وقال ابن التركماني: "إنما تعلل رواية برواية إذا ظهر اتحاد الحديث"١اهـ.
وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثاً بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر.
فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين"٢اهـ.
وتعليلهم الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً.
أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة قال الميموني قلت ليحيى بن معين: الأحاديث التي عن النبي ﷺ في كراهة الحجامة للصائم كيف تأويلها؟ قال: جياد كلها. قلت: فما يقولون: مضطربة؟ قال: أنا لا أقول إن هذه الأحاديث مضطربة"٣ اهـ.
стр. 37
قوله (مؤثرة) أخرج اختلاف التنوع في الرواية كأن يروي الحديث عن رجل مرة وعن آخر مرة، ثم يجمعهما في سند١.وكذا أخرج اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته٢.
وفي مثل هذا يقولون الاضطراب قد يجامع الصحة والحسن٣.
والاختلاف المؤثر: هو المشعر بقلة ضبط راويه. قال الحافظ أثناء كلامه على حديث اختلف فيه الرواة: "التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالاً على قلة ضبطه"٤ اهـ.
قوله (متساوية) أصلها سوي ومادة السين والواو والياء: أصل واحد، يدل على استقامة واعتدال بين شيئين يقال هذا لا يساوي كذا أي لا يعادله. وفلان وفلان على سوية من هذا الأمر أي سواء ٥.
قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"٦اهـ.
стр. 38
وقال العراقي: "إن الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب"١اهـ.
ومعنى "تساوي الروايات" أن تتعارض الوجوه المقتضية للترجيح٢؛ فإن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من الضبط ووافقه من هو مثله اعتضد وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن٣.
قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى.."٤ اهـ.
فقوله (تقاومها) أي يدفع بعضها بعضاً وقاومه في المصارعة وغيرها وتقاوموا في الحرب أي قام بعضهم لبعض٥.
قوله (ولا مرجح) : الترجيح هو تقوية إحدى الروايتين على الأخرى بمرجح معتمد٦، وهو يقع في الروايات التي تتعارض ولا يمكن الجمع بينها٧.
стр. 39
والأصل عند الاختلاف بين الروايات أن يجمع بينها برابط يزيل الاختلاف، فالترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع١؛ لأن الجمع أولى منه إذا أمكن٢.
قال الحافظ: "الجمع بين الروايتين أولى ولا سيما إذا كان الحديث واحداً والأصل عدم التعدد"٣ اهـ.
وقال ابن دقيق العيد في معرض بيانه للاضطراب: "إن أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبراً باللفظين الواردين عن معنى واحد فلا إشكال"٤اهـ.
وقال اللقاني٥٥: "لا اضطراب إذا أمكن الجمع بين جانبي الاختلاف وإن لم يترجح شيء"٦اهـ.
فإن لم يمكن الجمع بأن يكون الجمع تعسفاً٧ صير إلى الترجيح بين الروايات، فإن ترجحت إحدى الروايات فالعمل بالأرجح واجب٨، والمرجوح
стр. 40
مطرح؛ لامتناع إسقاط الراجح بمعارضة المرجوح١؛ إذ لا أثر للمرجوح٢.
وأوجه الترجيح كثيرة لا تنحصر؛ لأن ما يحصل به تغليب ظن على ظن كثير جداً.
قال العلائي: "وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر. ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث. بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص"٣ اه.
والضابط في الترجيح: أنه متى اقترن بإحدى الروايتين ما يقويها ويغلب جانبها وحصل بذلك الاقتران زيادة ظن. أفاد ذلك ترجيحها على الرواية الأخرى٤.
وموطن الترجيح إذا كانت الروايات في درجة القبول أما مع تحقق بطلان أحدها فلا يلتفت إليه٥.
وإذا رجح وجه على وجه فمعناه أن الصواب في الرواية هذا الوجه دون النظر لصحته أو ضعفه٦.
وشرط الترجيح أن يكون معتمداً.
стр. 41
قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة١.
فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف الاضطراب ولا له حكمه"٢اه
فإن لم يمكن الترجيح فهو المضطرب٣.
مثال المضطرب:
حديث جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "صيد البر لكم حلال مالم تصيدوه أو يصيد لكم".
رواه عمرو بن أبي عمرو المدني فاضطرب فيه:
مرة قال: عن المطلب عن جابر مرفوعاً٤.
ومرة قال: عن المطلب عن أبي موسى مرفوعاً٥.
стр. 42
ومرة قال: عن رجل من بني سلمة عن جابر مرفوعا١.
والحديث مداره على عمرو بن أبي عمرو وهو موصوف بالاضطراب فالظاهر أن الاضطراب منه.
والحديث أعله ابن التركماني٢ والغماري٣ باضطراب إسناده.
شروط المضطرب:
ومن خلال كلام أهل الحديث السابق نستخلص شروط المضطرب:
١- وجود الاختلاف المؤثر.
٢- اتحاد المخرج.
٣- أن تكون الأوجه متساوية.
٤- أن لا يمكن الجمع.
٥- أن لا يمكن الترجيح.
قال الحافظ: "الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطرباً إلا بشرطين:
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمرجوح.
стр. 43
ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث"١.
إشكال:
وهنا قد يظهر إشكال: قد يصف المحدث حديثاً ما بالاضطراب مع ترجيحه لرواية منها فكيف يجمع بين الوصف بالاضطراب والترجيح؟
الجواب عن هذا الإشكال:
وعن هذا الإشكال عدة أجوبة:
الأول: [وصف بالاضطراب دون النظر إلى النتيجة والحكم النهائي، ومرادهم أن الرواة اختلفوا واضطربوا فيه والراجح من الاختلاف رواية فلان وعندها لا يكون هناك اضطراباً معلاً للرواية بل محفوظ وشاذ أو معروف ومنكر كالأحاديث المختلفة الواردة في باب مختلف الحديث مع التوفيق بينها أو الأحاديث التي قيل بنسخها مع رد دعوى النسخ] ٢.
ولذلك لما قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"٣اهـ.
стр. 44
علق عليه الزركشي بقوله: "كان ينبغي أن يقول: "وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت". وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت"١اهـ.
وقال البخاري لما سأله الترمذي عن حديث عائشة أنها ذكرت لرسول الله ﷺ إن قوماً يكرهون استقبال القبلة بغائط أو بول فأمر بخلائه فاستقبل به القبلة: "هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عن عائشة قولها"اهـ٢.
الثاني: [وصف بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راو] ٣.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "ناوليني الخمرة. قلت: إني حائض! قال: إن حيضتك ليست في يدك". ورواه عبد الله البهي عن عائشة عن النبي ﷺ نحوه؟
فقال أبي: حديث ثابت عن القاسم عن عائشة أحب إلي؛ وذلك أن البهي يدخل بينه وبين عائشة عروة وربما قال: حدثتني عائشة ونفس البهي لا يحتج بحديثه وهو مضطرب الحديث"٤ ٤اه.
وقال ابن الجوزي في معرض رده لتعليل حديث بالاضطراب: "اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث؟ فقال: حسين المعلم يجوده"اه٥ ٥.
стр. 45
الثالث: أنه ترجيح افتراضي لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر.
من ذلك ما سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن حديث اضطرب فيه الرواة: "الصحيح ما هو؟ قال الله أعلم قد اضطربوا فيه والثوري أحفظهم"اهـ١.
стр. 46
الفصل الثالث: أنواع الاضطراب وحكم كل نوع
أنواع الاضطراب:
[الاضطراب من حيث هو يرجع تارة إلى المتن وتارة إلى السند وتارة إليهما وقد يكون على شخص واحد وقد يكون على أكثر من ذلك] ١.
قال ابن الصلاح: "يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد وقد يقع ذلك من راو واحد ويقع بين رواة له جماعة"٢اهـ.
والغالب أن يقع الاضطراب في السند قال الحافظ: "المضطرب وهو يقع في الإسناد غالباً٣، وقد يقع في المتن لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد"٤ اهـ.
وقول الحافظ (وقد يقع في المتن) أفاد أنه يقع في المتن بقلة٥ وذلك؛ لأن الاضطراب في المتن قلما يوجد إلا ومعه اضطراب في السند٦.
وقد يقع فيهما؛ لأن [القضية مانعة خلو فيكون ذلك في المتن وفي السند معاً] ٧.
стр. 47
مثال مضطرب الإسناد:
ما رواه أبو داود في سننه حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا إسماعيل بن أمية حدثني أبو عمرو بن محمد أنه سمع جده حريثاً يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصاً فإن لم يكن معه عصاً فليخطط خطاً ثم لا يضره ما مرّ أمامه" ١.
وهذا إسناد ضعيف فيه مجهولان: أبو عمرو بن محمد وجده حريث ووقع فيه اضطراب في سنده.
فرواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة عنه به٢.
فهنا قال (أبو محمد بن عمرو) وفي الذي قبله (أبو عمرو بن محمد) .
ورواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة عنه به٣.
فهنا قال: (أبو عمرو بن حريث) وفيما سبق (أبو عمرو بن محمد) .
وقال هنا (عن أبيه) وفيما سبق (عن جده) .
ورواه ابن جريج قال أخبرني إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمار عن
стр. 48
أبي هريرة عنه به١.
فهنا قال (عن حريث بن عمار) وفيما سبق (أبو عمرو بن حريث) .
حاصل الاضطراب:
١- إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد عن جده حريث عن أبي هريرة مرفوعاً.
٢- إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة مرفوعاً.
٣- إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً.
٤- إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمّار عن أبي هريرة مرفوعاً.
فالاضطراب واقع في جهتين:
الأولى: شيخ إسماعيل بن أمية:
أ- أبو عمرو بن محمد ب- أبو محمد بن عمرو
ج- أبو عمرو بن حُرَيْثد- حُرَيْث بن عمّار.
الثانية: شيخ شيخ إسماعيل بن أمية:
أ- جده حريث ب- جده عمرو بن حريث
ج- أبوه حُرَيْث
стр. 49
فالجهة الأولى غير مؤثرة؛ لأنه اختلاف في نسبه لا في حاله.
أما الجهة الثانية فهي مؤثرة.
والحديث ذكره ابن الصلاح مثالاً للمضطرب١، وحكم غير واحد من الحفاظ باضطراب سنده٢.
مثال مضطرب المتن:
قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي قال سمعت ابن نمير عن أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان٣.
وهذا إسناد ضعيف:
فيه أشعث بن سوار ضعيف.
وفيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس.
وأعل باضطراب متنه.
فرواه ابن أبي شيبة عن ابن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم"٤.
стр. 50
فهنا جعل (التلبية والرمي عن الصبيان)
وفيما سبق (التلبية عن النساء والرمي عن الصبيان) .
والحديث أعله ابن القطان١ باضطراب متنه.
مثال مضطرب السند والمتن:
قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم٢.
وهذا إسناد ضعيف لأمرين:
١- الانقطاع بين عبيد الله وعمّار٣.
٢- الاضطراب في سنده ومتنه.
فرواه عمرو بن دينار عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمّار بن ياسر قال: "تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب"٤.
стр. 51
فهنا قال (عن أبيه) وفي الأول لم يقل.
ورواه صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمّار بن ياسر وفيه: (فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ . فضربوا بأيديهم إلى الأرض. ثم رفعوا بأيدهم ولم يقضوا من التراب شيئاً. فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ... ) ١.
فهنا جعلها ضربة واحدة. وفيما سبق ضربتين.
حاصل الاضطراب:
وقع الاضطراب في سنده وفي متنه:
أما السند:
١- الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمّار.
٢- الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمّار.
وأما المتن:
فمرة يقول: ضربة.
ومرة يقول: ضربتين.
فهذا اضطراب في سنده ومتنه.
وقال ابن عبد البر: "أحاديث عمّار في التيمم كثيرة الاضطراب. وإن كان رواتها ثقات"اه٢.
стр. 52
حكم كل نوع:
لأهل الحديث في الحديث المضطرب نظرتان:
النظرة الأولى: من جهة الاضطراب:
فالاضطراب وحده موجب لضعف الحديث؛ لأنه دليل على عدم ضبط الراوي١.
قال ابن دقيق العيد: "الاضطراب أحد أسباب الضعف"٢ اهـ.
النظرة الثانية: من جهة الراوي:
فالراوي إما أن يكون في مرتبة القبول أو الاعتبار أو الترك.
فإن كان في مرتبة القبول (ثقة أو صدوق) واضطرب في الحديث ولم يضبطه، ضعف الحديث لعدم ضبطه لذلك الحديث بعينه، لا لضعفه.
قال الذهبي في معرض بيانه لاختلاف الثقات: "إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة فهذا يوهن الحديث ويدل على أن راويه لم يتقنه"٣اهـ.
وذكر الدارقطني حديثاً مضطرباً ثم قال: "وليس فيها شيء أقطع على صحته؛ لأن الأعمش اضطرب فيه وكل من رواه عنه ثقة"٤ اهـ.
стр. 53
وقال العراقي في معرض ردّه على من ضعف راوياً ثقة لحديث رواه مضطرب: "إنما نشأ ضعف هذا الحديث من اضطرابه والاختلاف في رفعه ووقفه ووصله وإرساله. واضطراب لفظه، لا من حال عبد الحميد فقد وثقه النسائي والعجلي وابن حبان"١اهـ.
وإن كان الراوي في مرتبة الاعتبار (الضعيف المنجبر) . واضطرب في الحديث، ضعف الحديث لأمرين: لضعف راويه. ولاضطرابه فيه.
قال ابن القطان في معرض بيانه لعلة حديث أعله بالاضطراب: "هذا الحديث له علتان:
إحداهما: الاضطراب المورث لسقوط الثقة به وذلك أنهم يختلفون فيه" ثم قال: "إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا أو ببعضه أو بغيره غير ثقة أو غير معروف فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه وهذه حال هذا الخبر وهي العلة الثانية"٢اهـ.
وذكر الدارقطني حديثاً مضطرباً ثم قال: "والاضطراب في هذا من عاصم بن عبيد الله؛ لأنه كان سيئ الحفظ"٣اهـ.
وإن كان الراوي في مرتبة الترك (الضعيف الذي لا ينجبر) واضطرب في الحديث، ضعف الحديث ضعفاً شديداً لأمرين: لشدة ضعف راويه ولاضطرابه فيه ومن ذلك حديث مضطرب رواه البيهقي ثم قال بعد ذكره للاضطراب: "قال
стр. 54
أبو علي الحافظ حديث إبراهيم بن يزيد مضطرب وإبراهيم ضعيف"١اهـ.
وذكر ابن رجب حديثاً مضطرباً ثم قال: "وهذا الاضطراب في الحديث الظاهر أنه من ابن أبي فَرْوة؛ لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث"٢ اهـ. وابن أبي فروة هو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني. متروك٣.
بيان ما يقبل التقوي:
الاضطراب من أسباب ضعف الحديث٤.
وهذا الضعف ليس شديداً بل هو من الضعف المنجبر. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله أبو معشر المدني يكتب حديثه؟ فقال: عندي حديثه مضطرب لا يقيم الإسناد ولكن اكتب حديثه اعتبر به"٥ اهـ.
قال الحافظ بعد ذكره حديثاً مضطرباً صححه الحاكم: "في تصحيحه نظر؛ لأن في أبي أيوب الإفريقي - واسمه عبد الله بن علي - مقالاً مع الاضطراب من عاصم في سنده وتكلموا في حفظه.
وإنما قلت: حسن؛ لاعتضاده بما قبله" ٦اهـ.
стр. 55
وذكر السخاوي حديث: "العلماء ورثة الأنبياء" وخرجه ثم قال: "صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها ولذا قال شيخنا له طرق يعرف بها أن للحديث أصلاً"١ اهـ.
فإذا كان الاضطراب من الراوي المقبول أوْ الراوي الضعيف الذي ينجبر ضعفه بمتابعة أو شاهد؛ فإنه يَتَقوّى بالمجموع.
ففي السند إذا روى الحديث موصولاً ومرسلاً. وجاء ما يقويه من متابعة أو شاهد معتبر٢ تقوى به.
ومثاله: ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن
стр. 56
الخطاب مرفوعاً: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة "١.
رواه عبد الرزاق أيضاً عن معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه مرفوعاً مرسلاً٢.
فاضطرب فيه عبد الرزاق مرة يصله ومرة يرسله.
وأعله الترمذي بالاضطراب٣.
وقد توبع معمر:
تابعه زياد بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مرفوعاً نحوه٤.
وله شاهد من حديث أبي أسيد الأنصاري ﵁ قال قال النبي ﷺ : "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" ٥.
والحديث حسنه الألباني٦.
وفي المتن إذا جاء الحديث بألفاظ مضطربة. وجاء ما يقوى بعض هذه الألفاظ تقوى به.
مثاله: ما رواه عبد الأعلى الثعلبي٧ من حديث علي مرفوعاً: "من كذب في
стр. 57
حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة" ١.
واضطرب في لفظه:
فمرة قال: "من كذب في حلمه كلف أن يعقد بين شعيرتين" ٢.
ومرة قال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
ومرة قال: "اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" ٤.
فاضطرب فيه عبد الأعلى على الوجوه السابقة:
إلا أن قوله "من كذب في حلمه كلف أن يعقد بين شعيرتين".
صح من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: "من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين" ٥ فيتقوى به.
وقوله "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" متواتر٦.
وأما قوله "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" فيبقى ضعيفاً لعدم وجود ما يقويه٧.
стр. 58
وإذا كان الاضطراب من الراوي الضعيف الذي لا ينجبر ضعفه؛ فلا يتقوى حديثه؛ لأن ضعفه غير منجبر.
مثاله: مارواه محمد بن القاسم عن الفضل بن دلهم عن عوف عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعاً: "تعلموا الفرائض وعلموا الناس فإني مقبوض" ١.
وهذا إسناد موضوع:
محمد بن القاسم كذبوه٢ والفضل لين ورمي بالاعتزال٣ وشهر صدوق كثير الإرسال والأوهام٤.
وخالفهم المثنى بن بكر فرواه عن عوف عن سليمان عن أبي الأحوص عن ابن مسعود عنه به مرفوعاً نحوه٥.
وهذا إسناد ضعيف جداً:
المثنى بن بكر قال عنه الدارقطني: متروك٦.
وخالفهم النضر بن شميل فرواه عن عوف عن سليمان بن جابر عن ابن مسعود عنه به مرفوعاً نحوه٧.
стр. 59
وهذا إسناد ضعيف:
سليمان بن جابر مجهول١.
ولرواية أبي هريرة متابعة من طريق حفص بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عنه به مرفوعاً٢.
وهذا إسناد ضعيف جداً:
حفص بن عمر المدني متروك٣.
وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد مرفوعاً٤ إلا أن في إسناده المسيب ابن شريك الكوفي وهو متروك٥.
وعليه يبقى الحديث ضعيفاً لايتقوى.
والحديث أعله الترمذي بالاضطراب٦ وضعفه ابن كثير٧.
стр. 60
الفصل الرابع: التصنيف في المضطرب:
اهتم العلماء بعلم الحديث اهتماماً فائقاً وأفردوا لبعض أنواعه المصنفات. والمضطرب أحد أنواع علوم الحديث افرده الحافظ أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني ت٨٥٢هـ بتصنيف مستقل سماه (المقترب في بيان المضطرب) .
قال السخاوي: "ولمضطربي السند والمتن أمثله كثيرة فالذي في السند وهو الأكثر يؤخذ من العلل للدارقطني، ومما التقطه شيخنا منها مع زوائد وسمّاه المقترب في بيان المضطرب"١اهـ.
وقال عنه المتبولي٢: "أفاد وأجاد وقد التقطه من كتاب العلل للدارقطني"٣اهـ.
ويبدوا أن الحافظ ألفه بعد النكت على ابن الصلاح حيث قال فيه: ووجدت أمثلة للمضطرب في علل الدارقطني"٤ اهـ. وكذا لم يشر إليه في نزهة النظر٥، فلو صنفه قبلهما لذكره٦.
стр. 61
وكتابه (المقترب في بيان المضطرب) مخطوط لم أقف عليه وقد بحثت عنه كثيراً من خلال سؤال المشايخ والأساتذة وطلبة العلم المختصين فكلهم يجيبون بأنه غير معثور عليه بل في عداد المفقود١.
ولم أقف "حسب علمي وقدرتي" على رسالة أخرى في الموضوع ولا رسالة علمية رغم بحثي المتواصل عن ذلك.
ومن خلال كلمة السخاوي والمتبولي نستطيع أن نصف شيئاً من كتاب المقترب في بيان المضطرب:
أ- مادته: جمعها الحافظ من كتاب العلل للدارقطني.
قال الذهبي: "المضطرب والمعلل: ما روي على أوجه مختلفة؛ فيعتل الحديث فإن كانت العلة غير مؤثرة بأن يرويه الثبت على وجه ويخالفه واهٍ فليس بمعلول، وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب؛ لأن الحكم للراجحة"٢ اهـ.
стр. 62
ب- زاد الحافظ أحاديث مضطربة من غير العلل.
ج - إن أكثر أحاديثه معلة من جهة الإسناد.
د- أن الحافظ ﵀ ذكر فيه فوائد وقواعد.
الكتب المشتركة:
تكلم أهل العلم في الاضطراب من خلال الكتب المشتركة بحيث تشمل الكلام على الاضطراب وغيره.
ومع ذلك فهي كلمات متفرقة، ليست جامعة، وقد كشف النقاب عن هذه الحقيقة الحافظ العلائي ﵀ حين قال بعد ذكره قاعدة الاختلاف الواقع في المتون: "ولم أجد إلى الآن أحداً من الأئمة الماضين شفى النفس في هذا الموضوع بكلام جامع يرجع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرقة، وللبحث فيها مجال طويل"١ اهـ.
وحتى تتضح الصورة أذكر بعض النماذج:
١- مصطلح الحديث:
الاضطراب أحد أنواع علوم الحديث، وقد تحدث عنه أهل الاصطلاح تأصيلاً وتقعيداً فمن ذلك:
أ- علوم الحديث لابن الصلاح.
أفرد ابن الصلاح ﵀ المضطرب فقال:
стр. 63
(النوع التاسع عشر: معرفة المضطرب من الحديث) .
تكلم فيه عن تعريفه، وشرطه، وأنواعه، وحكمه، ومثل للمضطرب سنداً١.
ب- الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد:
افرد ابن دقيق ﵀ المضطرب فقال: (الثامن عشر: المضطرب) .
تكلم فيه عن تعريفه وحكمه وبعض القواعد المتعلقة باختلاف الرواة٢.
ج - النُّكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر:
تبعاً لابن الصلاح، تكلم الحافظ ابن حجر ﵀ على المضطرب، ونقل من خلال الشرح نقولاً مفيدة جداً عن شيخه العلائي ﵀ حول قاعدة الاضطراب في السند، وقاعدة الاضطراب في المتن وذكر أمثلة٣.
٢- كتب العِلل:
تعتبر كتب العلل من مظان الأحاديث المضطربة فمن ذلك:
أ- العلل لابن أبي حاتم:
من ذلك أن ابن أبي حاتم سال أباه عن حديث رواه ابن الهاد عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري عن محمد بن أبي سفيان عن يوسف بن أبي عقيل عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: من يرد هوان قريش أهانه الله".
стр. 64
فقال أبو حاتم: "يخالف في هذا الإسناد واضطرب في هذا الحديث"١ اهـ.
ب- العلل للدارقطني:
من ذلك أنه سئل عن حديث أبي بكر ﵁ "شيبتني هود وأخواتها" فذكر طرقه وعلله واختلاف الرواة فيه٢.
٣- كتب الرجال:
تحدثت كتب الرجال عن الاضطراب من جهة بيان الرواة المضطربين في ضبطهم وهي أيضاً من مظان الأحاديث المضطربة، حيث تذكر بعض الروايات التي اضطربوا فيها:
أ- التاريخ الكبير للبخاري:
من ذلك قال في فضالة بن حصين الضبي: "مضطرب الحديث"٣ اهـ.
ب- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم:
من ذلك ما نقله عن أبيه أبي حاتم أنه قال في حفص بن عبد الرحمن البلخي: "صدوق مضطرب الحديث"٤ اهـ.
ج- الكامل لابن عدي:
من ذلك ما قاله في الحارث بن منصور الواسطي: "في حديثه اضطراب"٥اهـ.
стр. 65
وقد شرط على نفسه أن يذكر في الكامل كل من في رواياته اضطراب فقال ﵀: "وقد شرطت في كتابي هذا: أني أذكر كل من في رواياته اضطراب وفي متونه مناكير وأذكره وأبين أمره"١ اهـ.
٤- الكتب المسندة:
أصحاب الكتب المسندة أحياناً يعقبون الأحاديث بذكر ما فيها من الاضطراب:
من ذلك:
أ- سنن الترمذي:
قال الترمذي ﵀ عقب حديث زيد بن أرقم مرفوعاً: (إن هذه الحشوش محتضرة) ما نصه: "وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب"٢ اهـ.
ب- السنن الكبرى للبيهقي:
قال البيهقي ﵀ عقب حديث أبي الدرداء (أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر) ما نصه: "وإسناد هذا الحديث مضطرب واختلفوا فيه اختلافاً شديداً والله أعلم"٣اهـ.
стр. 66
ج- المعجم الأوسط للطبراني:
قال أبو القاسم الطبراني ﵀ عقب حديث الفضل بن عباس مرفوعاً: "الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين.." ما لفظه: "لم يجود إسناد هذا الحديث أحد ممن رواه عن عبد ربه بن سعيد إلا الليث، ورواه شعبة عن عبد ربه ابن سعيد فاضطرب في إسناده"١ اهـ.
٥- كتب الشروح الحديثية:
يهتم كثيراً أهل العلم بذكر ما في الأحاديث من علل عند شرحهم لها والاضطراب من هذه العلل:
من ذلك:
أ- الإِعْلاَم بِسُنَّتِه ﵇ لمُغْلَطَاي:
ذكر ابن ماجه ﵀ حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: "لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه؛ فإنْ الله يمقت على ذلك".
فنقل عن عبد الحق الإشبيلي أنه قال: (وقد اضطرب فيه..) ٢.
ب- فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب:
قال عند ذكره حديث كعب بن عجرة مرفوعاً: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خَرَجَ عامِداً إلى المسجد، فلا يُشَبِّكَنّ بين أصابعه؛ فإنه في صلاة".
стр. 67
قال ما نصه: "خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب"اهـ١.
ج- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ عند شرحه حديث البراء في قدومه ﷺ المدينة ونزوله عند أخواله من الأنصار ما لفظه: "ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر ابن أبي عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث "ثمانية عشر شهراً" وأبو بكر سيئ الحفظ وقد اضطرب فيه" ٢اه.
وغيرها من المصادر التي لم تفرد بالتأليف في المضطرب ولكن جمعت هذه المادة منها ومن غيرها من كتب أهل العلم وما سبق ذكره من المصادر إنما ذكرته على سبيل المثال لا الحصر وذلك لشيوع البحث عن المضطرب في أغلب كتب الحديث.
стр. 68
الباب الثاني: حكم الاختلاف على الراوي وأثره على الراوي والمروي ومعرفة الراوي المضطرب
الفصل الأول: مذاهب العلماء في الاختلاف على الراوي
...
الفصل الأول: مذاهب العلماء في الاختلاف على الراوي.
الاختلاف: هو أن يروي الرواة الحديث فيختلفون فيه، فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر.
قال أبو داود: "الاختلاف عندنا: ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء"اهـ١.
والاضطراب أحد أنواع الاختلاف٢، قال ابن الصلاح: "المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له. وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"٣ اهـ.
فإذا وقع اختلاف بين الرواة فللعلماء في هذا الاختلاف ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الاختلاف يقدح في الحديث إلا إنْ دَلَّ دليل على أنه عند المختلف عليه بالطريقين وإليه ذهب كثير من أهل الحديث٤.
ولم أقف على أسماء أتباعه والذي يظهر أنه لا قائل به من بعدهم، فقد قال الحافظ: "شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت
стр. 69
فالحكم للراجح بلا خلاف"١ اهـ.
فنفى وجود الخلاف والله أعلم.
وحجتهم:
أن الاختلاف على الراوي دليل على عدم ضبطه في الجملة، فيضر ذلك ولو كان رواته ثقات إلا أن يقوم دليل على أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعاً أو بالطريقين٢.
المذهب الثاني:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الاختلاف بين الرواة المقبولين (ثقة أو صدوق) لا يؤثر في صحة الحديث إلا عند التنافي والتعارض في المتن دون السند.
وإليه ذهب الفقهاء وأكثر الأصوليين وطائفة من المحدثين٣.
قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في معرض بيانه للعلة: "أن يروي الثقات حديثاً مرسلاً، ويتفرد به ثقة مسنداً. فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة
стр. 70
الإرسال"١ اهـ.
والاضطراب المؤثر في السند إذا كان راويه ضعيفاً٢.
حجتهم: أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالرواية، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز٣، الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه فمتى حصل ذلك وجاز أن لا يكون غلطاً، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه٤.
وأن توهيم حافظ في زيادة زادها لا معنى له إلا لو صرح الناس بمخالفته وهم لم يصرحوا. وإنما سكتوا عن شيء جاء هو به٥.
وأن رواية الحديث الواحد تارة متصلاً وتارة مُرْسلاً أو مُنْقَطِعاً قوة للخبر ودليل على شهرته، وتحدث الناس به فجعل ذلك علل الحديث، شيء لا معنى له٦.
قال ابن حزم: "قد علل قوم أحاديث؛ بأن رواها عن رجل مرة وعن آخر
стр. 71
أخرى. وهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته ومن الممكن أن يكون سمعه منهما"١ اهـ.
وقال أبوالحسن بن الحصار الأندلسي: "إن للمحدثين أغراضاً في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفاً أو مرسلاً، وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه وأحفظ.
وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول أو آية من كتاب الله تعالى، فيحمله ذلك على قبول الحديث والعمل به واعتقاد صحته، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة"٢
وقال ابن القطان الفاسِي: "لا نرى الاضطراب في الإسناد علة؛ فإنما ذلك إذا كان الذي يدور عليه الحديث ثقة فنجعل حينئذ اختلاف أصحابه عليه إلى رافع وواقف ومرسل وواصل غير ضار، بل ربما كان سبب ذلك انتشار طرق الحديث، وكثرة رواته وإن كان المحدثون يرون ذلك علة تسقط الثقة بالحديث المروي بالإسناد المضطرب فيه"٣ اهـ.
وقال ابن القطان أيضاً في معرض بيانه لحديث روي مرفوعاً وموقوفاً: "ليس فيه أكثر من أن ابن وهب وقفه وزيد بن الحباب رفعه. وهو أحد الثقات،
стр. 72
ولو خالفه في رفعه جماعة ثقات فوقفته ما ينبغي أن يحكم عليه في رفعه إياه بالخطأ"١ اهـ.
المذهب الثالث:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الاختلاف بين الرواة منه ما هو مؤثر في ثبوت الحديث ومنه ما ليس بمؤثر في ثبوت الحديث.
وإليه ذهب الأكثر من أهل الحديث٢.
وحجتهم:
أن الحديث الواحد تحكمه ملابسات ومداخلات لا تتوفر في كل حديث إذ ليست الرواة الثقات في درجة واحدة ولا أحوال الرواة منضبطة، فالوهم والغلط يطرأ على الثقات فما دونهم.
قال الحازمي: "الرواية يراعى فيها الألفاظ والأحوال والأسباب لتطرق الوهم إليها والتغيير والتبديل ويختلف ذلك بالكبر والصغر فيبالغ في مراعاتها"٣ اهـ.
فإذا كان ذلك كذلك فلا تطرد القاعد بل يحكم لكل حديث خاص بحكم خاص.
وأن القرائن والدلالات معمول بها في هذا العلم؛ إذ هو مبني على غلبة
стр. 73
الظن، فإن غلب على الظن بالقرائن أن الراوي ضبط ما تحمله حكم به. وإن غلب على الظن أن الراوي لم يضبط ما تحمله - مع ثقته - حكم به في ذلك الحديث خاصة.
وأن رواية الحديث قائمة على الضبط. والضبط عند كل راو معرض للوهم والخطأ والنسيان.
الترجيح:
المذهب الثالث: الذي ذهب إليه جمهور أهل الحديث وهو [التفصيل في الاختلاف] هو الراجح لأمور:
١- أنه عمل بأمرين:
أ- عدم توهيم الثقة بلا حجة.
ب- توهيم الثقة بحجة.
٢- أن هذا الأمر يتمشى ويتفق مع طريقة الرواية تحملاً وأداءً؛ إذ هي مبنية على غلبة الظن.
٣- أن حال الراوي زمن التحمل والأداء مختلف ودرجة ضبطه زمن عن زمن متفاوتة، فكذلك حديثه يتفاوت في الضبط١.
٤- أنه وسط بين المذهبين.
стр. 74
المناقشة:
مناقشة المذهب الأول:
وما ذهب إليه كثير من المحدثين من أن الاختلاف يقدح في ثبوت الحديث إلا إن دَل دليل على أنه عند المختلف عليه بالطريقين فهو مذهب مبني على شدة الاحتياط لاحتمال الوهم والغلط قال ابن القطان الفاسي: "أهل هذه الصناعة - أعني المحدثين - بنوا على الاحتياط حتى صدق ما قيل فيهم: لا تخف على المحدث أن يقبل الضعيف. وخَفَ عليه أن يترك من الصحيح وبذلك انحفظت الشريعة"١ اهـ.
[ولكن من الاحتياط أن لا يخرج من السنة ما هو منها أيضاً فلا بد أن نراعي الأمرين:
أ- أن لا يدخل في السنة ما ليس منها.
ب- وأن لا يخرج من السنة ما هو منها.
فلا يوهم الثقة بلا حجة ولا يرد الحديث بأدنى علة] ٢.
فهو لا يراعي أن يخرج من السنة ما هو منها.
ومجرد الاختلاف لا يلزم منه القدح؛ إذ الاختلاف على نوعين:
أ- اختلاف تنوع: وهو ما كانت المخالفة لا تقتضي المنافاة. ولا تقتضي إبطال أحد القولين للآخر فيكون كل وجه للآخر نوعاً لا ضداً.
стр. 75
ب اختلاف التضاد: هو الوجهان المتنافيان١.
وإذا وقع اختلاف التضاد فلا يخلو:
إما أن يمكن الجمع فإن أمكن فلا إشكال وإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم يمكن الترجيح اضطرب الحديث. فتعليل الحديث مع إمكان الجمع أو الترجيح [من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف] ٢.
قال الحافظ: "الاختلاف عند الحفاظ لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات أو أمكن الجمع على قواعدهم"٣ اهـ.
وقال الخطابي: "الخطأ من إحدى روايتيه متروك والصواب معمول به وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث"٤ اهـ.
وهذا المذهب لا يراعي اختلاف التنوع إلا أن دل دليل عليه. ولا يراعي اختلاف التضاد مع إمكان الجمع أو الترجيح.
واختلاف بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره. قال الشافعي: "لو استويا في الحفظ وشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه لم يكن في هذا موضع لئن يغلط به الذي لم يشك"٥ اهـ.