← Указатели

Указатели · id 8564

المكتبة الإسلامية

عماد علي جمعة

Полный текст (205 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب المكتبة الإسلامية، والتي أقدمها للقراء الكرام راجيا تمام النفع بها وأن يتقبلها الله بقبول حسن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ولابد من الإشارة إلى أن هذه الطبعة، تميزت بميزات عدة سيلمسها القارئ، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، مزيد من العناية بالترتيب لموضوعات الكتاب حسب تاريخ نشأتها، فمثلا بالنسبة لمصادر علوم الحديث رواية، أعيد ترتيبها كما يلي: ١- الجوامع. ٢- الموطآت. ٣- المسانيد. ٤- السنن. ٥- الصحاح. ٦- المجاميع. واتبعت هذه المنهجية في جميع الموضوعات، بل وحتى في تريب الكتب في الموضوع الواحد، كذلك عند عرض أسماء العلماء الذين برزوا في كل فن، مما جعل بناء الكتاب في غاية التناسق والتكامل، ويعطي القارئ فكرة تامة عن نمو حركة التأليف في الموضوع المحدد من بداياته وحتى نضجه. هذا عدا عن متابعة دقيقة للمادة العلمية بحيث إنها تكاد تخلو من الأخطاء المطبعية وسواها ما أمكن، راجيا أن يجد هذا الكتاب بثوبه الجديد من القبول لدى طلبة العلم، ما وجده في طبعته الأولى، وكلِّي أمل أن يتفضلوا بإهداء ملاحظاتهم التي ستكون محل عناية في طبعة قادمة إن شاء الله تعالى، فالكمال لله وحده. هذا ونظرا لما لاقته فكرة الكتاب من استحسان، وتلبية لرغبة عدد من طلبة العلم، فقد توطد العزم بمشيئة الله تعالى على مواصلة البحث في كافة فروع التراث الإسلامي والعربي بحيث يكون كتاب المكتبة الإسلامية الكتاب الأول ضمن سلسلة

стр. 2

كاملة، ويتلوه قريبا -إن شاء الله تعالى- الكتاب الثاني في المكتبة العربية، وإن الرغبة لشديدة في مواصلة التصنيف في هذه السلسلة حتى تكتمل بعون الله وتوفيقه. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين. د. عماد جمعة كلية التربية للبنات/ البكيرية. القصيم/ المملكة العربية السعودية. هاتف: ٠٦/٣٣٦١٢٨٩- جوال: ٠٥٧٨٦٧٥٣٦ ١٤٢٤/٧/١هـ.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: فهذا كتاب يتناول بالبحث بعضا من ملامح المكتبة الإسلامية، بعد تمهيد عام تناول اهتمام الإسلام بالعلم والتفكير وتسامح الإسلام، ومبدأ المساواة بين المسلمين الذي حبب شعوب البلاد المفتوحة في الإسلام، وتعلم اللغة العربية لغة القرآن الكريم وإتقانها، مع بيان بدايات هذه النهضة في عالم الكتب التي بدأت بعصر التدوين الذي شارك فيه أبناء البلاد المفتوحة بهمة إلى جانب العرب الخلص، مما أثرى المكتبة الإسلامية في جميع فروع التراث، وهذا الذي أدى بالتالي إلى ضرورة وجود مدونات ببليوجرافية للمصادر الإسلامية، نظرا لكثرة المصادر ولحاجة طلبة العلم إلى مدونات تحصر هذه المصادر، وهذا ما تم بحثه في الباب الأول من هذا الكتاب حيث تناول الكتاب بعضا منها مثل: إحصاء العلوم للفارابي، الفهرست لابن النديم، ومفتاح السعادة لطاش كبرى زادة، وكشف الظنون لحاجي خليفة، وإيضاح المكنون للبغدادي، وهدية العارفين للبغدادي كذلك، وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة، والأعلام للزركلي، وسير أعلام النبلاء للذهبي. وفي الباب الثاني من الكتاب تم تناول نماذج من المصادر ذاتها في: - علوم القرآن. - وعلوم الحديث.

стр. 4

- وعلم الفقه. - وعلم الأصول. وفي ختام هذه المقدمة، أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعله في موازين أعمالنا الصالحة يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

стр. 5

التمهيد المبحث الأول: اهتمام الإسلام بالعلم ... التمهيد وفيه أربعة مباحث: - المبحث الأول: اهتمام الإسلام بالعلم. - المبحث الثاني: تسامح الإسلام، ومبدأ المساواة بين المسلمين الذي حبب شعوب البلاد المفتوحة في الإسلام، وتعلم اللغة العربية، لغة القرآن الكريم وإتقانها. - المبحث الثالث: عصر التدوين ومشاركة أبناء البلاد المفتوحة فيه بهمة إلى جانب العرب الخلص. - المبحث الرابع: ثراء المكتبة الإسلامية في جميع فروع التراث.

стр. 6

المبحث الأول: اهتمام الإسلام بالعلم لم تعن أمة من الأمم ولاحضارة من الحضارات بالعلم والعلماء، كما عنيت أمة الإسلام وحضارته، وذلك لأن العلم عند الأمم إنما يكون لغايات معيشية دنيوية، أما في الإسلام فأهميته لأنه الباب إلى معرفة الله وحسن عبادته، وبه تصلح الدنيا والآخرة، وهو أساس العلاقات الإنسانية السليمة، وأساس التفكير القويم وأساس العمل الصالح، وقد كثرت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وآثار الصحابة والسلف الصالح، في الحث على العلم، وبيان فضله، والرفع من قدره وقدر العلماء وإنه لينفد القرطاس، وتنتهي الأنفاس قبل أن تحصي ما ورد في ذلك من نصوص. القرآن والعلم: لقد رفع القرآن الكريم شأن العلم والعلماء في آيات كثيرة، يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ ويقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ٣, فقد ربطت هذه الآية بين العلم وخشية الله تعالى، وجاء الكلام عن

стр. 7

والسود، وذكر النباتات المختلفة الألوان وذكر الناس والأنعام، قال الإمام ابن كثير ت ٧٧٤هـ في تفسير الآية السابقة: أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى أتم والعلم بها أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكبر١. ولقد ذكر القرآن الكريم الحاجة إلى العلم بعد الكلام عن خلق آدم، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ٢، والعلم يسبق العمل، ولا يكون العمل إلا بعلم، قال الإمام البخاري: العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه﴾ ٣ فبدأ بالعلم٤. وكان أول ما نزل من القرآن أمر صريح بالعلم والقراءة، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٥. السنة والعلم: لقد فاق اهتمام الرسول ﷺ بالعلم حدود الوصف، وحسبك أن تستعرض بعضا من أقواله ﷺ لتعرف بعضا من هذا الاهتمام فقد ورد عنه ﷺ قوله: "من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا، سهل الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل

стр. 8

القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ١، بل إن رسول الله ﷺ لم يستثن أحدا من وجوب طلب العلم، حيث يقول: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٢ ويطول بنا المقام لو أردنا أن نستعرض كل أقواله ﷺ في الحث على العلم وبيان فضله وفضل العلماء، ومن هنا نلحظ اهتمامه ﷺ بالعلم من أول يوم أقام فيه كيان الدولة الإسلامية، فنجد أنه ﷺ لما بنى مسجده بالمدينة اتخذه هو وأصحابه مركزًا دينيًا لبث تعاليم الإسلام، وكان الرسول ﷺ يجلس فيه وحوله حلقة من أصحابه، يعلمهم ويحثهم على طلب العلم والحكمة، وظل هذا المسجد ينمو ويتسع حتى انبعثت منه أنوار المعارف المختلفة في القرن الثاني الهجري، وظهر فيه أئمة الشريعة الإسلامية، وأصبحت المساجد التي بنيت على غراره في البلاد المفتوحة مراكز دينية واجتماعية ومدارس للنشاط العلمي، ووصلت إلى مستوى عالٍ في التفكير العقلي والإنتاج الديني واللغوي. كما عني الرسول ﷺ بتعليم المسلمين الأولين وتثقيفهم، وبلغ من اهتمامه في ذلك أنه طلب من أسراه في بدر ممن لم يستطع أن يفدي نفسه بالمال، أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة٣، وأصبح للرسول ﷺ عدد كبير من الكتاب الذين كانوا يكتبون له في جميع أموره٤، ومهام دولته من رسائل وكتب إلى الملوك

стр. 9

والأمراء ومن عهود واتفاقيات بينه وبين أهل الذمة وقريش والقبائل المختلفة، وكان بعضهم يكتب مغانم الرسول ﷺ وأموال الصدقات والمداينات والمعاملات. وظل الرسول ﷺ هو المعلم الأول، ونَبَغ من أصحابه عدد وافر في مختلف الأمور كانت لهم بعده مكانة، علموا الناس أمور دينهم ودنياهم وجمعوا القرآن ودونوه، ورووا أحاديث الرسول ﷺ كما بحثوا في اللغة والأدب، والعلوم الأخرى. وإن مما يُظهر لنا أهمية العلم في السنة النبوية، ذلك الكم الهائل من الأحاديث التي جمعها علماء الحديث، وحسبك أن تعرف على سبيل المثال لا الحصر أن كتاب العلم في مجمع الزوائد للهيثمي، قد بلغ أربعا وثمانين صفحة، وأن أحاديث العلم في المستدرك للحاكم بلغت أربعا وأربعين صفحة، وأنه لا يخلو كتاب من كتب الحديث من باب يتكلم عن العلم في العشرات من الأحاديث النبوية الشريفة.

стр. 10

المبحث الثاني: التسامح والمساواة في الإسلام إن تسامح المسلمين مع غيرهم، ومبدأ المساواة بين المسلمين أنفسهم حبب شعوب البلاد المفتوحة في الإسلام، وتعلم اللغة العربية لغة القرآن الكريم وإتقانها. فقد انتشر الإسلام في بقاع الأرض المختلفة انتشارًا سريعا، واعتنقته شعوب بأكملها من قوميات متعددة في مشارق الأرض ومغاربها، وكان لهذا الانتشار السريع والسهل أسباب عديدة، فالإسلام هو الدين الموافق للفطرة والمتفق مع العقل والملبي لحاجات الإنسان الروحية والمادية، الفردية والجماعية، ثم هو دين الشمول والتوازن والتكامل والتناسق، وهو دين الوسطية والاعتدال كما أنه دين التسامح والمساواة، إنساني النزعة، ليس بدين عنصري ولا إقليمي ولا طائفي، بل هو دين عالمي إنساني، ولاعجب، فإن أول آية في القرآن الكريم بعد البسملة هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ١، وآخر سورة منه هي سورة الناس، إذن فآيات القرآن الكريم وسوره بدأت بالحديث عن عالمية هذا الدين، وانتهت بالحديث عن إنسانيته، ولذا فإنه من المستحيل حصر الإسلام في قومية أو جنس أو وطن، وفيما يلي عرض لمبدأين كان لهما أثر كبير في انتشار الإسلام، وهذان المبدآن هما: أولا: مبدأ التسامح في الإسلام: إن التسامح من أهم جوانب النزعة الإنسانية في الحضارة الإسلامية، فقد أنشأ الإسلام حضارتنا فلم يضق ذرعا بالأديان السابقة، ولم يتعصب دون الآراء والمذاهب المتعددة، بل كان شعاره ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ

стр. 11

يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١، ومن أجل ذلك كان من مبادئ حضارتنا في التسامح الديني: ١- الأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٢. ٢- الأنبياء إخوة لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة، وأن على المسلمين أن يؤمنوا بهم جميعا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣. ٣- العقيدة لا يمكن الإكراه عليها بل لابد فيها من الاقتناع ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ٤، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٥.

стр. 12

٤- الاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١. ٥- اختلاف الناس في أديانهم لا يمنع من الحوار الهادف إلى معرفة الحقيقة، فلهم أن يجادل بعضهم بعضا فيها بالحسنى، وفي حدود الأدب والحجة والإقناع: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢، ولا تجوز البذاءة مع المخالفين، ولا سب عقائدهم ولو كانوا وثنيين: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ٣. ٦- إذا اعتدي على الأمة في عقيدتها، وجب رد العدوان لحماية العقيدة ودرء الفتنة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٤، ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُم﴾ ٥. ٧- إذا انتصرت الأمة على من اعتدى عليها في الدين، أو أراد سلبها حريتها، فلا يجوز الانتقام منهم بإجبارهم على ترك دينهم، أو اضطهادهم في عقائدهم

стр. 13

وحسبهم أن يعترفوا بسلطان الدولة ويقيموا على الإخلاص لها حتى يكون لهم مالنا وعليهم ما علينا. هذه هي مبادئ التسامح الديني في الإسلام الذي قامت عليه حضارتنا، وهي توجب على المسلم أن يؤمن بأنبياء الله ورسله جميعا، وألا يتعرض لأتباعهم بسوء، يلين القول، يحسن جوارهم ويقبل ضيافتهم، وله أن يصاهرهم مع ما في ذلك من اختلاط للأسر، وامتزاج للدماء، وأوجب الأسلام على الدولة المسلمة أن تحمي أماكن عبادتهم وألا تتدخل في عقائدهم، ولا تجور عليهم في حكم، وتسويهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وأن تصون كرامتهم وحياتهم كما تصون كرامة المسلمين وحياتهم. وعلى هذه الأسس قامت حضارتنا، وبها رأت الدنيا لأول مرة دينا ينشئ حضارة فلا يتعصب على غيره من الأديان، ولا يطرد غير المؤمنين به من مجال العمل الاجتماعي والمنزلة الاجتماعية، وظل التسامح شرعة الحضارة الإسلامية منذ وضع أساسها رسول الله ﷺ ، حتى أخذت في الانهيار، فضاعت المبادئ ونسيت الأوامر، وجهل الناس دينهم، فابتعدوا عن هذا التسامح الديني العظيم. من صور التسامح في حياة الرسول ﷺ : لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وفيها من اليهود عدد كبير، كان من أول ما عمله من شئون الدولة أن أقام بينه وبينهم ميثاقا تحترم فيه عقائدهم وتلتزم فيه الدولة بدفع الأذى عنهم، ويكونون مع المسلمين يدًا واحدة على من يقصد المدينة بسوء، فطبق بذلك رسول الله ﷺ مبادئ التسامح الديني في البذور الأولى للحضارة الإسلامية. وكان للرسول ﷺ جيران من أهل الكتاب، فكان يتعاهدهم ببرة ويهديهم الهدايا ويتقبل منهم هداياهم، حتى أن امرأة يهودية دست له السم في ذراع شاة أهدتها

стр. 14

إليه لما كان من عبادته أن يتقبل هديتهم ويحسن جوارهم، ولما جاء وفد نصارى الحبشة أنزلهم رسول الله ﷺ في المسجد وقام بنفسه على ضيافتهم وخدمتهم، وكان مما قاله يومئذ: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين فأحب أن أكرمهم بنفسي". وجاء مرة وفد نصارى نجران فأنزلهم في المسجد وسمح لهم بإقامة صلاتهم فيه، فكانوا يصلون في جانب منه، ورسول الله ﷺ والمسلمون يصلون في جانب آخر، ولما أرادوا أن يناقشوا الرسول في الدفاع عن دينهم، استمع إليهم وجادلهم، كل ذلك برفق وأدب وسماحة خلق، وقبل الرسول من المقوقس هديته، وقبل منه جارية أرسلها إليه، وتسرى بها رسول الله ﷺ وولدت له إبراهيم الذي لم يعمر إلا أشهرًا قليلة، ومن وصاياه للمسملين: "استوصوا بالقبط فإن لكم فيهم نسبا وصهرا" ١. من صور التسامح في حياة الصحابة ﵃، على هدي الرسول ﷺ في تسامحه الديني ذي النزعة الإنسانية الرفيعة سار صحابته من بعده: فها هو عمر ت٢٣هـ، ﵁، حين يدخل بيت المقدس فاتحا يجيب سكانها إلى ما اشترطوه، من ألا يساكنهم فيها يهودي، وتحين صلاة العصر وهو داخل كنيسة القدس الكبرى، فيأبى أن يصلي فيها كي لا يتخذها المسلمون من بعد ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجدا. ونجده وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص ت ٤٣هـ، ﵁، قد أدخل دارها في المسجد كرها عنها، فيسأل عمرا عن ذلك، فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترض، مما اضطر عمرا إلي هدم دارها وإدخالها في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت، ومع أن

стр. 15

هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع، فإن عمر لم يرض ذلك وأمر عمرا أن يهدم البناء الجديد من المسجد ويعيد إلى المسيحية دارها كما كانت. هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع الذي أظلته حضارتنا بمبادئها، فإذا بنا نشهد من ضروب التسامح الديني ما لا نجد له مثيلا في تاريخ العصور حتى في العصر الحديث. وبعد، فإن التسامح الديني في حضارتنا مما لا يعهد له مثيل في تاريخ العصور الماضية، وقد أجمع المؤرخون الغربيون ممن يحترمون الحق على هذا التسامح وأشادوا به. يقول المؤرخ الشهير المعاصر ولز في صدد بحثه عن تعاليم الإسلام: إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما إنها إنسانية السمة، ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي عما في أية جماعة أخرى سبقتها ... إلى أن يقول عن الإسلام: إنه مليء بروح الرفق والسماحة والأخوة. ويقول أرنولد وهو يتحدث عن المذاهب الدينية بين الطوائف المسيحية: ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال التي تنطوي على الظلم، بل كان المسلمون على خلاف غيرهم إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدا في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس، مثال ذلك: أنه بعد فتح مصر استغل اليعاقبة فرصة إقصاء السلطات البيزنطية ليسلبوا الأرثوذكس كنائسهم، ولكن المسلمين أعادوها أخيرا إلى أصحابها الشرعيين بعد أن دلل الأرثوذكس على ملكهم لها، وإذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد على هذا النحو إلى رعايا المسلمين من

стр. 16

المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي ظهر أن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة التصديق. وأن قول غوستاف لوبون: إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينا سمحا مثل دينهم هو إنصاف للحق قبل أن يكون إنصافا للمسلمين١. ثانيا: مبدأ المساواة بين المسلمين: وهذا جانب آخر من جوانب النزعة الإنسانية في حضارتنا الخالدة، ذلك هو تقرير المساواة حقا بين الناس من غير نظر إلى ألوانهم، فبعد أن أعلن القرآن مبدأ المساواة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢، وقف الرسول ﷺ في حجة الوداع ليعلن في خطابه النبوي: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى" ٣. ولم تكن هذه المساواة لتقف عند حدود المبادئ التي تعلن في مناسبات متعددة كما يقع من زعماء الحضارة الحديثة اليوم بل كانت مساواة مطبقة تنفذ كأمر عادي لا يلفت نظرا، ولا يحتاج إلى تصنع أو عناء، فقد نفذت في المساجد حيث كان يلتقي فيها الأبيض والأسود على صعيد واحد من العبودية لله والخشوع بين يديه، ولم يكن الأبيض ليجد غضاضة أو حرجا في وقوف الأسود بجانبه، ونفذت في الحج حيث تلتقي العناصر البشرية كلها من بيضاء وملونة على صعيد واحد بثياب واحدة من غير تمييز بين أبيض وأسود أو استعلاء من البيض على السود، بل إننا لنجد

стр. 17

ما هو أسمى من هذا، فقد أمر رسول الله ﷺ بلالا الحبشي ت٢٠هـ، ﵁، يوم فتح مكة أن يصعد فوق الكعبة ليؤذن من فوقها ويعلن كلمة الحق، والكعبة هي الحرم المقدس عند العرب في الجاهلية، وهي القبلة المعظمة في الإسلام، فكيف يصعد عليها عبد ملون كبلال؟ وكيف يطؤها بقدميه؟ إن مثل هذا أو قريبا منه لا يتصور في الحضارة الحديثة، ولكن حضارتنا فعلته قبل أربعة عشر قرنا، فما كان صعود بلال على سطح الكعبة إلا إعلانا لكرامة الإنسان على كل شيء، وأن الإنسان يستحق هذه الكرامة لعلمه وعقله وأخلاقه وإيمانه لا لبشرته وبياضه، فلا يقدم الإنسان بياضه إذا أخره عمله، ولا يؤخره سواده إذا قدمه ذكاؤه واجتهاده. ولذلك لم يرض رسول الله ﷺ لأبي ذر ت ٣٢هـ، ﵁، وهو من أكرم صحابته أن يسب آخر فيقول له: يابن السوداء، لم يرض منه ذلك بل قرعه، وقال له: "أعيرته بسواد أمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" ١، وهذا حد فاصل بين العلم والجهل، وبين الحضارة الإنسانية والحضارة الجاهلية. إن الحضارة التي لا يستعلي فيها عرق على عرق، ولا لون على لون هي الحضارة الإسلامية، التي يسعد بها الإنسان بل وتسعد بها الإنسانية كلها، أما الحضارة التي يعلو فيها الأبيض ويمتهن الأسود، ويسعد بها ذوو البشرة البيضاء ويشقى بها الملونون فهي الحضارة الجاهلية التي ترتد بها الإنسانية إلى الوراء مئات القرون، عمياء متكبرة جاهلية حمقاء، "إنك امرؤ فيك جاهلية"، هذا وصف للحضارة الجاهلية التي تنادي بالتمييز العنصري، وهو ما كافحته حضارتنا في كل ميادين الحياة، في المسجد والمدرسة والمحكمة والقيادة، مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

стр. 18

لما جاء المسملون لفتح مصر وتوغلوا فيها حتى وقفوا أمام حصن بابليون، رغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين فأرسل إليهم وفدا ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدا، فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت ت ٣٢هـ، ﵁، وكان طوله عشرة أشبار، وأمره عمرو أن يكون متكلم القوم، وكان عبادة أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسوادة وقال: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فقالوا جميعا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهوسيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله، فقال لهم: وكيف رضيتم أن يكون هذاالأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟! قالوا: كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السواد فينا، فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة، فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفي من أصحابي ألف رجل كلهم مثلي وأشد سوادا مني وأفظع منظرا١. لقد كان كثير من الناس -حتى المتحضرين في القرن العشرين- يرون السواد منقصة، وكانوا لا يرون الأسود أهلا لأن يكون في عداد البيض، فكيف يتقدمهم ويقودهم ويفضلهم في الرأي والعلم؟! فجاءت حضارتنا تحطم هذه المقاييس، وتسفه هذه الآراء، وتقدم الأسود على الأبيض حين يقدمه علمه ورأيه وشجاعته. وكان عبد الملك بن مروان ت ٨٦هـ، يأمر المنادي أن ينادي في موسم الحج ألا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح ت ١١٤هـ، إمام أهل مكة وعالمها

стр. 19

وفقيهها، وكان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي، وقد جعلته الحضارة الإسلامية إماما يرجع إليه الناس في الفتوى، ومدرسة يتخرج على يده الألوف من البيض، وهو عندهم محل الإكبار والحب والتقدير١. ولقد كان في حضارتنا المبدعون في كل ميادين العلم والأدب، وهم سود البشرة لم يمنعهم سوادهم أن يكونوا أدباء ينادمون الخلفاء كنصيب الشاعر ت ١٠٨هـ، ولا فقهاء يؤلفون المراجع المعتبرة في الفقه الإسلامي كعثمان بن علي الزيلعي ت ٧٤٣هـ، شارح الكنز في الفقه الحنفي، والحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي ت ٧٦٢هـ، مؤلف نصب الراية، وكلاهما أسودان من زيلع من بلاد الحبشة. وقصارى القول: إن حضارتنا لم تعرف هذا التمييز العنصري بين البيض والسود، ولم يكن فيها مجتمعات خاصة للسود لا يساكنهم فيها أبيض، ولا اضطهاد خاص بهم يجعلهم محل نقمة البيض وازدرائهم، وإنما كانت حضارتنا إنسانية تنظر إلى الناس جميعا بمنظار الحق والخير، ولا ترى البياض والسواد إلا بياض الأعمال وسوادها ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ٢. والنزعة الإنسانية تظهر حين يعلن الإسلام أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ ٣.

стр. 20

فالأصل البشري لأبناء البشرية قاطبة هو أصل واحد، ومهما تفرق الناس بعد ذلك إلى أمم وقبائل وبلدان وأجناس، فإنما هو كتفرق البيت الواحد والإخوة من أب واحد وأم واحدة، وما كان كذلك فسبيل هذا الاختلاف في أجناسهم وبلدانهم أن يؤدي إلى تعاونهم وتعارفهم وتلاقيهم على الخير، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ١، وقد ترفع الحياة بعد ذلك أفرادا وتخفض آخرين، وقد تغني فئات ويفتقر كثيرون، وقد يحكم شخص ويخضع شعب، وقد تبيض بشرة أقوام وتسود ألوان أمم أخرى، إن هذا وإن كان من سنة الله في خلقه، بل هو نظامها الذي لا يتبدل، فليس من شأنه أن يميز من ارتفع على من اتضع ولا من اغتنى على من افتقر، ولا من حكم على من خضع، ولا ذا اللون الأبيض على ذي اللون الأسود، بل الكل سواء: - سواء عند الله في آدميتهم وإنسانيتهم لا تمايز بينهم إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢. - وهم سواء أمام القانون في الخضوع له لا تمايز بينهم إلا بالحق. - وهم سواء في كيان المجتمع، يتأثر قويهم بضعيفهم، ومجموعهم لعمل أفراد منهم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" ٣.

стр. 21

وهكذا يستمر الإسلام في إعلان الوحدة الإنسانية بين الناس كإخوة من أب وأم، والوحدة الاجتماعية في المجتمع كشجرة تهتز أغصانها جميعا إذا لمستها الرياح لا فرق بين أعلاها وأدناها. ومن المفيد هنا أن نلاحظ كثرة خطاب القرآن للناس، بهذه الألفاظ التي تشعرهم بوحدة أصلهم الإنساني ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ ، ﴿يَا بَنِي آدَم﴾ كما خاطب أبناء الدين الواحد بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، ﴿أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون﴾ ، دون أن يميز بالخطاب أمه على أمة أو فريقا على فريق. وأما النزعة الإنسانية الحضارية في التشريع الإسلامي، فإنك لتلمس ذلك واضحا في كل باب من أبواب التشريع، في الصلاة يقف الناس جميعا بين يدي الله لا يخصص مكان لملك أو عظيم أو عالم، وفي الصوم يجوع الناس جوعا واحدا لا يفرد من بينهم أمير أو غني أو شريف، وفي الحج يلبس الناس لباسا واحدا، ويقفون موقفا واحدا، ويؤدون منسكا واحدا، لا تمييز بين قاصٍ ودانٍ، وقوي وضعيف، وأشراف وعامة، فإذا انتقلت من ذلك إلى أحكام القانون المدني وجدت الحق هو الشرعة السائدة في العلاقة بين الناس، والعدل هو الغرض المقصود من التشريع، ودفع الظلم هو اللواء الذي يحمله القانون ليفيء إليه كل مضطهد ومظلوم، فإذا انتقلت من ذلك إلى القانون الجزائي وجدت العقوبة واحدة لكل من يرتكبها من الناس، فمن قتل قتل، ومن سرق عوقب ومن اعتدى أدب، ولا فرق بين أن يكون القاتل عالما أو جاهلا، والمقتول أميرا أو فلاحا، ولا فرق بين أن يكون المعتدي أمير المؤمنين أو رجل من عامتهم، والمعتدى عليه أعجميا أو عربيا، شرقيا أو غربيا، فالكل سواء في الإسلام ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ ١.

стр. 22

ويسمو التشريع إلى أرفع من هذا حين يثبت الكرامة الإنسانية للناس جميعا بقطع النظر عن أديانهم وأعراقهم وألوانهم فيقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ١. هذه الكرامة هي التي تضمن للناس جميعا حقهم في الحياة والعقيدة والعلم والعيش، ومن واجب الدولة أن تكفلها لهم على قدم المساواة بلا استثناء، ويسمو التشريع فوق هذا إلى ذروة عالية من السمو الإنساني حين يجعل أساس المثوبة والعقاب للناس لا على ظواهر أفعالهم بل على نواياهم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم" ٢، فالنية هي محل المؤاخذة أو الإثابة: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ٣. والنية المقبولة عند الله هي نية الخير والنفع للناس وابتغاء وجه الله ومرضاته دون غرض مادي أو نفع تجاري ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤، وهذا الخير الذي تفعله ابتغاء وجه الله لا يصح أن تطلب ممن استفاد منه ثوابا ولا أجرا ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ ٥.

стр. 23

ويبلغ التشريع أعلى ذروة من النزعة الإنسانية حين يقرر وحدة العوالم كلها من إنسان وحيوان ونبات وجماد وأرض وأفلاك في سلك العبودية لله والخضوع لنواميس الكون، وما أروع ما يطلبه القرآن من المسلم أن يذكره في كل ركعة من ركعات صلاته ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١، إنه لواجب أن يذكر المسلم أنه جزء من الكون مخلوق لإله واحد متصف بالرحمة البالغة الشاملة، فليكن المسلم في هذا العالم الذي يعيش فيه، مثالا للرحمة التي يتصف بها الله وهو غني عن العالمين. تغاضب أبو ذر ﵁ ت ٣٢هـ، وهو عربي من غفار، مع بلال الأسود الحبشي ت ٢٠هـ، ﵁، مولى أبي بكر ﵁، وكان أبو ذر وبلال صحابيين ممن آمن بالإسلام ورسوله، وتطور النزاع بينهما إلى أن أخذت أبا ذر الحدة فقال لبلال: يابن السوداء! فشكاه بلال إلى النبي ﷺ فقال لأبي ذر: "أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" ٢. وسرقت امرأة من بني مخزوم في عهد النبي ﷺ وجيء بها لتعاقب، فأهمّ ذلك قريشا وقالوا: من يشفع لها عند رسول الله ﷺ في إسقاط الحد عنها؟ ثم ذكروا أن أسامة بن زيد ت ٥٤هـ، ﵁، حبيب إلى قلب الرسول ﷺ فكلموه في أن يشفع لها عنده، فكلمة بذلك فغضب ﵊ غضبا شديدا وقال لأسامة: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، ثم قام في الناس خطيبا فقال: "إنما أهلك من

стр. 24

قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١. وجاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي ت ٣٦هـ، وصهيب الرومي ت ٣٨هـ، وبلال الحبشي ت ٢٠هـ، ﵃، فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل أي: رسول الله ﷺ فما بال هذا؟ يعني سلمان وصهيب وبلالا، فقام إليه معاذ بن جبل ت ١٨هـ، ﵁، فأخذ تلبيبه أي: قبض على ثيابه من جهة نحره ثم أتى به النبي ﷺ فأخبره بمقالته، فقام النبي ﷺ يجر رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي أن الصلاة جامعة، وقال: "يا أيها الناس، إن الرب واحد والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي" ٢. وجاء عدي بن حاتم الطائي ت ٦٨هـ، ﵁، إلى المدينة وهو لم يسلم بعد، فدخل على الرسول ﷺ وهو في مسجده، فانطلق به ﷺ إلى بيته، وبينما هو كذلك إذ لقيته ﷺ امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقال عدي: فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك٣، وكان لهذا الموقف النبوي الإنساني العظيم أثر واضح في إسلام عدي لاحقا. ولما فتح رسول الله ﷺ مكة بعد إحدى وعشرين سنة من دعوته، ووقف موقف المنتصر ممن حاربوه وأخرجوه وكذبوه، لم يذكر يومئذ إلا دعوته ومبادئها التي كان ينادي بها يوم كان مستخفيا في دروب مكة، ثم يوم كان حاكما في المدينة يضع

стр. 25

الأساس في بناء الحضارة الخالدة في التاريخ، يومئذ أعلن تطبيق المبادئ التي طالما نادى بها من قبل، قبل أن ينتصر انتصاره النهائي، فقال وهو على باب مكة، وقريش ذات الكبرياء والفوارق الاجتماعية الظالمة تسمع ما يقول: "يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خلق من تراب" ١، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢. وإن المتفحص لهذين المبدأين: ١- تسامح المسلمين مع غيرهم. ٢- المساواة فيما بين المسلمين. يجد أن لهما أثرا عظيما في: أولا: إقبال أهل تلك البلاد المفتوحة على الإسلام واعتناقه بقناعة تامة. ثانيا: اهتمام أهل تلك البلاد بتعلم اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، والوسيلة الأهم لفهمه وفهم السنة المطهرة، وقد نبغ من هؤلاء الأعاجم علماء في كل الفنون من تفسير وفقه وحديث، بل وجد من العلماء المسلمين غير العرب من فاق العرب في علوم اللغة العربية ذاتها، ومن أشهرهم سيبويه ت ١٨٠هـ، الفارسي الأصل.

стр. 26

المبحث الثالث: عصر التدوين ومشاركة أبناء البلاد المفتوحة فيه بِهمّة إلى جانب العرب الخلص يقسم العلماء تاريخ التشريع والفقه الإسلامي إلى أدوار، وهناك عدة تقسيمات، ومن أشهرها ذلك التقسيم الذي يعتبر أن هذا الأدوار ستة هي: ١- الدور الفقهي الأول: عهد التشريع، من السنة الأولى للبعثة إلى وفاة الرسول ﷺ سنة ١١هـ، ومدته ٢٣عاما. ٢- الدور الفقهي الثاني: عصر الخلفاء الراشدين، ١١-٤٠هـ، ومدته ٣٠ عاما. ٣- الدور الفقهي الثالث: الفقه في عهد صغار الصحابة وكبار التابعين إلى أوائل القرن الثاني الهجري، من ٤١هـ- ١٠٠هـ، ومدته ٦٠عاما. ٤- الدور الفقهي الرابع: الفقه من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع، من ١٠١هـ- ٣٥٠هـ، وهذا الدور يعرف بعصر التدوين، ومدته تقريبا: ٢٥٠عاما. ٥- الدور الفقهي الخامس: الفقه من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد، من ٣٥٠هـ- ٦٥٦هـ، ومدته تقريبا: ٣٠٦أعوام. ٦- الدور الفقهي السادس: من سقوط بغداد إلى الوقت الحاضر، من ٦٥٦هـ- الآن، ومدته تقريبا: ٧٦٧عاما. ولكل دور منها ميزاته الخاصة، لكن الذي يهمنا الحديث عنه هنا هو الدور الفقهي الرابع وهو ما يعرف بعصر التدوين. عصر التدوين: يبدأ هذا الدور من أوائل القرن الثاني الهجري ويمتد إلى منتصف القرن الرابع وقد نما الفقه في هذا الدور نموا عظيما وازدهر ازدهارا عجيبا

стр. 27

ونضج نضوجا كاملا وآتى ثمارا طيبة للناس، وزود الدولة الإسلامية بالأحكام القانونية لتنظيم مختلف أمورها وشئونها قرونا عديدة فسعد الناس بتلك الأحكام ما شاء الله لهم أن يسعدوا. وفي هذا الدور ظهر نوابغ الفقهاء، فالمجتهدون العظام ظهروا في هذا الدور وأسسوا مذاهبهم الفقهية التي لا يزال أكثرهم قائما حتى الآن، وكل مذاهب مدرسة فقهية ترينا نمط التفكير الفقهي الدقيق لأصحابها ومناهجهم في فهم الشريعة واستنباط الأحكام من نصوصها وقواعدها، ولهذا فنحن نرى في تلك المدارس الخير الكثير، وكما ظهر مجتهدون فقهاء، ظهر أيضا علماء نوابغ في علم الحديث الشريف وفنونه ومصطلحاته وما يتعلق به. وفي هذا الدور أيضا دُوِّن الفقه وضبطت قواعده وجمعت أشتاته وألفت الكتب في مسائلة وصار بناؤه شامخا وعلمه متميزا عن غيره قائما بنفسه، وكما دون الفقه دونت السنة أيضا تدوينا شاملا مع بيان الصحيح منها والضعيف. ولهذه الظواهر كلها، سمي هذا الدور بأسماء مختلفة تنبئ عن مميزات هذا الدور وتكشف عن حالة الفقه، فسمي بعصر الفقه الذهبي، أو بعصر ازدهار الفقه، أو بعصر التدوين أو بعصر المجتهدين ونحو ذلك من التسميات، وفيما يلي عن بعض مظاهر هذا الدور: ١- ازدهار الفقه، وأسبابه: لقد نما الفقه في هذا الدور وازدهر وكثرت مسائله على نحو لم يعهد مثله من قبل وهذه الظاهرة ترجع إلى أسباب كثيرة، منها: أولا: عناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء: وتظهر هذه العناية بتقريبهم الفقهاء، والرجوع إلى آرائهم، فالرشيد ت ١٣٩هـ، الخليفة المشهور، يطلب من أبي يوسف ت ١٨٣هـ، صاحب أبي حنيفة ت ١٥٠هـ، وضع قانون

стр. 28

إسلامي للأمور المالية تسير عليه الدولة، فيستجيب أبو يوسف لهذا الطلب ويلبي رغبة الخليفة ويضع له كتابه الشهير الخراج. والمنصور ت ١٥٨هـ، يحاول أن يجعل موطأ مالك قانونا للدولة يسير عليه القضاة والمفتون، فيأبى مالك ت ١٧٩هـ. ويكرر الطلب هارون الرشيد فيأبى مالك ويقول له: إن فقهاء الصحابة تفرقوا في الأمصار وكل عنده علم وفقه وكل على حق، ولا ضرر في اختلافهم. والمأمون ت ٢١٨هـ، يقرب الفقهاء ويسمع مناقشاتهم الفقهية في مجلسه ويشترك في بعضها مؤيدا أو معارضا أو مستفسرا وإن كان قد اشتط كثيرا وارتكب خطأ جسيما في إكراهه الفقهاء على القول بخلق القرآن. وقد نتج عن عناية الخلفاء بالفقهاء وتوفير الحرية اللازمة لهم للبحث العلمي أن نشط الفقهاء ومضوا في إنتاجهم الفقهي وبحثهم العلمي فاجتهد كل فقيه كما أحب وأظهر مما أدى إليه اجتهاده في مسائل الفقه. ثانيا: اتساع البلاد الإسلامية: فقد كانت من أسبانيا إلى الصين وفي هذه البلاد الواسعة عادات وتقاليد مختلفة متباينة، تجب مراعاتها ما دامت لا تخالف نصوص الشريعة، فاختلفت الاجتهادات بناء على اختلاف العادات والتقاليد، يضاف إلى ذلك أن المسلمين كانوا جد حريصين على معرفة حكم الشرع في جميع معاملاتهم وتصرفاتهم وهي كثيرة ومتنوعة، وكانوا يفزعون إلى الفقهاء ويستفتونهم ويسألونهم، وكان الفقهاء يجيبونهم مستبشرين، ويستنبطون الأحكام لمسائلهم، وفي هذا وذاك نمو للفقه واتساع لدائرته. ثالثا: ظهور المجتهدين الكبار ذوي الملكات الفقهية الراسخة: فعملوا على تنمية الفقه وسد حاجات الدولة من التنظيمات والقوانين، وأنشئوا المدارس الفقهية التي ضمت نوابغ الفقهاء.

стр. 29

رابعا: تدوين السنة: فقد دونت السنة وعرف صحيحها وضعيفها، فكان في ذلك تسهيل لعمل الفقهاء وتوفير الجهد عليهم، فقد وجدوا السنة بين أيديهم يصلون إليها دون كبير عناء، والسنة هي مادة الفقه ومصدره الثاني. وقد وجد بجانب المحدثين الذين اشتغلوا بجمع الأحاديث، فريق آخر من العلماء يعنى بنقد رواة الحديث والبحث عن أحوالهم وهؤلاء هم علماء الجرح والتعديل، وقد قاموا بتأسيس قواعد هذا العلم العظيم خدمه للسنة وكشفا عن أكاذيب الوضاعين صيانة لشريعة الله من التحريف والتبديل١. ٢- ظهور المذاهب الإسلامية: وفي هذه الدور ظهرت المذاهب الإسلامية وتميزت معالمها ووضحت اتجاهاتها وصار لكل مذهب أتباع كثيرون ينشرون آراءه وينهجون نهجه، وقد ألفت الكتب الفقهية في كل مذهب وكانت هذه الكتب الأساس لما بعدها من كتب الفقه كما أن الفقهاء من مختلف المذاهب أحسوا بالحاجة إلى ضبط أصول الاستنباط وقواعد استخراج الأحكام، فأسسوا قواعد علم أصول الفقه، فوضع الشافعي رسالته الأصولية المشهورة ثم تبعه الإمام أحمد بن حنبل بالكتابة في هذا العلم، ثم تتابع العلماء من بعدهما بالكتابة والتنظيم والزيادة في هذا العلم الجليل، علم أصول الفقه، ولا شك أن تدوين هذا العلم يساعد الفقهاء في عملهم ويبين مآخذ المذاهب الإسلامية المختلفة وأسباب اختلافها٢.

стр. 30

مشاركة أبناء البلاد المفتوحة في عصر التدوين بِهمّة إلى جانب العرب الخلص: تبين مما سبق أن الحركة العلمية في عصر التدوين نمت نموا عظيما وكان من أهم عوامل هذا النمو المسلمون من غير العرب، يقول الخضري في كتابه تاريخ التشريع: دخل في الإسلام عدد عظيم من الفرس والروم والمصريين منهم من أسروا صغارا وتربوا تحت كنف ساداتهم من المسلمين فورثوا عنهم ما عندهم من العلوم الإسلامية التي أساسها الكتاب والسنة، فحملوا منهم شيئا كثيرا وكان منهم القراء الكبار والمحدثون العظام بجانب إخوانهم من العنصر العربي، ومنهم من دانوا بالإسلام وهم كبار، وهذا من شأنه تلاقح الأفكار وإنضاج العقول١. ومن القصص الطريفة التي تؤكد المعنى السابق، ما جاء في العقد الفريد: أن ابن ليلى ت ١٤٨هـ، قال: قال عيسى بن موسى -وكان ديانا شديد العصبية-: من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين، قال: فما هما؟ قلت: موليان، قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالٍ، قال: فمن فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافع بن أبي نجيح، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالٍ، فتغير لونه ثم قال: فمن أفقه أهل قباء قلت: ربيعة الرأي، وابن أبي الزناد، قال: فما كانا؟ قلت: من الموالي، فاربدَّ وجهه، ثم قال: فمن فقيه اليمن؟ قلت: طاوس، وابنه، وابن منبه، قال: فمن هؤلاء؟ قلت: من الموالي، فانتفخت أوداجه وانتصب قاعدا، ثم قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن

стр. 31

عبد الله الخراساني، قال فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولى، فازداد تربدا واسود اسودادا حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول، فمن كان مكحول هذا؟ قلت: مولى، فتنفس الصعداء ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ فوالله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عيينة، وحماد بن أبي سليمان، ولكني رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم النخعي، والشعبي، قال: فما كانا؟ قلت: عربيان، فقال: الله أكبر، وسكن جأشة١. ولو استعرضنا الإنتاج العلمي في أي فن من الفنون العلمية لوجدنا أن أسماء العلماء المسلمين عربا وغير عرب تسير جنبا إلى جنب.

стр. 32

المبحث الرابع: ثراء المكتبة الإسلامية في جميع فروع التراث أهمية المكتبات في الإسلام وأنواعها: إن الناظر في تاريخ المكتبة الإسلامية يعجب من ارتفاع شأنها وثراء موجوداتها، وسمو مكانتها وأهميتها عند كافة شرائح الأمة، خاصة العلماء والحكام، مما جعل المكتبات تنتشر في العالم الإسلامي بكافة أنواعها، ونستعرض فيما يلي هذه الأنواع التي سادت في العصور الإسلامية. ١- المكتبات العامة أو مكتبات المساجد: يجمع الباحثون على أن المساجدلم تكن مكانا للعبادة فحسب، بل كانت مركزا للحياة الاجتماعية والسياسية ومركزا لإدارة الأمة أو الدولة وتسيير أمورها، كما كانت محط أنظار المسلمين، ومعقد حلقات العلم، واجتماع العلماء وتعليم أبناء المسلمين العلوم المختلفة من القرآن الكريم والتفسير والقراءة والتجويد والحديث وأصول العربية وغير ذلك، وقد كتبت الدراسات التي في مجال تاريخ التربية في الإسلام حول دور المسجد وتاريخه، ويكفي أن نشير إلى أن أول مكتبة هي بيت الرسول ﷺ حيث كانت مكتبة لجميع ما يدونه كتاب الوحي من التنزيل الكيم ثم نقلت الصحف من بيت الرسول ﷺ ومن الصحابة إلى بيت أبي بكر، وبعد أن جمعت في مصحف في عهد الصديق على يد زيد بن ثابت أحد كبار كتاب الوحي وحفاظه، ثم حفظت هذه الصحف عند عمر بن الخطاب أيام خلافته، وبقيت عند حفصة إلى أن استعارها عثمان بن عفان منها، ونسخ عنها المصاحف وأرسلها إلى الأقطار الإسلامية. فالمساجد إذن تعتبر مكتبات عامة، والمكتبات في الإسلام نشأت مع نشأة المساجد، أما كيف كان شكل هذه المكتبات ونظامها ومجموعاتها، فقد يحتاج الأمر إلى

стр. 33

دراسات خاصة تتعلق بهذا الموضوع فتتناوله من زواياه المتعددة وتحصره لتقدم للمسلين ذخيرة علمية يعرفون منها فكر المسملين الأوائل ومساهمتهم في عمليات الاتصال الحضاري في الوقت الذي كانت فيه أروربا ترزح في ظلمات الجهل. ٢- المكتبات الخاصة بالصحابة والخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء: مما سبق يتضح لنا أن المساجد كانت تشتمل على مكتبات عامة يلجأ إليها جميع المسلمين، ولكن رغم سهولة التردد على هذه المكتبات وشمولها وحسن تنظيمها، لم يمنع كل ذلك من وجود مكتبات للصحابة والخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء. هذا النوع من المكتبات كان يمثل اتجاها فرديا بحيث بمكننا أن نسميه المكتبات الخاصة، فبيوت الصحابة والتابعين كانت تشتمل على كتب مثل القرآن الكريم وحديث الرسول ﷺ فأبو هريرة ﵁ ت ٥٨هـ، كانت عنده كتب كثيرة، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص ت ٦٥هـ يحفظ كتبه وصحفه في صندوق له حلق، وقد كان عند سعد بن عبادة الأنصاري ت ١٥هـ، كتب فيها طائفة من أحاديث الرسول ﷺ وبالتالي فإننا نجد أن الصحابة ﵃ يعملون على جمع الكتب وحفظها ودراستها وإعارتها وتيسيرها لكل من يطلبها. ومع مرور الزمن كان الخلفاء والأمراء وبعض الوزراء يلحقون بقصورهم وبيوتهم مكتبات صخمة، فقد كان للفتح بن خاقان ت ٢٤٧هـ، وزير المتوكل الخليفة العباسي، مكتبة جامعة، وللمبشر بن فاتك ت٤٨٠هـ، أحد أعيان أمراء مصر وعلمائها، مكتبة قيمة في العلوم الرياضية والحكمية وغيرها، وكان للخليفة الناصر لدين الله ت ٦٢٢هـ، مكتبة كبيرة جدًا، كما كان للخليفة المعتصم بالله ت ٦٥٦هـ، مكتبة ضخمة في داره، فيها نفائس الكتب في مختلف العلوم.

стр. 34

٣- المكتبات القومية في الإسلام: قال القلقشندي ت ٨٢١هـ، في الجزء الأول من موسوعته صبح الأعشى في صناعة الإنشا: إنه كان للخلفاء والملوك في القديم بها -بخزائن الكتب- مزيد اهتمام، وكمال اعتناء، حتى حصلوا منها على العدد الجم، وحصلوا على الخزائن الجليلة، ويقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث، وذكر خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد وهي دار الحكمة أو بيت الحكمة، وخزانة الفاطميين بمصر: دار العلم، وخزانة بني أمية بالأندلس: مكتبة قرطبة١. والمكتبات القومية أو الوطنية تقوم عادة بالحصول على جميع ما يصدر في الدولة من مصادر وتنظمها وتحفظها وتقدمها للمستفيدين. وفيما يلي فكرة موجزة عن هذه المكتبات الثلاث: أ- دار الحكمة أو بيت الحكمة: أول من أسس هذه الدار الجامعة لمختلف المؤلفات هارون الرشيد ت ١٩٣هـ، ثم زودها ابنه المأمون من بعده بالمؤلفات الكثيرة والدواوين الضخمة، وظلت هذه الخزانة حتى استولى المغول على بغداد سنة ٦٥٦هـ. ب- دار العلم: وهي خزانة العبيديين بمصر، ألحقها الحاكم العبيدي ت ٤١١هـ، صاحب مصر بدار الحكمة، التي أنشأها على غرار جامعات بغداد وقرطبة، وقد جمع في دار العلم كتب كثيرة، وأقام فيها المسئولين وخصص لهم الجرايات وزودها بما يحتاج إليه القراء والنساخ من الحبر والمحابر والأقلام والورق، وانقرضت هذه الخزانة بموت العاضد آخر خلفاء الفاطميين سنة ٥٦٧هـ.

стр. 35

ج- مكتبة قرطبة: أنشأها الأمويون ورعاها الخلفاء، وبلغت أوج ازدهارها في عهد المستنصر ت ٣٦٦هـ، الذي كان له وكلاء في البلاد الإسلامية الكثيرة، يزودونه بكل ما ينتجه العلماء المسلمون من مؤلفات. ٤- المكتبات الأكاديمية: اهتم العلماء بالمكتبات وكونوا مكتبات تشبه المكتبات الأكاديمية في هذا الزمان وحرصوا أن تكون في خدمة طلاب العلم والباحثين، ومن هذه الخزانات أو المكتبات الأكاديمية: أ- مكتبة ابن سوار ت ٤٩٦هـ، بالبصرة: أسسها أبو علي بن سوار الكاتب، أحد رجال عضد الدولة البويهي، وكان فيها شيخ يدرس عليه مذهب الاعتزال. ب- مكتبة سابور: أنشأ هذه الخزانة سابور بن أردشير ت ٤١٦هـ، بالكرخ وسماها: دار العلم، وزادت كتبها على عشرة آلاف كتاب في مختلف العلوم، وكانت مركزا ثقافيا مهمًا يلتقي فيه العلماء والباحثون للقراء والمطالعة والمناظرة، وكان أبو العلاء المعري ت ٤٤٩هـ، يكثر التردد إليها عندما كان في بغداد. ج- مكتبة الوقف أو خزانة الوقف بمسجد الزيدي ببغداد: أنشأها أبو الحسن علي بن أحمد الزيدي ت ٥٧٥هـ. ٥- خزانات المدارس أو المكتبات المدرسية: كان يلحق بالمدارس خزانات أو مكتبات كبيرة تتبعها، وذلك كالمدرسة النظامية، والمدرسة المستنصرية، ومكتبات مدارس دمشق، ومكتبة المدرسة الفاضلية بالقاهرة١.

стр. 36

ثراء المكتبة الإسلامية في جميع فروع التراث: إن الحديث السابق حول أهمية المكتبة في الإسلام وانتشارها بكافة أنواعها، يقودنا بالضرورة للحديث عما تحويه هذه المكتبة من حيث تنوعها وثراؤها في كافة فروع المعرفة. والحديث في هذا المجال، يطول وليس هنا موطن التفصيل فيه، لكن لابد على أية حال من إلقاء نظرة عامة لبيان حجم هذا التنوع ومداه، وهنا نترك الحديث لأحد المشتغلين برصد وفهرسة تراث المكتبة الإسلامية، ألا وهو الدكتور فؤاد سزكين، حيث يبين محتويات كتابه المشهور: تاريخ التراث العربي، قائلا: المجلد الأول: يحتوي على علوم القرآن والحديث والتاريخ والفقه والعقائد والتوحيد والتصوف وذلك منذ نشأة هذه العلوم إلى سنة ٤٣٠هـ. المجلد الثاني: يحتوي على الشعر. المجلد الثالث: يحتوي على الطب والبيطرة وعلم الحيوان. المجلد الرابع: يحتوي على الكيمياء والنبات والزراعة. المجلد الخامس: يحتوي على الرياضيات. المجلد السادس: يحتوي على علم الفلك وأحكام النجوم والآثار العلوية. المجلد السابع: يحتوي على علم اللغة والنحو والبلاغة. المجلد الثامن: ويحتوي على علم الفلسفة والمنطق وعلم النفس والأخلاق والسياسة الاجتماع. المجلد التاسع: يحتوي على الجغرافية والجيولوجيا والموسيقى. المجلد العاشر: وهو المدخل إلى العلوم الإسلامية، ويتضمن نشأة العلوم الإسلامية وتطورها، وأمانة النقل عند العلماء المسلمين، والمقارنة بينهم وبين الإغريق واللاتين في صفات الأمانة والدقة والاحتياط وأثر العلماء المسلمين في أوروبا سائر النواحي.

стр. 37

ويلي المجلدات العشرة الفهرس العام، وإذا فسح الله في الأجل فسوف أكتب -إن شاء الله- العلوم كلها في الدورة الثانية من سنة ٤٣٠هـ إلى القرن الحادي عشر الهجري١، وبالنظر في هذه العبارة التي يصف من خلالها فؤاد سزكين مشروع كتابه يظهر هذا التنوع الكبيرة والكم الهائل لتراث المكتبة الإسلامية، فمن علوم القرآن والحديث والفقه والتاريخ والعقائد إلى علم الطب وعلم البيطرة وعلوم الحيوان فالكيمياء والنبات والزراعة والرياضيات والفلك واللغة والنحو والبلاغة والفلسفة وعلم النفس والمنطق والأخلاق والسياسة وعلم الاجتماع إلى آخر ما هنالك من علوم، يصعب حصر ما سطره علماء المسلمين فيها من كتب، مما يشعر المتابع بحجم هذا الثراء للمكتبة الإسلامية في كافة فروع التراث.

стр. 38

الباب الأول: مدونات المصادر الإسلامية الفصل الأول: علم الببليوجرافيا واهتمام المسلمين به ... الباب الأول: مدونات المصادر الإسلامية وفيه فصلان: - الفصل الأول: أهمية علم الببليوجرافيا واهتمام المسلمين به. - الفصل الثاني: مدونات المصادر الإسلامية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: مصادر اعتمدت العلوم كقاعدة للتصنيف: - إحصاء العلوم للفارابي. - الفهرست لابن النديم. - مفتاح السعادة لطاش كبرى زادة. - تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان. - تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين. المبحث الثاني: مصادر اعتمدت أسماء المؤلفين قاعدة للتصنيف: - هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي. - معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة. المبحث الثالث: مصادر اعتمدت أسماء الكتب قاعدة في التصنيف: - كشف الظنون لحاجي خليفة. - إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي. المبحث الرابع: المصادر العامة في الترجمة للأعلام: - سير أعلام النبلاء للذهبي. - الأعلام للزركلي.

стр. 39

الفصل الأول: علم الببليوجرافيا واهتمام المسلمين به يهدف هذا المبحث إلى إبراز دور علماء المسملين في مجال السيطرة الببليوجرافية على الإنتاج الفكري، وكان هذا من أهم الأسباب التي ساعدت على التعرف على الإنتاج الفكري لعلماء المسملين كما كان أساسا من أسس مساهمة علماء المسلمين في المكتبات والتوثيق في العصر الإسلامي. وحتى يمكمننا دراسة هذا الموضوع، لابد من توضيح معنى كلمة ببليوجرافيا، وكذلك عرض النشاط الببليوجرافي الإسلامي لعلماء المسملين. مفهوم مصطلح الببليوجرافيا وأنواعها: كلمة ببليوجرافيا: Bibliography إنجليزية، لكن أصلها يوناني: ومعناها في لغتها اليونانية القديمة يدل على نسخ الكتب، لكنها أصبحت تعني بعد القرن السابع عشر التأليف عن الكتب، وقد انتقلت الكلمة إلى اللاتينية، ومنها اللغات الأوروبية الحديثة، ثم إلى أكثر لغات العالم فيما بعد١. وكانت اللغة العربية واحدة من أحداث اللغات التي استعارت هذه الكلمة، ويقسم علماء المكتبات في الوقت الحاضر الببيليوجرافيا من حيث أنواعها إلى ما يلي٢: ١- الببليوجرافيا التحليلية (Analysis Bibliography) وهي التي تهتم بالوصف المادي للكتاب من حيث ورقه وطباعته ونوع حروفه وعدد ملازمه وعلامات الطابعين وغير ذلك.

стр. 40

٢- والنوع الثاني هو الببليوجرافيا النسقية أو المنهجية: Systematic Bibliography وهو ذلك النوع الذي يحصي الإنتاج الفكري في موضوع ما. ويرى فريق من علماء المكتبات أن مصطلح Documentation ويعني: التوثيق، استطاع في الفترة الأخيرة أن ينافس كلمة ببليوجرافيا فيما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد غير المعهد الدولي للببليوجرفيا -والذي أنشئ عام ١٨٩٢- اسمه ليصبح الاتحاد الدولي للتوثيق عام ١٩٣٦. ومع ذلك فإن مصطلح ببليوجرافيا ما زال مستخدما في مناهجنا ومدارس المكتبات، وأصبح حين يطلق ينصب عادة على القوائم الببليوجرافية. النشاط الببليوجرافي لعلماء المسملين: بعد هذا التوضيح فإنه ينبغي الإشارة إلى أن أساس علم الببليوجرافيا موجود عند علماء المسملين ويتمثل حقيقة في ذلك النشاط الفكري الذي كانوا يمارسونه حتى إذا ما وصلنا إلى القرنين الثالث والرابع، نلاحظ ازدهار حركة التأليف والترجمة. والسبب في انتشار التاليف والترجمة في العصور الإسلامية ظهور طبقة جديدة تمارس صناعة الوراقة، وهي كما يعرفها ابن خلدون: عملية الانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتابية والدواوين١. ومما شجع على ظهور الببليوجرافيات أو القوائم الببليوجرافية انتشار المكتبات في الإسلام بكافة أنواعها: مكتبات المساجد والمدارس، والمكتبات الخاصة للأمراء والعلماء، والمكتبات العامة مثل: بيت الحكمة في بغداد والقاهرة، ودمشق وقرطبة.
следующие страницы →