أخرى. وهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته ومن الممكن أن يكون سمعه منهما"١ اهـ.
وقال أبوالحسن بن الحصار الأندلسي: "إن للمحدثين أغراضاً في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفاً أو مرسلاً، وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه وأحفظ.
وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول أو آية من كتاب الله تعالى، فيحمله ذلك على قبول الحديث والعمل به واعتقاد صحته، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة"٢
وقال ابن القطان الفاسِي: "لا نرى الاضطراب في الإسناد علة؛ فإنما ذلك إذا كان الذي يدور عليه الحديث ثقة فنجعل حينئذ اختلاف أصحابه عليه إلى رافع وواقف ومرسل وواصل غير ضار، بل ربما كان سبب ذلك انتشار طرق الحديث، وكثرة رواته وإن كان المحدثون يرون ذلك علة تسقط الثقة بالحديث المروي بالإسناد المضطرب فيه"٣ اهـ.
وقال ابن القطان أيضاً في معرض بيانه لحديث روي مرفوعاً وموقوفاً: "ليس فيه أكثر من أن ابن وهب وقفه وزيد بن الحباب رفعه. وهو أحد الثقات،
стр. 72
ولو خالفه في رفعه جماعة ثقات فوقفته ما ينبغي أن يحكم عليه في رفعه إياه بالخطأ"١ اهـ.
المذهب الثالث:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الاختلاف بين الرواة منه ما هو مؤثر في ثبوت الحديث ومنه ما ليس بمؤثر في ثبوت الحديث.
وإليه ذهب الأكثر من أهل الحديث٢.
وحجتهم:
أن الحديث الواحد تحكمه ملابسات ومداخلات لا تتوفر في كل حديث إذ ليست الرواة الثقات في درجة واحدة ولا أحوال الرواة منضبطة، فالوهم والغلط يطرأ على الثقات فما دونهم.
قال الحازمي: "الرواية يراعى فيها الألفاظ والأحوال والأسباب لتطرق الوهم إليها والتغيير والتبديل ويختلف ذلك بالكبر والصغر فيبالغ في مراعاتها"٣ اهـ.
فإذا كان ذلك كذلك فلا تطرد القاعد بل يحكم لكل حديث خاص بحكم خاص.
وأن القرائن والدلالات معمول بها في هذا العلم؛ إذ هو مبني على غلبة
стр. 73
الظن، فإن غلب على الظن بالقرائن أن الراوي ضبط ما تحمله حكم به. وإن غلب على الظن أن الراوي لم يضبط ما تحمله - مع ثقته - حكم به في ذلك الحديث خاصة.
وأن رواية الحديث قائمة على الضبط. والضبط عند كل راو معرض للوهم والخطأ والنسيان.
الترجيح:
المذهب الثالث: الذي ذهب إليه جمهور أهل الحديث وهو [التفصيل في الاختلاف] هو الراجح لأمور:
١- أنه عمل بأمرين:
أ- عدم توهيم الثقة بلا حجة.
ب- توهيم الثقة بحجة.
٢- أن هذا الأمر يتمشى ويتفق مع طريقة الرواية تحملاً وأداءً؛ إذ هي مبنية على غلبة الظن.
٣- أن حال الراوي زمن التحمل والأداء مختلف ودرجة ضبطه زمن عن زمن متفاوتة، فكذلك حديثه يتفاوت في الضبط١.
٤- أنه وسط بين المذهبين.
стр. 74
المناقشة:
مناقشة المذهب الأول:
وما ذهب إليه كثير من المحدثين من أن الاختلاف يقدح في ثبوت الحديث إلا إن دَل دليل على أنه عند المختلف عليه بالطريقين فهو مذهب مبني على شدة الاحتياط لاحتمال الوهم والغلط قال ابن القطان الفاسي: "أهل هذه الصناعة - أعني المحدثين - بنوا على الاحتياط حتى صدق ما قيل فيهم: لا تخف على المحدث أن يقبل الضعيف. وخَفَ عليه أن يترك من الصحيح وبذلك انحفظت الشريعة"١ اهـ.
[ولكن من الاحتياط أن لا يخرج من السنة ما هو منها أيضاً فلا بد أن نراعي الأمرين:
أ- أن لا يدخل في السنة ما ليس منها.
ب- وأن لا يخرج من السنة ما هو منها.
فلا يوهم الثقة بلا حجة ولا يرد الحديث بأدنى علة] ٢.
فهو لا يراعي أن يخرج من السنة ما هو منها.
ومجرد الاختلاف لا يلزم منه القدح؛ إذ الاختلاف على نوعين:
أ- اختلاف تنوع: وهو ما كانت المخالفة لا تقتضي المنافاة. ولا تقتضي إبطال أحد القولين للآخر فيكون كل وجه للآخر نوعاً لا ضداً.
стр. 75
ب اختلاف التضاد: هو الوجهان المتنافيان١.
وإذا وقع اختلاف التضاد فلا يخلو:
إما أن يمكن الجمع فإن أمكن فلا إشكال وإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم يمكن الترجيح اضطرب الحديث. فتعليل الحديث مع إمكان الجمع أو الترجيح [من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف] ٢.
قال الحافظ: "الاختلاف عند الحفاظ لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات أو أمكن الجمع على قواعدهم"٣ اهـ.
وقال الخطابي: "الخطأ من إحدى روايتيه متروك والصواب معمول به وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث"٤ اهـ.
وهذا المذهب لا يراعي اختلاف التنوع إلا أن دل دليل عليه. ولا يراعي اختلاف التضاد مع إمكان الجمع أو الترجيح.
واختلاف بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره. قال الشافعي: "لو استويا في الحفظ وشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه لم يكن في هذا موضع لئن يغلط به الذي لم يشك"٥ اهـ.
стр. 76
قال ابن الجوزي في معرض رده على من ضعف حديثاً بالاضطراب: "اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره. قال الأثرم قلت لأحمد قد اضطربوا في هذا الحديث؟ فقال حسين المُعَلِّم يجوده"١ اهـ.
وفي الصحيحين اللَّذَيْنِ تلقتْهما الأمة بالقبول [سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ] ٢ أحاديث مختلفة الإسناد قال ابن التركماني: "إذا أقام ثقة إسناداً اعتمد، ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من هذا الاختلاف"٣ اهـ.
وقال الحافظ: "ما اختلف في إرساله ووصله بين الثقات ففي الصحيحيىن منه جملة"٤ اهـ.
وقال الحافظ أيضاً: "من عادة البخاري أنه إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف على بعض رواتها ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة وعَلّق الطريق الأخرى؛ إشعاراً بأن هذا اختلاف لا يضر؛ لأنه إمّا أن يكون للراوي فيه طريقان، فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا. فلا يكون ذلك اختلافاً يلزم منه اضطراب يوجب الضعف وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق الأخرى واهم عليه ولا يضر الطريق الصحيحة الراجحة وجود الطريق الضعيفة المرجوحة. والله أعلم"٥ اهـ.
стр. 77
والأصل المعتمد عليه هو عدم توهيم الثقة بلا حجة قال المازري عن تخطأت الرواة بلا دليل: "سوء ظن بالرواة، وتطريق إلى إفساد أكثر الأحاديث"١اهـ.
وقال القرطبي: "الأَوْلَى أن لا يغلط الراوي العدل الجازم بالرواية ما أمكن"٢اهـ.
وقال أيضاً في معرض رده على من رد حديثاً بالتوهم: "هذا لا ينبغي أن يرد الخبر له؛ لأنه وهم وظن غير محقق بل هو مردود. بل المعتمد ثقة الراوي وأمانته"٣ اهـ.
و [السنن الثابتة لا ترد بالدعاوى] ٤.
و [إذا ثبت الحديث بعدالة النقلة وجب العمل به ظاهراً ولا يترك بمجرد الوهم والاحتمال] ٥ إذ [لو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا السنن بالتوهم] ٦.
وهذا المذهب لو قيل به لذهب شيء كثير من السنة. قال العلائي في معرض رده على إعلال حديث بالاختلاف: "مَنْ يقول: إن الاختلاف في الحديث دليل على عدم ضبطه في الجملة فهو قولٌ ضعيفٌ عند أئمة هذا الفن في مثل هذا الاختلاف ولو كان ذلك مسقطاً للاحتجاج بالحديث؛ لسقط الاحتجاج بما لا
стр. 78
يحصى من الحديث مما في إسناده مثل هذا الاختلاف وقد جاء في الصحيحين منه كثير"١ اهـ.
وعليه فالمذهب الأول [رأي فيه ضعف] ٢ بل [ضعيف] ٣.
مناقشة المذهب الثاني:
وما ذهب إليه الفقهاء وأكثر الأصوليين وطائفة من المحدثين من أن الاختلاف بين الرواة المقبولين في الإسناد لا يؤثر في صحة الحديث. فهو مذهب مبني على قبول ما جاء به الثقة مطلقاً، وعدم توهيمه. لكن الثقة مع حفظه وضبطه قد يهم ويخطئ. فهذا هو يحيى بن سعيد القطان الإمام الحافظ الناقد قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: "إليه المُنْتَهى في التَثَبُّت بالبصرة" اه. وقال عنه أبو حاتم: "حافظ ثقة" اه. وقال أبو زرعة: "من الثقات الحفاظ"٤ اهـ.
وقال الإمام أحمد: "رحم الله يحيى القطان ما كان اضبطه وأشد تفقده كان محدثاً وأثنى عليه فأحسن الثناء عليه اه هذا الإمام مع حفظه وضبطه أخطأ في أحاديث قال الإمام أحمد: "ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث ثم قال أبو عبد الله: ومن يَعْرى من الخطأ والتَصْحِيف"٥ اهـ.
стр. 79
بل قال يحيى نفسه: "كنت إذا أخطأت قال لي سفيان الثوري أخطأت يا يحيى"١ اهـ.
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: فيحيى - أعني القطان - في بعض ما يروي حديثاً غيره يدخل بينهما رجل؟ قال: بُدّ من أن يحيى الوهم"٢اهـ.
وقال أبو عيسى الترمذي: "إنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم"٣ اهـ.
وقال الذهبي: "ليس من شرط الثقة أن لا يغلط أبداً فقد غلط شعبة ومالك وناهيك بهما ثقة ونبلاً"٤ اهـ.
ومن قال: إنه لا يخطئ فهو كذاب قال: [الإمام الحافظ الجهبذ شيخ المحدثين أبو زكريا يحيى بن معين البغدادي أحد الأعلام] ٥: "من لا يُخْطِئ في الحديث فهو كذاب"٦ اهـ.
والمحدث من خلال الطرق والأسانيد واعتبار الروايات يغلب على ظنه أن الراوي أخطأ في هذا الحديث فيعل الحديث به٧.
стр. 80
قال السخاوي: "الشّاذ لم يوقف له على علة أي معينة. وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه وأنه من أغمض الأنواع وأدقها.. بل الشاذ كما نسب لشيخنا أدق من المعلل بكثير"١ اهـ.
وقال الزركشي: "الفقهاء لا يعللون الحديث ويطرحونه إلا إذا تبين الجرح وعلم الاتفاق على ترك الراوي"٢ اهـ.
وغلبة الظن معمول بها في باب الرواية دون الشهادة٣.
قال الخطيب: "أخبار الآحاد يصح دخول التقوية والترجيح فيها عند التعارض وتعذر الجمع؛ لأنها تقتضي غلبة الظن دون العلم والقطع. ومعلوم أن الظن يقوى بعضه على بعض عند كثرة الأحوال والأمور المقوية لغلبته"٤ اهـ.
بل باب الرواية والتعليل مبنيان على غلبة الظن، قال العراقي: "باب الرواية مبني على غلبة الظن"٥ اهـ.
وقال العلائي: "المتبع في التعليل إنما هو غلبة الظن"٦ اهـ.
وقال الحافظ: "تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر بل هو راجح الاحتمال فيعتمد.
стр. 81
ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح"١ اهـ.
والترجيح باعتبار القرائن مسلك علمي جرى عليه أهل العلم في كل العلوم؛ لأنه يفيد غلبة الظن. قال الحافظ: "الاختلاف عند النقاد لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات أو أمكن الجمع على قواعدهم" ٢ اهـ.
واعتبارهم التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه مقابل بمثله قال العلائي: "أما ما يسلكه جماعة من الفقهاء من احتمال أن يكون رواه عن الواسطة ثم تذكر أنه سمعه من الأعلى فهو مقابل بمثله. بل هذا أولى. وهو أن يكون رواه عن الأعلى جرياً على عادته ثم يذكر أن بينه وبينه فيه آخر فرواه كذلك والمتبع في التعليل إنما هو غلبة الظن"٣ اهـ.
وفَرْقٌ بين حديث رواه الثقة لم يُخَالَف فيه، وبين حديث رواه وخالفه ثقة آخر؛ إذ المخالفة تفيد وهما٤ً.
قال الإمام مسلم في معرض بيانه لكيفية معرفة خطأ الراوي: "الجهة الأخرى: أن يروي نفرٌ من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد [مجتمعين] على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ فيعلم
стр. 82
حينئذٍ أنّ الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد. وإن كان حافظاً على المذهب الذي رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم"١ اهـ.
وقال البيهقي في معرض كلامه على حديث وصله واحد وتابعه بعض الضعفاء والمجاهيل وأرسله جماعة ثقات: "من حكم لهذا الحديث بالوصل برواية واحد ومتابعة جماعة من الضعفاء والمجهولين إياه على ذلك وترك رواية من ذكرناهم من الأئمة عن موسى بن أبي عائشة مرسلاً لم يكن له كبير معرفة بعلم الحديث. ولو لم يستدل بمخالفة راوي الحديث ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه على خطأ الحديث. لم يعرف قط صواب الحديث من خطئه" ٢ اهـ.
وقال الذهبي في معرض كلامه على اختلاف الثقات: "إذا اختلف جماعة فيه وأتوا به على أقوال عدة. فهذا يوهن الحديث. ويدل على أن راويه لم يتقنه"٣
وقال الذهبي أيضاً في نقده لابن القطان: "حديث الدارقطني عن عفيف بن سالم عن الثوري: "لا يحصن الشرك شيئاً".
قال: "وهم عفيف في رفعه. والصحيح من قول ابن عمر" ٤. فهذا غير علة.
стр. 83
الثقة عفيف فرفع الثقة لا يضر" ١.
قلت٢: بل يضر لمخالفته ثقتين فأكثر؛ لأنه يلوح بذلك لنا أن الثقة قد غلط"٣ اهـ.
وقوة الخبر إذا تعددت الأوجه ليست على إطلاقها فإنما تكون قوة للحديث إذا اختلف المخرج ٤. أو يكون راويها مكثراً واسع الرواية من الحفاظ.
قال الحافظ في معرض تعليله لحديث: "هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهن راويه. وينبئ بقلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين يجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالاً على قلة ضبطه"٥ اه.
وأحياناً ينسب الراوي للاضطراب مع ثقته وجلالته وسعة روايته قال الإمام أحمد لما ذكر له حديث اختلفوا فيه على سفيان بن عيينة: "اختلفوا على سفيان - يعني ابن عيينة فيه وما أراه إلا من سفيان - يعني اضطرابه فيه" ٦ اهـ.
وموافقة الحديث الضعيف للأصول أو لآية من كتاب الله لا يلزم منها صحته؛ لأن الحديث فيه جهتان:
الجهة الأولى: نسبته للرسول ﷺ .
стр. 84
والجهة الثانية: ما اشتمله من حكم ومعنى.
فموافقته للأصول أو للآية تثبت صحة معناه وحكمه، ولا تثبت صحة نسبته للرسول ﷺ .
وإذا كان الخبر موافقاً للأصول أو للآية فنحن نثبت الحكم بالأصول أو الآية لا به. فتأمّل.
وفتح هذا الباب يؤدي إلى تصحيح أحاديث الضعفاء والمتروكين. فتنبه.
وهذا المذهب لا يراعي أن يدخل في السنة ما ليس منها؛ و [الخوف الأكبر اختلاط درجة الظن مع درجة الوهم] ١.
وهم لا يشترطون في حد الصحيح انتفاء الشذوذ والعلة٢. فمن هذا الباب تطرقت إليهم أوهام وأخطاء الرواة المقبولين، على أنها أحاديث صحاح.
قال ابن قيم الجوزية في معرض بيانه لحادثة الإسراء: "وكان الإسراء مرة واحدة وقيل مرتين مرة في يقظة ومرة مناماً. وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: "ثم استيقظت". وبين سائر الروايات.
ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين مرة قبل الوحي؛ لقوله في حديث شريك "وذلك قبل أن يوحي إلي".
ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث.
ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده.
стр. 85
وكل هذا خبط. وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية ١ من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة" ٢ اهـ.
وقال ابن قيم الجوزية أيضاً في معرض رده على من اعتبر وهم بعض الرواة قصة أخرى: "وهذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى. كما جعلوا الإسراء مراراً؛ لاختلاف ألفاظه. وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مراراً لاختلاف ألفاظه وجعلوا طواف الوداع مرتين؛ لاختلاف سياقه. ونظائر ذلك.
وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوماً من الغلط ونسبته إلى الوهم" ٣ اهـ.
وعليه فالمذهب الثاني ضعيف كالأول. والمعتمد هو المذهب الثالث: وهو أن الاختلاف منه ما هو مؤثر ومنه ما ليس بمؤثر والله أعلم.
стр. 86
الفصل الثاني: أثره على السند والمتن .
الاضطراب والاختلاف يؤثران على الحديث سنداً ومتناً.
فمن الآثار المترتبة على السند:
١ - مخالفة الراوي للثقات تؤثر في الحكم عليه إذ تدل على عدم ضبطه:
قال الترمذي: "ذكر عن يحيى بن سعيد أنه إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا. لا يثبت على رواية واحدة تركه"١ اهـ.
وقال ابن عدي في ترجمة الحسن بن علي المعمري: "رفع أحاديث وزاد في المتون أشياء ليس فيها"٢ اهـ.
ثم قال ابن عدي: "وما ذكر عنه أنه رفع أحاديث وزاد في المتون، فإن هذا موجود في البغداديين خاصة، وفي حديثهم وفي حديث ثقاتهم فإنهم يرفعون الموقوف ويوصلون المرسل ويزيدون في الأسانيد"٣ اهـ.
فعلق عليه الذهبي بقوله: "بئست الخصال هذه وبمثلها ينحط الثقة عن رتبة الاحتجاج به"٤ اهـ.
وقال ابن رجب: "اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهماً فإنه ينسب به إلى الكذب وإن كان سيئ الحفظ ينسب إلى الاضطراب وعدم
стр. 87
الضبط"١اهـ.
والأئمة يستدلون على حفظ الراوي إذا لم يخالف غيره.
قال ابن مهدي: "إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ"٢ اهـ.
٢- ترجيح الراوي الذي لم يوصف بالاضطراب على الراوي الموصوف بالاضطراب:
قال ابن هاني: "سئل - أي الإمام أحمد -: أيما أحب إليك العلاء بن عبد الرحمن أو محمد بن عمرو؟
قال: العلاء أحب إلي؛ محمد بن عمرو مضطرب الحديث"٣ اهـ.
وقال الذهبي: "فائدة ذكرنا كثيراً من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة أولهم أوهام يسيرة في سعة علمهم؛ أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم"٤ اهـ.
٣- ترجيح رواية من لم يختلف عليه على من اختلف عليه:
قال أبو يَعْلى في باب الترجيحات: "أن لا تختلف الرواية عن أحدهما فتقدم روايته على رواية من اختلفت الرواية عنه"٥ اهـ.
стр. 88
قال الذهبي: "إذا اختلف جماعة فيه وأتو فيه على أقوال عدة فهذا يوهن الحديث ويدل على أن راويه لم يتقنه"١ اهـ.
٤- الاختلاف قد ينزل الحديث عن مرتبة الصحة إلى الحسن:
قال الحافظ أثناء كلامه على حديث اختلف في سنده ومتنه: "هذا حديث
حسن وإنما لم أحكم لحديثه هذا بالصحة؛ لاختلاف وقع في سنده ومتنه" ٢ اهـ.
وقال الدارقطني في حديث رواه أبو إسحاق السبيعي واختلف الرواة عنه على عشرة أوجه: "عشرة أقاويل من أبي إسحاق أحسنها إسناداً الأول الذي أخرجه البخاري. وفي النفس منه شيء؛ لكثرة الاختلاف عن أبي إسحاق والله أعلم"٣ اهـ.
٥- يؤثر الاضطراب والاختلاف على الراوي من حيث معرفة اسمه أو قد يظن أنه اثنان وهو واحد:
قال ابن عبد البر في ترجمة أبي هريرة الصحابي المعروف: "ولكثرة الاضطراب فيه لم يصح عندي في اسمه شيء يعتمد عليه"٤ اهـ.
وقال الذهبي: "ناسح الحضرمي بمهملتين. له صحبة وابنه عبد الله"٥ اهـ.
فتعقبه ابن ناصر الدين الدمشقي بقوله: "في هذا نظر؛ فإن ناسحاً
стр. 89
وعبد الله واحد اضطرب فيه" ١ اهـ.
٦- الاضطراب في اسم الصحابي أو من دونه قد يجعل الناظر يظن أنه شاهد ومتابع:
قال الحافظ: "قد يقع الاختلاف في السند؛ فيوهم ورود الحديث عن جماعة من الصحابة كما يقع للترمذي في كثير من الأحاديث المختلفة أسانيدها حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان ويسمى عدداً من المختلف فيهم"٢ اهـ.
٧- قد يتوقف عن الحكم على الحديث:
سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن حديث وقع فيه اختلاف في سنده: "الصحيح ما هو؟ قال الله أعلم. قد اضطربوا فيه والثوري أحفظهم" ٣ اهـ.
ومن الآثار المترتبة على المتن:
١- اختلاف الألفاظ قد يدل على أن الرواية بالمعنى:
قال القرطبي على حديث اختلفت ألفاظه: "هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها فمعناها واحد. وهذا الاختلاف يدل على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى"٤ اهـ.
٢- قد يترتب على اختلاف الألفاظ اختلاف الفقهاء:
قال العلائي معلقاً على حديث الواهبة نفسها حين اختلف الثقات في لفظه على وجوه (زوجتكها) و (أنكحتكها) و (ملكتكها) و (أمكناكها) ٥: "من قال:
стр. 90
بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك. وأنه من صرائحه. يحتج بمجيئه في هذا الحديث الصحيح. فإذا عورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات، لم ينتهض احتجاجه.
فإن قال: إن النكاح في القصه انعقد بلفظ التمليك ومن قال غيره عبر بالمعنى.
يقلبه خصمه عليه. ويقول مثل ذلك في التزويج والإنكاح"١ اهـ.
٣- اختلاف الألفاظ يجعل بعضهم يظن أنه أكثر من حديث:
وقال ابن قيم الجوزية في معرض رده على من يجعل كل اختلاف قصة أخرى: "هذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى كما جعلوا الإسراء مراراً؛ لاختلاف ألفاظه. وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مراراً؛ لاختلاف ألفاظه. وجعلوا طواف الوداع مرتين؛ لاختلاف سياقه. ونظائر ذلك.
وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوماً من الغلط ونسبته إلى الوهم"٢ اهـ.
٤- ترجيح المتن السالم من الاضطراب على الذي وقع فيه اضطراب:
قال الطحاوي في معرض بيانه لحديث: "هذا حديث صحيح مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا في متنه فهو أولى عندنا مما رويناه أولاً من
стр. 91
الآثار المضطربة في أسانيدها"١.
وقال أبو يعلى في باب الترجيحات: "أن يكون أحد الراويين لم يضطرب لفظه والآخر اضطرب لفظه فيقدم خبر من لم يضطرب لفظه؛ لأنه يدل على حفظه وضبطه. وسوء حفظ صاحبه" ٢ اهـ.
وقال الخطيب: "مما يوجب تقوية أحد الخبرين المتعارضين وترجيحه على الآخر: سلامته في متنه من الاضطراب. وحصول ذلك في الآخر؛ لأنّ الظن بصحة ما سلم متنه من الاضطراب يقوى ويضعف في النفس سلامة ما اختلف لفظ متنه، وإن كان اختلافاً يؤدي إلى اختلاف معنى الخبر فهو آكد، وأظهر في اضطرابه. وأجدر أن يكون راويه ضعيفاً. قليل الضبط لما سمعه أو كثير التساهل في تغيير لفظ الحديث.
وإن كان اختلاف اللفظ لا يوجب اختلاف معناه فهو أقرب من الوجه الأول غير أن ما لم يختلف لفظه أولى بالتقديم عليه"٣ اهـ.
٥- قد تؤدي كثرة اختلاف الحديث إلى توهينه وعدم العمل به:
قال القرطبي على حديث اختلفت ألفاظه: "والذي يظهر لي وأستخير الله في ذكره: أن حديث جابر في العمري رواه عنه جماعة واختلفتْ ألفاظهم اختلافاً كثيراً ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون، واختلفوا كذلك. ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة وخلط فيه بعضهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلمما ليس منه فاضطرب فضعفت الثقة به"٤ اهـ.
стр. 92
الفصل الثالث: معرفة الراوي المضطرب:
الاضطراب علة خفية تقدح في ثبوت الحديث. والعلة تدرك بجمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته قال أبو بكر الخطيب: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه. وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان والضبط"١ اهـ.
وقال عبد الله بن المبارك: "إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض" ٢ اهـ.
وكان حفاظ الحديث يهتمون كثيراً بجمع طرق الحديث الواحد لا للتكثير بل لمعرفة الخطأ من الصواب قال يحيى بن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً؛ ما عقلناه"اهـ ٣ أي لم ندرك موضع الخطأ من الصواب.
وقال علي بن المديني: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" ٤ اهـ.
وقال أحمد بن حنبل: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه والحديث يفسر بعضه بعضاً"٥ اهـ.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري ٦: "كل حديث لا يكون عندي من
стр. 93
مائة وجه، فأنا فيه يتيم"١. يريد طرقه وعلله واختلاف ألفاظه٢.
وكان إدراك العلة أحب عليهم من استفادة عشرين حديثاً يقول عبد الرحمن بن مهدي: "لأنْ أعرف علة حديث هو عندي أحب إليّ من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي"٣.
ولا يستغرب مثل هذا الكلام؛ لأن من الأحاديث ما تخفى علته فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومضي الزمن البعيد٤، فها هو الإمام أبو الحسن علي ابن عبدلله المديني - الذي قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان علماً في الناس في معرفة الحديث والعلل٥ - يقول: ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"٦.
إذا عُلِمَ هذا، فكذلك الراوي الذي أخطأ، أو اضطرب في الحديث، لا نستطيع إدراكه إلا بعد جمع طرق الحديث.
والحفاظ عندما يحكمون بأن المخطئ في هذا الحديث هو فلان، إنما يحكمون بعد وقوفهم على الروايات المختلفة.
ومما يدل على ذلك أن يحيى بن معين جاء إلى عفّان؛ ليسمع منه كتب حماد بن سلمة؟
стр. 94
فقال له: ما سمعتها من أحدٍ؟
قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة.
فقال: والله لا حدثتُك!
فقال: إنما هو دِرهم. وانحدر إلى البصرة وأسمع من التَّبوذكي!!
فقال: شأنك.
فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل.
فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟
قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفساً وأنت الثامن عشر
فقال: وماذا تصنع بهذا؟
فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ؛ فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره.
فإذا رأيتُ أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه!
وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم، علمت أن الخطأ منه لا من حمّاد.
فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أخطئ عليه١.
стр. 95
فهذا النص يفيد؛ بأن معرفة الراوي المخطئ تكون بعد جمع طرق الحديث ودراستها.
فهذه هي الطريقة الرئيسة لمعرفة الراوي المخطئ مع طريقتين اثنتين هما:
١) أن يصرح الراوي بنفسه بأنه أخطأ أو لم يضبط.
٢) أن يصرح الراوي عنه بأنه هو المخطئ.
وهناك طرق أخرى؛ لمعرفة الراوي المخطئ.
وإليك بيانها:
الطريقة الأولى: أن يُصرِّح الراوي المخطئ بنفسه بأنه اضطرب أو شك أولم يضبط:
قال ابن حزم: "لا يصح الخطأ في خبر الثقة إلا بأحد ثلاثة أوجه:
إما تثبت الراوي واعترافه بأنه أخطأ فيه.
وإما شهادة عدل على أنه سمع الخبر مع راويه فوهم فيه فلان.
وإما بأن توجب المشاهدة بأنه أخطأ"١ اهـ.
وكان يزيد بن هارون يقول في مجلسه الأعظم غير مرة حديث كذا وكذا أخطأت فيه٢.
وقال ابن محرز: وسمعت يحيى وقال له عبد الوهاب بن باذام: أيما أكثر جرير أو أبوعوانة؟.
стр. 96
فقال: أبو عوانة أثبت منه.
فقال له عبد الوهاب بن باذام: يا أبا زكريا جرير صاحب كتاب!
فقال: أبوعوانة أثبت منه، قال لهم - يعني جرير -: اضطرب عليَّ حديث الأشعث وعاصم فقلت لبهز - يعني ابن أسد البصري - فخلصها لي وكانت في دفتر واحد١.
وفي مسند الشافعي: "أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع أخبرني عبد الله ابن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح - أو عمرو بن فلان بن أحيحة بن الجلاح.
قال الشافعي ﵀: أنا شككت"٢.
الطريقة الثانية: أن ينص في أحد الأسانيد؛ بأن فلاناً أخطأ، أو شك، أو اضطرب:
وهي طريقة صريحة؛ لبيان الراوي المخطئ، وذلك لمباشرة الراوي لذلك الاختلاف بنفسه والراوي أدرى بمروياته من غيره.
من ذلك ما قاله الحميدي: ثنا سفيان ثنا عاصم بن عبيد الله عن عبد الله ابن عامر عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ : "تابع بين الحج والعمرة؛ فإن المتابعة بينهما يزيدان في الأجل. وينفيان الفقر والذنوب. كما ينفي الكير الخبث".
стр. 97
قال سفيان: "هذا حديث حدثناه عبد الكريم الجَزَرِي عن عبدة عن عاصم فلما قدم عبدة أتينا لنسأله عنه؟ فقال: إنما حدثنيه عاصم. وهذا عاصم حاضر فذهبنا إلى عاصم. فسألناه فحدثناه به هكذا، ثم سمعته منه بعد ذلك: فمرة يقفه على عمر ولا يذكر فيه عن أبيه. وأكثر ذلك كان يحدثه عن عبد الله بن عامر عن أبيه عن عمر عن النبي ﷺ "١ اهـ.
وقال يعقوب بن شيبة: "ولا نرى هذا الاضطراب إلا من عاصم. وقد بين ابن عيينة ذلك في حديثه"٢ اهـ.
وقال الدارقطني: "رواه سفيان بن عيينة عن عاصم فجود إسناده. وبين أن عاصماً كان يضطرب فيه فمرة ينقص من إسناده رجلاً ومرة يزيد فيه ومرة يقفه على عمر"٣ اهـ.
الطريقة الثالثة: أن يختلف الحفاظ على الراوي المقبول. فيعلم أنه منه.
وذلك أن الحفاظ إذا لم يختلفوا على الراوي المقبول؛ دلّ على حفظه لحديثه. قال عبد الرحمن بن مهدي: "إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ"٤.
وإذا اختلفوا عليه دلّ على أنه لم يضبط قال الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الله بن عمير الكوفي: "مضطرب جداً في حديثه، اختلف عنه الحفاظ".
стр. 98
قال أبو داود: يعني فيما رووا عنه١.
وذكر الدارقطني حديثاً فيه اضطراب رواه عبد الملك بن عمير ثم قال: "ويشبه أن يكون الاضطراب في هذا الإسناد من عبد الملك بن عمير؛ لكثرة اختلاف الثقات عنه في الإسناد"٢.
وذكر الدارقطني أيضاً حديثاً اضطرب فيه الرواة ثم قال: "وليس فيها شيء أقطع على صحته؛ لأنَّ الأعمش اضطرب فيه وكل من رواه عنه ثقة"٣اهـ.
الطريقة الرابعة: أن يتفق الرواة عنه على شيء فيعلم أن الخطأ منه.
والفرق بين هذه الطريقة والسابقة أن الراوي في الطريقة السابقة يروي الحديث على أوجه مختلفة والرواة عنه ثقات فيعلم أنه هو المخطئ. وأمّا في هذه الطريقة فيروي وجهاً ويتفق الرواة عنه على ذلك الوجه فيعلم أنه هو المخطئ.
قال ابن معين عن حماد وتلامذته: "إذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه"٤.
ومن ذلك هُشيم بن بُشير الواسطي روى حديثاً فاختلف الرواة عليه، فعلق بعضهم الوهم بهشيم، فتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: "وهذا الوهم إنما يلزم هشيماً إذا اتفقوا عليه فيه"٥.
стр. 99
الطريقة الخامسة: أن يتفق الرواة المقبولون على الراوي المقبول على وجه فيرويه واحد عنه بخلافهم فيكون الخطأ من الراوي لا منه.
قال ابن معين في روايات أصحاب حماد بن سلمة عنه: "إذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد"١.
وقال مسلم في معرض بيانه للسمة والعلامة التي يعرف بها الخطأ في رواية ناقل الحديث: "أن يروي نفرٌ من حفاظ الناس عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، [مجتمعين] على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى فيرويه آخر سواهم عمّن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ. فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد. وإن كان حافظاً.
على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم"٢.
وقيل لابن معين: "اختلاف يحيى بن أبي كثير منه؟
قال: من أصحابه"٣.
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: اختلاف أحاديث الزهري؟
стр. 100
قال منها ما روى عن رجلين.
ومنها: ما جاء عن أصحابه - يعني الوهم"١.
وقال الحسين بن إدريس سمعت محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي يقول فيه - أي إبراهيم بن طهمان الخراساني - ضعيف مضطرب الحديث.
قال فذكرته لصالح يعني جَزَرة؟
فقال: ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة٢ - يعني الحديث الذي رواه ابن عمار عن المعافى بن عمران عن إبراهيم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: أول جمعة جمعت بجواثا.
قال صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم؛ لأن جماعة رووه عنه عن أبي جمرة عن ابن عباس وكذا هو في تصنيفه وهو الصواب.
وتفرد المعافى بذكر محمد بن زياد فعلم أن الغلط منه لا من إبراهيم"٣.
الطريقة السادسة: أن يكون الرواة في درجة القبول لكنهم يتفاوتون في الضبط، فيلصق بأقلهم ضبطاً.
قال ابن الجنيد: "قال رجل ليحيى وأنا أسمع: روى جرير عن حبيب بن أبي عمرة والشيباني أحاديث كأنه يقول: منكرة! فقال يحيى: حبيب بن أبي
стр. 101
عمرة والشيباني ثقتان لعل هذا من جرير"١ اهـ.
وقال المروذي للإمام أحمد: "يحيى بن يمان ومؤمل إذا اختلفا؟
قال: دع ذا كأنه لين أمرهما. ثم قال: مؤمل كان يخطئ"٢ اهـ.
وقال ابن القطان في معرض رده على من ألصق الخطأ بثقة مع وجود من هو أقل ضبطاً منه: "ليس ينبغي أن يحمل على حميد وهو ثقة بلا خلاف، في شيء جاء به عنه من يختلف فيه"٣.
وسئل الدارقطني: عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات. مثل أن يروي الثوري حديثاً ويخالفه فيه مالك. والطريق إلى كل واحد منهما صحيح؟
فقال: "ينظر ما اجتمع عليه ثقتان يحكم بصحته أو جاء بلفظة زائدة مثبتة يقبل منه تلك الزيادة. ويحكم لأكثرهم حفظاً [والخطأ يبنى على من دونه] ٤اه.
الطريقة السابعة: أن يكون الرواة في درجة القبول إلا راوياً ضعيفاً فيلصق به:
وذلك؛ لأن الراوي الضعيف مظنة الوهم والخطأ٥، بخلاف الراوي المقبول فتوهيمه يحتاج إلى دليل.
стр. 102
قال ابن أبي حاتم: الحسين بن إدريس الأنصاري المعروف بابن خرم الهروي روى عن خالد بن الهياج بن بِسْطام. كتب إليّ بجزء من حديثه عن خالد ابن الهياج بن بسطام فأول حديث منه باطل، وحديث الثاني باطل وحديث الثالث ذكرته لعلي بن الحسين بن الجُنيد؟
فقال لي: احلف بالطلاق، إنّه حديث ليس له أصل.
وكذا هو عندي. فلا أدري (البلاء) منه أو من خالد بن هَيَّاج بن بِسْطام١. فعلق عليه الحافظ الذهبي بقوله: "قلت بل من خالد؛ فإنه ذو مناكير عن أبيه. وأمّا الحسين فثقة حافظ"٢.
قال الخليلي: في ترجمة عيسى بن موسى البخاري المعروف بغُنْجار: إنما يقع الاضطراب من تلامذته وضعفاء شيوخه لا منه٣.
وذكر الدارقطني حديثاً من طريق عمرو بن دينار البصري فيه اضطراب. فقال: "ويشبه أن يكون الاضطراب فيه من عمرو بن دينار؛ لأنه ضعيف قليل الضبط"٤.
وقال يعقوب بن شيبة في معرض بيانه للراوي المخطئ في حديث: "رواه عاصم بن عبيد الله وهو مضطرب الحديث. فاختلف عنه فيه. ولا نرى هذا الاضطراب إلا من عاصم"٥ اهـ.
стр. 103
وذكر الدارقطني حديثاً اضطرب فيه الرواة ثم قال: "أبو حمزة مضطرب الحديث. والاضطراب في الحديث من قبله. والله أعلم"١ اهـ.
وذكر الذهبي حديثاً منكراً رواته ثقات إلا راو ضعيفاً، فألصقه به قائلاً: "إن من قبله ومن بعده أئمة أثبات، فالآفة منه عمداً أو خطأ"٢ اهـ.
الطريقة الثامنة: أن يكون في السند ضعفاء فيلصق بأضعفهم، وإلصاق الخطأ به؛ لأن مظنة الوهم والخطأ منه أكثر من غيره.
أخرج ابن عدي في الكامل من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "الهر من متاع البيت" ٣.
ثم قال: "والحكم بن أبان وإن كان فيه لين؛ فإن حفص هذا الين منه بكثير. والبلاء من حفص، لا من الحكم ٤.
وأخرج الدارقطني في السنن من طريق محبوب بن محرز عن أبي مالك النخعي عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن علي "أن النبي ﷺ أمر المتوفى عنها زوجها أن تعتد في غير بيتها إن شاءت".
ثم قال: "لم يسنده غير أبي مالك النخعي وهو ضعيف ومحبوب هذا ضعيف أيضاً"٥.
стр. 104
قال ابن القطان معلقاً: "وعطاء مختلط وأبو مالك أضعفهم، فلذلك أعله الدارقطني به"١.
الطريقة التاسعة: أن يكون في السند ضعيفان فأكثر فيلصق بهم:
قال ابن أبي حاتم الرازي: "روى معاذ بن معاذ العنبري عن الشُعَيْثي عن الحارث بن بدل قال: "شهدت النبي ﷺ يوم حنين".
وروى بكر بن بكار عن الشعيثي هذا الحديث.
روى مرة عن الحارث بن سليم بن بدل قال: شهدت النبي ﷺ .
وهذا من تخليط بكر بن بكار فإنه سيئ الحديث ضعيف الحفظ ومن تخليط الشعيثي فإنه ضعيف الحديث"٢.
وقال ابن عساكر في معرض بيانه لعلة حديث: "هذا حديث منكر مركب على إسناد صحيح والحمل فيه على أبي حامد أو الخالدي فإنهما يأتيان بالعجائب"٣ اهـ.
وقال ابن حبان البستي: "إذا روى ضعيفان خبراً موضوعاً لا يتهيأ الزاقه بأحدهما دون الآخر إلا بعد السبر"٤.
(فائدة) قال الزركشي: "إذا اشتمل الإسناد على ضعيف ومجهول.
стр. 105
فقال ابن القطان: إعلاله بالمجهول أولى.
وقال صاحب الإنصاف: إعلاله بالضعيف أولى من إعلاله بالمجهول؛ لأنه ربما يعرف فيعدل١.
وإذا اشتمل الحديث على ضعفاء فذكر الأعلى أولى من ذكر من دونه من الضعفاء؛ لأنه إذا اقتصر على السافل، فربما يرويه ثقة عن الضعيف٢، فإذا ذكر الضعيف السافل ارتفع ضعف الحديث برواية المعدل بخلاف ذكر الضعيف الأعلى؛ فإن المدار حينئذ عليه٣.
وهذا يسلكه عبد الحق في أحكامه كثيراً. ويعترض عليه ابن القطان فإنه يقصر الجناية على واحد دون غيره والذي سلكه عبد الحق حسن لما قلناه٤") ٥ اهـ.
الطريقة العاشرة: أن ينص أحد الحفاظ على أن الخطأ من فلان. وهذا مبني على سعة إطلاعهم. واتساع أفقهم، ومعرفتهم بالرجال. وأحاديث كل واحد منهم.
قال ابن أبي حاتم في العلل:
стр. 106
"سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة: أن النبي ﷺ دخل بيت أم سلمة فرأى عندها مخنثاً الحديث؟
قال أبي: هذا خطأ اضطرب فيه حماد. إنما هو هشام عن أبيه عن أم سلمة.
وليس عن هشام عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة إلا ذاك الواحد أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد) ١.
وذكر الدارقطني حديثاً فيه وهم ثم قال: "وأحسب أن الوهم من الباغندي لا ممن فوقه؛ لأن شيخ الباغندي من الثقات قليل الخطأ"٢ اهـ.
الطريقة الحادية عشرة: أن يتوقف فلا يدرى ممن الغلط؟
وذلك يكون؛ لقلة الإطلاع على طرق أكثر، تظهر موطن الغلط ومنشأه، أو لكثرة الاختلافات.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يعقوب بن كاسب عن مغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "من نذر نذراً لم يسعه فكفارته كفارة اليمين"، وذكر الحديث.
فقالا: رواه وكيع عن مغيرة فأوقفه والموقوف صحيح.
стр. 107
قلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: ما ندري من مغيرة أو من ابن كاسب١.
وذكر للإمام أحمد "حديث الحسين الجعفي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر: "أسلم سالمها الله" فأنكره إنكاراً شديداً. وقال: هذا عبد الله بن دينار عن ابن عمر انظر الوهم من قبل من هو" ٢.
وذكر الحاكم حديثاً فيه وهم. ثم قال: "لقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن بيان البصري على أنه صدوق مقبول" ٣ اهـ.
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث فيه اضطراب؟
فقال أبوحاتم: الناس يضطربون في حديث العلاء ...
فقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي فأيهما الصحيح منهما؟.
قال: هو مضطرب.
فأعدت عليه فلم يزدني على قوله هو مضطرب٤.
стр. 108
(فائدة) أحياناً تختلف أقوال النقاد في تعيين الراوي المخطئ.
قال الزيلعي في معرض بيانه لحديث فيه وهم. واختلف ممن الوَهْم: "قد اضطرب كلامهم فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد. ومنهم من ينسبه للتَرجمُاني الراوي عن سعيد. والله أعلم"١ اهـ.
والعمل عندها أن ينظر فيه على ما سبق من الطرق وإلا يتوقف.
وهذه الطرق لا تعني أن هذا الراوي هو المخطئ يقيناً٢. بل تفيد غلبة الظن٣. فإذا قالوا أخطأ فلان، فلا يتعين خطؤه في نفسه الأمر. بل هو راجح الاحتمال فيعتمد٤. وذلك؛ لأن كُلّ طريقة من الطرق السابقة هي مظنة الخطأ في ذلك الراوي.
فالحكم عليه بالخطأ. إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع؛ إذ قد يسلم من الخطأ ٥. لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك. وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاماً؛ وذهنه ثاقباً؛ وفهمه قوياً؛ ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة ٦.
стр. 109
الباب الثالث: قاعدة الاضطراب سندا، متنا، سندا ومتنا
الفصل الأول: قاعدة الاضطراب في السند
المبحث الأول: منهج المحدثين في زيادة الثقة مع قاعدةفي الرواة المختلفين
...
الفصل الأول: قاعدة الاضطراب في السند
المبحث الأول: منهج المحدثين في زيادة الثقة مع قاعدة في الرواة المختلفين.
الاضطراب في السند له ست صور:
أ - الاضطراب بتعارض الوصل والإرسال.
ب - الاضطراب بتعارض الاتصال والانقطاع.
ج - الاضطراب بتعارض الوقف والرفع.
د - الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين.
هـ- الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف.
و الاضطراب في تعيين الراوي ١.
وإنما يعل الحديث في هذه الصور بشرط اتحاد المخرج.
قال العلائي: "لايقدح أحدهما في الآخر إذا اختلف السندان" ٢اه.
وقال ابن دقيق في معرض كلامه عن تعليل الحديث بالاختلاف: "وهذا بشرط أن لا يكون الطريقان مختلفين بل يكونان عن رجل واحد" ٣اه.
وقال ابن عبد الهادي: "محل الخلاف إذا اتحد السندان أمّا إذا [اختلفا] فلا
стр. 110
يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة جزماً"١اهـ.
وسبب الضعف في هذه الصور أمران:
١- أنها دلت على عدم ضبط الراوي لذلك الحديث ٢.
٢- أنها في إحدى الحالتين تكون ضعيفة٣ إلا في صورة الرفع والوقف؛ فلأن الموقوف ليس حجة كالمرفوع.
وهذه الصور لها تعلق بمسألة "زيادة الثقة".
قال ابن الصلاح في معرض حديثه عن الحديث الذي اختلف في وصله وإرساله أو وقفه ورفعه: "ولهذا الفصل تعلق بفصل "زيادة الثقة" في الحديث"٤اهـ.
وإنما تعلقت بزيادة الثقة؛ [لأنه آت بزيادة] ٥.
وتعلقت زيادة الثقة بها؛ لأن فيها - أي الزيادة - مخالفة لما رواه غيره وصورة مسألة زيادة الثقة: [أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة] ٦.