مفتاح ومصطلحات ورموز الرسالة
...
شكر وتقدير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وبعد:
فانطلاقاً من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ١ أتوجه بالشكر لله تعالى الذي أنعم عليّ بنعم لا تعد ولا تحصى، ومنها الإنعام بإتمام هذه الرسالة وأسأله سبحانه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
وانطلاقاً من قوله ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" ٢ أتوجه بخالص شكري لفضيلة شيخي الفاضل الأستاذ الدكتور/ سليمان الصادق البيرة - الأستاذ المشارك في جامعة أم القرى بكلية الدعوة وأصول الدين قسم الكتاب والسنة - الذي لم يدخر جهداً في إبداء توجيهاته وملاحظاته السديدة ورعايته الدائبة الذي فتح لي باب بيته في أي ساعة شئت هذا مع كثرة مشاغله وعظم مسئولياته سائلاً المولى أن يجزيه عني خير ماجزى به شيخاً عن تلميذه وأن يسهل له الصعاب ويعينه في أمور دينه ودنياه.
كما أتوجه في هذا المقام بالدعاء لوالدي بالمغفرة والرحمة الذي توفي أثناء كتابتي للرسالة وذلك في يوم الجمعة ٧/٣/١٤١٨هـ والذي كان له علي فضل كبير في إخراج هذه الرسالة.
стр. 2
وأتوجه في هذا المقام بالشكر والدعاء لوالدتي - حفظها المولى ورعاها - التي كان لها عليّ فضل كبير في إخراج هذه الرسالة.
وأشكر زوجتي أم عمر على ما قامت به من جهودٍ أثناء كتابة الرسالة.
كما أتوجه بالشكر إلى كل من قدم لي يد العون والمساعدة في هذا البحث وأخص بالذكر أخي الشيخ الدكتور/ محمد بن عمر بازمول وشيخي الفاضل الدكتور/ وصي الله عباس والأستاذ الفاضل/ خالد بن محمد بادغيش جزاهم الله خيراً.
هذا وأشكر الشيخين الجليلين:
فضيلة الدكتور/ موفق بن عبد الله بن عبد القادر.
فضيلة الدكتور / أحمد عطاء الله.
حفظهما الله
على تجشمهما المشاق في قراءة هذا البحث ومناقشته وتقويمه.
والله أسأل أن يجزيهما خير الجزاء وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهما إنه سميع مجيب.
كما أتقدم بالشكر والعرفان لجامعة أم القرى بمكة المكرمة والمسئولين عليها عموماً وإلى المسئولين في كلية الدعوة وأصول الدين خصوصاً على إتاحة هذه الفرصة العلمية المباركة وعلى ما تقدمه من خدمات عظيمة للعلم وطلابه.
стр. 3
مفتاح مصطلحات ورموز الرسالة:
المصطلح أو الرمز ...
معناه
الإرواء
...
إرواء الغليل للألباني
الأوسط
...
المعجم الأوسط للطبراني
ت
...
التاريخ
التقريب
...
تقريب التهذيب لابن حجر
التلخيص للذهبي
...
تلخيص المستدرك
التلخيص للحافظ
...
التلخيص الحبير
التهذيب
...
تهذيب التهذيب للحافظ
ت الكمال
...
تهذيب الكمال للمزي
الجرح
...
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم
الحلية
...
حلية الأولياء
الزاد
...
زاد المعاد لابن قيم الجوزية
الشعب
...
شعب الإيمان للبيهقي
الصغير
...
المعجم الصغير للطبراني
ض
...
الضعفاء
الفتح
...
فتح الباري
الكشف
...
كشف الأستار للهيثمي
стр. 4
الكبرى ... السنن الكبرى
الكبير ... المعجم الكبير للطبراني
اللسان ... لسان الميزان للحافظ
المعرفة للفسوي ... المعرفة والتاريخ
المعرفة للبيهقي ... معرفة السنن والآثار
المشكل ... شرح مشكل الآثار للطحاوي
المعاني ... شرح معاني الآثار للطحاوي
المجروحين ... كتاب المجروحين لابن حبان
الميزان ... ميزان الاعتدال للذهبي
النبلاء ... سير أعلام النبلاء
النهاية ... النهاية في غريب الحديث لابن الأثير
.... ... إشارة لحذف
تنبيه:
* إذا أطلقت كلمة (الحافظ) فالمراد الحافظ ابن حجر وغيره مقيداً.
* إذا كان الرواي من أصحاب التهذيب فالاصطلاحات الواردة في ترجمته هي اصطلاحات التقريب.
* إذا كان الرواي مدلساً فطبقته في طبقات المدلسين للحافظ:
(الأولى والثانية) تقبل عنعنتهم.
(الثالثة فما بعد) لابد من التصريح.
стр. 5
مقدمة الرسالة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنّ الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
أمّا بعد٤:
فإن الإشتغال بالحديث وعلومه وتحصيله، والتصنيف فيه، خير ما يُشْغَلُ به الوقت، وأفضلُ ما يُسعى إليه في العُمْر، وأشرفُ ما يُتحصل عليه؛ إذ هو إرث
стр. 6
الأنبياء، ومطلب العلماء الأتقياء.
وتوجهتْ جهودُ علماءِ الأ مّة إلى خدمة القرآن والسنة، خدمةً لامثيل لها في عهد البشرية جمعاء؛ أمّا في خدمة القرآن [فقصدتْ طائفة تعليم القرآن وحِفْظَهُ ومعرفةَ اختلافِ القراءاتِ فيه ومَعَانِيِهِ ومُشْكِلِهِ ومُتَشَابِهِهِ وغَرِيبِهِ.
وقصدتْ طائفةٌ تعليمَ فرائِضِهِ وأحْكَامِهِ وحَظْرِهِ وإباحَتِهِ وأوامِرِهِ وزواجِرِهِ وناسِخِهِ، ومَنْسُوخِهِ.
وطائفةٌ قصدتْ حِفْظَ جُمَلِهِ وإدامةَ تِلاوتِه دَرْساً وقراءة من غير أن يعرفوا منه معنى في الإعراب ولاوجهاً في قراءة ولاعددَ آيٍ ولا معنى ولا مُشْكِلاً.
وكلٌ يُثيبه فيما عَلِم وعَمِل مجازىً والله جواد كريم.
وكذلك أفهامُ حملةِ العلمِ من السنن والآثار متفرقةٌ وإراداتُهُم متفاوتة وهِمَمُهم إلى التباين مصروفة وطبقاتهم فيما حمَلُوه غير متساوية.
فطائفة منهم قصدتْ حِفْظَ الأسانيد من الروايات عن رسول الله ﷺ ?وأصحابه الذين ندب الله جل وعز إلى الاقتداء بهم فاشتغلت بتصحيحِ نقول الناقلين عنهم ومعرفة المسند من المتصل، والمرسل من المنقطع، والثابت من المعلول، والعدل من المجروح، والمصيب من المخطيء، والزائد من الناقص؛ فهؤلاء حفاظ العلم والدين النافون عنه تحريف غالٍ وتدليس مدلسٍ وانتحال مبطلٍ وتأويل جاحدٍ ومكيدة ملحدٍ؛ فهم الذين وصفهم الرسول ﷺ ?ودعا لهم وأمرهم بالإبلاغ عنه فهذه الطائفة هم الذين استحقوا أن يقبل ماجوزوه وأن يرد ما جرحوه وإلى قولهم يرجع عند ادّعاء من حرّف وتدليس مدلسٍ ومكيدة ملحدٍ.
وكذلك إلى قولهم يرجع أهل القرآن في معرفة أسانيد القراءات والتفسير؛ لمعرفتهم بمن حضر التنزيل من الصحابة ومن لحقهم من التابعين، وقرأ عليهم وأخذ
стр. 7
عنهم، ولعلمهم بصحة الإسناد الثابت من السقيم، والراوي العدل من المجروح والمتصل من المرسل.
وطائفة اشتغلت بحفظ اختلاف أقاويل الفقهاء في الحرام والحلال، واقتصروا على ما ذكرت أئمة الأمصار من المتون عن رسول الله?، وعن الصحابة في كتبهم وقصروا عمّا سبقت إليه أهل المعرفة بالروايات وثابت الإسناد وأحوال أهل النقل من الجرح والتعديل فهم غير مستغنين عن أهل المعرفة بالآثار عند ذكر خبرٍ عن النبي ﷺ أو الصحابة أو التابعين لهم بإحسانٍ - فيه حكم؛ ليعرفوا صحة ذلك من سقمه وصوابه من خطئه.
وطائفة ثالثة أكثرت الجمع والكتابة غير متفقهين في متن ولا عارفين بعلة إسناد فإنهم في الجمع والاستكثار والتدوين فهم داخلون إن شاء الله في قول رسول الله ﷺ : "رحم الله امرءاً سمع مقالتي حتى يُبلغَها مَنْ هو أفقه منه" ١.
وكلٌ والحمد لله على خير كثير، فسبحان من جعل الاختلاف من العلماء تسهيلاً على خلقه، ورحمةً لعباده، والحمدلله ربِّ العالمين] ٢.
[ومن أهم العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات ﷺ وأعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها وشاذها ومنكرها ومعللها ومدرجها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومبينها ومجملها ومختلفها وغير ذلك من أنواعه
стр. 8
المعروفات ومعرفة علم الأسانيد أعني معرفة حال رواتها وصفاتهم المعتبرة وضبط أنسابهم ومواليدهم ووفياتهم وجرحهم وتعديلهم وغير ذلك من الصفات ومعرفة التدليس والمدلس وطرق الاعتبار والمتابعات ومعرفة حكم اختلاف الرواية في الأسانيد والمتون والوصل والارسال والوقوف والرفع والقطع والا نقطاع وزيادات الثقات ومعرفة الصحابة والتابعين وتابعيهم وغيرهم ﵃ وعن سائر المسلمين والمسلمات - وغير ماذكرته من علومه المشهورات] ١.
تسمية الموضوع:
وقد وفقني الله عزوجل للاشتغال بحديث رسول الله ﷺ ?وتعلمه، وقد رأيت بعد الاستخارة والاستشارة أن أتقدم لنيل درجة الماجستير في فرع الكتاب والسنة من كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى برسالة في هذا العلم الشريف بعنوان: "المقترب في بيان المضطرب" ٢
أسباب اختيار الموضوع:
(١) أهمية ودقة هذا النوع من علوم الحديث إذ يتعلق بأمرين:
أ - بعلم العلل
ب - بعلم الجرح والتعديل.
стр. 9
(٢) الرغبة في إدراك هذا الفن إدراكاً جيداً.
(٣) جدة هذا الموضوع؛ حيث لم أقف على تصنيف مفرد غير كلام مبثوث في كتب المصطلح والرجال والتخريجات والشروحات الحديثية.
(٤) الرغبة في خدمة السنة الشريفة بتمييز الثابت الصحيح من السقيم الضعيف.
(٥) جمع مايتعلق بهذا الموضوع في مكان واحد بحيث يسهل مأخذه ويقرب على طالبه.
(٦) التطلع إلى تصرفات الأئمة والحفاظ في الأحاديث المعلة بالاضطراب.
(٧) معرفة الاختلاف المؤثر في ثبوت الحديث من الاختلاف الذي لايؤثر فيه.
أهمية الموضوع:
تظهر أهمية الموضوع بالأمور التالية:
- أنّ الاضطراب علة خفية لا يطلع عليها إلا من له اطلاع بطرق الحديث مع الخبرة والفهم الثاقب.
- أنّ هذا الموضوع يتعلّق بقاعدة الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق ورد بعضها إلى بعض.
- أن الاختلاف الناشىء عن الوهم والخطأ في الرواية قد يظن باديء الرأي أنه طرق للحديث يتقوّى به، مع أنه يعل الحديث به في حقيقة الأمر.
- أنه دراسة للحديث مبيناً طرقه وعلله واختلاف الرواة فيه١.
خطة البحث:
وقد جعلت بحثي من مقدمةٍ، وتمهيدٍ، وقسمين، وخاتمةٍ.
стр. 10
أمّا المقدّمة:
فذكرت فيها خطبة الحاجة، وجهود العلماء في خدمة الكتاب والسنة وأهمية علوم الحديث وتسمية الموضوع وأسباب اختيار الموضوع وأهمية الموضوع وخطة البحث والمنهج الذي سرت عليه أثناء تجميع المادة وكتابة الرسالة.
وأمّا التمهيد: فيشتمل على بيان النقاط التالية:
١- (الخبر باعتبار طرقه) .
٢- (أسباب الضعف في الحديث)
٣- (وأنواع المخالفة) .
القسم الأول: (الحديث المضطرب تعريفاً ودراسة) .
وفيه ثلاثة أبواب:
مهدت لها ببيان: أهمية بحث الاضطراب وتعلقه بالعلل.
الباب الأول: الاضطراب لغةً واصطلاحاً.
وفيه فصول:
الفصل الأول: الاضطراب لغةً.
الفصل الثاني: الاضطراب اصطلاحاً.
الفصل الثالث: أنواع الاضطراب وحكم كل نوع.
الفصل الرابع: التصنيف في الاضطراب.
الباب الثاني: (حكم الاختلاف على الراوي وأثره على الراوي والمروي ومعرفة الراوي المضطرب) .
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: مذاهب العلماء في الاختلاف على الراوي.
стр. 11
الفصل الثاني: أثره على الراوي والمروي.
الفصل الثالث: معرفة الراوي المضطرب.
الباب الثالث: (قاعدة الاضطراب: سنداً. متناً. سنداً ومتناً) .
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: قاعدة الاضطراب في السند.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: منهج المحدثين في زيادة الثقة.
المبحث الثاني: الاضطراب بتعارض الوصل والارسال.
المبحث الثالث: الاضطراب بتعارض الاتصال والانقطاع.
المبحث الرابع: الاضطراب بتعارض الوقف والرفع.
المبحث الخامس: الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين.
المبحث السادس: الاضطراب في تعيين الراوي.
المبحث السابع: الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذاكان متردداً بين ثقةٍ وضعيفٍ.
الفصل الثاني: قاعدة الاضطراب في المتن.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أن لايكون مخرج الخبر واحداً.
المبحث الثاني: أن يكون مخرج الخبر واحداً.
الفصل الثالث: قاعدة الاضطراب سنداً ومتناً.
стр. 12
القسم الثاني: (الرواة الموصوفون بالاضطراب مطلقاً أوْ بقيدٍ)
وفيه بابان:
مهدت لهما ببيان الأمور التالية:
١- الراوي بين الضبط والوهم.
٢- فائدة افراد الرواة المضطربين.
٣- أسباب اضطراب الرواة.
الباب الأول: الرواة الموصوفون بالاضطراب مطلقاً.
الباب الثاني: الرواة الموصوفون بالاضطراب بقيدٍ.
الخاتمة: وتشتمل على خلاصة البحث والتوصيات.
الفهارس:
- كشاف الآيات.
- كشاف الأحاديث والآثار.
- كشاف الفوائد والنكت
- فهرس المصادر والمراجع.
- دليل المحتويات.
المنهج الذي سرت عليه اثناء جمع المادة العلمية وكتابة البحث:
- تتبعت أقوال العلماء في الحديث المضطرب ومايتعلق به من خلال مؤلفاتهم في أصول الحديث وكتب الرجال والتخريجات وكتب العلل والشروح الحديثية.
стр. 13
- إذاكان الحديث ضعيفاً للاضطراب، بحثت عن المتابعات أو الشواهد.
- لاالتزم جميع من أخرج الحديث بل اكتفي بذكر من يترتب على ذكره فائدة غالباً.
- نقلت أقوال العلماء على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً ولاأشترط تتبعها.
- صدرت الحديث بحكم عليه حسب ماجاء في أقوال أهل الفن وإذا لم يوجد لهم في الحديث مقال فإني أحاول بذل الجهد المستطاع في الحكم على الحديث وفق مقاييسهم وقواعدهم.
- ثم تكلمت على الرواة جرحاً وتعديلاً من خلال كتب الرجال حسب المقام.
- عرفت بغير المشهورين بذكر نبذة مختصرة عنهم مع ذكر المصدر.
- في القسم الثاني ترجمت للرواة ترجمة تناسب المقام.
- قمت بوضع كشافٍ يساعد الباحث على الوصول إلى بغيته.
الصعوبات التي واجهتني أثناء كتابة البحث:
- ندرة المادة العلمية وتشتتها في بطون الكتب والأجزاء الحديثية.
- اختلاف النسخ الحديثية ممّا يؤثر في دراسة الحديث.
- كثرة الأخطاء المطبعية والتصحيفات.
- دقة الموضوع؛ لتعلقه بعلم العلل وأحوال الرواة.
- جدة الموضوع؛ حيث لم أقف على بحث خاص فيه.
- ما احتاجه البحث من الرجوع إلى المخطوطات.
- ما يحتاجه الحديث الواحد من تتبع للطرق والمخارج.
- اختلاف موقف الحفاظ في اعلال الحديث بالاضطراب.
стр. 14
- تحديد موطن الاضطراب والراوي الذي وقع منه الاضطراب.
إلى غير ذلك من الصعوبات.
هذا وأسأل الله التوفيق والسداد في الدنيا والأخرة، وأن ييسر لي الأمور، ويذلل لي الصعاب ويرزقني في الدارين، وأسأله الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه: أبو عمر
أحمد بن عمر بن سالم بازمول
مكة المكرمة - الزاهر
ص ب: ٢٧١٥
стр. 15
القسم الأول: الحديث المضطرب تعريفا ودراسة
تمهيد
الخبر باعتبار طرقه، اسباب الضغف في الحديث، أنواع المخالفة
...
تمهيد: (الخبر باعتبار طرقه، أسباب الضعف في الحديث، أنواع المخالفة) .
الخبر باعتبار طرقه:
الخبر إمّا أن يكون له طرق بلا حصر أو مع الحصر.
فالأول: المتواتر، والثاني: الآحاد.
والحديث المتواتر: هو مارواه جمع كثير عن جمع كثير من أول السند إلى منتهاه، وتحيل العادة تواطؤهم أو توافقهم على الكذب ويكون مستند خبرهم الحس١.
وهذا النوع ليس من مباحث علم الإسناد؛ إذ علم الإسناد يُبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه؛ ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء والتواتر لايبحث عن رجاله بل يجب العمل به من غير بحث فكله مقبول لإفادته القطع بصدق مخبره وإنما أدخل في مباحث المصطلح من باب اتمام القسمة لطرق الخبر، مع تنبيه أهل الفن أنه ليس من مباحث الإسناد ٢.
стр. 16
والثاني الآحاد: وهو مالم يجمع شروط المتواتر١.
وهو ثلاثة أقسام: (مشهور، عزيز، غريب) .
فالمشهور: مارواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة مالم يبلغ حدّ التواتر٢.
والعزيز: هو أن لايقل عدد رواته عن اثنين في جميع طبقات السند ولايبلغ حدّ المشهور.
والغريب: هو ماينفرد بروايته راوٍ واحد في إحدى طبقات السند٣.
وفي الآحاد المقبول: وهو ماترجح صدق المخبر به، والمردود: وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به.
ووجد فيها المقبول والمردود؛ لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول أي المتواتر.
стр. 17
والمقبول يجب العمل به وإنما وجب العمل بالمقبول منها؛ لأنها إمّا أن يوجد فيها أصل صفة القبول وهو ثبوت صفة الناقل أو أصل صفة الرد وهو ثبوت كذب الناقل أوْ لا١.
فالأول: يغلب على الظن ثبوت صدق الخبر لثبوت صدق ناقله فيؤخذ به.
والثاني: يغلب على الظن كذب الخبر لثبوت كذب ناقله فيطرح.
والثالث: إن وجدت قرينة تلحقه بأحد القسمين التحق به وإلا فيتوقف فيه، وإذا توقف فيه عن العمل به، صار كالمردود لا لثبوت صفة الرد بل لكونه لم توجد فيه صفة توجب القبول٢.
وخبر الآحاد لا يحصل العلم بصدق المخبر به إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة المطلع على العلل.
والخبر المقبول باعتبار مراتبه ينقسم إلى أربعة أنواع:
(صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، حسن لغيره) ؛ لأنه إمّا يشتمل من صفات القبول على أعلاها أوْ لا.
فالأول الصحيح لذاته: وهو مانقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ.
стр. 18
والثاني: إن وجد ما يجبر ذلك القصور؛ ككثرة الطرق: فهو الصحيح أيضاً لكن لا لذاته بل لغيره١.
وحيث لا جبران لذلك القصور فهو: الحسن لذاته، وإن قامت قرينة ترجح جانب قبول ما يتوقف فيه فهو: الحسن أيضاً لكن لا لذاته بل لغيره٢.
وتتفاوت رتب الصحيح بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما
كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق
بعض بحسب الأمور المقوية لها.
وإذا كان كذلك فمايكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح ممّا دونه.
والخبر المردود: هو الذي لم يترجح صدق المخبر به ٣.
أسباب الضعف في الحديث:
وموجب الرد أحد أمرين: "السقط" و "الطعن".
стр. 19
أولاً: (السقط في السند) وهو إمّا ظاهر أو خفي.
(أ) السقط الظاهر: (معلق، مرسل، معضل، منقطع) .
فهو إمّا أن يكون من مبادىء السند من تصرف المصنف وهو: "المعلق".
أو يكون من آخر الإسناد بعد التابعي وهو: "المرسل".
أو يكون السقط باثنين فصاعداً على التوالي فهو "المعضل".
وإلا "فالمنقطع" وهو ما سقط منه واحد أو أكثر لكن بشرط عدم التوالي.
وهذا السقط ظاهر لحصول الاشتراك في معرفته دون خفاءٍ أو لبسٍ؛ لأنه يُدرك بعدم التلاقي١.
(ب) السقط الخفي: (تدليس، إرسال خفي)
وهذا السقط هو أن يرد بصغية تحتمل وقوع السماع "كعن" و "قال".
فإن كان بقصد إيهام السماع فهو: "التدليس".
وإن كان بغير قصد إيهام السماع فهو: "المرسل الخفي".
وهذا السقط خفي؛ لأنه لا يدركه إلا الأئمّة الحذاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد٢.
стр. 20
ثانياً: الطعن في الراوي: وهو: جرحه باللسان والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه ومن ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه.
وعليه فالطعن إمّا في "العدالة" أوْ في "الضبط".
(أ) الطعن في العدالة: الكذب في الحديث النبوي١.
- التهمة بالكذب بأن لايروى ذلك الحديث المخالف للقواعد المعلومة إلا من جهته.
الفسق بالفعل أو القول مما لايبلغ الكفر.
البدعة: وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي ﷺ بنوع شبهةٍ لا بالمعاندة٢.
الجهالة بأن لايعرف فيه تعديل ولا تجريح معين٣.
(ب) الطعن في الضبط:
فحش الغلط بأن يكثر غلطه على صوابه٤.
سوء حفظه بأن لا يكون غلطه أقل من صوابه.
стр. 21
الغفلة فلايكون متقناً فيدخل عليه ماليس من حديثه١.
كثرة الوهم بأن يروي على سبيل التوهم٢.
مخالفة الثقات٣.
أنواع المخالفة:
مخالفة الثقات أحد الأمور التي يطعن بها الراوي في ضبطه للحديث وهي على أنواع:
- فإن كانت بتغيير السياق فمُدْرَج الإسناد.
- وإن كانت بدمج موقوف بمرفوع فمُدْرَج المتن.
وإن كانت بتقديم أو تأخير فالمقلوب.
وإن كانت بزيادة راوٍ فالمَزِيد في مُتَصِل الأسانيد.
وإن كانت بإبدال الراوي ولامرجح فالمُضطَرِب.
وإن كانت بتغييرٍ مع بقاء السياق فالمُصَحّف والمُحَرّف.
فالناتج من المخالفة الأنواع التالية: "المدرج"٤، "المزيد في متصل
стр. 22
الأسانيد"١، "المقلوب" ٢، "المضطرب"٣، "المصحف والمحرف"٤.
وستكون دراستي بإذن الله تعالى عن نوعٍ واحد من هذه الأنواع الناتجة من المخالفة ألا وهو (المضطرب) ٥.
стр. 23
(أهمية معرفة المضطرب) .
الاضطراب في الحديث علة خفية لايطلع عليها إلا مَنْ (هو مِنْ أهل المعرفة بالحديث وقوانينه التي لايعرفها إلامن طال اشتغاله به) ١. وتمرس في هذا العلم برهةً من الزمن وكان له نظر واسع في طرق الحديث.
فيقال في الاضطراب ما يقال في العلة قال ابن الصلاح ﵀ في كتابه الماتع علوم الحديث: "اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب.
وهي عبارة عن أسباب خفية قادحة فيه فالحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.
ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذاالشأن على إرسالٍ في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديثٍ في حديث أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب علىظنه ذلك فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ماوجد ذلك فيه.
стр. 24
وكثيراً مايعللون الموصول بالمرسل مثل أن يجيء الحديث بإسناد موصول ويجيء أيضاً بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جميع طرقه قال الخطيب أبوبكر: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط وروى عن علي بن المديني قال: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبن خطؤه.
ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعاً كما في التعليل بالإرسال والوقف وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن"١ اه.
وقال العلائي ﵀ عن العلة: "وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً ولايقوم به إلا من منحه الله تعالى فهماً غايصاً واطلاعاً حاوياً وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك" ٢ اه.
стр. 25
ومن أهمية الموضوع أنه يدفع التناقض عن السنة والطعن في الرواة وقلة الثقة بنقلهم. ولذلك لمّا اختلفت الروايات في صفة حج النبي ﷺ هل كان إفراداً أو قراناً أو تمتعاً؟ [اعترض بعض الملاحدة على هذا الاختلاف وقالوا هي فعلة واحدة فكيف اختلفوا فيها هذا الاختلاف المتضاد؟ وهذا يؤدي إلى الخلف في خبرهم وقلة الثقة بنقلهم.
وعن هذا الذي قالوه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الكذب إنمّا يدخل فيما طريقه النقل ولم يقولوا: إنه ﷺ قال لهم: إني فعلت كذا بل إنما استدلوا على معتقده بما ظهر من أفعاله ﵇ وهو موضع تأويل والتأويل يقع فيه الغلط فإنما وقع لهم فيما طريقه الاستدلال لا النقل.
والجواب الثاني: أنه يصح أن يكون ﷺ لما أمر بعض أصحابه بالإفراد وبعضهم بالقران وبعضهم بالتمتع أضاف النقلة إليه ﷺ ذلك فعلاً وإن كان إنما وقع ذلك منه ﵇ قولاً. فقالوا: فعل ﷺ كذا كما يقال رجم النبي ﷺ مَاِعزاً وقتل السلطانُ اللصَّ أي أمر ﷺ برجمه وأمر السلطان بقتله.
والجواب الثالث: أنه يصح أن يكون ﵇ قارناً وفَرَّق بين زمان إحرامه بالعمرة وإحرامه بالحج فسمعت طائفة قوله أولاً "لبيك بعمرة" فقالوا:
стр. 26
كان معتمراً وسمعت طائفة قوله آخراً "لبيك بحج" فقالوا كان مفرداً وسمعت طائفة القولين جميعاً فقالوا كان قارناً] ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: "ومن تأمّل ألفاظ الصحابة وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض واعتبر بعضها ببعض وفهم لغة الصحابة أسفر له صبح الصواب وانقشعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب والله الهادي لسبيل الرشاد والموفق لطريق السداد"٢ اه.
وتتجلى أهمية الموضوع أيضاً لكونه [يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجدوى في علم الحديث: وهي الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق ورد بعضها إلى بعض إمّا بتقييد الاطلاق أو تفسير المجمل أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع أو اعتقاد كونها وقائع متعددة] ٣.
ومن أهميته أن الحديث قد يرد مرة مسنداً ومرة مرسلاً أو يختلف اسم الصحابي فمرة عن أنس ومرة عن عبد الله بن عباس فيظن باديء الرأي أنه متابع
стр. 27
أو شاهد وهو في الأصل سند واحد اضطرب على راويه؛ قال ابن دقيق العيد (لأن المعروف عندهم أن الطريق إذاكان واحداً ورواه الثقات مرسلاً وانفرد ضعيف برفعه أن يعللوا المسند بالمرسل ويحملوا الغلط على رواية الضعيف) ١.
وقال العلائي: "بعض المراسيل رويت من وجوه متعددة مرسلة والتابعون فيها متباينون فيظن أن مخارجها مختلفة وأن كلاً منها يعتضد بالآخر ثم عند التفتيش يكون مخرجها واحداً ويرجع كلها إلى مرسل واحد" ٢اه.
ومن أهميته أنه يدرس الأحاديث مبيناً طرقه واختلاف الرواة فيه وهذا من أعلى مراتب التصنيف فيه.
قال ابن الصلاح: "إنّ من أعلى المراتب في تصنيفه٣ معللاً بأن يجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده"٤اه.
ومن أهميته أن الرواة قد يضطربون في الاسم في السند أو في المتن فمن خلال دراسة الحديث قد نستطيع بيان الراجح في الاسم قال ابن عدي في ترجمة
стр. 28
عمر بن مساور: "واختلفوا في هذا الاسم فقال بعضهم عمر بن "مسافر" وقال "عمر بن مسادر" وقالوا "عمر بن سافر" وقال "عمر بن مساور كما أمليت وبينت وصواب هذا كما ذكرت في الترجمة "عمر بن مساور"" ١اه.
وقد لا نستطيع ولذلك قال ابن عبد البر لمّا اختلف في اسم أبي هريرة على وجوه كثيرة: "ولكثرة الاضطراب فيه لم يصح عندي في اسمه شيء يعتمد عليه"٢اه.
ومن أهميته معرفة صحة الحديث من سقمه:
قال ابن رجب ﵀: "اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم ومعرفة هذا هَيّن؛لأنّ الثقات والضعفاء قد دونوا في كثيرٍ من التصانيف وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف.
والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إمّا في الإسناد وإمّا في الوصل والإرسال وإمّا في الوقف والرفع ونحو ذلك وهذا هو الذي يحصل من معرفته واتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث" ٣اه.
стр. 29
عودٌ على بدءٍ:
فمن خلال ما سبق يظهر جلياً أهمية دراسة هذا النوع من علوم الحديث وإفراده في رسالة علمية مختصة.
стр. 30
الباب الأول: الاضطراب لغة واصطلاحا
الفصل الأول: الاضطراب لغة
...
الفصل الأول: الاضطراب لغة.
أصل كلمة (اضطرب) ضرب.
ومادة الضاد والراء والباء أصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه١.
والضرب: إيقاع شيء على شيء٢.
والموج يضطرب: أي يضرب بعضه بعضاً، وتضرب الشيء واضطرب تحرك وماج١.
والاضطراب: كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض٢.وعبر به عن الأشياء المختلفة فقيل: حاله مضطرب أي مختلف٣.
وكلمة الاضطراب تدل على حركة وعدم ثبات الشيء واختلاله وعدم انضباطه.
يقال: اضطرب الحبل بين القوم إذا اختلفت كلمتهم٤ واضطرب أمره
стр. 31
اختل١ واضطرب تحرك وماج٢.
وفي حديث خَبَّاب بن الأرت ﵁ لما سُئِل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلمفي الظهر والعصر كيف تعرفونها؟
قال: باضطراب لحيته٣. أي بتحركها وعدم ثباتها.
وزن الكلمة:
للكلمة عدة أوزان:
١- افْتَعَل: اضطرب٤. ٣- مُفْتَعِل: مضطرب٥.
٢- تَفْتَعِل: تضطرب. ٤ - افْتِعَال: اضطراب٦.
ضبط كلمة مضطرب:
يجوز في الراء من كلمة مضطرب الفتح على اعتبار اسم المكان والكسر على اعتبار اسم الفاعل لغة.
والذي درج عليه أهل الحديث الكسر٧.
стр. 32
الفصل الثاني: المضطرب اصطلاحاً
قال ابن الصلاح: "المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"١اه.
ويمكن أن يختصر كلامه ﵀ بما يلي:
هو الحديث المروي على أوجه مختلفة مؤثرة متساوية ولا مرجح.
شرح التعريف:
قوله (الحديث) الحديث هو ما جاء عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة٢.
ولا يطلق الحديث على غير المرفوع إلا بشرط التقييد فيقال: هذا حديث موقوف أو مقطوع وهذا عليه كثيرون٣.
والحديث يشمل المتواتر والآحاد لكن مرادهم الآحاد دون المتواتر؛ لأن خبر الآحاد تدخله التقوية والترجيح دون المتواتر، فلا تدخله التقوية والترجيح٤ وهو ليس من مباحث علم الإسناد٥.
стр. 33
والآحاد يشمل المشهور والعزيز والغريب لكن الفرد المطلق لا يدخله الاضطراب؛ لأنه لا اختلاف فيه فهو مروي على وجه واحد١.
كحديث "إنما الأعمال بالنيات" المتفق عليه٢.
رواه يحيى بن سعيد عن محمد التيمي عن علقمة عن عمر مرفوعاً فهو لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة ولا عن علقمة إلا من رواية محمد التيمي ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد ثم رواه الناس عن يحيى بن سعيد٣.
والاضطراب يدخل الخبر مرفوعاً كان أو موقوفاً أو مقطوعا٤ لكن لما كان اهتمام العلماء بالسنن أكثر انصب كلامهم على الأحاديث دون الآثار، ولذلك قل حكمهم على الآثار عموماً بالصحة أو الضعف إلا فيما لا مجال للرأي فيه.
وهو المرفوع حكماً٥.
стр. 34
ومثال أثر أعل بالاضطراب ما رواه عاصم بن عبيد الله عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان قال: إني لشاهد عمر بن الخطاب حين مات وهو يقول: ويل أمي إن لم يغفر لي ثلاثاً ثم قضى وما بينهما كلام١.
ثم رواه عاصم على وجه آخر.
فقال عاصم عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان به٢.
فاضطرب فيه:
مرة يقول: عن أبان بن عثمان عن عثمان.
ومرة يقول: عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن عثمان.
وعاصم بن عبيد الله المدني [ضعيف] ٣.
قال الدارقطني: "الاضطراب فيه من عاصم بن عبيد الله"اه٤.
стр. 35
قوله (المروي على أوجه مختلفة) أخرج الفرد المطلق وما اتفقت فيه الروايات ولم تختلف١.
قال أبو داود: "الاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء وقوم على شيء"٢اهـ.
وقال ابن الصلاح في المضطرب: "هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له"٣اهـ.
وأفاد قوله (على أوجه مختلفة) اشتراط اتحاد المخرج، إذ لو اختلف المخرج لم يكن هناك اختلافاً بين الرواة، ولذلك أئمة أهل الحديث لا يعلون حديثاً بآخر عند اختلاف المخرج وذكر الحافظ العراقي روايات الحوض واختلاف ألفاظها ثم قال: "وكل هذه الروايات في الصحيح قال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجباً للاضطراب؛ فإنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة"٤ اهـ.
стр. 36
وقال ابن التركماني: "إنما تعلل رواية برواية إذا ظهر اتحاد الحديث"١اهـ.
وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثاً بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر.
فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين"٢اهـ.
وتعليلهم الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً.
أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة قال الميموني قلت ليحيى بن معين: الأحاديث التي عن النبي ﷺ في كراهة الحجامة للصائم كيف تأويلها؟ قال: جياد كلها. قلت: فما يقولون: مضطربة؟ قال: أنا لا أقول إن هذه الأحاديث مضطربة"٣ اهـ.
стр. 37
قوله (مؤثرة) أخرج اختلاف التنوع في الرواية كأن يروي الحديث عن رجل مرة وعن آخر مرة، ثم يجمعهما في سند١.وكذا أخرج اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته٢.
وفي مثل هذا يقولون الاضطراب قد يجامع الصحة والحسن٣.
والاختلاف المؤثر: هو المشعر بقلة ضبط راويه. قال الحافظ أثناء كلامه على حديث اختلف فيه الرواة: "التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالاً على قلة ضبطه"٤ اهـ.
قوله (متساوية) أصلها سوي ومادة السين والواو والياء: أصل واحد، يدل على استقامة واعتدال بين شيئين يقال هذا لا يساوي كذا أي لا يعادله. وفلان وفلان على سوية من هذا الأمر أي سواء ٥.
قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"٦اهـ.
стр. 38
وقال العراقي: "إن الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب"١اهـ.
ومعنى "تساوي الروايات" أن تتعارض الوجوه المقتضية للترجيح٢؛ فإن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من الضبط ووافقه من هو مثله اعتضد وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن٣.
قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى.."٤ اهـ.
فقوله (تقاومها) أي يدفع بعضها بعضاً وقاومه في المصارعة وغيرها وتقاوموا في الحرب أي قام بعضهم لبعض٥.
قوله (ولا مرجح) : الترجيح هو تقوية إحدى الروايتين على الأخرى بمرجح معتمد٦، وهو يقع في الروايات التي تتعارض ولا يمكن الجمع بينها٧.
стр. 39
والأصل عند الاختلاف بين الروايات أن يجمع بينها برابط يزيل الاختلاف، فالترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع١؛ لأن الجمع أولى منه إذا أمكن٢.
قال الحافظ: "الجمع بين الروايتين أولى ولا سيما إذا كان الحديث واحداً والأصل عدم التعدد"٣ اهـ.
وقال ابن دقيق العيد في معرض بيانه للاضطراب: "إن أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبراً باللفظين الواردين عن معنى واحد فلا إشكال"٤اهـ.
وقال اللقاني٥٥: "لا اضطراب إذا أمكن الجمع بين جانبي الاختلاف وإن لم يترجح شيء"٦اهـ.
فإن لم يمكن الجمع بأن يكون الجمع تعسفاً٧ صير إلى الترجيح بين الروايات، فإن ترجحت إحدى الروايات فالعمل بالأرجح واجب٨، والمرجوح
стр. 40
مطرح؛ لامتناع إسقاط الراجح بمعارضة المرجوح١؛ إذ لا أثر للمرجوح٢.
وأوجه الترجيح كثيرة لا تنحصر؛ لأن ما يحصل به تغليب ظن على ظن كثير جداً.
قال العلائي: "وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر. ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث. بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص"٣ اه.
والضابط في الترجيح: أنه متى اقترن بإحدى الروايتين ما يقويها ويغلب جانبها وحصل بذلك الاقتران زيادة ظن. أفاد ذلك ترجيحها على الرواية الأخرى٤.
وموطن الترجيح إذا كانت الروايات في درجة القبول أما مع تحقق بطلان أحدها فلا يلتفت إليه٥.
وإذا رجح وجه على وجه فمعناه أن الصواب في الرواية هذا الوجه دون النظر لصحته أو ضعفه٦.
وشرط الترجيح أن يكون معتمداً.