← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8563

المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريم

حازم حيدر

Полный текст (153 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ﷺ تسليماً كثيراً. أما بعد: فيعدُّ المدرس هو الأداة الفاعلة والعنصر الرئيس في نطاق التعليم والتربية، ومعرفة الصفات التي ينبغي أن يتحقق بها ويرتقي إليها، تمكننا من الوقوف على الدور الهام والحساس الذي يمكن له أن يصنعه. ونجد أن من بواكير الاهتمام بمعلم القرآن الكريم بعث عثمان ﵁ قراء مع المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار، لتكون المصاحف قدوة لأهل تلك الديار، يأتمون بها في قراءتهم وصلواتهم، وليكون القارئ المبعوث معلماً لعامة أهل كل مصر القراءة وَفق مصحفهم. وإن جاز أن تؤخذ بعض العلوم بلا معلِّم، فإن هذا الأمر لا يمكن حصوله أبداً في تعلّم قراءة القرآن الكريم، لأن تعلمه متوقف على العرض والتلقي والمشافهة والإسناد، فلا بدَّ فيه من معلِّم يرجع إليه.

стр. 2

(قيل لأبي حنيفة ﵀ في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبداً!) (١) ، هذا مع الفقه فكيف مع القرآن؟! ويتناول هذا البحث قِوامة معلم القرآن الكريم، وصفاته الذاتية، والعلمية، والتربوية، التي تؤهله للمشاركة بمقومات شخصية تميزه في درب خيرية تعلّم القرآن وتعليمه، دون التطرق لأهداف التعليم القرآني، أو طرائقه، أو أخلاق طلاب الحلق (٢) القرآنية، وغيرها من الآداب التي ينبغي توافرها في عملية التعليم. والصفات التي يتحدث عنها البحث، هي بعض من صفات لازمة، ينبغي تحققها في معلم القرآن الكريم، وهي غير مقصورة على المتصدي للتعليم في الحلقات، بل هي متأكدة في حق كل متعاط لهذه العملية الشريفة، بصورة جماعية، أو فردية. وذلك أن المعلم هو محور التعليم والدرس والتربية، فمهما وضعت من مناهج متقنة، وهيئت من ظروف ملائمة، ووفرت من وسائل معينة، كل ذلك لا يغني عن الأداة الفاعلة في العملية التعليمية، وهو المدرس الكفء في الموقع المناسب، لأن عناصر التعليم قد تكون في غاية المواصفات المتقنة، لكنها تنحدر وتهبط على يد المدرس غير المؤهل، أو توجَّه من قبله توجيهاً نافراً، أو تهمل ولا يفاد منها.

стр. 3

فلا غرو أن تكون دراسات جادة في تأصيل شخصية المعلم، وبيان دوره الفعَّال. ولقد حرَص الخلفاء وعلية القوم ووعاة الناس - قديماً - على اختيار المدرس الناجح لأبنائهم، ونجد - اليوم - في عالم الناس من يحرص على التحاق ولده في المدرسة النموذجية، التي فيها نخبة من المدرسين الأكفاء، لأن ثمرة التعليم وجناه مترتبة على تأهل المدرس بالصفات اللائقة، وأخذه بها في مسيرته المباركة. إن تأهيل المدرس بالمقومات التي تصل به إلى المستوى المناسب من إقامة الدين - وهو أحد حملته ونقلته - فالطلاب عيونهم مفتوحة على هذا الموجه، فيحسِّنون ما حسَّن، ويعيبون ما قبَّح، وقد يتأثر التلميذ - أحياناً - بمدرِّسه أكثر مما يتأثر بوالده، والطبع - كما يقال - سرَّاق؛ لذلك ربط بعض السلف بين العلم والدين، وكانوا يتعلمون من معلميهم - أيضاً - الدلَّ والسمت والخلق. ويسهم هذا البحث إسهاماً متواضعاً في بيان بعض الصفات الأساسية لمعلِّم القرآن الكريم، ويشير إلى وسائل مفيدة - أيضاً - لمدرس القراءات القرآنية من باب التتميم والإفادة.

стр. 4

تمهيد: ١ - فضل تعلم القرآن وتعليمه، وعناية السلف به: إن الاشتغال بكتاب الله العظيم حفظاً، وفهماً، وعملاً، وتعليماً من أفضل القربات وأزكاها عند الله، وقد بُعث النبي ﷺ رسولاً يتلو آيات الله، معلماً ومزكياً لنفوس الصحب الكرام، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢) . وحث ﵊ على الوصاة بكتاب الله (١) ، وقال: " خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه" (٢) . قال أبو عبد الرحمن السلمي - راوي الحديث عن عثمان ﵁: (فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا) ، فكان يعلِّم من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج (٣) .

стр. 5

وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان (١) ، أو إلى العقيق (٢) ، فيأتي منه بناقتين كوماوين (٣) ، في غير إثم ولا قطع رحم؟ "، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل" (٤) . ومما يدل على حرص السلف على تعلم القرآن وعنايتهم به ما ذكره أبو هريرة ﵁ لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، وسرقة الشيطان منها ثلاث ليال، من قول الشيطان له: (دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها) يقصد آية الكرسي، قال الراوي: (وكانوا أحرص شيء على الخير) (٥) . وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يُشغَل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن) (٦) .

стр. 6

قال أبو الفضل الرازي: (وعلى الحفظ والتحفظ (١) كان الصدر الأول ومن بعدهم، فربما قرأ الأكبر منهم على الأصغر سناً وسابقة، فلم يكن الفقهاء منهم، ولا المحدِّثون، والوعَّاظ يتخلفون عن حفظ القرآن والاجتهاد على استظهاره، ولا المقرَّبون منهم عن العلم بما لم يسعهم جهله منه) (٢) . ٢ - نشأة التخصص في الإقراء: ظهر التخصص في القراءة من عصر النبوة، بقوله صلى الله عيه وسلم: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" (٣) ، وقال عن أبي ﵁: (أقرؤهم أبي بن كعب) (٤) ، وقال عمر: (أقضانا علي، وأقرؤنا أبي) (٥) . وبعث النبي ﷺ إلى رِعل وذكوان وعصية وبني لحيان سبعين رجلاً من الأنصار، قال أنس ﵁ (كنا نسميهم القراء في زمانهم) (٦) .

стр. 7

قال الحافظ ابن حجر: (قد بيَّن قتادة في روايته (أي عن أنس) أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل ويتعلمون) (١) . وكان أخذ الصحابة القرآن الكريم من النبي ﷺ على طبقتين: أ - طبقة أخذت عنه مباشرة كابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأُبيّ، وزيد، وغيرهم من المكثرين. ب - طبقة أخذت عن الصحابة كابن عباس، وعبد الله بن السائب، وغيرهم من صغار الصحابة رضي الله عن الجميع. ومضى الأمر في المئة الأولى الهجرية على أن عامة الناس يقرؤون بما في المصاحف الموجهة إليهم، وَفق ما أقرأهم الصحابة والتابعون. ثم اشتهر بعد ذلك طائفة من القراء تجردوا للقراءة، واعتنوا بضبطها أتم عناية، وداوموا عليها فنسبت لهم، وأضيفت إليهم، قال الداني: (وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد) (٢) . ثم كان عمل أبي بكر أحمد بن موسى المعروف بابن مجاهد البغدادي (ت: ٣٢٤ هـ) ، معلماً بارزاً في تاريخ الإقراء، إذ انتخب قراءة سبعة من قراء الأمصار - وهي مكة والمدينة، والكوفة والبصرة، والشام - وهي

стр. 8

الأمصار التي خرج منها علم النبوة من القرآن وتفسيره، والحديث، والفقه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (١) . وقد استقلت بعض البلدان بكتب خاصة في علم القراءة، فبعد المائة الخامسة الهجرية، اشتهرت الشاطبية في الشام، واشتهر كتاب (العنوان في القراءات السبع) لأبي طاهر إسماعيل بن خلف الأنصاري (ت: ٤٥٥ هـ) ، بمصر، وانتشر كتاب (الإرشاد) للقلانسي (ت: ٥٢١ هـ) في العراق، ونظمه كثير من أهل بغداد وواسط (٢) . ويظهر أن أهل المغرب والأندلس لم يعتنوا إلا بالقراءات السبع تأليفاً، وتعليماً. وتنوع مستوى حلقات تعليم القرآن على مر العصور، فمنها ما كان خاصاً بتعليم أولاد الخلفاء والأمراء، والخاصة (٣) . ومنها ما كان خاصاً بتعليم عموم الصبيان (٤) . ومنها حلق جمعت بين أصناف المتعلمين من فقهاء، ومتأدبين من أهل التجارة (٥) .

стр. 9

الفصل الأول: المقومات الذاتية التمسك بمنهج السلف في الإعتقاد ... الفصل الأول المقومات الذاتية تعتبر الصفات الذاتية لمدرس القرآن الكريم عماد شخصيته - بعد توفيق الله له -، لأنها تشير إلى مكنون ضميره، ومسلكه بوجه عام. وسوف أقتصر في هذا الفصل على ذكر أربع منها، لما لها من دور مهم في صقل شخصية المدرس. ١ - التمسك بمنهج السلف في الاعتقاد: يعد الالتزام بأصل الاعتقاد الذي كان عليه السلف الصالح، وبراءة المرء من المحدثات والبدع من أكبر منن الله عليه. وسلامة الاعتقاد مطلب شرعي، ومن أول المهام التي ينبغي أن يتحقق بها المعلم، ومدرس القرآن الكريم. ذلك أن رجل العقيدة سهم يندفع في تحقيق أهدافه، وهو إنسان ملأت عقيدته نفسه، فهو يعيش من أجلها، ويرضى بكل أذى في سبيلها، ويبذل جهده وكل غال ورخيص في ظلها، فرجل العقيدة أعظم ذخر نقدمه للعقيدة، وأكبر رصيد نعده في سبيل نصرتها (١) .

стр. 10

إن سلامة الاعتقاد من المقوِّمات الأساسية للمعلم، الذي يتصدَّى للتعليم والتربية في حلقات القرآن، لأن ذلك يثمر الاستقرار القلبي، فيصبح اعتقاده القلبي متوافقاً مع قوله اللفظي، وسلوكه العملي (١) ، ومن كانت هذه سيرته فإنه يستطيع أن يحقق أبرز أهداف الحلقات القرآنية، بغرس بذرة الإيمان في نفوس الناشئة، وبناء لبنة عقيدة التوحيد الباسقة المظللة، بحيث يقع القرآن على أصل الإيمان مع نقاء الفطرة، فتنمو الثمرة، وتأتي أكلها، فيحصل النفع بإذن الله. ولا يفوتني وأنا أتحدّث عن هذه الصفة، والسمة البارزة لمعلمي الخير أن أشير إلى أن أئمة القراءة الأوائل كانوا على هذا المنهج الواضح الذي لم يتكدر ولم يرنُق. فنجد الإمام الحافظ المقرئ أحمد بن محمد بن عبد الله، أبا عمر الطلمنكي (ت: ٤٢٩ هـ) - وهو أول من أدخل القراءات إلى الأندلس كما يرى ابن الجزري (٢) - على هذه الطريقة التالدة، وألَّف في هذا المهيع كتابه (أصول السنة) (٣) ، وقد نقل عنه ابن تيمية وابن القيم نقولاً وافرة في كتبهما. ونجد الإمام المقرئ عثمان بن سعيد، أبا عمرو الداني: (ت: ٤٤٤هـ) ، ألَّف (الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات) ،

стр. 11

التي تنضح بمعتقد أهل السنة والجماعة، وتمتاز بسبك الأدلة في مواضعها، كما أنها خلت من مصطلحات علم الكلام (١) . كما أنه ﵀ مزج في منظومته الموسومة بـ (الأرجوزة المنبِّهة) - وهي قصيدة رجزية تقع في نحو (١٣٠٠) بيت - بين أصول القراءة ومتعلقاتها، وبين أصول الدين، فذكر من صفات الشيوخ الذين يؤخذ عنهم العلم ما يلي (٢) : فاقصد شيوخ العلم والرواية ... ومن سما بالفهم والدراية واتَّبع السنة والجماعة ... وقام لله بحسن الطاعة وقال (٣) : وجانبِ الأراذِل المبتدعة ... واعمَلْ بقول الفرقة المتَّبِعة وقال في بيان بعض مسائل العقيدة (٤) : ومن عقود السنة الإيمان ... بكل ما جاء به القرآن وبالحديث المسند المرويِّ ... عن الأيمَّة عن النبيِّ فمن صحيح ما أتى به الأثر ... وشاع في الناس قديماً وانتشر نزول ربنا بلا امتراءِ ... في كل ليلة إلى السماء من غير ما حدٍّ ولا تكييف ... سبحانه من قادر لطيف ونجد الإمام المقرئ الحسن بن أحمد بن عبد الله، أبا علي البغدادي الحنبلي (ت: ٤٧٧ هـ) ، - صاحب كتاب (بيان العيوب التي يجب أن يجتنبها

стр. 12

القراء وإيضاح الأدوات التي بني عليها الإقراء) - ألف كتابه (المختار في أصول السنة) (١) الذي اختصر فيه كتاب (الشريعة) للآجري، وكتاب التوحيد من صحيح البخاري. ونجد الإمام الحافظ المقرئ الحسن بن أحمد بن الحسن، أبا العلاء الهمذاني العطار (ت: ٥٦٩ هـ) ، صاحب كتاب (غاية الاختصار في قراءات العشرة أئمة الأمصار) - ألَّف (فتيا في الاعتقاد وذم الاختلاف) (٢) . ولا أطيل بذكر الأمثلة في هذا، وإنما قصدت الإلماع إلى منهج هؤلاء الأئمة، ليكونوا نبراساً على الطريق لمعلم القرآن الكريم، فيتبع آثارهم.

стр. 13

٢ - إخلاص النية: إن أهم الأمور التي يجب على كل مكلف أن يأخذ نفسه بها، ويقيم أعماله عليها، هو إخلاص القصد لله في سائر أحواله الظاهرة والباطنة، فكيف بمن انتصب لتعليم كتاب الله العزيز؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥) ، وقال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣) .

стр. 14

وقد ابتلى الله تعالى العباد بالشريعة، ليظهر منهم حسن العمل، فقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: ٢) وفسر الفضيل بن عياض حسن العمل بقوله: (أخلصه وأصوبه) ، وقال: العمل لايقبل حتى يكون خالصاً صواباً، الخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة (١) . لذلك يعد العمل الخالي من النية الصالحة كالجثة الهامدة، التي لا روح فيها، وقد فرض الله تعالى عبودية على المسلم في كل عمل يعمله، ومما لامراء فيه أن تعليم القرآن الكريم من أجل القرب وأعظمها أجراً، حتى فضله بعض السلف على الجهاد في سبيل الله (٢) ، فمن مقتضى هذه العبودية في هذا العمل أن تُجرد النية لله في تعليمه، ويُفرد بحسن الطاعة والقصد، ويُصفَّى عن ملاحظة المخلوقين، كما قال القشيري: (الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين) (٣) . وكلما أخلص المرء لله لم يتعثر في سيره، وأُعطي توفيقاً بقدر ما في قلبه من الصدق والإخلاص، قال الإمام الرباني محمد بن واسع البصري: (إذا أقبل العبد بقلبه على الله، أقبل الله بقلوب العباد عليه) (٤) . وهذه معلمة مهمة لمدرس القرآن الكريم، ينبغي له ترسمها والحرص عليها، ليمسِّك الناس بالكتاب، ويحببهم إليه، ويحملهم على حسن الأدب معه، وجودة تلاوته.

стр. 15

وقد رأيت من بعض مشايخي في تعليمهم القرآن صدقاً وإخلاصاً ظاهراً؛ بحيث بورك لهم في أعمالهم وأعمارهم، وصرف الله قلوب الناس إليهم، وازدحم عليهم الطلاب من كل أفق، لأنهم عاملوا ربَّهم بهذه الخصلة، فأعطاهم بحسن قصدهم وطهارة نفوسهم أفضل عطاء، وجعلهم بحق من أهل الخيرية التي أشار لها النبي ﷺ بقوله: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه" (١) . ولعظم هذا الأمر وأهميته في مقاصد المكلفين، وفيما يتعبدون به ربهم، تمنّى ابن أبي جمرة الأندلسي (ت: ٦٩٥ هـ) على أهل العلم أن يتفرغ بعضهم لهذا الموضوع، كي يعلم الناس مقاصدهم، فقال: (وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك) (٢) . ومما ينبغي التنبيه عليه في هذه الصفة لمعلم القرآن الكريم، أن بعض القراء يكره قراءة طلابه على غيره من القراء ممن ينتفع بهم. قال النووي ﵀ (وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته، وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه وقد حصلت، وهو قصد بقراءته على غيري زيادة علم، فلا عتب عليه.

стр. 16

قال: وقد صحَّ عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أنه قال: وددت أن الخلق تعلَّموا هذا العلم - يعني علمه وكتبه - على أن لا ينسب إليَّ حرف منه) (١) . وتأتي أهمية تصفية النية من الشوائب، وإخلاصها لله تعالى في فاعلية العملية التعليمية والتربوية من كونها أساساً لقبول عمل المدرس ورفع عمله الصالح، ومن الجانب الآخر أن المدرس قدوة لطلابه، فإذا كان خالي الوفاض أو مكدَّر المورد في هذه الصفة، فكيف يستطيع أن يؤثر في تلاميذه، ويحقق أهدافه التعليمية والتربوية؟.

стр. 17

٣ - التدين الصادق: يعتبر الالتزام بأحكام الشرع الحنيف علامة فارقة ومميزة بين المسلم الصادق وبين مدعي الإسلام. وينبغي لمن فضَّله الله تعالى وشرَّفه بحمل كتابه، أو شيء منه أن يكون من أهل القرآن بحق، الذين هم أهل الله وخاصته، وممن قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ (البقرة: ١٢١) أي يعملون به حق عمله (٢) . وقال عكرمة: يتبعونه حق اتباعه من قولهم: تلا، أي: تبع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ (٣) .

стр. 18

وذكر العلماء أن من شرط مقرئ القرآن وصفته أن يكون ثقة مأموناً، ضابطاً، متنزهاً من أسباب الفسق ومسقطات المروءة (١) . قالوا: وليتمسك بالكتاب والسنة في جميع تصرفاته الظاهرة والباطنة، فهذا أصل كل خير، ومنبع كل فضيلة (٢) . فينبغي لحامل القرآن ومعلمه أن يكون ملتزماً بالفرائض والواجبات، ومحافظاً على المندوبات بحسب الاستطاعة، مجتنباً للمحرمات، مبتعداً عن المكروهات بقدر الطاقة، سواء ما كان من ذلك بالقول أو الفعل، ظاهراً وباطناً. وأن يكون مراقباً لربه في سره وعلانيته، راجياً ثوابه، خائفاً من عقابه، متأملاً في تصرفاته، محاسباً نفسه على هفواته وزلاته، حريصاً على ما يصلح دينه، ويسدد نقصه، ويصلح خطأه قدر الإمكان (٣) . ذكر الآجري بسنده عن ابن مسعود أنه قال: (ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس مفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون) (٤) . قال الآجري ﵀ (هذه الأخبار كلها تدل على ما تقدَّم ذكرنا له من أن أهل القرآن ينبغي أن تكون أخلاقهم مباينة لأخلاق من

стр. 19

سواهم ممن لم يعلم كعلمهم، إذا نزلت بهم الشدائد لجؤوا إلى الله فيها، ولم يلجؤوا فيها إلى مخلوق، وكان الله أسبق إلى قلوبهم، وقد تأدبوا بأدب القرآن والسنة، فهم أعلام يقتدى بفعالهم) (١) . ومما ينبغي لمعلم القرآن الاعتناء به، المحافظة على تلاوة القرآن ومداومتها، دون الاكتفاء بالتسميع للطلبة عن المراجعة، وهذا من المواطن التي قد تقع فيها غفلة بعض المدرسين، بحيث يجتزئ بسماعه القرآن دون تلاوته هو له؛ مما يوقعه بشيء من هجر القرآن، ويترتب عليه ضعف محفوظه. ذكر عبد الصمد بن يزيد البغدادي - خادم الفضيل بن عياض - أنه سمع الفضيل يقول: (أُنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملاً) (٢) . وقال الحسن ﵀ (إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه، وإن لم يكن يقرؤه) (٣) . ومما يجب على المعلم أن يأخذ نفسه به، وينشِّئ طلبته عليه، البعد عن الأساليب المبتدعة في القراءة، التي أحدثت بعد القرون المفضلة، نحو قراءة القرآن بأصوات الغناء، أو بطريقة الترعيد، أو الترقيص، أو التطريب، أو باللحون الخاصة بالأعاجم، لأن القرآن عربي، فيسلك به مذاهب العرب في لحونهم ونغماتهم، أو التشبه بإيقاعات التراتيل الكنائسية، والأنغام اليهودية والنصرانية، فإن مطلق التشبه بهم حرام، فكيف به في هذا المقام؟

стр. 20

ويحذر من الانزلاق إلى النُّواح حتى لا يتشبه بأهل النوح من الذين لا يؤمنون بقدر الله. ويدخل في هذا النوع من الطرق المبتدعة مشابهة ألحان الروافض في نياحاتهم التي يقيمونها في عاشوراء، فإنها يجتمع فيها وصفان من الأوصاف المعتبرة في التحريم: أنها ألحان أعجمية، وأنها من ألحان أهل النوح (١) . فإذا رُئي معلم القرآن يعتاد هذه الطرائق ويرغب فيها، فهو دليل على عدم اتباعه للقرآن، وانتفاعه به. روى زياد بن لبيد الأنصاري قال: ذكر النبي ﷺ شيئاً، فقال: "وذاك عند أوان ذهاب العلم"، قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمّك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا ينتفعون مما فيهما بشيء؟ " (٢) . والمقصود من ذكر صفة التدين الصادق لمعلم القرآن، التنبيه على أن يواطئ قوله وعمله ما يحمل من كلام الله، ليكون القرآن العظيم حجة له، لا عليه، وليرفعه الله به، وينفع بتعليمه.

стр. 21

٤ - حسن الخلق إن من المبادئ المهمة التي ينبغي لمعلم القرآن أن يعتني بها، ويعرف حدودها وثمراتها الأخروية والدنيوية هو حسن الخلق، ويتأكد هذا الخلق في حقه من جانبين: (أ) أنه من حملة كتاب الله، فهو حائز لهذا الإرث الشرعي، الذي كان خلقُ من نزل عليه ﷺ القرآن، وأثنى عليه ربه تعالى بأعظم خلة يتحلى بها بشر، فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (القلم:٤) . (ب) أنه متصدر لتعليم الناس ومخالطتهم، وسينتج عن هذا التعليم وتلك المخالطة أمور ينبغي أن يقابلها بحسن المسايسة وتدبير الأمر لأن كل من خالط الناس وجد منهم ما يكره. فلذلك لما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن معلماً لهم ومفقهاً وقاضياً، أوصاه بقوله: (وخالق الناس بخلق حسن) (١) ، (فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن، ما لا يحتاج إليه غيره ممن لا حاجة للناس به، ولا يخالطهم، وكثيراً ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمال حقوق العباد بالكلية، أو التقصير فيها، والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جداً، لا يقوى عليه إلاّ الكمّل من الأنبياء والصدقيين) (٢) .

стр. 22

وقد نبه العلماء المعلِّم على بعض الأخلاق التي ينبغي التحلي بها، ومنها: (ينبغي للمعلِّم أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، والخلال الحميدة، والشيم المرضية التي أرشده الله إليها من الزهادة في الدنيا، والتقلل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود، ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر والتنزه عن دنيء الاكتساب، والسكينة والوقار، والتواضع والخضوع، واجتناب الضحك، والإكثار من المزح) (١) . وذكر ابن جماعة من الآداب التي ينبغي للعالم أن يأخذ بها نفسه: (معاملة الناس بمكارم الأخلاق من طلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس، واحتماله منهم، والإيثار وترك الاستئثار، والإنصاف وترك الاستنصاف، وشكر التفضل (٢) ، وإيجاد الراحة (٣) ، والسعي في قضاء الحاجات، وبذل الجاه في الشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والأقرباء، والرفق بالطلبة، وإعانتهم وبرهم) (٤) . وبهذه الخصال المحمودة، والصفات الجميلة يظهر أن لفظ (حسن الخلق) واسع المدلول، متعدد الجوانب والمظاهر. وهذا الشمول الذي يحويه (الخلق الحسن) يعد من أبرز وسائل تقوية الروابط الاجتماعية بين المعلم والمتعلم، في حين أن سوء الخلق يؤثر في هذه

стр. 23

العلاقة التي هي شرط في التأثر والاستجابة، وقد أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: (يكون في الرجل عشر خصلات تسعة منها أخلاق حسنة، وخلق سيئ، فيغلب السيئُ التسعة الحسنة) (١) . ولقد سمعت من بعض الطلاب الذين انتظموا في حلقات حفظ القرآن الكريم، أنهم كانوا يرون مدرس القرآن الذي يلقنهم عدوَّهم اللدود، ويسارقونه نظرات الغضب والحنق، ومرد ذلك اجتهاد المدرس في وسائل التعليم والتأديب، فتجده يسلك سبيل العنف والشدة، والتهديد والضرب في غالب الأحيان؛ مما يؤدي إلى زرع بذور الكراهية بين المعلم والطالب، وهو مؤشر على فقد المدرس لصفة (حسن الخلق) ، الذي له تداعياته العلمية والتربوية على النشء.

стр. 24

الفصل الثاني: المقومات العلمية التأهل بأساسيات العلم الشرعي ... الفصل الثاني المقومات العلمية إن معرفة الصفات والخصائص التي ينبغي للمعلِّم أن يُلم بها في جانب مهمته ومهنته التعليمية أمر لا مناص منه، لإيجاد المدرس الكفء القادر على تحمل أعباء رسالته، وأدائها على الوجه الصحيح المثمر. ولأهمية دور المعلم في تهيئة الجو العلمي المناسب للمتعلم، كان لزاماً عليه أن يتسلح بالعلوم الأساسية والتخصصية، ليقوم بدوره الفعّال دون هبوط أو آثار سلبية. وسأعرض في هذا الفصل، لأهم المواصفات العلمية التي ينبغي توافرها في معلم القرآن الكريم. ١ - التأهل بأساسيات العلم الشرعي: ينبغي لمعلم القرآن الكريم أن يطلب العلم الشرعي، ويتفقه في الدين، ولا يقتصر على حفظ اللفظ المجرد للقرآن الكريم، وليكن له قدوة في أسلافه من الحفاظ والقراء الذين كانوا أئمة في فنون عدة، بجانب علمهم وضبطهم لكتاب الله. وقد ذكر العلماء عدة علوم يلزم المقرئ أو معلم القرآن أن يتخلَّق ويتحقق بها قبل أن يتصدر، وهي: (أ) علم العقيدة: وهو أول العلوم التي ينبغي أن يتحقق بها، ليعبد ربه على بصيرة، وينال السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 25

قالوا: ولا يجوز لأحد أن يتصدر للإقراء حتى يتقن عقائد الدين، ويتعلمها على أكمل وجه (١) . وليستطيع أن يدفع بعض الشبه التي تثار حول بعض القراءات (٢) ، أو مسألة خلق القرآن، أو نزول القرآن وكيفيته، ونحو ذلك. ويحسن به أن يدرس ويستشرح كتاباً في معتقد أهل السنة، نحو (صريح السنة) لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠هـ) ، أو (العقيدة الطحاوية) لأبي جعفر الطحاوي (ت: ٣٢٨هـ) ، أو (العقيدة الواسطية) لابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ، أو (الوجيز في منهج السلف الصالح) للشيخ عبد القادر الأرناؤوط الدمشقي. وذكر الداني هذا العلم في شروط الشيخ المتلقَّى عنه علم القرآن، فقال (٣) : فإن رغبت العرض للحروف ... والضبط للصحيح والمعروف فاقصد شيوخ العلم والرواية ... ومن سما بالفهم والدراية إلى أن قال: واتبع السنة والجماعة ... وقام لله بحسن الطاعة (ب) علم التفسير: وهذا العلم هو قلب علوم القرآن، وقد نعى الله على الذين يقرؤون القرآن ولا يفهمونه، فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ

стр. 26

أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤) ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩) . وقال الحسن ﵀ – "ما أنزل الله آية، إلاّ وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت، وما أراد بها" (١) . وقال عمرو بن مُرَّة: "إني لأمر بالمثل من كتاب الله ولا أعرفه، فأغتمُّ به"، لقول الله : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٢) ﴾ (العنكبوت:٤٣) . وقد ذم العلماء من يحفظ اللفظ من القرآن، ولا يعلم معناه ولا يطلب تفسيره (٣) . وقال الراغب الأصفهاني: "أول ما يُحتاج أن يشتغل به من (علوم القرآن) العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللَّبِن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، وليس ذلك نافعاً في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم" (٤) .

стр. 27

لذلك كان من شرط المقرئ ومعلم القرآن أن يتعلم من التفسير والغريب ما يستعين به على فهم القرآن، ولا تكون همته دنيئة، فيقتصر على سماع لفظ القرآن دون فهم معانيه (١) . وإذا نظرنا لمنهج الصحابة والتابعين في تعلم القرآن، وجدناهم أخذوه برفق وفهم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات، لا يجاوزونها حتى يعلموا ما فيها، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعاً (٢) . وذكر الداني ﵀ من شروط الشيخ المتصدر للإقراء (٣) : وجمع التفسير والأحكاما ولازم الحذاق والأعلاما (ج) علم الفقه: وهو من العلوم الأساسية التي يحتاجها معلم القرآن؛ ليصلح به أمر دينه، من طهارة وعبادات، وما يحتاج إليه من معاملات (٤) . وليحرص في طلبه للفقه في الأحكام أن يقرأه من كتاب مختصر جامع، وعلى شيخ متقن؛ ليحقق له ألفاظه، ويقرب عليه مسافة الفهم، وليعتاد على ألفاظ الفقهاء. وقال الداني - في شروط معلم القراءة - (٥) : وجمع التفسير والأحكاما .........................

стр. 28

ويحسن به أن يقرأ الأحكام الفقهية من كتاب في (أحكام القرآن) ؛ لأنه في هذا يجمع بين التفقه، وبين التفسير. (د) الناسخ والمنسوخ: اشترطه للمقرئ الداني، فقال (١) : وشاهد الأكابر الشيوخا ... ودوَّن الناسخ والمنسوخا وكذلك الجعبري (٢) : إبراهيم بن عمر (ت: ٧٣٢ هـ) . وردّه ابن الجزري، فقال: "ولا يشترط أن يعلم الناسخ والمنسوخ، كما اشترطه الإمام الجعبري" (٣) . والصواب أنه لا يشترط لمعلم القرآن ومقرئه معرفته، بل هو شرط من شروط المفسِّر (٤) ، والمجتهد (٥) . ومما يلتحق بالعلوم الشرعية التي ينبغي لمعلم القرآن ومقرئه أن ينال منها بنصيب، ما يلي: الحديث وعلم السنن: ينبغي لقارئ القرآن ومقرئه أن لا يخلي صدره من حفظ شيء من حديث النبي ﵊، ومن النظر في بعض كتب السنن، وبخاصة

стр. 29

المختصرات الجامعة كـ (عمدة الأحكام) لعبد الغني المقدسي (ت: ٦٠٠ هـ) ، و (رياض الصالحين) للنووي، ونحوهما. قال أبو عمر بن عبد البر – ﵀ (القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه، ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، فبها يصل الطالب إلى مراد الله في كتابه، وهي تفتح له أحكام القرآن فتحاً) (١) . الرقائق وفضائل الأعمال: وهذا الباب ذخيرة ثمينة، وستر رقيق يكشف للمرء عيوب نفسه، ويعالج به عوجها ومرضها، ويفتح له أبواباً من الخير والعمل، والجد والاجتهاد في العبادة والطاعة. النظر في تراجم الصالحين: وهو علم مفيد يترسم به المرء سير أولئك القوم ويتشبه بهم، وبه يعرف أحوالهم وتجاربهم في الحياة، كسير الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمة، كمالك والشافعي وأحمد، وغيرهم ممن سار على طريقهم. جاء عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه قال: (الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحبُّ إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم) (٢) .

стр. 30

٢ - الإلمام بعلوم التخصص: إن الدراية الكافية، والمعرفة الجيدة بالعلوم التي يتخصص بها المدرس، تعدُّ مطلباً مهماً من مطالب التأهل للتعليم؛ لأن إيصال العلم بأمانة للآخرين متوقف على التأسيس المتين، والفهم السليم لأسس ومبادئ العلم المتخصص فيه. وأهل كل علم وأرباب كل صنعة أدرى بها من غيرها، وقديماً قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى - (كل علم يسأل عنه أهله) (١) ، لذلك إذا تكلم الإنسان في علم لا يحسنه، ولا يعرف حدوده ومصطلحاته أتى بالعجائب والغرائب. ويعد التمكن في علم التخصص مهماً - أيضاً - لإبراز شخصية المدرس، ودورها الفعال في التأثير والتوجيه، لأن المعلم الضعيف في هذا الجانب، يعطي صورة مهزوزة عنه أمام تلاميذه، مما يضعف تأثيره فيهم. وسأتناول أهم العلوم المساعدة التي تؤهل مدرس القرآن الكريم إلى المستوى المنشود منه. (أ) إتقان علم التجويد: وهذا العلم هو الصفة الشرعية التي يُتَعَبَّد بها في تلاوة كلام ربنا، ويعتبر كذلك - إن صحَّ تعبيري - البنية التحتية لعلم القراءات؛ لأن كثيراً من قواعده وأصوله مشتركة بين القراء، فإتقانه على المستوى العلمي النظري، والمستوى العملي التطبيقي وسيلة ضرورية للمعلم.

стр. 31

وإلا فكيف يستطيع المدرس شرح بعض المصطلحات الدقيقة في هذا العلم، نحو: الهمس، والشدة، إن لم يفهمها فهماً واضحاً دقيقاً، ويتلقها تلقياً جيداً متقناً؟، أو كيف يستطيع نطق بعض الكلمات القرآنية التي تحتاج إلى معرفة تامة بطريقة نطقها كوجهي الاختلاس، والإشمام مع الإدغام في قوله تعالى: ﴿لا تَأْمَنَّا﴾ (يوسف: ١١) ، أو التسهيل في قوله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (فصلت: ٤٤) ، ونحوها؟ وقد يؤدي الأمر في بعض المتصدرين لتعليم القرآن إلى هُوَّة بعيدة، بسبب عدم فهم حدود التعريفات والمصطلحات، فيفسرها تفسيراً شاذاً أو بعيداً، كما حصل لبعض المؤلفين في أحكام التجويد، فذكر أن المد المنفصل يجوز قصره من طريق (الطيبة) ، قال: (أهل المدينة المنورة) (١) . ففسَّر طريق (الطيبة) ، وهو متن في القراءات العشر لابن الجزري نظم فيه كتابه (النشر) ، بأحد أسماء مدينة النبي ﵊، وهو فهم عجيب!!. ويمكننا اعتبار بواكير الاهتمام بالناحية العملية في جانب التجويد، هو قراءة الصحابة رضوان الله عليهم على النبي ﵊، وقراءة بعضهم على بعض. وثبت عن جمع من الصحابة والتابعين قولهم: (القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول) (٢) . ومن مظاهر هذا الاهتمام أن عثمان ﵁ لما بعث المصاحف إلى الأمصار، أرفق مع كل مصحف مقرئاً ضابطاً يقرئ عامة الناس

стр. 32

بما في هذا المصحف وَفق ما قرأ وروى؛ لأن في القراءة كيفيات وصفات لا تؤخذ إلا بالتلقي والمشافهة. ومما ينبغي تأكيده - ونحن نتكلم على إتقان التجويد - أمران: الأول: أن يُتَخيَّر للقراءة شيخ متقن ضابط، استكمل الأهلية في هذا الأمر، فإذا حصَّل المرء مثله فليحرص على طول ملازمته والأخذ عنه. قال مكي بن أبي طالب: (يجب على طالب القرآن أن يتخير لقراءته ونقله وضبطه أهل الديانة والصيانة، والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في علم العربية، والتجويد بحكاية ألفاظ القرآن، وصحة النقل عن الأئمة المشهورين بالعلم) (١) . الثاني: العناية بمخارج الحروف وصفاتها، وهو من أهم مباحث التجويد، وإتقانه يعد إتقاناً لثلاثة أرباع التجويد. وعرَّف الإمام الداني التجويد بقوله: (فتجويد القرآن، هو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ومراتبها، وردّ الحرف من حروف المعجم إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وشكله، وإشباع لفظه، وتمكين النطق به على حال صيغته وهيئته من غير إسراف ولا تعسف، ولا إفراط ولا تكلف) (٢) . وجعل الصفاقسي التجويدَ: معرفة مخارج الحروف وصفاتها (٣) . وأرى أن من أفضل ما يدرسه المعلم في باب التجويد - ويحسن به حفظه - هو منظومة ابن الجزري (المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه) المعروفة بالجزرية؛ لأنها تمثل واسطة العقد في مؤلفات هذا الفن، ولاقت

стр. 33

احتفاء واهتماماً من أهل العلم، لكون ناظمها إماماً مقدَّماً في هذا العلم، ولأنها جمعت أمهات المسائل وأطر علم التجويد. وإن أراد الارتقاء إلى علم القراءات، فليحفظ كتاباً جامعاً مشتملاً على ما ينبغي أن يقرأ به من أصول القراءات وفرشها (١) . وينبغي له معرفة حكم تركيب القراءات بعضها مع بعض (٢) ، ومعرفة طريقة جمعها؛ لأن معظم شيوخ هذا العلم المتأخرين يأخذون بطريقة الجمع (٣) . وأنبه في خاتمة حديثي عن التجويد أن بعض من لم يتلق هذا العلم عن شيوخه الأثبات أهل الورع والرواية، والعلم والدراية، يقع في تكلُّف وتزيُّد من غير أصل، وهذا بسبب تعاطيه هذا العلم من غير أن يقتبسه من عالم مُجيد. قال الداني ﵀ – "فأما ما يذهب إليه بعض أهل الغباوة من أهل الأداء من الإفراط في التمطيط، والتعسف في التفكيك، والإسراف في إشباع الحركات وتلخيص السواكن، إلى غير ذلك من الألفاظ المستبشعة، والمذاهب المكروهة، فخارج عن مذاهب الأئمة وجمهور سلف الأمة، وقد وردت الآثار عنهم بكراهة ذلك، وبكيفية حقيقته" (٤) .

стр. 34

(ب) الاهتمام بالسند: وهو من أهم وسائل علم القراءة؛ لأن القراءة قائمة على الرواية والنقل، فلا بد من إثباتها، وطريق ذلك الإسناد. وقد نبه العلماء على أهمية الاعتناء بهذا العلم، وعدوه من العلوم اللازم معرفتها لطالب القراءة، كابن الجزري (١) ، والبقاعي (٢) ، والقسطلاني (٣) ، والصفاقسي (٤) . وقد قال الإمام عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (٥) . ويعتبر حصول الطالب على إسناد في القراءة متصلاً سنده بالنبي ﷺ شهادة على أهليته وصلاحه للتدريس وتعليم القرآن الكريم، وتزكية له وتوثيقاً في دخوله في السلسلة المباركة لتحمُّل القرآن ونقله، بحيث أصبح عدلاً ضابطاً في نقل الرواية أو الروايات التي قرأها وتلقاها. ولما كان القرآن لا يؤخذ من المصحف، اشتدت العناية بالتلقي والإسناد، وكان هذا الأمر دأب العلماء، وطلبة العلم الجادين.

стр. 35

ومن طريف ما يذكر ما حكاه ابن الجوزي، قال: سمعت ابن الرومي يقول: خرج رجل إلى قرية فأضافه خطيبها، فأقام عنده أياماً، فقال له الخطيب: أنا منذ مدة أصلي بهؤلاء القوم، وقد أشكل عليَّ في القرآن بعض مواضع. قال: سلني عنها، قال: منها في (الحمد لله) ، قال: (إياك نعبد وإياك) أي شيء: تسعين أو سبعين؟ أشكلت عليَّ هذه، فأنا أقولها (تسعين) آخذ بالاحتياط (١) . وقد ذكر العلماء أن مقرئ القرآن لا بدَّ له من أنسة بحال الرجال والأسانيد، وهو من أهم ما يحتاج إليه (٢) ، وما وقعت أخطاء عدد من القراء في أسانيدهم، إلا بسبب غفلتهم عن هذا الجانب (٣) . وذكر ابن الجزري ﵀ أنه لا بدَّ من سماع الأسانيد على الشيخ، والأعلى أن يحدثه الشيخ بها من لفظه، فأما من لم يسمع الأسانيد على شيخه، فأسانيده من طريقة منقطعة (٤) . ومما ينبغي تأكيده ما يحصل من إعطاء الإجازات المبهمة، أي التي لا تعيين فيها لنوع المقروء، ومقداره، وكيفيته، سواء من جانب الشيخ المجيز، أو

стр. 36

في جانب الطالب المجاز، وهو تدليس، بل يرى ابن الجزري أنه تدليس فاحش، يلزم منه مفاسد كثيرة (١) . فينبغي للمجيز أن ينص على الرواية أو الروايات التي قرأها الطالب عليه، ومن أي كتاب، ومن أي طريق، وهل ختم ختمة كاملة أو لا؟. وأرى أنه يحسن ذكر أن الطالب قرأ القرآن الكريم حفظاً من صدره - وهو الأصل في تلقي القرآن (٢) - بسبب تساهل بعض من يجيز بالقراءة نظراً، وحتى يتميز الحافظ عن غيره. (ج) العناية باللغة العربية: يعد الاعتناء بلغة القرآن الكريم من شعائر الدين؛ لأنها السبيل للنطق الصحيح، والبيان الواضح، والفهم السليم. وقد وردت آثار عديدة في الحث على تعلمها والحرص على طلبها، فمن ذلك ما ثبت عن عمر ﵁ في كتابه لأبي موسى الأشعري ﵁ قال: (تعلموا العربية، وتفقهوا في العربية) (٣) . وعد أئمة القراءة الاعتناء بها من الوسائل المهمة لعلم القراءة، كابن الجزري (٤) ، والبقاعي (٥) ، والقسطلاني (٦) ، والصفاقسي (٧) .

стр. 37

واعتبر ابن مجاهد حامل القرآن الذي لا يعرف الإعراب، وهو غير مطبوع عليه، حافظاً لا يلبث أن ينسى؛ لتشابه الحركات عليه، ولأنه لا يعتمد على علم بالعربية، ولا بصر بالمعاني يرجع إليه (١) . قال ابن عبد البر ﵀ (القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه) (٢) . ويرى ابن الجزري أن النحو والصرف من أهم ما يحتاج إليهما قارئ القرآن ومعلمه؛ لأنه محتاج إليهما في توجيه القراءات، وفي باب وقف حمزة على الهمز، وفي أبواب الإمالة، وفي الوقف والابتداء (٣) . وقال أبو الحسن علي بن عبد الغني الحُصْري (ت: ٤٨٨ هـ) (٤) : وأحسِنْ كلام العُرْب إن كنت مقرئاً ... وإلا فتخطي حين تقرأ أو تُقري لقد يدَّعي علم القراءة معشر ... وباعهم في النحو أقصر من شبر فإن قيل: ما إعراب هذا ووزنه رأيت طويل الباع يقصر عن فتر وقال الداني: - في صفات من يُؤخذ عنهم العلم - (٥) : وفَهِم اللغاتِ والإعرابا ... وعلم الخطأ والصَّوابا

стр. 38

وقال: وكل من لا يعرف الإعرابا ... فربَّما قد يترك الصوابا وربما قد قوَّل الأيمَّهْ ... ما لا يجوز وينال إثمه لذلك ورد عن عمر ﵁ أنه كان يكتب إلى عماله: "لا يقرئ القرآن إلا من يعرف الإعراب" (١) . فحري بمعلم القرآن أن يتقن هذا العلم، ويدرب طلابه عليه، ويحببه إليهم. وإذا نظرنا إلى أئمة القرآن نجد أن معظمهم جمعوا بين علمي القراءة والعربية، ولهم تراجم في طبقات القراء، وفي طبقات النحاة واللغويين، ونراهم قد زاوجوا في تآليفهم بين العلمين، فصنفوا فيهما. (د) معرفة الوقف والابتداء: معرفة هذا العلم من المقاصد الجليلة، والمطالب النبيلة لقارئ القرآن ومعلمه؛ كي يعرف كيف يقف، وأين يقف، ومن أين يبتدئ وكيف يبدأ القراءة. لذلك اعتنى به السلف، وتعلّمه الصحابة رضوان الله عليهم، فقال ابن عمر: (لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها) (٢) .

стр. 39

قال النحاس: "فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون التمام كما يتعلمون القرآن، وقول ابن عمر: (لقد عشنا برهة من الدهر) ، يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة" (١) . وقال ابن الجزري: "وصحَّ بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع - إمام أهل المدينة الذي هو من أعيان التابعين -، وصاحبه الإمام نافع بن أبي نعيم، وأبي عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم من الأئمة، وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب" (٢) . أليس يقبح بالقارئ أن يقف - مثلاً - على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ﴾ (٣) ، أو على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ﴾ (٤) ، أو على قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، وَأَخِي هَارُونُ﴾ (٥) ، فيفسد المعنى في هذا كله، ويقشعر جلد من سمعه؟ وأليس يستبشع من القارئ ألا يعلم كيف يبدأ بنحو قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (الأحقاف: ٤) أو قوله: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ...﴾ (ص الآية: ٦) ؟

стр. 40

ولهذا اشترط كثير من أئمة القراءة على المجيز أن لا يجيز الطالب في القرآن إلا بعد معرفة الوقف والابتداء (١) . وقد ألَّف العلماء في هذا العلم مؤلفات كثيرة قديماً وحديثاً، ما بين مختصرات كالمقدمة للعلم، نحو (نظام الأداء في الوقف والابتداء) لابن الطحان السماتي (ت بعد: ٥٦٠ هـ) ، وهي مقدمة مفيدة، وما بين مطوَّلات ككتاب (المرشد) للعماني (ت بعد: ٥٠٠ هـ) . ومن أحسن الكتب المتأخرة في هذا العلم كتاب (منار الهدى في بيان الوقف والابتدا) لأحمد بن محمد بن عبد الكريم الأشموني (ت بعد: ١٠٩٩ هـ) ، فقد جمع فيه خلاصات كثير من الكتب السابقة. وتعتبر علامات الوقوف الست المرموز لها في المصحف برموز خاصة، علامات هادية لأماكن الوقف والابتداء، فيحسن بمعلم القرآن العناية بها، وأخذ الطلاب لاعتبارها والاهتمام بها أثناء قراءتهم وحفظهم. (هـ) الدراية برسم القرآن: كتب القرآن الكريم بين يدي النبي ﷺ بصورة معينة، أضْفَتْ عليه صبغة خاصة تناقلها رواة وكتبة المصاحف، ثم دونها علماء القراءة في مصنفات وصفوا فيها هيئات تلك الكتابة على نحو أمين ومتقن، صار بعد ذلك عِلْماً قائماً بذاته، هو علم (رسم القرآن) ، فغدا هذا العلم عِلْماً مميزاً لا يخضع لقواعد الإملاء، لا من حيث النطق، ولا من حيث الرسم، في الكثير منه.
следующие страницы →