← Акыда

Акыда · id 8565

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (705 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودّة". ــ قال ﵀: "وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودة""هذه نهاية من عبد غير الله يوم القيامة، فعبدة غير الله في الدنيا يحبون ما عبدوه كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ، وكذلك التابعون في الدنيا يحبون المتبوعين على الضلالة، فتوجد المحبة بين الكفار بعضهم مع بعض، وبين المشركين ومعبوداتهم في الدنيا، لكن يوم القيامة تنعكس الأمور، وتصير هذه المحبة عدواة كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فلا يبقى إلاَّ المحبة التي كانت في الله والله هي التي تبقى يوم القيامة: ﴿إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ، ويقول إبراهيم ﵊ للمشركين يحذِّرهم: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ فهم يوم القيامة يتلاعنون ويتباغضون، لأنهم يقولون لمن أضلوهم أنتم السبب في إضلالنا وإغوائنا وصرفنا عن دين الله. أما محبة المؤمنين بعضهم لبعض من أجل الإيمان والموالاة في الله والمعاداة في الله فإنها تبقى، بل تزيد يوم القيامة، وتستمرُّ إلى أبد الآباد ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) ﴾ . فدلّت هذه الآية على أن المحبة التي لغير الله أنها تزول يوم القيامة، وتنقلب عداوة، وأن محبة التابعين على الضلال لأتباعهم وقادتهم ورؤسائهم تنقلب عداوة يوم القيامة فيما بينهم ويتلاعنون ويتلاومون فيما بينهم، من باب التحسُّر- والعياذ بالله- والتألُّم. فهذا الباب بابٌ عظيم، يجب على المسلم أن يَزِن نفسه به، ولهذا يسمى بباب الامتحان، فكلٍّ يَدّعي الإيمان، وكلٌّ يَدّعي الإسلام، وكلٌّ يدّعي الزهد والورع ولكن الميزان ما ذكر في هذا الباب.

стр. 422

[الباب الثاني والثلاثون:] * باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ . ــ هذا الباب عقده الشيخ ﵀ في موضوع الخوف. والخوف من الله هو أحد ركائز العبادة، كما سبق أن المحبة والخوف والرجاء أعظم أنواع العبادة، وهي أعمال قلبية، فلما ذكر المحبة في الباب السابق ذكر في هذا الباب الخوف؛ ليدلّ على أن المحبة لا تكفي وحدها، لأن التعبُّد بالمحبة وحدها منهج الصوفية الضُلاّل، أما منهج الرسل وأتباعهم فإنه ينبني على المحبة والخوف والرجاء، محبة الله سبحانه مع خوفه ورجائه وغير ذلك من أعمال القلوب كالتوكُّل والرغبة والرهبة والخشية كل هذه من أعمال القلوب، وهي عباداتٌ عظيمة. والخوف ثلاثة أنواع: النوع الأول: خوف السر وهو الخوف الذي يكون معه عبادة لغير الله أو ترك لما أوجب الله. ومعناه: أن يخاف الإنسان من غير الله من الأصنام والأوثان وما عُبد من دون الله، من القبور والأضرحة، أو يخاف الشياطين والجن، ويتقرّب إليهم بما يحبون من الشرك بالله من أجل أن يسلَم من شرهم، فهذا شركٌ أكبر يُخرج من الملّة، والله ذكر عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ ، ثمّ قال بعد ذلك: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ كأنهم توعّدوه بآلهتهم ومعبوداتهم أن تصيبه. فهذا ردٌّ عليهم، كيف لا تخافون من الله وأنتم تهدِّدونني بأن أخاف من معبوداتكم التي لا تُغني عني شيئاً، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هل هو أنا الذي أعبد الله وحده لا شريك له، أو أنتم الذين أشركتم؟. ثمّ ذكر الله الحكم في ذلك فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) ﴾ والظلم معناه هنا: الشرك، فبيّن أنّ الأمن إنما يحصل لأهل التّوحيد، وأما المشركون فليس لهم أمن، وليس لهم إلاَّ العذاب، هذا حكم من الله .

стр. 423

وكما ذكر الله عن نبيه هود أنّ قومه قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ، يخوِّفون هوداً لَمّا دعا إلى التّوحيد وترك عبادة الأصنام يخوِّفونه بالأصنام أن تُصيبه ويهدِّدونه بها. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) ﴾ وهذا تحدِّ من فردٍ واحد يتحدّى أمة كاملة، وهذا من المعجزات. ثمّ قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) ﴾ أعلن البراءة منها، وتحدّاها وتحدّى جميع الأمة التي تعبدها أن تكيده، وأن تصل إليه بسوء فلا يستطيعون، ثمّ علّل ذلك بقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ . وكذلك المشركون قالوا لنبينا محمد ﷺ ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ، فالمشركون يخوِّفون الرسول ﷺ ، بمعبوداتهم من دون الله فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ . فهذا النوع من الخوف يسمّى: خوف السر، وهو خوف العبادة، بأن يخاف من المعبودات التي تُعبد من دون الله ، فالمؤمن لا يخاف هذه المعبودات أبداً، لا يخاف من الأصنام، لا يخاف من القبور والأضرحة التي تُعبد من دون الله، لا يخاف من الشياطين والجن أن تصيبه إلاَّ بإذن الله ، وكذلك الخوف من كل مخلوق أن يصيبه بما لا يقدر عليه إلاَّ الله من الإصابة بالمرض، أو قطع الرزق، أو غير ذلك، وهذا أحد أنواع الشرك الأكبر. والآن عُباد القبور يهددون النّاس بهذه الأضرحة، ويقولون: الولي الفلاني يصيب من لم يخضع له ويعبده، يصيبه في نفسه أو في ولده، ثمّ الجهال ينخدعون بهذا التخويف، ويتقرّبون إلى هذه القبور وهذه الأضرحة بما يُطلب منهم، وغرض عُبّاد القبور والسَّدَنة: أكل أموال النّاس بالباطل، يهدِّدون النّاس إذا لم ينذروا لهذه القبور ولم يقرِّبوا لها شيئاً من الأموال، فأنها تصيبهم، أو تصيب زروعهم، أو تُصيب حروثهم، أو أولادهم، ثمّ الجهال يتقرّبون إلى هذه الأضرحة بأموالهم، ثمّ يأخذها هؤلاء السدنة وهؤلاء القائمون على هذه الأوثان ويقتسمون هذه الأموال،

стр. 424

فالشر باقٍ من قديم الزمان إلى آخر الزمان، وطريقة المشركين واحدة. وأما أهل الإيمان فإنهم لا يخافون إلاَّ الله تعالى، لأنه هو الذي يملك النفع والضر، وهو الذي بيده الأمور، وأنه لا يصيب المؤمن إلاَّ ما قدّره الله له ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) ﴾ . النوع الثاني من أنواع الخوف المذموم: أن يترك الإنسان ما أوجب الله عليه من الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من النّاس أن يؤذوه أو يضايقوه أو يعذِّبوه فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وبيان الحق خوفاً من النّاس، فهذا شركٌ أصغر، وهو محرّمٌ، وقد جاء في الحديث: "أن الله يحاسب العبد يوم القيامة: لِمَ لَمْ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟. فيقول: يا رب خشيتُ النّاس، فيقول: إيّايَ أحقُّ أن تخشى". ونعنى بذلك: القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقادر على الدعوة إلى الله، أما الذي لا يقدر -أو ليس عنده استطاعة- فهذا معذور. النوع الثالث: الخوف الطبيعي، الذي ليس معه عبادة للمخوف ولا ترك لواجب. كأن يخاف الإنسان من العدو، أو من السَّبُع، أو من الحيَّة، ويخاف الإنسان من أعدائه، أو يخاف من السّباع، أو يخاف من الهوام، فهذا الخوف خوفٌ طبيعي لا يُلام عليه الإنسان لأنه ليس عبادة وليس تركاً لواجب، ولا يُؤاخذ عليه الإنسان. وموسى ﵇ لَمّا تآمر عليه الملأ ليقتلوه وأُنذر أن يخرج من البلد ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) ﴾ . ثمّ أورد الشيخ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ وهذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ وذلك أن الرسول ﷺ وأصحابه لَمّا حصلَتْ وقعة أحد، وحصل على المسلمين ما حصل من الابتلاء والامتحان،

стр. 425

واستشهد من المسلمين من استُشْهد وانصرف المشركون إلى مكة أرادوا أن يُرعبوا المسلمين، فأرسلوا إليهم يهدِّدونهم ويقولون: إننا سنرجع إليكم، فنقضي على بقيّتكم، فلما بلغ الخبر رسول الله ﷺ والمسلمين قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ لم يؤثِّر عليهم هذا التهديد، وأمر ﷺ أصحابه أن يخرجوا وفيهم الجراح، وفيهم التعب بعد المعركة، فنهضوا مسرعين وخرجوا مع الرسول ﷺ ، ونزلوا في مكان يُقال له: (حمراء الأسد) ينتظرون المشركين، فلما علِم المشركون بخروج رسول الله ﷺ وخروج المسلمين أصابهم الرعب، وقالوا: ما خرجوا إلاَّ وفيهم قوة، فهربوا إلى مكة وألقى الله الرعب في قلوبهم لَمّا صدَق المسلمون وصبروا وتوكّلوا على الله، ولم يؤثّر فيهم تهديد هؤلاء: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ رجعوا إلى المدينة سالمين غانمين الأجر والثواب من الله ، ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: ما أصابهم ما يكرهون، بل حصلوا على الأجر والثواب ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ . ثمّ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: الذي حصل من المشركين من التهديد إنما هو من الشيطان. والمراد بالشيطان: إبليس اللعين الذي هو رأس الكفر. ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم بأوليائه من الكفار، فالشيطان هو الذي خطّ هذه الخطة من أجل أن يخوِّفكم بأوليائه، يعني: المشركين، لأن المشركين أولياء الشيطان، كما أن المؤمنين أولياء الرحمن، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) ﴾ . فمعنى قوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم أيها المسلمون بأوليائه من الكفّار. ثمّ قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا تخافوا من الكفّار بل توكلوا على الله، وخافوا من الله، وفي الأثر: "من خاف الله خافه كلُّ شيء، ومن خاف غير الله أخافه من كلُّ شيء". ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ هذا نهيٌ من الله عن خوف أولياء الشيطان، ثمّ أمر بخوفه وحده . ومن خاف الله فإن الله يكفيه ويعينه وينصره خلاف العكس: من خاف غير الله وترك طاعة الله من أجل خوف النّاس فإن الله يسلِّط عليه، فالواجب على المسلمين

стр. 426

وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) ﴾ . ــ الصادقين في إيمانهم: أن لا يخافوا إلاَّ الله ، وأن لا يخافوا من أعدائهم بل يخافون من ربهم ويخافون من ذنوبهم، أما الكفار وغيرهم فإنهم عبيد، نواصيهم بيد الله ، هو الذي يسلِّطهم، وهو الذي يكفُّهم فنحن لا نخاف من الكفار، وإنما نخاف من الله، ونخاف من عواقب الذنوب، فإذا خِفْنا الله وأصلحنا أعمالنا فإنّ أحداً لن يضرّنا إلاَّ بإذن الله . وليس معنى ذلك: أن المسلمين لا يخافون من شر الكفّار ويتركون الأخذ بالأسباب الواقية، بل عليهم أن يستعدوا بالسلاح والقوّة والعُدّة التي يُرهبون بها عدو الله وعدوهم، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ، وأمر الله المسلمين في صلاة الخوف أن يحملوا معهم السلاح وهم في الصلاة، من أجل أن يدافعوا عن أنفسهم: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ، فالحِذْر وإعداد العُدّة للعدو أمرٌ مطلوب، إنما الممنوع: أن نخافهم الخوف الذي يمنعنا من الجهاد في سبيل الله ومن إعداد العدة، ومن الدعوة إلى الله، هذا هو الممنوع. والشاهد من الآية: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ نهى عن خوف الكفّار وأولياء الشيطان خوفاً يمنع من الدعوة والجهاد في سبيل الله، والقيام بواجبات الدين، وأمر بخوفه . فدلّ على أن الخوف عبادةٌ عظيمة، يجب أن تُخلص لله . ثمّ قال الشيخ ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) ﴾ هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ

стр. 427

شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) ﴾ . ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا يسوغ ولا في جوز للمسلمين أن يمكنوا المشركين من دخول المساجد لأجل أن يتعبّدوا فيها العبادة الشركية، ويدعوا غير الله فيها، فلا يجوز للمسلمين أن يمكِّنوا المشركين من إظهار الشرك في المساجد ولا أن يكونوا من عُمّارها والمتردِّدين عليها وهم يُعلنون الشرك بالله تعالى، لأن المساجد إنما بنيت لعبادة الله وإخلاص الدين له كما قال الله في المشركين: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، فالمشرك ليس له حقٌّ في مساجد الله لأن مساجد الله بيوت الله بُنِيَتْ لعبادة الله وحده لا شريك له ولم تُبْنَ لعبادة غيره، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨) ﴾ . وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ﴾ هذا محل الشاهد من الآية للباب، أي: لم يخش من غير الله، لا من المعبودات، ولا من سائر المخلوقات، وإنما الخشية حقٌّ لله لا يجوز أن يُشرك معه فيها غيره، وهي عملٌ قلبي- من العبادات القلبية-. وهذا حصر للخشية لله ، فلا يخشى الإنسان غير الله ، ومن خشيَ غير الله خشية العبادة فقد أشرك بالله. وهذا مثل قوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، فمن شرط الإيمان: إخلاص الخوف من الله، كذلك من شرط الإيمان: إخلاص الخشية من الله . ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾ أي: الذين اتّصفوا بهذه الصفات: الإيمان بالله واليوم الآخر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والخشية من الله وحده، ﴿فَعَسَى﴾ عسى حرف ترجٍّ، ولكنها من الله واجبة، لأنها وعدٌ من الله ، والله لا يخلف وعده، ولهذا يقول العلماء: كلُّ "عسى" من الله فهي واجبة. ﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ المهتدين إلى الحق، أما من لم يتّصف بهذه الصفات فليس من المهتدين، بل هو من الضالِّين.

стр. 428

وقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ الآية. ــ ثمّ قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ هذه الآية في المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويُبطِنون الكفر. فقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ﴾ يقول مجرّد قول ويدّعي، ما ليس له حقيقة. ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ إذا جاء الامتحان، لأن المؤمنين يُمتحنون، ولا يتركون على قول: ﴿آمَنَّا بِاللهِ﴾ ، فيظهر الصادق في إيمانه من الكاذب، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) ﴾ يعني: يُختبرون ويُمتحنون، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) ﴾ ، فإذا قال: (آمنت بالله) فإنه يُمتحن، بأن يصاب بالأذى من الكفار والمنافقين والفُسّاق، فإن صبر وثبت على إيمانه وتحمّل الأذى في سبيل الله ، فهذا دليلٌ على صِدْق إيمانه. أما إنِ انْحرف وذهب مع الفتنة فإنّ هذا دليلٌ على نفاقه. وموقف المنافقين في الشدائد في زمن رسول الله ﷺ معلوم، كموقفهم يوم غزوة الأحزاب ماذا كان. كان كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) ﴾ ، وفي وقعة أحد انصرفوا ورجعوا مع عبد الله بن أُبي وتركوا رسول الله والمسلمين. فالفتن تكشف المنافقين وتبيِّن الصادقين في إيمانهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (٢٢) ﴾ ، فمواقف الفتن والشدائد هي التي تبيّن أهل الإيمان الصادق من النفاق الكاذب، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ﴾ ، فوقت الرخاء كلٌّ يقول: ﴿آمَنَّا بِاللهِ﴾ ، ويتظاهر بالإسلام وبالدين، لكن إذا جاءت الفتن فالمنافق ينعزل، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ يعني: على طَرَف ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .

стр. 429

فالفتن والشدائد والمواقف الصعبة هي التي تبيِّن الإيمان الصادق من النفاق، والله حكيمٌ عليمٌ يُجري هذه الابتلاءات وهذه الامتحانات وهذه الهزّات ليتبيّن أهلُ الإيمان الصادق من أهل النفاق: ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ ، قال ﷺ : "أشد النّاس بلاءً: الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ثمّ الأمثل فالأمثل، يُبتلى المؤمن على حَسَب إيمانه"، وقال ﷺ : "إن الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم" يعني: امتحنهم "فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فعليه السخط". والدنيا دار امتحان، ودار ابتلاء، وهذه سنة الله في خلقه أنه يبتلي العباد بعضهم ببعض، ويبتليهم بالمحن والشدائد والخوف ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ أي: ناله أذى بسبب إيمانه بالله. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: أذاهم. ﴿كَعَذَابِ اللهِ﴾ أي: مساوية لعذاب الله، مع الفرق العظيم، لأن فتنة النّاس زائلة ومنتهية وخفيفة، بخلاف عذاب الله- والعياذ بالله- فإن عذاب الله شديد وباق ومستمر، فهو سوّى بين الأمرين، وهذا من جهله وعدم إيمانه. ومعنى هذا: أنه يُطاوع الكفار، فينسلخ من دينه، لأنه ليس له دين أصلاً وإنما تظاهر به، فإذا جاءت المحن انكشف وتبيّن أنه ليس في قلبه إيمان، أو كان في قلبه إيمان ضعيف، ثمّ زال، ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إذا حصل للمسلمين فرج وحصل لهم خير قال: أنا معكم، أنا مسلم. أما إنْ حصل على المسلمين أذى وامتحان فإنه ينعزل ويصير مع الكفار ويطاوع الكفار. هذه مواقف المنافقين وضِعاف الإيمان عند الشدائد والمحن. والشاهد من الآية: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ أي: أنه يخشى النّاس ولا يخشى الله ، فهذا هو موضع اللوم.

стр. 430

عن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: "إنّ من ضعف اليقين: أن ترضي النّاس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمُّهم على ما لم يؤتك الله. ــ قال: "عن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً" يعني: إلى النبي ﷺ ، فالحديث المرفوع: ما نُسب إلى الرسول ﷺ ، والحديث الموقوف: ما كان من كلام الصحابي، والحديث المرسل: ما نسبه التابعي إلى رسول الله ﷺ . "إنّ من ضعف" بفتح الضاد ويجوز الضم: والضَعف ضدّ القوة. "اليقين" واليقين هو أعلى درجات العلم. "أن ترضي النّاس بسخط الله" هذا من ضعف اليقين، وهذا مثل ما ذكر في الآية: ﴿جعل فتنة النّاس كعذاب الله﴾ ، فمن أرضى النّاس بما يُسخط الله إذا طلبوا منه ذلك إرضاءً للناس بما يُسخط الله من المخالفات والمعاصي، فهذا من ضعف اليقين، لأنه لو كان يقينه قويًّا لكان العكس، فكان يُرضي الله بسخط النّاس. أما إذا جاء العكس فأرضى النّاس بسخط الله، فهذا من ضعْف اليقين. "وأن تَحْمَدَهم على رزق الله" أي: ومن ضعف اليقين: أن تَحْمَدَ النّاس على رزق الله، إذا جاءك رزق وجاءك خير تنسب هذا إلى النّاس وتحمدهم عليه، مع أن الرزق من الله ، فالواجب: أن تحمد الله لا أن تحمد النّاس، إنما تحمد الله لأنه هو الرزّاق، وإذا كان لأحدٍ من النّاس تسبُّب في هذا الرزق، فإنّ هذا المتسبِّب يُشكر على قدْر ما فعل، لا أن يُنسب الرزق إليه، وإنما يُشكر على قدر سعيه وعلى ما بذل من السبب فقط، مع الاعتراف أن الرزق من الله، وتعتقد أن هذا الشخص إنما هو سبب فقط، وفي الحديث: "من لا يشكر النّاس لا يشكر الله"، وفي الآخر: "من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تُرَوْا أن قد كافأتموه"، فالنّاس إنما تجري على أيديهم أسباب يُشكرون عليها ويُدعى لهم، أما أن يُنسب الرزق إليهم، ويقال: هذا من فلان، فهذا كفرٌ بنعمة الله ومن ضعف اليقين، لأن القوي اليقين يعتقد أن الأرزاق بيد الله، فيكون الحمد المطلق لله . "وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله" يعني: إذا سعيت تطلب شيئاً محبوباً من أمور الدنيا ولم يحصل لك فلا تذمّ النّاس، لأن هذا بيد الله، لو شاء الله لحصل لك، والنّاس ليس بيدهم شيء، وإنما هذا بيد الله، لو أراد هذا لحصل لك، فكونه لم

стр. 431

إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره". ــ يحصل لك هذا دليل على أن الله لم يُرده لك، فعليك أن ترضى، وربما يكون امتناع هذا الشيء عنك في صالحك، وأنت لا تدري ماذا تكون الخيرة، فأنت تبذل السبب فإن حصل المطلوب فالحمد لله، وإن لم يحصل المطلوب فإنك ترضى عن الله وتحمده وتحاسب نفسك عن التقصير، وتعلم أنك ما حُرمت هذا الشيء إلاَّ لأحد أمرين: إما لأنك مقصِّرٌ في حق الله ، وأن الله حرَمك هذا الشيء بسبب ذنوبك ومعاصيك، أو أن الله منعه لمصلحتك، وأنه لو جاءك سبّب لك شرًّا، هذا موقف المؤمن عندما لا يحصل له مطلوبه. ثمّ قال: "إن رزق الله لا يجُرُّه حرص حريص، ولا يَرُدُّه كراهية كاره"، مهما حرِص الإنسان وحرصت الواسطة التي عمدها، فالحرص لا يجلب لك المطلوب إذا لم يقدِّره الله . "ولا يردُّه كراهية كاره" لو أراد الله لك شيئاً فلو اجتمع أهل الأرض أن يمنعوه لم يستطيعوا كما قال ﷺ : "واعلم أن النّاس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك". إذا علِّق قلبك بالله وأحسِن المعاملة مع الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . وهذا هو حقيقة التّوحيد؛ أن يكون العبد معتمداً على الله ومتوكِّلاً على الله، ويعتقد أن النّاس مجرّد أسباب، والأسباب إن شاء الله نفعتْ وإنْ شاء لم تنفع، فلا يجعل الحمد والذم للناس، وإنما يجعل الحمد لله ، وإذا لم يحصل له مطلوبه فليصبر وليعلم أن ما قُدِّر له لا بد أن يكون فليحمد الله أيضاً. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يحرص على طلب الخير، قال ﷺ : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله"، فجمع بين الأمرين: الحرص والاستعانة. فالحرص ليس مذموماً، وإنما المذموم: الاعتماد على الحرص واعتقاد أنه يحصل به المطلوب. وحديث أبي سعيد رواه أبو نعيم في "الحلية"، ورواه البيهقي، وهو حديث ضعيف، ولكنّ الشيخ ﵀ من قاعدته أن لا يذكر الحديث الضعيف إلاَّ إذا كان له ما يؤيِّده، وهذا الحديث تؤيِّده الآية التي قبله وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ

стр. 432

وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "من التمس رضا الله بسخط النّاس ﵁ وأَرْضى عنه النّاس، ومن التمس رضا النّاس بسخط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه النّاس" رواه ابن حبان في "صحيحه". ــ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ ، "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله". فالشيخ ﵀ قد يذكر بعض الأحاديث الضعيفة إذا كان لها ما يؤيِّدها من القرآن أو من السنّة. وهذه قاعدة معروفة عند أهل العلم. قوله: "وعن عائشة ﵂ أدن رسول الله ﷺ قال: "من التمس" إلخ" لحديث عائشة ﵂ هذا قصة، وهي: أن معاوية ﵁ لَمّا وَلِيَ المُلْك كتب إلى أم المؤمنين يطلُب منها النصيحة، لأنها زوج رسول الله ﷺ ، وعندها من العلم الشيء الغزير الذي حملته عن رسول الله ﷺ فهي فقيهة النساء فكتبت إليه: "السلام عليكم، أما بعد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضا الله بسخط النّاس ﵁ وأرضى عنه النّاس، ومن التمس رضا النّاس بسخط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس". هذا الحديث إذا سار عليه الحكّام وغير الحكّام حصل الخير الكثير، فهو منهج عظيم، وهذه الكلمات اليسيرة منهج تسير عليه الأمة، حُكّامها ومحكوموها، الراعي والرعية، ولذلك نصحت به عائشة معاوية ﵄، وهذا من فقهها ﵂ حيث اختارت هذا الحديث لمعاوية لأنه وال وإمام، فهو بحاجة إلى هذا الحديث ليجعله منهجاً له في سياسة المُلْك. وهذا الحديث فيه: أن الإنسان يقدِّم خشية الله على خشية النّاس، ويقدِّم رضا الله على رضا النّاس، كالحديث الذي قبله. فإذا جمعتْ هذه الآيات وهذه الأحاديث دلّتْ على أن الخوف عبادة يجب إفراد الله تعالى بها، ونعني بالخوف النوع الأول الذي هو خوف العبادة الخوف الذي يترتب عليه العمل بطاعة الله وترك معصية الله، أما الخوف المعكوس الذي تترتب عليه معصية الله لإرضاء النّاس، فهذا مذموم. ودلّ حديث أبي سعيد -كما يقول الشيخ في مسائله- على أن اليقين يقوى ويضعُف، بدليل قوله: "إن من ضعف اليقين".

стр. 433

[الباب الثالث والثلاثون:] * باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ــ التوكل هو: التفويض، فالتوكل على الله: تفويض الأمور إليه سبحانه، وهو من أعظم أنواع العبادة. ومناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أنه لَمّا كان التوكل على الله عبادةً لله وجب إخلاصه لله وترك التوكُّل على مَن سواه، لأن العبادة حقٌّ لله، فإذا صُرفت لغيره صار ذلك شركاً؛ فالتوكُّل على غير الله شرك- كما يأتي بيانه وتفصيله-. وهذا الكتاب المبارك ألّفه الشيخ ﵀ لبيان التّوحيد وبيان الشرك؛ فالتوكلُّ على الله وحده توحيد، والتوكُّل على غيره شرك. فهذا مناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد. قوله ﵀: "بابُ قول الله" أي: تفسير هذه الآيات؛ فهذا الباب يبيَّن فيه تفسير هذه الآيات الكريمات. فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه الآية في سورة المائدة في قصة موسى ﵇ مع قومه لَمّا قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ يعني: أرض فلسطين، ليخلِّصوها من الوثنيين لأنها كانت بيد الوثنيِّين، وموسى ﵇ أُمر بالجهاد لنشر التّوحيد ومحاربة الشرك والكفر بالله وتخليص الأماكن المقدَّسة من قبضة الوثنييِّن، وهذا من أغراض الجهاد في سبيل الله. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ لأن الله كتب أن المساجد والأراضي المقدَّسة للمؤمنين من الخلق من بني إسرائيل وغيرهم، ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ شرع أن تكون الولاية عليها للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) ﴾ ، فالوِلاية على المساجد خصوصاً المساجد المبارَكة وهي المسجد الحَرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى وسائر المساجد تكون الولاية عليها للمؤمنين، ولا يجوز أن يكون للكفار والمشركين من الوثنيِّين والقبوريِّين سلطة على مساجد الله : ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ

стр. 434

بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، وهذا سبق في الباب الذي قبل هذا. قال تعالى في المسجد الحرام: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . فمساجد الله- خصوصاً المساجد الثلاثة- يجب أن تكون الولاية عليها للمسلمين، ولا يكون للمشركين عليها سلطة، ويجب على المسلمين أن يجاهدوا حتى يخلِّصوا هذه المساجد من أيدي المشركين. فموسى ﵇ خرج ببني إسرائيل يريد تخليص بيت المقدس، ولكن بني إسرائيل كانوا قوماً جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ يقال كان فيها حينذاك قبيلة يقال لها: العماليق، كانوا شِداداً في خلقهم أقوياء، ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا منتهى المهانة ومنتهى السُّخرية، لأن الكفار ليسوا بخارجين إلاَّ بالجهاد والجلاد والاستشهاد في سبيل الله. ﴿قَالَ رَجُلانِ﴾ يعني: من بني إسرائيل من أهل الرأي والإيمان والعزيمة. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون الله . ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمَا﴾ أنعم الله عليهما بالإيمان والعزيمة الصادقة. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني: اعزموا واهجموا عليهم حتى يروا منكم القوة، فإذا رأوا منكم القوة فإنهم يخرجون. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ لا شك أنه إذا حصل هجوم صحيح ودخل المجاهدون عليهم الباب أنه سيقع الرعب في قلوبهم ويخرجون منها، لكن هذا لا يكون إلاَّ من أهل الإيمان وأهل الصدق والعزيمة والبأس كما في رجال محمد ﷺ الذين كانوا يجاهدون ويهجمون على الكفار ويقتحمون الأبواب ويخاطِرون بأنفسهم. وأيضاً فإنه لا يكفي دخول الباب، بل ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فهذا لا يحصل إلاَّ بالعزيمة الصادقة، والإقدام في سبيل الله، وتقديم النفس في سبيل الله، مع التوكُّل على الله وعدم الاعتماد على القوة، بل يعتمد على الله مع الأخذ بالقوة المناسبة.

стр. 435

وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية. ــ وهذا محل الشاهد من الآية؛ حيث قدّم المعمول وهو الجارّ والمجرور ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ ، وأخّر العامل وهو ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ممّا يفيد الحصْر، أي: توكّلوا على الله ولا تتوكّلوا على غيره. ففيه: وجوب إخلاص التوكُّل على الله ، وأنه سببٌ من أسباب النصر على الأعداء مثل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ قدّم المعمول وأخّر العامل، أصله: نعبدك ونستعين بك، ولكن قدّم المعمول وهو الضمير المنفصل ﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين على العامل ﴿نَعْبُدُ﴾ و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ ليفيد الحصر أي لا نعبد إلاَّ إياك ولا نستعين بغيرك، وهذا هو الإخلاص والتّوحيد. قال: "وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية" أي: إذا خُوِّفوا بالله خافوا، وإذا ذكّروا بالله تذكّروا، وإذا قيل لهم: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ خافوا من الله وأشفقوا من عذابه، إذا وُعظوا وذُكِّروا فإنهم يخشون الله ، بخلاف الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) ﴾ ، فإن المؤمن ينتفع بالموعظة والتذكير ويخاف من الله إذا ذُكِّر به وخُوِّف به، وهذه علامة الإيمان؛ أما المنافق فهو وإن ادّعى الإيمان فإنه إذا ذُكِّر بالله ازداد عُتُوًّا ونفوراً وازداد طُغياناً فتأخذَه العزّة بالإثم. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ القرآنية ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وهذه علامة الإيمان؛ أن المؤمن إذا تُليت عليه آيات الله وسمع القرآن يزيد إيمانه ويقينه، وينتفع بالقرآن الكريم، خلاف المنافق؛ فإنه إذا تُليَ عليه القرآن لا يستفيد منه شيئاً، كما قال الله : ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) ﴾ . ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ هذا محل الشاهد من الآية للباب، فهي مثل الآية التي قبلها: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ .

стр. 436

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية. ــ وهنا يقول: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قدم المعمول أيضاً وهو الجار والمجرور على العامل وهو ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ ليُفيد الحصر، وبيان أن التوكّل عبادة يجب إفراد الله فيها، ولا يجوز التوكُّل على غير الله؛ لأن من توكّل على غير الله فقد أشرك. وقد جعل سبحانه التوكل شرطاً في صحة الإيمان؛ فقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، فمن توكّل على غير الله فليس بمؤمن. قال: "وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية" هذا خطاب من الله لنبيّه محمد ﷺ . فقوله: "يا أيها النبي" ناداه بصفته الكريمة: ﴿النَّبِيُّ﴾ ، والله تعالى لم يناد محمداً باسمه أبداً في القرآن بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ، فيناديه باسم النبوة وباسم الرسالة تكريماً وتشريفاً له ﷺ . أما الإخبار عنه فإن الله يذكره باسمه، كقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ، فهذا من باب الإخبار، فإذا جاء باب الإخبار يأتي باسمه ﷺ ، وإذا جاء بالنداء فيناديه بصفاته الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ . ولذلك: عاب الله على الأعراب الذين وقفوا على الحُجُرات وقالوا: يا محمد؛ اخرج إلينا، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ﴾ فيجب التأدُّب مع الرسول ﷺ حيًّا وميِّتاً. قوله: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ ﴿حَسْبُكَ﴾ يعني: كافيك، فالحسب هو: الكافي. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين؛ فالـ (واو) عاطفة، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على ضمير المخاطَب المضاف إليه في قوله:

стр. 437

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية. عن ابن عبّاس قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، قالها إبراهيم ﵇ حين أُلْقيَ في النار. ــ ﴿حَسْبَكَ﴾ : حسبك وحسب من اتّبعك، فحَذف المضاف في الكلمة الثانية اعتماداً على ما جاء في الأولى من باب الاختصار والإيجاز؛ فقوله: ﴿وَمَنْ﴾ (الواو) عاطفة و ﴿مَن﴾ في محل جر، عطف على ضمير المخاطَب المضاف إليه في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ ، هذا هو الصواب الذي رجّحه الإمام ابن القيّم وأبطل ما سواه، فليس ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على الله، فيكون مرفوعاً. ومحل الشاهد من الآية: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ ، فإذا كان حسبك الله فيجب التوكُّل على الله والاعتماد عليه وحده. لأنه يكفي من توكّل عليه، كما في الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: يفوِّض أمره إلى الله ويعتمد على الله فإن الله حسبه، أي: كافيه جميع الأمور. أما من لم يتوكّل على الله فإن الله يَكِلُه إلى من اعتمد عليه كما في الحديث: "من تعلّق شيئاً وُكِل إليه"؛ فمن تعلّق بالله كفاه، ومن تعلّق بغيره خذله الله ووكله إلى ضعيف. قوله: " ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ " أي: لا على غيره. " ﴿فَهُوَ﴾ " أي: الله . " ﴿حَسْبُهُ﴾ " أي: كافيه. فهذا فيه: ثمرة التوكُّل على الله ، وأن الله يكفي من توكّل عليه، ومن كان الله كافيه فإنه هو الرابح والمفلح في الدنيا والآخرة، ولا يخاف من غيره أبداً، إنما يخاف من الله . قال: "وعن ابن عباس" هو: عبد الله بن عباس، حَبْرُ الأمة، وترْجُمان القرآن. "قال: " ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ " قالها إبراهيم ﵇ حين أُلْقيَ في النار، وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ الآية" هذه كلمة عظيمة قالها الخليلان: إبراهيم ومحمد- صلى الله عليهما وسلم-

стр. 438

وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ الآية"رواه البخاري والنسائي. ــ في أضيق الأحوال وأحرج المواقف، وهكذا الأنبياء عند تأزُّم الأمور؛ لا يعتمدون إلاَّ على الله ، ولا يلجئون إلاَّ إليه، وتزيد رغبتهم في الله عند الشدائد، ويُحسنون الظن بالله دائماً وأبداً. فالأنبياء وأتباعهم لا يعتمدون إلاَّ على الله، خصوصاً عند المضائق وتأزُّم الأمور؛ يتوكّلون على الله ولا يضعُفون أو يخضعون لغير الله ، أو يتنازلون عن شيء من عقيدتهم ودينهم أبداً. قوله: "قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقيَ في النار" إبراهيم ﵊ بعثه الله في قوم وثنيِّين في أرض (بابل) ، يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، وينحتون الأصنام التي على صورها، وكان أبوه يصنع الأصنام، ويبيعها على النّاس ويأكل من ثمنها. فبعث الله إبراهيم- ﵊ في هذه الأمة الوثنية يدعوها إلى التّوحيد وإخلاص العبادة لله ، ويُنكر عليهم عبادة الأصنام، وبدأ بأبيه وقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (٤٣) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ ، انظر التلطُّف، يكرِّر: يا أبت، يا أبت. وهكذا الداعية يتلطّف بالمدعو، كما قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) ﴾ ، لا يأتيه بعنف وقسوة وشدة، ويقول: هذا غَيْرة لله. "حين ألقي في النار" أي: قال هذه الكلمة حينما ألقاه قومه في النار انتصاراً لآلهتهم، فقال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ . والشاهد في قوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، فهذا فيه: التوكُّل على الله ، وبيان ثمراته، وأن ثمرة التوكُّل على الله حوّلت النار إلى برْدٍ وسلام على إبراهيم ﵊. فهذا فيه: فضيلة هذه الكلمة، وثمرة التوكُّل على الله . قوله: "وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ الآية" لَمّا حصلت غزوة بدر في السنّة الثانية من الهجرة، وانتصر

стр. 439

المسلمون فيها، وقتلوا صناديد الكفُار ورؤساءهم، وغَنِموا أموالهم؛ عند ذلك تشاور المشركون في مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب، وأرادوا غزو رسول الله ﷺ انتقاماً لرؤسائهم الذين قُتلوا في بدر، ولآبائهم ولأموالهم التي أُخذت، فاجتمعوا بقيادة أبي سفيان بن حرب، وجاءوا بجيوش عظيمة -ونزلوا عند أحد، وهو الجبل الذي يقع شمالي شرق المدينة، فخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه بعد التشاوُر معهم: هل يخرج إليهم، أو يبقى في المدينة؟. فكان الرسول ﷺ يميل إلى البقاء في المدينة، وهو رأي عبد الله بن أُبي، ولكنّ الصحابة الذين لم يحضروا بدْراً ندِموا ندامة شديدة وعزَموا على الرسول ﷺ أن يخرج إليهم ليخرجوا كما خرج إخوانهم في بدر، ليستدركوا ما حصل وما فات عليهم في بدر. فالرسول ﷺ نزل على رغبة هؤلاء الصحابة وخرج، وخرج المسلمون معه، ورجع عبد الله بن أبي المنافق مع جماعة من المنافقين، وانخذل من العسكر. فخرج الرسول ﷺ بأصحابه وعسكر عند أحد، ونظّم أصحابه، وجعل جماعةً من الرُّماة على الجبل ليحموا ظهور المسلمين أن يأتيهم الكفّار من الخلف. ثمّ دارت المعركة وصار النصر للمسلمين، فصاروا يجمعون المغانم، فلما رأى الذين على الجبل أن أصحابهم يجمعون المغانم ظنوا أن المعركة قد انتهتْ؛ أرادوا النزول من الجبل ليشاركوا في جمع الغنائم، فمنعهم قائدهم عبد الله بن جُبَيْر، لأن الرسول ﷺ قال لهم: "لا تتركوا الجبل سواء انتصرنا أو هُزمنا"، ولكنهم ﵃ اجتهدوا ونزلوا من الجبل، وأما رئيسهم فبقي طاعةً لرسول الله ﷺ . فلما رأى خالد بن الوليد- وكان يومَ ذاك على الشرك- الجبل قد فرغ، وكان قائداً محنَّكاً يعرف السياسة الحربية؛ دار بمن معه من كتيبة الخيل، وانقضّوا على المسلمين من خلف ظهورهم، والمسلمون لم يشعروا، فدارت المعركة من جديد، وعاقب الله المسلمين بسبب هذه المخالفة التي حصلتْ من بعضهم والعقوبة شملت المخالفين وغير المخالفين، لأن العقوبة إذا نزلت تَعُمّ، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ .

стр. 440

فدارت المعركة من جديد، وأصاب المسلمين ما أصابهم من القرْح، واستُشهد منهم سبعون من خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطّلب عم الرسول ﷺ ، بل إن الرسول ﷺ أصابه ما أصابه؛ فكُسِرتْ رَباعيّته، وشُجَّ في رأسه، وسقط في حفرة، وأُشيع أنه قد مات. فأصاب المسلمين مصيبة عظيمة، ولكن أهل الإيمان لا يتغيّر موقفهم ولا يتزحزح أبداً مهما بلغ الأمر، لا تضعُف عزيمتهم، اجتمعوا حول الرسول ﷺ يَذُبُّون عنه، ويحمونه من سهام المشركين، والمعركة لا تزال مستمرة، والرسول مشجوج، والمِغْفَر قد هشم على رأسه ﷺ . ثمّ انتهت المعركة، وأُعلن أنّ محمداً ﷺ لم يُقتل، فحينئذ فرح المسلمون فرحاً شديداً، واغتاظ المشركون غيظاً شديداً. فانصرف المشركون إلى مكّة، والنبي ﷺ أمر أصحابه أن يدفنوا الشهداء، وأن يدفنوا الاثنين والثلاثة في قبرٍ واحد، لكثرة الأموات، ولضعف المسلمين في هذه الحالة، فدفنوهم في مكان الشهداء المعروف عند أحد، وحملوا الجرْى إلى المدينة. ولَمْا وصلوا إلى المدينة جاءهم مندوب من أبي سفيان بأنه سيعيد الكرّة عليهم، ويرجع عليهم ويستأصل بقيّتهم، فما زادهم ذلك إلاَّ إيماناً، وأمر الرسول ﷺ الذين خرجوا معه إلى أُحُد أن يخرجوا ولا يخرج معهم غيرهم، فخرجوا مع الرسول ﷺ بجراحهم ونزلوا في مكان يقال له: (حمراء الأسد) - قريب من المدينة - ينتظرون الكفّار. لما بلغ أبا سفيان ومن معه أن الرسول ﷺ خرج في أَثَرهم وفي طلبهم أصابهم الرعب، وقالوا: ما خرجوا إلاَّ وفيهم قوة. فمضوا إلى مكة خائفين من الرسول ﷺ ، ورجع المسلمون إلى المدينة سالمين. وأنزل الله قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ . هذا قول أبي سفيان أننا نأتي ونقضي على بقيّتهم ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا

стр. 441

اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) ﴾ . هذه ثمرات التوكُّل على الله ، وهذه ثمرات الاعتماد على الله، كما صارت النار برْداً وسلاماً على إبراهيم؛ صارت هذه المعركة وهذه التخويفات برداً وسلاماً على صحابة رسول الله ﷺ . فقه الباب وما يُستفاد من النصوص، وذلك في مسائل: المسألة الأولى: يؤخَذ من هذه الآيات وأثر ابن عباس ﵄ أن التوكُّل على الله عبادة يجب إخلاصها لله ، وأن التوكُّل من أعظم أنواع العبادة. المسألة الثانية: التوكُّل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله شركٌ أكبر، كالذين يتوكّلون على الأصنام، أو على أصحاب القبور، أو على الأولياء والصالحين في جَلْب الأرزاق، ودفع المضار، وشفاء المرضى، وغير ذلك. المسألة الثالثة: يؤخَذ من هذه النصوص: أنّ التوكُّل على الله شرط في صحّة الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ فدلّ على أن التوكل على الله شرطٌ لصحّة الإيمان. المسألة الرابعة: يُؤْخذ من هذه النصوص: أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنّة والجماعة خلافاً للمرجئة الذين يقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص. وهذه مسألة عظيمة معروفة عند أهل السنّة والجماعة، ومن أدلتها: هذه الآية: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ، فدلّ على أن الإيمان يزيد، وإذا كان يزيد فهو ينقص، لأن كل شيء يزيد فهو ينقص، فمن لازِم الزيادة النُّقصان. وكما في قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ . وكذلك قوله ﷺ : "الإيمان بِضْعُ وسبعون شُعبة، أعلاها: قولُ: "لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق" دلّ على أن الإيمان يتفاوت، منه ما هو أعلى ومنه ما هو دون ذلك.

стр. 442

وقال ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" دلّ على أن الإيمان يضعُف. وفي الحديث الآخر: "أنه يُخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان" فدلّ على أن الإيمان ينقص حتى يصير كوزن الحبة من الخردل، وأنه يزيد حتى يكون كالجبال. فالإيمان يزيد وينقص، هذا مذهب أهل السنّة والجماعة، وفي ذلك أيضاً رَدٌّ على الخوارج والمعتزلة الذين يكفّرون بالذنوب الكبائر. المسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على وجوب الأخذ بالأسباب مع التوكُّل على الله سبحانه؛ لأنه لَمّا ذكر التوكُّل على الله ذكرت الأعمال، فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) ﴾ ، فالتوكُّل على الله لا يكفي، لا بد من الأعمال الصالحة، لا بد من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله، وفعل الأسباب التي تنفع مع التوكُّل على الله .

стр. 443

[الباب الرابع والثلاثون:] * باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) ﴾ . ــ هذا الباب وضعه المصنف ﵀ في "كتاب التّوحيد" لأن الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته ينقِّصان التّوحيد، ويُنافيان كماله، وهذا الكتاب كله في موضوع التّوحيد ومكمِّلاته وبيان مناقضاته ومنفِّصاته. ومكر الله هو: إيصال العقوبة إلى من يستحقُّها من حيث لا يشعر. وهو عدلٌ منه ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) ﴾ ؛ فالمكر في حق الله عدل وجزاء يحمد عليه. أما المكر من المخلوقين فهو مذموم لأنه بغير حق. والمكر من الله نظير الاستهزاء: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) ﴾ ، ونظير السخرية: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ ، ونظير الكيد: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) ﴾ ، ونظير النسيان في مثل قوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ . فهذه أمور تُنسب إلى الله جل وعلا لأنها من باب المقابلة والجزاء، فهي عدلٌ منه حيث إنه ينزِّلها فيمن يستحقُّها، فهي عدلٌ منه سبحانه؛ بخلاف هذه الصفات من المخلوقين فإنها مذمومة لأنها في غير محلها ولأنها ظلمٌ للمخلوقين. قوله تعالى: " ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ " هذه الآية في سِياق ما ذكره الله عن الأمم الكافرة التي أحلّ الله بها عقوباته من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، الذين ذكرهم الله في سورة الأعراف، ثمّ قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ﴾ ، ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ الشدائد من الجوع والخوف والقحط وغلاء الأسعار، يفعل الله ذلك بهم لعلهم يدعونه، ولعلهم يرجعون إلى الله ويتوبون، ويعلمون أن ما أصابهم بسبب ذنوبهم؛ لكنهم لم يرجعوا. ثمّ إن الله سبحانه استدرجهم بالنعم، لَمّا لم يرجعوا عند النِّقَم استدرجهم

стр. 444

بالنعم قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ أي: بدل الشدة والجوع والخوف، بـ ﴿الْحَسَنَةَ﴾ وهي: الغناء والسَّعَة والثروة؛ استدراجاً من الله سبحانه لهم. ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ يعني حتى كثروا وزادت قوتهم ونموا وصار لهم قوة واغتروا بهذه النعمة؛ فهم لم يتوبوا عند النقمة ولم يشكروا عند النعمة. ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ قالوا: هذه الأمور تجري عادة، مرّة رخاء ومرّة شدة، لم يُرْجِعوا الأمر إلى الله ويعلموا أن ما أصابهم من العقوبات يسبب ذنوبهم وأن ما أصابهم من النعمة فهو فضلٌ من الله؛ بل نسبوا هذا إلى العادة. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ هذا هو المكر، وهو: أن الله أخذهم في مأمنهم حيث لم يتوقعوا العقوبة. وفي هذا تحذير لنا من الله أننا لا نغتر بهذه النعم، وهذه الثروات، وهذه السَّعَة؛ فنغفلُ عن شكر الله ، ولا نعمل بطاعة الله، ولا نخاف من العقوبة ومن زوال هذه النعم. ثمّ قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) ﴾ ؛ فالنعم إذا كانت مع المعاصي فهي استدراج، وإذا كانت مع الطاعات فإنها نعمةٌ من الله تعالى وعون على طاعته. ثمّ قال تعالى: " ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ " هذا استنكار من الله على من يغترّ بالنعم وينسى العقوبة أن يأخذهم على غِرّة وهم آمنون منعَّمون، ثمّ ينقلهم من النعمة إلى النِّقْمة، ومن الصحة إلى الألم والمرض، ومن الوجود إلى العدم. ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ﴾ أي: لا يأمن عقوبة الله التي تنزل على خُفْية ومن غير تأهُب ومن غير توقع لها. ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين حقّتْ عليهم الخسارة التي لا رِبْح معها أبداً ولا نجاة منها أبداً. والشاهد في قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ فهو استفهام إنكار على من يقع منه مثل ذلك.

стр. 445

وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ . ــ فالأمن من مكر الله يستلزم عدم الخوف من الله ، كما يستلزم الاستمرار في المعاصي والزيادة منها، ويستلزم ترك التوبة والرجوع إلى الله . وهذه حالة الأشقياء من الخلق. والأمن من مكر الله ينافي التّوحيد؛ لأنه يدل على عدم الخوف من الله . قال: "وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ "هذا استفهام إنكار من الله ، وهو بمعنى النفي، أي: لا أحد يقنط من رحمة ربه. " ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ " التائهون عن الحق. وهذه الجملة قالها إبراهيم- ﵊ لَمّا جاءته الملائكة في صورة أضياف يريدون إهلاك قوم لوط، وكان إبراهيم- ﵊ كريماً مِضْيافاً، فلما جاءه هؤلاء الرجال بادر إلى ضيافتهم وجاء بعجل حنيذ -وفي آية أخرى بعجل سمين، وقرّبه إليهم، لكنهم لم يأكلوا لأنهم ملائكة، والملائكة لا يأكلون؛ فإبراهيم خاف أنهم أعداء، لكنهم طمأنوه، وأخبروه بمهمتهم، وأنهم جاءوا لإهلاك هذه القرية. وزادوه -أيضاً- بالبشرى بالولد، وكان لا يُولد له فاستبعد ذلك وقالوا له: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ . " ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) ﴾ " هذا محلّ الشاهد، أي: لا أحد يقنط من رحمة ربه " ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ " عن الحق؛ لأن المؤمنين -وخاصّة الأنبياء- يعلمون من قدرة الله وفضله وإحسانه ما لا يعلمه غيرهم، ويعلمون من قُرب رحمته وفرجه ما لا يعلمه غيرهم. هذا إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء يقول: " ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ " مهما كانتِ الحال من الشدّة ومن الضيق ومن الحرج؛ فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، لأن الله قادرٌ على كل شيء، لا يعجزه شيء، وهو أرحم الراحمين. ففي هذه الآية: أن الذي يقنط من رحمة ربه يكون من الضالين، والضلال ضدُّ الهدى. وفي هاتين الآيتين: مشروعية الجمع بين الخوف والرجاء؛ فالخوف في قوله:

стр. 446

" ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) ﴾ "، وفي الآية الثانية: " ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ " ففيهما وجوب الرجاء وعدم القنوط من رحمة الله؛ فيجب الجمع بينهما، بأن يكون خائفاً راجياً، لا يكون خائفاً فقط، لأن هذا يقنِّطه من رحمة الله ، ولا يكون راجياً فقط، لأن هذا يؤمِّنه من مكر الله؛ فإذا خاف الإنسان وقنِط من رحمة الله لم يتب، وإذا أمِن من مكر الله فإنه لا يترُك المعاصي بل يزيد منها. ولهذا يقول العلماء: "من عبد الله بالخوف فقط فهو حروري"، يعني: من الخوارج، لأن الخوارج وعيديّة يأخذون بآيات الوعيد -والعياذ بالله-، ويخرجون العاصي من الإسلام ويخلِّدونه في النار، وهذا يأس من رحمة الله، نسأل الله العافية. "ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو مرجئ" لأن المرجئة هم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فطريقة الخوارج فيها يأسٌ من رحمة الله، وطريقة المرجئة فيها أمنٌ من مكر الله. أما أهلُ السنّة والجماعة فإنهم يجمعون بين الخوف من عذاب الله، مع رجاء رحمة الله؛ فالخوف يمنعهم من المعاصي، ورجاء رحمة الله يحملهم على التوبة والاستغفار والندم على ما حصل منهم؛ هذه طريقة أهل السنّة والجماعة وكما قال الله تعالى في الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ الرغب هو الرجاء، والرهب هو الخوف؛ يعني: يجمعون بين الخوف والرجاء، وكما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً (٥٧) ﴾ ، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ يجمعون بين الأمرين بين الخوف والرجاء. قال أهل العلم: "فيجب على المؤمن أن يكون معتدلاً بين الخوف والرجاء، لا يرجو فقط حتى يأمن من مكر الله، ولا يخاف فقط حتى ييأس من رحمة الله، بل يكون معتدلاً".

стр. 447

وعن ابن عبّاس أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟، فقال: "الإشراك بالله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكْر الله ". ــ ويقولون: "الخوف والرجاء للمؤمن كجناحي الطائر، إذا اعتدلا استطاع الطيران في الجو، وإذا اختلّ واحدٌ منهما سقط فلا يستطيع الطيران"، كذلك المؤمن، إذا تعادل فيه الخوف والرجاء استطاع السير إلى الله ، وإذا اختلّ أحدُ الركنين اختلّ إيمانه. قوله: "وعن ابن عبّاس أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ " أي: عن الذنوب الكبائر؛ جمع كبيرة وهي: العظيمة. فقال: "الإشراك بالله" هذا اكبر الكبائر. فأكبر الكبائر: الإشراك بالله ، وهو: عبادة غير الله بأيِّ نوع من أنواع العبادة وأيًّا كان هذا المعبود صنماً أو شجراً أو حجراً أو حيًّا أو ميِّتاً أو قبراً أو غير ذلك. وهذا هو الذي لا يُغفر إلاَّ بالتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، وهذا هو الذي يحبط الأعمال جميعها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . قوله ﷺ : "واليأْس من رَوْح الله" هذا مثل قوله تعالى: " ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ "؛ فالقنوط من رحمة الله من أكبر الكبائر، لأن فيه إساءة ظنٍّ بالله ، ولأنه يحمل صاحبه على عدم التوبة لأنه يقول: لا يغفر الله لي وإن تبت، والله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) ﴾ : توبوا إلى الله ؛ والتوبة تَجُبُّ ما قبلها مهما كان الذنب الشرك والكفر وقتل النفس والزنا وشرب الخمر وأكل الربا؛ فالتوبة لا يبقى معها ذنب إذا كانت توبة صحيحة، والتائب من الذنوب كمن لا ذنب له: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، فالكفّار إذا كانوا يُغفر لهم ما قد سلف فكيف بُعصاة المؤمنين إذا تابوا؟، هم أولى بالمغفرة؛ فعَفْوُ الله أعظم من ذنوبهم. قوله ﷺ : "والأمن من مكر الله" أي: ومن أكبر الكبائر: الأمن من مكر الله،

стр. 448

وعن ابن مسعود قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله "رواه عبد الرزّاق. ــ أي: من عقوبته عند المعصية من حيث لا يشعر. والغفلة عن طاعة الله . وهذا الحديث رواه البزّار وغيره. وبعضهم يرى أنه من كلام ابن عبّاس، وأنه موقوف، وبعضهم يضعِّفه. وقد ذكرت لكم أن الشيخ ﵀ إذا ذكر مثل هذا الحديث الذي في سنده مقال لا يذكره إلاَّ وقبله أو بعده ما يؤيِّده من الآيات أو الأحاديث التي يسوقها في الباب. وهذا الحديث تؤيِّده الآيتان السابقتان: " ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) ﴾ "، " ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ "، وكذلك الآيات التي في التحذير من الشرك وأنه أكبر الكبائر. فالحديث هذا وإن كان في سنده مقال إلاَّ أنه تؤيِّده الأدلة الصحيحة، خصوصاً ما ذكره المؤلف ﵀ من هاتين الآيتين، وبعضهم أثنى على سنده، فهو ليس مُجْمَعاًَ على ضعفه. قال: "وعن ابن مسعود قال: "أكبر الكبائر" هذا فيه دليل على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر والكبائر تختلف، بعضها أكبر من بعض كما في الحديث: أن النبي سُئل أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك"، قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: "أن تقتُل ولدك خشية أن يَطْعَم معك"، قلت: ثمّ أيٌّ؟، قال: "أن تُزانيَ بحليلة جارك". فهذه أعظم الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق، ولاسيّما قتل القريب، مثل: قتل الابن. كذلك: الزنا بحليلة الجار، فالزنا محرّم عموماً، وهو كبيرة، ولكن الزنا بحليلة الجار أشد من الزنا بغيرها لحرمة الجيرة، ومِصْداق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ . وقوله: "والأمن من مكر الله" سبق معنى الأمن من مكر الله.

стр. 449

.................................................................................... ــ "والقنوط من رحمة الله" هذا سبق أيضاً معناه. "واليأس من رَوْح الله" القنوط واليأس متقارِبان، وكلاهما فيه استبعادٌ لرحمة الله وسوءُ ظنٍّ بالله . "واليأس من روح الله" قال الله على لسانه نبيه يعقوب ﵇: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، أما المؤمنون فلا ييأسون من روح الله مهما بلغ بهم الكرب والشدة؛ لعلمهم بالله وأسمائه وصفاته، وقُرب فَرَجِه، وقُرب رحمته من عباده؛ فهم لا ييأسون من رَوْح الله مهما اشتدت بهم الخُطوب، وضاق بهم الحال. بل كلما اشتد الخطب عظم رجاؤهم بالله. ومواقفهم معروفة، كموقف إبراهيم ﵇، وموقف يعقوب لَمّا فقد أولاده الثلاثة، وموقف أيّوب ﵇ الذي بلغ منه الضُّرُّ مبلَغاً شديداً، لم ييأسوا من رحمة الله. ومحمد ﷺ لَمّا أُخْرِجَ هو وصاحبه أبو بكر يوم الهجرة واختفيا في الغار، وجاء المشركون في طلبهما، ووقفوا على الغار والرسول ﷺ وأبو بكر تحت أقدامهم، يقول أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا، قال: "يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ "، فأعمى الله أبصارهم ولم يروا رسول الله وصاحبه، كما قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) ﴾ . ولَمّا خرج إلى الطائف يدعوهم إلى الله، وردّوا عليه ردًّا قبيحاً، وأغروا عبيدهم وسفاءهم برميه بالحجارة، هو ومولاه زيد بن حارثة؛ ورجع وأهل مكة كلهم أعداء له؛ فجاء من الطائف وقد قابلوه أسوأ مقابلة، وأهل مكة -أيضاً- خرج منهم لشدّة أذاهم، فقال له مولاه زيد بن حارثة: يا رسول الله، كيف ترجع إليهم وهم قد أخرجوك، قال: "يا زيد، إن الله جاعلٌ لِمَا ترى فرجاً ومخرَجاً". هكذا مواقف أنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام-، لا ييأسون مهما بلغ الأمر ومهما بلغت الشدة لعلمهم برحمة الله وقدرة الله وعلم الله بحالهم وأنه

стр. 450

لا تخفى عليه خافية ولا تخفى عليه أحوالُ عباده أبداً، ولكنه يبتليهم ويمتحنهم ليكفِّر عنهم سيِّئاتهم وليختبر إيمانهم وليعظُم رجاؤهم بالله وليتوبوا إلى الله . وله الحكمة في ذلك . قوله: "رواه عبد الرزاق" عبد الرزاق بن هَمَّام الصنعاني، الإمام الجليل، شيخ العلماء والمحدِّثين، روى عنه: الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوَيْه، وغيرهما من كبار الأئمة- ﵏. وقوّى إسناد هذا الحديث: ابن جرير الطبري. فهذه النصوص في هذا الباب يُستفاد منها الأحكام التالية: أولاً: تحريم الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، وأنهما ينقِّصان كمال التّوحيد وقد ينافيان التّوحيد. ثانياً: أنه يجب على المسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء، فلا يخاف فقط ولا يرجو فقط، وإنما يكون خائفاً راجياً دائماً وأبداً، هذا هو التّوحيد، وهو صفة أولياء الله. ثالثاً: في هذه النصوص أن المعلِّم والداعية يبدأ بالأهم فالأهم؛ لأن الرسول ﷺ لَمّا أراد أن يعلِّم أصحابه الكبائر بدأ بأهمها وهو الشرك بالله ، لأن الشرك أكبرُ الكبائر فبدأ به، ثمّ ذكر بعده الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله. رابعاً: في الحديثين: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد عرّف العلماء الكبيرة بأنها: "ما رُتِّبَ عليها حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، أو خُتم بغضب، أو لعنة، أو نار، أو تبرّأ النبي ﷺ من صاحبها، بأن قال: "ليس منا من فعل كذا"، أو نفى عنه الإيمان كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". هذه ضوابط الكبيرة. أما الصغائر فهي ما ليس كذلك مما حرّمه الله ونهى عنه، ولم يصل إلى حدّ الكبيرة. ولكن لا يحمل هذا الإنسان على أنه يتساهل بالصغائر، لأن الصغائر إذا تُسوهِل بها جرَّتْ إلى الكبائر؛ والصغيرة تعظُم حتى تكون كبيرة مع الإصرار؛

стр. 451

فلا يُتساهل فيها؛ لكن: ليست الذنوب على حدٍّ سواء، بل هي فيها صغائر وفيها كبائر. والصغائر تسمى اللَّمَم، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ . والصغائر تكفَّر بالأعمال الصالحة، كما قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني: الصغائر. وقال ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفّارات لِمَا بينهن إذا اجْتُنِبَتِ الكبائر". فالصغائر تُكَفَّر بالأعمال الصالحة، أما الكبائر فإنها لا تكفَّر إلاَّ بالتوبة، إلاّ إذا شاء الله أن يعفوَ عن صاحبها وهي دون الشرك فإنها قابلة للعفو من الله ؛ فهي تكفَّر إما بعفو الله وإما بالتوبة، بخلاف الشرك فإنه لا يكفَّر إلاَّ بالتوبة، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .

стр. 452

[الباب الخامس والثلاثون:] * بابٌ من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أن الصبر على أقدار الله من مكمِّلات التّوحيد، وأنّ عدم الصبر على أقدار الله يكون من منقِّصات التّوحيد؛ وهذا الكتاب المبارك صنفه الشيخ في بيان التّوحيد ومكمِّلاته وفي بيان منافياته ومنقِّصاته. فقوله: "بابٌ" مرفوع على أنه مبتدأ محذوف تقديره: هذا بابٌ. "من الإيمان بالله" أي: من خصال الإيمان بالله، ومن شعب الإيمان بالله : الصبر على أقداره ، أي: أن ذلك يدخل في الإيمان بالله، الذي هو أول أركان الإيمان الستة. والإيمان- كما عرّفه أهل السنّة والجماعة-: "قول باللسان، وعمل بالأركان" يعني: الجوارح "واعتقاد بالجَنان" يعني: بالقلب "يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية". هذا هو الإيمان. "الصبر على أقدار الله" الصبر لغة: الحبْس، قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَاصْبرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: احبسها مع هؤلاء. وأما في الشرع فالصبر هو: حبس النفس على طاعة الله وترك معصيته. وذكر العلماء: أن الصبر له ثلاثة أنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلِمة. فالأول: صبرٌ على طاعة الله: بأن يؤدي الإنسان ما أمر الله تعالى به؛ وإن كان فيه مشقّة عليه، وإن كانت نفسه تريد الراحة؛ فإنه يصبر، فيقوم للصلوات الخمس، ويقوم لصلاة الفجر ويترك النوم، ويقوم لصلاة الليل ويترك النوم، ويصوم ويترك الطعام والشراب، ويترك الأهل؛ طاعة لله ، ويجاهد في سبيل الله ويصبر على الجراح وعلى الآلام وعلى ملاقاة الأعداء، ويصبر على طاعة الله ، لأن الطاعة لابد فيها من تعب. الثاني: صبرٌ عن محارم الله: فيتجنّب ما نهى الله تعالى عنه، والنفس تنازعه تريد الشهوات المحرَّمة، فهو يصبر على حبسها عنها وإمساكها عنها، وإن كانت

стр. 453

تنازعه وتدعوه، وكذلك شياطين الإنس والجن يدعونه ويرغِّبونه ويحسِّنون له القبيح، لكن يمسك نفسه ويحبسها عن محارم الله. والثالث: صبرٌ على أقدار الله المؤلِمة: فإن أصابه مرض أو أصابته مصيبة في ماله أو ولده أو في قريبه فإنه يصبر ولا يجزع. هذا من الإيمان بالله، قال- تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) ﴾ ، يعرفون أن هذا من الله، وأنه بقضاء الله وقدره؛ فلا يجزعون ولا يتسخّطون. أما أقدار الله غير المؤلمة التي تلائم النفس فهذه لا تحتاج إلى صبر، لأن النفس تميل إليها. وهذا النوع الأخير- الصبر على أقدار الله المؤلمة- ذكروا أنه ثلاثة أنواع - أيضاً-: النوع الأول: حبس النفس عن الجزع. والنوع الثاني: حبس اللسان عن التشكِّي لغير الله . والنوع الثالث: حبس الجوارح عن لطم الخدود وشقِّ الجيوب. ويقول أمير المؤمنين علي ﵁: "الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد؛ فلا إيمان لمن لا صبر له"، ويقول الإمام أحمد ﵀: "وجدت أنّ الله ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعاً"؛ مما يدلّ على أهميّته، وعلى عِظَم شأنه. فالصبر له مقامٌ عظيمٌ في الدين، ولابد للمؤمن من الصبر لِمَا يواجه في هذه الحياة من المشاكل ومن المشاق والصعوبات لكنه يصبر عليها طاعة لله . وقوله: "على أقدار الله" أقدار جمع قدر، والقدر: ما قضاه الله في خلقه، فإن كلَّ شيء يجري في هذا الكون فإنه مقدَّر، ليس هناك شيء يجري بدون تقدير الله ؛ فالله علِمه وقدّره وكتبه ووقّته بوقت يحدُث فيه، فإنه أول ما خلق القلم قال له: "اكتب"، قال: ما أكتب؟ قال: "اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة"، فكتب في اللوح المحفوظ كلَّ شيء؛ فما من شيء يجري إلاَّ وهو مقدّرٌ من الله ومؤقّتٌ بوقت لا يتقدّم عليه ولا يتأخّر عليه ومكتوب في اللوح المحفوظ. والإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستّة. كما قال جبريل للنبي ﷺ :

стр. 454

وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ . قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلِّم". ــ أخبرني عن الإيمان؛ قال: "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"؛ فجعل الإيمان بالقدر ركناً من أركان الإيمان؛ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) ﴾ ، وكما في "الصحيح": "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء". فما من شيء يجري في هذا الكون من صغير أو كبير إلاَّ وقد قدّره الله . قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ "هذا بعض آية من سورة التغابُن، وأولها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) ﴾ . فقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يعني: أن جميع المصائب التي تنزل بالنّاس من أول الخليقة إلى آخرها، فإن الله قدّرها، ليس هناك مصيبة تحدُث في العالم إلاَّ وقد قّدرها الله . ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بقضائه وقدره؛ لأن إذن الله على نوعين: إذنٌ قدري كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بتقديره ومشيئته. والنوع الثاني: الإذن الشرعي، مثل: قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه. قوله: "قال: علقمة" هو: علقمة النخعي التابعي من كبار التابعين، وأحد النَّخَعييِّن الثلاثة الذين هم: علقمة والأسود وإبراهيم من تلاميذ ابن مسعود. ومعنى قوله: "هو الرجل تصيبه المصيبة" يعني: تنزل به المصيبة، إما في نفسه وإما في ماله وإما في ولده وإما في أهله وإما في أقاربه، فلا يجزع، ولكن يعلم أنها من عند الله، يعلم أن الله قد قدّرها وقضاها، وما قضاه الله وقدّره فلابد أن يقع، فلا يقول: لو أني فعلت كذا، لو أني عملت كذا ما نزلت بيَ المصيبة. فالمؤمن

стр. 455

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في النّاس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت". ــ يعلم هذا فيهون عليه الأمر، يعلم أنها من عند الله فيرضى بقضاء الله، ولا يجزع ولا يسخط، ويسلِّم لله ، ولقضاء الله وقدره. وقد سمّى الله هذا التسليم وهذا الرضى إيماناً، فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ يعني: يرضى بقضاء الله ويسلِّم له، وهذا هو الشاهد: إن الله سمى الصبر على المصيبة والرضى بقضاء الله وقدره إيماناً. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فثمرة الرضاء بقضاء الله والصبر والاحتساب: هداية قلبه، لأن الله يجعل في قلبه الإيمان والبصيرة والنور، وهذه ثمرة الصبر على قضاء الله وقدره. أما الذي يجزع فإن ذلك يسبِّب العكس، يسبِّب عمى قلبه، واضطراب نفسه، فهو يكون دائماً في اضطراب وقلق. أما المؤمن فهو مرتاح، من هذا كله. فدلّت الآية على مسائل عظيمة: المسألة الأولى: أن المصائب كلها بقضاء الله وقدره. المسألة الثانية: أن الرضى بها والصبر عليها من خصال الإيمان، لأن الله سمّاه إيماناً. المسألة الثالثة: أنّ ذلك يُثمر هداية القلب إلى الخير وقوة الإيمان واليقين. قال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان من النّاس" إلخ. قوله ﷺ : "اثنتان" يعني: خَصْلتان. "في النّاس" في بني آدم حتى ولو كانوا مسلمين فإنه يوجد في بعض المسلمين بعض خصال الجاهلية وبعض خصال الكفر الذي لا يخرج من الملة. " هما بهم كفر" هو كفر أصغر، لأن الكفر إذا نُكِّر فإنه يُراد به: الكفر الأصغر، أما إذا عُرِّف بـ (الألف واللام) فإنه يُراد به: الكفر الأكبر، كما في قوله: "بين العبد وبين الكفر والشرك: تركُ الصلاة"، وليس كلُّ من قام به خصلة من خصال الكفر يكون كافراً خالصاً، وإنما يكون فيه خصلة من خصال الكفر، كما أنه

стр. 456

ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". ــ ليس كلُّ من فيه خصلة من خصال النفاق يكون منافقاً خالصاً، وإنما تكون فيه خصلة من خصال النفاق. فالخصلة الأولى: "الطعن في النسب" تقدم الكلام عليه في باب سابق. والخصلة الثانية: "النِّياحة على الميِّت" والنياحة معناها: إظهار الجَزَع على الميت، كما كان أهل الجاهلية يفعلونه. والمطلوب والواجب: الصبر على موت الأقارب أو موت الأحباب. ولا يمنع هذا أن الإنسان يتألّم ويبكي، فالبكاء لا مانع فيه، والنبي ﷺ بكى على ابنه إبراهيم، وقال: "إن العين تَدْمَع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاَّ ما يُرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون". وهذا من الرحمة، وأيضاً هذا لا يستطيع الإنسان حبسه. فالآية دلّت على أن الصبر والرضى من خصال الإيمان، والحديث دلّ على أن الجزع من المصيبة وإظهار الجزع أنه من خصال الكفر؛ فهما متضادّان. قال: ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب" إلخ. قوله: "ولهما" أي: البخاري ومسلم. "عن ابن مسعود مرفوعاً" أي: إلى النبي ﷺ . "ليس منا" هذه الكلمة كثيراً ما تأتي عن الرسول ﷺ على معاص تصدُر من النّاس من باب التحذير منها، مثل قوله: "من غشّنا فليس منا"، وقوله ﷺ : "ليس منا من تشبّه بغيرنا"، ومنه هذا الحديث. وهذه الكلمة "ليس منا" معناها: البراءة ممّن فعل ذلك، ولكن ليس معناها أنه يخرُج من الإسلام، وإنما معناها: التنفير من هذا العمل. وأحسن ما يُقال فيها: أنها من ألفاظ الوعيد، ولا تُفسّر، لكن مع اعتقاد أنّ هذا لا يدل على الخروج من الدين لأدلّة أخرى دلَّت على أن أصحاب الكبائر التي دون الشرك لا يخرجُون من الدين.

стр. 457

والنياحة من الكبائر، لكنها دون الشرك؛ فلا تُخرِج من الدين. وقوله ﷺ : "من ضرب الخدود" ضرب الخدود جزعاً من المصيبة كفعل الجاهلية. لأن المشروع الصبر، وهذا عكسه، وهذا من باب الغالب. "وشَقَّ الجيوب" أي: جيوب الثياب؛ جزعاً من المصيبة. "ودعا بدعوى الجاهلية" يعني: نادى عند المصيبة بالألفاظ التي تقولها الجاهلية، والمراد بالجاهلية: ما كان قبل بِعْثة الرسول ﷺ في وقت الفترة. فلا يجوز أن نقول بعد بعثة النبي ﷺ : النّاس في الجاهلية، أو النّاس في جاهلية جهلاء. هذا لا يجوز أبداً، لأن الله رفع الجاهلية ببعثة الرسول ﷺ ، ولكن: قد تبقى خصالٌ من خصال الجاهلية، فيقال- مثلاً-: هذا من الجاهلية، وهذا من خصال الجاهلية. وليس مَنْ قام به خصلة من خصال الجاهلية يكون من أهل الجاهلية. فلا يجوز إطلاق الجاهلية بعد بِعثة النبي ﷺ . ومن دعوى الجاهلية: أن يتلفّظ بألفاظ الجاهلية، كأن ينادي ويقول: واعضداه، وانصيراه، واكذا وكذا. وكذا إثارة العصبيات والقوميات والحزبيات، وما إلى ذلك. كل ذلك من دعوى الجاهلية. وكذا التعصب للأقوال والمذاهب التي لا دليل عليها. قال ابن القيِّم ﵀: "المراد بدعوى الجاهلية: كل من تعصّب إلى مذهب، أو تعصّب إلى قبيلة". فالعصبية الجاهلية والنخوة الجاهلية كلُّه يدخل في دعوى الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أنه يتعصّب لأحد العلماء أو لأحد المذاهب ولا يقبل غير هذا المذهب أو لا يقبل غير هذا الرجل من العلماء، فهذه عصبية جاهلية. أو يتعصّب لقبيلته إذا كانت على خطأ، كما يقول الشاعر: وهل أنا إلاَّ من غَزِيّة إنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وإن تَرْشَد غزية أَرْشَد والواجب على المسلم: أن يَتْبع الحق سواء كان مع إمامه أو مع غيره، وسواء كان مع قبيلته أو مع غيرها، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ .

стр. 458

وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له بالعقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". ــ فلا تجوز العصبية للمذاهب، ولا تجوز العصبية للأشخاص، ولا تجوز العصبية للقبائل، وإنما المسلم يَتْبَع الحق مع من كان، ولا يتعصّب، ولا يترك الحق الذي مع خصمه. فالمسلم يدور مع الحق أينما كان، سواءً كان في مذهبه، أو مع إمامه، أو مع قبيلته، أو حتى مع عدوه. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، والنبي ﷺ يقول: "قل الحق ولو كان مُرًّا". قال: "وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله" إلخ". قوله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده الخير" أي: من علامة إرادة الله بعبده الخير: أن يعجِّل له العقوبة على ذنوبه؛ لأن الذنوب تصدُر من الإنسان بكثرة، ليس هناك أحدٌ معصوم إلاَّ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فيما عصمهم الله منه، "كلكم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون"؛ والإنسان تصدُر منه ذنوب كثيرة ومخالفات؛ فإذا أراد الله بعبده خيراً عجّل له العقوبة على هذه المعاصي في الدنيا حتى يطهِّره، وحتى ينتقل إلى الدار الآخرة ليس عليه ذنوب فيدخل الجنة. وقوله ﷺ : "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه" فلا تنزل به عقوبة، مع أنه يعصي ويزني ويخالف أوامر الله ، ومع هذا يُنَعَّم ويُصَحّ في جسمه، ولا يمرض. وهذه علامة شر، من أجل أن تبقى عليه ذنوبه. "حتى يوافي به يوم القيامة" يعني: يرجع إلى الله في الدار الآخرة وذنوبه عليه لم يُحَطُّ عنه منها شيء، فيعذَّب بها يوم القيامة، فدلّ هذا على أن صحّة الإنسان الدائمة ليستْ علامة خير. ودلّ هذا على أن الخير والشر كلُّه مقدَّرٌ من الله وبقضاء الله وقدره، وهو قدّر الشر لحكمة وقدّر الخير لحكمة لا يقدِّر شيئاً إلاَّ لحكمة عظيمة، ابتلاءً وامتحاناً.

стр. 459

وقال النبي ﷺ : "إن عِظَم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط" حسّنه الترمذي. ــ قال: "وقال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء" إلخ. قوله: "وقال النبي ﷺ " هذا حديث آخر، والمؤلف ﵀ قرن بينهما لأن راويهما واحد وهو أنس، والذي خرّجهما واحد وهو الترمذي، فلذلك ساقهما المصنِّف سياقاً واحداً. "إن عِظَم الجزاء" أي: عند الله . "مع عِظَم البلاء" وذلك أن المبتَلى إذا صبر ورضيَ بقضاء الله وقدره فإن الله يجزيه على ذلك الخير العاجل والآجل، فيجزيه الجزاء العظيم آجِلاً وعاجلا ًكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وهذا مع الصبر والاحتساب. والمراد بالبلاء هنا: الابتلاء والامتحان، فيصاب الإنسان بالشدّة، ويصاب بالمرض ويصاب بضياع المال ويصاب بموت القريب. ومن النّاس من تتكاثر عليه المصائب وتتابع، وهذه علامة خير إذا كان مؤمناً وصبر. وقوله: "وإن الله تعالى ذا أحبَّ قوماً ابتلاهم" هذه- أيضاً- حِكمة أخرى، وهِي: أن وجود الابتلاء والامتحان الذي يصيب المسلمين دليلٌ على محبة الله لهم، ولَمّا أحبهم ابتلاهم من أجل أن يخفِّف عنهم، ومن أجل أن ينتقلوا إليه وهم مخلِّصون من الذنوب. ومفهوم الحديث: أن الله إذا لم يحب قوماً يُمسك عنهم الابتلاء، من أجل أن ينتقلوا إلى الآخرة بذنوبهم فيعاقَبون عليها. "فمن رضي" بقضاء الله وقدره "فله الرضا" من الله . وهذا دليل على أنّ الجزاء من جنس العمل. "ومن سخِط" على قضاء الله وقدره "فله السخط" من الله جزاءً وفاقاً. فهذا فيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل، ران من رضي بالقضاء والقدر، وصبر على المصائب؛ فإن الله يرضى عنه ويحبُّه، وأن من لم يرضَ بالقضاء والقدر فإن الله يبغضه.

стр. 460

وهذه المصائب إنما هي ابتلاء وامتحان ليظهر الصابر من غير الصابر، وليترتّب الجزاء على ذلك من الله . فيُستفاد من هذه النصوص التي ساقها المصنِّف فوائد كثيرة: الفائدة الأولى: أن جميع المصائب بقضاء الله وقدره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ . الثانية: أن الرضى بقضاء الله وقدره من الإيمان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ يعني: يرضى ويصبر، سمى ذلك إيماناً. الثالثة: أن الإيمان له خصال، منها: الرضى بقضاء الله وقدره، وكما قال ﷺ : "الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعبة أعلاها: قولٌ لا إله إلاَّ الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبةٌ من الإيمان". الرابعة: أن الرضى بقضاء الله وقدره يسبِّب هداية القلوب: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ . الخامسة: يُستفاد من حديث أبي هريرة ﵁ أن الطعن في الأنساب والنياحة على الميّت من خصال الجاهلية. السادسة: أنه ليس كلُّ من اتّصف بشيء من أمور الجاهلية يكون كافراً الكفر الأكبر. السابعة: أن الكفر أنواع؛ كفرٌ أكبر يُخرج من الملة، وكفرٌ أصغر لا يُخرِج من الملّة. الثامنة: يُستفاد من حديث ابن مسعود: أن شق الحبوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية أنها كبائر، لأن النبي ﷺ تبرأ ممّن فعلها. التاسعة: فيه أنه يجب على المسلم الابتعاد عن خصال الجاهلية، وأنّ كل ما كان من أمور الجاهلية فهو مذموم. العاشرة: في حديث أنس ﵁: وصفُ الله بالرضى والسخط؛ وهما صفتان من صفاته تليقان بجلاله، ليس كرضى المخلوق ولا كسخط المخلوق. الحادية عشرة: في حديث أنس الأول: أنّ من علامة إرادة الخير بالمؤمن: أن
следующие страницы →