُ لها شَأنٌ مع الْمُحتَاجِ والْمُضْطَرِّ. ومن ذَلكَ حَدِيثٌ آخرَ ذَكرَهُ جَابرٌ ﵁ في غَزوَةِ السَّاحِلِ حين كَانَ مع أَبِي عُبَيدَةَ ﵁ -في «الصَّحِيحِ» أيضًا- وقد زَوَّدَهُمُ النَّبيُّ ﷺ بِتَمرٍ، فَصَارَ أَبُو عُبَيدَةَ ﵁ في آخِرِ الوَقتِ يُعطِيهم على تَمرَةٍ تَمرَةٍ، لَمَّا قَلَّ التَّمرُ صَارَ يُعطِيهِم على تَمرَةٍ تَمرَةٍ، وَاحِدُةٌ كُلَّ يَومٍ، فقال له بَعضُ الرُّوَاةِ -لِجَابرٍ ﵁: ما تَفعَلُ فيكم التَّمرَةُ الوَاحِدَةُ؟ قَالَ: «كنَّا نَمُصَّها ونَشرُبُ عليها المَاءَ» (٢). تَمرَةٌ؛ الرَّسُولُ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ» (٣). يا شَيخُ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، سَؤَالُهُ يَقُولُ: يَعْنِي هلِ الإِطعَامُ أَفضَلُ مِنْ النَّقدَينِ في كُلِّ حَالَةٍ؟ ما هو بِالمَقصُودِ، جِنسُ الإِطعَامِ، الإِنسَانُ يُنْفِقُ مما يَسَّرَ اللهُ له، حَتَّى ولو لم يِجِد إلَّا شِقَّ تَمرَةٍ، إذا أَعطَاهُ النَّقدَينِ أَزْيَدُ مِنْ شِقِّ التَّمرَةِ، النُّقُودُ تَأتِي بِالتَّمرِ وبِغَيرِ التَّمرِ. رُؤيَةُ المَلَائِكَةِ للهِ ؟ اللهُ أَعلَمُ.

стр. 312

٧٥١٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ؛ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]» (١). هنا ذَكرَ أَربَعَ أَصَابِعَ، وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «والجِبَالُ والشَّجرُ على إِصبَعٍ»، الإصبَعُ الخَامِسَةُ، وهَذَا مُختَصَرٌ، الأَصَابِعُ خَمسٌ له سُبحَانَهُ، لا تُشَابِهُ صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ، كما أن وَجهَهُ ويَدَهُ وسَائرَ صِفَاتِهِ لا تُشَابِهُ صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ؛ فله الكَمَالُ الْمُطلَقُ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. لكن يُستَفَادُ مِنَ الأَحَادِيثِ أنَّ له يدًا، وأنَّ له أَصَابِعَ خَمسًا، وَأنَّه يَومَ القِيَامةِ يَحمِلُ هَذِه الْمَخلوُقاَت على تلك الأَصَابِعِ ويَهُزهَا ويَقُولُ: أنا الْمَلكُ، أنا الجَبَّارُ، أين الجَبَّارُونَ؟ أين الْمُتَكَبِّرُونَ؟

стр. 313

مَكتُوبٌ «حَبَرٌ» يا شَيخُ؟ لا، غَلَطٌ، «حِبرٌ» أو «حَبرٌ» بِاللُغَتَينِ بِكسرِ الحَاءِ وفَتحِهَا، أمَّا فَتحُ البَاءِ غَلَطٌ، حَبرٌ مِنَ الأَحبَارِ. الشَّاهِدُ: يَعْنِي: تَلَا الآيَةَ ﵊، شَاهِدٌ لِمَا قَالَ الحَبرُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]، فَالأَحبَارُ همُ العُلمَاءُ ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]، والأَحبَارُ جَمعُ حَبرٍ، ويُقَالُ: حِبرٌ، بِالكَسرِ. ٧٥١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ» (١). وَقَالَ آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . وهَذَا فيمَنِ اقْتَرفَ شَيْئًا سَتَرَهُ اللهُ عليه وغَفرَ اللهُ له ، فإنَّه

стр. 314

هو السَّتَّارُ لِعبِادهِ، وهو الْمُحسِنُ الكَرِيمُ الجَوادُ، فَيُقرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ لِيعرِفَ فَضلَ اللهِ عليه وإِحسَانَهُ إِليه، ثم يُخبِرُه أَنَّه سَترَهَا عليه في الدُّنيَا ويَغفِرُهَا عليه اليَومَ. وهَذِه النَّجوَى بين العَبدِ وبين رَبِّهِ … (الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ على النَّجوَى؟ أو قَالَ: مَضَى؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٧)]: «الحَدِيثُ الخَامِسُ: حَدِيثُ ابنِ عُمرَ في النَّجوَى، قَولُهُ: «يَدنُو أَحَدُكُم مِنْ رَبِّه» قَالَ ابنُ التِّينِ: يَعْنِي: يَقربُ مِنْ رَحمَتِهِ، وهو سَائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: فُلَانٌ قَرِيبٌ من فُلَانٍ، ويُرَادُ الرُّتَبَةُ، ومِثلُهُ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وهَذَا تَأوِيلٌ لا يَنبَغِي، وهَذَا تَأْوِيلٌ لَيْسَ بِجَيدٍ، الأَصلُ أَنَّه دُنُوٌّ حَقِيقِيٌّ منه ، دُنُوٌّ حَقِيقِيٌّ على الوَجهِ الذي يَعلَمُه سُبحَانَهُ، فهو يُدْنِي عَبدَهُ المُؤمِنَ كمَا يَشَاءُ دُنُوًّا خَاصًّا؛ فَيُقَرِّرُه بِذُنُوبِهِ ويَسأَلُه؛ فضلًا منه وإِحسَانًا وإِظهارًا لِرحمَتِهِ وجُودِهِ وكَرَمِهِ، ويَنزلُ لِيحكُمَ بين عِبَادِهِ بِالعَدلِ ، ولكِنْ لَا يَعلمُ كَيفِيَّةَ هَذَا الدُّنُوِّ إلا هو ، دُنُوٌّ خَاصٌّ لا يَعلَمُ كَيفِيَّتَه إلا هو . هَذَا مِنْ تَأْوِيلَاتِ الأَشَاعِرَةِ أَحسَنَ اللهُ إِليكَ؟ نَوعٌ مِنَ التَّأوِيلِ. [قال الحَافِظُ ﵀]: «وقَولُهُ: «فَيضَعُ كَنَفَهُ» بِفتحِ الكَافِ والنُّونِ بَعدَها فَاءٌ، المُراُد بِالكَنَفِ: السِّترُ، وقد جَاءَ مُفَسَّرًا بذَلكَ في رِوَايةِ عَبدِ اللهِ بنِ الْمُبَاركِ عن مُحَمَّدِ بنِ سَوَاءٍ، عن قَتَادةَ، فقَالَ في آخِرِ الحَدِيثِ:

стр. 315

قَالَ عبدُ اللهِ بنُ الْمُبَاركِ: كَنَفُهُ سِترُهُ. أَخرَجَهُ الْمُصَنِّفُ في كِتَابِ «خَلقِ أَفعَالِ العِبَادِ»، والمَعنَى: أَنَّه تُحيطُ به عِنَايَتُهُ التَّامَّةُ، ومَن رَوَاه بِالْمُثَنَّاةِ الْمَكسُورةِ فقد صَحَّفَ على ما جَزَمَ به جَمعٌ مِنَ العُلَمَاءِ». [انتهى كلامه]. (الشَّيخُ): رَاجِعِ الكَلَامَ على قَولِهِ: «وهو مُتَوارٍ في مَنزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ»؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٧٦)]: «قَوْلُهُ: «وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ» هُوَ حَجَّاجُ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَالِدُ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي «تَارِيخِهِ» وَتَبِعَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى». [انتهى كلامه]. [قال الإِمَامُ العَينِيُّ في «عُمدَةِ القَارِئِ» (٢٥/ ١٦٧)]: «قَولُهُ: وَهُوَ مُتَوارٍ أَي: مُخَتَفٍ فِي مَنزِلِ أَبِي خَليفَة الطَّائِي الْبَصْرِيّ؛ خَوفًا من الْحجَّاجِ بنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيّ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: يَعْنِي: وَقتَ فِتنَةِ الحَجَّاجِ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَم الكَنَفُ؟ اللهُ أَعلَمُ، المُرَادُ سِترَهُ، واللهُ أَعلَمُ، الصِّفَاتُ لا تُفسَّرُ إلا بِالدَّلِيلِ، فاللهُ أَعلَمُ بِالكَيفِيَّةِ التي أَرَادَ بها ، لكِنْ على هَذَا يَدُلُّ على عِنَايةٍ وفَضْلٍ منَ اللهِ وَرَحمَةٍ وإِحسَانٍ ولُطفٍ به، ولُطفٍ بِعبدِهِ المؤْمِنِ. وهَذَا من آثَارِ صِفَةِ الرَّحمَةِ؟ هَذَا مِنْ الصَّفَاتِ.

стр. 316

مِنْ آثَارِ هَذِه الصِّفَةِ الرَّحمَةُ؟ نِعمَةٌ. ما الَّذِي سَترَهُ اللهُ عليه؟ اللهُ أَعلَمُ، اللهُ أَعلَمُ، ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّها الذُّنُوبُ التي سُتِرَت عليه ولم يُفضَحْ بها ولم تَظهَرْ في الدُّنيَا، بَينَه وبينَ رَبِّهِ، هَذَا مَحَلُّ التَّقدِيرِ، سَتَرَهَا ويُخبِرُهُ أَنَّها لم تَخفَ عليه ؛ حَتَّى لا يَظُنّ العَبدُ أَنَّها ضَاعَت، بِخِلَافِ الذُّنُوبِ الظَّاهِرةِ؛ [فإنها] مَعرُوفَةٌ، التي أُقيمَ عَليها الحَدُّ، فيها الكَفَّارَةُ، أو ظَهَرَت وعُلِمَت مِنَ النَّاسِ ثمَّ تَابَ مِنهَا، لَكِنْ هَذِه الَّتِي في الحَدِيثِ أَنَّها ذُنُوبٌ خَاصَّةُ بين العَبدِ وبين رَبِّهِ، مَا عَلِمَها النَّاسُ ولا حَكَمَ فيها أَحدٌ ولا ظَهَرتْ للنَّاسِ. ولا تَابَ مِنهَا؟ الظَّاهِرُ ولا تَابَ منها، ولِهذَا قَالَ: «وأَغفِرُهَا لكَ اليومَ». * * *

стр. 317

بَابُ مَا جَاءَ في قَولِهِ : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ٧٥١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (١). «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» مَعنَاهُ: يَعْنِي خَصمَهُ وغَلبَهُ بِالحُجَّةِ؛ لأنَّ إِخرَاجَ الذُّرِّيةِ مِنْ الجَنَّةِ لَيْسَ مِنْ عَملِ آدَمَ ﵇، بلْ أَمرٌ كَتَبَهُ اللهُ وقَضَاهُ ورَتَّبَهُ على ما جَرَى مِنْ مَعصِيَتهِ، الذي جَرَى مِنْ آدَمَ هو الْمَعصِيَةُ، فَالعَبدُ لا يُلَامُ على الْمَصَائِبِ وإِنَّمَا يُلَامُ على الْمَعَايبِ، فَالْمُصِيبَةِ التي تَرَّتَبَتْ على ذَلكَ لَيسَت مِنْ عَملِهِ، وإنما هو أَمرٌ قَضَاهُ اللهُ وقَدَّرهُ لِحكمةٍ بَالِغَةٍ، فهو مَلُومٌ على الْمَعصِيةِ وقد تَابَ منها، والتَّائِبُ لا يُلَامُ، مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عليه ولا يُلَامُ بعد ذَلكَ، ولا يُعَابُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]؛

стр. 318

ولِهذَا حَجَّ آدَمُ مُوسَى؛ لأنهُ لَامَهُ على أَمرٍ لَيْسَ مِنْ فِعلِهِ، وأمْرٍ قد تَابَ مِنْ أَسبَابِهِ ورَجَعَ مِنْ أَسبَابِهِ، والتُّوبَةُ تَجُبُّ ما قَبلَهَا، واللهُ جل وعلا أَخرَجَهُ مِنْ الجَنَّةِ بِسببِ الْمَعصِيَةِ، وأَخرَجَ ذُرِيَّتَهُ من الجَنَّةِ لِحكمَةٍ بَالِغَةٍ حَتَّى يُظهِرَ دِينَهُ في الأَرْضِ، وتَعلُو كَلِمتُهُ في الأَرْضِ، وُيعبَدَ وَحدُهُ في الأَرضِ، بعدَما كَانَ في الجَنَّةِ. خُرُوجُ بَنِي آدَمَ هَذِه مِنْ المَصَائِبِ يَعْنِي؟ مِنْ الْمَصَائِبِ، والذي عَمِلَهُ آدَمُ أَكلُهُ مِنَ الشَجَرةِ وقد تَابَ منه. ٧٥١٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُجْمَعُ المُؤمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ المَلَائِكَةَ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا. فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ» (١). (الشَّيخُ): كذا «يُجمَعُ» عِندكَ أَوْ «يَجتَمِعُ»؟ رَاجِعِ الشَّارِحَ، تَعَرَّضَ لها؟ أو العِينِيُّ؟ (القَارِئُ) ما تَعَرَّضَ، أَحسَنَ اللهُ إِليكَ. (الشَّيخُ): ما الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا البَابِ؟ (٢) (القَارِئُ): يَعْنِي بَقِيَّةَ الحَدِيثِ.

стр. 319

(الشَّيخُ): ماذا عنَدَكُم يَا إِخوَانُ؟ فيه شَاهِدٌ لِكَلَامِهِ؟ (القَارِئُ) لا، هَذَا ما فيهِ شَيءٌ. (الشَّيخُ): والتَّعلِيمُ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟ «وعَلَّمَكَ أسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ»، هَذَا الشَّاهِدُ، تَعلِيمُ اللهِ آدَمَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ ما يَكُونُ بِالكَلَامِ؟ (القَارِئُ): التَّرجَمَةُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذِه إِشَارَةٌ لِلكَلَامِ، قَصدُهُ الكَلَامُ، جِنسُ الكَلَامِ يَعْنِي؛ لأنَّ هَذَا ما فيه شَيءٌ يَتَعَلَّقُ بمُوسَى ﵇، فَالظَّاهِرُ أَنَّه أَرَادَ جِنسَ الكَلَامِ مع اسْتِشهَادِهِ بِتَكلِيمِ اللهِ لمُوسَى، مِثلمَا تَقَدَّمَ: كَلَامُ اللهِ لِأهلِ الجَنَّةِ ولِأهلِ المَوقِفِ. أَرَادَ مِنْ هَذَا: «وعَلَّمَكَ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ». ٧٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ (١)، يَقُولُ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ (٢):

стр. 320

خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ. ثُمَّ أُتِيَ (١) بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَانِ النِّيلُ وَالفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ،
следующие страницы →